الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




رسائل الكركي - المحقق الكركي ج 1

رسائل الكركي

المحقق الكركي ج 1


[ 1 ]

مخطوطات مكتبة اية الله المرعشي العامة ( 33 ) رسائل المحقق الكركي تأليف المحقق الثاني الشيخ علي بن الحسين الكركي المتوفى سنة 940 ه‍ المجموعة الاولى تحقيق الشيخ محمد الحسون اشراف السيد محمود المرعشي

[ 2 ]

* الكتاب : رسائل المحقق الكركي - المجموعة الأولى * المؤلف : المحقق الثاني الشيخ علي بن الحسين الكركي * تحقيق : الشيخ محمد الحسون * الناشر : مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم * الطبع : مطبعة الخيام قم * الطبعة : الأولى * التاريخ : 1409 ه‍ ق * العدد : 1000 نسخة * السعر :

[ 3 ]

إهداء إليك يا سيد الوصيين وإمام المتقين إليك يا سيدي ومولاي يا أمير المؤمنين يا حافظ الشريعة المحمدية السمحاء اهدى هذا الجهد المتواضع راجيا نظرة قبول عبدك محمد الحسون

[ 5 ]

مقدمة التحقيق

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين محمد المصطفى وعلى عترته الميامين ، واللعن الدائم المؤبد على أعدائهم أجمعين من الان إلى قيام يوم الدين . وبعد : للمحقق الثاني الشيخ علي بن الحسين الكركي أكثر من أربعين رسالة في شتى العلوم ، إضافة إلى مؤلفاته الأخرى التي تصل إلى ستين مؤلفا بين رسالة ، وشرح ، وحاشية ، وفوائد على كتب متعددة ، وأجوبة على مسائل مختلفة . وبما أن هذه الرسائل تمثل جانبا من تراثنا القيم الذي لم ير النور لحد الان ، ولأهمية هذه الرسائل ، حيث أنها تبحث مسائل مختلفة ، الكثير منها محل اختلاف آراء العلماء . وبما أنه لم يتصد لجمع هذه الرسائل أحد ، لذلك آليت على نفسي جمع وتحقيق هذه الرسائل ، ثم تقديمها للطبع ، إلا أنني واجهت مشكلة عدم وجود النسخ الخطية لبعض هذه الرسائل ، مما حدا بي أن أطالع فهارس المخطوطات لكثير من المكتبات ، وأسأل هذا الشخص أو ذاك ، عسى أن أحصل على نسخة

[ 8 ]

خطية لاحدى هذه الرسائل ، فبعض عثرنا على نسخ خطية لها فصورنا قسما منها ، والبعض الآخر لا زلنا نبحث عنها . وكان بودي أن تخرج هذه الرسائل كاملة ، إلا أن فقدان النسخ الخطية لبعضها جعلنا نخرج المجموعة الأولى منها ، وإن شاء الله سنخرج بعدها المجاميع الأخرى بعد تصوير نسخها الخطية وتحقيقها . وتحتوي هذه المجموعة على ست رسائل هي : 1 - الرسالة النجمية . 2 - الرسالة الجعفرية . 3 - رسالة في صلاة الجمعة . 4 - رسالة صبغ العقود والايقاعات . 5 - الرسالة الرضاعية . 6 - رسالة قاطعة اللجاج في تحقيق حل الخراج . الرسالة النجمية : وهي رسالة وجيزة ( 1 ) صغيرة في حجمها كبيرة في محتواها ، جمع المصنف رحمه الله فيها بين علمي الكلام والفقه على قدر مالا يسع لأحد جهله . ذكر رحمه الله في البداية كل ما يجب على المكلف - حر وعبد ، ذكر وأنثى - أن يعرفه من الأصول الخمسة ، التي هي أركان الايمان : التوحيد ، العدل ، النبوة ، الامامة ، المعاد . فعقد لكل واحد من هذه الأصول الخمسة فصلا مستقلا ، وتناوله بشئ من الايجاز ، مع سهولة العبارة وشموليتها .

( 1 ) انظر : الذريعة 11 : 228 ، 24 : 72 ، أعيان الشيعة 8 : 210 ، تاريخ كرك نوح 141 .

[ 9 ]

ثم ذكر الصلاة حيث قال : ويجب على كل مكلف أن يعرف ما كلف به من العبادات وأعظمها الصلاة . فتعرض أولا لمقدمات الصلاة السبعة وهي : الطهارة ، إزالة النجاسات ، ستر العورة ، الوقت ، المكان ، ما يصح السجود عليه ، القبلة . ثم ذكر الطهارة بأنواعها ، وذكر موجباتها وواجباتها وكيفيتها . ثم تعرض إلى أفعال الصلاة الثمانية : النية ، تكبيرة الاحرام ، القراءة ، القيام ، الركوع ، السجود ، التشهد ، التسليم . وذكر بعدها مسائل الشك والسهو . وختم كلامه بذكر بقية الصلوات الواجبة وهي : الجمعة ، العيدان ، الآيات ، الطواف ، الأموات ، الملتزم بنذر وشبههه . توجد من هذه الرسالة نسخة خطية من المكتبة الرضوية في مدينة مشهد المقدسة ضمن المجموعة المرقمة 888 ، وهي تحتوي إضافة لهذه الرسالة الجعفرية للمصنف ومصباح المبتدئ لابن فهد الحلي . الرسالة الجعفرية : وهي رسالة مختصرة ( 1 ) في بيان الصلوات الواجبة والمندوبة على المكلف ، ألفها رحمه الله تلبية لطلب بعض أحبائه ، حيث قال في المقدمة : فإن التماس من إجابته من فضل الطاعات ، وإسعافه بقضاء حاجته من أقرب القربات أن أكتب رسالة موجزة تشتمل على واجبات الصلوات المفروضات - وما عساه يسنح - من المندوبات ، جدير بالمسارعة إلى إسعافه بتحقيق مراده ، وبإبراز سؤاله وفعل مأموله . فرغ منها في سنة 917 ه‍ في مشهد الإمام الرضا عليه السلام . جعلها مؤلفها رحمه الله في مقدمة ، وأبواب أربعة ، وخاتمة :

( 1 ) انظر : الذريعة 5 : 110 ، أعيان الشيعة 8 : 210 ، تاريخ كرك نوح : 141 .

[ 10 ]

أما المقدمة : فذكر فيها تعريف الصلاة لغة وشرعا ، وما ورد من بعض التعاريف لها ، وما أورد عليها ، ثم ذكر ما يجب معرفته أمام فعلها . أما الأبواب : فالأول ذكر فيه الطهارة ، وفي الثاني مقدمات الصلاة ، وفي الثالث أفعال الصلاة ، وفي الرابع التوابع . أما الخاتمة : فذكر فيها باقي الصلوات . وقد لاقت الجعفرية شهرة عظيمة ورواجا بين العلماء فشرحها عدد من العلماء ، وترجمها آخرون . نذكر بعض ما تعرفنا عليه من شروحها أثناء مطالعتنا القاصرة : 1 - شرح المصنف رحمه الله ( 1 ) . 2 - شرح تلميذه السيد شرف الدين على الحسيني الاسترابادي . وسمى شرحه : ( الفوائد الغروية في شرح الجعفرية ) ( 2 ) . 3 - شرح الأمير محمد بن أبي طالب الموسوي الاسترابادي ، وسمى شرحه : ( المطالب المظفرية في شرح الجعفرية ) ( 3 ) . وتوجد منه ثلاث نسخ خطية في مكتبة آية الله العظمى السيد المرعشي النجفي " دام عزه " : أ : نسخة برقم 1521 ، مجهولة الكاتب والتاريخ ، تقع في 144 ورقة ( 4 ) . ب - نسخة برقم 2776 ، مجهولة الكاتب والتاريخ ، تقع في 188 ورقة ( 5 ) . ج : نسخة برقم 2905 ، مجهولة الكاتب والتاريخ ، تقع في 178 ورقة ( 6 ) . 4 - شرح الشيخ شرف الدين يحيى بن عز الدين حسين بن عشيرة بن ناصر

( 1 ) الذريعة 5 : 111 . ( 2 ) الذريعة 16 : 352 . ( 3 ) الذريعة 21 : 140 . ( 4 ) فهرس النسخ الخطية للمكتبة 4 : 323 . ( 5 ) فهرس النسخ الخطية للمكتبة 7 : 333 . ( 6 ) فهرس النسخ الخطية للمكتبة 8 : 102 .

[ 11 ]

البحراني ( 1 ) . 5 - شرح سمي المؤلف ومعاصره الشيخ علي بن عبد الصمد الميسي ( 2 ) . 6 - شرح الشيخ عيسى بن محمد الجزائري المتوفى حدود سنة 1060 ه‍ ( 3 ) . 7 - شرح الفاضل جواد بن سعد الله بن جواد الكاظمي البغدادي وسمى شرحه : ( الفوائد العلية في شرح الجعفرية ) ( 4 ) . توجد منه نسخة خطية في المكتبة العامة لاية الله العظمى السيد المرعشي النجفي " دام عزه " تحت رقم 1712 ، كتابتها في القرن الحادي عشر ، وتقع في 254 ورقة ( 5 ) . وقد ترجمها إلى الفارسية في حياة المصنف حسن بن غياث الدين الاسترابادي ( 6 ) توجد نسخة خطية من هذه الترجمة في المكتبة العامة لاية الله العظمى السيد المرعشي النجفي " دام عزه " ، ضمن المجموعة المرقمة 4208 ، كتابتها في القرن الحادي عشر ، وتقع في 41 ورقة ( 7 ) . وتوجد عدة نسخ خطية من الجعفرية في المكتبة العامة لاية الله العظمى السيد المرعشي النجفي " دام عزه " ، منها : أ : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 69 ، تاريخ كتابتها سنة 1063 ه‍ ، تقع في 61 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 1 : 82 .

( 1 ) الذريعة : 3 : 436 . ( 2 ) الذريعة 5 : 111 . ( 3 ) الذريعة 5 : 111 . ( 4 ) الذريعة 16 : 350 . ( 5 ) فهرس النسخ الخطية للمكتبة 5 : 103 . ( 6 ) الذريعة 4 : 94 . ( 7 ) فهرس النسخ الخطية للمكتبة 11 : 209 .

[ 12 ]

ب : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 41 ، تاريخ كتابتها سنة 1051 ه‍ ، تقع في 81 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 1 : 53 . ج : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 680 ، تاريخ كتابتها سنة 939 ه‍ ، تقع في 61 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 2 : 273 . د : نسخة برقم 706 ، تاريخ كتابتها سنة 1051 ه‍ ، تقع في 81 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 2 : 302 . ه‍ : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 1149 ، تاريخها مجهول ، تقع في 66 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 3 : 323 . و : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 1467 ، تاريخ كتابتها سنة 1106 ه‍ ، تقع في 47 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 4 : 259 . ز : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 3838 ، تاريخ كتابتها سنة 1058 ه‍ ، تقع في 90 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 10 : 220 . ح : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 4079 ، تاريخ كتابتها سنة 971 ه‍ ، تقع في 41 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 11 : 89 . ط : نسخة برقم 4958 ، تاريخ كتابتها سنة 1082 ه‍ ، مذكورة في فهرس المكتبة 13 : 155 . ي : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 5133 ، تاريخ كتابتها سنة 1000 ه‍ ، تقع في 63 ، ورقة مذكورة في فهرس المكتبة 13 : 327 . رسالة صلاة الجمعة : وهي رسالة لطيفة جدا ( 1 ) ، تتصف بالعمق والشمولية مع سلاسة العبارة

( 1 ) انظر : الذريعة 15 : 75 ، أعيان الشيعة 8 : 210 ، تاريخ كرك نوح : 141 .

[ 13 ]

وسهولتها ، بحث فيها المصنف رحمه الله صلاة الجمعة في ثلاثة أبواب وخاتمة : الباب الأول : وفيه ثلاث مقدمات : ففي الأولى بحث مسألة أصولية طالما اختلف العلماء فيها ، وهي : أن الوجوب إذا رفع هل يبقى الجواز أم لا ؟ وتعرض للقائلين بالنفي والاثبات ، ولأدلتهم وما أورد عليها من إشكالات . وفي المقدمة الثانية تعرض الكركي رحمه الله إلى اتفاق أصحابنا رضوان الله تعالى عليهم على أن الفقيه العدل الامامي الجامع لشرائط الفتوى ، المعبر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية نائب من قبل أئمة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل ، فيجب التحاكم إليه والانقياد إلى حكمه ، وأشار أيضا إلى ما يدل على ذلك . وفي المقدمة الثالثة أشار رحمه الله إلى مسألة اشتراط الإمام المعصوم أو نائبة في صلاة الجمعة ، وذكر من ادعى الاجماع على ذلك ، ثم تعرض لبعض ما يدل على ذلك . وأما الباب الثاني فقد تعرض المحقق الكركي رحمه الله إلى مسألة طالما اختلف العلماء فيها ، وكثر البحث والجدال حولها ، ولا زال قائما إلى يومنا هذا ، وهي مسألة حكم صلاة الجمعة حال غيبة الإمام عليه السلام فذكر رحمه الله قولين : الجواز ، والمنع . وذكر القائلين بكل قول وأدلتهم ، وما أورد على كل قول وما أجيب عنه ، وذهب هو إلى القول الأول . والباب الثالث خصصه إلى أن الجمعة لا تشرع حال الغيبة إلا مع حضور الفقيه الجامع للشرائط ، وذكر إجماع الامامية على ذلك ، وما أورد عليه من مناقشات علمية وجواباتها . وأما الخاتمة فقد تعرض فيها إلى أوصاف الفقيه النائب في زمان الغيبة ، وحصرها في ثلاثة عشر وصفا .

[ 14 ]

وقد انتهى من تأليفها سنة 921 ه‍ . وتوجد من هذه الرسالة ثلاث نسخ خطية في المكتبة العامة لاية الله العظمى السيد المرعشي النجفي " دام عزه " ، هي : أ : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 110 ، تاريخ كتابتها سنة 924 ه‍ ، تقع في 10 أوراق ، مذكورة في فهرس المكتبة 1 : 132 . ب : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 1409 ، تاريخ كتابتها سنة 1128 ه‍ ، تقع في 12 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 4 : 187 . ج : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 4933 ، تاريخ كتابتها سنة 964 ه‍ ، تقع في سبعة أوراق ، مذكورة في فهرس المكتبة 13 : 133 . رسالة صيغ العقود والايقاعات : وهي رسالة وجيزة ( 1 ) تبين ما يجب التلفظ به في العقود والايقاعات ، فتبين أولا العقود بمختلف أنواعها ، ثم الايقاعات . توجد عدة نسخ خطية من هذه الرسالة في المكتبة العامة لاية الله العظمى المرعشي النجفي " دام عزه " ، وهي : أ : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 22 ، كتابتها في القرن العاشر ، تقع في 22 ورقه ، مذكورة في فهرس المكتبة 1 : 34 ، وفيها إجازة السيد عبد الحق بن علي ابن عيسى بن حسين للشيخ حسن بن علي بن عبد الله بن باقر بتاريخ 987 ه‍ . ب : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 113 ، تاريخ كتابتها سنة 962 ه‍ ، تقع في 24 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 1 : 153 . ج : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 210 ، تاريخ كتابتها مجهول ، تقع في 11

( 1 ) انظر : الذريعة 15 : 110 ، أعيان الشيعة 8 : 210 ، تاريخ كرك نوح : 141 .

[ 15 ]

ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 1 : 240 . د : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 680 ، تاريخ كتابتها سنة 939 ه‍ ، تقع في 29 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 2 : 273 . ه‍ : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 1466 ، تاريخ كتابتها مجهول تقع في 21 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 4 : 257 . و : نسخة برقم 2766 ، تاريخ كتابتها سنة 1120 ه‍ ، تقع في 31 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 7 : 325 . ز : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 4079 ، تاريخ كتابتها القرن الحادي عشر ، تقع في 25 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 11 : 90 . ح : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 4696 ، تاريخ كتابتها سنة 1060 ه‍ ، تقع في 14 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 12 : 281 . ط : نسخة برقم 4954 ، تاريخ كتابتها سنة 1008 ه‍ ، تقع في 40 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 13 : 153 . الرسالة الرضاعية : فرغ منها المصنف رحمه الله ( 1 ) في الحادي عشر من شهر ربيع الآخر سنة 916 ه‍ . وتعرض فيها إلى مسألة مهمة تترتب عليها آثار جمة دنيوية وأخروية ، حيث ذكر عدة مسائل تتعلق بالرضاع ، وركز على ثلاث منها : أ : جدات المرتضع بالنسبة إلى صاحب اللبن هل تحل أم لا ؟ . ب : أخوات المرتضع نسبا أو رضاعا بشرط اتحاد الفحل هل يحللن أم لا ؟ . ج : أولاد صاحب اللبن ولادة ورضاعا ، وكذا أولاد المرضعة ولادة وكذا

( 1 ) الذريعة 11 : 192 ، أعيان الشيعة 8 : 210 . تاريخ كرك نوح : 141 .

[ 16 ]

رضاعا مع اتحاد الفحل بالنسبة إلى إخوة المرتضع هل يحللن لهم أم لا ؟ . والظاهر أن هذه المسائل كانت محل خلاف بين العلماء في ذلك الوقت ، وهذا يظهر واضحا من مقدمة المصنف رحمه الله ، ومن جواب الشيخ إبراهيم القطيفي المعاصر للمصنف ، حيث ألف الأخير رسالة مستقلة في الرد على المصنف . وقال السيد محسن الأمين : أنه - الشيخ إبراهيم القطيفي - قد أساء فيها الأدب وتكلم بما لا يليق بالعلماء ، مع عدم أصابته في أكثر ما رد به ، ولو فرض جدلا أنه مصيب في رده لكان مخطئا كل الخطأ وخارجا عن طريقة أهل العلم في بذاءته ( 1 ) . ونحن نذكر هنا ما ذكر المصنف رحمه الله في مقدمة الرسالة ، ثم نذكر ما ذكره الشيخ إبراهيم القطيفي في مقدمة رسالته : قال الكركي رحمه الله : اشتهر على ألسنة الطلبة في هذا العصر تحريم المرأة على بعلها بإرضاع بعض من سنذكره ، ولا نعرف لهم من ذلك أصلا يرجعون إليه من كتاب ، أو سنة ، أو إجماع ، أو قول لأحد من المعتبرين ، أو عبارة يعتد بها تشعر بذلك ، أو دليل مستنبط في الجملة يعول على مثله بين الفقهاء . فإن الذين شاهدناهم من الطلبة وجدناهم يزعمون أنه من فتاوى شيخنا الشهيد قدس الله روحه ، ونحن لأجل مباينة هذه الفتوى لأصول المذهب استبعدنا كونها مقالة لمثل شيخنا على غزارة علمه وثقوب فهمه . لا سيما ولا نجد لهؤلاء المدعين لذلك اسنادا يتصل بشيخنا في هذه الفتوى يعتد به ، ولا مرجعا يركن إليه . ولسنا نافين لهذه النسبة عنه رحمه الله استعانة على القول بفساد هذه الفتوى ، فإن الأدلة على ما هو الحق اليقين واختيارنا المبين بحمد الله كثيرة جدا ، لا يستوحش معها من قلة الرفيق .

( 1 ) أعيان الشيعة 8 : 211 .

[ 17 ]

نعم ، اختلف أصحابنا في ثلاث مسائل ، قد يتوهم منها القاصر عن درجة الاستنباط أن يكون دليلا لشئ من هذه المسائل ، أو شاهدا عليها . وسنبين المسائل التي نحن بصددها مما لم يتعرض له الأصحاب ، والثلاث التي ذكرنا أن للأصحاب فيها اختلافا ، ومعطين البحث حقه في المقامين ، سالكين محجة الانصاف في المقصدين ، غير تاركين لأحد في ذلك تعللا ما دام على جادة العدل متحليا بحلية التحقيق . وقال الشيخ إبراهيم القطيفي في أول رسالته : أني وقفت في تاريخ شهر ذي الحجة الحرام آخر شهور سنة 926 ه‍ على رسالة لبعض المعاصرين ألفها في الرضاع وأورد فيها مسائل زعم أن عليها الاجماع ، وزعم أنها ظاهرة لا تشتبه إلا على من يقصر عن الاستنباط . وهو كما رأيته وترى لا ينفك عن المبالغة والانفراط ، والمتأمل المخلص عسى أن يهتدي إلى سواء السبيل ، فيفهم أن المبالغة بتحسين اللفظ خاصة من غير رباط . كان بسبب وقوفي عليها أن بعض الطلبة التمس مني قراءتها ليحصل منها فائدتها فلما ابتدأ بها رأيت مبدأها عثارا ، فتأملتها فإذا هي مما لا ينبغي سطره ولا يحسن بين الطلبة ذكره ، فأعرضت عنها إعراض من لا يؤوي منهزمها ، ولا يلتفت إلى نقض مبرمها . ثم رأيت أن ذلك يدخل في كتمان العلم فإن الشخص المنسوبة إليه قد ينسب إليه كمال الفضل من لا يظهر عليه ، خصوصا أنه في الحل والحرمة المتعلقة بالنكاح وقد أفتى بالحل لا مقتصرا على الفتوى ، بل ناقلا للاجماع وهو الداهية الدهماء ، ولا عجب كيف لم يعرف مواقع الخلاف لأنه بمعزل عن امعان النظر وأعمال الفكر وحفظ الآثار .

[ 18 ]

فأوجبت على نفسي تأليف هذه الرسالة ، وقد أحببت أن أكمل الفائدة بفوائد حسنة نفيسة ، واجعل بعض حشوه من جملة المباحث . ثم قال في مقام الرد على الكركي : إن الرجل المعاصر الذي هو عن معرفة الدقائق بل عن إدراك الحقائق قاصر ، تكلم هنا بكلام رث وحشو لا طائل تحته . ثم قال في بعض كلامه : وانظر إلى فهم هذا القاصر واعتراضه ، ثم وصفه بأنه قاصر عن مدارك الأحكام ، ثم كرر في كلامه : قال المعاصر القاصر ، ثم قال : أشهد بالله أن جهاد مثل هذا الرجل على الغلط والأغلاط في المسائل أفضل من الجهاد بالضرب بالسيف في سبيل الله . ثم قال : وهذا في الحقيقة نقض على الإمام عليه السلام ، فانظر لسوء فهم هذا الرجل إلى أين يبلغ به . ثم قال : فكأن هذا الرجل مع قصور فهمه لم يعرف اصطلاح الفن ، ولم يسمع ما حال أهله فيه ثم قال : العجب من هذا الكلام ممن نسب صاحبه إلى الفضل ، فإن هذا من غرائب الدهر ونوادر العمر ، وحيث اقتضت البلوى من تهافت الطالبين وتقادم أزمنة العالمين الجواب عنه بتحمل ذي الجواب عما لا يحتاج إلى الجواب إذ هو بالاعراض حقيق ، فنقول أولا : ما ذكره من الاحتمال لا بلبق بمن يسمع الرواية ، بل بمن نسي ما فيها أو عمي عنه عمى القلب ، فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور . ثم قال : هذا الرجل لاضطرابه لا يبالي بما قال وبما قيل ، ولقلة فهمه لا يدري ما أسلف ولا ما أسلفه . ثم قال : فانظر أيها المتأمل في حظ هذا الرجل وقلة تحصيله واستقامته . ثم قال : هذا الكلام من العجائب التي لم يسبق مثلها إلا أن يشاء الله ، وأنا أنبه على ما فيه ليقضي الناظر فيه حق التعجب . ثم قال : وهذا من المصائب في الدين التي والله ليست بهينة ، قال الشاعر :

[ 19 ]

مصائب دنيانا تهون وإنما * مصائبنا في الدين هن العظائم وإنما كانت مصيبة لأن هذا الرجل قد نسب إليه بعض الفاضلين الفضل ، بل كماله . ثم قال نعوذ بالله من غفلة ونقص وقصور توقع في مثل هذا . ثم قال : من عرف ضبط هذا الرجل لا يتعجب من مثل هذا الكلام ، ثم قال : هذا الرجل يخبط خبط عشواء ولا يتأمل المعنى ويعترض على الفضلاء في غير موضع الاعتراض . ثم قال : لكن هذا الرجل لقوة وهمه وقصور فهمه وعدم رؤيته من طعم الفقه وأصوله إلا كأضغاث الاحلام لا يبالي أين رمى الكلام ، ثم قال : إلا يستحى هذا الرجل من مثل هذا الكلام ، ثم قال : وقد تأملت فرأيت أن وهمه نشأ من نهاية قصوره التي لا توصف . ثم قال : وما ذكره من الكلام فقد انقدح في خاطري جواب عنه حسن ، هو أنه كثير الدعوى مفرط في الشناعة ، أراد الله أن يبين قصوره عن درجة الاستنباط بشهادته على نفسه وتصريحه بخبطه وقلة فهمه ، فإن رسالته هذه لا تبلغ كراريس ، وقد اضطرب وخبط فيها هذا الخبط فما ظنك بها لو طالت . وقال السيد محسن الامين بعد أن نقل ما ذكرناه : فانظر واعجب إلى هذه الجرأة العظيمة من القطيفي على الشيخ علي الكركي ، الذي اعترف جميع العلماء بعلو مكانه حتى لقبوه بالمحقق الثاني ، وتداولوا تواليفه العظيمة النافعة في كل عصر وزمان . فانظر كيف يصف الطائي بالبخل مادر ، ويعير قسا بالفهاهة بأقل ( 1 ) . وتوجد عدة نسخ من هذه الرسالة في المكتبة العامة لاية الله العظمى السيد المرعشي النجفي " دام عزه " ، منها :

( 1 ) أعيان الشيعة 8 : 211 .

[ 20 ]

أ : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 680 ، تاريخ كتابتها سنة 939 ه‍ ، تقع في 21 ورقة مذكورة في فهرس المكتبة 2 : 274 . ب : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 1466 ، تاريخها مجهول ، تقع في 11 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 4 : 258 . ج : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 1409 ، تاريخ كتابتها سنة 1128 ه‍ ، تقع في 8 أوراق ، مذكورة في فهرس المكتبة 4 : 187 . د : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 1519 ، تاريخ كتابتها سنة 1246 ه‍ ، تقع في 9 أوراق ، مذكورة في فهرس المكتبة 4 : 320 . ه‍ : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 2773 ، تاريخ كتابتها سنة 940 ه‍ ، تقع في 19 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 7 : 332 . و : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 3179 ، تاريخ كتابتها سنة 1055 ه‍ ، تقع في 8 أوراق ، مذكورة في فهرس المكتبة 8 : 403 . ز : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 3212 ، تاريخ كتابتها سنة 1075 ه‍ ، تقع في 18 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 9 : 16 . ح : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 5151 ، تاريخ كتابتها سنة 1116 ه‍ ، تقع في 7 أوراق ، مذكورة في فهرس المكتبة 13 : 361 . الرسالة الخراجية : فرغ من تأليفها ( 1 ) في 21 ربيع الآخر سنة 916 ه‍ ، وهي كسابقتها - الرضاعية - تعرض فيها المصنف رحمه الله إلى مسألة مهمة جدا اختلف الفقهاء فيها اختلافا

( 1 ) الذريعة 17 : 7 ، أعيان الشيعة 8 : 211 ، تاريخ كرك نوح : 141 .

[ 21 ]

كبيرا ، وهي مسألة الخراج ، وحلية أخذه من السلطان الجائر ، وتعيين الأرض الخراجية عن غيرها . وكان المحقق الكركي رحمه الله قد ترك بلاد ايران - مع ما كان له فيها من الجاه الطويل العريض - لأسباب قاهرة وسكن العراق ، وأن الضرورة قد دعته إلى تناول شئ من خراج العراق من يد السلطان لأمر معاشه ، وقيل ذهابه إلى ايران كانت تصل إليه هدايا وجوائز من الشاه إسماعيل الصفوي ، لينفقها في تحصيل العلم ، ويفرقها في جماعة الطلاب والمشتغلين . وقد عاب عليه معاصره الشيخ إبراهيم القطيفي قبول هذه الهدايا ، كما وألف رسالة مستقلة في الرد على الكركي حول مسألة الخراج ، وسماها " السراج الوهاج لدفع عجاج قاطقة الخراج " ( 1 ) ، وهي كسابقتها في رد الرضاعية ، حيث خرج القطيفي فيها عن أسلوب المناقشة النزيهة ، واتبع أسلوبا في الرد لا يليق بالعلماء . ثم أن المحقق الأردبيلي رحمه الله ألف رسالة في الخراج وأيد فيها الشيخ القطيفي ، فألف الشيخ ماجد بن فلاح الشيباني - وهو معاصر للاردبيلي - رسالة في الخراج رد بها على الأردبيلي وقوى قول المحقق الكركي بحلية الخراج ، وضعف قول القطيفي . ونحن نذكر هنا ما جاء في مقدمة المحقق الكركي في هذه الرسالة ، وما قاله الشيخ القطيفي في مقدمة رسالته أيضا . قال الكركي رحمه الله : لما توالى على سمعي تصدي جماعة من المتمسين

( 1 ) توجد منها نسخة خطية في المكتبة العامة لاية الله العظمى السيد المرعشي النجفي " دام عزه " ضمن المجموعة المرقمة 5151 ، تاريخ كتابتها سنة 1116 ه‍ تقع في 86 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 13 : 357 . كما وطبعت ضمن عدة رسائل باسم كلمات المحققين .

[ 22 ]

بسمة الصلاح ، وثلة من غوغاء الهمج الرعاع اتباع كل ناعق الذين أخذوا من الجهالة بحظ وافر ، واستولى عليهم الشيطان ، فحل منهم في سويداء الخاطر لتفريض العرض وتمزيق الاديم ، والقدح بمخالفة الشرع الكريم ، والخروج عن سواء النهج القويم . حيث إنا لما ألزمنا الإقامة ببلاد العراق وتعذر علينا الانتشار في الافاق ، لأسباب ليس هذا محل ذكرها ، لم نجد بدا من التعلق بالغربة لدفع الأمور الضرورية من لوازم متممات المعيشة ، مقتفين في ذلك الأمر جمع كثير من العلماء ، وجم غفير من الكبراء الأتقياء ، اعتمادا على ما ثبت بطريق أهل البيت عليهم السلام : من أن أرض العراق ونحوها مما فتح عنوة بالسيف لا يملكها مالك مخصوص ، بل هي للمسلمين قاطبة ، يؤخذ منها الخراج والمقاسمة ، ويصرف في مصارفه التي بها رواج الدين بأمر إمام الحق من أهل البيت عليهم السلام كما وقع في أيام أمير المؤمنين عليهم السلام ، وفي حال غيبتهم عليهم السلام قد أذن أئمتنا عليهم السلام لشيعتهم في تناول ذلك من سلاطين الجور كما سنذكره مفصلا ، فلذلك تداوله العلماء الماضون والسلف الصالحون غير مستنكر ولا مستهجن . وفي زماننا حيث استولى الجهل على أكثر أهل العصر ، واندرس بينهم معظم الأحكام ، وخفيت مواقع الحلال والحرام ، وهدرت شقاشق الجاهلين ، وكثرت جرأتهم على أهل الدين ، استخرت الله وكتبت في تحقيق هذه المسألة رسالة على وجه بديع ، تذعن له قلوب العلماء ولا تمجه أسماع الفضلاء . واعتمدت في ذلك أن ابين عن هذه المسألة التي أفل بدرها ، وجهل قدرها ، غيرة على عقائل المسائل ، لا حرصا على حطام هذا العاجل ، ولا تفاديا من تعريض جاهل . فإن بموالينا أهل البيت عليهم السلام أعظم أسوة وأكمل قدوة ، فقد قال الناس فيهم الاقاويل ، ونسبوا إليهم الأباطيل ، وبملاحظة لو كان المؤمن في جحر

[ 23 ]

ضب يبرد كل غليل . وقال الشيخ إبراهيم القطيفي في مقدمة رسالته : وأن بعض إخواننا في الدين قد ألف رسالة في حل الخراج وسماها قاطعة اللجاج ، وأولى باسمها أن يقال : مثيرة العجاج كثيرة الاعوجاج . ولم أكن ظفرت بها منذ ألفها إلا مرة واحدة في بلد سمنان ، وما تأملتها إلا كجلسة ، العجلان ، فأشار إلى من تجب طاعته بنقضها ، ليتخلق من رآها من الناس برفضها ، فاعتذرت ، وما بلغت منها حقيقة تعريضه بل تصريحه بأنواع الشنع . فلما تأملته الان مع علمي بأن ما فيها أو هي من نسج العناكب ، فدمع الشريعة على ما فيها من مضادها ساكب ، وهو مع ذلك لا يألو جهدا بأنواع التعريض بل التصريح ، لكن المرء المؤمن يسلي نفسه بالخبر المنقول عنهم عليهم السلام : " لا يخلو المرء المؤمن من خمس - إلى أن قال - : ومؤمن يؤذيه " ، فقيل : مؤمن يؤذيه ؟ ! قال : " نعم ، وهو شرهم عليه ، لأنه يقول فيه فيصدق " ، وفي قوله تعالى : " وإن تتقوا وتصبروا فإن ذلك من عزم الأمور " ، وقوله : " وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما تعملون محيط " أتم دلالة ، وقد حسن بي أن أتمثل بقول الشاعر عنترة العبسي : ولقد خشيت بأن أموت ولم تكن * للحرب دائرة على ابني ضمضم الشاتمي عرضي ولم اشتمهما * والناذرين إذا لم ألقهما دمي فاستخرت الله على نقضها ، وابانة ما فيها من الخلل والزلل ليعرف أرباب النظر الحق فيتبعوه والباطل فيجتنبوه ، فخرج الأمر بذلك ، فامتثلت قائلا من قريحتي الفاترة على البديهة الحاضرة ثلاثة أبيات : فشمرت عن ساق الحمية معربا * لتمزيقها تمزيق أيدي بني سبا وتفريقها تفريق غيم تقيضت * له ريح خسفت صيرت جمعه هبا

[ 24 ]

أبى الله أن يبقي ملاذا لغافل * كذاك الذي لله يفعل قد أبى ألفت هذه الرسالة وسميتها ( السراج الوهاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج ) . ثم إنه قدم مقدمة ذكر فيها فوائد خمس : الأولى : في حرمة كتمان العلم والفقه ، فذكر الآيات والأخبار الواردة في ذلك . الثانية : في ما ورد في ذم اتباع السلطان من العلماء ونحو ذلك . الثالثة : في مدح من أعان طالب العلم وذم من آذاه . الرابعة : في مدح العالم وذم التارك للعمل . الخامسة : في الحيل الشرعية . ثم شرع في الردود فكان مما قاله ردا على المحقق الكركي : لم يرض هذا المعتذر أن ارتكب ما ارتكبه إلا بأن ينسب مثل فعله إلى الانقياء ، وليث شعري أي تقي ارتكب ما ارتكبه من أخذ قرية يتسلط فيها بالسلطان ، فإن كان وهمه يذهب إلى مثل العلامة فهذا من الذي يجب عنه الاستغفار ويطهر الفم بتكراره بعد المضمضة ، فإن الذي كان له من القرى حفر أنهارها بنفسه وأحياها بحاله ، لم يكن لأحد فيها من الناس تعلق أبدا ، وهذا مشهور بين الناس . ويزيده بيانا أنه وقف أكثر قراه في حياته وقفا مؤيدا ، ورأيت خطه عليه ، وخط الفقهاء المعاصرين له من الشيعة والسنة ، ومنه إلى الان في يد من ينسب إليه يقبضه بسبب الوقف الصحيح ، وفي صور سجل الوقف أنه أحياها وكانت مواتا . والوقف الذي عليه خطه وخط الفقهاء موجود إلى الان ، ومع ذلك فالظن بمثله لما علم من تقواه وتورعه يجب أن يكن حسنا ، ولو لم يكن من تقواه إلا أن أهل زمانه فيه بين معتقد فيه مالا يذكر ، وآخر يعتقد فيه الأمر المنكر ، ويبالغون في نقضه ، ويعملون بنقل الميت دون قوله ، كما صرح به هو عن نفسه ، وهو في أعلى مراتب القدرة عليهم ، ولم يتعرض لغير الاشتغال باكتساب الفضائل العلمية

[ 25 ]

والأحكام النبوية واحياء دارس الشريعة المحمدية ، لكان كافيا في كمال ورعه وجمال سيرته . ونحو ذلك يقال في علم الهدى وأخيه رضوان الله عليهما ، على أن الذي يجب على هذا المستشهد أن ينقل عنهم ولو بخبر واحد أنهم أخذوا القرية الفلانية لأمر السلطان لهم بذلك ، حتى يثبت استشهاده ، وحسن أن يتمثل له يقول الشاعر : وأفحش عيب المرء أن يدفع الفتى * اذى النقص عنه بانتقاص الأفاضل ثم قال ردا على بعض كلام الكركي : إن هذا من كرامات القرن العاشر ، حيث أظهر أن من يسمى بالعلم ويوصف به ويجلس منتصبا للفتوى يبسط مثل هذا في منتصف وليس اعجب من ذلك الاسماع أهل القرن لهذا التأليف من غير أن ينكره منكر منهم ، إنكار يردع مثل هذا المؤلف أن يؤلف مثله ، ولا أعرف جوابا عن هذين إلا ما قاله عليه السلام : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا . . . " وها أنا ذا أنفة على الدين أبين ما فيه . ثم قال بعد ما ذكر اعتراضا للكركي على بعض العلماء : وكم من عائب قولا صحيحا * وآفته من الفهم السقيم ثم قال : وبالجملة فهذا الرجل لم يعض بضرس قاطع على العلم ليعرف مقاصده وينال مطالبه ، فلو مشى الهوينا وتأخر حيث أخره القدر كان أنسب بمقامه . ثم قال : فانظر أيها المتأمل بعين البصيرة إلى قلة تأمل هذا الرجل وجرأته على دعوى الاجماع . ثم قال : على أن هذا المؤلف فيما علمته والله على ما أقول شهيد في مرتبة يقصر عما يدعيه لنفسه ، فأحببت أن اعرفه واعرف أهل الفضل مرتبته أيضا ، فرسالته هذه مع كونها واهية المباني ركيكة المعاني قد اشتهرت بين أهل الراحة وحب الاشتهار بشعائر الأبرار ، فأحببت إظهار ما غفلوا عنه قربة إلى الله تعالى ، لئلا يضيع الحق

[ 26 ]

والعذر عما فيها من التشنيع ، فإن مثل ذلك جوابا عما سبق من تشنيعه جائز ، بل هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا وقع في تصنيف سبب حطا فيه ، فإن بدأ استحق الجواب ، وهذه عادة السلف فإن شككت في ذلك فلاحظ تصنيف العلامة خصوصا المختلف ، وانظر ما شنع فيه علي ابن إدريس ، مع أن مصنفه إمام المذهب في العلم والعمل ، وإنما فعلوا ذلك ليكون علماؤهم منزهين عن التعرض بمثل ذلك ، قال الشاعر : بسفك الدما يا جارتي تحقن الدما * وبالقتل تنجو كل نفس من القتل ( 1 ) ونوجد من الرسالة الخراجية للكركي عدة نسخ خطية في المكتبة العامة لاية الله العظمى السيد المرعشي النجفي " دام عزه " ، منها : أ : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 1176 ، تأريخ كتابتها سنة 1137 ه‍ ، تقع في 11 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 3 : 347 . ب : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 1409 ، تأريخ كتابتها سنة 1128 ه‍ ، تقع في 20 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 4 : 187 . ج : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 1519 ، تأريخ كتابتها سنة 1246 ه‍ ، تقع في 20 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 4 : 319 . د : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 4221 ، تأريخ كتابتها سنة 1308 ه‍ ، تقع في 11 ورقة ، مذكورة في فهرس المكتبة 11 : 224 . ه‍ : نسخة ضمن المجموعة المرقمة 5151 ، تأريخ كتابتها سنة 1116 ه‍ ، مذكورة في فهرس المكتبة 13 : 357 .

( 1 ) أعيان الشيعة 8 : 211 .

[ 27 ]

المصنف : لست الان بصدد ترجمة حياة مؤلف هذه الرسائل المحقق الكركي ، بل أؤجل ذلك لوقت آخر ، لأن ترجمة حياة هذا العلم الالمعي ، ودفع ما أثيرت حوله من شبهات ، وما قيل عنه وعن كتبه ، يتطلب وقتا كبيرا ومراجعة لمصادر كثيرة ، لكي تأتي الدراسة نافعه ، فأني أسئل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني لكتابة دراسة شاملة وكاملة حول حياة هذا العالم الجليل . وما هنا ليس إلا لمحة عن حياته المباركة ، بل كلمه تعريف جرت العادة بكتابتها في مقدمة كل رسالة أو كتاب محقق . فهو الفقيه الأعظم ، وجه وجوه الطائفة ، وحيد عصره ، وفريد دهره ، قدوة المحققين ، الشيخ الجليل نور الدين أبو الحسن علي بن الحسين بن عبد العالي العاملي الكركي ، الملقب تارة بالشيخ العلائي ، وأخرى بالمحقق الثاني . ولد رحمه الله في كرك نوح سنة 868 ه‍ ، ودرس فيها الفقه الجعفري ، حيث كانت الكرك آنذاك معقلا للشيعة يتواجد فيها الكثير من العلماء وطلاب العلوم الدينية ، ففيها درس الشهيد الثاني زين الدين الجبعي ، والشيخ حسين بن عبد الصمد - والد الشيخ البهائي - وغيرهما من فطاحل العلماء . ثم هاجر الكركي إلى مصر لدراسة المذاهب الأربعة ، حيث حضر على كبار علمائهم ، وأجازه أعاظم مشايخهم . ويتضح ذلك من أجازته للمولى برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن زيد الدين أبي الحسن علي الخانيساري الاصفهاني ، حيث يصف فيها الكتب التي درسها هناك ، ومن أجازه منهم ( 1 ) .

( 1 ) انظر : رياض العلماء 3 : 448 .

[ 28 ]

وقد قصد الشيخ بلاد العراق حوالي سنة 909 ه‍ ، فوصل إلى النجف الاشرف عاصمة علوم آل محمد صلى الله عليه وآله ، وحاضرة الفقه الشيعي ، ومعدن علماء المذهب . وفي هذا البلد المبارك أخذ ، الشيخ ينهل من ينابيع كبار العلماء ، حتى صار نادرة زمانه ، ووحيد أوانه ، وطار صيته في الافاق . وبعد ظهور الدولة الصفوية في ايران ، هاجر الكركي وبعض علماء الكرك إليها ، لتولي أمور الدولة وتسيير عجلتها . وفوض الشاة الصفوي إليهم تنظيم شؤون الدولة حسبما يقتضيه الشرع الحنيف ، وشغل علماء جبل عامل في الدولة الصفوية مناصب حساسة مهمة منها : الأمير ، وشيخ الاسلام في أصفهان ، ونائب الإمام ، والمفتي ، ومروج المذهب ، وشيخ الاسلام في طهران . وشغل الكركي منصب شيخ الاسلام في أصفهان زمن الشاه إسماعيل الصفوي وعند تولي الشاه طهماسب سنة 930 ه‍ تولى الكركي منصب نائب الإمام . وبدا بنشر الفكر الجعفري ، حيث أسس المدارس العلمية ، وعين في كل بلد إماما يعلم الناس أحكامهم الدينية ، وأخذ هو على عاتقه تدريس كبار رجال الدولة . يقول المحقق البحراني في لؤلؤة البحرين : كان " المحقق " من علماء دولة الشاه طهماسب الصفوي ، جعل أمور المملكة بيده ، وكتب رقما إلى جميع الممالك بامتثال ما يأمر به الشيخ المذكور ، وأن أصل الملك إنما هو له ، لأنه نائب الإمام عليه السلام ، فكان الشيخ يكتب إلى جميع البلدان كتبا بدستور العمل في الخراج ، وما ينبغي تدبيره في شؤون الرعية ( 1 ) . وقال السيد نعمة الله الجزائري في كتابه شرح غوالي اللئالي : مكنه السلطان

( 1 ) لؤلؤ البحرين : 152 .

[ 29 ]

العادل الشاه طهماسب من الملك والسلطان ، وقال له : أنت أحق بالملك لانك النائب عن الإمام ، وإنما أكون من عمالك أقوم بأوامرك ونواهيك ( 1 ) . وفي تاريخ كرك نوح : وكان الشاه يكتب إلى عماله بامتثال أوامر الشيخ ، وأنه الأصل في تلك الأوامر والنواهي ، وأكد أن معزول الشيخ لا يستخدم ، ومنصوبه لا يعزل ( 2 ) . وكتب الشاه طهماسب بخطه في جملة ما كتبه في ترقية هذا المولى المنيف . . . بسم الله الرحمن الرحيم چون ازموداى . . حيث أنه يبدو ويتضح من الحديث الصحيح النسبة إلى الإمام الصادق عليه السلام : انظروا من كان منكم قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا فارضوا به حكما فإني قد جعلته حاكما ، فإذا حكم بحكم فمن لم يقبله منه فإنما بحكم الله استخف ، وعلينا رد ، وهو راد على الله وهو على حد الشرك . واضح أن مخالفة حكم المجتهدين ، الحافظين لشرع سيد المرسلين هو والشرك في درجة واحدة . لذلك فإن كل من يخالف حكم خاتم المجتهدين ، ووارث علوم سيد المرسلين نائب الأئمة المعصومين ، لا زال اسمه العلي عليا غالبا ، ولا يتابعه ، فإنه لا محالة ملعون مردود ، وعن مهبط الملائكة مطرود ، وسيؤاخذ بالتأديبات البليغة والتدبيرات العظيمة . كتبه طهماسب بن شاه إسماعيل الصفوي الموسوي ( 3 ) . فالمحقق الكركي يعتبر باعث النهضة الشيعية في ايران ، ومجدد المذهب

( 1 ) لؤلؤ البحرين : 153 . ( 2 ) تأريخ كرك نوح : 90 . ( 3 ) الفوائد الرضوية : 305 ، روضات الجنات 4 : 362 363 ، تاريخ كرك نوح : 91 .

[ 30 ]

وواضع الاسس الشرعية الدستورية لدولة الصفويين . إلا أن الحساد ، وقليلي الايمان ، وفاقدي العدالة لا يستطيعون أن ينظروا إلى الشيخ الكركي وقد علا مكانه وذاع صيته ، وأصبح صاحب الكلمة المسموعة في ايران كلها . فاتفقت أيدي البغي والعدوان والحسد على العمل ضد الشيخ العلائي الكركي . فالتاريخ يحدثنا عن وقائع وأحداث حدثت بين الكركي وبين مجموعة من الامراء ، والعلماء الذين كان بينهم وبين الكركي كدورة ، منهم الصدر الكبير الأمير جمال الدين محمد الاسترابادي ، والأمير نعمة الله الحلي ، والشيخ إبراهيم القطيفي ومحمود بيك مهردار . فلعل هذه الأحداث وغيرها - والله عالم بحقيقة الأمور - هي التي كانت سببا لعودة الكركي إلى العراق ، فقد ترك الكركي بلاد العجم مع ما كان له فيها من الجاه الطويل العريض لأسباب قاهرة ، وأن الضرورة دعته إلى تناول شئ من خراج العراق من يد السلطان لأمر معاشه . اطراء العلماء له : قد ترجم للمحقق الكركي كل من تأخر عنه ، وأطروه وأثنوا عليه ، ووصفوه بألفاظ التبجيل والتعظيم : قال الشهيد الثاني قدس سره في إجازته الكبيرة : الإمام المحقق نادرة الزمان ، ويتيمة الاوان ، الشيخ نور الدين علي بن عبد العالي الكركي العاملي . . . إلى أن قال : فكان الشيخ يكتب إلى جميع البلدان كتبا بدستور العمل في الخراج ، وما ينبغي تدبيره في أمور الرعية ، حتى أنه غير القبلة في كثير من بلاد العجم باعتبار

[ 31 ]

مخالفتها لما يعلم من كتب الهيئة ( 1 ) . وقال السيد نعمة الله الجزائري في صدر كتابه " شرح غوالي اللآلي " : وأيضا الشيخ علي بن عبد العالي - عطر الله مرقده - لما قدم أصفهان وقزوين في عصر السلطان العادل شاه طهماسب - أنار الله برهانه - مكنه من الملك والسلطان ، وقال له : أنت أحق بالملك ، لانك النائب عن الإمام ، وإنما أكون من عمالك أقوم بأوامرك ونواهيك . ورأيت للشيخ أحكاما ورسائل إلى الممالك الشاهية إلى عمالها أهل الاختيار فيما تتضمن قوانين العدل ، وكيفية سلوك العمال مع الرعية في أخذ الخراج ، وكميته ومقدار مدته ، والأمر لهم بإخراج العلماء من المخالفين لئلا يضلوا الموافقين لهم والمخالفين ، وأمر بأن يقرر في كل بلد وقرية إماما يصلي بالناس ، ويعلمهم شرائع الدين ، والشاه يكتب إلى أولئك العمال بامتثال أوامر الشيخ ، وأنه الأصل في تلك الأوامر والنواهي ( 2 ) . وقال اسكندر بك صاحب " تأريخ عالم آرا " ما ترجمته : إن الشيخ عبد العالي المجتهد كان من علماء دولة السلطان الشاه طهماسب وبقي بعده أيضا ، وكان رئيس أهل عصر في العلوم العقلية والنقلية ، وكان حسن المنظر جيد المحاورة صاحب أخلاق حسنة ، جلس على مسند الاجتهاد بالاستقلال ، وكانت أغلب إقامته بكاشان . واشتغل فيها بالتدريس وإفادة العلوم والفصل والقضايا ، وإذا حضر مجلس الشاه بالغ في تعظيمه وإكرامه . وينقل المولى عبد الله الافندي عن مؤرخ آخر فارسي : " قال حسن بيك روملو المعاصر للشيخ علي الكركي هذا في تاريخه بالفارسية . . .

( 1 ) روضات الجنات 4 : 361 . ( 2 ) روضات الجنات 4 : 361 .

[ 32 ]

. . . إن بعد خواجه نصير الدين الطوسي في الحقيقة لم يسع أحد أزيد مما سعى الشيخ علي الكركي هذا في إعلاء أعلام المذهب الحق الجعفري ، ودين الأئمة الاثنى عشر ، وكان له في منع الفجرة والفسقة وزجرهم ، وقلع قوانين المبتدعة وقمعها ، وفي إزالة الفجور والمنكرات ، وإراقة الخمور والمسكرات ، واجراء الحدود والتعزيرات ، وإقامة الفرائض والواجبات ، والمحافظة على أوقات الجمعة والجماعات ، وبيان أحكام الصيام والصلوات ، والفحص عن أحوال الأئمة والمؤذنين ، ودفع شرور المفسدين والمؤذين ، وزجر مرتكبي الفسوق والفجور حسب المقدور ، مساعي جميلة ، ورغب عامة العوام في تعلم الشرائع وأحكام الاسلام وكلفهم بها ( 1 ) . أساتذته وشيوخه : تتلمذ المحقق الكركي رحمه الله على يد أساتذة قديرين نذكر منهم : 1 - الشيخ أحمد بن الحاج علي العاملي العينائي . 2 - زين الدين جعفر بن حسام العاملي . 3 - زين الدين أبي الحسن علي بن هلال الجزائري . 4 - الشيخ شمس الدين محمد بن خاتون العاملي . 5 - الشيخ شمس الدين محمد بن داود . تلامذته : تتلمذ على يد المحقق الكركي عدد من الاعلام ، وتخرج من مدرسته المباركة عدد من المجتهدين ، حتى قيل أنه ربي في مدة يسيرة ما يزيد على أربعمائة مجتهد نذكر منهم :

( 1 ) رياض العلماء 3 : 451 .

[ 33 ]

1 - الشيخ برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن علي الاصفهاني . 2 - الشيخ ظهير الدين إبراهيم بن علي الميسي . 3 - الشيخ أحمد بن محمد بن أبي جامع ، المعروف بابن أبي جامع . 4 - الشيخ أحمد بن محمد بن خاتون العاملي . 5 - الشيخ كمال الدين درويش محمد بن الشيخ حسن العاملي . 6 - الشيخ زين الدين الفقعاني . 7 - الشيخ عبد النبي الجزائري ، صاحب الرجال . 8 - السيد شرف الدين علي الحسيني الاسترابادي النجفي . 9 - الشيخ أبو القاسم نور الدين علي بن عبد الصمد العاملي . 10 - الشيخ علي بن عبد العالي الميسي . 11 - الشيخ على المنشار زين الدين العاملي . 12 - السيد الأمير محمد بن أبي طالب الاسترابادي الحسيني . 13 - الأمير نعمة الله الجزائري . 14 - الشيخ نعمة الله بن جمال الدين أحمد بن محمد بن خاتون العاملي . مؤلفاته : 1 - إثبات الرجعة . 2 - الإرث . 3 - جامع المقاصد في شرح القواعد . 4 - جوابات الشيخ حسين الصيمري . 5 - جوابات المسائل الفقهية . 6 - حاشية على الالفية .

[ 34 ]

7 - حاشية على الدروس . 8 - حاشية على الذكرى . 9 - حاشية على شرائع الاسلام . 10 - حاشية على إرشاد الأذهان . 11 - حاشية على تحرير الأحكام . 12 - حاشية على قواعد الأحكام . 13 - حاشية على مختلف الشيعة . 14 - دراية الحديث . 15 - الرسالة الجعفرية . 16 - رسالة صيغ العقود والايقاعات . 17 - رسالة في صلاة الجمعة . 18 - رسالة السبخة . 19 - الرسالة الخيارية . 20 - الرسالة الخراجية . 21 - الرسالة المواتية . 22 - رسالة السجود على التربة الحسينية بعد أن تشوى على النار . 23 - رسالة الجنائز . 24 - رسالة أحكام السلام والتحية . 25 - الرسالة المنصورية . 26 - رسالة في تعريف الطهارة . 27 - الرسالة المحرمية . 28 - الرسالة النجمية .

[ 35 ]

29 - رسالة في العدالة . 30 - رسالة في الغيبة . 31 - رسالة في الحج . 32 - الرسالة الكرية . 33 - رسالة الجبيرة . 34 - رسالة في التعقيبات . 35 - رسالة في المنع عن تقليد الميت . 36 - رسالة في الرضاع . 37 - رسالة ملاقي الشبهة المحصورة . 38 - رسالة الأرض المندرسة . 39 - رسالة طلاق الغائب . 40 - رسالة في التقية . 41 - رسالة خروج المقيم عن حدود البلد . 42 - رسالة الحيض . 43 - رسالة سماع الدعوى . 44 - رسالة العصير العنبي . 45 - رسالة في قبلة خراسان . 46 - رسالة بيع المعاطاة . 47 - رسالة في السهو والشك في الصلاة . 48 - رسالة في الشياع . 49 - رسالة في الصلاة فارسية . 50 - رسالة في طريق استنباط الأحكام .

[ 36 ]

51 - رسالة في قلنسوة الحرير والديباج . 52 - رسالة في النية . 53 - سؤال وجواب فارسي . 54 - شرح الفرائض التصيرية . 55 - فتاوى وأجوبة ومسائل . 56 - فوائد الشرائع . 57 - نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت . وفاته : توفي المحقق الكركي رحمه الله في ذي الحجة سنة 940 ه‍ ، وهذا هو المذكور في أغلب كتب التراجم والسير كتاريخ حسن بك روملو ، وتاريخ جهان آرا ، وروضات الجنات ، ورياض العلماء ، ومستدرك الوسائل ، ونظام الأقوال ، وأعيان الشيعة ، وسفينة البحار ، وغيرها من المصادر . وقال الحر العاملي في أمل الامل : أنه توفي سنة 937 ه‍ ، وقد زاد عمره على السبعين . ( 1 ) وقال التفرشي في نقد الرجال : أنه مات في شهر جمادى الأولى سنة 938 ه‍ ( 2 ) . وقال ابن العودي : توفي مسموما ثاني عشر ذي الحجة سنة 945 ه‍ ، وهو في الغري على مشرفه السلام ( 3 ) . والحق ما عليه الأكثر من مترجميه ، وهو وفاته سنة 940 ه‍ ، لأنه الموافق لما

( 1 ) أمل الامل 1 : 122 . ( 2 ) نقد الرجال : 238 . ( 3 ) الدر المنثور 2 : 160 .

[ 37 ]

ذكروه من تاريخ موته بحساب الجهل ، وهو مجلة ( مقتداي شيعة ) ، حيث جاء في إحدى المنظومات الرجالية : ثم علي بن عبد العالي * محقق ثان وذو المعالي بالحق أمحى السنة الشنيعة * للفوت قيل : ( مقتداي شيعة ) ( 1 ) ولأن الشاه طهماسب الصفوي كتب له الفرمان الكبير ، المذكورة صورته في رياض العلماء في سنة 939 ه‍ ( 2 ) ، ففي خاتمة هذا الفرمان تاريخه وهو 16 ذو الحجة الحرام سنة 939 ه‍ . وقد توهم صاحب الاعلام نتيجة لتضارب المصادر المترجمة للشيخ في تاريخ وفاته حين جعل ولادته في جبل عامل ، وتوهم حين ترجم له مرتين : الأولى باسم علي بن الحسين بن عبد العالي المتوفى عام 940 ه‍ ( 3 ) ، والثانية باسم علي بن عبد العالي وجعل وفاته سنة 937 ه‍ ( 4 ) . وقيل إنه مات شهيدا مسموما ، وقد قاله الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي والشيخ البهائي ، كما نقله عنه صاحب رياض العلماء ( 5 ) وصاحب مستدرك الوسائل ( 6 ) . النسخ الخطية المعتقدة في التحقيق : اعتمدت في تحقيق هذه المجموعة من الرسائل على عدة نسخ خطية وهي : 1 - النسخة الخطية المحفوظة في المكتبة الرضوية بمدينة مشهد المقدسة ،

( 1 ) الفوائد الرضوية : 305 - 306 . ( 2 ) الذريعة 5 : 72 و 73 . ( 3 ) الاعلام 4 : 281 . ( 4 ) الاعلام 4 : 299 . ( 5 ) رياض العلماء 3 : 442 . ( 6 ) مستدرك الوسائل 3 : 434 .

[ 38 ]

ضمن المجموعة المرقمة 888 ، أخذنا منها الرسالة النجمية فقط ، وهي تحتوي إضافة إلى هذه الرسالة الرسالة الجعفرية للمصنف ، ومصباح المبتدئ لابن فهد الحلي . كتب هذه الرسائل الحاجي ابن علي بن عبيد الله بن علي بن فهد في سنة 900 ه‍ . وهي بخط النسخ ، وتقع هذه المجموعة في 73 ورقة ، كل ورقة تحتوي على 12 سطر ، حجمها 20 في 14 سم . 2 - النسخة الخطية المحفوظة في المكتبة الرضوية بمدينة مشهد المقدسة ، تحت رقم 2319 ، وهي تحتوي على الرسالة الجعفرية فقط ، تاريخ كتابتها سنة 917 ه‍ ، وفي فهرس المكتبة أنها . بخط المصنف ، وهي بخط النستعليق ، عدد أوراقها 53 ، كل ورقة تحتوي على 12 سطر ، حجم الورقة 19 سم في 12 / 5 سم ، رمزنا لها بالحرف " ض " . 3 - النسخة الخطية المحفوظة في المكتبة العامة لاية الله العظمى المرعشي النجفي " دام ظله الوارف " في مدينة قم المقدسة ، وهي ضمن المجموعة المرقمة 680 ، مذكورة في فهرس المكتبة 2 : 273 ، وهي بخط النسخ ، كتبها عليجان بن سلطان سنة 939 ه‍ . أخذنا منها الرسالة الجعفرية 61 ورقة ، ورسالة صيغ العقود والايقاعات 39 ورقة ، والرسالة الرضاعية 21 ورقة . وكل ورقة منها تحتوي على 12 سطر ، حجمها 30 / 18 سم في 17 سم . ورمزنا لها بالحرف " ش " . 4 - النسخة الخطية المحفوظة في خزانة المكتبة العامة لاية الله العظمى السيد المرعشي النجفي " دام ظله الوارف " في مدينة قم المقدسة ، وهي ضمن المجموعة المرقمة 110 أخذنا منها رسالة صلاة الجمعة ، وهي الرسالة الثالثة من هذه المجموعة ، حيث تحتوي هذه المجموعة إضافة إلى هذه الرسالة على عشر رسائل أخرى ، وهي مذكورة في فهرس المكتبة 1 : 131 ، كتبها محمد الحسيني بتاريخ 924 ه‍ . تقع هذه النسخة في 11 ورقة ، كل ورقة تحتوي على 22 سطر ،

[ 39 ]

وحجمها 21 سم في 28 سم ، وقد رمزنا لها بالحرف " ش " . 5 - النسخة الخطية المحفوظة في المكتبة الرضوية في مدينة مشهد المقدسة ، وهي مجهولة الكاتب والتاريخ ، تقع هذه النسخة في 20 ورقة ، حجم كل ورقة 30 / 19 سم في 29 سم ، وهي بخط النسخ ، وتحتوي على رسالة صلاة الجمعة فقط . وفي فهرس المكتبة : إن هذه النسخة بخط المؤلف ، وذكر هذا أيضا الشيخ الطهراني في الذريعة 15 : 75 ، وعند مقابلتها ظهرت فيها أخطاء وأسقاطا مما يدل على أنها ليست بخط المؤلف ، وقد رمزنا لها بالحرف " ض " . 6 - النسخة الخطية المحفوظة في المكتبة العامة لاية الله العظمى السيد المرعشي النجفي " دام ظله الوارف " ، في مدينة قم المقدسة ، وهي ضمن المجموعة المرقمة 5353 ، مذكورة في فهرس المكتبة 13 : 357 ، وهي بخط النسخ ، كتبها إسماعيل . . . سنة 1116 ه‍ ، وتقع في 35 ورقة ، كل ورقة تحتوي على 15 سطر ، حجمها 18 سم في 12 . وهي تحتوي إضافة إلى هذه الرسالة : على أربع عشرة رسالة أخرى . منهجية التحقيق : اعتمدت في تحقيق هذه الرسائل طريقة التلفيق بين النسخ الخطية ، التي مر وصفها ، وكان عملي فيها كما يلي : 1 - مقابلة النسخ الخطية ، وتثبيت الصحيح أو الأصح منها في المتن والإشارة إلى الاختلافات في الهامش ، وبذلك حصلنا على متن عار عن الخطأ إن شاء الله تعالى . 2 - تخريج الآيات القرآنية الكريمة . 3 - تخريج الأحاديث الشريفة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وآله ،

[ 40 ]

وعن الأئمة المعصومين سلام الله عليهم ، والتي وردت عن طريق الخاصة والعامة ، من مصادرها الرئيسية . 4 - تخريج الأقوال الفقهية التي ذكرها المصنف في أثناء مناقشة وعرضه للآراء الفقهية التي طرحها في هذه الرسالة من مصادرها الأم . 5 - شرح الكلمات اللغوية الصعبة . 6 - عمل فهارس فنية كاملة . شكر وتقدير : ختاما أقدم جزيل شكري وتقديري لادارة مكتبة آية الله العظمى السيد المرعشي النجفي " دام ظله الوارف " على طبعها هذا الكتاب واخراجه بهذه الحلة القشيبة ، وفقنا الله واياهم لاحياء تراث أهل البيت عليهم السلام . محمد الحسون بلدة قم الطيبة العاشر من شهر شعبان عام 1409 ه‍

[ 41 ]

الصفحة الأولى من الرسالة الجعفرية المحفوظة في مكتبة الإمام الرضا ( عليه السلام )

[ 42 ]

الصفحة الأخيرة من الرسالة الجعفرية المحفوظة في مكتبة الإمام الرضا ( عليه السلام )

[ 43 ]

الصفحة الأولى من رسالة صلاة الجمعة المحفوظة في مكتبة السيد المرعشي

[ 44 ]

الصفحة الأخيرة من رسالة صلاة الجمعة المحفوظة في مكتبة السيد المرعشي

[ 45 ]

الصفحة الأولى من رسالة صلاة الجمعة المحفوظة في مكتبة الإمام الرضا ( عليه السلام )

[ 46 ]

الورقة الأخيرة من رسالة صلاة الجمعة المحفوظة في مكتبة الإمام الرضا ( عليه السلام )

[ 47 ]

الصفحة الأولى من رسالة صبغ العقود والايقاعات المحفوظة في مكتبة السيد المرعشي

[ 48 ]

الصفحة الأخيرة من رسالة صبغ العقود والايقاعات المحفوظة في مكتبة السيد المرعشي

[ 49 ]

الصفحة الأولى من الرسالة النجمية المحفوظة في مكتبة الإمام الرضا ( عليه السلام )

[ 50 ]

الصفحة الأخيرة من الرسالة النجمية المحفوظة في مكتبة الإمام الرضا ( عليه السلام )

[ 51 ]

الصفحة الأولى من الرسالة الجعفرية المحفوظة في مكتبة السيد المرعشي

[ 52 ]

الصفحة الأخيرة من الرسالة الجعفرية المحفوظة في مكتبة السيد المرعشي

[ 53 ]

الصفحة الأولى من الرسالة الرضاعية المحفوظة في مكتبة السيد المرعشي

[ 54 ]

الصفحة الأخيرة من الرسالة الرضاعية المحفوظة في مكتبة السيد المرعشي

[ 55 ]

الصفحة الأولى من الرسالة الخراجية المحفوظة في مكتبة السيد المرعشي

[ 56 ]

الصفحة الأخيرة من الرسالة الخراجية المحفوظة في مكتبة السيد المرعشي

[ 57 ]

( 1 ) الرسالة النجمية

[ 59 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين في التتميم الحمد لله والصلاة على رسوله محمد وآله الأطهار . يجب ( 1 ) على كل مكلف حر وعبد ، ذكر وأنثى ، أن يعرف الأصول ( 2 ) الخمسة التي هي أركان الايمان ، وهي : التوحيد ، والعدل ، والنبوة ، والامامة ، والمعاد ، بالدليل ( 3 ) لا بالتقليد ( 4 ) . ومن جهل ( 5 ) شيئا من ذلك لم ينتظم في سلك المؤمنين ،

( 1 ) في هامش " س " : قوله : يجب ، أراد به وجوبا عينيا لاعلى الكفاية ، والمراد بالمكلف : هو العاقل البالغ . أي : يجب على كل واحد من المكلفين معرفة هذه الأمور ، ويكون جهله سببا لاستحقاق العقاب . ( 2 ) في هامش " س " : الأصول جمع أصل : وهو ما يبنى عليه غيره ، وإنما سميت هذه الخمسة أصولا ، لأنها مبني الدين ، وإليه أشار بقوله : التي هي أركان الايمان . ( 3 ) في هامش " س " : متعلق بقوله : يعرف . والمراد من الدليل : ما يلزم من العلم به العلم بشئ آخر ، عقليا كان أو نقليا . ( 4 ) في هامش " س " : قبول قول الغير من غير حجة ولا دليل يسمى تقليدا ، لأن المقلد بجهل ما يعتقده من قول الغير من حق أو باطل قلادة في عنق من قلده . ( 5 ) في هامش " س " : قوله : من جهل شيئا ، أعم من أن يكون بسيطا بأن لا يتصور أصلا ، أو مركبا بأن يعتقد خلافه .

[ 60 ]

واستحق العقاب الدائم مع الكافرين . فصل فالتوحيد : هو العلم بوجود واجب الوجود لذاته ، لأنه أوجد جميع الممكنات بعد أن لم تكن موجودة ، وبأنه قادر مختار ، لأن الممكنات محدثه ، لملازمتها الحوادث كالحركة والسكون . وبأنه عالم ، لأنه فعل الأفعال المحكمة المتقنة . وبأنه حي ، لأنه قادر عالم . وبأنه مريد للطاعات وكاره للمعاصي ، لأنه آمر وناه . وهما يستلزمان ( 1 ) الارادة والكراهة . وبأنه متكلم ، بمعنى أنه خلق الكلام من جسم جامد ، لأن ذلك ممكن ، وهو سبحانه قادر على الممكنات ، ولقوله تعالى : " وكلم الله موسى تكليما " ( 2 ) ، وبأنه صادق في خبره ، لأن الكذب قبيح . وبأنه سبحانه ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر ولا مركب ، لأن ذلك من صفات الحادثات . وبأنه لا يرى بحاسة البصر وإلا لكان جسما ، ولقوله تعالى : " لا تدركه الابصار " ( 3 ) . وبأنه واحد لا شريك له ، لقوله تعالى : " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " ( 4 ) ، وليس في جهة ولا محلا للحوادث ، وإلا لكان ممكنا . فصل والعدل : هو العلم بكونه لا يفعل القبيح ، ولا يرضى به ، ولا يأمر بالقبائح

( 1 ) في هامش " س " : أي : الأمر والنهي . ( 2 ) النساء : 164 . ( 3 ) الانعام : 103 . ( 4 ) الأنبياء : 22 .

[ 61 ]

ولا يخل بواجب تقتضيه حكمته ، ولا يكلف بما ليس بمقدور ، لأن فاعل القبيح : إما جاهل بقبحه ، أو محتاج إليه ، والله سبحانه منزه عن الجهل والحاجة . وبأن الطاعات والمعاصي الصادرة عن العباد باختيارهم ، ولهذا استحق المطيع الثواب والعاصي العقاب . فصل والنبوة : عبارة عن العلم بأن الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم نبيا ورسولا إلى جميع الخلق ، بشيرا للمؤمنين ، ونذيرا للكافرين . وأظهر على يده المعجزات الدالة على صدقه كالقرآن العزيز ، وانشقاق القمر ، ونبوع الماء من بين الأصابع ، وغير ذلك مما لا يحصى . وبأنه معصوم من أول عمره إلى آخره عن الصغائر والكبائر ، وإلا لم يوثق بخبره . وبأنه خاتم الأنبياء كما ورد في القرآن ( 1 ) ، وأن شريعة ناسخة لجميع الشرائع . فصل . والامامة : عبارة عن العلم بأن الله تعالى أمر رسوله أن يستخلف من بعده من يكون حافظا لدينه ، ومنفذا لأحكامه ، معصوما من كل ذنب ( 2 ) . وأمره بأن ينص على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في يوم غدير خم وغيره ، وكذا ولادة الأئمة الاحد عشر صلوات الله عليهم أجمعين . وفي أدلة العقل والنقل من الكبات والسنة ما يدل على أن أمير المؤمنين

( 1 ) الاحزاب : 40 . ( 2 ) في هامش " س " : صغيرا كان أو كبيرا .

[ 62 ]

هو الإمام دون غيره من الأرجاس ما يزيد على ألف دليل ( 1 ) : مثل آية الصدقة بالخاتم ( 2 ) الناطقة بأنه إمام . وآية المباهلة ( 3 ) ، المتضمنة أنه نفس الرسول . وآية الطهارة ( 4 ) ، الدالة على عصمته . إلى نحو من سبعين آية ( 5 ) . ومن السنة مثل : الغدير ( 6 ) ، وحديث الطائر المشوي ( 7 ) ، وحديث الاخاء ( 8 ) ، والمنزلة ( 9 ) ، والنعل ( 10 ) ، وغير ذلك مما لا يحصى . وبأنه أقدم اسلاما ، وأشجع ، وأزهد ، وأعظم جهادا وغناء في الدين ، ولإخباره بالمغيبات واظهار المعجزات مثل قلع باب خيبر ، ودحو الصخرة عن فم القليب ، ورد الشمس بعد غروبها في جملة أشياء تزيد عن عدد القطار . وأي عاقل يعتقد تقديم ابن أبي قحافة وابن الخطاب وابن عفان الأدنياء في النسب ، والصعاب ، الذين لا يعرف لهم تقدم ولا سبق في علم ولا جهاد ، وقد عبدوا

( 1 ) انظر : كتاب الالفين للعلامة الحلي . ( 2 ) المائدة : 55 . ( 3 ) آل عمران : 61 . ( 4 ) الاحزاب : 33 . ( 5 ) انظر : بحار الأنوار 35 : 183 ، الغدير 3 : 543 . ( 6 ) انظر : ترجمة الإمام على ( عليه السلام ) من تاريخ مدينة دمشق 2 : 5 ، بحار الأنوار 37 : 108 . ( 7 ) انظر ، ترجمة الإمام على ( عليه السلام ) من تاريخ مدينة دمشق 2 : 106 ، بحار الأنوار 38 : 348 . ( 8 ) انظر : بحار الأنوار 38 : 320 ، الغدير 3 : 174 وغيرها . ( 9 ) انظر : بحار الأنوار 37 : 254 ، الغدير 3 : 198 . ( 10 ) في هامش " س " : كما قال النبي " صلى الله الله عليه وآله " : " يا معشر قريش أو ليسلطن الله عليكم رجلا امتحن الله قلبه للايمان " ، سئل من هذا ؟ قال : " خاصف النعل في الحجرة " وكان أمير المؤمنين " عليه السلام " في الحجرة .

[ 63 ]

الاصنام مدة طويلة ، وفروا من الزحف في أحد وحنين ، وأحجموا يوم الأحزاب ونكست رؤوسهم الراية ( 1 ) وبراءة ، وظلموا الزهراء بمنع إرثها ونحلتها ، والبسوا أشياء أقلها يوجب الكفر ، فعليهم وعلى محبيهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ثم من بعد أمير المؤمنين ولده الحسن ، ثم الحسين ، ثم علي بن الحسين زين العابدين ، ثم محمد باقر علوم الدين ، ثم جعفر الصادق الامين ، ثم موسى كاظم الغيظ سيد العارفين ، ثم علي الرضا ، ثم محمد الجواد ، ثم علي الهادي ، ثم الحسن العسكري ، ثم الخلف الحجة القائم المنتظر محمد بن الحسن المهدي ، المستر خوفا من الاعداء ، الموعود بظهوره بعد اليأس ، لتكشف به الغماء ، فتملا الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما . فصل والمعاد : هو العلم بأن الله تعالى يعيد الخلق بعد فنائهم ويجعلهم في عرصة القيامة ، فيجزي المطيع الثواب والعاصي العقاب ، ويعوض كل ذي ألم من المكلفين وغيرهم ، وقد نطق القرآن به في آيات كثيرة ، وتواترت به الأخبار من الصادقين ، وأجمع عليه أهل الاسلام ، فيجب الاقرار به . وكذا ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم : من سؤال القبر ، والحساب ، والصراط ، والميزان ، وإنطاق الجوارح ، وتطاير الكتب ، والجنة ، والنار ، والثواب ، والعقاب ، وتفاصيلها . ويجب على كل مكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - مع العلم بما يأمر به ، وتجويز التأثير ، والأمن من الضرر - باللسان ثم باليد وبالقلب ، على جميع المكلفين .

( 1 ) في هامش " س " : كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، كرار غير فرار " .

[ 64 ]

فهذه جملة الأصول الخمسة التي بها يحصل أدنى مراتب الايمان والله أعلم ويجب على كل مكلف أن يعرف ما كلف به من العبادات ، وأعظمها الصلاة . والصلوات الواجبة سبع : اليومية ، والجمعة ، والعيدان والآيات ، والطواف والأموات ، والملتزم بالنذر وشبهه . فاليومية : هي الصلوات الخمس ، أعني : الصبح ، والظهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء وهي سبع عشرة ركعة في الحضر : الصبح اثنان والمغرب ثلاث ، والباقي أربع أربع . وإحدى عشر ركعة في السفر بتنصيف الرباعيات . والسفر الموجب للقصر : هو سير يوم ، أعني : ثمانية فراسخ ، إذا كان غير معصية ، ويبقى على حكم القصر حتى يرجع إلى بلده ، أو ينوي إقامة عشر أيام . ومقدمات الصلاة سبع : الأولى : الطهارة وهي : الوضوء والغسل والتيمم . وموجبات الوضوء ستة أشياء : خروج البول والغائط والريح من الموضع المعتاد ، والنوم الغالب على السمع والبصر ، وكل ما أزال العقل من إغماء وجنون وسكر ، والاستحاضة القليلة . وواجباته خمسة : ( 1 ) الأول : النية : وصفتها : أتوضأ لاستباحة الصلاة لوجوبه قربة إلى الله تعالى . ويجب أن يقارن بها أول غسل الوجه ، ويبقى على حكمها إلى آخر الوضوء . الثاني : غسل الوجه من الأعلى ، فلو نكس بطل . وحده طولا من منابت

( 1 ) المذكور ستة وليس خمسة .

[ 65 ]

الشعر من مقدم الرأس إلى محادر شعر الذقن ( 1 ) ، وعرضا ما حوى الابهام والوسطى كل ذلك من مستوي الخلقة ، وغيره كالأنزع ( 2 ) ، والأغم ( 3 ) ، وقصير الأصابع ، وطويلها يغسل ما يغسله مستوي الخلقة . ويجب غسل ما بين الشعر ، ويستحب غسل ما تحته ، والخفيف آكد . الثالث : غسل اليدين من المرفقين مبتدئا بهما إلى رؤوس الأصابع ، ولو نكس بطل ويجب البدأة باليمين ، وتخليل الشعر والظفر وكل حائل . الرابع : مسح مقدم شعر الرأس ، أو بشرته ببقية بلل الوضوء ، فلا يجوز استئناف ماء جديد ، ويكفي مسحه ، ويجوز النكس على كراهية . الخامس : مسح الرجلين من رؤوس الأصابع إلى العظمين اللذين في وسط القدم بماء الوضوء ، فلا يجوز الاستئناف ، ولو غسل بدل المسح بطل الوضوء . ويكفي فيه المسمى ، ويكره نكسه ، ويجب تقديم اليسرى على اليمنى . السادس : الترتيب كما ذكر ، والموالات : بمعنى أن يغسل كل عضو قبل جفاف ما قبله ، فيبطل لو جف . ولا يجوز أن يوضئه غيره اختيارا ، وغسل الأذنين ومسحهما بدعة يعزر فاعله ، كذا التطوق ، فإن تاب وإلا قتل في الرابعة . وموجبات الغسل ستة أشياء : الجنابة ، والحيض ، والاستحاضة غير القليلة ، والنفاس ، ومس الميت من الناس بعد برده بالموت وقيل تطهيره بالغسل حيث يجب تغسيله ، وموت الانسان المسلم . وواجباته أربعة :

( 1 ) محادر شعر الذقن ، بالدال المهملة : أول انحدار الشعر عن الذقن ، وهو طرفه . مجمع البحرين 3 : 261 " حدر " . ( 2 ) رجل أنزع : وهو الذي انخسر الشعر عن جانبي جبهته . الصحاح 3 : 1289 " نزع " ( 3 ) الغمم : أن يسيل الشعر حتى تضيق الجبهة أو القفا . الصحاح 5 : 1998 " غمم " .

[ 66 ]

الأول : النية وصفتها : اغتسل لاستباحة الصلاة لوجوبه قربة إلى الله تعالى ، ويجب أن يقارن بها غسل رأسه إن كان مرتبا ، وإن كان مرتمسا كفى مقارنتها لجزء من بدنه واتباعه الباقي بغير تراخ ، واستدامتها حكما إلى آخر الغسل . الثاني : غسل الرأس والرقبة وما ظهر من صماخ الأذنين ( 1 ) ، وتخليل الشعر . الثالث : غسل الجانب الأيمن ، وتخليل الشعر والمعاطف والسوار والدملج للمرأة ، والخاتم والأظفار ، وكل مانع . الرابع : غسل الأيسر كذلك ، ويتخير في غسل العورتين والسرة مع أي جانب شاء . ويجب الترتيب كما ذكر ، أو الارتماس على ما تقدم . والمباشرة بنفسه ولا تجب الموالاة . ويكفي غسل الجنابة عن الوضوء ، أما غيرها فلا بد معها من الوضوء . ويزيد في الاستحاضة الوضوء لكل صلاة ، وتغيير القطنة ، وغسل الفرج . وموجبات التيمم جميع موجبات الوضوء والغسل ، لأنه بدل منهما ، ويزيد عدم وجود الماء مع التمكن من استعماله ، واجباته أربعة : الأول : النية وصفتها : أتيمم بدلا من الوضوء أو الغسل ، لاستباحة الصلاة لوجوبه قربة إلى الله . ويجب مقارنتها للضرب على الأرض ، لا لمسح الجبهة ، واستدامتها إلى الفراغ . الثاني : مسح الجبهة مع الجبينين من قصاص الشعر إلى طرف الأنف مما يلي آخر الجبهة ، بادئا بالجبهة ، فلو نكس بطل . الثالث : مسح كفه اليمنى من الزائد مبتدئا به إلى رؤوس الأصابع ، غير ناكس . الرابع : مسح اليسرى كذلك . ويجب الترتيب كما ذكر ، والموالاة بحيث يأتي بكل فعل بعد الفراغ مما

( 1 ) الصماخ : خرق الأذن ، ويقال هو الأذن نفسها . الصحاح 1 : 426 " صمخ " .

[ 67 ]

قبله ، والمباشرة بنفسه . ويجب الضرب بباطن اليد بغير حائل على تراب أو حجر طاهرين . ويكفي في الوضوء ضربة ، وفي الغسل ضربتان . ويكفي في الجنابة تيمم واحد ، ويجب في غيرها تيممات ، وللميت ثلاث ، ويراعى فعله آخر الوقت . الثانية : تطهير النجاسات وهي عشرة : البول والغائط من كل حيوان غير مأكول اللحم إذا كان له نفس سائلة ، والدم من ذي النفس وإن كان مأكولا ، والمني منه ، والميتة ، والكلب ، والخنزير ، والكافر ، والمسكر المائع ، والفقاع . ويجب غسل النجاسة بماء طهور ، ويكفي في الاستنجاء من الغائط غير المتعدي ثلاث مسحات ولو بأطراف حجر طاهر ونحوه . ولا بد في الغسل بالماء القليل - أعني دون الكر - من التعدد مرتين في الثوب والبدن مع العصر ، إلا في بول الرضيع فيكفي صب الماء عليه ، ويتعين العصر ، والتحفظ من الغسالة فإنها نجسة . وفي الاناء يجب غسله ثلاث مرات ، أولاهن بالتراب في ولوغ الكلب ، وفي نجاسة الخنزير والخمر سبع مرات . ويعفى عن قدر سعة الدرهم البغلي من الدم المغلظ نجاسة مالا تتم الصلاة فيه وحده ، كالخف ونحوه . الثالثة : ستر العورة للمصلي وهي : القبل والأنثيان والدبر وما بينهما للرجل ، وجميع البدن والشعر عدا الوجه والكفين والقدمين للمرأة والخنثى . ولا يجب على الأمة المحضة والصبية ستر رأسهما . ويعتبر في الساتر طهارته ، وكونه غير ذهب ولا مموه به ، ولا جلد غير مأكول اللحم ، ولا صوفه أو شعره أو وبره أو عظمه ، إلا الخز والسنجاب .

[ 68 ]

الرابعة : الوقت ويجب إيقاع الظهر بعد زوال الشمس المعلوم بزيادة الظل بعد نقصه ، والعصر بعدها . ولو نسي الظهر وصلى العصر فإن كان قد مضى من الوقت يكفي للظهر مخففة أجزأت وصلى الظهر ، وإلا أعادها ، ولو بقي من آخر الوقت مقدار أربع اختصت بالعصر . والمغرب بعد ذهاب الحمرة التي من جانب المشرق ، والعشاء بعد الفراغ منها أو مضي مقدار فعلها . وينبغي تأخيرها إلى ذهاب الحمرة المغربية ، ويخرج وقتها بانتصاف الليل ، ولو بقي من آخر الوقت مقدار أربع اختصت بها العشاء . والصبح بعد طلوع الفجر الثاني ، وهو الصادق ، ويبقى إلى طلوع الشمس . الخامسة : المكان ويشترط كونه غير مغصوب ، وطهارته ، ولو كان نجسا صح بشرط أن لا تتعدى إلى المصلي أو محموله ، وذلك في ما عدا مسجد الجبهة ، فلا يعفى عن نجاسته وإن لم يتعد . السادسة : ما يصح السجود عليه ويعتبر كونه أرضا ، أو نباتا غير مأكول ولا ملبوس عادة ، فلا يجوز على المعادن والقطن والكتان ونحوها . السابعة : القبلة ويعتبر توجه المصلي إلى عين الكعبة إن كان قريبا يمكنه ذلك ، وإن بعد ففرضه

[ 69 ]

الجهة علما إن أمكن ، وإلا ظنا ، ومع الاشتباه يعول على الامارات ، ومع فقدها يصلي إلى الأربع جهات . والعامي يقلد العدل المخبر عن اجتهاد أو يقين . وأفعال الصلاة ثمانية : الأول : النية وهي ركن ، وصفتها : أصلي فرض الظهر - مثلا - أداءا لوجوبه قربة إلى الله . ولو كان يصليها في غير الوقت نوى القضاء . ويجب مقارنتها لتكبيرة الاحرام ، فتبطل لو تخلل زمان وإن قل ، واستدامتها حكما إلى الفراغ . الثاني : تكبيرة الاحرام وهي ركن ، وصورتها ، الله أكبر . ويعتبر كونها بالعربية مع الامكان بهذا اللفظ ، مرتبة ، مقطوع الهمزتين غير الممدودتين ، ويجب في " أكبر " كونها بوزن أفعل من غير اشباع لفتحة الباء . الثالث : القراءة ويتعين الحمد وسورة كاملة الثنائية وأولى الثلاثية والرباعية ولا يجوز الاقتصار على الحمد ، ولا التبعيض اختيارا . ويجب كونها بالعربية ، فلا تجزئ الترجمة اختيارا ومراعات صفات الاعراب كلها ، والمحافظة على التشديدات ، والمحافظة في الوقت على عدم الاخلال بالنظم . والترتيب بين الحمد والسورة ، وكلماتهما وآياتهما على المتواتر ، والقراءة بالسبع أو العشر دون ما عداها ، والبسملة أول الحمد والسورة ، والقصد بها إلى سورة معينة بعد الحمد ، وكون السورة ليست واحدة من العزائم الأربع وهي : سجدة

[ 70 ]

ألم تنزيل ، وفصلت ، والنجم ، واقرأ باسم ربك ولا طويلة يفوت الوقت بقرائتها . والجهر بالقراءة للرجل في الصبح وأولتي العشاءين ، والاخفات في البواقي ، وعدم الانتقال من السورة إلى غيرها إن بلغ نصفها ، إلا التوحيد والحمد ، فلا يجوز مطلقا ، إلا إلى الجمعة والمنافقين في الجمعة وظهرها . وتجب الموالاة في القراءة بمعنى أن لا يفصل بين أجزائها بسكوت طويل ولا بقراءة أجنبية ، فلو فعل عمدا بطلت صلاته . ويجزئ في غير الأولتين : سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر ، مرة واحدة ، يعتبر فيه الترتيب والموالاة ، وكونه بالعربية مع الامكان ، وعدم الجهرية . الرابع : القيام من أول النية وهو ركن أيضا ، ويجب فيه الانتصاب على المتعارف مستقلا غير معتمد على شئ ، ويجب الاستقراء ، ولو وقف على ما يضطرب كالثلج الذائب ، والرمل المنهال ، أو الراحلة ولو معقولة ، أو ماشيا لم يجزئ إلا مع الضرورة ، ولو عجز عن الصلاة قائما صلى جالسا ، فإن عجز صلى مضطجعا ، فإن عجز صلى مستلقيا . الخامس : الركوع وهو ركن ، ويجب فيه الانحناء إلى أن تصل كفاه الركبتين . ويجب فيه الذكر وهو : سبحان ربي العظيم وبحمده ، متواليا ، مطمئنا ، بالعربية . السادس : السجود ويجب في كل ركعة سجدتان ، وهما ركن معا ، ويجب فيها السجود على سبعة أعظم : الجبهة ، والكفين ، والركبتين ، وإبهامي الرجلين . والذكر وهو :

[ 71 ]

سبحان ربي الأعلى وبحمده ، ويجب الجلوس بينهما مطمئنا . السابع : التشهد ويجب في كل ثنائية مرة ، وفي كل ثلاثية ورباعية مرتان . ويجب الجلوس له ، والطمأنينة فيه ، وكونه بالعربية . وصورته : بسم الله وبالله والحمد لله وخير الأسماء لله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، واشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللهم صل على محمد وآل محمد . الثامن : التسليم وهو واجب في كل فريضة مرة آخرها بعد التشهد ، وصورته : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . ويحرم في الصلاة الفريضة الكلام بحرفين غير قرآن ولا دعاء ، والاستدبار ، والحدث ، والفعل الكثير الخارج عن الصلاة ، ووضع إحدى اليدين على الأخرى ويسمى التكتف ، ويعزر فاعله . وكل من شك في عدد الأولتين من ركعات الصلاة بطلت صلاته ، وكذا من شك بين الثنتين والثلاث قبل إكمال السجدتين ، وإن كان بعدهما بني على الثلاث وصلى ركعة أخرى وتشهد وسلم ، وصلى ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس احتياطا . ومثله لو شك بين الثلاث والأربع . ولو شك بين الإثنين والأربع بعد إكمال السجدتين تشهد وسلم واحتاط بركعتين من قيام ، ولو شك بين الإثنين والثلاث والأربع بعد الاكمال احتاط بركعتين من قيام وركعتين من جلوس . والنية : أصلي ركعة احتياطا ، أو ركعتين من قيام أو من جلوس في فرض كذا

[ 72 ]

أداء لوجوبه قربة إلى الله . ولو تكلم ساهيا ، أو زاد أو نقص ما ليس بركن سجد للسهو سجدتين ونيتهما : اسجد سجدتي السهو في فرض كذا أداء لوجوبها قربة إلى الله ، ويسجد ويقول في الأولى : بسم الله وبالله اللهم صل على محمد وآل محمد ، وفي الثانية : بسم الله وبالله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، ويتشهد خفيفا ويسلم . والجمعة : ركعتان بدل الظهر قبلهما خطبتان ، ونيتها : أصلي فرض الجمعة مأموما أداء لوجوبه قربة إلى الله . ويشترط كون الإمام عدلا ، والعدد سبعة فصاعدا . وكذا العيدان ركعتان يكبر بعد القراءة في الأولى خمس تكبيرات ، ويقنت بينهما وفي الثانية أربع . وأنها يجبان مع وجود الإمام المعصوم ونيتها : أصلي صلاة العيد أداء لندبها قربة إلى الله . وصلاة الآيات وهي : الكسوف ، والخسوف ، والزلزلة ، وكل مخوف سماوي ، ركعتان في كل ركعة خمس ركوعات وسجدتان ، يقرأ في كل ركوع الحمد وسورة ويركع ، ونيتها : أصلي فرض الكسوف أداء لوجوبه قربة إلى الله . وصلاة الطواف ركعتان كالصبح ، لكن لا يتعين فيهما جهر ، ولا بد من كونهما قبل السعي حيث يجب . ونيتهما : أصلي صلاة الطواف لوجوبها قربة إلى الله . وصلاة الأموات خمس تكبيرات احداها تكبيرة الاحرام ، يتشهد عقيب الأولى ، ويصلي على النبي وآله عقيب الثانية ، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات عقيب الثالثة ، وللميت المؤمن عقيب الرابعة . ولا ركوع فيها ولا تشهد ولا تسليم ، ولا تشترط فيها الطهارة ، لأنها دعاء ، ونيتها : أصلي على هذا الميت لوجوبه قربة إلى الله . وصلاة النذر وشبهه بحسب الهيئة المنذورة وعدد الركعات ، ويتعين الزمان وعدمه . والنية : أصلي ركعتين - مثلا - لوجوبها بالنذر قربة إلى الله .

[ 73 ]

وكل مكلف فاتته فريضة من الفرائض قضاها عند تذكرها ، ويراعي الترتيب فيقضي الفائت أولا ثم ما بعده ونيتها : أصلي فرض كذا قضاء لوجوبه قربة إلى الله . فهذا أيسر ما يجب على المكلفين ومن أخل بشئ منه استحق العقاب في الدارين ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد وآله أجمعين .

[ 75 ]

( 2 ) الرسالة الجعفرية

[ 77 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الولي الحميد ، المبدئ المعيد ، الفعال لما يريد ، الذي شرع لعباده الصلاة وسيلة إلى الفوز بجزيل الثواب ، وفضلها على جميع الأعمال البدنية ( 1 ) ، فأمر بالمحافظة عليها في محكم الكتاب ( 2 ) ، والصلاة والسلام على أفضل السابقين والمصلين ( 3 ) من المرسلين والنبيين محمد وآله أمناء الدين وحفظة الشرع المبين . وبعد ، فإن التماس من إجابته من فضل الطاعات ، وإسعافه بقضاء حاجته من أقرب القربات ، أن أكتب رسالة موجزة تشتمل على واجبات الصلوات المفروضات - وما عساه ( 4 ) يسنح - من المندوبات ، جدير بالمسارعة إلى إسعاده بتحقيق مراده ، وبإبراز سؤله وفعل مأموله . فاستخرت الله تعالى وكتبت ما تيسر على حسب ضيق

( 1 ) أي : الحج والجهاد والصوم . ع ل . ( 2 ) في قوله تعالى : " " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " البقرة : 238 . ( 3 ) السابقين : جمع وهو هاهنا : السابق بحسب الرتبة وإن كان متأخرا بحسب الزمان . والمصلين : جمع مصلى وهاهنا : المتأخر بحسب الرتبة وإن كان سابقا بالزمان ولا خفى ما بينهما من اللف والنشر المرتب . ع ل . ( 4 ) ما : موصولة ، وعسى بمعنى لعل ، أي الذي لعله سنح ، أي العرض . ع ل .

[ 78 ]

المجال ، وتشتت البال بمداومة الحل والترحال ، وأرجو أن ينفع الله بها المستفيدين ، ويثبت لي بها قدم صدق يوم الدين أنه ولي ذلك والقادر عليه . وهي مرتبة على : مقدمة ، وأبواب وخاتمة . أما المقدمة : فالصلاة لغة : الدعاء . وشرعا : قيل : هي أفعال مفتتحة بالتكبير ، مشترطة بالقبلة للقربة . ( 1 ) . أورد على طرده : الذكر المنذور على حال الاستقبال مفتتحا بالتكبير ، وأبعاض الصلاة فزدنا فيه : مختتمة بالتسليم . وأورد على عكسه : صلاة المضطر في القبلة ، فحذفنا منه : مشترطة بالقبلة فاستقام . وهي : واجبة ، ومندوبة . فالواجبة أقسام : منها اليومية ، ووجوبها ثابت بالنص ( 2 ) والاجماع ، بل هو من ضروريات الدين ، حتى أن مستحل تركها كافر إن لم يدع شبهة محتملة . ولا ريب أنها أفضل الأعمال البدنية ( 3 ) ، والأخبار مملوءة بذلك ، والأذان والإقامة صريحان في الدلالة ( 4 ) .

( 1 ) أي : تقربا إلى رضائه سبحانه وتعالى . ع ل . ( 2 ) انظر وسائل الشيعة 3 : 5 باب : وجوب الصلوات الخمس وعدم وجوب صلاة سادسة في كل يوم . ( 3 ) احترز بها عن القلبية ، فإن الايمان أفضل من الأعمال البدنية ، وهو عمل القلب . ع ل . ( 4 ) وذلك لاشتمالهما على ( حي على خير العمل ) ، معناه : هلم واقبل إلى خير العمل وهما إنما يسرعان في اليومية ، فتكون هي خير العمل . ع ل .

[ 79 ]

ولا استبعاد ( 1 ) بعد ورود النص ، وخفاء الحكمة لا يقتضي نفيها ، ويرشد إليه : أن الحج فيه شائبة مالية والزكاة مالية محضة ، ومن ثم قبل النيابة حال الحياة مع الضرورة والزكاة اختيارا ، والصوم ليس فعلا محضا ، وما يوجد في بعض الأخبار من تفضيل غير الصلاة ( 2 ) متأول . وشرط وجوبها : البلوغ ، والعقل ، والطهارة من الحيض والنفاس على تفصيل ( 3 ) ، لا الاسلام فتجب على الكافر وإن لم تصح منه .

( 1 ) هذا جواب عن سؤال مقدر تقريره : إنه يبعد تفضيل صلاة الصبح مثلا ركعتين يصليهما المكلف في منزله على نحو الحج من الأعمال الشاقة مع اشتماله على عدة عبادات . وقد ورد في الحديث " أفضل الأعمال أحمزها " أي : أشقها . وتقرير الجواب : إن محصل هذا السؤال يرجع إلى الاستبعاد ، ولا وجه له بعد ورود النص بتفضيل الصلاة على غيرها ، فإن مشقة العمل بمجردها لا يقتضي التفضيل ، بل إنما يقتضيه نص الشارع ، رقد ورد بتفضيل الصلاة مطلقا فلا معنى للاستعباد . والحديث لا يدل على شئ ينافي ذلك ، فقد فسر أهل اللغة أحمزها : بأمتنها وأقواها ، على أن هذه الدلائل خاصة والعام لا يعارضها . فإن قيل : أي حكمة في تفضيل العمل القليل الذي لا مشقه فيه على العمل الكثير المشقة ؟ قلنا : خفاء الحكمة علينا لا يقتضي نفيها في نفس الأمر ، فإن أكثر الشرعيات لا يعلم حكمتها ، فإن صلاة الظهر مثلا في السفر ركعتان وهي أفضل من أربع ركعات ، حتى أنها لو صليت أربعا لم تقبل ولم تكن صحيحة وحكمة ذلك غير معلومة . وإلى هذا أشار بقوله : وخفاء الحكمة لا يقتضي نفيها . ع ل . ( 2 ) هذا إشارة إلى وقوع سؤال تقديره : قد وجد في بعض الأخبار تفضيل غير الصلاة مطلقا ، كما في بعض الأخبار الدالة على تفضيل الحج مطلقا ، وكذا الجهاد ، وكذا الصوم . فلا يتم القول بتفضيل الصلاة . وجوابه : الأخبار الدالة على تفضيل الصلاة أكثر وأشهر ، فإذا عارضها مالا يكون مثلها في القوة والشهرة وجب تأويله بما يوافقها دفعا للتنافي وعملا بالدليلين . ( 3 ) هو : الحيض والنفاس يتبعان الوجوب إذا اشتمل إحداهما وقت الصلاة من أوله =

[ 80 ]

ويجب أمام فعلها معرفة الله تعالى ، وصفات الثبوتية والسلبية ، وعدله وحكمته ونبوة نبينا محمد صلوات الله عليه وآله ، وإمامة الأئمة عليهم السلام ، والاقرار بكل ما جاء به النبي صلوات الله عليه وآله من أحوال المعاد بالدليل لا بالتقليد . وطريقة معرفة أحكامها لمن كان بعيدا عن الإمام عليه السلام ( 1 ) : الأخذ بالادلة التفصيلية ( 2 ) في أعيان المسائل ( 3 ) إن كان مجتهدا والرجوع إلى المجتهد ولو بواسطة وإن تعددت إن كان مقلدا . واشترط الأكثر كونه حيا ، ومع التعدد يرجع إلى الأعلم ثم الأورع ( 4 ) ، ثم يتخير ولو في آحاد المسائل ، بل في المسألة الواحدة في واقعتين ( 5 ) ، نعم يشترط عدالة الجميع . ويثبت الاجتهاد بالممارسة المطلقة على الحال للعالم بطريقه ( 6 ) ، أو بإذعان العلماء مطلقا . والعدالة بالمعاشرة الباطنة ، أو بشهادة عدلين ، أو الشياع .

= ( 1 ) إلى آخره ، فلو خلا أول الوقت عنهما بمقدار الصلاة تامة الأفعال والشروط ، أو آخره بمقدار ركعة تامة كذلك استقر الأداء ، فإن لم يفعل وجب القضاء . ع ل . ( 1 ) سواء كان في عصره أو لا . ع ل . ( 2 ) خرجت الاجمالية . ع ل . ( 3 ) أي : في كل مسألة بخصوصها . ع ل . ( 4 ) أي : فإن استويا رجع إلى الأورع ، فإن استويا في جميع المسائل ومن آحادها : فإن شاء قلد أحدهما بعضا ، والآخر بعضا آخر . ولو قلد أحدهما في مسألة فله أن يرجع إلى قول الآخر فيها إذا خالفه ، بشرط أن يكون ذلك في واقعتين لا في واقعة واحدة ، لامتناع تغير الحكم الذي تعلق به شرعا لمجرد الاختيار . ع ل . ( 5 ) قوله : في واقعتين : أي : في زمانين ، مثلا يقلد مجتهدا أن التسليم واجب ويصلى به ظهرا ، ويقلد مجتهدا آخرا أن التسليم مستحب ويصلى عصرا . ع ل . ( 6 ) أي : العلم بالممارسة إنما هو في حق من يعلم طريق الاجتهاد ، بحيث يقدر أن يعلم المجتهد من غير العالم بطريقه فلا عبرة بممارسته ولا لقوله . ع ل .

[ 81 ]

وأما الأبواب فأربعة الأول : في الطهارة وفيه فصول : الأول : في أقسامها وأسبابها ( 1 ) : الطهارة : هي الوضوء أو الغسل أو التيمم ، على وجه له تأثير في استباحة الصلاة ( 2 ) ، وكل منها : واجب ، وندب . فالواجب من الوضوء : ما كان لواجب الصلاة ، والطواف ، ومس كتابة القرآن ، والمندوب ما عداه . والواجب من الغسل : ما كان لأحد الأمور الثلاثة ، أو لدخول المساجد مع اللبث في المسجدين ، أو قراءة العزائم إن وجبا ( 3 ) إلا غسل المس ( 4 ) ، ولصوم الجنب مع تضيق الليل إلا لفعله ، وكذا الحائض والنفساء إذا انقطع دمهما قبل الفجر بمقدار فعله ، والمستحاضة الكثيرة الدم على تفصيل ( 5 ) ، والمندوب ما عداه . والواجب من التيمم : ما كان لأحد الأمور المذكورة ، ولخروج الجنب

( 1 ) الأسباب جمع سبب ، والسبب : هو الوصف الوجودي المعرف لحكم شرعي . ع ل . ( 2 ) إنما قال : على وجه له تأثير في استباحة الصلاة ، ليخرج نحو وضوء الحائض لذكرها ، ع ل . ( 3 ) يعني دخول المساجد وقراءة العزائم . ع ل . ( 4 ) في " ش " : مس الميت . ( 5 ) حاصل التفصيل : إن المستحاضة الكثيرة الدم : إما أن يكون دمها بحيث يغمس القطنة ولا يسيل ، أو يغمس ويسيل . وعلى التقديرين : فإما أن يكون قبل طلوع الفجر ، أو بعده قبل الصلاة أو بعدها . ففي القسم الأول يجب الغسل للصوم قطعا ، لكن هل يجب تقديمه على طلوع الفجر أم لا ؟ وجهان ، وأن التقديم أحوط ، فحينئذ يراعى فعله آخر الليل علما أو ظنا وفي الثاني يجب الغسل إجماعا على كل من التقديرين ، وفي الثالث إنما يجب الغسل للصوم إذا كان الدم سائلا لا مطلقا ، إذ لا يجب الغسل في من غمس دمها القطنة ولم يسل إلا =

[ 82 ]

والحائض والنفساء من المسجدين ، والمندوب ما عداه . وإنما يجب الوضوء لما ذكر ( 1 ) بخروج البول والغائط منفصلا ، والريح من الطبيعي وغيره إذا صار معتادا أو انسد الطبيعي ، والنوم المبطل للحس ولو تقديرا ، وكل مزيل للعقل ، والاستحاضة على وجه ، والغسل لجنابة ، والحيض ، والاستحاضة غير القليلة ، والنفاس ، ومس الميت نجسا ، وموت المسلم ومن بحكمه ، والتيمم بموجباتهما والتمكن من فعل مبدله ، وقد يجب الثلاثة بالنذر وشبهه . ومتى اجتمعت أسباب كفى في رفعها قصد الاستباحة ، أو الرفع مطلقا ، أو مضافا إلى أحدها . وفي إجزاء غير الجنابة عنها قولان ، والإجزاء قوي . ويجب على المتخلي ستر العورة عن ناظر محترم ( 2 ) ، وتجنب استقبال القبلة واستدبارها ولو في الأبنية ، ولاستنجاء عن البول بالماء خاصة ، والمشهور اعتبار المثلين فيعتبر الفصل ، وكذا في غائط المتعدي والمعتبر فيه الانقاء ، ويتخير في غيره بينه وبين مسحات ثلاثة بطاهر جاف قالع ولو بأطراف حجر ، أو محترما وإن حرم ، فأن لم ينق بها وجبت الزيادة ، ولو نقى بما دونها اعتبر الاكمال ، ولا فرق في ذلك بين الطبيعي وغيره مع اعتياده . الفصل الثاني : في المياه : وهي : مطلق ، ومضاف ، وأسآر :

= الغداة خاصة . ع ل . ( 1 ) أي : من الغايات السابقة ، وذلك لأنها جزء وعلة في إيجاب الوضوء ، إذ لا يجب بها وحدها من دون ضميمة شئ من الأسباب التي هي الأحداث . ع ل . ( 2 ) قوله : عن ناظر محترم ، احترز عن الطفل الصغير المراهق ، والمجنون ، والزوجة والبهائم ، والمملوكة الذي يحل وطؤها . ع ل .

[ 83 ]

فالمطلق : هو ما يستحق ( 1 ) إطلاق اسم الماء عليه من غير قيد ولا يصح سلبه عنه ( 2 ) ، وهو في أصل خلقته طهور ، فإن لاقاه طاهر فهو على حكمه وإن تغير به ما لم يفتقر إطلاق اسم الماء عليه إلى قيد ، وإن لاقته النجاسة فإن كان جاريا - وهو النابع - لم ينجس بها وإن نقص عن الكر ، ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه فينجس المتغير ، وما بعده إن نقص عن الكر واستوعب ( 3 ) التغير عمود الماء ، ويطهر بزوال التغيير ولو من نفسه . وماء الحمام بالمادة المشتملة على الكثرة ، وماء الغيث متقاطرا كالجاري ، وأن كان راكدا ينجس بها إن نقص عن الكر ، وفي طهره بالاتمام قولان . وإن كان كرا فصاعدا ، وهو ما بلغ تكسيره ( 4 ) بأشبار مستوي الخلقة اثنين وأربعين وسبعة أثمان ، أو كان وزنه ألفا ومائتي رطل بالعراقي لم ينجس إلا بالتغير .

( 1 ) والمراد بما يستحق : ثبوت ذلك عند أهل العرف ، ولا ينافي جواز تقييده مع ذلك كما يقال : ماء الفرات وماء البحر ، فالاستحقاق ثابت وإن جاز مثل هذا التقييد ، بخلاف المضاف فإن تقييده لازم ولا يستحق الإطلاق المذكور ع ل . ( 2 ) والمراد بامتناع سلبه عنه : عدم صحته عند أهل الاستعمال ، بحيث يخطئون من سلب اسم الماء عن المستحق بإطلاقه عليه . ع ل . ( 3 ) المراد باستيعاب التغير عمود الماء : استيعاب التغير عرض العمود وعمقه . ( 4 ) حساب ضرب الكر : أن تضرب ثلاثة الطول في ثلاثة العرض تبلغ تسعة ، ثم تضرب ثلاثة الطول في نصف العرض يبلغ واحدا ونصفا فيصير عشرة ونصفا ، ثم تضرب نصف الطول في ثلاثة العرض يبلغ واحدا ونصفا يصير اثني عشر ، ثم نضرب نصف الطول في نصف العرض يبلغ ربعا فيصير المجموع اثني عشر وربعا ، ثم تضرب اثني عشر في ثلاثة العمق يبلغ ستة وثلاثين ، ثم تضرب الاثنى عشر في نصف العمق يبلغ ستة يصير اثنين وأربعين ، ثم تضرب الربع في ثلاثة العمق يصير ثلاثة أرباع ، ثم تضرب الربع في نصف العمق يبلغ ثمنا ، فيصر المجموع اثنين وأربعين وسبعة أثمان ع ل .

[ 84 ]

ويطهران ( 1 ) بإلقاء كر دفعة واحدة ، فإن لم يزل التغير فآخر حتى يزول التغير . وإن كان بئرا نجست بالتغير إجماعا لا بالملاقاة على الأصح ، ويطهر بالنزح حتى يزول التغير ، وعلى القول بالنجاسة بالملاقات ينزح للتغير بها عند جماعة ( 2 ) . ولموت البعير والثور ، ووقوع المسكر المائع والفقاع والمني وأحد الدماء الثلاثة جميع الماء . ولموت الحمار ، والبغل ، والدابة ، والبقرة كر . ولموت الانسان وإن كان كافرا ( 3 ) عند الأكثر سبعون دلوا معتادة . وخمسون : للعذرة الذائبة . وأربعون : لموت الكلب ، ونحوه ، والدم الكثير كدم الشاة ( 4 ) ، ولبول الرجل . وثلاثون : لماء المطر الذي فيه البول والعذرة ، وخرء الكلاب . وعشرة : للعذرة اليابسة ، والدم القليل كدم ذبح الطير . وسبع : لموته ، ولخروج الكلب حيا ، وللفأرة مع التفسخ والانتفاخ ، ولبول الصبي ، واغتسال الجنب على إشكال ( 5 ) .

( 1 ) وكذا يطهر باتصالهما بالجاري ، أو بالمادة ، أو نزول المطر عليهما . ع ل . ( 2 ) وعند بعض آخر يجب النزح حتى يزول التغير ، وعند بعض يستوفي المقدر هذا بعد النزح وزوال التغير إن كانت النجاسة مقدرا ، وإلا فالجميع ، وعند بعض يجب أكثر الأمرين من زوال التغير والمقدر . ع ل . ( 3 ) سواء الذكر والانثى ، والصغير والكبير ، والمسلم والكافر . خلافا لابن إدريس حيث أوجب نزح الجميع للكافر ، لأنه لو وقع حيا لوجب نزح الجميع ، بناءا على أن مالا نص فيه ينزح له ذلك فميتا بطريق أولى . والمعتمد الأول ، نعم لو وقع حيا ثم مات اتجه وجوب نزح الجميع . ع ل . ( 4 ) قوله : والدم الكثير كدم ذبح الشاة : المشهور بين الأصحاب وجوب نزح خمسين في الدم الكثير . ع ل . ( 5 ) أي على إشكال في وجوب النزح ، ومنشأ الاشكال من النزح هاهنا : إما أن يكون نجاسة =

[ 85 ]

وخمس : لذرق جلال الدجاج . وثلاث : لموت الحية ، والفأرة مع عدم الأمرين . ودلو : لبول الرضيع ، وموت العصفور ، وشبهه . وعلى ما اخترناه فكل ذلك مستحب ، ويستحب تباعد البئر والبالوعة بخمس أذرع إن كانت الأرض صلبة ، أو كانت البئر أعلا ( 1 ) ولو بالجهة ، وإلا فسبع . والمضاف : ما لا يتناوله الاسم ويصح سلبه عنه كماء الورد ، والممتزج بما يسلبه الإطلاق . وهو في الأصل طاهر لكن لا يرفع حدثا ( 2 ) ولا يزيل خبثا ، وإن اضطر إلى الطهارة معه تيمم ، وينجس بالملاقات وإن كثر ، ويطهر بصيرورة مطلقا وإن بقي التغير ، لا باختلاطه بالكثير مع بقاء الاضافة . ولو مرج طاهره مسلوب الأوصاف بالمطلق قدر مخالفا وسطا ، والشيخ بحكم

= البشرة بملاقاة الجنب فبالنزح تعود الطهارة ، أو لصيرورته مستعملا على القول بأن المستعمل في الطهارة الكبرى ليس طهورا كما هو مذهب التحقيق وجماعة فبالنزح تعود الطهورية وكل من الأمرين غير مستقيم ، أما الأول ، فلأن نجاسة الماء الطاهر بملاقاته لبدن الجنب الخالى من نجاسة عينية ، لأنه الفرض ظاهر البطلان . وأما الثاني ، لأن الماء إنما يتحقق مستعملا في صورة النزاع على القول به إذا استعمله الجنب في رفع الحدث وحكم شرعا بارتفاع حدثه . وكل من الأمرين منتف أما الأول ، فلأن الحكم بالنزح مما لا نص فيه ، وأما الثاني ، فلأن حدثه لا يرتفع ، لثبوت النهي عنه في الخبر ، والنهي في العبادات يدل على الفساد فمن أشكل القولين النزح هنا أصلا ورأسا . ( 1 ) في بعض الأخبار : أن مجرى العيون كلها من جهة الشمال أعلى من غيرها من الجهات . ع ل . ( 2 ) الحدث : نجاسة حكمية يشترط في رفعها النية ، والخبث : نجاسة عينية يشار إليها وتتعدى مع الرطوبة ، ولا يشترط في رفعها النية . ع ل .

[ 86 ]

بالأكثر ( 1 ) . ولو اشتبه المطلق بالمضاف تطهر بكل منهما مع فقد ما ليس بمشتبه أما المشتبه بالنجس والمغصوب فيجب اجتنابه ، ولو قصر المطلق عن الطهارة وأمكن مزجه بالمضاف مع بقاء الإطلاق وجب المزج على الأصح إن لم يجد غيره ، وإلا تخير . والسؤر : ما باشره جسم حيوان ، وهو تابع له في الطهارة والنجاسة والكراهة . ويكره سؤر الدجاج ، والدواب ، والبغال ، والحمير ، والحائض المتهمة ، وما لا يؤكل لحمه كالجلال وآكل الجيف مع الخلو عن النجاسة ، والفأرة ، والوزغة والحية ، والثعلب ، والأرنب ، والمسوخ . وفي سؤر والد الزنا قول بالنجاسة ضعيف . ولا يستعمل النجس في الطهارة مطلقا ، فإن فعل فالحدث بحاله فيعيد مطلقا ( 2 ) ، وكذا الخبث على تفصيل يأتي ، ولا في الأكل والشرب إلا عند الضرورة فيقتصر على القدر الضروري . والمنفصل عن الأعضاء في الطهارتين طاهر إجماعا ، ومطهر على الأصح في مستعمل الكبرى ، وإن كره ، وعن محل الخبث نجس ، تغير أولا على الأشهر إذا كان له مدخل ( 3 ) في التطهير ، عدا ماء الاستنجاء من الحدثين خاصة فإنه طاهر ما لم يتغير بالنجاسة أو تلاقه نجاسة غير المحل ، ولو زاد الوزن فوجهان . ويكره استعمال المتشمس في الاناء وإن لم ينطبع ( 4 ) ، والمسخن بالنار في غسل الأموات .

( 1 ) المبسوط 1 : 8 . ( 2 ) في الوقت وخارجه ، مع العلم وبدونه . ع ل . ( 3 ) كماء الغسلتين ، لا كماء الغسلة الثالثة فإنها طاهرة . ع ل . ( 4 ) الأواني المنطبعة : وهي الأواني المصنوعة من الفلزات كالحديد والرصاص والنحاس =

[ 87 ]

الفصل الثالث : الوضوء : ويجب فيه : النية مقارنة لغسل الوجه ، ويجوز تقديمها عند غسل الكفين إذا كان مستحبا . واستدامتها ( 1 ) حكما إلى آخره : أتوضأ لاستباحة الصلاة لوجوبه قربة إلى الله ، ولو ضم الرفع أو اكتفى به صح إن لم يكن دائم الحدث ، ولا اقتصر على نية الاستباحة أو مع الضميمة ، إلا أن يقصد رفع ما سبق على زمان النية فيكتفي به ، ولو ضم منافيا أو لازما أجنبيا لم يصح . وغسل الوجه من قصاص شعر الرأس ولو حكما بادئا به إلى محادر شعر الذقن طولا ، وما حواه الابهام والوسطى عرضا ولو حكما ، وغسل ظاهر الشعر لا ما تحته وإن خف ، ولا مسترسل اللحية وإن استحبا . وغسل اليدين مع المرفقين ، والابتداء بهما ، وتقديم اليمنى ، وغسل الشعور وما تحتها ، والزائد من لحم وإصبع وظفر وإن طال ، ويدان ( 2 ) لم يتميز عن الأصلية ولم يكن فوق المرفق . ومسح مقدم شعر الرأس المختص به ، أو بشرته ببقية البلل بمسماه ولو منكوسا . ومسح بشرة الرجلين من رؤوس الأصابع إلى العظمين الناتئين في وسط

= وغيرها عدا الذهب والفضة ، وغير المنطبعة : وهي الأواني المصنوعة من الخزف أو الخشب وغيرهما . ( 1 ) المراد من الاستدامة حكما : أي لا ينوي مخالفا ، فإن نوى مخالفا للأول صح في ما مضى وبطل في ما بقي . ع ل . ( 2 ) اليد الزائد إن كانت في محل الفرض يجب غسلها وإن كانت متميزة عن الأصلية ، وإن كانت فوق محل الفرض إن تميزت عن الأصلية لا يجب غسلها وإلا فيجب . ع ل .

[ 88 ]

القدم بمسماه بالبلل ولو من شعور الوجه ، ويكره منكوسا ، ويجب البدأة باليمنى . والترتيب كما ذكر . والموالات : وهي أن يكمل طهارته قبل جفاف ما تقدم ( 1 ) ، ومع التعذر ، لإفراط الحر وقلة الماء قيل بالسقوط ( 2 ) ، وليس ببعيد . والمباشرة بنفسه اختيارا . وطهارة الماء ، وطهوريته فيه وفي الغسل ، وإباحة المكان ولو ظاهرا ، وطهارة المحل خاصة فيهما ولو تدريجا ، وفي التيمم تفصيل . ومتى شك في شئ من أفعاله قبل الفراغ أعاده وما بعده ، إلا مع الجفاف فيستأنف ، وبعده لا يلتفت . ولو تيقن الاخلال بواجب أتى به على الحالين ، ويسقط اعتبار الشك ببلوغ الكثرة . ومن تيقن الحدث أو الطهارة وشك في الضد عمل بيقينه ، وإن تيقنهما والشك في السابق : فإن جهل حاله قبل زمانهما تطهر ، وإلا أخذ بضد ما قبلهما على الأصح ، ولو أفاد التعاقب ( 3 ) يقينا بنى عليه . والجبائر في موضع الغسل تنزع ، أو تخلل حتى يصل الماء البشرة مع الطهارة ، فإن تعذر مسح ظاهرها طاهرا ، وفي موضع المسح تنزع مطلقا ، فإن

( 1 ) المراد بالجفاف المتقدم هل هو جفاف الجميع ، أو جفاف العضو الأخير أم مطلق جفاف العضو ؟ احتمالات ، أمنعها الأخير ، وأوضحها الأول : ع ل . ( 2 ) أي : ما قبل الطهارة والحدث المشكوك فيهما بالتقديم والتأخير الواقعين بعد الزوال ، فإن كان قبل ذلك محدثا بنى على الطهارة ، لأنه تيقن بعد الزوال انتقاله عن تلك الحالة إلى الطهارة ، ولم يعلم تجدد الانتقاض ، فصار متيقنا للطهارة وشاكا في الحدث فيبنى على الطهارة ، وإن كان قبل الزوال متطهرا بنى على الحدث لأن تلك الطهارة بطلت بالحدث الذي وجد بعد الزوال ، والطهارة الموجودة بعده يحتمل تقديمها على الحدث . وما اختاره المصنف مبني على القول الأصح ، إذ المسألة فيها قول آخر . شرح . ( 3 ) والمراد بالتعاقب : كون الطهارة عقيب الحدث لا عقيب طهارة ، وكون الحدث عقيب طهارة لا عقيب حدث شرح .

[ 89 ]

تعذر فالمسح ، وكذا الطلاء واللصوق . [ الفصل ] الرابع : الغسل : وهو أنواع : فغسل الجنابة : يجب بانزال المني على كل حال ولو بوجدانه في الثوب المنفرد ، ويحكم بالبلوغ به مع إمكانه لا في المشترك فيسقط عنهما . وبالجماع حتى تغيب الحشفة أو قدرها ، في قبل أو دبر ، لذكر أو أنثى ، حيا أو ميتا ، والقابل كالفاعل ، وفي البهيمة قول والوجوب أولى ، وغير البالغ يتعلق به حكم الحدث لا الوجوب والحرمة . فيحرم قبل الغسل الصلاة ، والطواف ، والصوم ، ومس خط المصحف ، واسم الله ، وأنبيائه ، وأئمته عليهم السلام ( 1 ) ، ودخول المسجدين خاصة ، واللبث مطلقا ، ووضع شئ فيها ، وقراءة العزائم الأربع وأبعاضها ولو بعضا مشتركا بنية إحداهما . ويجب في الغسل النية مقارنة لتقدم الأفعال المسنونة ( 2 ) ، أو لغسل جزء من الرأس مستدامة الحكم إلى آخره : اغتسل لاستباحة الصلاة لوجوبه قربة إلى الله ، ولو ضم الرفع أو اكتفى به صح على ما سبق تفصيله . وغسل الرأس والرقبة والأذنين وما ظهر من الصماخ ( 3 ) ، ثم الميامن ثم المياسر ، وتخليل ما يمنع وصول الماء وإن كان كثيفا ، لا غسل الشعر إلا أن يتوقف غسل

( 1 ) وكذا فاطمة عليها السلام ، وكذا اسم الملائكة المقربين . ع ل . ( 2 ) كغسل اليدين والمضمضة والاستنشاق إذا كان الغسل ترتيب . ع ل . ( 3 ) الصماخ : خرق الأذن ، ويقال هو الأذن نفسها . الصحاح 1 : 426 " صمخ " .

[ 90 ]

البشرة عليه ، ويتخير في غسل العورتين والسرة مع أي جانب شاء . والترتيب كما ذكر لا الموالاة ، ويسقط بالارتماس ، فيقارن بالنية إصابة الماء لجزء من البدن ويتبعه بالباقي من غير تخلف ، ولو وجد بعده لمعة لم تنغسل أعاد إن طال الزمان بحيث تنتفي الوحدة عرفا ، وفي الترتيب يغسلها وما بعدها . وينبغي الاستبراء بالبول للمنزل ويجتهد بعده ، ولا أثر للبلل المشتبه ، وبدونهما أو الأول خاصة مع إمكانه يعيد الغسل ، وبدون الثاني يعيد الوضوء . ولو أحدث في أثنائه كفاه الاتمام على الأصح ، ولو قام على مكان نجس طهر المتنجس ثم أفاض عليه الماء للغسل . وغسل الحيض ، والاستحاضة ، والنفاس ، ومس الميت كغسل الجنابة إلا أنه لا بد من الوضوء قبله أو بعده ، ولو تخلله الحدث كفى إتمامه مع الوضوء . فالحيض : هو الدم المتعلق بالعدة أسودا حارا عبيطا غالبا ، ومحله : البالغة تسعا غير يائسة ببلوغ ستين إن كانت قرشية أو نبطية ( 1 ) ، وخمسين في غيرهما ، ويتميز عن العذرة بانتفاء التطوق ، وعن القرح بخروجه من الأيسر ، ويجامع الحمل على الأقوى . وأقله ثلاثة أيام متوالية بلياليها ، وأكثره عشرة أيام وهي أقل الطهر ، ولا حد لأكثره ، وإذا انقطع الدم على العشرة فالكل حيض وإن تخلله النقاء بعد ثلاثة وإن عبر . فالمعتادة : وهي التي اتفق حيضها وقتا وعددا أخذا وانقطاعا ترجع إلى عادتها ، ولو اتفق في أحدهما خاصة استقرت في المتفق دون الآخر ( 2 ) ولهذه بعد

( 1 ) قوم يسكنون البطائح بين الكوفة والبصرة . ع ل . ( 2 ) فلو اتفق العدد دون الوقت رجعت في المرة الثالثة إلى ذلك العدد دون الوقت ولو تجاوز الدم العشرة ، ولو لم تعلم ابتداء عروض الدم كما في المرة الثالثة كالمجنونة تفيق =

[ 91 ]

أيام العادة أن تستظهر بيوم أو يومين إلى العشرة ، فبالتجاوز تقضي ما تركته زمان الاستظهار من صوم وصلاة وصوم العادة خاصة ، ويحكم لهذه بالحيض برؤية الدم . والمضطربة : ترجع إلى التميز ، ثم الروايات إن نسيت العدد والوقت معا ، وإن نسيت أحدهما عملت بما تعلم فتخير في تخصيص العدد إن ذكرته ، وإن ذكرت الوقت خاصة تحيضت في المتيقن واحتاطت بالجمع بين تكليفي الحائض والمستحاضة في المحتمل ، ويرجع ردها إلى الروايات فتضم إلى ما عملته بقية أحدهما . والمبتدأة بعد التميز ترجع إلى عادة نسائها ، ثم أقرانها من بلدها ، ثم الروايات وهي : ستة أو سبعة من كل شهر ، أو ثلاثة من شهر وعشرة من آخر مخيرة في التخصيص . والاستحاضة : دم أصفر بارد رقيق غالبا ، ويجب اعتباره فإن لطخ الكرسف ولم يثقبه وجب ابداله ، وتطهير ما ظهر من المحل ، والوضوء لكل صلاة . وإن ثقبه ولم يسل فمع ذلك تغير الخرقة ، وغسل للغداة . وإن سال فمع ذلك غسل للظهرين وتجمع بينهما ، وآخر للعشاءين كذلك . ومع الأفعال هي بحكم الطاهر ، فإن أخلت بشئ منها لم تصح صلاتها ، أو بشئ من غسلي النهار لم يصح صومها ، وإذا انقطع للبرء وجب ما اقتضاه الدم سابقا من غسل ووضوء .

= والدم مستمر لا تعلم متى ابتدأ ، فالظاهر منها تخصيص ذلك العدد بوقت ، مخيرة في ذلك مع استواء الزمان . ولو انعكس الفرض لا المستقرة إنما هو الوقت خاصة ، فمتى انقطع الدم على العشرة فالجميع حيض ، فإذا عبرها فلا عدد لها وترجع بل يعتبر التميز ، فإن طابق الوقت الذي أعادته مع احتمال رجوعها إلى عادة النساء والأقران في العدد ، لأنها مبتدأة بالنسبة إليه . ع ل .

[ 92 ]

والنفاس : دم الولادة معها أو بعدها ، فلا نفاس بدونه ولا ما يكون قبلها ، وأكثره عشرة في الأشهر ، فإن عبرها الدم عملت المعتادة في الحيض بعادتها ، والمبتدأة والمضطربة بالعشرة . وللتوأمان ( 1 ) نفاسان ، وتفارق الحائض في ، الأقل ، والدلالة على البلوغ ، وقضاء العدة إلا في الحامل من زنى ( 2 ) . ويشتركان في : تحريم ما سبق مما يشترط فيه الطهارة ، والوطء قبلا فيعزر ويكفران استحله مع العلم بالتحريم ويستحب التكفير بدينار قيمته عشرة دراهم في أوله ، ونصف في وسطه ، وربع في آخره ، وكذا الطلاق مع الدخول وانتفاء الحمل وحضور الزوج أو حكمه ، ويكره الوطء قبل الغسل على الأصح . ومس الميت : إنما يوجب الغسل بعد برده بالموت وقبل تطهيره بالغسل على الوجه المنقول ، وكذا القطعة ذات العظم وإن أبينت من حي ، فلو مس معصوما ، أو شهيدا ، أو من لم يبرد ، أو المغسل صحيحا ، أو عضوا ثم غسله على قول قوي ، أو المغتسل ليقتل بسيب وقتل به فلا غسل . ولو مس من لم يطهر بعد البرد ، أو غسل فاسدا ولو بفعل الكافر لضرورة فقد المماثل والمحرم من المسلمين ، أو سبق موته قتله ، أو قتل بغير ما اغتسل له ، أو كان ميمما ولو عن بعض الغسلات ، أو فقد في غسله أحد الخليطين ، أو كان كافرا

( 1 ) لكن الدم الذي بعد وضع الأول نفاس غير معدود ، فيحرم عليها ما يحرم على النفساء ولا تحتسب هذه الأيام من العادة ، وبعد وضع الثاني معدود ، ولا فرق بين تخلل طهر بينهما وعدمه . ع ل . ( 2 ) لكن يحسب بحيضة واحدة كما لو طلق وهي حامل من الزنى ، ثم رأت الدم مرتين ، ثم وضعت الحمل ، ثم رأت دم النفاس فإنه يقتضي العدة به ، وكذا لو وضعته ولم ترد ما قضت العدة أيضا . ع ل .

[ 93 ]

وإن غسل وجب الغسل ، وإنما ينجس الملاقي مع الرطوبة على الأقوى . ويجب على كل مكلف على الكفاية توجيه المحتضر المسلم ومن بحكمه إلى القبلة ، بأن يلقى على ظهره وتجعل رجلاه إليها بحيث لو جلس لكان مستقبلا ، ثم إزالة النجاسة عن بدنه ، ثم تغسيله بماء طرح فيه مسمى السدر ، ثم بماء طرح فيه كافور كذلك ، ثم بماء خلا منهما وهو القراح مرتبا كالجنابة . ويسقط الترتيب بغمسه في الكثير مقارنا بالنية أول كل غسلة ، وتجزئه نية واحدة لها موجها إلى القبلة كالمحتضر ، ولو تعذر الخليط غسل ثلاثا بالقراح ، ولو وجد ماء غسلة قدم السدر ويممه عن المفقود ، ولو لم يجد شيئا يممه ثلاثا ، على الأقوى . وأولى الناس بتغسيل الرجل الزوجة ( 1 ) ، ثم الرجال المحارم ، ثم الأجانب ، ثم النساء المحارم . ومثله المرأة . وتكفينه في مئزر وقميص وإزار اختيارا ، من جنس ما يصلي فيه الرجل من أصل تركته مقدما على الديون والوصايا ، ومع فقدها فمن بيت المال أو من الزكاة وكفن الزوجة الدائمة غير الناشزة على زوجها وإن كانت ذات مال . وتحنط مساجده السبعة بمسمى الكافور ، ويكتب بتربة الحسين عليه السلام على القميص والأزار : أنه يشهد الشهادتين ويقر بالأئمة ، ويجعل معه جريدتان من النخل ثم السدر ثم الخلاف ثم شجر رطب استحبابا فيهما . ويجب كفاية أن يصلى على المسلم ومن بحكمه ممن بلغ ست سنين ، وأولى الناس بها أولاهم بالارث ، فالاب أولى ، ثم الولد ، ثم الجد ، ثم الأخ للأبوين ، ثم للأب ، ثم الأم ، ثم العم ، ثم الخال ، ثم ابن العم ، ثم ابن الخال . ومع صغر

( 1 ) المعتمد بغسل الزوج زوجته ، وبالعكس ، وكذا المحارم إنما يكون من وراء الثياب ما ستر البدن عادة ، فلا يجب كونه ساتر الوجه واليدين والقدمين مع احتمال الوجوب . ع ل .

[ 94 ]

الأولى فالحكم للكبير ، ومع فقده فالحاكم ، وإمام الأصل أولى مطلقا ولا عبرة بإذن الولي ، ومع تساوي الأولياء والتشاح يقدم الأقرأ فالأفقه فالأ - سن ويستنيب الولي مع انتفاء الاهلية ، ويجوز معها ، ولا تنعقد جماعة بدون إذنه فتصح فرادى . ويعتبر فيها الاستقبال وستر العورة ، دون الطهارة ، وجعل رأس الميت عن يمين المصلي مستلقيا ، وعدم التباعد كثيرا ، والقيام ، والنية ، وتكبيرات خمس ، والتشهد عقيب الأولى ، والصلاة على النبي وآله عقيب الثانية ، والدعاء للمؤمنين عقيب الثالثة ، وللميت عقيب الرابعة ، والانصراف بالخامسة ، وعن المنافقين بالرابعة ، ويدعو للمستضعف والطفل بنحو ما نقل . ثم يجب دفنه في حفرة تكتم ريحه وتصوفه ، موجها إلى القبلة ، بأن يضجع على جانبه الأيمن ، إلا في ذمية الحامل من مسلم فيستدبر بها القبلة . ومع تعذر البر يثقل ، أو يجعل في وعاء ويسترسل مستقبلا . ويحرم نبش القبر إلا في مواضع ، ونقل الميت بعد دفنه إلا إلى المشاهد المشرفة مع عدم المثلة ، ولو لم يصل على الميت صلي على قبره ، ولا تحديد . [ الفصل ] الخامس : التيمم بالصعيد : وهو التراب بأي لون اتفق ، أو المدر أو الحجر أو الرمل ، وأرض النورة والجص قبل الاحراق ، دون المعدن والنبات والمشوب بغيره مع سلب الاسم ، ولو بشراء أو استئجار أو عارية أو شاهد حال . ويجب قبول هبته وهبة الماء ، لا الثمن ، ومع فقده فبغبار الثوب واللبد وعرف الدابة ، ثم الوحل ، لا بالثلج ، ولو أمكن الغسل بنداوته قدم على التيمم . ويجب طلب الماء في الجهات الأربع غلوة في الحزنة ، وغلوتين في السهلة ولو بوكليه ، وشراؤه وإن زاد عن ثمن المثل مع القدرة ، وعدم الضرر وخوف

[ 95 ]

استعماله ولو في بعض الأعضاء كفقده ، ومنه الشين ، وكذا لخوف على نفس أو مال أو بضع . ولا إعادة على من صلى بتيمم وإن كان متعمدا الجنابة ، أو الممنوع بزحام الجمعة ويقدم الجنب على الميت والمحدث بالماء المبذول للأحوج ، وكذا على باقي المحدثين ، وذو النجاسة على الجميع . ويجب فيه النية مقارنة للضرب على الأرض مستدامة الحكم : أتيمم بدلا من الوضوء أو الغسل لاستباحة الصلاة لوجوبه قربة إلى الله ، ولا مدخل للرفع هنا . ويجب الضرب بكلتا يديه معا ببطونهما اختيارا ، وطهارتهما ، وطهارة المضروب عليه ، ومحل التيمم . ولو تعذر إزالة النجاسة عن الأعضاء صح إن لم تكن حائلة ( 1 ) ولا متعدية . ومسح الجبهة ببطن الكفين من قصاص الشعر إلى طرف الأنف الأعلى بادئا بأعلاها ، والأولى مسح الجبينين ، والحاجبين وبلوغ طرف الأنف الأسفل ، ثم مسح ظهر كفه اليمنى ببطن اليسرى من الزند إلى أطراف الأصابع ، ثم مسح اليسرى كذلك والموالاة ولو بدلا من الغسل ، ولا يقدح الفصل بما لا يعد تفريقا ، والمباشرة بنفسه إلا مع التعذر كما ذكر . ولا يشترط علوق الغبار ، بل يستحب النفض ، ويجب للوضوء ضربة وللغسل اثنان . ولغير الجنابة تيممان ، لوجوب الطهارتين . وينتقض بالتمكن من مبدله قبل التحريم لا بعده ولو لم يكن قد ركع ، ويجوز مع السعة إن لم يكن العذر مرجو الزوال ، ويستباح به كل ما يستباح بمبدله حتى الطواف .

( 1 ) ولو كانت حائلة أو متعدية ولا يمكن رفعه سقط الأداء والقضاء وهو كعادم المطهر . ع ل .

[ 96 ]

[ الفصل ] السادس : تجب إزالة النجاسات عن الثوب والبدن للصلاة والطواف ودخول المساجد مع التعدي وهي عشرة : البول والغائط من غير المأكول إذا كان له نفس سائلة وإن عرض تحريمه ( 1 ) . والمني والدم من ذي النفس مطلقا ولو علقه في البيضة وغيرها ، وأما المتخلف من الدم في اللحم بعد الذبح والقذف فطاهر . والميتة منه ، وجزء من ذي النفس المبان ولو من حي ميتة إلا الأنفحة وما لا تحله الحياة . والكلب والخنزير وإجزائهما وفرعهما . والكافر بأنواعه ، ومنه الخوارج والغلاة والنواصب ( 2 ) والمجسمة . والمسكر المائع ، وفي حكمه الفقاع والعصير العنبي إذا غلا واشتد . والمعتبر في الازالة زوال العين بالماء الطهور ، ولا عبرة بالرائحة واللون إذا شق زواله ، والعصر في غير الكثير إن أمكن نزع الماء المغسول به ، وإلا اشترط الكثير ، لا في الحشايا والجلود فيكفي التغميز فيها ، وفي بول الرضيع الذي يغتذ بالطعام كثيرا صب الماء عليه دون الرضعة ، وفي باقي النجاسات عن الثوب والبدن مرتان ، وفي إناء ولوغ الكلب ثلاثا أولاهن بالتراب الطاهر وإن لم يمزج بالماء لا في باقي أعضائه ، وفي الكثير يكفي المرة بعد التراب ، وفي

( 1 ) كالجلال ، وموطوءة الانسان من الحيوان ، وكذلك النتائج فيهما . ع ل . ( 2 ) الخارجي : من خرج على الإمام وحارب ضده ، والغالي : من يقول في حق على أو واحد من الأئمة ما جاوز مرتبتهم بحيث يجعله إلاها أو نبيا ، والناصب : من يظاهر بعداوة أهل البيت عليهم السلام ومواليهم لأجل متابعته . ع ل .

[ 97 ]

إناء الخنزير سبع بغير تراب ، وكذا نجاسة الفأرة والخمر وإن كان إناء قرعا ونحوه ومن غير ذلك ثلاثا . وتطهر الأرض والبواري والحصير ، وما لا ينقل عادة بتجفيف الشمس مع زوال العين . وأسفل القدم ، والنعل ولو من خشب بزوال عين النجاسة بالأرض والحجر الطاهرين مع الجفاف ، وليس المشي شرطا . وما أحالته النار رمادا أو دخانا أو فحما ، لا خزفا . والنطفة والعلقة بالاستحالة حيوانا ، ونحو الخنزير ملحا ، والعذرة ترابا ، والكافر بإسلامه ، والجلال باستبرائه ، والعصير بنقصه أو انقلابه ، وكذا الخمر بالاناء ، والدم بانتقاله إلى البعوض ونحوه ، والبواطن وغير الادمي بزوال العين وإن لم يغب . وعفي عما نقص عن سعة درهم بغلي من الدم ، والمتنجس به غير الثلاثة ونجس العين مجتمعا ومتفرقا لا الدرهم ، وقدر بمنخفض الكف . وعن دم القروح والجروح إلى أن يبرأ ، ولا يجب العصب فيهما . وعن نجاسة ما لا يتم الصلاة فيه وحده وإن كانت مغلظة ، واشترط بعضهم كونها في محالها ، وآخرون كونها ملابس ، ولا ريب أنه أحوط وإن كان عموم الخبر يدفعه . وعن نجاسة ثوب المربية للصبي حيث لا غيره إذا غسلته كل يوم وليلة مرة ، والحق به الصبية والولد المتعدد ، وبها المربي والخصي الذي يتواتر بوله ، وليس ببعيد . وعن النجاسة مطلقا مع تعذر الازالة ، ولو اختص بها الثوب لم يجب نزعه ، بل الصلاة فيه أفضل ، وعلى التقديرين فلا قضاء . وإذا أمكن تخفيفها وجب مع

[ 98 ]

الفائدة ، كما إذا اختلف النوع ، أو انتهت بالتخفيف إلى حد العفو . تتمة : يحرم اتخاذ الآنية من النقدين ولو لمحض القنية على الأقوى ، سواء الرجل والمرأة . ويكره المفضض ، ويجب عزل الفم عن موضع الفضة ، ويجوز نحو الحلقة للقصعة ، والضبة ( 1 ) للاناء ، والقبيعة ( 2 ) والنعل للسيف ، والتحلية للمرأة بالفضة وكذا الميل منها لا المكحلة ، وتخلية المصحف بها وبالذهب . ولا يحرم الاناء من غيرهما وإن كان نفيسا ، نعم يشترط طهارة أصله والتذكية في الجلد ، وفي غير المأكول الدبغ على قول . الباب الثاني : في باقي مقدمات الصلاة وفيه فصول : الأول : في إعدادها : والواجبة سبع : اليومية ، والجمعة ، والعيدان ، والآيات ، والطواف ، والأموات ، وما يلتزم بنذر وشبهه . فاليومية خمس : الظهر والعصر ، والعشاء ، - كل واحدة أربع ركعات - والمغرب ثلاث ، والصبح ركعتان . والوسطى منهن هي العصر على الأقوى ، وتنتصف الرباعيات في السفر والخوف . ونوافلها لكل من الظهرين ثمان قبل الفرض ، وللمغرب أربع بعدها ، وللعشاء ركعتان من جلوس بعدها تعدان بركعة ، ولليل ثمان وركعتان للشفع وركعة للوتر وللصبح ركعتان قبلها . ويسقط في السفر نوافل الظهرين ، والوتيرة على المشهور وباقي الصلوات الواجبة تأتي انشاء الله تعالى .

( 1 ) الضبة : حديدة عريضه يضبب بها الباب وغيره . الصحاح 1 : 168 " ضبب " . ( 2 ) قبيعة السيف : ما على طرف مقبضه من فضه أو حديد . الصحاح 3 : 1260 " قبع " .

[ 99 ]

الثاني : الوقت : فللظهر زوال الشمس ، ويعلم بزيادة الظل بعد نقصه ، أو حدوثه بعد عدمه في أطول أيام السنة بمكة وصنعاء ، وبظهور الظل في جانب المشرق ، ويختص بمقدار أدائها تامة الأفعال . والمشروط أقل الواجب ، ويختلف باختلاف لزوم القصر والاتمام ، ومصادفة أول الوقت متطهرا ومحدثا ونحوه ، ولو نسي بعض الأفعال كالقراءة لم يجب تأخير العصر بمقدار أدائه ، ولو كان مما يتلافى أو يسجد له اعتبر تقديمه ، ثم يشترك الوقت بينها وبين العصر والظهر مقدمة ، فلو نسي الظهر وأتى بالعصر في المشترك عدل إن تذكر في الأثناء ، وإلا صحة العصر وأتي بالظهر أداءا . ووقت الفضيلة إلى أن يصير الفئ الزائد مثل الشخص لا مثل المتخلف قبل الزوال . وللعصر إلى أن يصبر مثليه ، ووقت الإجزاء إلى أن يبقى للغروب مقدار العصر فيختص بها . ولو أدرك قبل الغروب مقدار خمس تامة الأفعال والشروط ولم يكن صلى وجب الفرضان أو مقدار ركعة وجبت العصر أداءا . وللمغرب غروب الشمس ، ويعلم بذهاب الحمرة المشرقية ، لا باستتار القرص . ويختص بمقدار أدائها ثم يدخل وقت العشاء على معنى الاشتراك إلى أن يبقى لانتصاف الليل مقدار العشاء فيختص بها . ووقت الفضيلة إلى ذهاب المغربية . وللعشاء إلى ربع الليل ، ووقت الإجزاء إلى أن يبقى للانتصاف مقدار العشاء ويدرك الفرضين لو لم يكن صلى بإدراك خمس والعشاء بإدراك ركعة . وللصبح طلوع الفجر الثاني وهو المعترض ، ففضيلته إلى الاسفار والتنوير ، وإجزاؤه إلى طلوع الشمس . ووقت نافلة الزوال إلى أن يزيد الفئ قدمين ، والعصر إلى أربعة أقدام ،

[ 100 ]

وقيل : يمتدان بامتداد وقت الفضيلة ، وهو قوي . ويوم الجمعة يزيد أربعا ويصلي ستا عند انبساط الشمس ، وستا عند ارتفاعها ، وستا عند قيامها ، وركعتين عند الزوال ، ويجوز تأخيرها عن العصر . وصلاة ست بين الفرضين ، ولو خرج وقت النافلة قود تلبس بركعة أتمها ، إلا يوم الجمعة . ووقت نافلة المغرب عند فراغها إلى ذهاب الحمرة المغربية ، ولا يزاحم بها ، ووقت الوتيرة بعد العشاء ويمتد كوقتها . وصلاة الليل والشفع والوتر بعد انتصافه ، وقربها من الفجر أفضل ، ويجوز تقديمها لعذر كما في الشاب والمسافر وقضاؤها أفضل ، ولو طلع الفجر وقد تلبس بأربع أتمها مخففة بالحمد . ووقت نافلة الصبح بعد الفراغ من الليلية ، وتأخيرها إلى طلوع الفجر الأول أفضل ، ويمتد وقتها إلى الاسفار . ويجب معرفة الوقت باليقين ، ومع تعذره يكفي الظن المستفاد من الامارات كالأوراد والأحزاب ، فإن طابق أو دخل الوقت عليه متلبسا أجزأت ، وإلا أعاد . والمكفوف يقلد العدل العارف بالوقت ، وكذا المحبوس والعامي . الثالث : ستر العورة : وهو شرط في الصلاة مع القدرة ، وفي غيرها الطواف إنما يجب مع ناظر يحرم التكشف له . وعورة الرجل هي القضيب والأنثيان والدبر ، والمرأة جميع رأسها مع الشعر والأذنين والعنق وبدنها ، وعدا الوجه والكفين من الزند والقدمين من مفصل الساق ، ظاهرهما وباطنهما ، نعم يجب ستر جزء من الكف والقدم من باب المقدمة ، كإدخال جزء من غير محل الفرض في الطهارات . والأمة المحضة والصبية لا يجب ستر رأسها ، والخنثى كالمرأة ، ولو تحرر

[ 101 ]

بعض الأمة فكالحرة ، ولو عرض في أثناء الصلاة وعلمت به استوت ، فإن استلزم المنافي بطلت مع سعة الوقت . ولو انكشفت عورة المصلي بغير فعله فلا إبطال ووجب المبادرة إلى الستر ، ولو صلى عاريا نسيانا أعاد على الأصح وإن خرج الوقت . وواجد ساتر إحدى العورتين يؤثر به القبل ، وإحدى قبلي الخنثى ، قيل ، يؤثر الذكر ، ويحتمل مخالف العورة المطلع . ولو حاذى خرق الثوب العورة فجمعه أجزأ ، لأن إن وضع يده عليه ، ويجب الستر من الجوانب لا من تحت ، إلا أن يصلي على مرتفع . وضابط الستر : ما يخفي به اللون والحجم ولو حشيشا ونحوه ، ومع فقده فالطين ، ثم الماء الكدر ، ثم الحفيرة ، ثم الجب ونحوه . ومع فقد الجميع ولو بشراء أو استئجار يصلي عاريا قائما مع أمن المطلع ، وجالسا لا معه ، مومئا في الحالين ، ويجعل السجود اخفض . ويعتبر في الساتر أن لا يكون جلد ميتة ولو دبغ أو كان شعسا ، وفي حكمه ما يوجد مطروحا ، أو في يد كافر ، أو في سوق الكفر ، أو في يد مسلم مستحل الميت بالدباغ على قول ، إلا أن يخبر بالتذكية فيقبل بخلاف ما يوجد في سوق الاسلام ، أو مع مسلم غير مستحل أو مجهول الحال ولا جلد غير المأكول وإن ذكي ودبغ ، أو كان مالا يتم الصلاة منفردا ، ولا شعره ولا صوفه ووبره ، إلا الخز وبرا وجلدا على الأصح ، والسنجاب على كراهية ، ولا حريرا محضا للرجل والخنثى ، كما لا يجوز لبسه لهما أصلا في غير الحرب والضرورة . ويجوز الكف به إلى أربع أصابع ، واللبنة منه ، والتكة ونحوها على كراهية ، وافتراشه والصلاة عليه . ويجوز للمرأة لبسه والصلاة فيه ، والممتزج للجميع ولو قل الخليط ، إلا مع صدق الحرير عليه لاضمحلاله ، لا الحشو به . ولو لم يجد إلا الحرير صلى عاريا بخلاف النجس فيقدم عليه ، ولا ذهبا للرجل والخنثى ولو

[ 102 ]

خاتما أو مموها به ، ولا مغصوبا وإن لم يكن ساترا ، ولو جهل الغصب أو نسيه فلا إعادة ، لا إن جهل الحكم . ولو أذن المالك لمعين اختص الجواز به ، أو مطلقا جاز لغير الغاصب . وما يستر ظهر القدم ولا ساق له تكره الصلاة فيه ، ولو منع الثوب بعض الواجبات لثقله أو اللثام لم يجز الصلاة فيه ، إلا مع الضرورة . الرابع : المكان : ويشترط إباحته إما بكونه مملوك العين ، أو المنفعة بعوض وبدونه ، أو للاذن فيه إما صريحا ، أو ضمنا ، أو فحوى ، أو بشاهد الحال حيث لا مانع . فلا يصح في المغصوب ولو صحراء ، سواء فيه غصب العين وهو ظاهر ، أو المنفعة كادعاء الاستئجار كذبا . ولو أذن المالك لمعين أو مطلقا فكما سبق ، ولو رجع عن الإذن قبل الشروع لم يجز الفعل ، ولو ضاق الوقت صلى خارجا ، وبعده ( 1 ) فيه أوجه ( 2 ) . ويشترط طهارة موضع الجبهة من كل نجاسة إذا كان محصورا ، أما مساقط باقي الأعضاء فلا ، إلا أن تتعدى نجاسته التي لم يعف عنها إلى المصلي أو محموله . وفي جواز محاذاة الرجل للمرأة ، أو تقدمها عليه في الصلاة قولان ، أصحهما الكراهية ، سواء المحرم والأجنبية والزوجة ، ولو فسدت إحدى الصلاتين فلا حرج ، ويزول المنع بالحائل أو التأخر ، أو بعد عشر أذرع .

( 1 ) أي : بعد الشروع في الصلاة . ( 2 ) نعني للأصحاب فيه أقوال خمسة : الأول : القطع والصلاة بعد الخروج ، والثاني : إتمام الصلاة في المكان ، الثالث : إتمام الصلاة خارجا جمعا بين الحقين ، الرابع : التفصيل لضيق الوقت فيصلى خارجا مع السعة فيقطع ويصلي بعد خروجه ، الخامس : التفصيل بأن يكون الإذن في الصلاة صريحا فيتم ما لم يتجدد على المالك ضررا ، وكونه ضمنا أو فحوى أو شاهد الحال ، فيقطع ويصلي بعد خروجه وهو قريب إلا أن يضيق الوقت فيصلي خارجا . ع ل .

[ 103 ]

ويجب وضع الجبهة في السجود على الأرض وأجزائها ، ما لم يخرج عنها بالاستحالة كالنورة والمعدن ، وكذا النبات إلا أن يكون مأكولا ملبوسا عادة كالقطن والكتان ولو قبل أن يعملا ويزول المنع مع التقية ، أو خوف الأذى من نحو حية في المظلمة ، وفقد غير الثوب ، ولو لم يجد شيئا مع الخوف أومأ . ولو كان لشئ حالتان يؤكل في إحداهما دون الأخرى كقشر اللوز اختص التحريم محال الأكل ، ولو أكل شي ، في قطر دون آخر فالظاهر شمول التحريم . ويجوز السجود على القرطاس إن اتخذ من جنس ما يجوز السجود عليه ، ويكره المكتوب منه للقارئ المبصر دون غيره عند الشيخ ( 1 ) ، وهو متجه في غير المبصر . والواجب في المساجد المسمى ، واستواء مساقطها ، أو التفاوت بمقدار أربع أصابع مضمونة علوا وانخفاضا ، فلو وقعت الجبهة على مالا يسجد عليه رفعها إن كان أعلى بأزيد من أربع أصابع ، وإلا جرها حذرا من تعدد السجود ويستحب السجود على الأرض وأفضل منه على التربة الحسينية ولو شويت بالنار . الخامس : القبلة : وهي عين الكعبة لمن تمكن من المشاهدة ، والجهة للناسي على الأصح ، وهي السمت التي يظن فيه الكعبة ، فإن علمها يقينا بمحراب معصوم فلا اجتهاد أصلا ، أو بقبلة المسلمين وقبورهم حيث لا يعلم الغلط ، مع جواز الاجتهاد للحاذق يمنة ويسره لا مطلقا كفاه ، وإلا عول على أماراتها . ومن صلى فوقها أو داخل بابها أبرز بين يديه منها قليلا ، ولا يحتاج إلى شاخص . ولأهل كل إقليم علامات يتوجهون بها إلى ركنهم ، فلاهل العراق جعل الجدي - وهو نجم مضئ ، بينه وبين الفرقدين أنجم صفار من الجانبين كصورة بطن الحوت

( 1 ) المبسوط 1 : 90

[ 104 ]

الجدي رأسه والفرقدان الذنب ، يدور في كل يوم وليلة دورة كاملة حول القطب - خلف المنكب الأيمن إذا كان مستقيما بأن يكون في غاية الانحطاط والفرقدان في غاية العلو . أو بالعكس ، ومغرب الاعتدال على يمينه ، ومشرقة على يساره وعكسه لمقابله . ولأهل الشام جعل الجدي على المنكب الأيسر ، وسهيل وقت طلوع بين العينين ، وعند مغيبه على العين اليمنى ، وبنات نعش حال غيبوبتها - وهو غاية انحطاطها - خلف الأذن اليمنى ، وعكسه لأهل اليمنى . ولأهل المغرب جعل الثريا والعيوق على اليمين واليسار ، والجدي على الخد الأيسر ، وعكسه لأهل المشرق . وما بين هذه البلدان له علامات مذكورة في بعض كتب الأصحاب ، وقد يستفاد من العلامات المذكورة بضرب من الاجتهاد . والمشهور استحباب التياسر لأهل العراق يسيرا . ولو غمت العلامات فلا تقليد بل يصلي إلى أربع جهات ، ولو ضاق الوقت صلى المحتمل ولو إلى جهة ، فإن طابق وإلا أعاد مطلقا إن تبين الاستدبار ، وفي الوقت إن كان إلى محض اليمين أو اليسار ، ولو كان منحرفا يسيرا فلا إعادة وإن علم في الأثناء ، بل يستقيم ، وكذا المصلي باجتهاد ، والناسي كالظان في قول قوي . ولو جهل العلامات لكونه عاميا وتعذر عليه التعلم أو كان مكفوفا قلد العدل العارف بالعلامات المخبر عن الاجتهاد ، أما المخبر عن يقين فإنه شاهد يجوز الرجوع إليه بطريق أولى . وربما قيل بجواز رجوع القادر على الاجتهاد إليه مع منعه من التقليد ، فإن طابق القبلة ، وإلا فكما سبق ، ويجب تعلم العلامات عند الحاجة إليها وبدونها على احتمال . ويسقط الاستقبال عند الضرورة وإن علم القبلة ، كصلاة المطاردة ، والمصلوب

[ 105 ]

والمريض الذي لا يجد من يوجهه إليها . ولا تصح الفريضة على الراحلة اختيارا وإن أمكن استيفاء أفعالها وشروطها ولو كانت بعيرا معقولا ، وكذا الأرجوحة ، بخلاف الرف بين حائطين أو نخلتين حيث لا يضطرب كثيرا ، وكذا الزورق المشدود على الساحل وإن تحرك سفلا وصعدا كحركة السرير ما لم يؤد إلى الاضطراب ، أما السفينة السائرة ففي جواز الصلاة فيها اختيارا مع التمكن من الأفعال والهيئات خلاف ، والجواز قريب ، فإذا صلى مختارا على القول بالجواز أو اضطر تحرى القبلة ، فلو انحرفت انحرف حتى لا يخرج عن الاستقبال ، ومع التعذر والضرورة يستقبل ما أمكن ، فإن تعذر فبالتحريمة ، فإن تعذر سقط ، وكذا الراحلة . تتمة : يستحب مؤكدا الأذان والإقامة في اليومية والجمعة دون غيرها ، ولا يجبان . وكيفية الأذان أن يكبر أربع مرات ، ويشهد الشهادتين مثنى ، وكذا الحيعلات الثلاث ، ثم يكبر ويهلل مثنى . والإقامة كالآذان إلا أن التكبير أولها مرتين والتهليل آخرها مرة ، ويزيد قبل التكبير آخرها قد قامت الصلاة مرتين . الباب الثالث : في افعال الصلاة وهي ثمانية : الأول : النية : وهي معتبرة في الصلاة تبطل بتركها عمدا وسهوا ، وشبهها بالشرط أكثر ، ويعتبر فيها : القصد إلى فعل الصلاة المعينة أداء وقضاء لوجوبه أو ندبه قربة إلى الله تعالى ، وتجب مقارنتها لأول التكبير ، فلو تخلل بينهما زمان وإن قل بطلت ، واستدامتها حكما إلى الفراغ . ولا يشترط تعيين الأفعال مفصلة ، ولا القصر ولا التمام ، إلا في مواضع التخيير واشتباه القصر بالتمام إذا أراد قصاؤه .

[ 106 ]

وصفتها : أصلي فرض الظهر أداء لوجوبه قربة إلى الله ، ولو نوى القطع في الأثناء أو فعل المنافي ، أو تردد فيه ، أو نوى فعله في الثانية ، أو علقه بأمر ممكن ، أو نوى ببعض الصلاة غيرها ، أو بواجبها الندب ، أو بأدائها القضاء ، أو بأفعال الظهر العصر ، أو الرياء ولو بالذكر المندوب بطلت على الأصح . أما لو نوى بالفعل الغير الواجب الوجوب ، أو الرياء ، أو غير الصلاة بطلت مع الكثرة لا بدونها ، ولو ذكر سابقة عدل إليها ، ولو كانت قضاء نواه . الثاني : تكبيرة الاحرام : وهي ركن تبطل الصلاة بتركها ولو سهوا ، وصورتها : الله أكبر ، فلو عكس الترتيب ، أو أبدلها بمرادفها ، أو زاد كلمة ونحوها وإن كانت مقصودة معنى كأكبر من كل شئ لم يصح . ويجب فيها الموالاة ، والاعراب ، وإسماع نفسه كسائر الاذكار الواجبة ، والعربية إلا مع العجز وضيق الوقت ، فيحرم بالترجمة من غير تفاوت بين الالسنة ، وقطع الهمزتين ، وعدم المد بحيث يصيرا استفهاما وإن لم يقصده ، وكذا لو مد أكبر بحيث يصير جمعا . ويكره مد الألف المتخلل بين اللام والهاء . ويعتبر فيها جميع ما يعتبر في الصلاة من الطهارة ، والاستقبال ، والقيام ، وغيرها فلو كبر وهو آخذ في القيام أو منحنيا ، أو كبر المأموم وهو آخذ في الهوي لم يصح ولو كبر ثانيا للافتتاح ولم ينو بطلان الأولى بطلت وصحت الثالثة ، ولو نواه صحت الثانية . الثالث : القيام : وهو ركن في الصلاة في موضعين لا مطلقا ، وكذا بدله . وحده الانتصاب ، ويحصل بنصب الفقار وإقامة الصلب ، ولا يضر إطراق الرأس ، ويجب الاقلال بحيث لا يستند إلى ما يعتمد عليه . والاعتماد على الرجلين معا ، وعدم تباعدهما بما يخرجه عن حد القيام ، والاستقرار بحيث لا يضطرب فلو صلى ماشيا ، أو على

[ 107 ]

ما يستقر عليه قدماه كالثلج الذائب مختارا لم يصح . ولو عجز عن الانتصاب ولو بمعونة صلى منحنيا ، ولو بلغ إلى حد الراكع فينحني يسيرا للركوع زيادة ليحصل الفرق . ولو عجز عن الافلال استند ولو بأجرة مع المقدرة ، فإن عجز قعد . ومن العجز خوف العدو ، وزيادة المرض ، وحصول المشقة الشديدة ، أو قصر السقف لغير المتمكن من الخروج . ويجب أن يرفع فخديه في الركوع ، وينحني قدر ما يحاذي وجهه ما قدام ركبتيه ولو عجز عن القعود ولو مستندا اضطجع على جانبه الأيمن كالملحود ، فإن عجز فعلى الأيسر ، فإن عجز استلقى كالمحتضر ويومئ بالرأس ثم بتغميض العينين في الركوع ، والسجود أخفض ، ويأتي بالاذكار ، فإن عجز كفاه تصورها ويقصد الأفعال عند الايماء ويجوز الاستلقاء للقادر على القيام لعلاج العين ، ومتى تجدد عجز القادر أو قدرة العاجز انتقل تاركا للقراءة فيهما على الأصح لو صادفها . ولو خف بعد القراءة قام للركوع ، والأحوط الطمأنينة حينئذ قبله ، ولو خف في الركوع قاعدا قبل الطمأنينة والذكر قام راكعا ثم يذكر ، أو بعدهما قام للاعتدال في الركوع ، أو بعد الاعتدال قام للطمأنينة فيه ، أو بعدها قام للهوي إلى السجود . ويستحب القنوت في كل ثانية بعد القراءة قبل الركوع ، وفي مفردة الوتر كذلك ، وفي أولي الجمعة ، وفي ثانيتها بعد الركوع - وقيل يجب - والتكبير له ، ورفع اليدين تلقاء وجهه وبطونهما إلى السماء مبسوطتين ، وتفريق الابهامين والجهر فيه مطلقا ، ويقضيه الناسي بعد الركوع ، ثم بعد الصلاة وهو جالس ، ولو انصرف قضاه في الطريق مستقبلا وأقله : سبحان الله ثلاثا . ويجوز الدعاء فيه وفي جميع أحوال الصلاة بالمباح للدين والدنيا ، لنفسه ولغيره ، والدعاء على الكفرة والمنافقين ، ومنه اللعن لمستحقيه ، وأفضله كلمات الفرج وهي ، لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم ، سبحان الله

[ 108 ]

رب السماوات السبع ورب الأرضين السبع وما فيهن وما بينهن وما تحتهن ، وهو رب العرش العظيم وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين . ويزيد : اللهم إليك شخصت الابصار ، ونقلت الأقدام ، ورفعت الأيدي ، ومدت الاعناق ، وأنت دعيت بالالسن وإليك سرهم ونجواهم في الأعمال ، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين . اللهم إنا نشكوا إليك غيبة نبينا ، وقلة عددنا وكثرة عدونا ، وتظاهر الاعداء علينا ، ووقوع الفتن بنا ، ففرج ذلك اللهم بعدل تظهره ، وإمام حق نعرفه ، إله الحق رب العالمين . الرابع : القراءة : وهي واجبة غير ركن ، ويتعين الحمد في الثنائية وفي الاوليين من غيرها ، والبسملة آية منها ومن كل سورة . ويجب سورة كاملة معها في مواضع تعيينها ، ومراعات الاعراب ، والتشديد ، والمد المتصل ، وترتيب الكلمات والآي على الوجه المنقول تواترا . وتجوز القراءة بالسبع والعشر على قول قوي ، واخراج حروفها من مخارجها كباقي الاذكار الواجبة ، وموالاتها . فلو قرأ خلالها غيرها عمدا أعاد الصلاة ، وناسيا أعاد القراءة ، ولو سكت في أثنائها لا بنية القطع أعاد الصلاة إن طال فخرج عن كونه مصليا ، والقراءة خاصة إن خرج عن كونه قارئا لا مصليا . ولو نوى القطع مع السكوت بناءا على تأثير نية المنافي وقد سبق أنه مبطل ، ولو نواه ولم يسكت فقولان أصحهما البطلان بطريق أولى . ولا يقدح تكرار كلمة أو آية للاصلاح ، ويراعى إعادة ما يسمى قرآنا ، ولا سؤال الرحمة والاستعاذة من النقمة ( 1 ) عند آيتيهما ، وكذا الحمد عند العطسة

( 1 ) في هامش نسخة " ض " : النقمة بكسر النون وسكون القاف ، أو بفتح النون وكسر القاف . ع ل .

[ 109 ]

والتسميت ، فإن ذلك يستحب ، ورد جواب التسليم بمثله فإنه واجب . ويجب تقديم الحمد على السورة ، فلو خالف عمدا بطلت صلاته ، وناسيا يعيد السورة . والقراءة بالعربية ، فلا تجزي غيرها ولو مع العجز ، ورعاية النظم فلا تجزئ القراءة مقطعة كأسماء العدد . ويجب كونها عن ظهر القلب على الأصح ، ومع العجز وضيق الوقت عن التعلم يجزئ من المصحف . ولو لم يحسن الفاتحة قرأ ما يحسن منها مع الضيق ، وعوض عن الفائت من غيرها مراعيا للترتيب ، فلو علم أولها أخر العوض وبالعكس . ولو لم يحسن شيئا منها قرأ ما يحسن من غيرها بقدرها متتاليا ، فإن تعذر جاز متفرقا ، فإن لم يحس شيئا عوض بالتسبيح المجزئ في الركعتين الأخيرتين ، والأول أن يكرره ليساوي حروفها . ولو أحسن الذكر بالعجمية أتى به كذلك بخلاف القراءة ولو لم يحسن قرآنا ولا ذكرا وجب الوقوف بقدرها على قول ، وفي بعض الأخبار ايماء إليه ، ولو أمكن الائتمام حينئذ وجب ، ولا يجزئ مع إمكان التعلم ، وفي السورة يقرأ ما تيسر عند العجز عن الكاملة ، فإن تعذر أجزأت الفاتحة عند الضيق . والأخرس يحرك لسانه ويعقد قلبه بمعناها إن أمكن فهمه ، وإلا كفت الحركة ويشير باصبعه في رواية . وكذا تكبيره وتشهده ، وسائر الاذكار . والالثغ وشبهه يجتهد في اصلاح اللسان ، فإن عجز أجزأ مقدوره . ويجب الجهر للرجل اختيارا ، والخنثى إن لم يسمعه أجنبي في الصبح وأوليي العشاءين ، وأقله إسماع الصحيح القريب ولو تقديرا . والاخفات في البواقي مطلقا ، وأقله إسماع نفسه ولو تقديرا . ولا جهر على المرأة ، ويشترط لجوازه أن لا يسمع أجنبي . ولا يقرأ في الفريضة عزيمة ، ولا ما يفوت الوقت بقراءتها . ويكره القران بين سورتين على الأصح ، إلا في الضحى وألم نشرح ، والفيل ولإيلاف ، فإن كل اثنتين منها كسورة واحدة ، وتجب البسملة بينهما وترتيب المصحف .

[ 110 ]

ويجوز العدول عن سورة إلى أخرى ما لم يبلغ النصف على الأشهر ، إلا في التوحيد فيحرم مطلقا ، إلا إلى الجمعتين في الجمعة وظهرها بشرط عدم التعمد وأن لا يبلغ النصف ، وإذا عدل أعاد البسملة وجوبا . وهكذا لو بسمل بغير قصد سورة أعاد مع القصد ، ولو جرى لسانه على بسملة وسورة فالأقرب الإجزاء ، ولو لزمته سورة بعينها لم يجب القصد . ولا سورة في الأخيرتين ، بل يتخير ببن الحمد وتسبيحات الأربع وصورتها : سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر . وتجب فيها الموالات ، والاخفات وكونها بالعربية ، ومراعات ما ذكر ، ولو كررها ثلاثا على قصد الوجوب أجزأ ولا يعدل عنها إلى القراءة بعد الشروع ، ولو قصد إحداهما فسبق اللسان إلى الأخرى فالتخيير باق . ويحرم قول آمين ولو في غير آخر الحمد سرا وجهرا ، وتبطل به الصلاة على الأصح إلا للتقية . الخامس : الركوع : وهو ركن في كل ركعة مرة ، ويجب فيه الانحناء حتى تصل كفاه ركبتيه ، سواء الرجل والمرأة ، وفاقد اليدين وقصيرهما وطويلهما ينحني كمستوي الخلقة . ويجب أن لا يقصد بهويه غير الركوع ، فلو قصد غيره كقتل الحية لم يعتد به ، ووجب الانتصاب ثم الركوع ، ولو افتقر إلى ما يعتمد عليه في الانحناء وجب بحسب الممكن . وتجب الطمأنينة فيه بمعنى السكون ، والاستقرار بقدر الذكر الواجب وإن لم يحسنه ، والذكر فيه وأفضله : سبحان ربي العظيم وبحمده ، وأكمله تكرارها ثلاثا ، ويتخير في تعيين الواجبة منها ، ولو أطلق أجزأ وحمل على الأولى ، ويجزئ سبحان الله ونحوه مما يعد ذكرا .

[ 111 ]

وتجب فيه الموالاة ، وكونه بالعربية مع الامكان ، وترتيبه ، وفعله راكعا مطمئنا . فلو شرع فيه قبل انتهائه ، أو أكمله بعد رفعه عامدا بطلت صلاته ، وناسيا يستأنف أن تذكر ما لم يخرج عن حد الراكع . ولو سقط قبل الركوع أعاده أو بعده وبعد الطمأنينة أجزأ ، وكذا قبلها على قول ، ويجب رفع الرأس منه معتدلا ومطمئنا ، بحيث يسكن ولو يسيرا ، وليس ركنا . ويستحب الدعاء أمام الذكر ، وقول : سمع الله لمن حمده بعد الرفع ، والتكبير للهوي إلى الركوع قائما ، ولو شك بعد الانتصاب في إكمال الانحناء بحيث يصل إلى حد الراكع لم يلتفت . السادس : السجود : ويجب في كل ركعة سجدتان هما معا ركن في المشهور ، فلا تبطل الاخلال بالواحدة سهوا ، ويجب الانحناء فيه إلى أن يساوي مسجد الجبهة الموقف ، أو يكون التفاوت بمقدار أربع أصابع فقط ، فإن تعذر الانحناء أتى بما يمكن ويرفع ما يسجد عليه ، فإن تعذر أوما . ويجب السجود على الجبهة واليدين والركبتين وإبهامي الرجلين ، والواجب في كل منها مسماه ، ويجب الاعتماد على الأعضاء بإلقاء ثقله عليها ، فلا يتحامل عنها ، ولا تجب المبالغة . ولو منعه قرح بالجبهة احتفر حفيرة ليقع السليم على الأرض ، فإن تعذر سجد على أحد الجبينين ، فإن تعذر فعلى الذقن . ويجب وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه كما مر ، والذكر فيه وأفضله : سبحان ربي الأعلى وبحمده ، ويجزي ء سبحان الله ، وكل ما يعد ذكرا ويجب عربيته مع الامكان ، وموالاته ، وترتيبه ، والطمأنينة فيه ساجدا بقدره ، فلو شرع فيه قبل بلوغ حد الساجد ، أو أكمله بعد رفعه عامدا بطلت صلاته ، وناسيا تداركه إن تذكر في محله ، ولو جهل الذكر لم يسقط وجوب الطمأنينة . ويجب الرفع بين السجدتين

[ 112 ]

والاعتدال فيه مطمأنا ، ولا تجب الطمأنينة في الرفع من السجدة الثانية ولا الجلوس ، نعم يستحب . ويجب أن لا يقصد بهويه غير السجود ، فلو هوى لأخذ شئ عاد إلى القيام وهوى ، ولو صار بسورة الساجد حينئذ أمكن البطلان للزيادة . ويستحب التكبير قبل الهوي وبعد الرفع من الأولى ، ثم للهوي إلى الثانية ، ثم للرفع منها معتدلا ، والدعاء أمام التسبيح وتثليثه ، وإرغام الأنف ، والدعاء بين السجدتين ، وعند القيام بعد الثانية ، والاعتماد فيه على اليدين مبسوطتين سابقا برفع ركبتيه . السابع : التشهد : ويجب في الثنائية مرة ، وفي الثلاثية والرباعية مرتين ، وليس ركنا . ويجب الجلوس له مطمئنا إلا مع التقية والضرورة ، وعربيته إلا مع العجز وضيق الوقت ، وموالاته ، ومراعات المنقول وهو أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، واشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللهم صلى على محمد وآل محمد . فلو أبدله بمرادفه ، أو أسقط واو العطف ، أو اكتفى به ، أو أضاف الال والرسول إلى المضمر مع ترك عبده لم يجز ، ولو ترك وحده لا شريك له أو لفظ عبده واظهر المضمر في رسوله أجزأ ، ولو لم يحسن التشهد وضاق الوقت يجزئ بالحمد لله بقدره . ويستحب التورك بأن يجلس على وركه الأيسر ويخرج رجليه من تحته ، جاعلا رجله اليمنى علي اليسرى واليسرى على الأرض ، ووضع اليدين على الفخذين مبسوطتين مضمومتي الأصابع ، وسبق بسم الله وبالله والحمد لله وخير الأسماء لله ، وزيادة الثناء والتحيات في التشهد الذي يسلم فيه دون الأول ، والزيادة في الصلاة على النبي وآله وإسماع الإمام من خلفه ، ويكره مغلظا الاقعاء . الثامن . التسليم : وفي وجوبه خلاف ولا ريب أن الوجوب أحوط ، والأولى تعيين السلام عليكم

[ 113 ]

ورحمة الله وبركاته للخروج ، لا التخيير بينها وبين السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، لأن في بعض الأخبار وكلام جمع من الأصحاب أنها لا تعد تسليما . ويجب الجلوس له والطمأنينة بقدره مع الاختيار ، وعربيته مع الامكان أو سعة الوقت ، لا نية الخروج على الأقوى ، ويجب مراعات ما ذكر ، فلو أبدله بمرادفه ، أو نكر السلام ، أو جمع الرحمة ، أو وحد البركات ، أو أضمر مظهرا ، أو عكسه لم يصح . ثم إن كان المصلي منفردا يسلم تسليمة واحدة بصيغة : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، مستقبلا يومئ بمؤخر عينيه عن يمينه استحبابا ، قاصدا بها الأنبياء ، والأئمة والحفظة ، وإن قصد الملائكة أجمعين كان حسنا ، والامام كذلك إلا أنه يومئ بصفحة وجهه ويقصد المأمومين أيضا ، والامام يسلم مرتين إن كان على يساره أحد - قيل : ولو حايط - يمينا وشمالا ، يقصد بأولاهما الرد على الإمام استحبابا وبالثانية الأنبياء والأئمة والحفظة والملائكة والمأمومين ، وإلا اقتصر على الواحدة . تتمة في التعقيب : وهو مستحب استحبابا مؤكدا ، وفضله عظيم ، ولا يتعين لفظه غير أن المأثور أفضل ، وأفضله تسبيح الزهراء عليها السلام : وهو أربع وثلاثون تكبيرة ، ثم ثلاث وثلاثون تحميدة ، ثم ثلاث وثلاثون تسبيحة . وليبدأ في التعقيب بالتكبير ثلاثا رافعا يديه في كل منها إلى أذنيه ويقول : لا إله إلا الله إلاها واحدا ونحن له مسلمون ، إلى أن يقول : اللهم اهدني من عندك ، حتى يأتي على آخر تسبيح الزهراء عليها السلام ، ويدعو رافعا يديه لنفسه ولوالديه ولاخوانه وللمؤمنين ويسأل الجنة ويستعيذ من النار ، ويمسح بهما وجهه وصدره عند الفراغ . ويستحب مؤكدا سجدتي الشكر بعد التعقيب بحيث يجعلان خاتمته ، وعند تجدد نعمة ودفع نقمة ويستحب أن يفترش ذراعيه ويلصق صدره وبطنه بالأرض

[ 114 ]

ويعفر بينهما خديه وجبينيه ، وأفضله الوضع على التراب ، والمبالغة في الدعاء وطلب الحوائج ، ويقول : شكرا مائة مرة وأقله ثلاثين . فإذا رفع رأسه مسح يده على موضع سجوده ، وأمرها على وجهه من جانب خده الأيسر وعلى جبهته إلى جانب خده الأيمن ويقول : بسم الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمان الرحيم ، اللهم أذهب عني الغم والحزن ، ثلاثا والانصراف عن يمينه . ويلحق بذلك سجدة التلاوة ، وهي في خمسة عشر موضعا : في الاعراف ، والرعد ، والنخل ، وبني إسرائيل ، ومريم ، والحج في موضعين ، والفرقان ، والنمل ، وص ، وانشقت ، والم تنزيل ، وحم فصلت ، والنجم ، واقرأ فالاربع الأخيرة منها يجب فيه السجود وهي التي يقال لها العزائم ، وفيما عداها يستحب . ويجب السجود على القارئ والمستمع وهو المنصت ، وفي الوجوب على السامع قولان ، والوجوب قوي عند التلفظ به والفراغ من الآية ، سواء سجدة حم وغيرها . ولا يشترط فيها الطهارة على الأصح ، وهل يشترط الستر ، والاستقبال ، والخلو عن النجاسة ، والسجود على الأعضاء السبعة ، ووضع الجبهة على ما يصح السجود عليه ؟ وجهان ، ووجوبه قوي ، وظاهر بعضهم وجوب نية الأداء عند المبادرة إلى فعله ، ونية القضاء بالتأخير . وتجب مقارنة النية لوضع الجبهة ، لأنه السجود ، ولا ريب في تعدده ويتعدد السبب وإن لم يتخلل السجود ، ولا يجب فيها ذكر بل يستحب ، وكذا التكبير للرفع منها . الباب الرابع : في التوابع : وفيه فصوله : الأول : في المنافيات : يقطع الصلاة كل ناقض للطهارة وإن كان سهوا ، سواء المائية والترابية ، وكذا موانع صحتها كالطهارة بالماء النجس ، والمضاف مطلقا ، والمغصوب مع العالم

[ 115 ]

بالغصب والتعمد ، والردة ، والالتفات دبرا ولو بوجهه وإن لم يتعمد ، أو يمينا وشمالا بكله لا بوجهه خاصة ، ويعيد في الوقت خاصة إذا كان ساهيا . والفعل الكثير عادة إذا لم يكن من الصلاة بشرط التوالي ، وقد سبق السكوت الطويل بحيث لا يعد مصليا ، وايقاعها في مكان مغصوب مع العلم والعمد والاختيار ، وكذا في ثوب مغصوب فيعيد مطلقا . ولو كان المكان نجسا تتعدى نجاسته ، أو عمت مسجد الجبهة أعاده مطلقا مع سبق العلم ، وفي الوقت خاصة إذا تجدد وكذا الثوب والبدن . وزيادة ركن ونقصانه مع تجاوز محله ولو سهوا ، ونقصان ركعة أو أكثر سهوا ولم يذكر حتى أتى بالمنافي مطلقا ، دون المنافي عمدا خاصة على الأصح والكلام بحرفين فصاعدا غير قرآن ولا دعاء ولا ذكر عمدا ، ولو جوابا لمعصوم أو لأحد الأبوين أو مع الاكراه ، ومنه التسليم . وكذا الحرف المفهم ، والحرف بعده مدة ، وفي إشارة الأخرس المفهمة نظر . وتعمد القهقهة وإن لم يكن دفعها ، لا التبسم ، وكذا البكاء لامور الدنيا دون الآخرة ، وتعمد الكتف إلا للتقية ، وتعمد الأكل والشرب المؤديين بالاعراض عن الصلاة ، لا نحو ازدراد ما بين أسنانه ، أو ابتلاع ذوب سكرة ، واستثني الشرب في الوتر لمريد الصيام وهو عطشان إذا خشى فجأة الفجر بشرط عدم مناف غير الشرب . وكذا تعمد الانحراف عن القبلة يسيرا ، وتعمد ترك الواجب فعلا ، أو كيفية ، وزيادته ولو جاهلا بالحكم أو نسيانا له ، إلا الجهر والاخفات فيعذر الجاهل فيهما ، وكذا جاهل وجوب القصر والاتمام . ولو جهل كون الجلد والشعر والعظم من جنس ما لا يصلى فيه فقد صرح الأصحاب بوجوب الإعادة لو صلى في شئ منها ، وخرج بعض المتأخرين وجوب الإعادة بالمنافيات لحق آدمي مضيق ، وفيه ضعف .

[ 116 ]

ويكره عقص الشعر على الأقوى للرجل خاصة ، وكذا التطبيق مطلقا . الثاني : في أحكام السهو : من سهى عن واجب في الصلاة ولم يتجاوز محله أتى به ركنا كان أو لا ، كمن سهى عن القراءة أو أبعاضها أو صفاتها وذكر قبل الركوع ، إلا الجهر والاخفات على قول قوي ، أو عن الركوع أو الرفع منه أو الطمأنينة فيه ولما يسجد أو عن الذكر فيه أو شئ من واجباته ولما يرفع رأسه ، أو عن السجدتين أو إحداهما ، أو التشهد أو أبعاضه ، أو شئ من واجباته ولما يركع ، أو بعده ، أو الطمأنينة في إحدى السجدتين أو الذكر فيهما ، أو شئ من واجباته ولما تزايل جبهته مسجده ، أو عن رفع الرأس من الأولى أو الطمأنينة فيه ولما يسجد ثانيا . ولو تجاوز محله بأن دخل في ركن آخر بطلت صلاته إن كان المتروك ركعا ، وإلا استمر وجوبا ، فإن عادله عمدا بطلت صلاته لا سهوا . ثم إن كان المتروك سجدة أو أكثر كل واحدة من ركعة ولو من الركعتين الاوليين ، أو تشهد ، أو صلوات على النبي وآله ، أو أبعاضها به بعد التسليم ناويا : أسجد السجدة المنسية ، أو أتشهد التشهد المنسي ، أو أصلي الصلاة المنسية في فرض كذا أداءا أو قضاءا لوجوبه قربة إلى الله . ويجب فيه ما يجب في أجزاء الصلاة ، وفي بعض التشهد مع ذلك إعادته ، وكذا في بعض الصلاة إعادتها ، ويسجد للسهو مع الجزء المقضي بعده . ولو تعددت الأجزاء تعدد السجود ما لم يبلغ الكثرة ، وإنما يأتي به بعد الفراغ منها مرتبا بترتيبها . وتجبان أيضا لزيادة سجدة ، وللقيام في موضع القعود ، وبالعكس ، وللتسليم في غير محله نسيانا ، وللكلام الممنوع منه كذلك ، وللشك بين الأربع والخمس والأرجح وجوبهما مع ذلك لكل زيادة ولو نقلا ، ولنقيصة الواجب خاصة كبعض

[ 117 ]

القراءة إذا لم تكونا مبطلتين ولو تعدد السبب فلا تداخل ويراعى فيهما ترتيب الأسباب وتأخيرهما عن الأجزاء المنسية ، وإن تقدم السبب وهما بعد التسليم مطلقا . ويجب فيهما ما يجب في سجود الصلاة ، وفعلهما بعدها يغير فصل ، وهما تابعان في الأداء والقضاء كالأجزاء ، ونيتهما : اسجد سجدتي السهو في فرض كذا أداءا أو قضاءا لوجوبهما قربة إلى الله وذكرهما : بسم الله وبالله وصلى الله على محمد وآل محمد ، ويتشهد بعدهما خفيفا ويسلم . ولو تخلل المنافي بينهما وبين الصلاة لم تبطل ، ولا حكم لسهو الإمام مع حفظ المأموم وإن اتحد ، وبالعكس ، إلا أن يعلما شيئا فيلزمهما حكمه ، ولا للسهو في موجب السهو أو في حصوله ، ولا مع غلبة ظن أحد الطرفين بل يعمل عليه ، ولا مع بلوغ الكثرة ويتحقق بتواليه ثلاثا في ثلاث فرائض أو فريضة واحدة ، فيبني على فعل الواجب وعدم لحوق المبطل ، ولو ترك جزءا يقضى مرارا أثرت الكثرة سقوط السجدتين لا سقوط تداركه . ولو شك في واجب أتى به إن لم يتجاوز محله ، فإن تذكر أنه كان قد فعله بطلت صلاته إن كان ركنا ، وإلا فهو زيادة سهوا . ولو تجاوز محله لم يلتفت ، كمن شك في النية وقد كبر ، أو التكبير وقد قرأ ، أو في القراءة بعد الركوع ، ولو كان قبله فقولان . والأولى عدم الالتفات لو شك قانتا ، أو فيه ، أو في رفع الرأس منه بعد السجود لا قبله ، أو في شئ من واجباته بعد الرفع منه ، أو في شئ من واجبات السجود بعد الرفع منه ، أو فيه ، أو في الطمأنينة وقد سجد ثانيا ، أو في السجود وقد ركع بعده ، وكذا التشهد وأبعاضه ، ولو شك فيهما قبل الركوع وبعد استيفاء القيام فعدم الالتفات قوي . ولو تعلق الشك بالركعات : فإن كان في الثنائية أو الثلاثية ، أو لم يدر كم

[ 118 ]

صلى ، أو شك في الاوليين من الرباعية ، أو في ما زاد قبل إكمالهما ولم يتذكر حتى أتى بالمنافي بطلت . ولو كان بعده : فإن شك بين الإثنين والثلاث ، أو بين الإثنين والأربع ، أو بين الثلاث والأربع مطلقا ، أو بين الإثنين والثلاث والأربع بعد السجود بنى على الأكثر ، وأتم في الأولى ما بقي بعد البناء ، واحتاط فيها وفي الثالثة بركعة قائما أو ركعتين جالسا ، وفي الثانية بركعتين قائما ، وفي الرابعة بركعتين قائما وركعتين جالسا ، أو ثلاث قائما بتسليمتين مخيرا في التقديم . ولو تعلق الشك بالخامسة : فإن شك بين الإثنين والخمس مطلقا ، أو بين الثلاث والخمس إلا قبل الركوع فإنه شك بين الإثنين والأربع فيحتاط له ويسجد للزيادة أو بين الإثنين والثلاث والخمس مطلقا بطلت على الأقرب ، لتعذر البناء على أحد طرفي الكثرة والقلة . وإن شك بين الأربع والخمس بعد السجود بنى على الأربع وأتم ما بقي وسجد للسهو ، وقبل الركوع يكون شكا بين الثلاث والأربع ، وبعد الركوع فيه قولان أصحهما البطلان . أو بين الإثنين والأربع والخمس بعد السجود بنى على الأربع واحتاط بركعتين من قيام وسجد للسهو . أو بين الثلاث والأربع والخمس : فإن كان قبل الركوع فهو شك بين الإثنين والثلاث والأربع ، أو بعد الركوع وقبل إتمام السجود فالأصح البطلان ، لتعذر البناء ، أو بعد السجود بنى على الأربع واحتاط بركعة قائما أو بركعتين جالسا ، وسجد لاحتمال الزيادة . وإن شك بين الإثنين والثلاث والأربع والخمس بعد السجود بنى على الأربع ، وأتى بالاحتياطين وسجد للزيادة المحتملة . ولو تعلق الشك بالسادسة فثالث الأوجه ( 1 ) الحاقه بالشك في الخامسة فكل

( 1 ) في هامش نسخة " ض " الأول : الابطال مطلقا والرد ، الثاني : الصحة مطلقا والبناء على الأقل ، والوجه الثالث بالتفصيل وهو الحكم ما في المتن . ع ل .

[ 119 ]

موضع أمكن فيه البناء على أحد طرفي الشك أو أطرافه لم تبطل الصلاة ، وما عداه تبطل والصور خمس عشرة . أربع ثنائية : الشك بين الإثنين والست ، بين الثلاث والست ، بين الأربع والست ، بين الخمس والست . وما عدا الثالثة بعد السجود ، والرابعة قبل الركوع مبطل . وست ثلاثية : الشك بين الإثنين والثلاث والست ، بين الإثنين والأربع والست ، بين الإثنين والخمس والست ، بين الثلاث والأربع والست ، بين الثلاث والخمس والست ، بين الأربع والخمس والست ، ففي الثانية لا تبطل إذا كان الشك بعد السجود ، ويحتاط بركعتين قائما ويسجد للزيادة ، وفي الرابعة إن كان الشك بعد السجود احتاط بركعة قائما وسجد ، وإن كان قبله بطلت في جميع صورة ، وفي الخامسة والسادسة يصح إذا كان الشك قبل الركوع فيهما أو بعد السجود في الثانية ، وما عدا ذلك فمبطل ، وكذا الصورتان الباقيتان . واربع رباعية : الشك بين الإثنين والثلاث والثلاث والأربع والست ، بين الإثنين والثلاث والخمس والست ، الشك بين الإثنين والأربع والخمس والست ، بين الثلاث والأربع والخمس والست . ففي الأولى إن وقع الشك بعد السجود واحتاط بركعتين من قيام وركعتين من جلوس وسجد للسهو ، وفي الثالثة كذلك لكن يقتصر على الركعتين من قيام ، وإن كان قبله بطلت فيهما ، وفي الرابعة إن كان الشك قبل الركوع فهو الشك بين الإثنين والثلاث والأربع والخمس ، وإن كان بعد السجود احتاط بركعتين من جلوس وسجدة الزيادة المحتملة وبعد الركوع وقبل السجود مبطل وفي الثانية الابطال مطلقا . وصورة واحدة خماسية وهي : الشك بين الإثنين والثلاث والأربع والخمس والست ، وحكمها معلوم مما سبق .

[ 120 ]

ولو تعلق الشك بالسابعة فما زاد أمكن انسحاب الأحكام فيها . ويجب في الاحتياط النية : أصلي ركعة احتياط أو ركعتين قائما أو جالسا في فرض كذا أداء أو قضاء لوجوبها قربة إلى الله ، والتحريم ، والتسليم ، وجميع ما يعتبر في الصلوات ويتعين الحمد وحدها إخفاتا ، ولا يجزئ التسبيح . ولو تخلل المنافي بينه وبين الصلاة ففي الابطال قولان أقواهما العدم ، وفي أجزاء المنسية تردد ، ولو ذكر قبله النقصان تداركه ، أو بعده لم يلتفت ، وكذا في أثنائه ويشكل في صورة تخلل المنافي ، وفي ذات الاحتياطين إذا لم يكن المبدوء به مطابقا . ولو ذكر التمام تخير في القطع والاتمام ، ولو خرج الوقت نوى القضاء ، ولو أعاد الفريضة من وجب عليه الاحتياط لم يجزء عنه ، وكذا من وجب عليه الجزء ، فإن قلنا بالبطلان بتخلل المنافي أعادها حينئذ ، وإلا أتى بالجبران . الثالث : في القضاء : وهو واجب مع البلوغ حين الفوات والعقل والاسلام والسلامة من الاغماء المستوعب للوقت ، وكذا الحيض والنفاس ، لا النوم والسكر والردة وإن كانت فطرية . ولو شرب المرقد فاستوعب : فإن جهل كونه مرقدا أو شرب لحاجة فلا قضاء . ، وإلا وجب ولو فقد المطهر لم يجب على الأقرب ، ولو استبصر المخالف أجزأه ما كان صلاه ، ويسقط عن الكافر بالاسلام وكذا غير الصلاة من الواجبات ، لا حكم الحدث السابق ونحوه . ووقته حين يذكر ، والأصح عدم وجوب الفورية وإن اتحدت الفائتة أو كانت من يومه ، ولا ريب أنه أحوط ، فيصح الأداء والنقل ممن عليه قضاء ، وكذا القضاء عن الغير ولو تبرعا . ويجب الترتيب في الفوائت والجبران كما فاتت ، ولو نسيه أمكن وجوب

[ 121 ]

تحصيله بالتكرار ، والأصح السقوط . ومراعات العدد تماما وقصرا ، وجميع الشروط والواجبات من الهيئة وغيرها غيرها المعتبرة في الصلاة وإن لم تكن مقدورة حين الفوات ، ولو تعذرت قضى بحسب مقدوره ولو مومئا ، ولا ينتظر التمكن وإن فاتت حال الكمال إلا الطهارة . ولو ذكر سابقة في أثناء لاحقة عدل إن لم يتجاوز محله وجوبا إن كانتا أداء وقضاء ، وإلا فاستحبابا إن لم تتضيق الحاضرة ، وهو أن يقصد تلك الصلاة ولا يشترط التماثل في الجهر والاخفات . ولو لم يحص قدر الفوائت أو الفائتة كرر حتى يغلب على الظن الوفاء ، ولو جهل عين الفائتة صلى الصبح والمغرب ورباعية مطلقة ثلاثيا ، ولو كان الفوات سفرا فثنائية مطلقة ورباعيا ومغربا ، ومع الاشتباه فثنائية كذلك ورباعية مطلقة ثلاثيا ومغربا ، ولو كانت اثنين من يوم قضى الحاضر صبحا ورباعيتين يطلق فيهما ثنائيا والمغرب بينهما ، والمسافر ثنائيتين كذلك واطلاقه ثلاثي ، والمشتبه ( 1 ) ، يزيد على الحاضر ثنائية بعد المغرب . ولو كانتا من يومين ، أو جهل الجمع والتفريق قضى الحاضر عن كل يوم ثلاثا ، والمسافر اثنين . ولو كان الاشتباه بيوم التخيير . فإن اختار التمام فمقيم وإلا فمسافر . ولا تقضى الجمعة ولا العيدان وإن كانتا واجبتين ، ولو ارتد أو سكر ثم جن ، أو حاضت فالقضاء لزمان الارتداد والسكر خاصة . تتمة : يمرن الصبي على الصلاة لسبع ، ويضرب لعشر ، ويقهر بعد بلوغه بالاحتلام أو الانبات أو إكمال خمس عشرة في الذكر ، وتسع في الأنثى ، ويتخير بين

( 1 ) في هامش نسخة " ض " : فيصلي خمس صلوات ثنائية يطلق بين الصبح والظهر والعصر ورباعية يطلق بين الظهر والعصر ، ثم يصلي المغرب ، ثم رباعية يطلق بين العصر والعشاء ، ثم ثنائية بين الظهر والعصر والعشاء فيحصل ترتيبه . ع ل .

[ 122 ]

الوجوب والندب . ويجب على الولي وهو الولد الذكر الأكبر في المشهور ، قضاء ما فات أباه من صلاة وصيام لعذر ، لا ما تركه عمدا على الأظهر ، ومع الوصية لا قضاء على الولي . ولو عين لها مالا فالمتجه أنه من الثلث ، وقيل : من الأصل ، فلو لم يوص ولم يكن له ولي وجب الاخراج . الرابع : في القصر : وهو حذف الأخيرتين من الرباعية وله سببان : الأول : السفر : وشروطه ثمانية : الأول : ربط القصد بمعلوم ، فلا يقصر الصائم وطالب الآبق ونحوه وإن تجاوز مسافة ، إلا في عوده . وقصد المتبوع كاف ولو في الصديق إذا كان تابعا ، ومنتظر الرفقة على حد مسافة مسافر يقصر إلى ثلاثين يوما ما لم يعزم العشرة ، ثم يتم ولو فريضة واحدة ، وكذا كل مسافر تردد عزمه في غير بلده ثلاثين يوما ، وفي حدود بلده مقيم . وكذا في محل الترخص قبلها إذا علق السفر على الرفقة ، والمكره يعول على ظنه . الثاني : كون المقصود مسافة ولو بشهادة عدلين . وهي ثمانية فراسخ من منتهى عمارة البلد المتوسط - والفرسخ ثلاثة أميال ، والميل أربعة آلاف ذراع - أو أربعة إذا أراد الرجوع ليومه أو لليلته لا أقل ، ويكفي مع الشك مسير يوم في النهار والسير المعتدلين ، ولو سلك أبعد الطريقين ميلا إلى الترخص قصر وإن لم يبلغ الآخر مسافة . الثالث : الضرب في الأرض بحيث يخفى أذان البلد وجدرانه ، لا السور والاعلام والبساتين ، ويقدر في المرتفع والمنخفض الاستواء ، والحلة للبدوي والمحلة في المصر العظيم كالبلد ، وفي العود يتم بإدراكه أحدهما .

[ 123 ]

الرابع : كون السفر سائغا ، فالآبق ، والناشز ، وتارك وقوف عرفه ، أو الجمعة مع الوجوب ، وسالك ما يظن فيه العطب ، والمتصيد لهوا ، وتابع الجائر وذو الغاية المحرمة لا يترخصون . الخامس : بقاء القصد ، فلو رجع عنه قبل بلوغ مسافة ، أو عزم على إقامة عشرة مطلقا ، أو عزم عليها من أول السفر خلال المسافة لم يقصر . ولو تغير عزم الإقامة بعد بلوغها قصران لم يكن صلى تماما ولو بالركوع في الثالثة ، وفي الاكتفاء بخروج وقت الرباعية ، أو الشروع في صوم واجب ، أو بالاتمام في مواضع التخيير تردد ( 1 ) . السادس : عدم بلوغه حدود بلد له فيه ملك ولو نخلة ونحوها ، قد استوطنه زمان الملك ستة أشهر مقيما ولو متفرقة ، أو اتخذه وطنا على الدوام بشرط الاستيطان ، فلا يترخص حينئذ ، ولو قصد ذلك من أول السفر لم يقصر إن لم يبلغ ما بينهما مسافة . السابع : أن لا يكثر السفر ، فالبدوي والملاح والمكاري والتاجر والبريد ونحوهم يتمون إذا صدق الاسم ، بأن يسافر أحدهم إلى مسافة مرتين ، فبالثالثة تصدق الكثرة بشرط عدم إقامة عشرة مطلقا في بلده ، ومع النية في غيره بينها . ولو أقام العشرة بعدها ثم سافر وجب القصر ، ويكفي في العشرة كونها ملفقة بحيث لا يتخللها السفر إلى مسافة . الثامن : استيعاب السفر لوقت الأداء ، فلو أدرك من أول الوقت قدر الطهارة والصلاة حاضرا ولو دون محل الترخص ، أو من أخره قدرها مع ركعة أتم . وكذا يتم فوائت الحضر وإن قضت سفرا ، بخلاف فوائت السفر وإن قضت حضرا . وإنما يتحتم القصر في غير مسجد مكة والمدينة وجامع الكوفة وحائر الحسين

( 1 ) في هامش نسخة " ش " : المعتمد الاتمام فيه ، وفي الثالث قوي ، وفي الثاني إن كان التغيير بعد الزوال فكذلك وقبله التردد باق . ع ل .

[ 124 ]

عليه السلام ، أما فيها فإن إتمام الصلاة مع سعة الوقت أفضل ، ويجوز القصر . ولو فاتت في إحداهما فالظاهر أن التخيير بحاله ، وإن قضت في غيرها فالظاهر اشتراط نية التمام وضده في النية وعدم الخروج بها عن التخيير ، نعم يترتب حكم الشك على ما نواه فيبطل في المنوية قصرا ، ويحتاط في الأخرى . ولو أتم المسافر مع علم المسافة أعاد مطلقا ، ولو تجدد العلم بها في الوقت وقد صلى فكذلك ، لا إن خرج وإن قصر . ولو أتم جاهلا بالحكم فلا أعاده في الصلاة والصوم ، ولو نسيه فالمشهور الإعادة في الوقت خاصة . ولو خرج ناوي المقام عشر إلى ما دون المسافة وبلغ حد الترخص : فإن عزم على العود والإقامة عشرة مستأنفة أتم مطلقا ، فإن عزم على المفارقة قصر ببلوغ محل الترخص ، أو على العود خاصة فالأقوى الاتمام في الذهاب والبلد ، والقصر في العود . ولو لم يقصد شيئا ذاهلا أو مترددا فوجهان ، ولو خرج كذلك بعزم التردد مرارا والإقامة آخرا فالاتمام كما سبق . ويستحب الجمع بين الفريضتين للمسافر كالفرق للحاضر ، وجبر المقصورة بالتسبيحات الأربع بعدها ثلاثين مرة . الثاني : الخوف : وهو موجب للقصر أيضا حضرا وسفرا ، جماعة وفرادى . فإن كان العدو في غير جهة القبلة ، ويخاف هجومه على المسلمين ، وفيهم قوة الافتراق فريقين مع عدم الاحتياج إلى الزيادة صلى الإمام بالأولى ركعة ، فإذا قام انفردوا وأتموا ، ثم تأتي الأخرى فتدخل معه في الثانية ، ويفارقونه في التشهد فيتمون ويطول ليسلم بهم . وفي المغرب يصلي بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين ، أو بالعكس ، وهذه الصلاة ذات الرقاع . وإن أكملت الصلاة بكل فرقة صح ، والثانية نفل له ، وهي صلاة بطن النخل .

[ 125 ]

وإن كان العدو في جهة القبلة مرئيا يخاف هجومه ، وأمكن الافتراق صفهم صفين وأحرم بهم جميعا وركع ، فإذا سجد تابعه الأول وحرس الثاني ، فإذا قام سجد الحارسون وحرس الساجدون ، والأولى انتقال كل صف إلى موضع آخر . ولو تعاكست الحراسة والسجود ، أو اختص كل صف بها في ركعة واحدة ، أو اختص بها أحد الصفين في الركعتين ، أو تكثرت الصفوف فترتبوا في السجود والحراسة أمكن الجواز ، وهي صلاة عسفان . وإن التحم القتال وانتهى إلى المسافة ، وتعذرت الهيئات السالفة ، صلوا بحسب الامكان رجالا وركبانا إلى القبلة وغيرها مع عدم امكانها ، ويسجد الراكب على قربوس سرجه أو عرف دابته ، فإن تعذر أومأ ، وكذا الماشي ، والسجود أخفض . ويغتفر الفعل الكثير مع الحاجة إليه ، وتشرع الجماعة وإن اختلف الجهة ، ومع تعذر الأفعال والأذكار يجتزئ عن الركعة بالتسبيحات الأربع مع النية والتكبير والتشهد والتسليم ، ولا يجب الإعادة وإن أمن ، ولو كان عاديا بقتاله أو فارا من الزحف أمكن الوجوب . وفائتة الخوف تقضى بحسب الامكان قصرا ، وكل أسبابه سواء في قصر الكم والكيف حتى السيل والسبع ، ولو انكشف خطأ ظنه وقد صلى بحسبه أجزأ . والموتحل والغريق يتحريان الممكن من الكيفية ، ولا يقصران إلا مع السفر أو الخوف . الخامس : في الجماعة : وهي مستحبة في الفرائض ، وتتأكد في الخمس ، وتجب في الجمعة والعيد الواجبة وبالنذر ، ويحرم في النافلة إلا الاستسقاء والعيد نديا والغدير . وفضلها عظيم لقول النبي صلى الله عليه وآله : " صلاة الجماعة تعدل صلاة الفذ بسبع وعشرين

[ 126 ]

درجة " ( 1 ) ، والفذ بالذال المعجمة هو الواحد . وعنه صلى الله عليه وآله : " ما من ثلاثة في قرية أو بلد لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان . فعليك بالجماعة فإن الذنب يأخذ القاصية " . وعن ابن بابويه : من ترك ثلاث جمع متواليات من غير علة فهو منافق ( 2 ) . وقد رود عن الرضا عليه السلام : " إن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الانفراد في مسجد الكوفة " ( 3 ) ، إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة ، وما كثرة جمعه أفضل ، إلا أن يتعطل مسجد قريب بغيبته ، ويجوز في الصحراء ، ولا ريب أن المسجد أفضل . وشروطها ستة : أحدها : بلوغ الإمام ، وعقله ، وإيمانه ، وعدالته ، وطهارة مولده ، وصحة صلاته ظاهرا ، وقيامه بالنسبة إلى من فرضه القيام ، واتقان القراءة إلا مع المماثلة ، وذكوريته إن أم ذكرا أو خنثى ، وكونه غير مؤتم . فلا تصح إمامة الصبي وإن بلغ عشرا إلا لمثله في النفل في بعض كلام الأصحاب ، ولا المجنون وإن كان أدوارا إلا حال الإفاقة فيكره ، ولا الكافر والفاسق ، ومنه المخالف ، وكذا ولد الزنا وإن أموا أمثالهم . وطريق معرفة العدالة كما مر ، وصلاة عدلين خلفه . ولا يكفي الاسلام ، ولا التعويل على حسن الظاهر على الأصح ، والخلاف في الفروع مانع إن أبطل عند المأموم . وتوم المرأة النساء . ولو تشاح الأئمة قدم مختار المأمومين ، ومع الاختلاف فالأفقه ، فالهاشمي ، فالأقدم هجرة ، فالأسن في الاسلام ، فالأصبح وجها ، فالقرعة . والأمير في امارته ، والراتب ، وذو المنزل يقدمون مطلقا .

( 1 ) انظر الوسائل 5 : 370 باب 1 من أبواب صلاة الجماعة . ( 2 و 3 ) من لا يحضره الفقيه 1 : 245 .

[ 127 ]

الثاني : العود : وأقله اثنان ، إلا في الجمعة والعيد مع وجوبها . الثالث : عدم تقدم المأموم على الإمام في الموقف ، والعبرة بالعقب لا بالمسجد ، إلا في الجماعة في حول الكعبة ، لئلا يكون المأموم أقرب إليها . وكذا يشترط عدم علو الإمام بما يعتد به ، وهو ما لا يتخطى في العادة ، ويجوز العكس ما لم يصر في حد العبد المفرط ، وفي المنحدرة يغتفر العلو من الجانبين . ويشترط القرب عادة ولا ينقدر بثلاث مائة ذراع على الأصح ، ومع اتصال الصفوف لا يضر البعد وإن أفرط إذا كان بين كل صفين القرب العرفي . الرابع : نية الائتمام ، فلو تابع بغير نية بطلت إن أخل بما يلزم المنفرد ، ويجب تأخيرها عن نية الإمام ، فلا يجرئ المساومة ، ولا تجب نية الامامة إلا في الجمعة الواجبة ، لكن يتوقف حصول الثواب عليها . ويجب وحدة الإمام وتعينه فلو نوى الاقتداء باثنين ، أو بأحدهما لا بعينه لم يصح ، ولو انتقل إلى آخر عند عروض مانع للأول جاز . الخامس : مشاهدة المأموم للامام ، أو لمن يشاهده من المأمومين ولو بوسائط فيعتبر عدم العلم بفساد صلاتهم ، إلا أن تقتدي المرأة بالرجل فيغتفر الحائل . وليس النهر ، والطريق ، والقصر الحائل وقت الجلوس خاصة ، والمخرم ، والظلمة موانع . ولو صلى الإمام في محراب داخل ، أو مقصورة غير محرمة فصلاة الجانبين باطلة إن لم يشاهدوا من يشاهده . السادس : توافق نظم الصلاتين ، فلا يقتدى في اليومية بنحو الكسوف والعيد وبالعكس . ويجوز في ركعتي الطواف باليومية ، وعكسه ، وكذا الفرض بالنفل النفل بالنفل في مواضع ، وبعض اليومية ببعض ، ومع نقص صلاة المأموم يتخير بين التسليم وانتظار تسليم الإمام وهو أفضل ، ولو زادت فله الاقتداء في التتمة بمسبوق من المأمومين .

[ 128 ]

ويجب متابعة الإمام في الأقوال والأفعال ، فيأثم بالتقدم عمدا ، ولا تبطل إلا أن يركع قبل فراغه من القراءة ، ونسيانا يرجع فيتابع . وإن زاد ركوعا : فإن لم يرجع فهو متعمد . والظان كالناسي ، ولو تخلف بركن فأكثر لم تنقطع القدوة ويحتمل الإمام القراءة في الجهرية والسرية ، فيكره للمأموم القراءة فيهما على الأشهر . ولو لم يسمع في الجهرية ولا همهمة استحب أن يقرأ ، ويبقي آية إن نقصت قراءته عن قراءة الإمام ليركع عنها ، ويدرك الركعة بإدراكه راكعا ولو بعد الذكر الواجب على الأصح ، لا إن شك هل أدرك راكعا أم رافعا ولو أدركه بعد الركوع أو بعد سجود الأولى وسجد معه واستأنف النية عند قيامه إلى الركعة اللاحقة ، ولو كانت الأخيرة استأنف بعد التسليم ، ولو كان بعد السجود كبر مقتديا ، وتابعه في التشهد إن شاء ، فإن كان الأخير قام بعد تسليمه بغير استئناف ، والظاهر أنه يدرك فضل القدوة ولو كان التشهد هو الأول تابعه بعد القيام أيضا . ويراعى المسبوق نظم صلاته ، فيجعل ما يدركه معه أولها ، ويتخير في الأخيرتين بين التسبيح والفاتحة وإن سبح أمامه على الأصح ، ولو كان غير مرضي فلا قدوة ، بل يقرأ لنفسه ولو سرا في الجهرية ، أو مثل حديث النفس ، ويتشهد قائما ويسلم إن اضطر . ويستحب تسوية الصفوف باستواء المناكب ، واختصاص الفضلاء بالأول ، ويمينه أفضل ، ويكره تمكين نحو العبيد والصبيان منه . وإذا اتحد المأموم وكان ذكرا وقف عن يمين الإمام ، وإن تعدد فخلفه كالمرأة الواحدة والخنثى . ولو أمة النساء لم تتقدمهن كجماعة العراة ، ولو أحرم الإمام قطع المتنفل نفله ودخل معه ، ولو كان فرضا نقل النية إلى النفل وأتم الركعتين ، ومع فوت الفوات يقطعها استحبابا ، كما لو كان إمام الأصل .

[ 129 ]

ويكره النفل بعد الإقامة ، ووقت القيام عند قد قامت الصلاة ، وخائف فوات الركوع بالإلحاق يكبر مكانه ، ويسجد إن شاء ويلحق بالصف ، وإن شاء مشى في ركوعه بشرط عدم فعل كثير ، وأن يكون مكان التكبير صالحا للاقتداء ، ويعيد المنفرد صلاته مع الجماعة استحبابا ، وكذا الجامع إماما ومؤتما ، ويتخير بين نية الوجوب والندب . ويكره وقوف المأموم وحده اختيارا ، وتخصيص الإمام نفسه بالدعاء . ويجوز التسليم قبل الإمام لعذر فينوي الانفراد ، ولو نواه لا لعذر جاز ، حيث لا تجب الجماعة ، فيبني على ما مضى من صلاته ، فإن كان قبل القراءة قرأ لنفسه ، أو بعدها اجتزأ بقراءة الإمام ، أو في أثنائها احتمل البناء ووجوب الإعادة . وفي جواز الاقتداء بمن علم نجاسة في ثوبه أو بدنه تردد ، أوجهه المنع . ولو علمت عتق من تصلي مكشوفة الرأس أمكن جواز الاقتداء بها . ولا ينبغي ترك الجماعة إلا لعذر عام أو خاص كالمطر والمرض ، فيصلي في منزله جماعة . ويستحب التأخير إن رجا زوال العذر وإدراك الجماعة ، ولو عرض للامام قاطع كالحدث استناب ، فإن لم يفعل أو عرض جنون أو موت استناب المأمون ، فيبني النائب على فعل الإمام ولو في أثناء القراءة . وأما الخاتمة ففي باقي الصلوات : أما الجمعة : فهي ركعتان يسقط معها الظهر بشروط زائدة على اليومية : الإمام العادل : أو من نصبه ، ولا ريب في اعتبار شرائط الامامة السالفة . وفي الغيبة يجتمعون مع الامن ، ووجود نائب الغيبة وهو الجامع للشرائط ، فينوون الوجوب وإن لم يتحتم ، ويجزئ عن الظهر . ولو مات بعد التلبس لم تبطل القدوة ، فيقدمون من

[ 130 ]

يتم مع وجود باقي الشرائط ، ولو أحدث قدم من يتم به ، ولا يشرع إنشاء الجمعة حينئذ إلا أن يستنيب إمام الأصل . والوقت : وهو وقت الفضيلة للظهر ، فإذا خرج ولم يأت بها صلى الظهر ، ولو كان متلبسا صحت إن أدرك ركعة قبله ، إن شرع عالما أو ظانا إدراكها بشروطها على المشهور ، ولو صلى الظهر وهو مخاطب بها لم تصح فإن أدركها ، وإلا أعاد ظهرا . والعدد : وهو خمسة أحدهم الإمام ، ويشترط ابتداءا لا دواما ، فلو انفضوا بعد التكبير لم تبطل ، وإن لم يبق إلا واحدا ، أما قبله فتسقط ، ولو عادوا أعاد الخطبة إن لم يسمعوا الواجب منها . وإنما تنعقد بالمكلف الذكر المسلم وفي العبد وإن تحرر بعضه إذا أذن مولاه ، والمسافر الذي لا يلزم الاتمام تردد أقربه الانعقاد ، ولو لزمته وجب عليه كالعاصي بالسفر . أما الأعمى ، والأعرج البالغ حد الإقعاد ، والمريض المتضرر بالحضور أو يشق عليه كثيرا ، ومن بعد عن موضع اقامتها بأزيد عن فرسخين ، والمشتغل بتجهيز ميت ، أو رعاية مريض ، والخائف على نفس أو مال ولو حبسا أو غصبا بباطل أو بحق هو عاجز عنه ، والممنوع بمطر أو وحل شديد ونحوهما : فإن حضروا قبل صلاة الظهر وجب عليهم وانعقدت بهم ، إلا المريض إذا تضرر بالصبر . والخطبتان : بعد الزوال قبل الصلاة ، ويجب القيام فيهما مطمئنا مع القدرة ، واشتمال كل واحدة على لفظ الحمد لله ، والصلاة على النبي وآله ، والوعظ ولا يتعين له لفظ ، وقراءة سورة خفيفة ، أو آية تامة الفائدة ، والصلاة على أئمة المسلمين ، والفصل

[ 131 ]

بينهما بجلسة ، ورفع الصوت بحيث يسمعه العدد . والأحوط اشتراط الطهارة ، ووجوب الاصغاء ، وتحريم الكلام في أثنائهما وإن لم تبطل . ويجوز كون الخطيب غير الإمام ، وفي اشتراط عدالته نظر . ويستحب بلاغته ، وكونه منصفا بما يأمر به ، والارتداء ببرد يمنية ، والاعتماد على شئ ولو عصا ، والتسليم أولا ، فيجب عليهم الرد ، والجلوس قبل الخطبة حتى يفرغ المؤذنون . والجماعة : فلا تصح فرادى ، ويشترط نية الإمام والمأموم بها ، ولو أدرك المسبوق الإمام راكعا في الثانية أدرك الجمعة فيتم بعد فراغه ، ولو شك في ادراكه راكعا فلا جماعة له . والوحدة : وتحقق بأن تكون بين الجمعتين فرسخ ، فلو قصر بطلت إن اقترنتا بالتحريم ، ويعيدون جمعة ، واللاحقة خاصة إن سبقت إحداهما ولو بها ، ومع السابقة يصلون جميعا الظهر فيتجه اعتبار فعلها فرادى أو بإمام من خارج ومع اشتباه السبق قيل : يصلون الجمعة والظهر ، وهو متجه ، فيعتبر في الظهر ما سبق . ويستحب الجهر بالقراءة ، واختيار الجمعة في الأولى والمنافقين في الثانية ، ويحرم الأذان الثاني زمانا ، والسفر قبلها بعد وجوبها ، والبيع وشبهه بعد الأذان وإن سقطت عن أحد المتعاقدين وينعقد . ويستحب مؤكدا الغسل أداء من فجر الجمعة إلى الزوال ، وقضاء إلى آخر السبت ، وتقديما من أول الخميس لخائف الاعواز . ومن زوحم عن سجود الأولى إن لم يتمكن من اللحاق بعد قيام الإمام يسجد معه في ثانية ناويا بهما الأولى لا الثانية فتبطل صلاته ، ولو أهمل فقولان أظهرهما الصحة ، ولو تمكن من السجدتين بعد قيام الإمام فأتى بهما ثم قام فوجده قد ركع في الثانية جلس حتى يفرغ ، وله أن ينفرد ويتمها جمعة على التقديرين .

[ 132 ]

تتمة : السنن الحنيفية ( 1 ) خمس في الرأس : المضمضة ، والاستنشاق ، والسواك ، وفرق الشعر ، وقص الشارب . وخمس في البدن : قص الأظفار ، وحلق العانة ، والإبطين ، والختان ، والاستنجاء . ويجوز الوفرة في الشعر بأن يبلغ شحمة الأذن . ويستحب السواك مؤكدا عند كل صلاة عرضا - ويكره في الخلاء والحمام والادهان غبا ( 2 ) والاكتحال وترا ، وقلم الأظافر يوم الجمعة فمن فاته فيه ففي يوم الثلاثاء ، ويجوز مطلقا ، ويكره بالأسنان . ويستحب مؤكدا الخضاب ، ويتأكد للنساء ، وقد ورد أنه يقلل وسوسة الشيطان ، وتفرح به الملائكة ، ويستحي منه منكر ونكير ، وهو براءة له في القبر . والاستحمام غبا ، ويستحب يوم الاربعاء والجمعة ، والاكتحال بالأثمد عند النوم وترا ، والاطلاء بالنورة كل خمسة عشر يوما . وأما صلاة عيد الفطر والأضحى فيجب بشروط الجمعة على من تجب عليه ، وتسقط عمن تسقط عنه ، ومع اختلالها تصلى ندبا جماعة وفرادى ، وقيل : لا تشرع الجماعة حينئذ والخطبتان بعدها ، ويستحب ذكر أحكام الفطرة في الفطر ، والأضحية في الأضحى ، والأحوط القيام فيهما ، ويعتبر الاتحاد كالجمعة إلا مع ندبيتهما لأحد الفريقين ، ووقتها من طلوع الشمس إلى الزوال فيحرم السفر بعد وجوبها . وهي ركعتان كغيرها من الصلوات ، لكن يزيد خمس تكبيرات بعد القراءة في الأولى ، وأربعا كذلك في الثانية ، ويقنت بعد كل تكبيرة وجوبا ، ولا يتعين

( 1 ) في هامش نسخة " ض " : السنن الحنيفية : هي التي كانت في ملة إبراهيم عليه السلام . السنة أعم من المستحب ، ويشتمل الواجب ، ولم ينسخ في شريعة بل بقيت ، ولا تنسخ إلى يوم القيامة ، وأصل الحنيف الاستقامة . شرح . ( 2 ) الغب : أن تدهن يوما وتدعه يوما . انظر الصحاح 1 : 190 " غبب " .

[ 133 ]

له لفظ غير أن المأثور أفضل ، ويقول المؤذن فيها وفي كل ما يجمع فيه غير ما سبق : الصلاة ثلاثا بالنصب والرفع . ويستحب الاصحار بها إلا بمكة ، وخروج الإمام ماشيا حافيا بالسكينة والوقار ، وذكر الله تعالى ، وقراءة الأعلى في الأولى والشمس في الثانية ، والغسل والتنظيف ، والتطيب ، ولبس الفاخر ، وأن يطعم قبل خروجه في الفطر حلو ، وبعد عوده في الأضحى من أضحيته . والتكبير في الفطر عقيب أربع صلوات أوله المغرب ليلة الفطر وهو : الله أكبر ثلاثا ، لا إله إلا الله والله أكبر ، الحمد لله على ما هدانا ، وله الشكر على ما أولانا . وفي الأضحى عقيب خمس عشرة لمن كان بمنى ناسكا على قول ، وعقيب عشر لغيره أولها ظهر ويزيد : ورزقنا من بهيمة الانعام : ويتخير حاضر العيد في حضور الجمعة لو اتفقا ، سواء القروي وغيره ، وعلى الإمام الحضور ، ولو نسي التكبير أو بعضه وتجاوز محله سجد للسهو . وأما صلاة الآيات : فهي ركعتان كاليومية ، إلا أن في كل ركعة خمس ركوعات ، يقرأ الحمد وسورة أو بعضها ثم يركع ، فإذا قام قرأ الحمد وسورة ، أو بعضها إن كان أتم السورة ، وإلا قرأ من حيث قطع إن شاء ، وإن قرأ الحمد وسورة أو بعضها بحيث يتم له في الركعة سورة صح على قول قوي ، وهكذا خمسا ، ثم يسجد ، ويجب في النية تعيين السبب . وتستحب الجماعة ، والاطالة بقدره ، وقراءة السور الطوال مع السعة ، والجهر بها ليلا أو نهارا ، والقنوت على كل مزدوج أو على الخامس والعاشر ، وأقله على العاشر بعد القراءة ومساواة الركوع والسجود والقنوت للقراءة ، والتكبير عند كل رفع ، وفي الخامس والعاشر سمع الله لمن حمده ، والبروز تحت السماء ، والاعادة لو فرغ قبل الانجلاء .

[ 134 ]

وموجبها كسوف الشمس ، وخسوف القمر وكل مخوف سماوي كالزلزلة والظلمة الشديدة والريح والسوداء والصفراء ، لا نحو كسوف الكواكب . ووقتها في الكسوف من ابتدائه إلى تمام الانجلاء على الأقرب ، وفي غيره مدت السبب ، فإن قصر لم يجب إلا الزلزلة ومن ثم يكون أداء مدة العمر ، مع أن الوجوب فوري جمعا بين التأقيت واعتبار سعة الفعل ، وتقضى حيث يجب الأداء مع الفوات عمدا أو نسيانا لا جهلا ، إلا أن يستوعب الاحتراق ، ويقدم المضيق منها ومن الحاضرة وجوبا ، فإن تضيقا قدمت الحاضرة ، ولو كان في أثناء الكسوف قطعها واشتغل بالحاضرة على قول ، ومع سعتهما يتخير ، وتقديم الحاضرة أفضل . أما صلاة الطواف : فركعتان كاليومية ، لكن يجب فعلهما عند مقام إبراهيم عليه السلام في المكان المعروف المعد لذلك الان ، فلو منعه زحام صلى خلفه أو إلى جانبيه ، ولو نسيهما رجع إلى المقام ، ثم إلى الحرم ، ثم حيث يذكر ، ولو مات قضاهما الولي . ويجب كونهما بعد الطواف الواجب وقبل السعي إن وجب ، ويستحب المبادرة بهما ، ولا أداء في نيتهما ولا قضاء . وقد تقدم في الغسل صلاة الأموات . وأما الملتزم من الصلاة بنذر وشبهه : ويعتبر فيه ما يعتبر في اليومية ، ويزيد الصفات المعينة فيه إذا كانت مشروعة ، فلو قيد بزمان شخصي - كيوم الجمعة - معين وأخل به عمدا قضى وكفر ، وإلا أتى به موسعا إلى أن يغلب ظن الموت . وتعتبر نية الأداء والقضاء في الأول خاصة ، ولو عين مكانا انعقد مع المزية لا بدونها على قول . وفي الفرق بينه وبين الزمان عندي نظر ، فلو أتى به فيما هو أزيد مزية قبل : يجزئ ، وللنظر فيه مجال ، ولو عين عددا تعين ، فيسلم بعد كل ركعتين ، ولو قيد

[ 135 ]

أربعا بتسليمة صح لا خمسا ، إلا أن يطلق فينزل على المشروع . ولو أطلق الصلاة وجب ركعتان على الأقوى ، ولو نذر نحو الكسوف والعيد وقت شرعيتهما انعقد . وإلا فلا . وشبه النذر العهد واليمين ، والتحمل عن الغير بإجارة ونحوها ، ولا ريب في اشتراط العدالة في الأجير ، وعدم نقصان صلاته بنقصان صفة ، كالعاجز عن ، القيام ، أو عن بعض القراءة . ولو تجدد العجز احتمل الانفساخ ، والفسخ والرجوع بالتفاوت ، وأضعفها الاجتزاء بمقدوره ، وهل هو على الفور ( 1 ) أم على التراخي ؟ لا أعلم فيه تصريحا ، ويحتمل وجوب ما يعد به متشاغلا . تتمة : من الصلاة المندوبة الاستسقاء عند انقطاع الامطار وغور الانهار ، وهي كالعيد ، إلا القنوت فإنه بالاستغفار ، وسؤال الرحمة وتوفير المياه ومأثورة أفضل . ويستحب في خطبة الجمعة أمر الناس بالتوبة ، والخروج عن المظالم ، وصوم ثلاثة أولها السبت أو الاربعاء ، والخروج في الثالث حفاة بالسكينة والوقار مع أهل لصلاح والشيوخ والأطفال . وتستحب الجماعة والجهر بالقراءة ، ويحول الإمام رداءه من اليمين إلى اليسار ، ولو تأخرت الاجابة كرر الخروج ، ولو سقوا في الخطبة صلوا شكرا ، ولو كثرت الغيث وخيف منه استحب الدعاء بإزالته . ويكره نسبة المطر إلى الانواء ويحرم اعتقاده . ومنها صلاة يوم الغدير قبل الزوال بنصف ساعة ، وهي ركعتان يقرأ في كل ركعة الحمد مرة وكلا من القدر والتوحيد وآية الكرسي إلى قوله : " فيها خالدون " عشرا جماعة في الصحراء بعد أن يخطب الإمام بهم ، ويعرفهم فضل اليوم ، فإذا انقضت تصافحوا وتهانوا ، وثوابها مائة ألف حجة وعمرة ، ويعطى ما يسأل .

( 1 ) الظاهر أن الوجوب على الولي فوري . ع ل .

[ 136 ]

وباقي الصلوات المندوبات مذكورة في كتب الأصحاب من أراد فيطلب من هناك . وكل النوافل ركعتان بتشهد وتسليم ، إلا الوتر فإنها ركعة ، وصلاة الأعرابي فإنها أربع ركعات . وليكن هذا آخر ما أوردناه في هذه الرسالة ، والحمد لله الذي وفق لإتمامها وختم الحسنى في افتتاحها واختتامها ، وأنا أتضرع إليه بخاصته وخالصته محمد وأطائب عترته ، مع ما أنا عليه من الاعتراف بالعجز والتقصير ، والافتقار إلى وجوده المطلق في الجليل والحقير ، أن يجعل ما بقي من أيام هذه المهلة مقصورا على ما فيه رضاه ، مصروفا فيما يحبه ويرضاه . وفرغ من تسويدها مؤلفهما العبد المذنب الجاني علي بن عبد العالي ، وسط نهار الخميس تقربا إلى الله ، عاشر شهر جمادي الأولى سنة سبع عشر وتسعمائة من الهجرة النبوية المصطفوية عليه أفضل الصلاة وأكمل التحية بمشهد سيدي ومولاي ثامن الأئمة الأطهار أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه وعلى آبائه وأولاده المعصومين أفضل الصلاة والسلام حامدا ومصليا .

[ 137 ]

( 3 ) رسالة صلاة الجمعة

[ 139 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين بعد حمد الله على سوابغ نعمة الغامرة ( 1 ) ، والصلاة والسلام على حبيبه محمد وعترته الطاهرة ، فقد طال تكرار سؤال المترددين إلي عن حال شرعية صلاة الجمعة في هذه الازمان ، التي مني أهلها بغيبة الإمام عليه صلوات الله الحي القيوم ، وأنها على تقدير الشرعية ما الذي يعتبر لصحتها وإجزائها عن صلاة الظهر ، وأظهروا عندي في مرات ( 2 ) كثيرة أن الناس في ذلك كالمتحيرين لا يدرون ما يصنعون ، ولا يعلمون أي طريق يسلكون . فلما رأيت أن الأمر قد تفاقم ، والخلف والخلاف قد تراكم سألت الله الخيرة في إملاء جملة من القول لتحقيق الحق في هذه المسألة ، على وجه أرجو من التوفيقات الالهية أن ينكشف بها القناع ويزول بها اللبس ، متضرعا إليه سبحانه أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم ، وموجبة لثوابه الجسيم ، وحين أجلت الرؤية في ما لا بد منه لإيضاح الصواب خطر لي أن أضعها على ثلاثة أبواب :

( 1 ) الغمر : الماء الكثير ، الصحاح 2 : 772 " غمر " . ( 2 ) في " ش " : مراتب .

[ 140 ]

الباب الأول في المقدمات ، وهي ثلاثة : الأولى : اختلف علماء الأصول في أن الوجوب إذا رفع هل يبقى الجواز أم لا ؟ وتحرير محل النزاع : أنه إذا ثبت الوجوب بدليل شرعي في محل ، ثم رفع بدليل آخر عن ذلك المحل هل يبقى الجواز ثابتا فيه ، حيث أن الدليل الدال على الوجوب دل على شيئين : الوجوب ، والجواز ، والدليل الرافع له إنما يرفع الوجوب خاصة ؟ بكل من القولين قال جمع من العلماء : أما القائلون ببقاء الجواز ( 1 ) فاحتجوا بأن المقتضي للجواز موجود ، والمانع منه منتف فوجب القول بتحققه . أما الأول : فلأن الأمر الدال على الوجوب متحقق ، لأنه المفروض ، والوجوب ماهية مركبة من الإذن في الفعل والمنع من الترك ، فيكون مقتضيا لهما ضرورة كون المقتضي للمركب مقتضيا لكل جزء من أجزائه ، لامتناع تحقق المركب من دون تحقق الإجزاء . وأما الثاني : فلأن الموانع كلها منتفية بحكم الأصل ، ما عدا رفع الوجوب وهو غير صالح للمانعية ، لأنه إنما يقتضي رفع الوجوب الذي قد علمت تركبه من الجزأين ، ورفع المركب قد يكون برفع جميع الأجزاء ، وقد يكون برفع أحدها ، فهو أعم من كل منها ، والعام لا يدل على خاص معين ، فإذا لا دلالة لرفع الوجوب

( 1 ) ذهب إليه جمع من الأصوليين منهم : محب الله بن عبد الشكور في فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت 1 : 103 ، والقاضي البيضاوي في منهاج الأصول المطبوع بمتن الابهاج في شرح المنهاج 1 : 126 . ولمزيد الاطلاع أنظر : القوانين للميرزا أبو القاسم القمي 1 : 127 .

[ 141 ]

على رفع الجواز . قيل عليه : بعد رفح المركب لا يعلم بقاء الجواز ، لأن رفع المركب قد يكون برفع الجزأين معا ، والمقتضي منسوخ فلا يقطع ببقاء مقتضاه . ورد : بأن بقاء الجواز متحقق لتحقق مقتضيه أولا ، والأصل استمراره فلا يرفع بالاحتمال ، والمنسوخ إنما هو الوجوب لا نفس الأمر المقتضي للجواز ، فلا نقطع بعدم بقائه ، للاكتفاء في رفع الوجوب برفع المنع من الترك ، وعدم القطع ببقاء مقتضي الأمر غير قادح ، لأن المدعى ظهور بقائه لا القطع به . والتحقيق : أن جواز المدلول عليه بالامر الدال على الوجوب هو الجنس - أعني : الإذن في الفعل - لا الجواز الذي معناه استواء الطرفين ، وذلك أمر كلي لا تحقيق له إلا في ضمن فرد من أفراده الأربعة ، أعني : الوجوب والندب والكراهة والاباحة . وبعد رفع الوجوب يمتنع بقاء الجواز المدلول عليه بالامر تضمنا ، لامتناع تحقق الكلي لا في ضمن فرد من أفراده . والجواز الذي معناه استواء الطرفين لم يدل عليه دليل أصلا ، إذ لا يلزم من ثبوت الوجوب ثبوته ، كما لا يلزم من رفعه رفعه ولا ثبوته فينتفي بحكم الأصل ، وحينئذ فيقطع بانتفاء ذلك الجواز . إذا عرفت ذلك فقوله في الجواب : ( بقاء الجواز متحقق لتحقق مقتضيه ) إن أراد به : الجواز الذي هو الأمر الكلي فهو فاسد ، لأن بقاءه بعد انتفاء الوجوب ممتنع ، لأن تحققه إنما كان ضمنا ، وذلك يقتضي بقاءه بعد انتفاء الجزء الآخر ، بل انتفاء ذلك الجزء يقتضي انتفاءه إن لم يدل دليل على تقييده بجزء آخر ، والفرض أن لا دليل يدل على ذلك أصلا . وإن أراد الجواز بالمعنى الآخر فظاهر بطلانه . وأما القائلون بعدم بقاء الجواز ( 1 ) فاحتجوا بأن الجواز الذي هو جزء من

( 1 ) منهم : الشيخ حسن بن زين الدين الشهيد الثاني في معالم العلماء وملاذ المجتهدين : =

[ 142 ]

مفهوم الوجوب هو الجواز بالمعنى الأعم كما عرفت ، لامتناع ذلك في الاخص ، وتقومه بالفصل الذي هو المنع من الترك ، فإذا ارتفع ارتفع لاستحالة بقائه منفكا عن فصل . قيل عليه : نمنع استلزام ارتفاع هذا الفصل ارتفاع الجنس لتقومه بفصل عدم المنع من الترك ، لأن ارتفاع المنع من الترك - الذي هو فصل الوجوب - يقتضي ثبوت عدم المنع منه ، فيقوم به الجنس لاحتياجه إلى فصل ما ، لا إلى فصل معين . وجوابه : إن ارتفاع المنع من الترك قد يكون برفع كل من الجزأين ، وقد يكون برفع الحرج بالترك خاصة . فارتفاعه أعم من كل منهما ، ولا دلالة للعام على الخاص ، فلم يتحقق فصل عدم الحرج بالترك ، وحكم الأصل يقتضي نفيه فينتفي الجواز ، وهذا هو الحق . المقدمة الثانية : اتفق أصحابنا رضوان الله عليهم على أن الفقيه العدل الامامي الجامع لشرائط الفتوى ، المعبر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية نائب من قبل أئمة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل - وربما استثنى الأصحاب القتل والحدود مطلقا - فيجب التحاكم إليه ، والانقياد إلى حكمه ، وله أن يبيع مال الممتنع من أداء الحق إن احتيج إليه ، ويلي أموال الغياب والأطفال والسفهاء والمفلسين ، ويتصرف على المحجور عليهم ، إلى آخر ما يثبت للحاكم المنصوب من قبل الإمام عليه السلام .

= 90 ، وأبو حامد محمد بن محمد الغزالي في المستصفى من علم الأصول 1 : 73 ، ومحمد بن نظام الدين محمد الأنصاري في فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت 1 : 103 ، والعلامة الحلي في نهاية الأصول ( مخطوط ) البحث الرابع أحكام الوجوب ورقة 91 ، وعلي بن عبد الكافي السبكي في الابهاج في شرح المنهاج 1 : 126 ، ولمزيد الاطلاع أنظر : القوانين للميرزا أبو القاسم القمي 1 : 127 .

[ 143 ]

والأصل فيه ما رواه الشيخ في التهذيب باسناد إلى عمر بن حنظلة ، عن مولانا الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال : " أنظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا فارضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما ، فإذا حكم بحكمنا ولم يقبله منه فإنما بحكم الله استخف وعلينا رد ، وهو راد على الله ، وهو على حد الشرك بالله ، وإذا اختلفا فالحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما " ( 1 ، وفي معناه أحاديث كثيره ( 2 ) . وقد استخرج الأصحاب الأوصاف المعتبرة في الفقيه المجتهد من هذا الحديث ونحوه ، وضبطوها في ثلاثة عشر شيئا ( سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى في آخر الرسالة ) ( 3 ) . والمقصود من هذا الحديث هنا : أن الفقيه الموصوف بالأوصاف المعينة ، منصوب من قبل أئمتنا عليهم السلام ، نائب عنهم في جميع ما للنيابة فيه مدخل بمقتضى قوله : " فإني قد جعلته عليكم حاكما " ، وهذه استنابة على وجه كلي . ولا يقدح كون ذلك في زمن الصادق عليه السلام ، لأن حكمهم وأمرهم عليهم السلام واحد كما دلت عليه أخبار أخرى ، ولا كون الخطاب لأهل ذلك العصر ، لأن حكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والامام عليه السلام على الواحد حكم على الجماعة بغير تفاوت كما ورد في حديث آخر ( 4 ) .

( 1 ) التهذيب 6 : 301 حديث 845 . ( 2 ) انظر : الفقيه 3 : 2 حديث 1 ، التهذيب 6 : 219 حديث 516 . ( 3 ) في نسخة " ض " : من أراد معرفتها فليرجع إلى مضانها من كتب الأصحاب . ( 4 ) عوالي اللآلي 1 : 456 حديث 197 و 2 : 98 حديث 270 وفيه : قال صلى الله عليه وآله : " حكمي على الواحد حكمي على الجوامع " . وروى الترمذي في سنه 4 : 151 كتاب السير ( 22 ) باب ما جاء في بيعة النساء ( 37 ) حديث 1597 عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : " إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة " ، ورواه الدارقطني =

[ 144 ]

المقدمة الثالثة : يشترط لصلاة الجمعة وجود الإمام المعصوم أو نائبه ، وعلى ذلك إجماع علمائنا قاطبة ، وممن نقل الاجماع على ذلك من متأخري أصحابنا : المحقق نجم الدين بن سعيد في المعتبر ( 1 ) ، والعلامة المتبحر جمال الدين ابن المطهر في كتبه كالتذكرة ( 2 ) وغيرها ( 3 ) ، وشيخنا الشهيد في الذكرى ( 4 ) ، وبعد التتبع الصادق تظهر حقية ما نقلوه ، والأصل في ذلك قبل الاجماع الاتفاق على أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعين لامامة الجمعة - وكذا الخلفاء بعده - كما يعين للقضاء ( 5 ) ، وكما لا يصح أن ينصب الانسان نفسه قاضيا من دون إذن الإمام فكذا إمام الجمعة ، وليس هذا قياسا بل استدلال بالعمل المستمر في الأعصار ، فمخالفته خرق للاجماع . وينبه على ذلك ما روي عن أهل البيت عليهم السلام من عدة طرق ، منها رواية محمد بن مسلم قال : " لا تجب الجمعة على أقل من سبعة : الإمام ، وقاضيه ومدع حقا ، ومدعى عليه ، وشاهدان ، ومن يضرب الحدود بين يدي الإمام " ( 6 ) ، وفي

= في سننه 4 : 147 حديث 16 كتاب المكاتب ( النوادر ) ، والشوكاني في نيل الأوطار 1 : 30 ، والشهيد في الأربعون حديثا : 23 . ( 1 ) المعتبر 2 : 279 . ( 2 ) التذكرة 1 : 144 . ( 3 ) تحرير الأحكام 1 : 43 ، منتهى المطلب 1 : 317 ، نهاية الأحكام 2 : 13 . ( 4 ) الذكرى : 230 . ( 5 ) انظر : السنن الكبرى للبيهقي 3 : 123 ، مصنف ابن شيبة 2 : 213 ، كنز العمال 7 : 600 حديث 20453 . ( 6 ) روى الشيخ الصدوق رحمه الله في الفقيه 1 : 267 حديث 1222 عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال : " تجب الجمعة على سبعة نفر من المؤمنين ، ولا تجب على أقل منهم : الإمام ، وقاضيه ، ومدعيا حق ، وشاهدان ، والذي يضرب الحدود بين يدي الإمام " . وروى الشيخ الطوسي رحمه الله في التهذيب 3 : 20 حديث 75 ، والاستبصار 1 : 418 =

[ 145 ]

هذا دلالة على اشتراط الإمام . قال في التذكرة : ولأنه إجماع أهل الأعصار ، فإنه لا يقيم الجمعة في كل عصر إلا الأئمة ( 1 ) . إذا عرفت ذلك فاعلم أنه لا كلام بين الأصحاب في اشتراط الجمعة بالامام أو نائبه ، إنما الكلام في اشتراط كون النائب منصوبا بخصوصه أو يكفي نصبه ولو علي وجه كلي حيث يتعذر غيره ، وأكثر الأصحاب على الثاني ، وسيأتي لذلك مزيد تحقيق إن شاء الله . الباب الثاني اختلف أصحابنا في حكم صلاة الجمعة حال غيبة الإمام عليه السلام على قولين بعد انعقاد الاجماع منهم ، ومن كافة أهل الاسلام على وجوبها بشرائطها حال ظهوره ( 2 ) : الأول : القول بجواز فعلها إذا اجتمعت باقي الشرائط ، وهو المشهور بين الأصحاب ، وبه قال الشيخ رحمه الله في النهاية والخلاف ( 3 ) ، وأبو الصلاح ( 4 ) ، والمحقق في المعتبر وغيره ( 5 ) ، والعلامة في المختلف وغيره ( 6 ) ، وشيخنا الشهيد ( 7 )

= حديث 1608 عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال : " تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين ، ولا تجب على أقل منهم : الإمام ، وقاضيه ، والمدعى حقا ، والمدعى عليه والشاهدان ، والذي يضرب الحدود بين يدي الإمام " . ( 1 ) التذكرة 1 : 144 . ( 2 ) في " ش " وجوده . ( 3 ) النهاية : 107 ، الخلاف 1 : 676 مسألة 397 كتاب الصلاة . ( 4 ) الكافي في الفقه : 151 . ( 5 ) المعتبر 2 : 297 ، شرائع الاسلام 1 : 98 ، المختصر النافع : 36 . ( 6 ) المختلف : 108 ، نهاية الأحكام 2 : 14 . ( 7 ) الذكرى : 231 .

[ 146 ]

وجمع من المتأخرين ( 1 ) ، وهو الأقوى ، وتدل عليه وجوه : الأول : قوله تعالى : " إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع " ( 2 ) ، ووجه الدلالة : أنه علق الأمر بالسعي إلى الذكر المخصوص ، وهو الجمعة أو الخطبة اتفاقا بالنداء للصلاة وهو الأذان لها ، وليس النداء شرطا اتفاقا ، والأمر للوجوب كما تقرر في موضعه ، فيجب السعي لها حينئذ ، ووجوبه يقتضي وجوبها ، ولا ريب أن الأمر بالسعي إنما هو حال اجتماع الشرائط من العدد والخطبتين وغيرهما . فإن قيل : المدعى هو شرعية الجمعة حال الغيبة ، والآية إنما تدل عليها في الجملة فلا يثبت المدعى . قلنا : لا ريب أن المراد بالامر هنا التكرار وإن لم يكن مستفادا من لفظ الأمر فإنه لا يدل بنفسه على وحدة ولا تكرار ، إذ هو مستفاد بدليل من خارج ، للاجماع على أنه لا يكفي للامتثال في الجمعة فعلها مرة أو مرات بل دائما ، وذلك يتناول زمان الغيبة . فإن قيل : المدعى جواز فعل الجمعة زمان الغيبة ، والذي دل عليه دليلكم هو الوجوب مطلقا المقتضي لوجوبهما حينئذ .

( 1 ) قال السيد محمد جواد الحسيني العاملي في مفتاح الكرامة 3 : 62 : وأما القول الرابع وهو الوجوب تخييرا من دون اشتراط الفقيه ، ويعبر عنه بالجواز تارة ، وبالاستحباب أخرى فهو المشهور كما في التذكرة وغاية المراد ، ومذهب المعظم كما في الذكرى ، والأكثر كما في الروض والمقاصد العلية والماحوزية ورياض المسائل ، وهو خيرة النهاية والمبسوط والمصباح وجامع الشرائع والشرائع والنافع والمعتبر والتخليص وحواشي الشهيد والبيان وغاية المراد كما سمعت ، والموجز الحاوى والمقتصر وتعليق الارشاد والميسية والروض والروضة . ( 2 ) الجمعة : 9 .

[ 147 ]

قلنا : ليس المراد بالجواز هنا معناه الاخص وهو ما استوى طرفا فعله وتركه لامتناع ذلك في العبادات ، فإن العبادة تستدعي رجحانا لتفعل كونها قربة ، وكون الاخلاص معتبرا في نيتها والثواب مترتبا على فعلها ، وإنما المراد به معناه الأعم - أعني مطلق الأذان في الفعل شرعا - وذلك جنس للوجوب والندب وقسميهما . فإن قيل : أي الأقسام الأربعة مراد ؟ قلنا : معلوم انتفاء الإباحة والكراهة وكذا الندب ، للاجماع على أن الجمعة حيث تشرع تجزئ عن الظهر ، ويمتنع التعبد بهما معا ، لامتناع الجمع بين البدل ومبدله ، فلم يبق إلا الوجوب التخييري بينها وبين الجمعة ، فالجواز المدعى في معنى الوجوب . فإن قيل : لم آثرتم التعبير بالجواز على الوجوب ؟ قلنا : لوجهين : أحدهما : إن التعبير بالوجوب يوهم إرادة الحتم . والثاني : إن مناط الخلاف هو الشرعية حالتئذ وعدمها ومعنى الشرعية : الإذن في الفعل شرعا ، فإذا مناط الخلاف هو الجواز وعدمه ، فلو عبر بغيره لم يقع الموقع . فإن قيل : قد عبر بعض الفقهاء باستحباب الجمعة حال الغيبة . قلنا : هو صحيح وإن كان التعبير بالجواز أولى ، لما نبهنا عليه ، ووجه الصحة : أن الوجوب التخييري لا ينافيه الاستحباب العيني ، لأن أحد فردي الواجب قد يكون أفضل من الفرد الآخر ، فيكون مستحبا بالنسبة إليه ، فيستحب اختياره . فإن قيل : دليلكم يقتضي الوجوب العيني الحتمي ، والمدعى هو الوجوب التخييري فلم يتلاقيا . قلنا : أجمع علماؤنا الامامية رضوان الله عليهم طبقة بعد طبقة ، من عصر أئمتنا

[ 148 ]

عليهم السلام إلى عصرنا هذا على انتفاء الوجوب العيني عن الجمعة حال غيبة الإمام عليه السلام وعدم تصرفه ونفوذ أحكامه ، ولعل السر فيه أن اجتماع الناس كافة في مكان واحد لفعل الجمعة - كما هو الواجب في كل بلد - مناط التنازع والتجاذب ، فمع عدم ظهور الإمام ونفوذ أحكامه ربما كان مثار الشر والفساد فلم يحسن الأمر به مطلقا . ويومئ إلى ذلك ما رواه طلحة بن زيد ، عن أبيه ، عن علي عليه السلام قال : " لا جمعة إلا في مصر تقام فيه الحدود " ( 1 ) وإن كان في الحديث ضعف ، وحيث كان كذلك لم يكن عموم الآية بالوجوب الحتمي في الازمان الشامل لزمان الغيبة المستفاد من التكرار ، الذي دل الاجماع على كونه مرادا بالامر ثابتا ، بل الثابت عمومها مطلق الوجوب الصادق بالوجوب الحتمي حالتئذ وهو المدعى . واعترض شيخنا في شرح الارشاد على الاحتجاج بالاية على جواز الجمعة حال الغيبة أو استحبابها : بأنه يحتمل أن يرد ب‍ " نودي " : نداء خاص ، وقرينته الأمر بالسعي ( 2 ) . يعني : يحتمل إرادة النداء حال وجود الإمام عليه السلام بقرينة الأمر بالسعي الدال على الوجوب في زمان الغيبة . وجوابه : إن الوجوب ثابت في زمان الغيبة وغيره كما قررناه ، لأن الوجوب التخييري وجوب فلا إشكال . الثاني : الأخبار : فمنها صحيحة زرارة ، قال : حدثنا أبو عبد الله عليه السلام على صلاة الجمعة حتى ظننت أنه يريد أن نأتيه ، فقلت : نغدوا عليك ، فقال : " لا ، إنما عنيت عندكم " ( 3 ) .

( 1 ) التهذيب 3 : 239 حديث 639 ، الاستبصار 1 : 420 حديث 1617 . ( 2 ) غاية المراد : 26 . ( 3 ) التهذيب 3 : 239 حديث 635 ، الاستبصار 1 : 420 حديث 1614 .

[ 149 ]

ومنها موثقة زرارة ، عن عبد الملك ، عن الباقر عليه السلام قال : " مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله " ، قال : قلت : كيف أصنع ، قال ، قال : " صلوا جماعة " ( 1 ) يعني الجمعة . ومنها صحيحة عمر بن يزيد ، عن الصادق عليه السلام قال : " إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلوا في جماعة " ( 2 ) . ومنها صحيحة منصور ، عن الصادق عليه السلام قال : " يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زاد ، فإن كانوا أقل من خمسة فلا جمعة لهم ، والجمعة واجبة على كل أحد ، لا يعذر الناس فيها إلا خمسة " ( 3 ) الحديث . واعترض شيخنا في شرح الارشاد على الحديثين الأولين : بأنه يجوز استناد الجواز فيهما إلى إذن الإمام وهو يستلزم نصب نائب ، لأنه من باب المقدمة . قال : ونبه عليه العلامة في نهايته بقوله : لما أذنا لزرارة وعبد الملك جاز لوجود المقتضي وهو إذن الإمام ( 4 ) . وجوابه : إن تجويز فعل أو إيجابه من الإمام عليه السلام لأهل عصره لا يكون مقصورا عليهم ، لأن حكمه عليه السلام على الواحد حكمه على الجماعة ، كما في قول النبي صلى الله عليه وآله وقد سئل عن القصر : " إنما هي صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " ، فإن ذلك غير مقصور على السائل ، ولا على أهل عصره قلعا ، فتجويز الإمام عليه السلام فعل الجمعة لأهل عصره مع عدم نفوذ أحكامه وتصرفاته يكون أذنا لهم ولغيرهم ، ولا يلزم إلى نصب نائب من باب المقدمة كما ذكره ،

( 1 ) التهذيب 3 : 239 حديث 638 ، الاستبصار 1 : 420 حديث 1616 . ( 2 ) التهذيب 3 : 245 حديث 664 ، الاستبصار 1 : 418 حديث 1607 . ( 3 ) التهذيب 3 : 239 حديث 636 ، الاستبصار 1 : 419 حديث 1610 . ( 4 ) النهاية 2 : 14 ، غاية المراد : 26 .

[ 150 ]

لأنه حينئذ لا يكون خاصا ، والعام غير متوقف على نصبهم ، لما عرفت من أن الإمام قد نصب نائبا على وجه العموم بقوله عليه السلام : " فإنه قد جعلته عليكم حاكما " ، وهذا لا يختلف فيه عصره وعصرنا . ويظهر من قول زرارة رحمه الله : حثنا أبو عبد الله عليه السلام ، ومن قول الباقر عليه السلام لعبد الملك : " مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله تعالى ! " أن ذلك ليس على طريق الوجوب الحتمي العيني ، وإن كان قوله عليه السلام : " فريضة فرضها الله تعالى " يدل على الوجوب في الجملة ، وما ذاك إلا لأن زمانه وزمان الغيبة لا يختلفان ، لاشتراكهما في المنع من التصرف وتنفيذ الأحكام الذي هو المطلوب الاقصى من الإمام ، ولو لا ذلك لم يكن نصبه للحاكم حينئذ متناولا لعصرنا وما قبله وما بعده ، وأي فرق بين الحكمين حتى يجعل أحدهما مقصورا على عصره عليه السلام والآخر عاما في كل زمان ؟ وعند التأمل الصادق لهذين الحديثين تتضح دلالتهما على مشروعية فعل الجمعة وإن لم تجب حتما ، إذ لو كان الوجوب حتما لكان حقه أن يأمر ويزجر وينكر على التاركين كمال الانكار . والعجب أن الأصحاب لم يقصروا نصب الحاكم على الوجه الذي عرفته على من سمع ذلك في زمنهم عليهم السلام ، واعترضوا بعمومه لكل زمان ، وهنا اختلفوا وصار بعضهم إلى تجويز قصر الإذن على أهل عصرهم عليهم السلام ! واعترض رحمه الله على الحديثين الآخرين بأنهما مطلقان ، والمطلق محول على المقيد ( 1 ) . وجوابه : القول بالموجب ، فإنهما مقيدان بوجود الإمام أو من يقوم مقامه ، فيدلان حينئذ على مطلق وجوب الجمعة مع الشرائط المذكورة وإن تحتمت مع ظهوره عليه السلام ، لما عرفت سابقا من انتفاء الوجوب الحتمي حال الغيبة بإجماعنا .

( 1 ) غاية المراد : 26 .

[ 151 ]

الثالث : استصحاب الحال ، فإن الاجماع من جميع أهل الاسلام على وجوب الجمعة ( 1 ) حال ظهور الإمام عليه السلام بشرط حضوره أو نائبه ثابت ، فيستصحب إلى زمان الغيبة إلى أن يحصل الدليل الناقل وهو منتف . فإن قيل : شرط ظهور الإمام فينتفي . قلنا : ممنوع ، ولم لا يجوز أن يكون شرطا لتحتم الوجوب ، فيختص بالانتفاء بانتفائه . فإن قيل : يلزم بحكم الاستصحاب القول بالوجوب العيني . قلنا : هناك أمران ، أحدهما : أصل الوجوب في الجملة ، والثاني : تحتمه وتعين الفعل ، والذي يلزم استصحابه هو الأول دون الثاني ، لما عرفت من أن تحتم الوجوب مشروط بظهور الإمام إجماعا منا ، فإذا انتفى شرط كيف يستصحب . فإن قيل : فيلزم بمقتضى الاستصحاب شرعية الجمعة حال الغيبة وإن لم يكن من له النيابة حاضرا . قلنا : لم ينعقد الاجماع على وجوبها حال ظهوره عليه السلام مطلقا ، بل يشترط حضوره أو نائبه إجماعا منا ، فهذا هو الذي يلزم استصحابه دون ما عداه ، ويزيده بيانا أن اشتراط الجمعة بالامام أو نائبه إجماعي كما عرفت ، فإن كان شرط الصحة فظاهر ، وإن كان شرط الوجوب فإذا انتفي لم يلزم بقاء الجواز كما عرفته ، على أن بقاء الجواز هنا لم يعقل وإن جوزناه في مواضع أخرى ، لأن الجواز الثابت هو الجواز بالمعنى الاخص ، لأن الفصل المقيد للجنس - وهو عدم الحرج الذي يقتضي فصل الوجوب - لا يستلزم رجحانا ليصدق الاستحباب ، لعدم استلزام الأعم الاخص ، ولانتفائه بالأصل وبانتفاء ما يقتضيه ، والجواز بالمعنى الاخص لا ينتظم مع العبارة .

( 1 ) في نسخة " ش " : وجوب الجمعة في الجملة .

[ 152 ]

واعلم أن شيخنا الشهيد قال في شرح الارشاد بعد أن اعترض على دلائل المجوزين بما حكيناه سابقا : والمعتمد في ذلك أصالة الجواز ، وعموم الآية ، وعدم دليل مانع ( 1 ) . هذا كلامه ، وهو استدلال عجيب ، فإن أصالة الجواز لا يستدل بها على فعل شئ من العبادات ، إذ كون الفعل قربة وراجحا بحيث يتعبد به توقيفي يحتاج إلى إذن الشارع ، وبدونه يكون بدعة ، وأما الآية فلا عموم لها ، وإطلاقها مقيد بحصول الشرائط باتفاق أهل الاسلام ، ومن الشرائط حضور الإمام أو نائبه إجماعا منا ، وأما عدم الدليل المانع فلا يقتضي الجواز ، إذ لا بد من كون المجوز موجود . القول الثاني : المنع من صلاة الجمعة حال الغيبة ونفي شرعيتها ، وهو المنقول عن المرتضى في المسائل الميافارقيات ظاهرا ( 2 ) وعن سلار ( 3 ) وابن إدريس صريحا ( 4 ) ، واختاره العلامة في المنتهى ( 5 ) وقال في الذكرى : إنه متوجه بعد أن أفتى بالجواز ( 6 ) ، وذلك يقتضي اضطراب كلامه في حكمها ، واحتجوا على ذلك بوجوه : الأول : شرط انعقاد الجمعة الإمام أو من نصبه لذلك اتفاقا ، وفي حال الغيبة الشرط منتف فينتفي الانعقاد ، لامتناع ثبوت المشروط مع انتفاء الشرط . وأجاب في المختلف بمنع الاجماع على خلاف صور النزاع ، وبالقول

( 1 ) غاية المراد : 26 ، ( 2 ) جواب المسائل الميافارقيات ( ضمن رسائل الشريف المرتضى ) المجموعة الأولى : 272 . ( 3 ) المراسم : 77 . ( 4 ) السرائر : 63 . ( 5 ) منتهى المطلب 1 : 336 . ( 6 ) الذكرى : 231 .

[ 153 ]

بالموجب ، فإن الفقيه المأمون منصوب من قبل الإمام ، ولهذا تمضي أحكامه وتجب مساعدته على إقامة الحدود والقضاء بين الناس ( 1 ) . لا يقال : الفقيه منصوب للحكم والافتاء ، والصلاة أمر خارج عنهما . لأنا نقول : هذا في غاية السقط ، لأن الفقيه منصوب من قبلهم عليهم السلام حاكما في جميع الأمور الشرعية ، كما علمته في المقدمة . الثاني : إن الظهر ثابتة في الذمة بيقين ، فلا يبرأ الملكف إلا بفعلها . وأجاب أيضا بأن اليقين منتف بما ذكرناه ، يعني من الدلائل الدالة على مشروعية الجمعة ( 2 ) . وأجاب في شرح الارشاد بأنه يكفي في البراءة الظن الشرعي ، وإلا لزم التكليف بما لا يطاق ( 3 ) . وفي هذا الجواب اعتراف بوجوب الظهر ، والأولى في الجواب منع تيقن وجوب الظهر في محل النزاع ، وكيف وهو المتنازع ؟ ! فيكون الاحتجاج به مصادرة . الثالث : ذكره شيخنا في الذكرى فقال - بعد أن حكى القول بالمنع ودليل القائلين به - وهذا القول متوجه ، والألزم وجوب العيني ، وأصحاب القول الأول - يعني المجوزين - لا يقولون به ( 4 ) . وحاصله : أنه لو جاز فعل الجمعة حال الغيبة - كما قال المجوزون - لزم وجوبها عينا فلا يجوز فعل الظهر ، والثاني باطل باتفاقنا . وبيان الملازمة : إن الدلائل الدالة على الجواز دالة على الوجوب عينا ، فإن

( 1 ) المختلف : 109 . ( 2 ) المختلف : 109 . ( 3 ) غاية المراد : 26 . ( 4 ) الذكرى : 231 .

[ 154 ]

اعتبرت إدلالتها لزم القول بالوجوب ، ولأن الجمعة لم تشرع إلا واجبة عينا ، فمتى ساغ فعلها لزم وجوبها كذلك . هذا أقصى ما يقال في توجيهه ، وضعف هذا الاستدلال أظهر من أن يحتاج إلى البيان ، فإن الدلائل الدالة على الجواز دالة على الوجوب في الجملة لا على الوجوب عينا ، ونحن نقول بموجبه ، وكون الجمعة لم تشرع إلا واجبة عينا ليس أمرا زائد على محل النزاع فالمطالبة بالبيان بحالها . فإن قيل : المتبادر من الوجوب هو العيني لا التخييري . قلنا : إن أريد كونه لا يستعمل فيه حقيقة فمعلوم بطلانه ، وإذا أريد كون العيني أكثر في الاستعمال فمسلم ، لكن ذلك لا يمنع من الحمل عليه ، على أنا نحمله على الوجوب في الجملة أعم من كل منهما ، وهو الموضوع الحقيقي وحينئذ فيتم المراد ، لاسيما وقد أجمعنا على امتناع إرادة العيني ، للاجماع على نفيه حال الغيبة ، وصحيحة زرارة ( 1 ) وموثقة عبد الملك ( 2 ) تنبهان على ذلك . واعلم أن من الأصحاب من بنى القولين في المسألة على أن الإمام هل هو شرط الصحة أو شرط الوجوب ؟ فإن أصل الاشتراط لا خلاف فيه ، فإن كان شرط الصحة امتنع فعل الجمعة حال الغيبة كما يقول ابن إدريس ( 3 ) والجماعة ( 4 ) ، وإن شرط الوجوب لم يمتنع ، إذ اللازم انتفاؤه حينئذ هو الوجوب خاصة ، وأول من أشار إلى هذا البناء شيخنا الشهيد في الذكرى ، فإنه قال - بعد حكاية القول بالمنع عن ابن إدريس والجماعة - : وهو القول الثاني من القولين ، بناءا على أن إذن

( 1 ) التهذيب 3 : 239 حديث 635 ، الاستبصار 1 : 420 حديث 1614 . ( 2 ) التهذيب 3 : 239 حديث 638 ، الاستبصار 1 : 420 حديث 1616 . ( 3 ) السرائر : 63 . ( 4 ) السيد المرتضى في جواب المسائل الميافارقيات ( ضمن رسائل الشريف المرتضى ) المجموعة الأولى : 272 ، وسلار في المراسم : 77 ، والعلامة في المنتهى 1 : 336 .

[ 155 ]

الإمام شرط الصحة وهو مفقود ( 1 ) . وتبعه تلميذه المقداد في شرح النافع قال فيه : ومبنى الخلاف أن حضور الإمام هل يشترط في ماهية الجمعة ومشروعيتها أم في وجوبها ؟ فابن إدريس على الأول ، وباقي الأصحاب على الثاني وهو أولى ، لأن الفقيه المأمون كما تنفذ أحكامه حال الغيبة كذا يجوز الاقتداء به في الجمعة ( 2 ) ، هذا كلامه . وما أشار إليه شيخنا من البناء لا يخلو : إما أن يراد بالإذن فيه : الإذن مطلقا ، أو الإذن الخاص وهو الصادر من الإمام عليه السلام لشخص معين ، والأول منظور فيه ، فإن إذن الإمام في الجملة متى ثبت كونه شرطا للجمعة لزم عدم مشروعيتها بانتفائه ، سواء كان شرطا لصحتها أو لوجوبها ، أما إذا كان شرط الصحة فظاهر ، وأما إذا كان شرط الوجوب ، فلأن انتفاء الوجوب لانتفاء الشرط لا يلزم منه ثبوت الجواز لوجوه : الأول : ما سبق بيانه في المقدمة من أن الوجوب إذا رفع لا يبقى الجواز . الثاني : إن الجواز ( 3 ) بمعنى الإباحة لا يتصور في العبادة ، واثبات الاستحباب بغير مثبت باطل ، ومع ذلك لا قائل بواحد منها من أهل الاسلام . الثالث : إن وجوب الجمعة إذا اختص بحال الإذن اقتضى كون الدلائل الدالة على فعلها مختصة بحال الإذن ، لبطلان ما خالفها ، وحينئذ فحال عدم الإذن لا يدل عليه بوجوب ولا إباحة ، فلا يقال فيه ارتفع الوجوب فيبقى الجواز ، لأن متعلق الوجوب والجواز يعتبر اتحاده ليتأتى فيه ذلك ، وهو منتف هنا . وأيضا فإن بناء الجواز حال الغيبة على الإذن في الجملة شرط الوجوب لا يستقيم ، لأن ذلك يقتضي الوجوب حال الغيبة ، لتحقق الشرط بوجود الفقيه ، ولا قائل به .

( 1 ) الذكرى : 231 . ( 2 ) التنقيح الرائع لمختصر الشرائع 1 : 231 . ( 3 ) في " ش " : الوجوب .

[ 156 ]

فإن قيل : جاز أن يكون المراد بالوجوب المشروط بالامام هو العيني ، فإذا انتفى لانتفاء الشرط لم يلزم انتفاء الوجوب التخييري . قلنا : لا يلزم انتفاؤه إذا ثبت إلا أنه لا مثبت له حينئذ ، لأن الوجوب العيني إذا جعلت دلائل وجوب الجمعة من الآية والحديث مقصورة عليه لم يكن على ما سواه دليل . فإن قيل : يمكن أن يراد بالاية والحديث الوجوب العيني في حال ظهور الإمام ، والتخييري في حال غيبته . قلنا : يمتنع فهم ذلك من اللفظ وبقبح إرادته منه ، ومع ذلك فمجرد إمكان إرادته عقلا لا يقتضي إرادته . وأقصى ما يقال في تفسير الآية : إن الأمر إما أن يكون الوجوب العيني ، أو الوجوب في الجملة أعم منه ومن التخييري ، ولما دل الاجماع على نفي العيني زمان الغيبة امتنع حمل الآية عليه ، وتعين الحمل على الوجوب في الجملة . وأيضا فإن بناء القول بالمنع من الجمعة حال الغيبة على كون الإذن مطلقا - وإن لم يكن على وجه خاص - شرط الصحة لا يستقيم ، لأن هذا البناء يقتضي الجواز حال الغيبة ، وقد عرفت أن الفقيه المأمون الجامع للشرائط مأذون له بوجه كلي ، وكيف يبني الشئ على ما ينافيه ؟ هذا إذا أريد المعنى الأول . وإن أريد الثاني - أعني الإذن الخاص - صح البناء ، لأنه إذا ثبت كونه شرطا للصحة لزم نفيها حال الغيبة لا محالة ، وإن كان شرط الوجوب لا يلزم نفيها حالتئذ ، لأن الوجوب المشروط بالإذن الخاص إنما هو العيني اتفاقا ، وشرط الصحة في تلك الحالة وهو الإذن في الجملة متحقق ، والظاهر أن هذا هو المراد ، بل كاد يكون قطعيا ، لأن بناء الشئ على ما ينافيه في كلام شيخنا الشهيد مع كمال تحققه ودقة نظره من أبعد الأشياء .

[ 157 ]

وإنما أوردنا الكلام كما ترى ليتضح أن المراد ما ذكرناه ، وما ذكره المقداد رحمه الله من البناء غير مستقيم ، لأن حضور الإمام عليه السلام إذا أريد به ظهوره توسعا ، وتجوزا إذا أريد حضوره أو حضور نائبه الخاص اكتفاء لوضوحه ، وأريد بالوجوب المشروط على الشق الثاني الوجوب الحتمي لم يخرج عن كلام الشهيد . إلا أن قوله : وهو أولى ، لأن الفقيه إلى آخره خال من الربط ، إذا لا يلزم من نفوذ الأحكام الفقهية إلى آخره كون الأولى اشتراط الوجوب بحضور الإمام دون صحة الجمعة . ولو قيل في البناء : شرط الجمعة : أما إذن الإمام عليه السلام على وجه خاص ، أو مطلقا ، فعلى الأول يتخرج المنع ، وعلى الثاني الجواز ، وكما دل الدليل على اعتبار الإذن في الجملة حيث يتعذر الإذن الخاص ، كان الأصح من القولين الجواز فكان أجود . وإنما قلنا ذلك ، لأن اشتراط الجمعة بالامام أو نائبه إجماعي كما عرفت ، ومع ظهوره عليه السلام وتمكنه لا بد من الاستنابة صريح الاجماع . تنبيه : قد علم مما قدمناه أنه ليس المراد بجواز الجمعة حال الغيبة أو استحبابها إيقاعها كذلك ، لامتناعه من وجوه ، فإن الإباحة لا تنتظم مع العبادة ، وإرادتها مع ذلك إرادة الاستحباب باطل ، لعدم دليل يدل على واحد منهما ، والبدلية على كلا ( 1 ) التقديرين متعذرة ، والجمع بين الجمعة والظهر استقلال غير مشروع اتفاقا ، فلم يبق إلا إرادة الجواز بمعنى السائغ ، وهو جنس للوجوب كما عرفت ، أو الاستحباب العيني فإنه يجامع الوجوب التخييري كما سبق . إذا عرفت ذلك فقد قال شيخنا في الذكرى في تحقيق ما يراد بالاستحباب هنا :

( 1 ) في نسخة " ض " : أحد .

[ 158 ]

فالاستحباب إنما هو في الاجتماع ، أو بمعنى أنه أفضل الأمرين الواجبين على التخيير ( 1 ) . هذا كلامه ، والمعنى الثاني هو الصواب فإن استحباب الاجتماع مع وجوب الفعل ليس بجيد . الباب الثالث في أن الجمعة لا تشرع حال الغيبة إلا مع حضور الفقيه الجامع للشرائط ، وكونه إماما . قد علم مما مضى أن إجماع الامامية في كل عصر على اشتراط الجمعة بالامام أو نائبه واقع ، وأشرنا إلى أن كبراء الأصحاب قد نقلوا ذلك صريحا ، فممن نقله المحقق نجم الدين بن سعيد في المعتبر ، قال في بيان سياق شروط الجمعة - وقد عد منها السلطان العادل أو نائبه - : وهو قول علمائنا ( 2 ) . ومن الناقلين له العلامة في كتبه ، قال في التذكرة مسألة : يشترط في وجوب الجمعة السلطان أو نائبه عند علمائنا أجمع . ثم قال : مسألة : أجمع علماؤنا كافة على اشتراط عدالة السلطان ، وهو الإمام المعصوم أو من يأمره بذلك ( 3 ) . ومنهم شيخنا المدقق الشهيد ، قال في الذكرى : وشروطها - يعني الجمعة - : السلطان وهو الإمام المعصوم أو نائبه إجماعا منا ( 4 ) . والتصريح بذلك في باقي عبارات الأصحاب أمر ظاهر لا حاجة إلى التطويل بنقل جميعها ، وأنت تعلم أن ثبوت الاجماع يكفي فيه شهادة الواحد فما ظنك بهؤلاء الاثبات .

( 1 ) الذكرى : 231 . ( 2 ) المعتبر 2 : 279 . ( 3 ) التذكرة 1 : 144 . ( 4 ) الذكرى : 230 .

[ 159 ]

وحينئذ نقول : إذا ثبت كون الاجماع واقعا على اشتراط الإمام أو نائبه في وجوب الجمعة امتنع وجوبها بدون الشرط ، فإذا أمكن النائب الخاص تعين ، لأن النيابة على الوجه الخاص مقدمة على النيابة العامة ، وإنما يصار إلى الثانية مع تعذر الأولى ، ولا ريب أن مشروعية الجمعة حال الغيبة إنما هو بطريق الوجوب تخيرا ، كما عرفته غير مرة فيتناوله الاشتراط المذكور . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد كون المشروط بالامام أو نائبه هو وجوبها عينا حتما ، بل هو المتبادر إلى الافهام من معنى الوجوب ؟ قلنا : الوجوب مفهوم كلي يصدق على الحتمي والتخييري ، والمضيق والموسع ، والعيني والكفائي . وكل من عرف اصطلاح الفقهاء والأصوليين علم ذلك قطعا على وجه لا يرتاب فيه ، ويؤيده أنه يقبل القسمة إلى الأقسام كلها ، ومورد القسمة يجب اشتراكه بين الأقسام ، فإذا علق حكم بالوجوب وجبت أجزاؤه على الماهية الكلية ، أعني مفهوم الوجوب المضاف إلى الجمعة مطلقا ، ولا يجوز حمله بعض الأفراد دون بعض إلا بدليل يدل عليه ، وبدون ذلك يمتنع شرعا ، فمن عمد إلى ما نقله الأصحاب من الاجماع الذي حكيناه وحمله على فرد مخصوص من أفراد الوجوب - والحال ما قدمناه - كان كمن حمل قوله عليه السلام : " مفتاح الصلاة الطهور " ( 1 ) على الصلاة الواجبة أو اليومية مثلا ، لأنها أشيع وأكثر دورانا على لسان أهل الشرع ، وكفاه بذلك عارا وافتراء . ويزيد ذلك بيانا أن أجلة الأصحاب صرحوا في كتبهم بكون الفقيه الجامع

( 1 ) الفقيه 1 : 23 حديث 68 ، سنن أبي داود 1 : 16 حديث 61 باب : فرض الوضوء ، سنن الترمذي 1 : 8 حديث 3 باب : ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور ، سنن ابن ماجة 1 : 101 حديث 275 - 276 باب : مفتاح الصلاة الطهور ، سنن الدارمي 1 : 175 باب : مفتاح الصلاة الطهور ، مسند أحمد بن حنبل 1 : 129 .

[ 160 ]

للشرائط معتبرا حال الغيبة ، وهم الذين نقلوا إلينا الاجماع في هذه المسألة وغيرها ومعتمدنا في الأدلة النقلية إنما هو نقلهم ، ولا ريب أنهم أعرف بموقع الاجماع وأعلم بما نقلوه ، فلو كان الاجماع واقعا على خلاف المدعى لكانوا أحق بمتابعته وأبعد عن مخالفته . ويحقق ما قلناه ما ذكره علم المتقدمين وعلامة المتأخرين في المختلف لما ذكر احتجاج المخالف بوجهين : أحدهما : إن من شرط انعقاد الجمعة الإمام أو من نصبه ، وبانتفاء الشرط ينتفي المشروط قطعا إلى آخر احتجاجهم قال : والجواب عن الأول بمنع الاجماع على خلاف صورة النزاع ، وأيضا فإنا نقول بموجبه ، لأن الفقيه المأمون منصوب من قبل الإمام ، ولهذا تمضي أحكامه وتجب مساعدته على إقامة الحدود والقضاء بين الناس ( 1 ) . هذا كلامه ، وحاصله : إنه أجاب عن دليل الخصم - أن الاشتراط المذكور ثابت إجماعا ، وهو يقتضي عدم المشروعية في الغيبة - بجوابين : أحدهما : إنا نمنع ثبوت الاجماع على عدم مشروعية الجمعة حال الغيبة . وقد بينا الدليل الدال على المشروعية حينئذ فيجب العمل به ، لعدم المنافي ، والاشتراط المذكور إن ادعي على وجه ينافي فعلها حال الغيبة منعناه ، وإلا لم يضرنا . الثاني : القول بالموجب ، وهو بفتح الجيم معناه : تسليم الدليل مع بقاء ، النزاع ، وحاصله : الاعتراف بصحة الدليل على وجه لا يلزم منه تسليم المتنازع فيه . وتقريره : أن اشتراط الجمعة بالامام أو من نصبه حق ، ولا يلزم عدم صحتها حال الغيبة ، لأن الشرط حينئذ حاصل ، فإن الفقيه المأمون منصوب من قبل الإمام ولهذا تمضي أحكامه ، ويقيم الحدود ، ويقضي بين الناس ، وهذه الأحكام مشروطة بالامام أو من نصبه قطعا بغير خلاف ، فلو لا أن الفقيه المذكور منصوب من قبل

( 1 ) المختلف : 109 .

[ 161 ]

الإمام لجميع المناصب الشرعية لما صحت منه الأحكام المذكورة قطعا ، وقد علمت بجميع ذلك في المقدمة الثانية . والمراد بالفقيه : هو الجامع لشرائط الفتوى المعبر عنه بالمجتهد ، عبارة يتوهم سامعها لقلة لفظها سهولة معناها ، وإنما أوقعه في هذا الغلط شدة الانحطاط عن مرتبتها ( 1 ) ، وسنذكر تلك الشرائط عما قريب إن شاء الله تعالى . ولا ريب أن من تأمل هذا الكلام وفهم معناه علم من سوقه أن اشتراط الجمعة حال الغيبة أمر محقق مفروغ منه ، كاشتراطها بالامام أو منصوبه الخاص حال ظهوره على وجه لا يتخالج خواطر ذوي الالباب فيه الشك . وقريب مما ذكره في المختلف كلام شيخنا في شرح الارشاد ، فإنه قال في حكاية دليل المخالف على عدم الشرعية : لأن الشرط الإمام أو نائبه ، والمشروط عدم عند عدم الشرط . أما الصغرى فلرواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام : " تجب الجمعة على سبعة نفر ، ولا تجب على أقل منهم : الإمام ، وقاضيه " ( 2 ) ثم . ساق الحديث إلى آخره ، قال : وأما الكبرى فلما تقرر في الأصول . ويشكل بأنه نفي الوجوب ، ولا يلزم منه نفي الجواز المتنازع ، ثم نقول : الفقيه منصوب من قبل الإمام لوجوب الترافع إليه ( 3 ) . هذا كلامه . أما الاشكال الذي أبداه فغير متجه ، لأن نفي الوجوب وإن لم يستلزم نفي الجواز بنفسه إلا أنه يلزم بوجه آخر وهو انتفاء مثبته ، نعم جوابه الثاني - أعني القول بالموجب - صحيح في موضعه ، فإن الشرط حاصل ، لأن الشرط هو الإمام أو منصوبه اتفاقا .

( 1 ) في " ش " : مرتقاها . ( 2 ) الفقيه 1 : 267 حديث 1222 ، التهذيب 3 : 20 حديث 75 ، الاستبصار 1 : 418 حديث 1607 . ( 3 ) غاية المراد : 26 .

[ 162 ]

وبمعنى ما في المختلف أجاب المقداد في شرح النافع ( 1 ) ، وكذا ابن فهد في شرحه له ( 2 ) . فأما المقداد فقال في مبني الخلاف : أن حضور الإمام هل هو شرط في ماهية الجمعة ومشروعيتها ، أم في وجوبها ؟ فابن إدريس على الأول ( 3 ) ، وباقي الأصحاب على الثاني وهو أولى ، لأن الفقيه المأمون كما تنفذ أحكامه حال الغيبة كذا يجوز الاقتداء به في الجمعة ( 4 ) ، هذا كلامه . وقد عرفت ما فيه سابقا ، لكن الغرض منه هنا بيان تصريحه باشتراط الفقيه المأمون في الجمعة ، ومن سياق عبارته يعلم أن اشتراط الفقيه أمر محقق لا شك فيه . وأما ابن فهد فإن عبارته في شرح النافع هي عبارة المختلف بعينها من غير زيادة ولا نقصان ( 5 ) ، وقد حكينا عبارة المختلف فلا حاجة إلى التكرار بغير فائدة ، فهذه العبارة المذكورة مصرحة بالاشتراط . ومما هو في حكم الصريح عبارة التذكرة فإنه قال فيها : مسألة : وهل للفقهاء المؤمنين حال الغيبة والتمكن من الاجتماع والخطبتين صلاة الجمعة ؟ أطبق علمائنا على عدم الوجوب ، لانتقاء الشرط وهو ظهور الإذن من الإمام عليه السلام ، واختلفوا في استحباب إقامة الجمعة فالمشهور ذلك ( 6 ) . هذا كلامه . ومراده بعدم الوجوب هو الحتمي ، لأن الاستحباب لا يراد به إيقاع الجمعة

( 1 ) التنقيح الرائع لمختصر الشرائع 1 : 231 . ( 2 ) المهذب البارع في شرح مختصر النافع 1 : 414 . ( 3 ) السرائر : 63 . ( 4 ) التنقيح الرائع لمختصر الشرائع 1 : 231 . ( 5 ) المختلف 109 ، المهذب البارع في شرح مختصر النافع 1 : 414 . ( 6 ) التذكرة 1 : 145 .

[ 163 ]

مستحبة كما عرفته ، فلا بد من حمل الوجوب المنفي على ما ذكرناه . وقوله : لانتفاء الشرط وهو ظهور الإذن من الإمام عليه السلام مراده به : الإذن الخاص ، لأن الفقيه مأذون له على وجه العموم ، وهو قد فرض المسألة من أولها في أنه هل للفقهاء فعلها أم لا ، فلو لم يرد بالإذن ما قلناه لتدافع كلامه . ومراده بالفقهاء أن كل واحد منهم هل له أن يجمع بجماعة استقلالا أم لا ؟ كما هو ظاهر ، ومن نظر إلى تصويره المسألة بعين التحقيق علم أن اعتبار الفقيه في الجمعة ليس موضع كلام ، إنما الكلام في أنها هل تشرع معه أم لا . وقريب من هذه العبارة عبارة شيخنا في الدروس فإنه قال فيها : تجب صلاة الجمعة ركعتين بدلا عن الظهر بشرط الإمام أو نائبه ، وفي الغيبة يجمع الفقهاء مع الامن وتجزئ عن الظهر على الأصح ( 1 ) . إذا عرفت ذلك فاعلم أنه لو كان اشتراط الجمعة بالفقيه حال الغيبة موضع خلاف الأصحاب ، مع ما تلوناه من الدلائل ، وما حكيناه من عبارات كبراء الأصحاب المصرحة بالاشتراط ، لكان اللازم بحكم الدليل الانقياد إلى ما قالوه والمصير إلى ما نقلوه ، فكيف ولا نعلم أن أحدا من العلماء الامامية في عصر من الأعصار صرح بكون الجمعة في حال الغيبة واجبة حتما مطلقا أو تخييرا بدون حضور الفقيه ، فالاجتراء على المخالفة في واحد من الأمرين عنوان الجرأة على الله سبحانه ، وعدم التحرج من القول عليه ، وآية الجهل الصرف في سلوك مناهج الشريعة المصطفوية المطهرة أعاذنا الله من ذلك بمنه وكرمه . وقديما آنست من بعض الفضلاء أن عبارة الذكرى تدل على أن الفقيه المذكور ليس شرطا لمشروعية الجمعة الغيبة ، فرددت ذلك وأعلمته أنه خلاف الاجماع ، والعبارة لا تقتضي ما ذكره ، ونحن نذكر العبارة ونحقق ما فيها بعون الله تعالى .

( 1 ) الدروس : 41 .

[ 164 ]

قال في سياق شروط النائب : التاسع : إذن الإمام ، كما كان النبي صلى الله عليه وآله يأذن لائمة الجمعات ، وأمير المؤمنين عليه السلام بعده ، وعليه اطباق الامامية ، هذا مع حضور الإمام عليه السلام ، وأما مع غيبته كهذا الزمان ففي انعقادها قولان ، أصحهما - وبه [ قال ] معظم الأصحاب - الجواز إذا أمكن الاجتماع والخطبتان ، ويعلل بأمرين : أحدهما : إن الإذن حاصل من الأئمة الماضين فهو كالإذن من إمام الوقت ، وساق الكلام إلى أن قال : ولأن الفقهاء حال الغيبة يباشرون ما هو أعظم من ذلك بالإذن كالحكم والافتاء ، فهذا أولى . والثاني : أن الإذن إنما يعتبر مع إمكانه ، أما مع عدمه فيسقط اعتباره ويبقى عموم القرآن والأخبار خاليا عن المعارض . ثم أورد صحيحتي عمر بن يزيد ( 1 ) ومنصور ( 2 ) السالفتين واحتج بإطلاقهما واطلاق غيرهما من الأخبار ، ثم قال : والتعليلان حسنان والاعتماد على الثاني ( 3 ) . هذا آخر كلامه والمقتضي لحصول الوهم فيه ثلاثة أشياء : الأول : إنه جعل بناء التعليل الثاني على سقوط اعتبار إذن الإمام في الجمعة حيث لا يمكن ، وجعل الاعتماد على هذا التعليل ، وإذا سقط اعتباره لم يحتج إلى وجود الفقيه المأمون ، لأن الباعث على اعتبار وجوده هو كون الإذن من الإمام شرطا للصلاة . الثاني : أنه اعتبر في أحد التعليلين ضرورة الجمعة عن الفقهاء حال الغيبة ولم يعتبره في الثاني ، فلولا أن المراد عدم اعتبار الفقيه لمشروعيته لكان التعليلان شيئا

( 1 ) التهذيب 3 : 245 حديث 664 ، الاستبصار 1 : 418 حديث 1607 . ( 2 ) التهذيب 3 : 239 حديث 636 ، الاستبصار 1 : 419 حديث 1610 . ( 3 ) الذكرى : 231 .

[ 165 ]

واحدا لا شيئين . الثالث : إنه احتج بعموم القرآن - يعني اطلاقه واطلاق الأخبار - وذلك يقتضي عدم الاشتراط المذكور ، لمنافاة الإطلاق الاشتراط . ولا يخفى على ذوي الطباع السليمة ضعف هذه الخيالات ، وفساد هذه الأوهام : أما الأول ، فلأن المراد بالإذن الذي بنى التعليل الثاني على سقوط اعتباره مع عدم إمكانه : هو الإذن الخاص دون الإذن مطلقا ، ولا يلزم من سقوط اعتبار الإذن الخاص سقوط اعتبار الإذن مطلقا . ويدل على أن المراد الإذن الخاص ما سبق من كلامه قبل هذا ، وما ذكره بعده . فأما سبق فقوله : إن اشتراط الجمعة بالامام أو نائبه إجماعي ، وحينئذ فلا يعقل سقوط الإذن مطلقا ، لمنافاة الاجماع له ( 1 ) . وقوله : ويعلل بأمرين : أحدهما : إن الإذن حاصل من الأئمة الماضين فهو كالإذن من إمام الوقت ، فإن مقتضاه إن الإذن من الأئمة الماضين قائم مقام الإذن من إمام العصر حيث أنه معتبر وشرط ، فإذا قوبل التعليل الثاني بهذا التعليل ، وبني على عدم اعتبار الإذن تبادر إلى الفهم بغير شك الإذن الخاص . وأما ذكره بعده فقوله عندما حكى قول المانعين من الجمعة في حال الغيبة - وهو القول الثاني من القولين - بناءا على أن أذن الإمام شرط الصحة وهو مفقود ( 2 ) ، فإن المراد بالإذن ، هو الإذن الخاص كما حققناه فيما مضى ، وإذا جعل بناء قول المانعين على كون الإذن شرطا فالمناسب أن يبني قول المجوزين على أن ذلك الإذن غير شرط ، ولو سلم فيكفي لعدم تحقق المخالفة احتمال إرادته . فإن قيل : ما ذكرتم من أن سقوط اعتبار الإذن الخاص لا يستلزم سقوط اعتبار

( 1 ) الذكرى : 230 . ( 2 ) الذكرى : 231 .

[ 166 ]

الإذن مطلقا حق ، لكن كما لا يستلزم سقوطه مطلقا لا يستلزم ثبوته في الجملة ، فمن أين يستفاد اشتراط الفقيه في محل النزاع ؟ قلنا : قد علم أنه أسلف في أول كلامه أن اشتراط وجوب الجمعة بالامام أو نائبه إجماعي فيلزم منه اشتراط الفقيه في الغيبة ، لما ثبت من كونه نائبا . فإن قيل : فما الذي يكون حاصل التعليل الثاني حينئذ ؟ قلنا : حاصله أن إذن الإمام الذي ادعى المانع كونه شرطا للجمعة إنما نقول بشرطيته الإمكان لا مطلقا إذ لا دليل يدل على الإطلاق ، فإذا تعذر سقط وبقي وجوب الإذن في الجملة مستفادا من الاجماع . فإن قيل : فما الفرق بين التعليلين حينئذ ؟ قلنا : الفرق بينهما أن التعليل الأول فيه اعتراف باشتراط إذن الإمام مطلقا على كل حال ، وفي حال الغيبة يكتفى عنه بما يقوم يقوم مقامه ، وهو الإذن في الجملة . والتعليل الثاني حاصله نفي اشتراط إذن الإمام مع عدم الامكان ، واشتراط الفقيه إن لم يكن لازما عن هذا لكنه يثبت بمقتضى الاجماع السابق . وكيف قدر فلا يلزم أن يكون ما في الذكرى خلافا لما عليه الأصحاب لأمرين : أحدهما : أنه قد اضطرب رأيه في الفتوى ، حيث أنه عند حكاية قول المانعين قال : وهذا القول متجه . . . إلى آخره ( 1 ) ، وظاهره رجحان هذا القول الثاني . الثاني : أن عبارة الدروس ( 2 ) على خلاف ذلك وهي بعد الذكرى ، وسمعنا كثيرا من بعض أشياخنا رحمهم الله : أنه رحمه الله كان يقول : خذوا عني ما في الدروس ، فلا مجال لمتعنت أن يجعل ذلك قولا يخالف ما عليه الأصحاب . وبما ذكرناه من البيان اتضح بطلان الوهم الثاني أيضا .

( 1 ) الذكرى : 231 . ( 2 ) الدروس : 41 .

[ 167 ]

وأما الثالث ، فلأن عموم القرآن والأخبار إنما يريد به في مقابل ما يدعيه الخصم من اشتراط الجمعة بالإذن الخاص في زمان الغيبة ، فهو عموم إضافي ، لامتناع إرادة العموم مطلقا ، للاتفاق على اشتراط العدد والخطبتين والجماعة ، وذلك مقيد للاطلاق وإن لم يكن مذكورا فإنه مراد كما في قوله تعالى : " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا " ( 1 ) ، فإن التقدير ، إذا قمتم محدثين ، لثبوت أنه صلى الله عليه وآله صلى الخمس بطهارة واحدة وقال : " إنما أردت أن أعلمكم " ( 2 ) ، وحيث أجريت الآية على الإطلاق بالاضافة إلى المتنازع فيه ، لعدم ما يوجب التقييد لا يلزم أن لا يكون مقيده بما دل الدليل على التقييد به من اعتبار النائب في الغيبة . وينبه على أن مراده ما قلناه : أنه في شرح الارشاد بعد أن رد استدلال المانعين بالقول بموجب دليلهم من حيث أن الفقيه منصوب من قبل الإمام ، احتج في آخر البحث على الجواز بعموم الآية ( 3 ) ، فلولا أن مراده بالعموم ما قلناه لتنافي أول كلامه وآخره . خاتمة وارشاد هذا أو أن بيان أوصاف الفقيه النائب في زمان الغيبة ، الموعود بذكرها في المقدمة الثانية ، وقد سبق أنها ثلاثة عشر : الأول : الايمان ، لأن العدالة شرط كما سنبين ، وغير المؤمن لا يكون عدلا ،

( 1 ) المائدة : 6 . ( 2 ) صحيح مسلم 1 : 232 حديث 277 ، سنن أبي داود : 44 حديث 171 و 172 ، سنن الترمذي 1 : 89 حديث 61 ، سنن ابن ماجة 1 : 70 حديث 510 و 511 ، سنن النسائي 1 : 85 باب الوضوء لكل صلاة ، مسند أحمد بن حنبل 3 : 132 و 133 وغيرها و 5 : 350 و 358 . ( 3 ) غاية المراد : 26 .

[ 168 ]

وإليه الإشارة بقوله عليه السلام في حديث عمر بن حنظلة السابق : " منكم " ( 1 ) . الثاني : العدالة ، لوجوب التثبت عند خبر الفاسق ، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام : " أعدلهما " ( 2 ) . الثالث : العلم بالكتاب . الرابع : العلم بالسنة . لا على معنى أن يعلم الجميع ، بل لا بد منه في درك الأحكام ، ولا يشترط حفظ ذلك ، بل أهلية التصرف ، بحيث إذا راجع أصلا معتمدا أمكنه الوقوف على ما هو بصدده . الخامس : العلم بالاجماع ، لأنه أحد المدارك ، وللتحرز من الفتوى بخلافه . السادس : العلم بالقواعد الكلامية التي تستمد منها الأصول والأحكام . السابع : العلم بشرائط الحد والبرهان ، لامتناع الاستدلال من دونه . الثامن : العلم باللغة والنحو والصرف ، لا بالجميع بل المحتاج إليه على وجه يقتدر على التصرف إذا راجع . التاسع : العلم بالناسخ والمنسوخ وأحكامهما ، وكذا أحكام الأوامر والنواهي والعموم والخصوص ، والاطلاق والتقييد ، والاجمال والبيان ، والعلم بمقتضى اللفظ شرعا وعرفا ولغة ، ونحو ذلك مما يتوقف عليه فهم الخطاب ، ككون المراد مقتضى اللفظ إن تجرد عن القرينة ، وما دلت عليه على تقدير وجودها . العاشر : أن يعلم أحوال التعارض والترجيح . الحادي عشر : العلم بالجرح والتعديل وأحوال الرواة ، وتكفي فيه شهادة من يعتمد عليه من الأولين ، وقد اشتمل على ذلك الكتب المعتمدة في الحديث والرجال ، ونقح الفقهاء جملة من ذلك في الكتب الفقهية .

( 1 ) الكافي 1 : 67 حديث 10 باب اختلاف الحديث و 7 : 412 حديث 5 باب كراهية الارتفاع إلى قضاة الجور ، التهذيب 6 : 301 حديث 845 . ( 2 ) المصادر السابقة .

[ 169 ]

الثاني عشر : أن له نفسا قدسية وملكة نفسانية يقتدر معها على اقتناص الفروع من الأصول ، ورد الجزئيات إلى قواعدها ، وتقوية القوي ، وتضعيف الضعيف ، والترجيع في موضع التعارض ، فلا يكفي العلم بالامور السالفة بدون الملكة المذكورة ، وكذا لا يكفي الاطلاع على استدلال الفقهاء وفهم كلامهم من دون أن يكون موصوفا بما ذكرنا ، بحيث ينفق مما اتاه الله ولا يكون كلا على من سواه . ولا بد في ذلك من ممارسة أهل الصنعة ، واقتباس التدرب في ذلك منهم ، وظهور الاستقامة على صفحات أحواله بينهم على وجه لا يكاد يدفع ، فلا يجوز لمن يخاف عذاب الآخرة وتتلون وجنتاه بالحياء أن يقدم على القول على الله ورسوله وأئمته صلوات الله عليه وعليهم لمجرد اعتقاده في نفسه فهم المراد ، وظنه سلوك تهج السداد ، ومطالعة عبارات الأولين ، فإن خياطة ثوب واصلاح طعام مع كونه من الأمور الحسية لا يتم بدون التوفيق ، فما ظنك بالشريعة المطهرة التي قرع نبينا وإمامنا صلوات الله عليهما وآلهما لأجلها رؤوس جماجم قريش ، وأضرب عن كونهم واسطة قلادة الرحم ، والمتحرمين بحرمة ذلك الحرم . ومن خفي عليه ما قلناه فليستمع إلى قوله عليه السلام : " خذ العلم من أفواه الرجال " ( 1 ) ، وقوله عليه السلام : " لا يغرنكم الصحفيون " ( 2 ) أي : الذين يأخذون علمهم من الصحف والدفاتر .

( 1 ) ذكره العلامة في البحث الثالث من المقدمة من كتاب تحرير الأحكام 1 : 3 ، ورواه الأحسائي في عوالي اللآلي 4 : 87 حديث 68 ، وعنه في بحار الأنوار 2 : 105 حديث 64 باب : من يجوز أخذ العلم منه ومن لا يجوز ، وسفينة البحار 2 : 17 . ( 2 ) ذكره العلامة في البحث الثالث من المقدمة من كتاب تحرير الأحكام 1 : 3 ، ورواه الأحسائي في عوالي اللآلي 2 : 87 حديث 69 ، وعنه في بحار الأنوار 2 : 5 10 حديث 65 باب : من يجوز أخذ العلم منه ومن لا يجوز ، وسفينة البحار 2 : 17 .

[ 170 ]

وليتنبه المقتحم لجة الهلكة بالتوثب على هذه المنزلة أنه قائل على الله ، فأما مع كمال البصيرة واليقين ، وأما من الافتراء عليه سبحانه [ فهو ] في خسران مبين بدليل قوله تعالى : " قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون " ( 1 ) . وتعلل ذوي الأوهام الفاسدة بقول أكثر العلماء بجواز تجزؤ الاجتهاد كتعلل العليل بما لا يشفيه ، فإن المراد بتجزؤ الاجتهاد : القدرة على الاستنباط بالملكة المذكورة في بعض أبواب الفقه ومسائله دون بعض ، بعد العلم بالامور المذكورة كلها على الوجه المعتبر - إن أمكن وقوع هذا الفرض - إلى أن يسمع أو يرى من يفهم كلام العلماء دليل مسألة فيحسن من نفسه رجحانه والاذعان إلى قبوله ، فإن ذلك مشترك بين هؤلاء وبين كثير من صلحاء عجائز أهل الاسلام مع تحاشهن عن التلوث بالجرأة على الله إلى هذا المقام وإلى هذه الأمور المذكورة كلها وقعت الإشارة بقوله عليه السلام : " وروى حديثنا وعرف أحكامنا " ، فإن معرفة الأحكام بدون ذلك ممتنع ، ويستفاد منه أن وصف النيابة لا يثبت للمتجزئ فإن الاضافة في الجميع تفيد العموم ، والمراد معرفتها باعتبار التهيؤ والاستعداد القريب . الثالث عشر : أن يكون حافظا ، بحيث لا يغلب عليه النسيان فيختل تصرفه في الصناعة لتعذر درك الأحكام حينئذ ، وليس المراد عدم عرض النسيان كما هو ظاهر فإن السهو كالطبيعة الثابتة للانسان ، وما أحسن ما قيل : أول ناس أول الناس . وها هنا نجس عنان اليراعة حامدين الله سبحانه ، مصلين على حبيبه وصفوته محمد وأطايب عترته ، ومن وقف على ما أفدناه في هذه المسألة المهمة ، فليتنبه إلى ما أودعناه في مطاوي عبارتها من الفوائد العلمية والنصائح الدينية ، وليجعل محط نظره في مطالعتها وملاحظتها ، بل في جميع حالاته هو قصد وجه الله العظيم ،

( 1 ) يونس : 60 .

[ 171 ]

وليعلم أن أيام هذه المهلة عما قليل ينصرم ، فإما نعيم لا يفنى ، وإما إلى سوء الحميم . وفرغ من تسويدها مؤلفها العبد المعترف بذنوبه وعيوبه علي بن عبد العالي تجاوز الله عن إساءته ، وحشره في زمرة مواليه وساداته ، سادس شهر محرم الحرام افتتاح سنة إحدى وعشرين وتسعمائة حامدا مصليا عودا على بدء .

[ 173 ]

( 4 ) رسالة صيغ العقود والايقاعات

[ 175 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا كما هو أهله ، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله . أما بعد ، فهذه جملة كافلة ببيان ، صيغ العقود والايقاعات ، إذ كان لا بد من معرفتها لمن احتاج إلى شئ منها من المكلفين ، لتوقف حصول الأمور المطلوبة منها شرعا على الاتيان بها على الوجه المعتبر ، الذي ثبت كونه مثمرا لحصولها دون غيره من الوجوه . فإن نقل الملك من عين أو منفعة ، وإباحة الفرج ، وقطع سلطنة النكاح ، والتزام الذمة البريئة بشئ من الحقوق ، واسقاط ما في الذمة إنما يكون بالطريق المعين لذلك شرعا ، دون مجرد القصد والتراضي من المتعاملين والمتناكحين . ألا ترى أن المرأة لو رضيت بالوطء لم يحل ذلك وإن كانت خلية من موانع النكاح ، وصاحب المال لو قصد نقله إلى غيره لم يكف ذلك ولم ينتقل المال عن ملك المالك ، وكذا لو أتى كل منهما بغير اللفظ المعين لذلك شرعا " تلك حدود الله فلا تعتدوها " ( 1 ) . واعلم أن العقد صيغة شرعية لا بد لها من متخاطبين ولو بالقوة ، يترتب عليها

( 1 ) البقرة : 229 .

[ 176 ]

نقل ملك ، أو سقوط حق ، أو حل فرج ، أو تسلط على تصرف . والعقود : عقد البيع ، والقرض ، والرهن ، والصلح ، والضمان ، والحوالة ، والكفالة ، والوديعة ، والعارية ، والوكالة ، والسبق والرمي ، والجعالة ، والشركة ، والمضاربة والاجارة ، والمزارعة ، والمساقاة ، والهبة ، والصدقة ، والعمرى ، والتحبيس ، والوقف ، والوصية ، والنكاح ، والكتابة ، وفي حكم ذلك الخلع والمبارات . والعقد على ثلاثة أصناف : لازم من الطرفين باعتبار أصله : وهو الذي لا يتسلط على فسخه إلا بسبب أجنبي وذلك : البيع ، والصلح ، والضمان ، والحوالة ، والكفالة ، والاجارة ، والمزارعة والمساقاة ، والصدقة ، والعمرى ، والتحبيس ، والوقف ، والنكاح . لازم من أحدهما خاصة : وهو الذي لا يتسلط على فسخه من طرف اللزوم إلا بسبب أجنبي ، وذلك : الرهن ، فإنه لازم من طرف الراهن جائز من طرف المرتهن ، ويلامحه الخلع والمبارات ، فإن الزوجة لما كان لها الرجوع في البدل ، وكان للزوج الرجوع معه فهو في قوة الفسخ ، فهو لازم من طرفه جائز من طرفها . وغير لازم من أحدهما : وهو الجائز في أصله ، وحكمه تسلط كل منهما على الفسخ ، وقد يعرض له اللزوم بنذر وما جرى مجراه ، وهو باقي العقود . والايقاع : صيغة شرعية يكفي فيها الواحد ، يترتب عليها قطع وصلة ، أو نقل ملك ، أو استحقاق حق أو عقوبة ، أو سقوط ذلك . والايقاعات : الطلاق ، والرجعة ، والظهار ، والايلاء ، واللعان ، والعتق ، والتدبير ،

[ 177 ]

والايمان ، والنذور ، والعهود ، والحجر ، والشفعة ، والحكم . ومعلوم أن الحجر للسفه والفلس وغيرهما ضرب من الحكم ، وليس الاقرار من الايقاعات ، لأنه ، أخبار ، والمفهوم من الايقاعات كونها إنشاءات . أما البيع : فأقسامه باعتبار النقد والنسيئة في الثمن والمثمن أربعة ، وباعتبار وجوب مساواة الثمن للمثمن وعدمه قسمان ، فهذه عشرة أقسام ، بعد التأمل لها يعلم أن فيها تداخلا . وهذه هي النقد ، والنسيئة ، والسلف ، وبيع الكالئ ، وبيع المرابحة ، والمواضعة والتولية ، والمساومة ، وبيع الربوي ، وغيره ، ومن ذلك الصرف . وينقسم البيع باعتبارات أخر إلى أقسام منها : بيع الغرر ، ومنه بيع الملاقيح والمضامين ، وبيع الحصاة ، والمنابذة ، والملامسة ، وغير ذلك . والبيع المعلق على شرط أو صفة ، وبيع الشرط ، ومنه بيع خيار الشرط الذي منه : بيع المؤامرة ، والبيع المشتمل على اشتراط رد الثمن أو مثله في مدة معلومة واسترجاع المبيع . وبيع البراءة من عيب معين ، أو عيوب معينة ، أو سائر العيوب . وبيع الثمرة قبل ظهورها عاما أو أزيد مع الضميمة وبدونها ، وبيعها بعد الظهور قبل بدو الصلاح ، وبيع المزابنة ، والمحاقلة ، وبيع العربة ، وبيع الرطبة ، والتقبيل للشريك . واعلم أنه لا بد في كل عقد لازم ولو من أحد الطرفين من وقوعه باللفظ الصحيح الشرعي العربي ، فلا يقع بغيره ، إلا إذا لم يعلم المتعاقدان أو أحدهما ذلك ، ويشق تعلمه عادة . ولا بد من وقوع الايجاب والقول بلفظ الماضي ، وتقديم الايجاب على أصح القولين ، وفورية القبول بحيث لا يتخلل كلام أجنبي ، ولا سكوت طويل في العادة .

[ 178 ]

ولا يضر التنفس والسعال ، ونحو ذلك ، بخلاف العقود الجائزة . ويشترط إيقاعها بالالفاظ الصريحة في بابها ، فلا يقع البيع بلفظ الإجارة ، والنكاح ، وبالعكس ، فإن صراحة كل من هذه الالفاظ في غير بابها منتفية . ويشترط في الايقاعات أيضا وقوعها باللفظ الصحيح العربي مع الامكان ، ويشترط صراحته في بابه أيضا ، فلو أوقع البيع بغير ما قلناه وعلم التراضي منهما كان معاطاة ، لا يلزم إلا بذهاب أحد العينين ، وكذا القول في الإجارة ونحوها ، بخلاف النكاح والطلاق ونحوهما فلا تقع أصلا . فائدة : تكفي إشارة الأخرس الدالة على إرادة صيغ العقود والايقاعات ، ويترتب ، عليها أثرها ، وكذا العاجز عن النطق لمرض أو نحوه . فصل : النقد : هو بيع الحال بالحال ، سواء كان معه شرط أم لا ، وسواء كان الشرط خيارا أو سقوط خيار . وصيغته : بعتك ، أو اشتريتك ، أو ملكتك هذا المتاع المعين الموصوف الفلاني بعشرة دراهم ، أو بهذه العشرة الدراهم ، أو بهذا الثوب ، أو بثوب صفته كذا . فيقول : قبلت ، أو ابتعت ، أو شريت ، أو اشتريت ، أو تملكت ، ونحو ذلك . ولا بد في الموصوف ثمنا أو مثمنا من وصفه بصفات السلم ، ولو كان عينا غائبة كالدابة الفلانية ولم يكن رآها الآخر ، فلا بد من ذكر أوصافها الموجبة لرفع الجهالة عنها . ومتى كان أحد المتعاقدين وكيلا جاز التصريح في الايجاب والقبول بذلك فيقول : بعتك بالوكالة عن فلان ، ويقول الآخر في القبول لموكله : قبلت لموكلي فلان ولو لم يصرح أحدهما بالوكالة كفى القصد ، لكن لا يعلم ظاهرا وقوعه

[ 179 ]

عن الموكل أوله إلا بإخبار القاصد ، ولا يفيد ذلك تحمل الشاهد إلا على إقرار المقر . ولو أراد شرط شئ كتأجيل دين حال ، أو رهن بدين ، أو ضمين قال : بعتك هذا بكذا وشرطت عليك تأجيل دينك الفلاني إلى سنة ، أو شرطت رهن كذا بدين كذا ، أو تضمين فلان كذا ، أو شرطت سقوط خيار الغبن ، أو خيار الرؤية كذلك ، أو شرطت لنفسي الخيار مدة سنة ، أو لك ، أو لي ولك ، أو بعتك بشرط استئمان زيد إلى سنة مثلا ، أو بشرط أني متى رددت الثمن أو مثله إلى سنة استرجع المبيع ، ونحو ذلك . أو بشرط البراءة من عيب كذا وكذا ، أو بالبراءة من جميع العيوب على أصح القولين ، أو بعتك ثمرة البستان الفلاني ، الموجودة بكذا ، أو منضمة إلى ثمرة سنتين مثلا أو منضمة إلى الشئ الفلاني ، أو بعتك بهذه الأشجار وثمرتها ، فإنه يصح في هذه وأن لم يكن قد ظهرت ، كما لو باع حاملا وضم إليها الحمل . ولو خرص العرية بتغار مثلا قال : بعتك ثمرة هذه النخلة بتغار تمر موصوف بصفات كذا ، وذكر صفات السلم وإن كان الثمن مضموما ، وإلا أشار إلى معين . فصل : بيع النسيئة : هو بيع عين أو مضمون في الذمة حالا بثمن مؤجل ، وصيغته : بعتك هذا المبيع بعشرة دراهم وأجلتك في الثمن إلى شهر وكل ما سبق من الشروط والأصالة والوكالة آت هنا ، ولا ريب أنه يشترط في الأجل هنا وفي كل موضع يذكر كونه محروسا عن احتمال الزيادة والنقصان ، لكونه معين في حد ذاته . فلا يصح التأجيل بإدراك الغلات ، وقدوم المسافرين ، ونحو ذلك . فصل : بيع السلف : هو بيع موصوف في الذمة إلى أجل بثمن حال معين أو مضمون ، وهو مقابل النسيئة ويشرط ذكر الصفات التي لها دخل في تفاوت القيمة بسبب تفاوت

[ 180 ]

الرغبات ، وقد ذكر الفقهاء لكل نوع من الانواع التي يكثر دورانها ويجوز فيها السلم صفاتا مخصوصة على طريق التدريب للمكلف ، ليستعلم منها ما يجب ذكره في العقد من صفات ما لم يتعرضوا إليه . ويجب أيضا أن يذكر موضع التسليم إن كان المتعاقدان بصدد مفارقة موضوع العقد قبل الحلول كما لو كانا غريبين مجتازين ، وكذا أحدهما ، والأحوط ذكره مطلقا . ويعتبر في أجل السلم ما سبق من كونه محروسا عن الزيادة والنقصان ، وتسليم الثمن قبل التفرق . والايجاب للسلم : سلفتك ، أو أسلمت إليك من المشتري ، وبعتك ، وملكتك وما جرى مجراه من البائع ، فلو كان المسلم فيه حنطة قال : أسلمت إليك كذا في تغار حنطة يوسفية عراقية حمراء كبيرة الحب جديدة جيدة ضربية إلى شهرين ، مسلمة في موضع كذا ، فيقول البائع : قبلت . ولو ابتدأ البائع بإيجاب وقال : بعتك تغار حنطة يوسفية إلى آخرها ، بكذا مؤجلة إلى كذا مسلمة في موضع كذا ، قال المشتري : قبلت ، صح . والمرجع في ذكر الأوصاف إلى العرف ، فكل وصف تختلف الاغراض بسببه ، وتزيد القيمة وتنقص باعتباره زيادة يعتد بها يجب التعرض إليه ، وغيره لا يجب ذكره ، وجميع ما سبق ذكره من الشروط والخيارات هنا . والظاهر أنه لا يجئ في المسلم فيه اشتراط البراءة من العيوب ، لأنه لا بد من اشتراط ذكر الأوصاف التي لها دخل في تفاوت القيمة والسلامة من العيوب في المسلم فيه ، أو كونه معيبا مما تتفاوت به القيمة تفاوتا ظاهرا . فصل : بيع الكالئ بالكالئ : هو بيع الدين بالدين - يجوز بهمزة وترك الهمزة - ، وقد ثبت في السنة

[ 181 ]

المطهرة النهي عنه ، وكونه محرما . وصيغته أن يقول : بعتك ديني الفلاني بدينك الفلاني ، أو بعتك ديني الفلاني بعشرة دراهم مؤجلة إلى شهر . فيقول : قبلت . ومنه أن يسلفه دينا له عليه في شئ مما يجوز السلم فيه على أصح القولين ، كما لو أسلفه العشرة التي في ذمته في تغار حنطة موصوف بصفاته ، مؤجل إلى كذا ، مسلم في موضع كذا . ولو ادعت الحاجة إلى مثل ذلك أسلفه عشرة مضمومة غير مقيدة بكونها دينه ، بعد تمام العقد ، وثبوت العشرة في ذمة المشتري تقاصه بها ولو باع الدين بمضمون حال جاز ، إذ لا يعد دينا ، والظاهر أنه يصح ذلك وإن كان الدين مؤجلا لم يحل فصل : المرابحة ، هي البيع برأس المال مع زيادة ، فلا بد فيه من الإخبار برأس المال إن لم يكن ثم المشتري عالما به . وتحقيقه : إن جرى على ما وقع به الشراء للبائع فصيغته أن يقول بعد الإخبار بالثمن : بعتك كذا بما اشتريته به وربح عشرة ، أو بعتك كذا بما بذلت من الثمن فيه ، إلى آخر صبغ البيع السالفة ، وهي : شريتك ، وملكتك . وللمرابحة صيغتان أخريان : أحدهما : أن يقول : بعتك بما قام علي وربح كذا . الثانية : بعتك برأس المال وربح كذا . والفرق بين هذه الصيغ الثلاث : أن الأولى لا تتناول إلا الثمن خاصة ، فلو بذل مالا في عمل فيه ، أو عمل بنفسه فيه ما يبذل في مقابله مال ، أو لحقه مؤنة دلالة ونحوها لم يتناول شيئا من ذلك اللفظة وإن أخبر به قبل الصيغة وكذا الثالثة على أظهر القولين . وأما الثانية فإنه يندرج فيها جميع ما لحق من المؤن التي يقصد بالتزامها

[ 182 ]

الاسترباح ، مثل أجرة الدلال والكيال والحمال والحارس والقصار والخياط ، وقيمة الصيغ ، وأجرة ختان للمملوك وتطيين الدار ، ونحو ذلك ، إذا بذل أجرة ذلك كله . ولا بد أن يكون تطيين الدار لا لكونها قد تجدد فيها عندما يقتضي التطيين ، وكذا أجرة الرفاء لو بدلها لو كان القماش مقطوعا ولم يتجدد عنده ، ومن ذلك أجرة البيت الذي يحفظ فيه المتاع فإنه من المؤن اللازمة للاسترباح ، بخلاف المؤن التي بها بقاء الملك كنفقة العبد التي بها بقاؤه عادة ، ومن جملتها أجرة مسكنه الذي لا بد منه ، وكذا كسوته الضرورية ، ومثل علف الدابة وأجرة الاصطبل وجل الدابة ، ونحو ذلك . والفرق بين أجرة البيت الذي يحفظ فيه المتاع وأجرة مسكن العبد واصطبل الدابة لا يكاد يتحقق ، خصوصا إذا كان استيفاء العبد والدابة ليس إلا للتجارة . ولو زاد في العلف على المعتاد للتسمين فهو مما يدخل ، وكذا أجرة الطبيب إذا زال المرض ولم يكن حادثا في يده . ولو عمل شيئا من هذه الأعمال بنفسه ، أو تبرع له بها متبرع ، فأراد إدخالها في البيع قال : اشتريته بكذا وعملت فيه ما يساوي كذا ، ثم يبيعه بذلك وربح كذا . واعلم أن بين الصبغ الثلاث السالفة فرقا آخرا وهو : أن الأولى لا تصح إلا حيث يكون المتاع قد انتقل إليه بالصلح ، أو بالهبة المشروطة بالعوض ، ونحو ذلك ، فلا يصح البيع مرابحة بالصيغة الأولى ، بخلاف الثانية . وينبه على ذلك أن المبذول عوض العمل أجرة مع أنه يندرج في قوله : تقوم علي ، ولا يبعد في الثالثة الجواز لو انتقل بالصلح ، وفي القرض والهبة مشروطة بالعوض نظر . ولا يخفى أنه لا يصدق رأس المال والثمن وما تقوم به المتاع إلا فيما تقوبل به استقلالا فما أصاب المتاع بالتقسيط - إذا جرى البيع على عدة امتعة - لا يعد

[ 183 ]

واحدا منهما . والمعاطاة كالعقد في ذلك كله . فصل : التولية : هي البيع برأس المال من غير زيادة ولا نقصان ، فلا بد من الإخبار برأس المال ، إلا مع العلم به . والصيغة : بعتك بما اشتريت ، أو وليتك . وإذا اشترى شيئا ثم قال : وليتك هذا العقد جاز . قال في الدروس : وليتك السلعة احتمل الجواز ( 1 ) . والقبول : أن يقول : قبلت ، أو توليت . ويلزمه مثل الثمن الأول جنسا وقدرا ووصفا . ويشترط في التولية كون الثمن مثليا ، ليأخذ المولى مثل ما يدل ، فلو اشتراه بعوض لم تجر التولية ، واستثني من ذلك قبض ما انتقل العرض من البائع إلى إنسان ، فولاه المشتري العقد ، وحكاه في التذكرة عن بعض الشافعية . وحكى أيضا ما لو اشترى بعرض وقال : قام علي بكذا ، أو قد وليتك العقد بما قام علي ، أو إرادة المرأة عقد التولية على صداقها بلفظ القيام ، أو أراد الرجل التولية على ما أخذ عن عوض الخلع ، ثم قال : إن في ذلك وجهين للشافعية ، وعندنا تجوز التولية في مثل هذه الأشياء ( 2 ) . ويجوز البيع لبعض المبيع تولية بلفظ : بعت ووليت ، بشرط تعيين البعض ، ويلزم قسطه في الثمن . فصل : المواضعة : وهي المحاطاة ، مأخوذة من الوضع ، والمراد هنا : أن يبيع برأس المال

( 1 ) الدروس : 345 . ( 2 ) التذكرة 1 : 545 .

[ 184 ]

ووضعية معلومة . وهي كالمرابحة في الأحكام والصيغة ، إلا أنه يضيف : وضيعة كذا ، فيقول : بعتك هذا بما اشتريته ووضيعة كذا . ويكره في المرابحة والمواضعة نسبة الربح والوضيعة إلى المال ، بأن يقول : بعتك برأس المال وربح كل عشرة درهما ، أو وضيعة درهم من كل عشرة . فرع : لو قال : الثمن مائة ، بعتك برأس المال ووضيعة درهم من كل عشرة فالثمن تسعون ولو قال : ووضيعة درهم لكل عشرة ، فالحط دراهم وجزء من أحد عشر جزءا من درهم ، ( فيكون الثمن تسعين وعشرة أجزاء من أحد عشر جزء من درهم ) ( 1 ) ولو قال : بوضيعة العشرة درهما ، احتمل كلا من الأمرين ، لاحتمال أن تكون الاضافة بمعنى من أو بمعنى اللام ، على أن يكون المراد : بوضيعة من العشرة درهما ، أو للعشرة درهما . وتخيل أن الاحتمال الثاني لا يأتي ، لأن العبارة لا تحتمله حيث أن وضيعة العشرة درهما لا يكون إلا في العشرة الدراهم دون ما سواها من أجزاء الدرهم ، مدفوع بأن اللفظ لا بد فيه من تقدير هو : إما بوضيعة كل عشرة درهما ، أو بقياس وضيعة العشرة درهما ، أو ما جرى هذا المجرى ، وكل من التقديرين محتمل ، ولا أرجحية لأحدهما على الآخر . فصل : بيع المساومة : هو البيع من غير تعرض إلى ذكر رأس المال ، وصيغته معلومة مما سبق ، وهو أجود من باقي الأقسام ، لما فيه من السلامة من وقوع الكذب تعمدا أو غلطا . وأما بيع الربوا فلا ينفرد بصيغة ، إنما يجب فيه التحرز من الزيادة مع اتحاد الجنس ، وانتفاء ما تجوز معه الزيادة كالأبوة والزوجية . وكذا القول في الصرف فإنه لا يختص بصيغة عن باقي أقسام البيع ، نعم يشترط

( 1 ) ما بين القوسين لم يرد في نسخة " ش " .

[ 185 ]

التقابض قبل التفرق ، والسلامة من الربوا أن اتحد الجنس من الجانبين . وكذا بيع الثمار والحيوان . وبيع المزابنة : وهو بيع ثمرة النخل بعد خرصها بقدر خرصها تمرا ، وإن لم يشترط كون الثمن منها ، ويلحق بها في ذلك ثمرة باقي الأشجار المثمرة . وبيع المحافظة : بيع الزرع بحب من جنسه وإن خرص وبيع بقدر خرصه ، سواء شرط الثمن من الزرع ، أو باع بحب آخر على الأصح . فصل : تصح القبالة بين الشريكين في الثمرة والزروع ، بأن يخرص حصة أحدهما خاصة ثم يقبلها شريكه بخرصها فتقبل ، وهي عقد صحيح ، لورود النص عليها ، ولازم ، لأن الأصل في العقود اللزوم إلا ما أخرجه دليل ، وذلك قضية كلام الأصحاب . وصيغتها : قبلتك نصيبي في هذه الثمرة بكذا ، فيقول : قبلت أو تقبلت . وحكمها وجوب العوض مع سلامتها من الافة ، ولو تلفت فلا شئ ، ولو تلف البعض : فإن وفي الباقي بمال القبالة ، وإلا سقط عنه قدر ما نقص . ومتى زاد المخروص عن قدر مال القبالة فالزائد للمتقبل إباحة ولو نقص أكلمه . وهل هذه عقد برأسه ، أم ضرب من الصلح ؟ قال في الدروس بالثاني ، فيصح بلفظ الصلح ( 1 ) . وللنظر في ذلك مجال ، لأن الربوا يعم الصلح على الأصح ، ولأنه لا يبطل بتلف المعوض بعد القبض ، وليس بعيد أن يكون ذلك عقدا برأسه . فصل : بيع الغرر فاسد كبيع الملاقحة : وهو بيع ما في بطون الأمهات . وبيع المضامين : وهو بيع ما في أصلاب الفحول .

( 1 ) الدروس : 380 .

[ 186 ]

وبيع الحصاة : وهو أن يقول ، ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهي لك بكذا . وبيع الملامسة : وهو أن يبيع غير مشاهد على أنه متى لمسه وقع البيع . وبيع المنابذة : وهو أن يقول : إن نبذته إلي فقد اشتريته بكذا . والبيع المعلق على شرط وهو ممكن الحصول عادة ، مثل : بعتك إن دخل زيد الدار . وعلى صفته وهو معلوم الحصول عادة ، مثل : بعتك إن طلعت الشمس . تنبيهات : الأول : المقبوض بالبيع الفاسد لا يجوز التصرف فيه للقابض ، وهو مضمون عليه ، بمعنى أنه لو تلف أو نقص بحال من الأحوال كان عليه ضمانه . ولا يضمن القيمي بقيمته حين التلف ، وكذا زوائده . الثاني : الشرط الواقع في العقد اللازم يجب أن يكون لازما ، فلو امتنع المشترط من فعل الشرط كان للآخر رفع الأمر إلى الحاكم ليجبره عليه بعموم قوله تعالى : " أوفوا بالعقود " ( 1 ) ، والشرط من جملة المعقود عليه ، ولقوله عليه السلام : " المؤمنون عند شروطهم ، إلا من عصى الله " ( 2 ) ، والأكثر على العدم ، وفائدة الشرط عندهم تسلط الآخر على الفسخ . الثالث : لا يصح اشتراط شئ من الثمن على غير المشتري ، فلو قال : بع عبدك من فلان على أن علي خمسمائة مثلا ، فباعه على ذلك لم يصح ، لأنه خلاف مقتضى البيع ، بخلاف ما لو قال : أعتق عبدك وعلي كذا ، وطلق زوجتك وعلي كذا ، فإنه إذا أعتق وطلق لزمه العوض ، فإن ذلك لما كان فكا ولم يكن معاوضة كان المبذول ضربا من الجعالة .

( 1 ) المائدة : 1 . ( 2 ) عوالي اللآلي 1 : 218 حديث 84 .

[ 187 ]

ولو قال في الصورة الأولى ما قاله على طريق الضمان ، فباع البائع العبد لزيد بشرط أن يضمن عمرو المقدر المذكور من ثمنه صح البيع والشرط ، وكان بيعا بشرط . فصل : الاقالة فسخ وليست بيعا في حق المتبايعين وغيرهما ، فلا يثبت بها خيار المجلس ، ولا شفعة لو كان المبيع شخصا مشفوعا ، ويصح في المبيع والبعض مع بقاء السلعة وتلفها ، فيجب المثل أو القيمة ، ولا تصح بزيادة ، بالثمن ولا المثمن ولا نقص في أحدهما . وصيغتها أن يقول : تقايلنا في بيع كذا ، أو تفاسخنا ، أو أقلتك . فيقبل الآخر . ولو التمس أحدهما الاقالة ، فقال الآخر : أقلتك ، ففي الاكتفاء بالاستدعاء عن قبول الملتمس تردد ، ولا ريب أن القبول أولى . القرض : عقد جائز من الطرفين ، ثمرته تمليك العين مع رد العوض ، ففي المثلي المثل ، وفي القيمي القيمة ، ولا بد فيه من إيجاب وقبول . فأما الايجاب : فلا بد أن يكون بالقول ، فلا يكفي الدفع على وجه القرض من غير لفظ في حصول الملك ، نعم يكون ذلك في القرض كالمعاطاة في البيع فيثمر إباحة التصرف ، فإذا تلف العين وجب العوض . والذي ينساق إليه النظر أن المعاطاة في البيع تثمر ملكا متزلزلا ، ويستقر بذهاب أحد العينين أو بعضها . ومقتضى هذا أن النماء الحاصل من المبيع قبل التلف شئ من العينين يجب أن يكون للمشتري ، بخلاف الرفع للقرض هنا فإنه لا يثمر إلا محض الإذن في التصرف وإباحة الاتلاف ، فيجب أن يكون نماء العين للمقرض ، لبقائها على الملك ، إذ لا معاوضة هنا ولا تمليك ، بخلاف الأول .

[ 188 ]

وصيغة الايجاب : أقرضتك كذا ، أو ملتك كذا وعليك رد عوضه . ولا بد من هذا القيد في الثاني دون الأول ، لأن رد العوض جزء ومفهوم القرض ، بخلاف التمليك . ومثله : أسلفتك كذا ، أو خذه واصرفه ورد عوضه ، أو تصرف فيه ورد عوضه ، أو انتفع به ورد عوضه ، ونحو ذلك . ولا بد من قبول : إما قولا كقبلت ، أو اقترضت ، ونحوهما . أو فعلا كالاخذ . على وجه الرضى ولو بوكيله . ويصح في عقد القرض اشتراط ما لا ينافي مقتضاه ، كما لو شرط رهنا ، أو ضمينا به ، أو بمال آخر على الأصح في الثاني ، بخلاف ما لو شرط زيادة في العين أو الصفة . وزيادة الصفة مثل ما لو شرط الدراهم الصحيحة عوض المكسرة ولو عكس فشرط المكسرة عوض الصحيحة لغا الشرط وصح القرض . أما الأول ، فلأن الزيادة في القرض والنقيصة على حد سواء . وأما الثاني ، فلأن الرضى بالمكسرة يقتضي الرضى بالصحيح بطريق أولى . ويصح اشتراط قرض آخر في عقد القرض للمقرض أو للمقترض ، ولا يعد ذلك زيادة ، لانحصار الزيادة في زيادة العين والصفة . ويصح اشتراط إيفاء القرض في بلد آخر ، وإذا طالب المقرض في غير بلد الشرط ، أو في غير بلد القرض مع عدم الشرط وجب على المقترض الوفاء مع عدم الضرر ، بأن تكون قيمة المثلي في موضع المطالبة أزيد . وصيغة الشرط مع ما سبق من صيغة القرض ظاهرة . الرهن : عقد لازم من طرف الراهن خاصة ، فائدته التوثق للدين ليستوفى منه . والايجاب فيه : رهنتك هذا على الدين الفلاني وعلى كل جزء منه ، وشرطت لك أن ما يتجدد من نمائه يكون رهنا ، وأن يوضع على يد العدل الفلاني أو يكون

[ 189 ]

بيدك ، وأن يكون وكيلا في بيعه بعد شهر ونحو ذلك . والقبول : قبلت ، وأرهنت ، وما جرى مجراه . ويجزئ في الايجاب : هذا وثيقة عندك ، أو هذا رهن عندك ، وكل ما أدى هذا المعنى . ويشترط وقوعه باللفظ العربي الصحيح الصريح مع القدرة ، والتطابق بين الايجاب والقبول ، وعدم تأخر القبول بما يعتد به في العادة ، وكونهما بلفظ الماضي الذي هو صريح في الانشاء ولا يقدح في ذلك صحته بهذا وثقية عندك ، لأن اسم الإشارة مع ما بعده مفيد لهذا المعنى ، وقد أطبقوا على الاكتفاء به هنا . ولا يكفي شرط الرهن في عقد البيع عن القبول لو أوجب الراهن الرهن عقيبه بغير فصل ، ولو شرط فيه أن لا يباع إلا بإذن فلان مثلا ، أو أن لا يباع إلا بكذا ففيه تردد ، وفي البطلان قوة . ولو شرط عليه الرهن في بيع فاسد فظن لزومه فرهن فله الفسخ ، ومثله ما لو أبرئت ذمة الزوج فظن صحة الطلاق فتبين الفساد ، أو وهب من واهبه بظن صحة الهبة الأولى ونحو ذلك . وعقد الرهن قابل للشروط إذا لم تكن منافية لمقصود العقد ، ولم يثبت في الكتاب والسنة ما يقتضي معها ، فلو شرط أن لا يباع أصلا لم يصح ، لمنافاته مقصود الرهن ، وكذا لو شرط بيع العبد المسلم من كافر . ولو شرط دخول النماء المتجدد في الرهن ، صح ، ولا يدخل بدونه على الأصح ، كما لا يدخل الموجود . ولو رهنه إلى مدة معينة على أنه إن لم يقضه في الأجل كان مبيعا ، فكل من الرهن والبيع فاسد ، وليس مضمونا في المدة ، لأنه رهن فاسد فيها ، بخلاف ما بعدها فإنه حينئذ مبيع فاسد . ومن الأصول المقررة أن كل عقد يترتب على صحيحه ضمان العين المقبوضة

[ 190 ]

به على القابض ، على معنى أنها لو تلفت كان تلفها منه يضمن بفاسده ، وكل عقد لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده وينبغي إذا رهن على الدين أن يرهن على كل جزء منه ، حذرا من تطرق احتمال الانفكاك بأداء شئ منه ، ولا يشترط لصحة الرهن قبض المرتهن العين المرهونة على أصح القولين . الصلح : عقد لازم من الطرفين ، شرع لقطع تنازع المختلفين ، وهو على أنواع : صلح بين المسلمين وأهل الحرب على ترك الحرب إلى أمد تقتضيه المصلحة ، وصلح بين أهل العدل وأهل البغي ، وصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما يتولاه الحكمان من أهلهما ، وصلح بين المختلفين في المال وقد يجري بين المتعاملين لنقل عين أو منفعة ، من غير أن تسبق خصومة . والصيغة في الجميع متقاربة ، فالإيجاب : صالحتك على ما استحقه في ذمتك من جميع الحقوق الشرعية بكذا ، ولو قال الآخر : صالحتك على ما تستحقه في ذمتي من جميع الحقوق الشرعية بكذا صح . ولو أراد الصلح لقطع المنازعة ظاهرا خاصة قال : صالحتك على قطع المنازعة بيني وبينك من جهة كذا بكذا . ويجوز الصلح على الاقرار والانكار . والصلح أصل في نفسه ، وليس فرعا على شئ من العقود على الأصح ، إلا أنه يفيد فائدة عقود خمسة : الأول : البيع : وذلك فيما إذا كان بيد الانسان عين فادعاها آخر ، أو ادعى دينا في ذمته فأقر فصالحه على العين أو الدين بما يتفقان عليه ، فإن الصلح هنا بمنزلة البيع في نقل الملك . ومثله ما إذا صالحه على عين أو دين ابتداء ، من غير سبق خصومة بما يتفقان عليه عندنا .

[ 191 ]

الثاني : الإجارة : وذلك في ما إذا كان المصالح عليه منفعة ، كما لو كان لأحدهما عند الآخر دين أو عين أو منفعة فصالحه على منفعة ، فإن الصلح هنا يفيد فائدة الإجارة . الثالث : الابراء والحطيطة : وذلك في ما إذا كان له في ذمته دين فيقر به ثم يصالحه على إسقاط بعضه واعطاء بعض ، وهو هنا يفيد فائدة الابراء . الرابع : الهبة : وذلك في ما إذا ادعى عليه عبدين أو دارين مثلا ، فأقر له بهما وصالحه منهما على أحدهما ، فإنه هنا يفيد فائدة الهبة . الخامس : العارية : وذلك في ما إذا ادعى عليه دارا مثلا ، فأقر له بها فصالحه على سكناها سنة ، فإن الصلح هنا يفيد فائدة العارية ، وأصح القولين اللزوم ، فليس لصاحب الدار الرجوع خلافا للشيخ . ويجب في الصلح التخلص من الربوا ، كما يجب التخلص منه في البيع على الأصح فلو أتلف ثوبا قيمته دينار ، ثم صالح مالكه على دينارين لم يصح إن كان النقد الغالب هو جنس ما صالح به ، بخلاف ما إذا تعدد الجنس واستويا بأن كان دراهم ودنانير . ويصح الصلح على مثل حق الشفعة لاسقاطه ، وعلى حق التحجر ، وأولية سكن المدرسة ، ونحوها ، وعلى إسقاط اليمين ، والخيار ، وعلى إجراء الماء المعين على سطوح الغير مدة معلومة ويجوز الاشتراط في عقد الصلح كما يجوز في البيع . الضمان : عقد ثمرته نقل المال من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن .

[ 192 ]

وصيغته : ضمنت لك ما تستحقه في ذمة زيد ، أو تحملت لك ، أو تكفلت ، أو التزمت ، أو أنا ضامن ، أو ضمين ، أو زعيم ، وما أدى هذا المعنى . والقبول : قبلت ، أو ضمنت ، أو كفلت ، ونحو ذلك . ولو قال : أؤدي ، أو أحضر لم يكن ضامنا . ولا تكفي الكتابة ، ولا الإشارة مع القدرة على النطق ، ولا التلفظ بالصيغة بغير العربية مع القدرة عليها ، إلى آخر ما سبق بيانه مما يعتبر في العقود اللازمة . ويجوز الضمان حالا ومؤجلا ، فإن شرط أجلا وجب كونه مضبوطا لا كنحو إدراك الغلات وقدوم الحاج ولو شرط ما لا ينافي مقتضى العقل ولم يمنع منه شرعا صح ولزم ، كاشتراط الخيار مع تعيين المدة ، وكاشتراط الأداء من مال بعينه ، فيبطل لو تلف بغير تفريط في وجه . وصيغة الضمان المؤجل والمشروط فيه الخيار ما سبق ، مع إضافة التأجيل واشتراط الخيار ، كقوله : ضمنت لك إلى كذا وشرطت لنفسي الخيار شهرا مثلا ، أو لك وشرطت الأداء من المال الفلاني ، ونحو ذلك . وضمان عهدته قد يكون للبائع عن المشتري ، بأن يضمن الثمن الواجب بالبيع قبل تسليمه ، وضمان عهدته إن ظهر عيب بالنسبة إلى الأرش ، أو استحق ، أو نقص الصنجة فيه . وقد يكون للمشتري عن البائع ، بأن يضمن الثمن بعد قبضه متى خرج المبيع مستحقا ، وكذا أرش بيع المبيع ونقص الصنجة فيه . الحوالة : عقد ثمرته تحويل المال من ذمة إلى أخرى . وصبغة العقد : كل لفظ يدل على النقل والتحويل ، مثل أحلتك على فلان بكذا ، فيقول : قبلت واحتلت ، ومثله : قبلتك وذكر في التذكرة : اتبعتك إلى آخر

[ 193 ]

الصيغة ( 1 ) . ويشترط فيها كل ما يشترط في العقود اللازمة من الايجاب والقبول ، وكونهما بالعربية ، وغير ذلك مما يشترط في باقي العقود . الكفالة : عقد ثمرته التعهد بنفس من عليه حق وإن كان ذلك الحق الحضور إلى مجلس الحكم . وصيغته قريبة من صيغة الضمان ، فإنه تعهد بالمال ، والكفالة بالنفس فيقول : ضمنت لك إحضاره ، إما مطلقا ، أو إلى شهر ، أو في الوقت الفلاني . أو تكفلت أو التزمت بإحضاره ، أو أنا كفيل حالا ، أو مؤجلا لكن مع ضبط الأجل . وأطبق الأصحاب على أنه إذا قال : أنا كفيل به على أني إن لم أحضره كان علي كذا لزمه الاحضار خاصة ، ولو قال : أنا كفيل به على أن علي كذا إلى كذا إن لم أحضره لزمه المال خاصة ولا يخفى أنه لا بد من القبول ، والشروط الواقعة في هذا العقد تلزم إذا كانت جائزة كغيره من العقود اللازمة . الوديعة : من العقود الجائزة من الطرفين ، ثمرته : الاستنابة في الحفظ . ويكفي في الايجاب كل لفظ دل على الاستنابة في ذلك ، ولا يتعين له لفظ ولا عبارة مخصوصة ويكفي في القبول ما دل على الرضى من قول وفعل . ولا يشترط فوريته ، ومتى شرط الحفظ على وجه مخصوص فقبل لم يكن له الحفظ إلا على ذلك الوجه . العارية : عقد جائز من الطرفين ، ثمرته تسويغ الانتفاع بالعين مع بقائها ، إما مطلقا ، أو مدة معينة . ولا يتعين له لفظ ، بل كل لفظ ما دل على هذا المعنى كاف في ذلك .

( 1 ) التذكرة 2 : 105 .

[ 194 ]

ويكفي القبول الفعلي به ، وكل ما يشترط فيها من الشروط الجائزة نافذ ، ومنها اشتراط الزمان على المستعير . الجعالة : عقد جائز من الطرفين ، ثمرته استحقاق المال المجعول أو المقدر شرعا أو عرفا في مقابل عمل مقصود محلل ، ولا بد من صيغة ، ويكفي في إيجابها ما دل على العمل المخصوص بعوض ، مثل : من رد عبدي ، أو دخل داري ، أو بنى جداري ، أو من رد عبدي من بلد كذا وفي يوم كذا فله كذا ، أو فله عوض . والقبول يكفي فيه الفعل ، ولكل منهما الفسخ قبل الشروع في العمل ، وكذا بعده ، إلا بالنسبة إلى ما مضى من العمل فإن فسخ الجاعل لا يسقط استحقاقه من الجعل . الإجارة : عقد ثمرته نقل المنفعة خاصة بعوض معلوم متمول ، والايجاب : آجرتك ، أو أكريتك الدار الفلانية شهرا بكذا ، أو ملكتك سكنى هذا الدار شهرا بكذا . ولا ينعقد بلفظ العارية ولا البيع ، بل يكون إجارة فاسدة . ولا بد من القبول ، وهو اللفظ الدال على الرضى ، كقبلت واستأجرت ونحوه . ولما كان هذا من العقود اللازمة من الطرفين اعتبر فيه ما اشتركت فيه العقود اللازمة ، مثل فورية القبول ، وكونهما بالعربية . ويصلح اشتراط مالا ينافي مقتضى العقد من الشروط السائغة المعلومة حتى الخيار ، ويلزم الشرط . المزارعة : معاملة على الأرض بحصة من نماء زرعها . والايجاب : زارعتك وعاملتك على هذه الأرض ، أو سلمتها إليك للزرع ، وما أشبه ذلك ، مدة نصف سنة ، على أن لكل منا نصف حاصلها مثلا .

[ 195 ]

والقبول : قبلت ، ونحوه . وهو عقد لازم من الطرفين ، يبطل بالتقايل ، ويعتبر فيه ما يعتبر في العقود اللازمة . ويصح اشتراط السائغ الذي لا ينافي مقتضي العقد ، ولا يقتضي جهالة ، ولو شرط مع الحصة شيئا من ذهب أو فضة جاز على كراهة . المساقاة : معاملة على أصول أشجار نابتة بحصة من ثمرها ، وما جرى مجرى الثمر . وهي عقد لازم من الطرفين ، تبطل بالتقايل . والايجاب : ساقيتك أو عاملتك ، أو سلمت إليك هذا البستان لتعمل فيه مدة كذا ، على أن لك نصف ثمرته مثلا ، وما جرى هذا المجرى ، ولا بد من القبول لفظا ، ويصح الاشتراط فيه كما سبق . الشركة : عقد جائز من الطرفين ، ثمرته جواز الإذن في التصرف لمن امتزج مالهما بحيث لا يتميز . والصيغة : قولهما : اشتركنا ، وما جرى مجراه . فيجوز لكل منهما التصرف بما فيه الغبطة ، ولو اختص أحدهما بالإذن جاز له التصرف خاصة ، ومع طلاق الإذن يتصرف مع الغبطة كيف شاء متى شاء ، ولو قيد بوقت ، أو موضع ، أو وجه لم يجز تجاوزه ، ويجوز اشتراط السائغ ، ولو شرطا التفاوت في الربح مع تساوي المالين أو التساوي فيه مع تفاوتهما فالأصح البطلان ، إلا أن تختص ذو الزيادة بالعمل أو بالزيادة فيه . القراض : عقد جائز من الطرفين ، ثمرته جواز التجارة بالنقد بحصة من ربحه . والايجاب : قارضتك ، أو ضاربتك ، أو عاملتك على هذا المال ، أو المال

[ 196 ]

الفلاني على أن الربح بيننا نصفين مثلا . والقبول : ما دل على الرضى منهما . ولو شرط فيه من الشروط الجائزة من البيع على وجه مخصوص ، أو في جهة معينة ، أو على شخص معين ، أو إلى أمد معين لم يجز للعامل تجاوزه . الوكالة : عقد جائز من الطرفين ، ثمرته الاستنابة في التصرف . والايجاب : كل لفظ دل على الاستنابة ، مثل : استنبتك ، أو وكلتك ، أو فوضت إليك ، أو بع ، أو اشتر كذا بكذا مثلا ، أو أعتق عبدي ، أو زوجني من فلانة ، أو طلقها ، ونحو ذلك . ولو قال الوكيل : وكلتني أن أفعل كذا ؟ فقال : نعم ، أو أشار بما يدل على ذلك كفى في الايجاب ، والظاهر أن سائر العقود الجائزة كذلك . ويكفي في القبول كل ما يدل على الرضى من قول أو فعل ، ولا تشترط فوريته وينفسخ بفسخ كل منهما ، فإذا فسخ الموكل اشترط على الوكيل ، وكذا يشترط علم الموكل لو رد الوكيل ، وبدونه يبقى جواز التصرف بالإذن بحاله وإن لم يكن وكيلا . ويجب اتباع ما يشترط الموكل من الشروط الجائزة دون غيرها ، ويلزم الجعل لو شرطه ، فإنه وكيل بالعمل الذي بذل الجعل في مقابله . السبق والرمى : عقد لازم من الطرفين على أصح القولين ، ويشترط فيه ما اشتركت فيه ، العقود اللازمة . والايجاب : آملتك على المسابقة على هذين الفرسين ، ويعين ما يركبه كل منهما في مسافة كذا - فيعين ابتداؤها وانتهاؤها - على أن من سبق منا كان له هذه

[ 197 ]

العشرة المبذولة من بيت المال أو من أجنبي ، أو العشرة التي بذلها إذا كان كل منهما قد أخرج عشرة . ولو كان بينهما محلل قال : على أن من سبق منا ومن المحلل كان له ذلك . والقبول : ما دل على الرضى لفظا . ولو كان رميا قال : عاملتك على المرامات من موضع كذا إلى الفرض الفلاني عشرين رمية عن قوس كذا ، ويعين جنسه بحيث يتناوبان فيه ، وكذا السهم ، على أن من بادر مثلا إلى إصابة خمس من عشرين كان له كذا ، فيقول : قبلت . الوقف : عقد يفيد تحبيس الأصل واطلاق المنفعة ، ولفظه الصريح : وقفت . وفي حبست وسبلت قول ، والأولى اعتبار ما يدل على الوقف إليهما مثل : لا يباع ولا يوهب ولا يورث . وأما حرمت وتصدقت وأبدت فلا بد من اقترانها بما يدل صريحا على الواقف . ويشترط القبول إذا تشخص الموقوف عليه ، أما إذا وقف على جهة علة ففي اعتبار القبول ممن له أمرها قول ، واعتباره أو في . ولا بد من القبض ممن يعتبر قبوله في صحة الوقف بإذن الواقف ، ولا يشترط فوريته ، إنما يشترط فورية القبول كما يشترط في العقد ما تشترك فيه العقود اللازمة . ويكفي في المسجد أن يقول : جعلت هذه البقيعة مسجدا إذا صلى فيه شخص صلاة صحيحة على قصد القبض بإذن الواقف . وتكفي صلاة الواقف بهذا القصد أو قبضه الحاكم بالتخلية المعتبرة في قبض أمثاله . ويصح اشتراط ما لا ينافي مقتضى العقد إذا كان سابقا ، وإذا تم الوقف بشرائطه لم تبطل بالتقايل والتفاسخ بحال من الأحوال .

[ 198 ]

السكنى والرقبى والعمرى : عقد لازم ثمرته تسليط الساكن على استيفاء المنفعة المدة المشروطة ، فإن كانت مقرونة بالعمر فهي عمرى ، أو بالاسكان فهي سكنى ، أو بمدة معينة فهي رقبى . عبارات شتى والمقصود واحد . ولا بد من الايجاب : أسكنتك ، أو أعمرتك ، أو رقبتك هذا الدار مثلا مدة عمرك ، أو عمري ، أو شهرا . وقبول : وهو ما دل على الرضى من الالفاظ التي سبقت غير مرة ، وتعتبر فوريته ، وكونهما بالعربية ، إلى غير ذلك من الشروط . وصيغة الصدقة : تصدقت عليك ، أو على موكلك بكذا ، فيقول : قبلت . وهما لازمات من الطرفين ، فيشترط فيهما ما سبق . الهبة : عقد يفيد انتقال الملك ، ويقع على بعض الوجوه لازما أو آئلا إلى اللزوم . والايجاب : وهبتك وملكتك وأهديت إليك هذا ، وكذا أعطيتك ، وهذا لك . والقبول : قبلت ، ونحوه . الوصية : عقد ثمرته تمليك العين أو المنفعة بعد الموت ، فالإيجاب : أوصيت بكذا ، أو افعلوا كذا ، أو اعطوا فلانا بعد وفاتي ، أو لفلان كذا بعد وفاتي ، أو جعلت له كذا . وعينت له كذا فهو كناية إنما ينفذ مع البينة . والقبول إنما يكون بعد الموت ولا يشترط القبول لفظا بل يكفي الفعل الدال عليه . النكاح : عقد لازم من الطرفين ، وهو دائم ومتعة . الدائم : زوجتك ، أو أنكحتك ، أو متعتك نفسي بألف درهم مثلا .

[ 199 ]

ولو كان العاقد وكيلا قال : زوجتك موكلتي إلى آخر ما ذكر . ولو كان العقد مع وكيل الزوج قالت : زوجت نفسي من موكلك ، ولا تقول : زوجتك نفسي ، بخلاف غير النكاح من العقود فإنه يصح أن يقال للوكيل : بعتك . والفرق : أن الأمر في النكاح مبني على الاحتياط التام ، وحل الفروج لا يقبل النقل . ولو كان العاقد الوكيلين قال وكيلها : زوجت موكلتي من موكلك . والقبول : قبلت التزويج ، ويصح قبلت وحده ، وكذا كل لفظ يدل على الرضى بالايجاب . ولو كان العقد مع وكيل الزوج قال : قبلت لموكلي ، ومتى كان وكيل أحد الزوجين أو وليه فلا بد من تعينه بما يرفع الجهالة : إما بالاشارة ، أو بالاسم المميز ، أو بالوصف الرافع للاشتراك . وصيغة المتعة : زوجتك : أو أنكحتك ، أو متعتك نفسي ، أو موكلتي فلانة بقيت هذا اليوم ، أو هذا الشهر مثلا بعشرة دراهم فيقول : قبلت إلى آخر ما سبق . ولو قيل للولي : زوجت بنتك من فلان بكذا ؟ فقال الولي : نعم على قصد الانشاء إيجابا ، فقال الزوج : قبلت ، فالأصح عدم الانعقاد ولو قدم القبول على الايجاب فالاكثر على جوازه . ولا بد من إيقاعه بالعربية ، إلا مع التعذر ، وكونه بلفظ الماضي كسائر العقود اللازمة ، ولو لم يذكر المهر في العقد صح في غير المتعة ، ولا ينعقد النكاح بغير الالفاظ الثلاثة . وصيغة التحليل : أحللت لك وطئ فلانة ، أو هذه ، أو جعلتك في حل من وطئها ولو أراد تحليل مقدمات الوطء خاصة كالنظر واللمس والتقبيل قال : أحللت

[ 200 ]

لك النظر إلى بدن فلانة ، أو لمسها ، أو تقبيلها والأصح الاقتصار على لفظ التحليل ، فلا يتعدى إلى الإباحة . ولو كانت لشريكين وكلا في التحليل واحدا ، أو قال كل واحد منهما : أحللت لك وطأها ، ولا يكفي أن يقول : أحللت لك وطء حصتي . ولا بد من قبول ، ولفظه مثل ما سبق ، ويعتبر مع إحلال الشريكين قبولان لتحليل كل قبول ، ولا يشترط تعيين مدة ، بل يكفي الإطلاق ويستصحب حكمه إلا أن يمنع وإذا أحل الوطء حلت المقدمات دون العكس . ويجوز أن يجعل عتق أمة صداقها فيعتقها ، ويزوجها ويجعل العتق مهرا لها ، ولا فرق بين تقديم العتق والتزويج . وصيغته : أعتقتك وتزوجتك وجعلت عتقك مهرك ، وفي اشتراط قبولها تردد ، واشتراطه أحوط . وفي قول قوي أنه يكفي في الايجاب : تزوجتك وجعلت مهرك عتقك ، من دون أن يقول : وأعتقتك . وصيغة الفسخ في النكاح بالعيب وبالعتق ونحوهما : فسخت النكاح الذي بيني وبين فلان أو فلانة ، وما أدى هذا المعنى . وفي نكاح العبد لامة مولاه : فسخت عقد كما ، أو آمر كل واحد منهما باعتزال الآخر . وعقد النكاح بأقسامه قابل للشروط السائغة التي لا تنافي مقتضى العقد ، وإنما يجب الوفاء منها بما وقع في متن العقد . ومتى أراد اشتراط شئ من الاجناس غير النقود وصف ما يشترط بصفات السلم ، وهي ما بها ترفع الجهالة ، ولو اعتبر قدر قيمته من النقد فاشترط في العقد فهو حسن . الطلاق : لا بد فيه من اللفظ الصريح فهو : أنت ، أو هذه ، أو فلانة ، أو زوجتي طالق . ولا يقع بغير هذا اللفظ مثل : أنت طلاق ، أو الطلاق ، أو من المطلقات ، أو طلقت

[ 201 ]

فلانة . ولو قيل للزوج : طلقت فلانة ؟ فقال : نعم ، لم يقع وإن قصد الانشاء . وكذا لا يقع بالكنايات وإن قارنتها النية مثل : أنت خلية ، أو برية ، أو حرام ، أو اعتدي . ولا يقع بالاشارة إلا مع العجز عن النطق كالأخرس ، ولا بالكناية مع القدرة على النطق ، نعم لو كتب العاجز مع ( النية وقع . ولو قال : أنت طالق لرضى فلان ، فإن قصد الغرض صح ، لاقتضائه التعليل ، وإن قصد التعليق بطل . ولو قال : أنت طالق إن كان الطلاق يقع بك ، فإن جهل حالها لم يقع وإن كانت طاهرا ، لأن الشك في الشرط يقتضي بالشك في المشروط فكان تعليقا ، بخلاف ما إذا علم طهرها فإنه يقع . ولو عقب الصيغة بالمبطل ، كأن قال للطاهر المدخول بها : أنت طالق للبدعة لم يقع . وتصح الرجعة في الرجعي باللفظ مثل : راجعتك ، ورجعتك ، وارتجعتك . ولو قال : رددتك إلى النكاح ، أو أمسكتك كان رجعة مع النية . ولا بد من تجريد الصيغة عن الشرط . وبالفعل كالوطئ ، والتقبيل ، واللمس بشهوة إذا وقع عن قصد ، لا من نحو النايم والساهي . ورجعت الأخرس بالاشارة ، وكذا العاجز عن النطق . الخلع : ولا بد فيه من سؤال الخلع ، أو الطلاق بعوض يصح تملكه من الزوجة أو وكيلها أو وليها لا الأجنبي ، مثل : طلقني على ألف مثلا ، واخلعني على كذا ، وعلى مالي في ذمتك إذا كان معلوما متمولا ، وكذا يشترط في كل فدية . ولا بد من كون الجواب على الفور ، وصورته : خلعتك على كذا ، أو أنت مختلعة على ذلك ، أو أنت طالق على ذلك . ويشترط سماع شاهدين عدلين لفظة الطلاق ، وتجريده من شرط لا يقتضيه

[ 202 ]

الخلع بخلاف ما يقتضيه ، مثل : إن رجعت في البدل رجعت في الطلاق . ولو كان السؤال من وكيلها أو وليها قال : بذلت لك كذا على أن تطلق فلانة به ، أو طلق فلانة على كذا ، فيقول الزوج : هي طالق على ما بذلت عنها ، أو على ذلك . ولو طلبت طلاقا بعوض فخلعها مجردا عن لفظ الطلاق لم يقع ، وبالعكس يقع ، ويلزم البذل إن قلنا : أن الخلع طلاقا ، وهو الأصح . المباراة : مثل الخلع في الصيغة والشرط ، ويزيد كون الكراهية من كل من الزوجين لصاحبه ، وفي الخلع تعتبر كراهيتها إياه ، وكون الفدية بقدر المهر أو أقل لا أزيد ، بخلاف الخلع ، إلا أنه لا يقع لمجرده ، بل لا بد من اتباعه بلفظ الطلاق . وصورة السؤال : بارئني على كذا ، فيقول : بارئتك على ذلك فأنت طالق . الظهار : صيغته : أنت علي كظهر أمي ، أو زوجتي ، أو هذه ، أو فلانة . ولا ينحصر في هذه العبارات ، بل كل لفظ وإشارة تدل عليها . ولو قال : أنت مني ، أو عندي ، أو معي كظهر أمي وقع . وكذا لو اقتصر على قوله : أنت كظهر أمي . ولو قال : أنت علي كأمي لم يقع وإن قصد الظهار في قوله ، وكذا قوله : أنت أمي ، أو زوجتي أمي . ولو قال : جملتك ، أو ذاتك ، أو بدنك ، أو جسمك علي كظهر أمي وقع ، بخلاف ما لو قال : أمي امرأتي ، أو مثل امرأتي . وكذا لو قال : يدك علي كظهر أمي ، أو فرجك ، أو بطنك ، أو رأسك ، أو جلدك وكذا لو عكس فقال : أنت علي كيد - أمي أو شعرها ، أو بطنها ، أو فرجها . وكذا لو قال : أنت كزوج أمي أو نفسها ، فإن الزوج ليست محل الاستمتاع . ولو قال : أنت علي حرام لم يقع وإن نوى به الظهار . وفي أنت علي حرام

[ 203 ]

كظهر أمي تردد ، بخلاف ما لو قال : أنت علي كظهر أمي حرام ، أو أنت حرام أنت علي كظهر أمي أو أنت كظهر أمي طالق . ولو قال : أنت طالق كظهر أمي قيل : وقع الطلاق خاصة وإن قصدهما وكان الطلاق رجعيا . ولو قال : على الظهار أو الظهار يلزمني لم يقع . الايلاء : هو الحلف على ترك وطء الزوجة بلفظة الوطء ، أو تغيب الحشفة في الفرج وكذا الايلاج والنيك . أما الجماع ، والمباضعة ، والملامسة ، والمباشرة ، فيقع بها مع النية لا بدونها ، ولا ينعقد إلا بأسماء الله تعالى الخاصة . وصيغته : والله لا وطأتك أبدا ، أو خمسة أشهر ، أو حتى أذهب إلى الصين وأعود وهو بالعراق . والضابط في المدة أن تزيد على أربعة أشهر علما أو ظنا ، بخلاف ما لو حلف على الامتناع أربعة فما دون ، أو قال : حتى أعود من الموصل وهو ببغداد مثلا ، فإنه لا يعد إيلاءا . وضابط هذا ما يحصل في الأربعة علما أو ظنا ، أو احتمل الحصول وعدمه على السواء . ولو كرر اليمين كذلك ، كما لو حلف على الامتناع أربعة أشهر ، وقبل خروجها حلف كذلك لم يكن موليا . ولو حلف بغير الله تعالى وأسمائه كالعتاق والظهار ، والصدقة ، والكعبة ، والنبي ، والأئمة عليهم السلام ، أو التزام صوم أو صلاة أو غير ذلك لم ينعقد . وكذا لو قال : إن وطأتك فلله علي صلاة أو صوم . ويشترط تجريده عن الشروط ، ولو قال لأربع : لا وطأتكن لم يكن موليا في الحال ، وله وطء ثلاث ، فإذا فعل كان حكم الايلاء ثابتا في الأربعة . ولو قال : لا وطأت واحدة منكن ، فإن أراد تعلق اليمين بكل واحدة فالايلاء من الجميع ، فإن وطأ واحدة حنث وانحلت ، وإن أراد واحدة معينة قبل قوله ، ولو أراد مبهمة

[ 204 ]

ففي وقوع الايلاء وتعلقه بواحدة منهن يتعين بتعينه ( نظر ) . وإن أطلق اللفظ ولم يرد واحدا من الأمور الثلاثة لم يبعد كونه موليا من الجميع . اللعان : وصيغته - بعد القذف بالزنا قبلا أو دبرا للزوجة المحصنة ، الدائمة ، البالغة ، الرشيدة ، السليمة من الصمم والخرس ، وإن لم يكن مدخولا بها ، إلا أن يكون بسبب اللعان ففي الولد فيشترط كونه لاحقا به ظاهرا وذلك يستلزم الدخول - أن يقول الزوج أربعة مرات بتلقين الحاكم : أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميت فلانة ، أو هذه زوجتي بحيث يتميز ، ثم يعظه الحاكم ويخوفه ، فإن رجع أو نكل عن إكمال اليمين صده وسقط اللعان . وإن أصر أمره أن يقول : إن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين ، فإذا قال ذلك ترتب على المرأة الحد . ولها أن تسقطه بأن تقول أربع مرات : أشهد بالله أنه لمن الكاذبين فيما رماني به ، فإذا قالت ذلك وعظها الحاكم وخوفها وقال لها : إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، فإن رجعت أو نكلت عن إكمال اليمين رجمها ، وأن أصرت أمرها أن تقول : إن غضب الله علي إن كان من الصادقين . ويشترط أن يكون ذلك عند الحاكم أو منصوبه ، ولا بد من النطق بالعربية مع الامكان ، واعتماد هذا الترتيب ، ورعاية لفظ الشهادة على الوجه المذكور ، وكذا لفظ الجلالة ، ولفظ اللعن والغضب ، ولفظ الصدق والكذب مع لام الابتداء والموالات بين الكلمات ، وسبق لعان الرجل ، وقيامه عند لعان كل منهما . العتق : وصيغته من جائز التصرف : أنت ، أو هذا ، أو عبدي فلان حر ، أو عتيق ، أو معتق . ولا بد من وقوع اللفظ على قصد الانشاء ، فلو قال لمن اسمها حرة : أنت حرة على قصد الإخبار لم تعتق ، بخلاف ما لو قصد الانشاء للعتق ، ولو جهل

[ 205 ]

قصده وأمكن استعلامه رجع إليه وقيل قوله ، وإن تعذر لم يحكم بالعتق بمجرد الاحتمال . ولو قال : يا حرة ، أو يا معتق لم يقع وإن قصد الانشاء . ولا بد من كونه على وجه القربة وإن صرح بها في الصيغة كأن أكمل . ولا يقع بغير التحرير والاعتاق ، سواء كان صريحا نحو : فك الرقبة ، وازالة قيد الملك ، أو كناية نحو : أنت سائبة ، أو لا سبيل عليك . وكذا لا يقع بالاشارة والكتابة إلا مع العجز عن النطق ، ولا بغير العربية مع القدرة عليها . ويجب فيها مراعاة مادة اللفظ وصورته . ويشترط تنجيزه ، فلا يقع معلقا على شرط أو صفة ، مثل : إن دخلت الدار ، أو إذا طلعت الشمس . ولو قرنه بشرط لم يضر مثل : أنت حر على أن عليك خدمة سنة مثلا ، أو مائة درهم . ويشترط قبول العبد في الثاني ، فيبطل العتق إن لم يقبل ، بخلاف الأول . ولا بد من إيقاع العتق على الجملة ، أو على جزء شايع مثل نصفك أو ثلثك بخلاف ما لو قال : يدك ورجلك . ولو قال : بدنك أو جسدك فالوقوع قوي . التدبير : صيغة تقتضي عتق المملوك بعد وفاة مولاه ومن جرى مجراه ، كمن جعلت له الخدمة . وصيغة : أنت حر بعد وفاتي ، أو إذا مت فأنت حر أو معتق ، أو عتيق . ولو قال : أنت مدبر ، ففي وقوعه نظر ، ولو عقبه بقوله فإذا مت فأنت حر صح إجماعا . ولا يفرق في أدوات الشرط بين أن يقول : إن مت ، أو إذا مت ، أو أي وقت مت . وكذا ألفاظ التدبير مثل : أنت حر أو فلان وتميزه ، أو هذا . والتدبير ينقسم إلى مطلق كما سبق ، ومقيد مثل : إذا مت في سفري هذا ، أو سنتي هذه ، أو في مرضى ، أو شهري ، أو بلدي فأنت حر ولا يقع معلقا بشرط

[ 206 ]

أو صفة مثل : إن قدم زيد ، أو إذا أهل شوال فأنت حر بعد وفاتي . وقد يسأل عن الفرق بين هذا وبين المقيد . ولو قال الشريكان : إذا متنا فأنت حر ، انصرف قول كل منهما إلى نصيبه وصح التدبير ، ولم يكن ذلك تعليقا على شرط . ولو ثبت في أحدهما بنصيبه خاصة اختص بالانعتاق ، بخلاف ما لو قصد عتقه بعد موتهما فإنه يبطل التدبير . الكتابة : وهي معاملة مستقلة غير البيع ، وهي عقد لازم من الطرفين ، سواء كانت مطلقة أو مشروطة على الأصح ، فإنه يجب على العبد السعي فيها أيضا ، ويجير عليه لو امتنع . وتبطل بالتقايل ، والابراء من مال الكتابة فينعتق وبالاعتراف بالعجز في المشروطة . فالإيجاب أن يقول : كاتبتك على ألف مثلا وأجلتك فيها إلى شهر على أن تؤدي جميعها عند آخر الشهر ، أو في نجمين مثلا ، أو ثلاثة . ولا بد من تعيين النجوم كرأس عشرة أيام أو خمسة عشر . والقبول : قبلت ، وكل ما جرى مجراه من الالفاظ الدالة على الرضى ، هذا إذا كانت مطلقة ، ولو كانت مشروطة أضاف إلى ذلك قوله : فأن عجزت فأنت رد في الرق . ومهما اشترط المولى على المكاتب في العقد لزم إذا لم يخالف المشروع . وهل يجب في كل من الصيغتين إلى قوله : فإن أديت فأنت حر ؟ فيه احتمال ، فإن لم توجبه فلا بد من نيته . اليمين : وإنما ينعقد باللفظ الدال على الذات المقدسة مع النية مثل : والله ، وبالله ، وتالله ، وهالله ، وأيمن الله ، وأيم الله ، وم الله ، ومن الله ، والذي نفسي بيده ، ومقلب القلوب والأبصار ، والأول الذي ليس كمثله شئ ، والذي فتق الحبة وبرأ النسمة .

[ 207 ]

أو بأسمائه المختصة به مثل ، الرحمن ، والقديم ، والأزلي . أو بأسمائه التي ينصرف إطلاقها إليه ، وإن أطلقت على غيره مجازا مثل : الرب ، والخالق ، والرازق ، بشرط القصد في الجميع لا بدونه ، ولا ينعقد بما لا ينصرف اطلاقه إليه كالموجود ، والحي ، والسميع ، والبصير ، وإن نوى بها الحلف ، ولا بقدرة الله وعلمه إذا قصد المعاني ، بخلاف ما إذا قصد كونه ذا قدرة وذا علم . ولو قال : وجلال الله وعظمته وكبرياء الله ، ولعمر الله وأقسم بالله وأحلف بالله ، وأقسمت بالله ، وحلفت بالله أن قصد به الله الحق أو المستحق للإلاهية في قول ، لا إن قصد به ما يجب لله على عباده . وكذا لا تنعقد لو حلف بالطلاق والعتاق ، أو المخلوقات المشرفة كالنبي والأئمة عليه وعليهم السلام على قول ، ونحو ذلك . والاستثناء بمشيئة الله تعالى يوقف اليمين مع الاتصال عادة . فلا يضر التنفس والسعال ونحوهما والنطق به فلا أثر لنية بدون نطق . النذر : التزام المكلف المسلم القاصد طاعة مقدورة ناويا القربة بقوله : إن عافاني الله مثلا فلله علي صدقة ، أو صوم ، أو غيرهما مما يعد طاعة . ومثله : إن وفقني الله للحج ، أو أعطاني مالا مثلا ، أو أعانني على منع النفس بالمعصية فلله علي صدقة ، وهذا نذر البر والطاعة . ولو قال : إن عصيت الله فلله علي صلاة على قصد منع النفس انعقد وهو : نذر اللجاج والغضب ، ومنه ما لو قال : إن لم أحج مثلا فلله علي صلاة قصد الحث على الفعل . ويصح النذر بغير شرط على أصح القولين ، وهو التبرع ولا بد من التلفظ بالصيغة ، فلو نواها لم ينعقد على الأصح ، نعم يستحب الوفاء .

[ 208 ]

ويشترط في المنذور أن يكون طاعة مقدورا ، بخلاف اليمين فإنها تنعقد على المباح إذا تساوى فعله وتركه في الدين والدنيا . العهد : كالنذر في ذلك ، وصيغته : عاهدت الله ، أو على عهد الله أنه متى كان كذا فعلي كذا . ولو جرده عن الشرط ، مثل : على عهد الله أن أفعل كذا . ويشترط فيه ما يشترط في النذر ، والخلاف في انعقاده بالنية كالنذر . الأخذ بالشفعة : وقد يكون فعلا بأن يأخذه الشفيع ويدفع الثمن ، أو يرضى المشتري بالصبر فيملكه حينئذ . وقد يكون لفظا كقولك : أخذته ، أو تملكته ، أو أخذت بالشفعة ، وما أشبه ذلك . ويشترط علم الشفيع بالثمن والمثمن معا ، ويجب تسليم الثمن أولا ، فلا يجب على المشتري الرفع قبله . عقد تضمن الجريرة : أن يقول أحد المتعاقدين : عاقدتك على أن تنصرني وأنصرك ، وتدفع عني وادفع عنك ، وتعقل عني واعقل عنك ، وترثني وارثك . فيقول : قبلته ، وهو من العقود اللازمة ، فيلزم فيه ما يلزم فيها . صورة حكم الحاكم الذي لا ينقض : أن يقول الحاكم بعد استيفاء المقدمات : حكمت بكذا ، أو أنفذت ، أو أمضيت ، أو ألزمت ، أو ادفع إليه ماله ، أو أخرج من حقه ، أو يأمره بالبيع ، ونحو ذلك . ولو قال : ثبت عندي حقك ، أو أنت قد أقمت بالحجة ، أو دعواك ثابته شرعا لم يعد ذلك حكما . والفرق بينه وبين الفتوى : أن متعلقه لا يكون إلا شخصا ، ومتعلق الفتوى كليات . والحكم بالحجر والسفه والفلس قسم من الحكم ، وأخذ المال في الدين

[ 209 ]

ونحوه مقاصة في موضع الجواز لا يشترط فيه اللفظ ، بل يكفي الفعل المقترن بما يدل على إرادة ذلك ، وإن أتى بصيغة على ذلك كان أولى ، وكذا التمليك للعبد الجاني عمدا أو خطا . وأما الاقرار : فليس من العقود والايقاعات في شئ ، لأنه ليس بإنشاء ، وإنما هو إخبار جازم عن حق لازم للمخبر . وضابطه : كل لفظ دال على اشتغال ذمة المقر بحق كقوله له : علي ، أو عندي ، أو في ذمتي ، أو قبلي كذا . بالعربية وغيرها ، بشرط علمه بمدلول ما تلفظ به . ولو قال : نعم ، أو أجل عقب قول المدعي : لي عليك كذا ، فهو إقرار . ومثله قوله عقيبه : صدقت ، أو برئت ، أو أنا مقر لك به ، أو بدعواك . وكذا لو قال : قبضتك إياه ، أو بعتنيه ، أو وهبتنيه ، أو بعته ، ففي كونه إقرارا قولان ، أصحهما المساوات ، بخلاف ما لو قال ، اتزنه ، أو زنه ، أو خذه ، أو عده ، أو علق الاقرار بشرط ، مثل : له علي كذا إن دخل الدار وإذا طلعت الشمس ، وإن كان التعليق بمشيئة الله تعالى على الأصح ، إلا أن يصرح بأنه قصد التبرك . وكذا لو قال : إذا جاء رأس الشهر ، إلا أن يعتبر إرادة التأجيل . ومثله ما لو قال : إن شهد فلان فهو صادق ، وإن شهد فإنه لا يكون مقرا في شئ من ذلك . ولو قال له في داري ، أو في ميراثي من أبي كذا ، فإن قال : بحق واجب ، أو بسبب صحيح ونحوه لزم ، وإن أطلق ففي كونه إقرارا قولان أصحهما نعم . ولو أبهم الاقرار في شيئين طولب بالبيان ، ولو أقر بلفظ فيهم فهو أنواع ، ولو استثنى من المقر به فله أقسام ، وأحكام جميع ذلك مذكورة في معادنه من كتب الأصحاب رحمهم الله فليطلب هناك . وليكن هذا آخر الرسالة ، والحمد لله رب العالمين ، والصلاة على رسوله محمد وآله الطاهرين المعصومين .

[ 211 ]

( 5 ) الرسالة الرضاعية

[ 213 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله كما هو أهله ، والصلاة على محمد وآله . اعلم وفقك الله أنه قد اشتهر على ألسنة الطلبة في هذا العصر تحريم المرأة على بعلها بإرضاع بعض ما سنذكره ، ولا نعرف لهم في ذلك أصلا يرجعون إليه من كتاب الله ، أو سنة ، أو إجماع ، أو قول لأحد من المعتبرين ، أو عبارة يعتد بها تشعر بذلك ، أو دليل مستنبط في الجملة يعول على مثله بين الفقهاء . فإن الذين شاهدناهم من الطلبة وجدناهم يزعمون أنه من فتاوى شيخنا الشهيد قدس الله روحه ، ونحن لأجل مباينة هذه الفتوى لأصول المذهب استبعدنا كونها مقالة لمثل شيخنا على غزارة علمه وثقوب فهمه ، لاسيما ولا نجد لهؤلاء المدعين لذلك اسنادا يتصل بشيخنا في هذه الفتوى يعتد به ، ولا مرجعا يركن إليه ولسنا نافين لهذه النسبة عنه رحمه الله استعانة على القول بفساد هذه الفتوى ، فإن الأدلة على ما هو الحق اليقين واختيارنا المبين بحمد الله كثيرة جدا ، لا يستوحش معها من قلة الرفيق . نعم اختلف أصحابنا في ثلاث مسائل ، قد يتوهم منها القاصر عن درجة

[ 214 ]

الاستنباط أن يكون دليلا لشئ من هذه المسائل ، أو شاهدا عليها ، وسنبين المسائل التي نحن بصددها مما لم يتعرض له الأصحاب ، والثلاث التي ذكرنا للأصحاب فيها اختلافا ، معطين البحث حقه في المقامين ، سالكين محجة الانصاف في المقصدين ، غير تاركين لأحد في ذلك تعللا ما دام على جادة العدل متحليا بحلية التحقيق . وهذا أوان الشروع في المقصود بعون الله تعالى ، فنقول : المسائل المتصورة في هذا الباب كثيرة لا تكاد تنحصر ، والذي سنح لها ذكره الان خارجا عن المسائل الثلاث المشار إليها : أ : أن ترضع المرأة بلبن فحلها الذي هي في نكاحه حين الارضاع أخاها أو أختها لأبويها أو لأحدهما . ب : أن ترضع ولد أخيها . ج : أن ترضع ولد أختها . د : أن ترضع ولد ولدها ابنا أو بنتا ، ومثله ما لو أرضعت إحدى زوجتيه ولد ولد الأخرى . ه‍ : أن ترضع عمها أو عمتها . و : أن ترضع خالها أو خالتها . ز : أن ترضع ولد عمتها . ح : أن ترضع ولد خالها أو ولد خالتها . ط : أن ترضع أخا الزوج أو أخته . ي : أن ترضع ولد ولد الزوج . يا : أن ترضع ولد أخ الزوج أو ولد أخته . يب : أن ترضع عم الزوج أو عمته .

[ 215 ]

يج : أن ترضع خال الزوج أو خالته . فهذه ثلاث عشرة صوره يتبين بها حكم ما لم نذكره ، أما المسائل الثلاث التي اختلف فيها الأصحاب : فالأولى : جدات المرتضع بالنسبة إلى صاحب اللبن هل تحل له أم لا ؟ قولان للأصحاب . وقريب منه أم المرضعة وجداتها بالنسبة إلى أب المرتضع . الثانية : أخوات المرتضع نسبا أو رضاعا بشرط اتحاد الفحل هل يحللن له أم لا ؟ قولان أيضا . الثالثة : أولاد صاحب اللبن ولادة ورضاعا ، وكذا أولاد المرضعة ولادة وكذا رضاعا مع اتحاد الفحل بالنسبة إلى إخوة المرضع هل يحللن لهم أم لا ؟ قولان أيضا . إذا عرفت ذلك فالذي يدل على عدم التحريم في المسائل الأول وجوه : الأول : التمسك بالبراءة الأصلية ، فإن التحريم حكم شرعي ، فيتوقف على مستند شرعي . فإن قيل : كما أن التحريم حكم شرعي فكذا الإباحة أيضا حكم شرعي ، فالمطالبة بالمستند أيضا قائمة . أجبنا بوجهين : أحدهما : أنه قد تقرر في الأصول أن الأصل في المنافع الإباحة ، والمتنازع منفعة ، لأنه الفرض ، فيكون مباحا . الثاني : أن القائل بالتحريم مثبت ، والقائل بالاباحة ناف ، وقد تقرر أيضا أن النافي لا دليل عليه ، فيختص مدعي التحريم بالمطالبة بالدليل . فإن قيل : القائل بإحدى المقالتين ناف للأخرى ، فلم خصصت القائل بالاباحة بكونه نافيا ؟

[ 216 ]

قلنا : معلوم أن التحريم أمر زائد على أصل الذات ، والمانع له يكتفي في المنع برده وإن لم يصرح بدعوى الإباحة ، وحينئذ فالاباحة ثابتة بطريق اللزوم . والتحقيق أن يقال : إن أردت بالاباحة : الإذن الصريح المسوغ لذلك ، فمسلم توجه المطالبة عليه ، ونحن لا ندعيه ، فإن مطلوبنا غير متوقف عليه . وإن أردت الإباحة المستفادة من الأصل المقرر المذكور سابقا ، فهو مدعانا ، ولا نسلم توجه المطالبة حينئذ . فإن قيل : الأصل حجة مع عدم الدليل الناقل وقد وجد هاهنا ، فإن الروايات التي سنذكرها تدل على التحريم . قلنا : أما الروايات فسيأتي الكلام عليها في الموضع اللائق بها ، ونبين أن لا حجة فيها ، ولا دلالة بوجه من الوجوه ، وتتبع ذلك بها وجدناه من كلام الفقهاء الدال على المراد . الثاني : عموم آيات الكتاب العزيز الدالة على الإباحة مطلقا ، مثل قوله تعالى : " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع " ( 1 ) ، فإنها بعمومها تتناول محل النزاع ، فإن ما من أدوات العموم . وكذا قوله تعالى : " وأنكحوا الأيامى منكم " ( 2 ) والأيامي جمع أيم ، وهي التي لا زوج لها ، بكرا كانت أو ثيبا ، والجمع المعرف باللام للعموم ، فيشمل محل النزاع . وغير ذلك من عمومات الكتاب والسنة الدالة على التزويج من غير تعيين ، فإنها بعمومها تتناول محل النزاع ، وهي كثيرة جدا ، بل لا تحصى ، وظاهر

( 1 ) النساء : 3 . ( 2 ) النور : 32 .

[ 217 ]

العموم حجة كما تقرر في الأصول . فإن قيل : العموم في ما ادعيته غير مراد قطعا ، لتناول ظاهره ما ثبت تحريمه ، فتنتفي دلالته . قلنا : ما ثبت فيه التحريم يخص من العموم ويبقى ما عداه على حكمه ، فإن العام المخصوص حجة في الباقي . فإن قيل : يخص العموم في المتنازع فيه أيضا . قلنا : التخصيص بغير دليل باطل ، ولا دليل سوى القياس على ما ثبت فيه التحريم من المحرمات بالرضاع ، ولا يجوز التمسك به فضلا عن أن يخص به عموم الكتاب . الثالث : قوله تعالى : " وأحل لكم ما وراء ذلك " ( 1 ) بعد تعداد المحرمات المذكورة في الآية ، وذلك نص في الباب ، ودلالته على المطلوب أظهر ، فإن المعنى والله أعلم : وأحل لكم ما عدا تلك المحرمات المذكورة قبل هذه . ومعلوم أن شيئا من المتنازع فيهن ليس عين شئ من المحرمات المذكورة في الآية ، ولا داخلا في مفهومه ، ولا يدل عليه بوجه من الوجوه المعتبرة في الدلالة ، فإذا عدد الحكم أنواعا وخصها بالتحريم ، ثم أحل ما سواها امتنع عدم الحل في غير المذكورات وإلا لكان من مغريا بالقبيح . فإن قلت : قد ثبت التحريم في البعض من غير المذكورات ، كالمطلقة تسعا للعدة ، والمعقود عليها في العدة مع العلم والدخول ، وغير ذلك . قلنا : إنما يثبت المنع ويلزم المحذور لو لم يكن هناك معارض ينتهض مخصصا لكتاب الله ، أما معه فلا محذور ، ولا شئ مما ادعى تحريمه خارجا عن المذكور في الآية بثابت فيه التحريم إلا وله شاهد يتمسك بمثله ويصلح لتخصيص الكتاب .

( 1 ) النساء : 24 .

[ 218 ]

والفرض أن المتنازع لا شاهد له أصلا ورأسا ، فمن ادعى شيئا فعليه البيان . الرابع : الاجماع ، فإن جميع العلماء ممن نقلت أقوالهم واشتهرت مصنفاتهم عدو المحرمات في النكاح وأباحوا نكاح ما سواها ، ولم يعد أحد منهم شيئا من المتنازع في جملة المحرمات ، بل ولا ينقل عن أحد من الاثبات الذين يرجع إلى أقوالهم ويعول على أمثالهم ، بل في عبارة بعضهم ما يدل على المدعى ، وسنشير إليه في موضعه . فمن ادعى التحريم في شئ من ذلك احتاج مع إقامة الدليل إلى سلف يوافقه ، حذرا من أن يكون خارقا للاجماع . فإن قيل : هذا الاجماع الذي ادعيته لو ثبت لكان إجماعا سكوتيا ، وهو غير حجة عند المحققين كما تقرر في الأصول . قلنا : الاجماع السكوتي حقيقته أن يفتي واحد من أهل العصر بحضرة الباقين فلا يصرحون بوفاته ولا يردون فتواه . ولا كذلك محل النزاع ، لأن الفقهاء لما عقدوا للمحرمات في النكاح بابا واستوفوا أقسامهن فيه ، وتحرزوا أن لا يدعوا من أقسام المحرمات شيئا إلا ذكروه ، كان ذلك جاريا مجرى التصريح بحل ما سواهن ، وهذا حقيقي لا سكوتي . فإن قيل : قد ذكرت في ما سبق نسبة القول بذلك إلى الشهيد رحمه الله ، فقد ثبت القائل بالتحريم ، فحصل السلف واندفع المحذور . قلنا : هذه النسبة غير ثابتة عندنا ، فإنا لم نجدها في مصنف منسوب إليه رحمه الله ، ولا سمعناها ممن يركن إلى قوله سماعا يوثق بمثله ويستند إليه ، وإنما كنا نجدها مكتبة في ظهر بعض كتب الفقه مستندة إليه ، وفي خلال المحاورة كنا نسمعها من بعض الطلبة الذين عاصرناهم ، وهؤلاء أيضا لو طولبوا باسناد في ذلك تسكن النفس إلى مثله لم يجدوا إليه سبيلا . ومثل هذا لا يشفي غلة ، ولا يقطع علة . وقد رأيت في عصري كثيرا من الحواشي والقيود منسوبة إليه رحمه الله وأنا

[ 219 ]

أجزم بفساد تلك النسبة . والسر في ذلك تصرف الطلبة الذي تعز سلامته من الزيادة والنقصان ، أو الخطأ وسوء الفهم . وما هذا شأنه كيف يجوز أن يجعل قولا لأحد من المعتبرين ، أو يجترأ به على مخالفة الاجماع ، أو ما يكاد يكون إجماعا ومخالفة ظاهر الكتاب والسنة والأدلة الجلية الصريحة ، ويجزم لاجله بتحريم ما هو معلوم الحل ، ويقطع به عقد النكاح ، وتحل زوجة الرجل بسببه لمن سواه ، ويحكم بسقوط أحكام الزوجية الثانية شرعا بغير شبهة ، أن هذا أمر عظيم وبلاء مبين . الخامس : الاستصحاب ، وهو من وجوه : أ : استصحاب الحال ، فإن الزوجة حل قبل الرضاع المذكور ، والأصل بقاء ما كان على ما كان إلى أن يثبت الناقل عن حكم الأصل الثابت ، ولم يوجد . ومن ادعى شيئا فعليه البيان ، وما يمكن أن يتعلق به الخصم من الأخبار بأضعف سبب سنبين ما فيه مستوفا إن شاء الله تعالى . ب : استصحاب الاجماع إلى موضع النزاع ، فإن المرأة قبل الرضاع المذكور حلال إجماعا ، فكذا بعده ، عملا بالاستصحاب ، وهذان النوعان من الاستصحاب حجة كما بين في موضعه . ج : إن حقوق الزوجية ثابتة قبل الرضاع المذكور من الطرفين فكذا بعده ، لما تقدم من الاستصحاب ، فنفيها يحتاج إلى دليل . السادس : الاحتياط ، فإن الفروج مبنية على الاحتياط التام ، ولا ريب أن حل المرأة لغير من هي زوجة له بمجرد الرضاع المذكور قول مجانب للاحتياط ، بل للتدين ، وفيه من الاجتراء على الله ، ومخالفة لإرشاد السنة المطهرة ما هو بين جلي . فإن قيل : بقاء المرأة المذكورة على حكم النكاح مع بعلها أيضا مخالفا للاحتياط فيعارض الاحتياط بمثله .

[ 220 ]

قلنا ، لا نسلم ، فإن ذلك إنما يخالف الاحتياط لو كان الدليل من الكتاب أو السنة أو الاجماع على خلافه ، أو كان ثم اختلاف الفقهاء ظاهر شهير ، على أنه لو ثبت ذلك لم يستويا ، فإن الحكم بحل ما يثبت تحريمه ليس كالحكم بحل ما كان حلالا ، وأين هذا من ذلك ! ؟ السابع : انتفاء المقتضي للتحريم في المسائل المذكورة من حيث المراد بالمعنى ، والمراد بالمعنى : ما يصلح كونه علة للحل في العلة المستنبطة . أما في الأولى ، فلأن المرتضع - أعني أخا المرضعة - صار ولدا لها وللفحل وأخت الولد إنما تحرم بالبنوة أو بالدخول بأمها . ولهذا إذا انتفى الأمران جاز النكاح ، كما في أخت أخ الولد مع اختلاف العلاقة . ومعلوم انتفاء الأمرين هنا ، على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما قال : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " ( 1 ) ، وأخت الولد إنما تحرم من جهة النسب إذا كانت بنتا ، وإلا فتحريمها بالمصاهرة ، أعني كونها ربيبة مدخولا بأمها ، والرضاع كالنسب لا المصاهرة . وأما الثانية ، فلأن أقصى ما يقال : إن الزوجة - أعني المرضعة - صارت أما للولد وهي عمته ، ولا يلزم من ذلك تحريم ، لأن عمة الولد إنما تحرم على من هي أخته ، إذ ليس في الكتاب والسنة ما يدل على تحريم عمة الولد بوجه من الوجوه ، إلا إذا كانت أختا . وحينئذ فالتحريم بسبب آخر لا بسبب عمومة الولد ، ولا أخوة بين المذكورة وبين أبي المرتضع - أعني زوجها - بنسب ولا رضاع . والحكم في المسألة الثالثة أظهر ، لأن خالة الولد لا تحرم إلا للجمع بينها وبين أختها ، وذلك منتف هنا . وأما الرابعة ، فلأن أقصى ما يقال : إن المرضعة صارت جدة ولد الولد من

( 1 ) من لا يحضره الفقيه 3 : 205 حديث 1467 .

[ 221 ]

الرضاعة ، وانتفاء تحريم جدة الولد من الرضاعة سيأتي بيانه في المسائل الثلاث التي هي موضع خلاف للأصحاب ، على أنه لو ادعى انتفاء التحريم فيها بغير خلاف أمكن ، نظرا إلى لحوق الرضاع المشكوك في كونه محرما للنكاح المعلوم حله وإن بعد ، لأن الظاهر عدم الفرق . وأما الخامسة ، فلأن المرضعة - أعني الزوجة - قد صارت بنت أخ ولد صاحب اللبن ، وبنت أخ الولد إنما تحرم بأحد السببين السابقين ، أعني : كونها بنت الابن ، أو كونها بنت ابن الزوجة المدخول بها ، وكلاهما منتف هنا . وأما في السادسة فلأن المرضعة صارت بنت أخت ولده ، والتقريب ما تقدم . ومن ذلك يعلم الوجه في السابعة والثامنة ، لأن المرضعة صارت بنت ابن عم ولده ، أو عمته ، أو بنت ابن خال ولده ، أو خالته . وأما في التاسعة ، فلأن الزوجة قد صارت أم أخ الزوج ، وأم الأخ إنما تحرم بالامومة ، أو بكونها مدخولة الأب . وأما في العاشرة ، فلأنها وإن صارت أما لحافده إلا أنها لا تحرم إلا بكونها زوجة ولده . وأما في الحادية عشرة فأظهر ، لأن أم ولد الأخ لا تحرم . وأما الثانية عشرة ، فلأنها وإن صارت أم عمه أو عمته لا تحرم ، إذ المحرم في ذلك إما أمومة الأب ، أو كونها مدخولة الجد . وقريب منه الحكم في الثالثة عشرة . ومما يشهد لذلك من عبارات الفقهاء قول الشيخ في المبسوط بعد أن ذكر أحكام الرضاع : فإذا ثبت هذا فإنما يحرم من الرضاع من الأعيان السبع التي مضت حرفا بحرف ( 1 ) . وأراد بالاعيان السبع : الأمهات ، والبنات ، والأخوات ،

( 1 ) المبسوط 5 : 291 .

[ 222 ]

والعمات ، والخالات وبنات الأخ ، وبنات الأخت . وهذا صريح في المراد . وقال أيضا : يجوز للفحل أن يتزوج بأم المرتضع وبنته وأخته وجدته . ويجوز لوالد هذا المرتضع أن يتزوج بالتي أرضعته ، لأنه لما جاز أن يتزوج أم ولده من النسب ، فبأن يجوز أن يتزوج بأم ولده من الرضاع أولى . قالوا : أليس لا يجوز أن يتزوج أم أم ولده من النسب ، ويجوز أن يتزوج بأم أم ولده من الرضاع ، فكيف جاز ذلك وقد قلتم أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ؟ قلنا : أم أم ولده من النسب ، ما حرمت بالنسب ، بل بالمصاهرة قبل وجود النسب ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما قال : ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) ( 1 ) . فانظر إلى ما أرشد إليه رحمة الله من التعليل والتوجيه ، وأن التحريم في الرضاع فرع التحريم في النسب في ما لم يثبت نظير لحمة النسب حقيقة للتحريم وحكى العلامة في المختلف عبارة ابن حمزة ، وهي لا تخلو من اضطراب ، ولكن ذكر في آخرها ما صورته : ويجوز للفحل التزوج بأم الصبي وجداته ولوالد الصبي التزويج بالمرضعة وبأمها وبجدتها ( 2 ) . وقال ابن البراج في المهذب : ويجوز أن يتزوج الرجل بالمرأة التي أرضعت ابنه ، وكذلك بزوجها من بنيه غير الذي أرضعته ، لأنها ليست أما لهم وإنما هي أم أخيهم الذي أرضعته ، فلا تحرم عليهم ، لأنها ليست بزوجة لأبيهم ، وإنما حرم الله سبحانه نساء الآباء ، وهذه المرأة ليست من الأب بسبيل . وهكذا يجوز أن يتزوجوا ابنتها التي هي رضيع أخيهم وولدها وولد ولدها ،

( 1 ) من لا يحضره الفقيه 3 : 305 حديث 1467 ، المبسوط 5 : 305 . ( 2 ) الوسيلة إلى نيل الفضيلة : 302 ، المختلف : 520 .

[ 223 ]

وكذلك يتزوج الرجل بنات المرأة التي أرضعت ولده وبناتهن أيضا ، لأنهن لم يرضعن من لبنه ، ولا بينهن وبينه قرابة من رضاع ولا غيره وإنما يحرم نكاحهن على المرتضع ( 1 ) . فانظر إلى وجه تخلصه من التحريم في المذكورات بنفي المقتضي له ، حيث أن المقتضي له أما القرابة بالنسب أو الرضاع ، أو المصاهرة ، وجميع ذلك منتف في المذكورات ، وهذا بعينه آت في المسائل المذكورة . والحاصل من ذلك : أن تحريم الرضاع مقصور على نظير المحرمات بالنسب دون المحرمات بالمصاهرة ، والحديث النبوي صلى الله عليه وآله وسلم يرشد إلى ذلك . وقال العلامة في التذكرة ما صورته : يحرم في النسب أربع نسوة وقد يحرمن بالرضاع وقد لا يحرمن : أ : أم الأخ في النسب حرام ، لأنها إما أم أو زوجة أب ، وأما في الرضاع ، فإن كانت كذلك حرمت أيضا ، وإن لم تكن كذلك لم تحرم ، كما لو أرضعت أجنبية أخاك أو اختك لم تحرم . ب : أم ولد الولد حرام ، لأنها إما بنته أو زوجة ابنه ، وفي الرضاع قد لا تكون إحداهما ، مثل أن ترضع الأجنبية ابن الابن ، فإنها أم ولد الولد وليست حراما . ج : جدة الولد في النسب حرام لأنها إما أمك أو أم زوجتك ، وفي الرضاع قد لا يكون كذلك ، إذا أرضعت أجنبية ولدك فإن أمها جدته ، وليست بأمك ولا أم زوجتك .

( 1 ) المذهب 2 : 170 .

[ 224 ]

د : أخت ولدك في النسب حرام عليك ، لأنها إما بنتك أو ربيبتك ، وإذا أرضعت أجنبية ولدك فبنتها أخت ولدك ، وليست بنت ولا ربيبة . ولا تحرم أخت الأخ في النسب ولا في الرضاع إذا لم تكن أختا له ، بأن يكون له أخ من الأب والأخت من الأم ، فإنه يجوز للأخ من الأب نكاح الأخت من الأم وفي الرضاع لو أرضعتك امرأة وأرضعت صغيرة أجنبية منك يجوز لاخيك نكاحها ، وهي اختك من الرضاع ( 1 ) . فهذا تصريح منه بالمراد ، وتنبيه على علة التحريم هي صيرورة المرأة بسبب الرضاع إحدى المحرمات بالنسب لا بالمصاهرة . فإن قلت : ستأتي حكاية خلاف للأصحاب في بعض المسائل المذكورة . قلنا : لا نسلم ، لكن ذلك لا يضرنا ، مع كون الدليل دالا على المراد ونافيا لمقالة الخصم . وقال في التحرير : وللابن أن ينكح أم البنت التي لم ترضعه ( 2 ) . قلت : مراده لو ارتضع صبي وصبية أجنبيان من امرأة بلبن فحل واحد ، كان له أن ينكح أم البنت التي لم ترضعه ، لأنها وإن كانت أم أخته إلا أنه لا نسب بينه وبينها ولا مصاهرة . وأم أخيه من النسب إنما حرمت إما لأنها أمه ، أو لأنها موطوءة أبيه . قال أيضا : لو أرضعت امرأة صبيين صارا أخوين ، ولكل منهما أن ينكح أم أخيه من النسب . بخلاف الأخوين من النسب ، لأن أم الأخ من النسب إنما حرمت لأنها منكوحة الأب ، بخلاف أم الأخ من الرضاع . وكذا لو كان لأخيه من النسب أم من الرضاع جاز له أن يتزوج بها . كذا لو أرضعت أمه من النسب

( 1 ) التذكرة 2 : 614 . ( 2 ) التحرير 2 : 11 .

[ 225 ]

صبيا صار أخاه ، وكان له أن يتزوج أمه ( 1 ) . هذا كلامه ، فانظر إلى جملة هذه المسائل التي نفي عنها التحريم ، وإلى استدلاله كيف يقتضي على محل النزاع في كلامنا بانتفاء التحريم ، إذ لو ثبت التحريم في شئ من المسائل السابقة يلزمه مثله هنا ، إذ أم الأخ والأخت من الرضاع قد صارت بمنزلة أم الأخ من النسب . وقال المقداد في كنز العرفان ما صورته : قال الزمخشري : قالوا : تحريم الرضاع كتحريم النسب إلا في مسألتين : إحداهما : أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج أخت ابنه من النسب ، والعلة وطء أمها ، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع . وثانيتها : لا يجوز أن يتزوج أم أخته من النسب ، ويجوز في الرضاع ، لأن المانع في النسب وطء الأب إياها ، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع . وكذا استثنى مسألتان أخريان : إحداهما : أم الحفيدة . وثانيتها : جدة الولد ، فإنهما محرمتان من النسب دون الرضاع : أما أم الحفيدة فإنها بنتك أو زوجة ابنك ، ولو أرضعت أجنبية ولدك لم تحرم . وأما جدة الولد فإنها أمك أو أم زوجتك ، ولو أرضعت أجنبية ولدك كانت أمها جدة ولدك ولم تحرم عليك ( 2 ) . قال المقداد : وفي استثناء هذه الصورة نظر ، لأن النص إنما دل على أن جهة الحرمة في النسب جهة الحرمة في الرضاع ، والجهات التي في هذه الصور ليست جهات الحرمة في النسب ، فإن جهة أختية الابن مثلا لم تعتبر من جهات

( 2 ) التحرير 2 : 11 . ( 1 ) الكشاف 1 : 516 .

[ 226 ]

الحرمة ، بل المعتبر فيها إما كونها ربيبة ، وإما كونها بنتا ، وأي جهة من هاتين الجهتين لو وجدت كانت محرمة . وتوضيحه : أن أخت الابن إذا كانت بنتا يكون لها جهتان : جهة الأختية للابن ، وجهة البنتية لك ، ولا شك في تغايرهما ، والنص دل على الحرمة من جهة البنتية لا من جهة الأختية للابن . وكذا إذا كانت ربيبة كان لها جهتان : الأختية للابن ، وكونها ربيبة . وجهة الحرمة منها ليست إلا كونها ربيبة ، على أن جهة الحرمة بحسب المصاهرة لا بحسب النسب ، فلا يصح الاستثناء من جهة حرمة النسب ( 1 ) . هذا كلامه ، وأنت إذا تأملت هذا الكلام وجدته شارحا للمراد ، وافيا ببيان ما نحن بصدد بيانه . وقد وقع إلي تحقيق كتبته قديما على بعض هذه المسائل ، وهي : امرأة الرجل إذا رضعت ابن أخيها هل تحرم عليه ، لأنها صارت عمة ولده ، فهي بمنزلة أخته أم لا ؟ وحاصل ما كتبته في الجواب : أن العمومة من طرف الأخ في النسب ، لا من طرف الفحل ، أعني صاحب اللبن ، فإن صاحب اللبن لا قرابة بينها وبينه بنسب ، وهو ظاهر ، ولا رضاع ، لعدم ارتضاعهما بلبن فحل واحد ، والمقتضي للتحريم في عمة الوالد القرابة بينها وبين أبيه ، أعني اخوتها إما بالنسب أو بالرضاع ، فإن ثبوت العمومة المذكورة تابع لاخوة الأب ، وهي منتفية من طرف الفحل أصلا ورأسا ، وثبوتها من طرف الأب لا يقتضي ثبوتها من طرف الآخر قطعا ، فينتفي التحريم بينهما ، إذ هو فرع القرابة المنتفية . والذي أوقع في الغلط صدق اسم العمومة للولد على المذكورة ، مع عدم ملاحظة اختلاف جهتي الفحل والأب النسيب .

( 1 ) كنز العرفان 2 : 182 .

[ 227 ]

فإن قيل : قد روى الشيخ في الصحيح عن علي بن مهزيار قال : سأل عيسى ابن جعفر بن عيسى أبا جعفر الثاني عن امرأة أرضعت لي صبيا ، فهل يحل لي أن أتزوج ابنة زوجها ؟ فقال لي : " ما أجود ما سألت ، من هاهنا يؤتي أن يقول الناس : حرمت عليه امرأته من قبل لبن الفحل ، هذا هو لبن الفحل لا غيره " . فقلت له : الجارية ليست ابنة المرأة التي أرضعت لي ، هي ابنة غيرها . فقال : " لو كن عشرا متفرقات ما حل لك منهن شئ وكن في موضع بناتك " ( 1 ) . وروى ابن يعقوب في الصحيح عن عبد الله بن جعفر قال : كتبت إلى أبي محمد عليه السلام : أن امرأة أرضعت ولدا لرجل ، هل يحل لذلك الرجل أن يتزوج ابنة هذه المرأة أم لا ؟ فوقع : " لا يحل له " ( 2 ) . وروى أيوب بن نوح قال : كتب علي بن شعيب إلى أبي الحسن عليه السلام : امرأة أرضعت بعض ولدي هل يجوز لي أن أتزوج بعض ولدها ؟ فكتب : " لا يجوز ذلك ، لأن ولدها صارت بمنزلة ولدك " ( 3 ) . فهذه الروايات الثلاث دالة على أن من صار بالرضاع في موضع المحرم حرم نكاحه ، وذلك دال على التحريم في المسائل المتنازع فيها . قلنا : الجواب عن ذلك من وجوه : الأول : أن الروايات الثلاث تضمنت واقعة معينة فلا عموم لها ، وما هذا شأنه لا يكون حجة على محل النزاع . فإن قيل : أليس قد تضمنت تعليل التحريم ، بأنهن في موضع بنات أبي المرتضع ،

( 1 ) التهذيب 7 : 320 حديث 1320 . ( 2 ) الكافي 5 : 447 حديث 18 باب : أنه لا رضاع بعد فطام ، من لا يحضره الفقيه 3 : 306 حديث 1471 . ( 3 ) التهذيب 7 : 321 حديث 1324 .

[ 228 ]

فإذا انتفت الدلالة الصريحة كفى الاستدلال بجهة نصوص العلة . أجبنا : بأن الثانية منهن لا تعليل فيها ، فلا دلالة لها بوجه ، وأما الأولى والثانية فإنهما وإن تضمنت التعليل كما ذكر في السؤال ، إلا أن ذلك لا يفيد ما ادعاه الخصم ، لأن التعليل في النصوص إنما يقتضي ثبوت الحكم حيث تثبت تلك العلة بعينها ، لا حيث ثبت ما أشبهها ، فإن ذلك عين القياس الممنوع منه . ونحن نقول بالموجب ، فإنا بعد تسليم الدلالة المذكورة وانتفاء القوادح يحكم بالتحريم ، حيث صارت بمنزلة الولد ، وهو المنصوص والمتنازع فيه ما إذا صارت بمنزلة المحرم مطلقا . وأين هذا من ذاك ، فمن حاول تعدية الحكم المستند إلى العلة المنصوص عليها إلى موضع انتفت فيه تلك العلة ، لكن شبيه فيه ما هو شبهها ، فقد ارتكب العمل بالقياس وخرج عن الأصول المقررة وذلك باطل قطعا ، وقول في الدين بغير علم . الثاني : إن في التعليل المذكور إجمالا ولبسا ، لأن موضع البنات الحقيقي ومنزلتهن في قوله : " وكن في موضع بناتك " ، وقوله : " وصارت بمنزلة ولدك " غير مراد قطعا ، إذ لا معنى له ، والمجاز غير متعين ، لاحتمال إرادة المساواة في الوصف المقتضي للتحريم ، وإرادة غير ذلك كالاحترام أو استحقاق الشفقة مثلا . ومع الاجمال المذكور كيف يمكن الحمل على ذلك المعنى ليحصل تعدية الحكم إلى محل آخر . سلمنا الحمل على المساواة لتعينه فما المراد من هذه المساواة أم من بعض الوجود أم من جميعها . لا جائز أن يراد البعض ولا يثبت التحريم بالمساواة في أمرها ، عملا بمقتضى التعليل المذكور ، ولا جائز أن يراد المساواة من جميع الوجوه ، لامتناع تحققه ، ولا من وجه معين بخصوصه ، لعدم إشعار اللفظ له بشئ . الثالث : إنا إذا سلمنا دلالة الروايات المذكورة على المراد بغير مانع مما

[ 229 ]

ذكر أمكن القدح بوجه آخر ، وذلك لأن حكاية الحال في السؤال أعني قوله : امرأة أرضعت لي صببا فهل يحل لي أن أتزوج ابنة زوجها ، تحتمل كون زوجها هو صاحب اللبن وغيره ، ومع ذلك فتحمل كون البنت المذكورة منها ومن غيرها وترك الاستفصال في نحو ذلك دليل العموم ، فيقتضي تحريم بنت الزوج من غيرها وإن لم يكن الزوج هو صاحب اللبن ، وهو باطل بالاجماع . ومثل هذا بعينه آت من الثانية والثالثة ، لأن قوله في السؤال : هل يحل لذلك الرجل أن يتزوج ابنة هذه المرأة ، وقوله : هل يجوز لي أن أتزوج بعض ولدها ، كما يحتمل أن تكون ابنة المرأة ابنة لصاحب اللبن يحتمل أن تكون ابنة لغيره أيضا . وكما يحتمل كونها ابنة لها من النسب يحتمل كونها ابنة لها من الرضاع ، فيقتضي ترك الاستفصال تحريم بنت المرضعة من الرضاع بلبن فحل آخر على أب الصبي ، وهو باطل قطعا ، ومع ذلك فهما مكاتبتان ، وما هذا شأنه كيف يتمسك به ، بل كيف يتعدى حكمه إلى غيره قياسا ! وأما المسائل الثلاث التي تكلم فيها الأصحاب : فالأولى : أم أم المرتضع نسبا أو رضاعا هل تحرم على صاحب اللبن - أعني الفحل - أم لا ؟ قولان للأصحاب : أحدهما : [ عدم التحريم ] ، وبه قال الشيخ في المبسوط ( 1 ) ، وابن حمزة ( 2 ) وابن البراج ( 3 ) ، والعلامة في التحرير والقواعد والتلخيص ( 4 ) ، وظاهر عبارته في الارشاد عدم التحريم ، لعدم المقتضي له ، فإنه ليس إلا كونها جدة ابنه . وذلك لا يصلح دليلا على التحريم ، لأن جدة الولد إنما حرمت بالمصاهرة ، أعني الدخول

( 1 ) المبسوط 5 : 305 . ( 2 ) الوسيلة : 3022 . ( 3 ) المهذب 2 : 190 . ( 4 ) التحرير 2 : 5 ، القواعد 2 : 11 .

[ 230 ]

بابنتها ، وذلك منتف هنا ، فيتمسك بأصالة الحل إلى أن يثبت الدليل المحرم . والثاني : التحريم ، وبه أفتى الشيخ في الخلاف ( 1 ) ، ونصره ابن إدريس ( 2 ) ، واختاره العلامة في المختلف مع اعترافه بقوة المذهب الأول ( 3 ) ، وفي التذكرة لم يصرح بشئ لكن الظاهر منه الميل إلى التحريم ( 4 ) . وحجتهم ما تقدم من الأخبار الصحيحة ، ووجه الاستدلال بها حكمهم عليهم السلام بتحريم أخت الابن من الرضاع وجعلها في موضع البنت ، وأخت الابن تحريمها بالنسب إذا كانت بنتا ، وبالسبب إذا كانت بنت الزوجة . والتحريم هنا بالمصاهرة ، وقد جعل الرضاع كالنسب في ذلك ، فيكون في أم الأم كذلك ، وليس قياسا لأنه نبه بجزئي من كلي على حكم الكلي ، كذا احتج شيخنا في شرح الارشاد ، وفيه نظر . أما أولا فلأن المشار إليه بقوله : في ذلك ، هو تحريم بنت الزوجة ، أي جعل الرضاع كالنسب في تحريم بنت الزوجة ، أي كما تحرم بالنسب تحرم بالرضاع ، ومعلوم أن تحريمها إذا لم تكن بنتا ليس بالنسب ، إنما هو بالمصاهرة ، فلا يستقيم قوله : جعل الرضاع كالنسب في ذلك . وأما ثانيا فلأنه لا يلزم من ثبوت التحريم في هذا الفرد المعين مع خروجه عن حكم الأصل ، وظاهر القواعد المقررة - ورود النص عليه بخصوصه - تعدية الحكم إلى ما أشبهه من المسائل ، فإن ذلك عين القياس . وادعاؤه نفي القياس عنه ، واعتذاره بأنه نبه بجزئي من كلي على حكم الكلي لا يفيد شيئا ، لأن تعريق

( 1 ) الخلاف 2 : 216 . ( 2 ) السرائر : 294 . ( 3 ) المختلف : 520 . ( 4 ) التذكرة 2 : 614 .

[ 231 ]

القياس صادق عليه ، عرف بأنه تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع بعلة متحدة فيهما . والأصل في ما ذكره هو أخت الولد من الرضاع ، والفرع هو جدة الولد من الرضاع ، والحكم المطلوب تعديته هو التحريم الثابت في الأصول بالنص ، وما يظن كونه علة التحريم هو كون أخت الولد من الرضاع في موضع من يحرم من النسب ، أعني البنت النسبية . وهذا بعينه قائم في جدة الولد من الرضاع فإنها في موضع جدته من النسب بل ما ذكره أسوء حالا من القياس ، لانك قد عرفت أن القياس تعدية الحكم من جزئي إلى آخر ، لاشتراكهما في ما يظن كونه علة للحكم ، وهو رحمه الله قد حاول تعدية الحكم من الجزئي إلى الكلي ، ونبه على العلة وثبوتها في الفرع أول كلامه وأغرب في عبارته فسمى ذلك تنبيها على الحكم ونفى عنه اسم القياس ، وذلك لا يحصنه من الايراد والاعتراض ، ولا يلتبس على الناظر المتأمل كونه قياسا . الثانية : أولاد الفحل ولادة ورضاعا هل يحرم على أب المرتضع أم لا ؟ الخلاف هنا كالخلاف في ما سبق ، غير أن التحريم هنا راجع عملا بظاهر دلالة النصوص السالفة ، ولا محذر في استثناء هذه المسألة من قاعدة عدم التحريم في الرضاع بالمصاهرة لاختصاصها بالنص . فإن قيل : النصوص السالفة دلت على تحريم أولاد المرضعة ، وهو يقتضي شيئين : أحدهما : عدم الاشعار بتحريم أولاد الفحل من غيرها فكيف عممتم التحريم ؟ والثاني : تحريم أولادها من الرضاعة وإن كان بلبن فحل آخر ، لعموم صدق أولادها عليهم وأنتم لا تقولون به . قلنا : أما الأمر الأول فصحيح بالنسبة إلى الروايتين الأخيرتين ، وأما بالنسبة إلى الأول فلا ، لأنها مصرحة بتحريم أولاد الفحل ، فإن أول السؤال معنون به ، ولا يضر التعبير بالزوج ، فإنه وإن كان أعم من الفحل إلا أن الأصحاب مطبقون على

[ 232 ]

إرادة صاحب اللبن ، ولعلهم فهموه من لفظ واهتدوا إليه باقتضاء الاجماع له . وأما الأمر الثاني فالعموم بحسب الظاهر ثابت ، لكن الاجماع منعقد على اعتبار اتحاد الفحل في ثبوت التحريم . فإن قيل : هذا شأن أولاد الفحل بالنسبة إلى أب المرتضع ، فما تقول في أولاد أب المرتضع ولادة ورضاعا ، وأخواته هل تحرم على الفحل أم لا ؟ قلنا : الخلاف السابق جار هنا ، وقد صرح العلامة بعدم التحريم ، قال في التحرير في البحث السادس من اللواحق ما صورته : قال الشيخ في الخلاف : إذا حصل الرضاع المحرم لم يحل للفحل نكاح أخت المرتضع بلبنه ، ولا لأحد من أولاده من غير المرضعة ومنها ، لأن إخوته وأخواته صاروا بمنزلة أولاده ( 1 ) وليس بمعتمد ( 2 . وفي القواعد بعد أن قوى عدم تحريم الرضاع بالمصاهرة فرع عليه عدم التحريم في المسائل المذكورة ، وصرح بعدم التحريم في هذه المسألة قال : فللفحل نكاح أم المرتضع وأخته وجدته . والظاهر عدم الفرق بين بنات الفحل بالنسبة إلى أب المرتضع وأخوات المرتضع بالنسبة إلى الفحل ، نظرا إلى العلة المذكورة في الحديثين السابقين . فإن كانا حجة وجب التمسك بمقتضى العلة المنصوصة ، وإلا انتفى التحريم في المقامين ، وعلى كل حال فالعمل بالاحتياط فيهما أولى وأحرى . الثالثة : هل لأولاد أبي المرتضع الذين لم يرتضعوا من هذا اللبن أن ينكحوا في أولاد المرضعة ولادة ، وفي أولاد فحلها ولادة ورضاعا ، أم لا ؟ قولان أيضا

( 1 ) الخلاف 2 : 216 . ( 2 ) التحرير 2 : 12 . ( 3 ) القواعد : 2 : 12 .

[ 233 ]

للأصحاب كنحو ما سبق ، لكن القائل بالتحريم هنا هو الشيخ في الخلاف والنهاية ( 1 ) . وقال ابن إدريس : قول شيخنا في ذلك غير واضح ، وأي تحريم حصل بين أخت هذا المولود المرتضع وبين أولاد الفحل ، وليست أختهم لا من أمهم ولا من أبيهم ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل النسب أصلا للرضاع في التحريم فقال : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " ، وفي النسب لا تحرم على الانسان أخت أخيه التي لا من أمه ولا من أبيه ( 2 ) . وفي المبسوط حكم بعدم التحريم في ذلك ، والتجأ إلى ما أصله من أن التحريم بالمرتضع وحده ، ومن كان من نسله دون من كان من طبقته ، وهذه من طبقته ، لأنه لا نسب بينه وبين أخت أخيه ولا رضاع ، وهو واضح ( 3 ) . فإن قيل : النص السابق يدل على التحريم هنا التزاما ، لأنه لما تضمن تحريم الأولاد على أب المرتضع ، معللا بأنهم بمنزلة أولاده في التحريم ، لزم من ذلك أن يكونوا لأولاده كالأخوة ، فيحرم بعضهم على بعض ، لأن البنوة لصاحب اللبن والأخوة لأولاده متلازمان ، فيمتنع ثبوت إحداهما مع انتفاء الأخرى ، وقد ثبتت البنوة بالنصوص السالفة فتثبت الأخوة ، فيلزم التحريم . قلنا : نمنع الدلالة الالتزامية هنا ، لأن من شرطها اللزوم الذهني ، بالمعنى الاخص ، وليس بثابت ، بل يمتنع التلازم أصلا ، فإن ثبوت بنوة شخص لآخر تقتضي ثبوت الأخوة لأولاده ، لا ثبوت الأخوة لأخوة أولاده ، وذلك غير مقتضى للتحريم بوجه من الوجوه ، والله أعلم بالصواب .

( 1 ) الخلاف 2 : 216 ، النهاية : 462 . 2 ) السرائر : 295 . ( 3 ) المبسوط 5 : 292 .

[ 235 ]

( 6 ) رسالة قاطعة اللجاج في تحقيق حل الخراج

[ 237 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أيد كلمة الحق بالبراهين القاطعة ، وأعلا كلمة الصدق بالحجج اللامعة ، ودرج أباطيل المغترين بالدلائل الدامغة ، وأذل أعناق المغالبين بالبينات القامعة . والصلاة والسلام على المبعوث بخير الأديان ، محمد المختار من شجرة بني عدنان ، وعلى آله الأطهار المهتدين ، وعترته الأخيار الحفظة للدين . وبعد ، فإني لما توالى على سمعي تصدي جماعة من المتسمين بسمة الصلاح ، وثلة من غوغاء الهمج الرعاع أتباع كل ناعق ، الذين أخذوا من الجهالة بحظ وافر ، واستولى عليهم الشيطان ، فحل منهم في سويداء الخاطر ، لتقريض العرض وتمزين الاديم ، والقدح بمخالفة الشرع الكريم ، والخروج عن سواء المنهج القويم . حيث إنا لما ألزمنا الإقامة ببلاد العراق ، وتعذر علينا الانتشار في الافاق ، لأسباب ليس هذا محل ذكرها ، لم نجد بدا من التعلق بالغربة لدفع الأمور الضرورية من لوازم متممات المعيشة ، مقتفين في ذلك أثر جمع كثير من العلماء ، وجم غفير من الكبراء الأتقياء ، اعتمادا على ما ثبت بطريق أهل البيت عليهم السلام :

[ 238 ]

من أن أرض العراق ونحوها مما فتح عنوة بالسيف لا يملكها مالك مخصوص بل للمسلمين قاطبة ، يؤخذ منها الخراج أو المقاسمة ، ويصرف في مصارفه التي بها رواج الدين بأمر إمام الحق من أهل البيت عليهم السلام ، كما وقع في أيام أمير المؤمنين عليه السلام . وفي حال غيبته عليهم السلام قد أذن أئمتنا عليهم السلام لشيعتهم في تناول ذلك من سلاطين الجور - كما سنذكره مفصلا - فلهذا تداوله العلماء الماضون والسلف الصالحون ، غير مستنكر ولا مستهجن . وفي زماننا حيث استولى الجهل على أكثر أهل العصر ، واندرس بينهم معظم الأحكام ، وخفيت مواقع الحلال والحرام ، هدرت شقاشق الجاهلين ، وكثرت جرأتهم على أهل الدين ، استخرت الله تعالى وكتبت في تحقيق هذه المسألة رسالة ضمنتها ما نقله فقهاؤنا في ذلك من الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام ، وأودعتها ما صرحوا به في كتبهم من الفتوى بأن ذلك حلال لا شك فيه ، وطلق لا شبهة تعتريه ، على وجه بديع ، تذعن له قلوب العلماء ، ولا تمجه أسماع الفضلاء . واعتمدت في ذلك أن ابين عن هذه المسألة التي قل بذرها ، وجهل قدرها ، غيرة على عقائل المسائل ، لا حرصا على حطام هذا العاجل ، ولا تفاديا من تعويض جاهل ، فإن لنا بموالينا أهل البيت عليهم السلام أعظم أسوة وأكمل قدوة ، فقد قال الناس فيهم الاقاويل ونسبوا إليهم الأباطيل ، وبملاحظة لو كان المؤمن في حجر ضب يبر كل عليل . مع أني لما اقتصر في ما أشرت إليه على مجرد ما نبهنا عليه ، بل أضفت إلى ذلك من الأسباب التي تثمر الملك وتفيد الحل ، ما لا يشوبه شك ولا يلحقه لبس من شراء حصة في الأشجار ، والاختصاص بمقدار معين من البذر ، فقد ذكر أصحابنا طرقا للتخلص من الربا واسقاط الشفعة ، ونحوها مما هو مشهور متداول

[ 239 ]

بل لا ينفك عنها إلا القليل النادر ، وقد استقر في النفوس قبوله وعدم النفر منه ، مع أن ما اعتمدته في ذلك أولى بالبعد عن الشبهة وأحرى بسلوك جادة الشريعة . ولم أودع في هذه الرسالة من الفتوى إلا ما اعتقدت صحته ، وأقدمت على لقاء الله به ، مع علمي بأن من خلا قلبه من الهوى وبصر بصيرته من الغوى ، وراقب الله تعالى في سريرته وعلانيته ، لا يجد بدا من الاعتراف به والحكم بصحته ، وسميتها ب‍ " قاطعة اللجاج في تحقيق حل الخراج " ورتبتها على مقدمات خمس ، ومقالة ، وخاتمة ، وسألت الله أن يلهمني إصابة الحق ويجنبني القول بالهوى ، إنه ولي ذلك والقادر عليه . المقدمة الأولى في أقسام الأرضين وهي في الأصل على قسمين : أحدهما : أرض بلاد الاسلام ، وهي على قسمين أيضا : عامر ، وموات . فالعامر ملك لاهله ، لا يجوز التصرف فيه إلا بإذن ملاكه والموات إن لم يجر عليه ملك مسلم فهو لامام المسلمين يفعل به ما يشاء ، وليس هذا القسم من محل البحث المقصود القسم الثاني : ما ليس كذلك وهو أربعة أقسام : أحدها : ما يملك بالاستغنام ويؤخذ بالسيف ، وهو المسمى بالمفتوح عنوة . وهذه الأرض للمسلمين قاطبة ، لا يختص بها المقاتلة عند أصحابنا كافة ، خلافا لبعض العامة . ولا يفضلون فيها على غيرهم ، ولا يتخير الإمام بين قسمتها ووقفها وتقرير أهلها عليها بالخراج ، بل يقبلها الإمام لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف ،

[ 240 ]

أو الثلث ، أو غير ذلك . وعلى المتقبل إخراج مال القبالة التي هي حق الرقبة ، وفيما يفضل في يده إذا كان نصابا العشر أو نصف العشر . ولا يصح التصرف في هذه الأرض بالبيع والشراء والوقف ، وغير ذلك وللإمام أن ينقلها من متقبل إلى آخر إذا انقضت هذه القبالة : أو اقتضت المصلحة ذلك ، وله التصرف فيها بحسب ما يراه الإمام من مصلحة المسلمين وأنفاع الأرض يصرف إلى المسلمين وإلى مصالحهم ، وليس للمقاتلة فيه إلا مثل ما لغيرهم من النصيب في الارتفاع . وثانيها : أرض من أسلم أهلها عليها طوعا من غير قتال ، وحكمها أن تترك في أيديهم ملكا لهم يتصرفون فيها بالبيع والشراء والوقف ، وسائر أنواع التصرف ، إذا أقاموا بعمارتها ، ويؤخذ منهم العشر أو نصفه بالشرائط . فإن تركوا عمارتها وتركوها خرابا كانت للمسلمين قاطبة ، وجاز للامام أن يقبلها ممن يعمرها بما يراه من النصف أو الثلث أو الربع ، ونحو ذلك . وعلى المتقبل بعد إخراج حق القبالة ومؤنة الأرض مع وجود النصاب العشر أو نصفه . وعلى الإمام أن يعطي أربابها حق الرقبة من القبالة على المشهور ، أفتى به الشيخ رحمه الله في المبسوط والنهاية ( 1 ) ، وأبو الصلاح ( 2 ) ، وهو الظاهر من عبارة المحقق نجم الدين في الشرائع ( 3 ) ، واختاره العلامة في المنتهى والتذكرة والتحرير ( 4 ) ، وابن حمزة ، وابن البراج ذهبا إلى أنها تصير للمسلمين قاطبة وأمرها

( 1 ) المبسوط 1 : 235 النهاية : 194 . ( 2 ) الكافي في الفقيه : 260 . ( 3 ) الشرائع 1 : 323 . ( 4 ) المنتهى 2 : 935 ، التذكرة 1 : 427 ، التحرير 1 : 142 .

[ 241 ]

إلى الإمام ( 1 ) ، وكلام شيخنا في الدروس قريب من كلامهما فإنه قال : يقبلها الإمام بما يراه ويصرفه في مصالح المسلمين ( 2 ) . وابن إدريس منع من ذلك كله وقال : إنها باقية على ملك الأول ، ولا يجوز التصرف فيها إلا بإذنه ( 3 ) ، وهو متروك . احتج الشيخ بما رواه صفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر قال : ذكرنا له الكوفة وما وضع عليها من الخراج ، وما سار فيها أهل بيته فقال : " من أسلم طوعا تركت أرضه في يده ، وأخذ منه العشر مما سقت السماء والأنهار ، ونصف العشر مما كان بالرشا في ما عمروه منها ، وما لم يعمروه منها أخذه الإمام فقبله ممن يعمره ، وكان للمسلمين ، وعلى المتقبلين في حصصهم العشر أو نصف العشر " ( 4 ) . وفي الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال : ذكرت لأبي الحسن الرضا عليه السلام الخراج وما سار به أهل بيته فقال : " العشر ونصف العشر على من أسلم تطوعا تركت أرضه في يده ، وأخذ منه العشر ونصف العشر في ما عمر منها ، وما لم يعمر أخذها الوالي فقبله ممن يعمره وكان للمسلمين ، وليس في ما كان أقل من خمسة أو ساق شئ ، وما أخذ بالسيف فذلك للامام يقبله بالذي يرى ، كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله بخيبر " ( 5 ) . واعترض في المختلف بأن السؤال إنما وقع عن أرض الخراج ، ولا نزاع

( 1 ) الوسيلة : 132 ، المهذب 1 : 181 . ( 2 ) الدروس : 163 . ( 3 ) السرائر : 110 . ( 4 ) التهذيب 4 : 118 حديث 341 . ( 5 ) التهذيب 4 : 119 حديث 342 .

[ 242 ]

فيه ، بل النزاع في أرض من أسلم أهلها عليها . ثم أجاب بأن الجواب أولا عن أرض من أسلم أهلها عليها ، ثم إنه عليه السلام أجاب عن أرض العنوة ( 1 ) . إذا عرفت ذلك فاعلم أن العلامة في المختلف أجاب بهاتين الروايتين على مختار الشيخ والجماعة ، وهما في الدلالة على مختار ابن حمزة وابن البراج أظهر . ثم احتج لهما برواية لا تدل على مطلوبهما ، بل ولا تلتئم على مقالتهما ، وليس لنا في بيان ذلك كثير فائدة ، نعم بمقتضى الروايتين المتجه ما ذهب إليه . وثالثها : أرض الصلح ، وهي كل أرض صالح أهلها عليها ، وهي أرض الجزية فيلزمهم ما يصالحهم الإمام عليه من نصف أو ثلث أو ربع ، أو غير ذلك . وليس عليهم شئ سواه ، فإذا أسلم أربابها كان حكم أرضهم حكم أرض من أسلم طوعا ابتداءا ، ويسقط عنهم الصلح لأنه جزية . ويصح لأربابها التصرف فيها بالبيع والشراء والهبة ، وغير ذلك : وللإمام أن يزيد وينقص ما يصالحهم عليه بعد انقضاء مدة الصلح حسب ما يراه من زيادة الجزية ونقصانها ، ولو باعها المالك من مسلم صح وانتقل ما عليها إلى رقبة البائع . وهذا إذا صولحوا على أن الأرض لهم ، أما لو صولحوا على أن الأرض للمسلمين وعلى أعناقهم الجزية كان حكمها حكم الأرض المفتوحة عنوة ، عامرها للمسلمين ومواتها للامام عليه السلام . ورابعها : أرض الانفال : وهي كل أرض انجلى أهلها عنها وتركوها أو كانت مواتا لغير ذلك فأحييت ، أو كانت آجاما وغيرها مما لا يزرع فاستحدثت مزارع فإنها كلها للامام خاصة ، لا نصيب لأحد معه فيها ، وله التصرف فيهما بالبيع والشراء والهبة والقبض حسب ما يراه . وكان له أن يقبلها بما يراه من نصف أو ثلث أو ربع .

( 1 ) المختلف . 332 .

[ 243 ]

ويجوز له نزعها من يد متقبلها إذا انقضت مدة الزمان ، إلا ما أحييت بعد موتها ، فإن من أحياها أولى بالتصرف فيها إذا تقبلها بما يتقبلها غيره ، فإن أبى كان للامام نزعها من يده وتقبيلها لمن يراه ، وعلى المتقبل بعد إخراج مال القبالة في ما يحصل العشر أو نصفه . مسائل : الأولى : تقسيم الأرض إلى هذا الأقسام الأربعة بعينه موجود في كلام الشيخ رحمه الله في المبسوط والنهاية ( 1 ) ، بل تكاد عبارته تطابق العبارة المذكورة هنا . والظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب في ذلك ، فقد ذكره كذلك جماعة المتأخرين كابن إدريس ( 2 ) ، والمحقق ابن سعيد ( 3 ) ، والعلامة في مطولاته كالمنتهى والتذكرة ( 4 ) ، ومتوسطانه كالتحرير ( 5 ) ومختصراته كالقواعد والارشاد ( 6 ) ، وكذا لشيخنا الشهيد في دروسه ( 7 ) . الثانية : قال الشيخ : كل موضع أوجبنا فيه العشر أو نصف العشر من أقسام الأرضين ، إذا أخرج الانسان مؤنته ومؤنة عياله لسنة وجب عليه في الذي يبقى بعد ذلك الخمس لاهله ( 8 ) ، وهو متجه .

( 1 ) المبسوط 2 : 29 ، النهاية : 194 . ( 2 ) السرائر : 110 . ( 3 ) الشرائع 1 : 323 . ( 4 ) المنتهى 2 : 935 ، التذكرة 1 : 427 . ( 5 ) التحرير 1 : 142 . ( 6 ) القواعد 1 : 106 . ( 7 ) الدروس : 163 . ( 8 ) المبسوط 1 : 236 .

[ 244 ]

الثالثة : ما يؤخذ من هذه الأراضي إما مقاسمة بالحصة ، أو ضريبة تسمى الخراج ، يصرف لمن له رقبة تلك الأرض ، فما كان من المفتوح عنوة فمصرفه للمسلمين قاطبة . وكذا ما يؤخذ من أرض الصلح - أعني الجزية - وما يؤخذ مما أسلم أهلها عليها إذا تركوا عمارتها على ما سبق ، وما كان من أرض الانفال فهو للامام عليه السلام ، وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى . المقدمة الثانية في حكم المفتوح عنوة أعني المأخوذة بالسيف قهرا ، لأن فيه معنى الإذلال ، ومنه قوله تعالى " وعنت الوجوه للحي القيوم " ( 1 ) أي ذلت ، وفيه مسائل : الأولى : قد قدمنا أن هذه الأرض للمسلمين قاطبة ، لا يختص بها المقاتلة ، لكن إذا كانت محياة وقت الفتح فلا يصح بيعها والحالة هذه ، ولا وقفها ولا هبتها ، بل يصرف الإمام حاصلها في مصالح المسلمين ، مثل سد الثغور ، ومعونة الغزاة وبناء القناطر . ويخرج منها أرزاق القضاة والولاة وصاحب الديوان ، وغير ذلك من مصالح المسلمين ، ذهب إلى ذلك أصحابنا كافة . قال الشيخ في المبسوط عندما ذكر هذا القسم من الأرضين : ويكون للامام النظر فيها وتقبيلها وتضمينها بما شاء ، ويأخذ ارتفاعها ويصرفه في مصالح المسلمين وما ينوبهم من سد الثغور ، ومعونة المجاهدين ، وبناء القناطر ، وغير ذلك من المصالح . وليس للغانمين في هذه الأرض شئ خصوصا ، بل هم والمسلمين فيه سواء ولا يصح بيع شئ من هذه الأرض ، ولا هبته ، ولا معاوضته ، ولا تمليكه ، ولا وقفه

( 1 ) طه : 111 .

[ 245 ]

ولا رهنه ، ولا إجارته ، ولا إرثه . ولا يصح أن ينشأ دورا ، ولا منازل ، ولا مساجد وسقايات ، ولا غير ذلك من أنواع التصرف الذي يتبع الملك . ومتى فعل شئ من ذلك كان التصرف باطلا ، وهو باق على الأصل ( 1 ) . هذا كلامه رحمه الله بحروفه ، وكلامه في النهاية قريب من ذلك ( 2 ) ، وكذا كلام ابن إدريس في السرائر ( 3 ) ، والذي وقفنا عليه من كلام المتأخرين عن زمان الشيخ غير مخالف لشئ من ذلك . وهذا العلامة في كتاب منتهى المطلب ، وتذكرة الفقهاء ، والتحرير مصرح بذلك . قال في المنتهى : قد بينا أن الأرض المأخوذة عنوة لا يختص بها الغانمون بل هي للمسلمين قاطبة إن كانت محياة وقت الفتح ، ولا يصح بيعها ولا هبتها ولا وقفها ، بل يصرف الإمام حاصلها في المصالح مثل : سد الثغور ، ومعونة الغزاة وبناء القناطر . ويخرج منها أرزاق القضاة والولاة وصاحب الديوان ، وغير ذلك من مصالح المسلمين ( 4 ) . وقد تكرر ذلك في كلامه نحو هذا قبل وبعد ( 5 ) . وكذا قال في التذكرة والتحرير ( 6 ) ، فلا حاجة إلى التطويل بإيراد عبارته فيهما . وقد روى الشيخ في التهذيب عن حماد بن عيسى قال : رواه لي بعض أصحابنا ذكره عن العبد الصالح أبي الحسن الأول عليه السلام في حديث طويل أخذنا منه

( 1 ) المبسوط 2 : 34 . ( 2 ) النهاية : 194 . ( 3 ) السرائر : 110 . ( 4 ) المنتهى 2 : 936 . ( 5 ) المنتهى 2 : 934 ، 935 . ( 6 ) التذكرة 1 : 427 ، التحرير 1 : 142 .

[ 246 ]

موضع الحاجة قال : " وليس لمن قاتل شئ من الأرضين وما غلبوا عليه إلا ما احتوى العسكر - إلى أن قال - : والأرض التي أخذت عنوة بخيل وركاب فهي موقوفة متروكة في ايدي من يعمرها ويحييها ، ويقوم عليها على صلح ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الخراج النصف أو الثلث أو الثلثان . وعلى قدر ما يكون لهم صالحا ولا يضر بهم . فإذا خرج منها نماء بدأ فأخرج منها العشر من الجميع مما سقت السماء أو سقي سيحا ، ونصف العشر مما سقي بالدوالي والنواضح فأخذه الوالي فوجهه في الوجه الذي وجهه الله تعالى له - إلى أن قال - : ويؤخذ بعد ما يبقى من العشر فيقسم بين الوالي وبين شركائه الذين هم عمال الأرض وأكرتها ، فيدفع إليهم انصبائهم على قدر ما صالحهم عليه ، ويأخذ الباقي فيكون ذلك أرزاق أعوانه على دين الله ، وفي مصلحة ما ينويه من تقوية الاسلام وتقوية الدين في وجوه الجهاد ، وغير ذلك مما فيه مصلحة العامة ، ليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير وله بعد الخمس الانفال . والانفال كل أرض خربة قد باد أهلها ، وكل أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، ولكن صولحوا عليها وأعطوا بأيديهم على غير فتال . وله رؤوس الجبال ، وبطون الاودية ، والاجام ، وكل أرض ميتة لا رب لها ، وله صوافي المملوك مما كان بأيديهم من غير وجه الغصب ، لأن المغصوب كله مردود وهو وارث من لا وارث له " ( 1 ) . الحديث بتمامه . وهذا الحديث وإن كان من المراسيل ، إلا أن الأصحاب تلقوه بالقبول ، ولم تجد له راد ، وقد عملوا بمضمونه ، واحتج به على ما تضمن من مسائل هذا الباب

( 1 ) التهذيب 4 : 128 حديث 366 .

[ 247 ]

العلامة في المنتهى ( 1 ) ، وما هذا شأنه فهو حجة بين الأصحاب ، فإن ما فيه من الضعف ينجبر بهذا القدر من الشهرة . بقي شئ ، وهو أنه تضمن وجوب الزكاة قبل حق الأرض ، وبعد ذلك يؤخذ حق الأرض ، والمشهور بين الأصحاب أن الزكاة بعد المؤن . نعم هو قول الشيخ رحمه الله ( 2 ) . وروى الشيخ في الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : " ما أخذ بالسيف فذلك للامام عليه السلام يقبله بالذي يرى ، كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله بخيبر ، قبل أرضها ونخلها ، والناس يقولون : لا تصح قبالة الأرض والنخل إذا كان البياض أكثر من السواد ، وقد قبل رسول الله صلى الله عليه وآله خيبر . وعليهم في حصصهم العشر ونصف العشر " ( 3 ) . وفي معناه ما رواه أيضا مقطوعا عن صفوان بن يحيى وأحمد بن أبي نصر ( 4 ) . الثانية : موات هذه الأرض - أعني المفتوحة عنوة ، وهو ما كان في وقت الفتح مواتا - للامام عليه السلام خاصة ، لا يجوز لأحد إحياؤه إلا بإذنه إن كان ظاهرا . ولو تصرف فيها متصرف بغير إذنه كان عليه طسقها . وحال الغيبة يملكها المحيي بغير إذن . ويرشد إلى بعض هذه الأحكام ما اوردناه في الحديث السابق عن أبي الحسن الأول عليه السلام . وأدل منه ما رواه الشيخ في الصحيح عن عمر بن يزيد : أنه سمع

( 1 ) المنتهى 2 : 934 . ( 2 ) المبسوط 1 : 236 . ( 3 ) التهذيب 4 : 119 حديث 342 . ( 4 ) التهذيب 4 : 118 حديث 341 .

[ 248 ]

رجلا يسئل الصادق عليه السلام عن رجل أخذ أرضا مواتا تركها أهلها فعمرها ، وأكرى أنهارا ، وبنى فيها بيوتا ، وغرس فيها نخلا وشجرا قال : فقال أبو عبد الله عليه السلام : " كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول : من أحيى أرضا من المؤمنين فهي له ، وعليه طسقها يؤديه إلى الإمام في حال الهدنة ، فإذا ظهر القائم عليه السلام فليوطن نفسه على أن تؤخذ منه " ( 1 ) . وروى الشيخ عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الشراء من أرض اليهود والنصارى ، فقال : " ليس به بأس - إلى أن قال - : وأيما قوم أحيوا شيئا من الأرض وعملوا فهم أحق بها وهي لهم " ( 2 ) . الثالثة : قال الشيخ رحمه الله في النهاية والمبسوط ( 3 ) ، وكافة الأصحاب : لا يجوز بيع هذه ، ولا هبتها ، ولا وقفها ، كما حكيناه سابقا عنهم ، لأنها أرض المسلمين قاطبة ، فلا يختص بها أحد على وجه التملك لرقبة الأرض ، إنما يجوز له التصرف فيها ، ويؤدي حق القبالة إلى الإمام ، ويخرج الزكاة مع اجتماع الشرائط . وإذا تصرف فيها أحد بالبناء والغرس صح له بيعها على معنى أنه يبيع ماله فيها من الآثار وحق الاختصاص بالتصرف لا الرقبة ، لأنها ملك للمسلمين قاطبة . روى الشيخ عن صفوان بن يحيى ، عن أبي بردة بن رجاء قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : كيف ترى في شراء أرض الخراج ؟ قال : " ومن يبيع ذلك وهي أرض للمسلمين ! " قال : قلت : يبيعه الذي في يديه ، قال : " ويصنع بخراج المسلمين ماذا ؟ ! " ثم قال : " لا بأس اشترى حقه منها ويحول حق المسلمين عليه ، ولعله يكون أقوى عليها واملأ بخراجها منه " ( 4 ) .

( 1 ) التهذيب 4 : 145 حديث 404 . ( 2 ) التهذيب 4 : 146 حديث 407 . ( 3 ) المبسوط 1 : 235 ، النهاية : 196 . ( 4 ) التهذيب 4 : 146 حديث 406 .

[ 249 ]

وهذا صريح في جواز بيع حقه - أعني آثار التصرف - ومنع بيع الأرض ، ولا نعرف أحدا من الأصحاب يخالف ما في مضمون الحديث . وعن محمد بن مسلم قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الشراء من أرض اليهود والنصارى فقال : " ليس به بأس ، قد ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أهل خيبر فخارجهم على أن يترك الأرض بأيديهم يعملونها ويعمرونها ، فلا أرى بأسا لو أنك اشتريت منها " ( 1 ) الحديث . وهذا يراد به ما أريد بالأول من بيع حقه منها ، إذ قد صرح أولا بأنها ليست ملكا لهم وإنما خارجهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فكيف يتصور منهم بيع الرقبة والحالة هذه . وقريب من ذلك ما روي حسنا عن جرير ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سمعته يقول : " رفع إلى أمير المؤمنين عليه السلام رجل مسلم اشترى أرضا من أراضي الخراج ، فقال عليه السلام : له ما علينا وعليه مالنا مسلما كان أو كافرا ، له ما لأهل الله وعليه ما عليهم " ( 2 ) . وهذا في الدلالة كالأول . وعن جرير عن محمد بن مسلم وعمر بن حنظلة عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سألته عن ذلك فقال : " لا بأس بشرائها ، فإنها إذا كانت بمنزلتها في أيديهم يؤدي عنها كما يؤدي عنها " ( 3 ) . وأدل من ذلك ما رواه محمد بن الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام وقد سأله عن السواد ما منزلته فقال : " هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم ،

( 1 ) التهذيب 4 : 146 حديث 407 . ( 2 ) التهذيب 4 : 147 حديث 411 . ( 3 ) التهذيب 4 : 147 حديث 408 .

[ 250 ]

ولمن يدخل في الاسلام بعد اليوم ، ولمن يخلق بعد " فقلنا : الشراء من الدهاقين ؟ قال : " لا يصلح ، إلا أن يشتري منهم على أن يصيرها للمسلمين ، فإن شاء ولي الأمر أن يأخذها أخذها " قلنا : فإن أخذها منه ؟ قال : " يرد إليه رأس ماله وله ما أكل من غلتها بما عمل " ( 1 ) . وفي التذكرة رواه هكذا : قال : " يود " ( 2 ) بالواو بدل الراء من الأداء ، مجزوما بأنه أمر للغائب محذوف اللام . وما اوردناه أولى . فإن قلت : إذا جوزتم البيع ونحوه تبعا لآثار التصرف فكيف يجوز لولي الأمر أخذها من المشتري ؟ وكيف يسترد رأس ماله مع أنه قد أخذ عوضه ، أعني تلك الآثار ؟ قلت : لا ريب أن ولي الأمر له أن ينتزع أرض الخراج من يد متقبلها إذا انقضت مدة القبالة ، وإن كان له بها شئ من الآثار فانتزاعها من يد المشتري أولى بالجواز وحينئذ فله الرجوع برأس ماله لئلا يفوت الثمن والمثمن ، ولكن الذي يرد الثمن يحتمل أن يكون هو الإمام عليه السلام ، لانتزاعه ذلك ، ويحتمل أن يكون البائع ، لما في الرد من الاشعار بسبق الأخذ . وقوله : " وله ما أكل . . " الظاهر أنه يريد به المشتري ، وفي معنى هذه الأخبار أخبار أخر كثيرة أعرضنا عنها إيثارا للاختصار . تنبيهات : الأول : قد عرفت أن المفتوحة عنوة لا يصح بيع شئ منها ، ولا وقفه ولا هبته قال في المبسوط : ولا أن تبنى دورا ، ولا منازل ، ولا مساجد وسقايات ، ولا غير

( 1 ) التهذيب 7 : 147 حديث 652 . ( 2 ) التذكرة 1 : 428 .

[ 251 ]

ذلك من أنواع التصرفات الذي يتبع الملك . ومتى فعل شئ من ذلك كان التصرف باطلا ، وهو باق على الأصل ( 1 ) . وقد حكينا عبارته قبل ذلك . وقال ابن إدريس : فإن قيل : نراكم تبيعون وتشترون وتقفون أرض العراق وقد أخذت عنوة قلنا : إنما نبيع ونقف تصرفنا فيها وتحجيرنا وبناؤنا ، فأما نفس الأرض فلا يجوز ذلك فيها ( 2 ) . قال العلامة في المختلف بعد حكاية كلام ابن إدريس هذا : وهو يشعر بجواز البناء والتصرف ، وهو أقرب ( 3 . ) قلنا : هذا واضح لا غبار عليه ، يدل عليه ما تقدم في قول الصادق عليه السلام : " اشتر حقه منها " ( 4 ) ، وأنه أثر محترم مملوك لم يخرج عن ملك مالكه بشئ من الأسباب الناقلة ، فيكون قابلا لتعلق التصرفات به . ونحو ذلك قال في كتاب التذكرة في كتاب البيع فإنه قال : لا يصح بيع الأرض الخراجية ، لأنها ملك المسلمين قاطبة لا يختص بها أحد ، نعم يصح بيعها تبعا لآثار التصرف ( 5 ) . وكذا قال في القواعد والتحرير ( 6 ) . ثم نعود إلى كلامه في المختلف فإنه قال فيه في آخر المسألة في كتاب البيع ويحمل قول الشيخ على الأرض المحياة دون الموات . قلت : هذا مشكل ، لأن المحياة هي التي تتعلق بها هذه الأحكام المذكورة ،

( 1 ) المبسوط 2 : 34 . ( 2 ) السرائر : 111 . ( 3 ) المختلف : 333 . ( 4 ) التهذيب 4 : 146 حديث 406 . ( 5 ) التذكرة 1 : 465 . ( 6 ) القواعد : 1 : 126 ، التحرير 1 : 165 .

[ 252 ]

وأما الموات فإنها في حال الغيبة مملوكة للمحيي ، ومع وجود الإمام لا يجوز التصرف فيها إلا بإذنه ، مع أن الحمل لا ينافي ما قررته من مختار ابن إدريس ، لأن مراده بأرض العراق المعمورة المحياة التي فيها لا يجوز بيعها ولا هبتها ، لأنها أرض الخراج . نعم يمكن حمل كلام الشيخ رحمه الله على حال وجود الإمام وظهوره ، لا مطلقا . الثاني : نفوذ هذه التصرفات التي ذكرناها إنما هو في غيبة الإمام ، أما في حال ظهوره فلا ، لأنه إنما يجوز التصرف فيها بإذنه . وعلى هذا فلا ينفذ شئ من تصرفات المتصرف فيها استقلالا . وقد أرشد إلى هذا الحكم كلام الشيخ في التهذيب ، فإنه أورد على نفسه سؤالا وجوابا ، محصلها مع رعاية ألفاظه بحسب الامكان : أنه إن قال قائل : إذا كان الأمر في أموال الناس ما ذكرتم من لزوم الخمس فيها ، وكذا الغنائم وكان حكام الأرضين ما بينهم من وجوب اختصاص التصرف فيها بالأئمة عليهم السلام ، إما لاختصاصهم بها كالأنفال ، أو للزوم التصرف فيها بالتقبيل والتضمين لهم مثل أرض الخراج ، فيجب أن لا يحل لكم منكح ، ولا يخلص لكم متجر ، ولا يسوغ لكم مطعم على وجه من الوجوه . قيل له : الأمر وإن كان كما ذكرت من اختصاص الأئمة عليهم السلام بالتصرف في هذه الأشياء فإن لنا طريقا إلى الخلاص . ثم أورد الأحاديث التي وردت بالإذن للشيعة ، لاختصاصهم في حقوقهم عليهم السلام حال الغيبة . ثم قال : إن قال قائل : إن ما ذكرتموه إنما يدل على إباحة التصرف في هذه الأرضين ، ولا يدل على صحة تملكها بالشراء والبيع ، ومع عدم صحتها لا يصح ما يتفرع عليها .

[ 253 ]

قيل له : قد قسمنا الأرض على ثلاثة أقسام : أرض يسلم أهلها عليها ، فهي ملك لهم يتصرفون فيها . وأرض تؤخذ عنوة أو يصالح أهلها عليها فقد أبحنا شراءها وبيعها ، لأن لنا في ذلك قسما ، لأنها أراضي المسلمين ، وهذا القسم أيضا يصح الشراء والبيع فيه على هذا الوجه . وأما الانفال وما يجري مجراها فليس يصح تملكها بالشراء ، وإنما أبيح لنا التصرف حسب . ثم استدل على حكم أراضي الخراج برواية أبي بردة بن رجا السالفة الدالة على جواز بيع آثار التصرف دون رقبة الأرض ( 1 ) . وهذا كلام واضح السبيل ، ووجهه من حيث المعنى : أن التصرف في المفتوحة عنوة إنما يكون بإذن الإمام ، وقد حصل منهم الإذن لشيعتهم حال الغيبة فيكون آثار تصرفهم محترم بحيث يمكن ترتب البيع ونحوه عليها . وعبارة شيخنا في الدروس أيضا ترشد إلى ذلك ، حيث قال : ولا يجوز التصرف في المفتوحة عنوة إلا بإذن الإمام عليه السلام ، سواء كان بالبيع أو بالوقف أو غيرهما ، نعم في حال الغيبة ينفذ ذلك . وأطلق في المبسوط أن التصرف فيها لا ينفذ ( 2 ) ، أي لم يقيده بحال ظهور الإمام أو عدمه . ثم قال : وقال ابن إدريس : إنما يباع ويوقف تحجيرنا وبناؤنا وتصرفنا لا نفس الأرض ( 3 ) . ومراده بذلك أن ابن إدريس أيضا أطلق جواز التصرف في مقابل إطلاق الشيخ رحمه الله عدم جوازه . والصواب التقييد بحال الغيبة لينفذ ، وعدمه لعدمه ، وهذا ظاهر بحمد الله تعالى .

( 1 ) التهذيب 4 : 146 حديث 406 . ( 2 ) المبسوط 1 : 235 . ( 3 ) السرائر : 111 ، الدروس : 163 .

[ 254 ]

المقدمة الثالثة : في بيان أرض الانفال وحكمها الانفال : جمع نفل ، بسكون الفاء وفتحها ، وهو الزيادة ، ومنه النافلة . والمراد به هنا : كل ما يخص الإمام عليه السلام . وقد كانت الانفال لرسول الله صلى الله عليه وآله في حياته ، وهي بعده للامام القائم مقامه عليه السلام . وضابطها : كل أرض فتحت من غير أن يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، والارضون الموات ، وتركات من لا وارث له من الاهل والقرابات ، والاجام ، والمفاوز وبطون الاودية ، ورؤس الجبال ، وقطائع الملوك . وقد تقدم في الحديث الطويل عن أبي الحسن الأول عليه السلام ذكر ذلك كله ( 1 ) . وقد روى الشيخ عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قلت له : ما تقول في قول الله : " يسئلونك عن الانفال قل الانفال لله " ( 2 ) ؟ قال : " الانفال لله ولرسوله وهي كل أرض جلا أهلها من غير أن يحمل عليها بخيل ولا رجال ولا ركاب فهي نفل لله وللرسول " ( 3 ) . وعن سماعة بن مهران قال : سألته عن الانفال فقال : " كل أرض جزية أو شئ كان للملوك فهو خالص للامام ليس للناس فيها سهم ، قال : ومنها البحرين لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب " ( 4 ) . وفي مرسلة العباس الوراق ، عن رجل سماه ، عن أبي عبد الله عليه السلام

( 1 ) التهذيب 4 : 128 حديث 366 . ( 2 ) الانفال : 1 . ( 3 ) التهذيب 4 : 132 حديث 368 . ( 4 ) التهذيب 4 : 33 حديث 373 .

[ 255 ]

قال : " إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلها للامام ، وإذا غزو بأمر الإمام فغنموا كان للامام الخمس " ( 1 ) . ومضمون هذه الرواية مشهور بين الأصحاب مع كونها مرسلة ، وجهالة بعض رجال إسنادها وعدم إمكان التمسك بظاهرها ، إذ من غزا بإذن الإمام لا يكون خمس غنيمته كلها للامام عليه السلام . إذا عرفت فاعلم أن الأرض المعدودة من الانفال : إما أن تكون محياة ، أو مواتا . وعلى التقديرين : فإما أن يكون الواضع يده عليها من الشيعة ، أو لا . فهذه أقسام أربعة . وحكمها أن كل ما كان بيد الشيعة من ذلك فهو حلال عليهم ، مع اختصاص كل من المحياة والموات بحكمه ، لأن الأئمة عليهم السلام أحلوا ذلك لشيعتهم حال الغيبة . وأما غيرهم فإنه عليهم حرام وإن كان لا ينتزع عنهم في الحال على الظاهر ، حيث أن المستحق لانتزاعه هو الإمام عليه السلام فيوقف على أمره . وروى الشيخ رحمه الله عن عمر بن يزيد قال : رأيت أبا سيار مسمع بن عبد الملك بالمدينة ، وقد كان حمل إلى أبي عبد الله عليه السلام مالا في تلك السنة فرده عليه ، فقلت : لم رد عليك أبو عبد الله عليه السلام المال الذي حملته إليه ؟ فقال : إني قلت له حين حملة إليه المال : إني كنت وليت الغوص فأصبت منه أربعمائة ألف درهم وقد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم - إلى أن قال - : " يا أبا سيار قد طيبناه لك فضم إليك مالك وكل ما كان في ايدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون ، محلل لهم ذلك إلى أن قام قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في أيدي سواهم ، فإن كسبهم

( 1 ) التهذيب 4 : 135 حديث 378 .

[ 256 ]

حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم عنها صغرة " ( 1 ) . قال في الصحاح " الطسق : الوظيفة من خراج الأرض فارسي معرب ( 2 ) . وعن الحرث بن المغيرة النضري قال : دخلت على أبي جعفر عليه السلام فجلست عنده ، فإذا نجية قد استأذن عليه فأذن له فدخل فجثا على ركبتيه ثم قال : جعلت فداك إني أريد أن أسألك عن مسألة والله ما أريد بها إلا فكاك رقبتي من النار فكأنه رق له فاستوى جالسا فقال : " يا نجية سلني فلا تسألني اليوم عن شئ إلا أخبرتك به " قال : جعلت فداك ما تقول في فلان وفلان ؟ قال : " يا نجية لنا الخمس في كتاب الله ، ولنا الانفال ، ولنا صفو الأموال ، وهما والله أول من ظلمنا حقنا في كتاب الله ، وأول من حمل الناس على رقابنا ، ودماؤنا في أعناقهم إلى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت ، وأن الناس ليتقلبون في حرام إلى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت " فقال نجية : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثلاث مرات ، هلكنا ورب الكعبة . قال : فرفع فخده عن الوسادة فاستقبل القبلة فدعا بدعاء لم أفهم منه شيئا ، إلا أنا سمعناه في آخر دعائه وهو يقول : " اللهم إنا قد أحللنا ذلك لشيعتنا " ، قال : ثم أقبل إلينا بوجه وقال يا نجية ما على فطرة إبراهيم عليه السلام غيرنا وغير شيعتنا " ( 3 ) . وهذان الحديثان ونحوهما من الأحاديث الكثيرة مما لا خلاف في مضمونها بين الأصحاب بلا شك ولا فرية ، فلا حاجة إلى البحث عن إسنادهما والفحص عن رجاله ، فإن أخبار الاحاد بين محققي الأصحاب والمحصلين منهم إنما يكون حجة إذا انضم إليها من التابعات والشواهد وقرائن الأحوال ما يدل على صدقها ، فما ظنك بإجماع الفرقة .

( 1 ) التهذيب 4 : 144 حديث 403 . ( 2 ) الصحاح 4 : 1517 " طسق " . ( 3 ) التهذيب 4 : 145 حديث 405 .

[ 257 ]

فإن قيل : ما معنى جعل هذه الأشياء في حال الغيبة للشيعة ، أهي على العموم أو على جهة مخصوصة ؟ وعلى التقدير الثاني فما هذه الجهة ؟ قلنا : ليس المراد حلها على جهة العموم ، وإلا لزم سقوط حقهم عليهم السلام من الخمس حال الغيبة ، وهو خلاف ما عليه أكثر الأصحاب ، بل القول به منسوب إلى الشذوذ ، بل يلزم منه جواز تناول حقهم عليهم السلام والصرف فيه ، إلى غير ذلك مما هو معلوم البطلان وإنما المراد : إحلال ما لا بد منه من المناكح والمساكن والمتاجر لتطيب ولادتهم ويخرجوا عن الغصب في المسكن والمطعم ونحوهما . وقد عين الأصحاب لذلك مواضع بخصوصها في باب الخمس ، فلا حاجة بنا إلى ذكرها هاهنا ، فإذا كان بيد أحدنا من أرض الانفال شئ إما بالاحياء أو بالشراء من بعض المتغلبين ونحو ذلك ، كانت عليه حلالا بإحلال الأئمة عليهم السلام . فإن قيل : ليس على الشيعة في هذا النوع من الأرض خراج ، فهل على غيرهم فيه شئ من ذلك ؟ قلنا : لا نعرف في ذلك تصريحا للأصحاب ، ولكن قد وقع في الحديث السابق تصريحا به ، ووجهه من حيث المعني أنه تصرف في مال الغير بغير إذنه ، فلا يكون مجانا . فإن قيل : فهل يجوز لمن استجمع صفات النيابة حال الغيبة جباية شئ من ذلك ؟ قلنا : إن ثبت أن جهة نيابته عامة احتمل ذلك ، وإلى الان لم نظفر بشئ فيه وكلام الأصحاب قد يشعر بالعدم ، لأن هذا خاصة الإمام ، وليس هو كخراج الأرض المأخوذة عنوة ، فإن هذا القسم كغيره كما سيأتي إن شاء الله . فإن قيل : فلو استولى سلطان الجور على جباية شئ من خراج هذه الأرضين اعتمادا منه أنه يستحقه لزعمه أنه الإمام ، فهل يحل تناوله ؟

[ 258 ]

قلنا : الأحاديث التي تأتي تحل تناول الخراج الذي يأخذه الجائر ، وكلام الأصحاب يتناول هذا القسم وإن كان السابق إلى الافهام في الخراج ما يؤخذ من المفتوح عنوة فلا يبعد الحاقه به . ولم أقف على شئ صريح في ذلك سوى إطلاق ما ورد عنهم عليهم السلام . فائدة : لا فرق بين غيبة الإمام وحضوره في زمان التقية ، لاستوائهما في كونه موجودا ممنوعا من التصرف . والأخبار وكلام الأصحاب يومئ إلى ذلك ، وإباحتهم عليهم السلام لشيعتهم إنما وقع في زمانهم وكذا الأمر بالجمعة . وقد احتج الأصحاب بذلك بثبوتهما في زمان الغيبة ، وفي الواقع لا فرق بينهما . المقدمة الرابعة في تعيين ما فتح عنوة من الأرضين اعلم أن الذي ذكره الأصحاب في ذلك : مكة زادها الله شرفا ، والعراق ، والشام ، وخراسان ، وبعض الاقطار ببلاد العجم وقد تقدم في بعض الأخبار السابقة أن البحرين من الانفال . فأما مكة فإن للأصحاب في كونها فتحت عنوة أو صلحا خلافا ، أشهره أنها فتحت عنوة . قال الشيخ رحمه الله في المبسوط : ظاهر المذهب أن النبي صلى وآله وسلم فتح مكة عنوة بالسيف ثم أمنهم بعد ذلك ، وإنما لم يقسم الأرضين والدور ، لأنها لجميع المسلمين كما نقول في كل ما فتح عنوة إذا لم يكن نقله إلى بلد الاسلام فإنه يكون للمسلمين قاطبة . ومن النبي صلى الله عليه وآله وسلم على رجال من المشركين فأطلقهم ، وعندنا أن للامام أن يفعل ذلك ، وكذلك أموالهم

[ 259 ]

من عليهم بها ( 1 ) . وقال العلامة في التذكرة : وأما أرض مكة فالظاهر من المذهب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتحها بالسيف ، ثم أمنهم بعد ذلك ( 2 ) . وكذا قال في النهاية ، ونحوه في التحرير ( 3 ) وشيخنا في الدروس لم يصرح بشئ . احتج العلامة على ذلك بما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لأهل مكة : " ما تروني صانعا بكم ؟ " فقالوا : أخ كريم وابن أخ كريم . فقال : " أقول لكم كما قال أخي يوسف لاخوته : ( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ) ، أنتم الطلقاء " ( 4 ) . ومن طريق الخاصة بما رواه الشيخ عن صفوان بن يحيى وأحمد بن محمد ابن أبي نصر قال : ذكرنا له الكوفة ، إلى أن قال : " إن أهل الطائف أسلموا وجعلوا عليهم العشر ، وإن أهل مكة دخلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنوة ، وكانوا أسراء في يده فأعتقهم فقال : اذهبوا أنتم الطلقاء " ( 5 ) . وأجاب عن حجة القائلين بأنها فتحت صلحا ، حيث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخلها بأمان ، كما ورد في قصة العباس وأبي سفيان وقوله عليه السلام : " من ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ومن تعلق بأستار الكعبة فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن " إلا جماعة معينين ، وأنه عليه السلام لم يقسم أموالهم ولا أراضيهم .

( 1 ) المبسوط 2 : 33 . ( 2 ) التذكرة 1 : 428 . ( 3 ) التحرير 1 : 142 . ( 4 ) يوسف : 92 . ( 5 ) التهذيب 4 : 118 حديث 341 .

[ 260 ]

بأنه على تقدير تسليم ذلك ، إنما لم يقسم الأرضين والدور ، لأنها لجميع المسلمين ، لا يختص بها الغانمون على ما تقرر من الأرض المفتوحة عنوة للمسلمين قاطبة ، والأموال والأنفس يجوز أن يمن عليهم بها مراعاة للمصلحة ، لأن للامام أن يفعل مثل ذلك ( 1 ) . وهذا قريب من كلام المبسوط ( 2 ) . وأما أرض العراق التي تسمى بأرض السواد فهي المفتوحة من أرض الفرس في أيام الثاني ، فلا خلاف فيه أنها فتحت عنوة . وإنما سميت سوادا ، لأن الجيش لما خرجوا من البادية ورأوا هذه الأرض والتفاف شجرها سموها السواد لذلك ، كذا ذكر العلامة في المنتهى والتذكرة ( 3 ) . قال في المبسوط - وهذه عبارته - : وأما أرض السواد فهي المغنومة من الفرس التي فتحها عمر وهي سواد العراق . فلما فتحت بعث عمر عمار بن ياسر أميرا ، وابن مسعود قاضيا وواليا على بيت المال ، وعثمان بن حنيف ماسحا . فمسح عثمان الأرض واختلفوا في مبلغها فقال الساجي : اثنان وثلاثون ألف ألف جريب ، وهي ما بين عبادان والموصل طولا ، وبين القادسية وحلوان عرضا . ثم ضرب على كل جريب نخل ثمانية دراهم ، والرطبة ستة ، والشجر والحنطة أربعة ، والشعير درهمين ، وكتب إلى عمر فأمضاه . وروي أن ارتفاعها كانت في عهد عمر مائة وستين ألف ألف درهم ، فلما كان في زمن الحجاج رجع إلى ثمانية عشر ألف ألف ، فلما ولي عمر بن عبد العزيز

( 1 ) التذكرة 1 : 428 . ( 2 ) المبسوط 2 : 33 . ( 3 ) المنتهى 2 : 937 ، التذكرة 1 : 428 .

[ 261 ]

رجع إلى ثلاثين ألف ألف درهم في أول [ سنة ، وفي ] ( 1 ) والثانية بلغ ستين ألف ألف ، فقال : لو عشت سنة أخرى لرددتها إلى ما كان في أيام عمر ، فمات في تلك السنة . وكذلك أمير المؤمنين عليه السلام لما أفضي الأمر إليه أمضى ذلك ، لأنه لم يمكنه أن يخالف ويحكم بما عنده . والذي يقتضيه المذهب أن هذه الأراضي وغيرها من البلاد التي فتحت عنوة يكون خمسها لأهل الخمس ، وأربعة أخماسها يكون للمسلمين قاطبة ، الغانمين وغير الغانمين في ذلك سواء ، ويكون للامام النظر فيها وتقبيلها وتضمينها بما شاء ( 2 ) . هذه عبارته بحروفها . وقال في المنتهى وهذه عبارته أيضا : أرض السواد : هي الأرض المغنومة من الفرس التي فتحها عمر بن الخطاب ، وهي سواد العراق ، وحده في العرض من منقطع الجبال بحلوان إلى طرف القادسية المتصل بعذيب من أرض العرب . ومن تخوم الموصل طولا إلى ساحل البحر ببلاد عبادان من شرقي دجلة . فأما الغربي الذي تليه البصرة فإنما هو إسلامي مثل شط عثمان بن أبي العاص . إلى أن قال : هذه الأرض فتحت عنوة ، فتحها عمر بن الخطاب ، ثم بعث إليها بعد فتحه ثلاثة أنفس : عمار بن ياسر على صلاتهم أميرا ، وابن مسعود قاضيا وواليا على بيت المال ، وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض وفرض لهم في كل يوم شاة شطرها مع السواقط لعمار ، وشطرها للاخرين . وقال : ما أرى قرية يؤخذ منها كل يوم شاة إلا سريع خرابها . ومسح عثمان أرض الخراج ، واختلفوا في مبلغها ، فقال الساجي : اثنان

( 1 ) لم ترد في النسخة الخطية ، أثبتناها من المصدر . ( 2 ) المبسوط 2 : 34 .

[ 262 ]

وثلاثون ألف ألف جريب ، وقال أبو عبيدة : ستة وثلاثون ألف ألف ثم ضرب على كل جريب نخل عشرة دراهم ، وعلى الكرم ثمانية دراهم ، وعلى جريب الشجر والرطبة ستة دراهم ، وعلى الحنطة له تسعة دراهم ، وعلى الشعير درهمين . ثم كتب في ذلك إلى عمر فأمضاه . وروي أن ارتفاعها كان في عهد عمر مائة وستين ألف ألف درهم ، فلما كان زمان الحجاج رجع إلى ثمانية عشر ألف ألف ، فلما ولي عمر بن عبد العزيز ، ثم ساق باقي كلام الشيخ السابق بحروفه ، ما زاد ولا نقص ( 1 ) . وكذا صنع في التذكرة في باب الجهاد بحروفه ( 2 ) ، وأعاد القول بفتح السواد عنوة في باب إحياء الموات ( 3 ) ومثل ذلك صنع في كتاب الجهاد من التحرير ( 4 ) . ولم يحضرني وقت كتابة هذه الرسالة هذا الموضوع من كتاب السرائر لابن إدريس رحمه الله لأحكي ما فيه ، لكنه في باب أحكام الأرضين من كتاب الزكاة ذكر أن أرض العراق مفتوحة عنوة ، وذكر من أحكامها قريبا من كلام الأصحاب الذي حكيناه ( 5 ) . وروى الشيخ بإسناده عن مصعب بن يزيد الأنصاري - وأورده ابن إدريس في السرائر ( 6 ) ، والعلامة في المنتهى ( 7 ) - قال : استعملني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على أربعة رساتيق : المدائن البهقباذات ، ونهر سير ، ونهر

( 1 ) المنتهى 2 : 937 . ( 2 ) التذكرة 1 : 428 . ( 3 ) التذكرة 2 : 402 . ( 4 ) التحرير 1 : 142 . ( 5 ) السرائر : 111 . ( 6 ) السرائر : 112 . ( 7 ) المنتهى 2 : 935 .

[ 263 ]

جوير ، ونهر الملك ، وأمرني أن أضع على كل جريب زرع غليظ درهما ونصفا ، وعلى كل جريب وسط درهما ، وعلى كل جريب زرع رقيق ثلثي درهم ، وعلى كل جريب كرم عشرة دراهم . وأمرني أن ألقي كل نخل شاذ عن القرى لمارة الطريق وابن السبيل ولا آخذ منه شيئا ، وأمرني أن أضع الدهاقين الذين يركبون البراذين ويتختمون بالذهب على كل رجل ثمانية وأربعين درهما ، وعلى أوساطهم والتجار منهم على كل رجل أربعة وعشرين درهما ، وعلى سفلتهم وفقرائهم اثني عشر درهما على كل إنسان منهم ، قال : وجبتها ثمانية ألف ألف درهم في سنة ( 1 ) . قال الشيخ توظيف الجزية في هذا الخبر لا ينافي ما ذكرناه من أن ذلك منوط بما يراه الإمام من المصلحة ، فلا يمتنع أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام رأى المصلحة في ذلك الوقت ووضع هذا المقدار ، وإذا تغيرت المصلحة إلى زيادة ونقصان غيره ، وإنما يكون منافيا لو وضع ذلك عليهم ، ونفى الزيادة عليهم والنقصان عنه في جميع الأحوال ، وليس ذلك في الخبر ( 2 ) . قلت : ومثله القول في الخراج منوط بالمصلحة وعرف الزمان كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، وهذا التقدير ليس على سبيل التوظيف بل بحسب مصلحة الوقت . واعلم أن الذي أوردته من لفظ الحديث هو ما أورده الشيخ في التهذيب ، لكن وجدت نسخه مختلفة العبارة في ايراد اسماء الرساتيق المذكورة ففي بعضها : نهر سيريا ونهر جوير . وفي بعضها : نهر سبر بالباء الموحدة والسين المهملة المكسورة ، ونهر جوين بالنون والجيم المفتوحة والياء المثناة من تحت بعد الواو المكسورة ، وفي بعضها : جوير بالجيم والياء الموحدة بعد الواو . وقال ابن إدريس بعد أن أورد الحديث في السرائر بعطف البهقباذات على

( 1 ) التهذيب 4 : 119 حديث 343 . ( 2 ) التهذيب 4 : 120 .

[ 264 ]

المدائن بالواو ، ونهر سبر بالباء المنقطة من تحتها نقطة واحده والسين غير المعجمة هي المدائن ، والدليل على ذلك أن الراوي قال : استعملني على أربعة رساتيق ثم عدد خمسة ، فذكر المدائن ثم ذكر من جملة الخمسة نهر سبر فعطف على اللفظ دون المعنى ، ثم شرع في بيان جواز مثل هذا العطف ، إلى أن قال : فأما البهقباذات : البهقباذ الأعلى وهو ستة طساسيج ثم ذكر أسماءها ، والبهقباذ الأوسط أربعة طساسيج وذكر أسماءها ، والبهقباذ الأسفل خمسة طساسيج وصنع مثل ذلك ( 1 ) . والذي وجدته في نسخ التهذيب المدائن البهقباذات بغير واو ، كما وجدته في المنتهى حيث أورد الحديث بلفظ وروى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال : سألته عن سيرة الإمام في الأرض التي فتحت عنوة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : " إن أمير المؤمنين عليه السلام قد سار في أهل العراق بسيرة فهم إمام لسائر الأرضين " ( 2 ) . فإن قلت : أليس قد قال الشيخ في المبسوط ما صورته - وعلى الرواية التي رواها أصحابنا : إن كل عسكر أو فرقة غزت بغير أمر الإمام فغنمت تكون الغنيمة للامام خاصة - تكون هذه الارضون وغيرها مما فتحت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إلا ما فتح في أيام أمير المؤمنين عليه السلام إن صح شئ من ذلك ، تكون للامام خاصة ، وتكون من جملة الانفال التي لا يشترك فيها غيره ( 3 ) . وهذا الكلام يقتضي أن لا تكون أرض العراق من المفتوح عنوة . قلت : الجواب عن ذلك من وجوه :

( 1 ) السرائر : 112 . ( 2 ) المنتهى 2 : 935 . ( 3 ) المبسوط 2 : 34 .

[ 265 ]

الأول : إن الشيخ رحمه الله قال هذه على صوره الحكاية ، وفتواه ما تقدم في أول الكلام ، مع أن جميع أصحابنا مصرحون في هذا الباب على ما قاله الشيخ في أوله كلامه . والعلامة في المنتهى والتذكرة أورد كلام الشيخ هذا حكاية وإيرادا بعد أن أفتى بمثل كلامه الأول ، حيث قال في أول كلامه : وهذه الأرض فتحت عنوة ولم يتعرض إلى ما ذكره آخرا بشئ . الثاني : إن الرواية التي أشار إليها الشيخ ضعيفة الاسناد مرسلة ، ومثل هذه كيف يحتج به أو يسكن إليه ، مع أن الظاهر من كلام العلامة في المنتهى ضعف العمل بها ( 1 ) . الثالث : إنا لو سلمنا صحة الرواية المذكورة لم يكن فبها دلالة على أن أرض العراق فتحت بغير أمر الإمام ، فقد سمعنا أن عمر استشار أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك . ومما يدل عليه فعل عمار ، فإنه من خلصاء أمير المؤمنين عليه السلام ، ولولا أمره لما ساغ له الدخول في أمرها . ومما يقطع مادة النزاع ويدفع السؤال ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد الحلبي قال : سئل أبو عبد الله عليه السلام ما منزلته ؟ فقال : " هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم ، ولمن يدخل في الاسلام بعد اليوم ، ولمن يخلق بعد " فقلنا : الشراء من الدهاقين ؟ قال : " لا يصلح إلا أن يشتري منهم على أن يصيرها للمسلمين " الحديث ( 2 ) . وروى أيضا عبد الرحمن بن حجاج قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عما اختلف فيه ابن أبي ليلى وابن شبرمة في السواد وأرضه فقلت : إن ابن أبي ليلى قال : اتهم إذا أسلموا أحرار وما في أيديهم من أرضهم لهم . وأما ابن شبرمة فزعم أنهم

( 1 ) المنتهى 2 : 935 . ( 2 ) التهذيب 7 : 147 حديث 652 .

[ 266 ]

عبيد وأن أرضهم التي بأيديهم ليست لهم فقال في الأرض ما قال ابن شبرمة ، وقال في الرجال ما قال ابن أبي ليلى : أنهم إذا أسلموا فهم أحرار ( 1 ) . وهذا قاطع في الدلالة على ما قلناه ، لاسيما وفتوى الأصحاب وتصريحهم موافق لذلك ، فلا مجال للتردد . وأما أرض الشام فقد ذكر كونها مفتوحة عنوة بعض الأصحاب ، وممن ذكر ذلك العلامة في كتاب إحياء الموات من التذكرة ( 2 ) ، لكن لم يذكر أحد حدودها . وأما البواقي فذكر حكمها القطب الرواندي في شرح نهاية الشيخ وأسنده إلى مبسوطه وعبارته هذه : والظاهر على ما في مبسوطه أن الأرضين التي هي من أقصى خراسان إلى كرمان وخوزستان وهمدان وقزوين وما حواليها أخذت بالسيف . هذا ما وجدته في ما حضرني من كتب الأصحاب ، والله أعلم بالصواب . المقدمة الخامسة في تحقيق معنى الخراج ، وأنه هل يقدر أم لا ؟ اعلم أن الخراج هو ما يضرب على الأرض كالأجرة لها ، وفي معناه المقاسمة ، غير أن المقاسمة تكون جزءا من حاصل الزرع ، والخراج مقدار من النقد يضرب عليها . وهذا هو المراد بالقبالة والطسق في كلام الفقهاء . ومرجع ذلك إلى نظر الإمام على حسب ما تقتضيه مصلحة المسلمين عرفا ، وليس له في نظر الشرع مقدار معين لا تجوز الزيادة عليه ولا النقصان عنه ، ويدل على ذلك وجوه : الأول : أن الخراج والمقاسمة كالأجرة ، وهي منوطة بالعرف متفاوتة بتفاوت

( 1 ) التهذيب 7 : 155 حديث 684 . ( 2 ) التذكرة 2 : 402 .

[ 267 ]

الرغبات . أما الأولى فلأنهما في مقابل منافع الأرض ولا نريد بمشابهتهما للاجرة إلا ذلك . وأما الثانية فظاهرة ، قال العلامة في النهاية في باب قتال البغاة في توجيه كلام الشيخ رحمه الله حيث قال : لو ادعى من بيده أرض الخراج عنه المطالبة به بعد زوال يد أهل البغي ، أداءه إلى أهل البغي لم يقبل قوله . وجهه : أن الخراج معاوضة ، لأنه ثمن أو أجرة ، فلم يقبل قولهم في أدائه كغيره من المعاوضات . الثاني : قد سبق في الحديث المروي عن أبي الحسن الأول عليه السلام - وهو الحديث الطويل الذي أخذنا منه موضع الحاجة - ما يدل على ذلك ، قال : " والأرض التي أخذت عنوة بخيل وركاب فهي موقوفة متروكة في أيدي من يعمرها ويحييها على صلح ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الخراج النصف أو الثلث أو الثلثان ، وعلى قدر ما يكون لهم صالحا ولا يضربهم " الحديث ( 1 ) . وهذا صريح في ما قلناه ، فإن تسويغه الخراج إلى النصف أو الثلث والثلثين وإناطته إياه بالمصلحة بعد ذلك صريح في عدم انحصار الأمر في شئ بخصوصه ولا أعرف لهذا رادا من الأصحاب . الثالث : الاجماع المستفاد من تنبع كلام من وصل إلينا كلامه من الأصحاب وعدم الفتوى على مخالف ، ولا محكيا لكلام المتصدين لحكاية الخلاف مشهورا ونادرا في مطولات كتب المحققين ومختصراتهم . قال الشيخ في النهاية في حكم الأرض المفتوحة عنوة : وكان على الإمام أن يقبلها لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث أو الربع ( 2 ) . وقال في المبسوط في باب حكم الأرضين من كتاب الزكاة في حكم المفتوحة

( 1 ) التهذيب 4 : 128 حديث 366 . ( 2 ) النهاية : 194 .

[ 268 ]

عنوة : وعلى الإمام تقبيلها لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث ( 1 ) . وقال في كتاب الجهاد منه عند ذكر سواد العراق وغيره مما فتحت عنوة : يكون للامام النظر فيها وتقبيلها بما شاء ، ويأخذ ارتفاعها ويصرفه في مصالح المسلمين ( 2 ) . وقال ابن إدريس في السرائر في حكم المفتوحة عنوة : على الإمام أن يقبلها لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث أو الربع أو غير ذلك ( 3 ) . وقال العلامة في المنتهى : وهذه الأرض المأخوذة بالسيف عنوة يقبلها الإمام لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث ( 4 ) . وقال في التذكرة : الأرض المأخوذة بالسيف عنوة يقبلها الإمام لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف وغيره ( 5 ) . وقال في التحرير في المفتوحة عنوة : ويقبلها الإمام لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث ( 6 ) . وقال في القواعد في هذا الباب أيضا : وبقبلها الإمام لمن يراه بما يراه حظا للمسلمين ، ويصرف حاصلها في مصالحهم ( 7 ) . وقال في الارشاد : ويقبلها الإمام لمن يراه بما يراه . وقال المقداد رحمه الله في التنقيح ولم يحضرني عند كتابة هذا الرسالة لأحكي

( 1 ) المبسوط 1 : 235 . ( 2 ) المبسوط 2 : 34 . ( 3 ) السرائر : 110 . ( 4 ) المنتهى 2 : 935 . ( 5 ) التذكرة 1 : 427 . ( 6 ) التحرير 1 : 142 . ( 7 ) القواعد : 1 : 106 .

[ 269 ]

عبارته ولكن حاصل كلامه فيه على ما أظن أن مرجع تعيين الخراج إلى العرف فكل ما يليق بالأرض عرفا جاز ضربه عليها ( 1 ) . فإن قلت : قد صرحتم بأن هذا منوط ينظر الإمام عليه السلام ورأيه ، فكيف يحل بدون ذلك ؟ قلنا : قد نص أئمتنا عليهم السلام في غير حديث وصرح أصحابنا كافة وسنحكي الأحاديث الواردة في ذلك وعبارات الأصحاب عن قريب إن شاء الله تعالى بحل تناول ما يأخذه الجائر من ذلك باسم الخراج والمقاسمة . ووجهه من حيث المعنى واضح : لأن الخراج حق شرعي منوط تقديره بالمصلحة عرفا وارتباطه بنظر الإمام ، فإذا تعدى الجائر في ذلك إلى ما لا يجوز له وعمل ما هو منوط بنظر الإمام استقلالا لا بنفسه ، كان الوزر عليه في ارتكاب ما لا يجوز له ولم يكن المأخوذ حراما ، لأنه حق شرعي على الزارع خارج عن ملكه ، يستحقه قوم معلومون . وقد رفع أئمتنا عليهم السلام المنع من طرفهم بالنسبة إلينا فكيف يحرم . قال في التذكرة في كتاب البيع : ما يأخذه الجائر من الغلات باسم المقاسمة ، ومن الأموال باسم الخراج عن حق الأرض ومن الانعام باسم الزكاة يجوز شراؤه واتهابه ولا يجب إعادته على أصحابه وإن عرفوا ، لأن هذا مال لا يملكه الزارع وصاحب الانعام والأرض ، فإنه حق الله تعالى آخذه غير مستحقه فبرئت ذمته وجاز شراؤه ( 2 ) . والحاصل أن هذا مما وردت النصوص واجمع عليه الأصحاب ، بل المسلمون . فالمنكر له والمنازع فيه مدافع للنص منازع للاجماع ، فإذا بلغ معه الكلام إلى

( 1 ) التنقيح الرائع 1 : 589 . ( 2 ) التذكرة 1 : 583 .

[ 270 ]

هذا المقام فالأولى الاقتصار معه على قول سلام . فإن قلت : فهل يجوز أن يتولى من له النيابة حال الغيبة ذلك ، أعني الفقيه الجامع للشرائط ؟ قلنا : لا نعرف للأصحاب في ذلك تصريحا ، ولكن من جوز للفقهاء في حال الغيبة تولي استيفاء الحدود وغير ذلك من توابع منصب الامامة ينبغي تجويزه لهذا بالطريق الأولى ، لأن هذا أقل منه خطرا ، لا سيما والمستحقون لذلك موجودون في كل عصر ، إذ ليس هذا الحق مقصورا على الغزاة والمجاهدين كما يأتي . ومن تأمل في كثير من أحوال كبراء علمائنا السالفين مثل السيد الشريف المرتضى علم الهدى ، وأعلم المحققين من المتقدمين والمتأخرين نصير الحق والدين الطوسي وبحر العلوم مفتي الفرق جمال الملة والدين الحسن بن مطهر ، وغيرهم رضوان الله عليهم ، نظر متأمل منصف لم يعترضه الشك في أنهم كانوا يسلكون هذا المنهج ويقيمون هذا السبيل ، وما كانوا ليودعوا بطون كتبهم إلا ما يعتقدون صحته . المقالة في حل الخراج في حال حضور الإمام وغيبته أما حال حضوره عليه السلام فلا شك فيه ، وليس للنظر فيه مجال ، وقد ذكر أصحابنا في مصرف الخراج أن الأرض جعل منه أرزاق الغزاة والولاة والحكام وسائر وجوه الولايات . قال الشيخ في المبسوط في فصل أقسام الغزاة : ما يحتاج إليه للكراع وآلات الحرب كان ذلك من بيت المال من أموال المصالح . وكذلك رزق الحكام ، وولاية الأحداث ، والصلات ، وغير ذلك من وجوه الولايات ، فإنهم يعطون من

[ 271 ]

المصالح ، والمصالح تخرج من ارتفاع الأراضي المفتوحة عنوة ( 1 ) . وكذا قال العلامة حاكيا عن الشيخ كلامه ( 2 ) ، فلا حاجة إلى التطويل به . وهذا واضح جلي ، وليس المقصود بالنظر . وأما في حال الغيبة فهو موضع الكلام ومطمح النظر : ولو تأمل المنصف لوجد الأمر فيه أيضا بينا جليا . فإن هذا النوع من المال مصرفه ما ذكر ، وليس للامام عليه السلام قليل ولا كثير . وهذه المصارف التي عددناها لم تتعطل كلها في حال الغيبة ، وإن تعطل بعضها . وكون ضرب الخراج وتقبيل الأرضين وأخذه وصرفه موكولا إلى نظره عليه السلام لا يقتضي تحريمه حال الغيبة ، لبقاء الحق ووجود المستحق مع تظافر الأخبار عن الأئمة الأطهار ، وتطابق كلام أجلة الأصحاب ومتقدمي السلف ومتأخريهم بالترخيص لشيعة أهل البيت عليهم السلام في تناول ذلك حال الغيبة بأمر الجائر . فإذا انضم إلى هذا كله أمر من له النيابة حال الغيبة كان حقيقا باندفاع الأوهام واضمحلال الشكوك ، ولنا في الدلالة على ما قلناه مسلكان : الأول : في الأخبار الواردة عن أهل البيت عليهم السلام في ذلك ، وهي كثيرة : فمنها ما رواه الشيخ عن أبي بكر الحضرمي قال : دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وعنده إسماعيل ابنه ، فقال : ما يمنع ابن أبي سماك أن يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفيه الناس ، ويعطهم ما يعطي الناس ، ثم قال لي : لم تركت عطاءك ؟ قال : قلت : مخافة على ديني ، قال : ما منع ابن أبي سماك أن يبعث إليك

( 1 ) المبسوط 2 : 75 . ( 2 ) المنتهى 2 : 959 .

[ 272 ]

بعطائك ، أما علم أن لك في بيت المال نصيب ( 1 ) . قلت : هذا نص في الباب ، فإنه عليه السلام بين للسائل حيث قال : إنه ترك أخذ العطاء للخوف على دينه بأنه لا خوف عليه ، فإنه إنما يأخذ حقه حيث أنه يستحق في بيت المال نصيبا ، وقد تقرر في الأصول تعدي الحكم بالعلة المنصوصة . ومنها ما رواه أيضا في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال : قال لي أبو الحسن عليه السلام : " مالك لا تدخل مع علي في شراء الطعام إني أظنك ضيقا " قال : قلت : نعم فإن شئت وسعت علي ، قال : " اشتره " ( 2 ) . وقد احتج بها العلامة في التذكرة على تناول ما يأخذه الجائر باسم الخراج والمقاسمة ( 3 . ومنها ما رواه أيضا في الصحيح عن أبي المعزا قال : سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده ، فقال : أصلحك الله أمر بالعامل فيجيزني بالدراهم ، آخذها ؟ قال : " نعم " ، قلت : " وأحج بها ؟ " ، قال : " نعم " ( 4 ) . ومثل هذا من عدة طرق أخرى كذا . ومنها ما رواه أيضا في الصحيح عن جميل بن صالح قال : أرادوا بيع تمر عين أبي زياد ، فأردت أن اشتريه ، ثم قلت : حتى أستأذن أبا عبد الله عليه السلام فأمرت مصادفا ) فسأله ، قال : فقال : " قل له يشتريه فإن لم يشتره اشتراه غيره " ( 5 . قلت : قد احتج بهذا الحديث لحل ذلك العلامة في المنتهى وصححه ، لكن

( 1 ) التهذيب 6 : 336 حديث 933 . 2 ) التهذيب 6 : إذ 336 حديث 932 . 3 ) التذكرة 1 : 583 . 4 ) التهذيب 6 : 338 حديث 942 . 5 ) التهذيب 6 : 375 حديث 1092 .

[ 273 ]

قد يسأل عن قوله : " فإن لم يشتره اشتراه غيره " فإن شراء الناس للشئ لا مدخل له في صيرورته حلالا ، على تقدير أن يكون حراما ، فأي مناسبة له ليعلل به ، ولا أبعد أن يكون ذلك إشارة منه عليه السلام إلى معنى لطيف ، وهو أن كل من له دخل في قيام دولة الجور ونفوذ أوامرها وقوة شوكتها وضعف دولة العدل يحرم عليه هذا النوع ونحوه بشراء وغيره بخلاف من لم يكن كذلك ، فإن عدم دخوله في شراء هذا كدخوله في أنه لا يتعطل أمر دولة الجور ولا يتناقص ، بل رواجها بحلاله . فأشار عليه السلام بقوله : " إن لم يشتره اشتراه غيره " ، إلا أنه لا مانع له من الشراء ، إذ لا دخل له في دولة الجور بتقوية ولا غيرها . فإن لم يشتره لم يتفاوت الحال بل يشتريه غيره . ومنها ما رواه أيضا إسحاق بن عمار قال : سألته عن الرجل يشتري من العامل وهو يظلم قال : " يشتري منه ما لم يعلم أنه ظلم فيه أحد " ( 1 ) . وهذا الحديث نقلته من المنتهى هكذا ، وظني أنه نقله من التهذيب ( 2 ) ، وبمعناه أحاديث كثيرة : منها ما رواه أيضا في الصحيح عن هشام بن سالم ، عن أبي عبيدة ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : سألته عن الرجل منا يشتري من السلطان من ابل الصدقة وغنمها وهو يعلم أنهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم ، قال : " ما الإبل والغنم إلا مثل الحنطة والشعير وغير ذلك ، لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه " .

( 1 ) المنتهى 2 : 935 . ( 2 ) التهذيب 6 : 375 حديث 1093 . ( 3 ) المنتهى 2 : 935 .

[ 274 ]

قيل له : فما ترى من أغنامنا في متصدق يجيئنا فيأخذ صدقات أغنامنا نقول : بعناها فيبعناها ، فما ترى في شرائها منه ؟ قال : " إن كان أخذها وعزلها فلا بأس " . قيل له : فما ترى في الحنطة والشعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظنا فيأخذ حظه فيعزل بكيل فما ترى في شراء ذلك الطعام منه ؟ فقال : " إن كان قبضه بكيل وأنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه بغير كيل " ( 1 ) . ومنها ما رواه الشيخ أيضا بإسناده عن يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه : " أن الحسن والحسين كانا يقبلان جوائز معاوية " ( 2 ) . قلت : قد علم أن موضع الشبهة حقيق بالاجتناب ، والامام عليه السلام لا يواقعها ، وما كان قبولهما عليهما السلام لجوائز إلا لما لهما من الحق في بيت المال . مع أن تصرفه كان بغير رضى منهم عليهم السلام ، فتناولهما حقهما عليهما السلام المرتب على تصرفه دليل على جواز ذلك لذوي الحقوق في بيت المال من المؤمنين نظرا إلى التأسي . وقد نبه شيخنا في الدروس على المعنى ، وفرق بين الجائزة من الظالم وبين أخذ الحق الثابت في بيت المال أصالة ، فإن ترك قبول الأول أفضل ، بخلاف الثاني ( 3 ) . ومثل هذه الأخبار كثيرة لمن تتبع وحصره ولسنا بصدد ذلك ، فإن في هذه غنية في الدلائل على المطلوب عن السعي في تتبع ما سواها ، وكون بعضها قد يعتري بعض رجال إسناده طعن أو جهالة غير قادح في شئ منها بوجه من الوجوه على أن أسانيد كثير منها صحيحة كما قدمناه .

( 1 ) التهذيب 6 : 375 حديث 1094 . ( 2 ) التهذيب 6 : 337 حديث حديث 935 . ( 3 ) الدروس : 329 .

[ 275 ]

ومع ذلك فإن الأصحاب كلهم أو جلهم قد أفتوا بمضمونها في كتبهم ، وعملوا به فيما بلغنا عنهم ، والخبر الضعيف الاسناد إذا انجبر بقول الأصحاب وعملهم ارتقى إلى مرتبة الصحيح وانتظم في سلك الحجج والحق بالمشهور . فإن قيل : هاهنا سؤالان : الأول : هذه الأخبار إنما تضمنت حل الشراء خاصة ، فمن أين ثبت حل التناول مطلقا ؟ الثاني : هذه الأخبار إنما دلت على جواز التناول من الجائر بعد استيلائه وأخذه ، فمن أين ثبوت حل الاستيلاء والأخذ كما يفعل الجائر ؟ قلنا : الجواب عن الأول : إن حل الشراء كاف في ثبوت المطلوب ، لأن حل الشراء يستلزم حل جميع أسباب النقل كالصلح والهبة ، لعدم الفرق ، بل الحكم بجواز غير الشراء على ذلك التقدير بطريق أولى ، لأن شروط صحة الشراء أكثر ، وقد صرح الأصحاب بذلك ، بل يستلزم قبول جواز هبته وهو في يد ذي المال الحوالة به ، لما عرفت من أن ذلك غير مملوك له ، بل إنما هو حق تسلط على تصرف الغير فيه ، وقد سوغ أئمتنا عليهم السلام ابتناء تملكنا على ذلك التصرف الغير السائغ ، لأن تحريمه إنما كان من جهتهم عليهم السلام ، فاغتفروا لشيعتهم ذلك طلبا لزوال المشقة ، فعليهم من الله التحية والسلام ، وقد صرح بذلك بعض الأصحاب ، وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى . وأما الجواب عن الثاني فلأن الأخذ من الجائر والأخذ بأمره سواء ، على أنه إذا لوحظ أن المأخوذ حق ثبت شرعا ليس فيه وجه تحريم ولا جهة غصب ولا قبح ، حيث أن هذا حق مفروض على هذه الأراضي المحدث عنها ، وكونه منوطا بنظر الإمام انتفى الحظر اللازم بسببه ترخيص الإمام في تناوله من الجائر سقط السؤال بالكلية أصلا ورأسا .

[ 276 ]

المسلك الثاني : اتفاق الأصحاب على ذلك ، وهذه عباراتهم نحكيها شيئا فشيئا من كلامهم بعينه من غير تغيير على حسب ما وقع إلينا من مصنفاتهم في وقت كتابة هذه الرسالة . فمن ذلك كلام شيخ الطائفة ورئيسها وفقيهها ومعتمدها محمد بن الحسن الطوسي في كتاب المكاسب من كتاب النهاية وهذا لفظه : ولا بأس بشراء الأطعمة وسائر الحبوب والغلات على اختلاف أجناسها من سلاطين الجور وإن علم من أحوالهم أنهم يأخذون مالا يستحقون ويغصبون ما ليس لهم ، ما لم يعلم شيئا من ذلك بعينه غصبا ، فإن علم كذلك فلا يتعرض لذلك ، فأما ما يأخذونه من الخراج والصدقات وإن كانوا غير مستحقين لها جاز شراؤها منهم ( 1 ) . هذا كلامه . وقال المحقق نجم الدين في الشرائع ما هذا لفظه : ما يأخذه السلطان الجائر من الغلات باسم المقاسمة ، والأموال باسم الخراج من حق الأرض ، ومن الانعام باسم الزكاة يجوز ابتياعه وقبول هبته ، ولا يجب إعادته على أربابه وإن عرف بعينه ( 2 ) . وقال العلامة في المنتهى : يجوز للانسان أن يبتاع ما يأخذه سلطان الجور بشبهة الزكوات من الإبل والبقر والغنم ، وما يأخذه عن حق الأرض من الخراج وما يأخذه بشبهة المقاسمة من الغلات وإن كان غير مستحق لأخذ شئ من ذلك ، إلا أن يتعين له شئ بانفراده أنه غصب فلا يجوز له أن يبتاعه . ثم احتج له برواية جميل بن صالح وإسحاق بن عمار وأبي عبيدة السالفات إلى أن قال : إذا ثبت هذا فإنه يجوز ابتياع ما يأخذه من الغلات باسم المقاسمة ، أو الأموال باسم الخراج عن حق الأرض ، ومن الانعام باسم الزكاة . وقبول هبته .

( 1 ) النهاية : 358 . ( 2 ) شرائع الاسلام 2 : 13 .

[ 277 ]

ولا تجب إعادته على أربابه وإن عرف بعينه دفعا للضرر ( 1 ) . قلت : هذا بعينه هو ما أسلفناه سابقا . وقال في التذكرة ما هذا لفظه : ما يأخذه الجائر من الغلات باسم المقاسمة ، ومن الأموال باسم الخراج عن حق الأرض ، ومن الانعام باسم الزكاة يجوز شراؤه واتهابه ، ولا تجب إعادته على أصحابه وإن عرفوا ، لأن هذا مال لا يملكه الزراع وصاحب الانعام والأرض ، فإنه حق الله أخذه غير مستحق فبرئت ذمته وجاز شراؤه ( 2 ) . ثم احتج لذلك بخبر أبي عبيدة وعبد الرحمن السالفين . وقال في التحرير : ما يأخذه ظالم بشبهة الزكاة من الإبل والبقر والغنم ، وما يأخذه عن حق الأرض بشبهة الخراج ، وما يأخذه من الغلات باسم المقاسمة حلال وإن لم يستحق أخذ ذلك ، ولا تجب إعادته على أربابه وإن عرفهم ، إلا أن يعلمه بعينه في شئ منه أنه غصب ، فلا يجوز تناوله ولا شراؤه ( 3 ) . وقال في القواعد : والذي يأخذه الجائر من الغلات باسم المقاسمة ، ومن الأموال ، باسم الخراج عن حق الأرض ، ومن الانعام باسم الزكاة يجوز شراؤه واتهابه : ولا تجب إعادته على أصحابه وإن عرفوا ( 4 ) وفي حواشي شيخنا الشهيد قدس سره على القواعد ما صورته : وإن لم يقبضها الجائر ، وكذا ثمرة الكرم والبستان . وقال في الارشاد عطفا أشياء مما يصح بيعها وتناولها : وما يأخذه الجائر باسم المقاسمة من الغلات والخراج عن الأرض والزكاة من الانعام وإن عرف

( 1 ) المنتهى 2 : 1027 . ( 2 ) التذكرة 1 : 583 . ( 3 ) التحرير 1 : 163 . ( 4 ) القواعد 1 : 122 .

[ 278 ]

المالك . وقال شيخنا في الدروس كلاما في هذا الباب من أجود كلام المحققين إذا تأمله المنصف الفطن علم أنه يعتقد في الخراج من جملة الأموال الخالية من الشبهة البعيدة عن الأوهام ، حيث ذكر الجوائز وجعل ترك قبولها أفضل ، وبالغ في أحكام الخراج بما سنحكيه مفصلا ، وصورة كلامه : يجوز شراء ما يأخذه الجائر باسم الخراج والزكاة والمقاسمة وإن لم يكن مستحقا له ، ثم قال : ولا يجب رد المقاسمة وشبهها على المالك ، ولا يعتبر رضاه ولا يمنع تظلمه مع الشراء . وكذا لو علم أنه يظلم ، إلا أن يعلم الظلم بعينه . نعم تكره معاملة الظلمة ولا يحرم ، لقول الصادق عليه السلام : " كل شئ فيه حرام وحلال فهو حلال حتى تعرف الحرام بعينه " . ولا فرق بين قبض الجائر إياها ووكيله وبين عدم القبض ، فلو أحاله بها وقبل الثلاثة ، أو وكله في قبضها ، أو باعها وهي في يد المالك أو في ذمته جاز التناول ، ويحرم على المالك المنع وكما يجوز الشراء تجوز سائر المعاوضات والهبة والصدقة والوقف ، ولا يحل تناولها بغير ذلك ( 1 ) . والمقداد رحمه الله في التنقيح شرح النافع أخذ حاصل هذا الكلام وأورده بصورة الشرح مطولا ( 2 ) ، ولم يحضرني في وقت نقل كلام الأصحاب سوى هذا المقدار من الكتب فما نقل كلام الباقين لكن فيما أوردناه غنية وبلاغ لأولي الالباب . فإن كلام الباقين لا يخرج عن كلام من حكينا كلامهم إذ لو كان فيهم مخالف لحكاه من عثرنا عن مصنفاتهم واطلعنا من مذاهبهم لما علمنا من شدة حرصهم على ايراد خلاف الفقهاء وإن كان ضعيفا ، والإشارة إلى القول الشاذ وإن كان واهيا فيكون الحكم ذلك إجماعيا .

( 1 ) الدروس : 329 . ( 2 ) التنقيح الرائع 2 : 18 .

[ 279 ]

على أنه لو كان فيهم مخالف مع وجود فتوى كبراء المتقدمين والمتأخرين واستفاضة الأخبار عن أئمة الهدى ومصابيح الدجى ، وصحة طرق كثير منها واشتهار مضمونها ، لم يكن خلافه قادحا ، فكيف والحال كما قد علمت . فها نحن قد قررنا لك في هذه المسألة وأوضحنا لك من مشكلها ما يجلي صدى القلوب ، ويزيل اذى الصدور ، ويرغم أنوف ذوي الجهل ، ويشوه وجوه أولي الحسد ، الذين يعضون الانامل غيظا وحنقا ، ويلتجئون في تنفيس كربتهم إلى التفكر في الاعتراض والتنبيه على ما يعدونهم بزعمهم من العورات ، ويطعنون بما لا يعد طعنا في الدين ، يمهدون بذلك في أنفسهم في قلوب وهماء العامة وضعفاء العقول وسفهاء الأحلام محلا ، ولا يعلمون أنهم قد هدموا من دينهم ، وأسخطوا الله مولاهم ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا . فإن ما أوردناه من الأخبار عن الأئمة الأطهار ، وحكيناه عن فقهاء العترة النبوية المبرئين من الزيغ والزلل إن كان حقا يجب اتباعه والانقياد إليه فناهيك وكانوا أحق بها وأهلها ، وأي ملامة على من اتبع الهدى والحق وتمسك بهدى قادة الخلق لولا العمه عن صوب الصواب ، والغشاء عن نور اليقين . وإن كان باطلا مع ما أثبتناه من الأخبار الكثيرة والأقوال الشهيرة ، فلا سبيل لنا إلى مخالفتهم وسلوك غير جادتهم ، والحال أنهم قدوتنا في أصول ديننا وعمدتنا في أركان مذهبنا ، وكيف نتبعهم حينا ونفارقهم حينا " يحلونه عاما ويحرمونه عاما " ( 1 ) . وما أنا من غزيت إن غوت * غويت وإن ترشد غزية أرشد على أن الحاسد لا يرضى وإن قرعت سمعه الآيات ، والمغمض لا يقصر وإن أتي بالحجج البينات . ولو راجع عقله وتفكر لم يجد فرقا بين حل الغنائم وحل ما نحن فيه ، بل هذا إنما هو شعبة من ذلك ، فإنه إذا كان المبيح له والإذن في تناوله

( 1 ) التوبة : 37 .

[ 280 ]

واحدا ، فأي مجال للشك ، وأي موضع للطعن ، لولا عين البغضاء وطوية الشحناء . وجدير بمن علم كيف كان طعن الحاسدين وإنكار المغمضين عن سيد الكونين وإمام الثقلين ، ونسبتهم إليه الأباطيل وبدأتهم عليه في الاندية بالأفاعيل ، مما يذيب المرارة ويفتت قلوب ذي البصائر ، أن يهون عليه مثل هذه الأقوال السخيفة والانكارات الفاسدة . فما في حريم بعدها من تحرج * ولا هتك ستر بعدها بمحرم وما زلنا نسمع في خلال المذاكرة في مجالس التحصيل من أخبار علمائنا الماضين وسلفنا الصالحين ، ما من هو جملة الشواهد على ما ندعيه ، والدلائل الدالة على حقيقة ما منتجيه . فمن ذلك ما تكرار سماعنا من أحوال الشريف المرتضى علم الهدى ذي المجدين ، أعظم العلماء في زمانه ، الفائر بعد المرتبة في أوانه ، علي بن الحسين الموسوي قدس الله روحه ، فإنه مع ما اشتهر من جلالة قدرة في العلوم ، وأنه في المرتبة التي تنقطع أنفاس العلماء على أثرها ، وقد اقتدى به كل من تأخر عنه من علماء أصحابنا ، بلغنا أنه كان في بعض دول الجور ذا حشمة عظيمة وثروة جسيمة وصورة معجبة ، وأنه قد كان له ثمانون قرية ، وقد وجدنا في بعض كتب الآثار ذكر بعضها . وهذا أخوة ذو الفضل الشهير والعلم الغزير والعفة الهاشمية والنخوة القرشية السيد الشريف الرضي روح الله روحه كان له ثلاث ولايات ، ولم يبلغنا عن أحد من صلحاء ذلك العصر الانكار عليهما ، ولا النص منهما ولا نسبتهما إلى فعل حرام أو مكروه أو خلاف الأولى ، مع أن الذين في هذا العصر ممن يزاحم بدعواه الصلحاء لا يبلغون درجات اتباع أولئك والمتقدمين بهم . ومتى خفى شئ فلا يخفى حال استاد العلماء والمحققين والسابق في الفضل

[ 281 ]

على المتقدمين والمتأخرين ، العلامة نصير الملة والحق والدين محمد بن محمد ابن الطوسي قدس الله نفسه وطيب رمسه وأنه كان المتولي لأحوال الملك والقائم بأعباء السلطنة ، وهذا وأمثاله إنما يصدر عن أوامره ونواهيه . ثم انظر إلى ما اشتهر من أحوال آية الله في المتأخرين بحر العلوم مفتي الفرق جمال الملة والدين أبي منصور الحسن المطهر قدس الله لطيفه ، وكيف كان ملازمته للسلطان المقدس المبرور محمد خدابنده ، وأنه كان له عدة قرى وكانت شفقات السلطان وجوائزه واصلة إليه ، وغير ذلك مما لو عدد لطال . ولو شئت أن أحكي من أحوال عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر ، وكيف كانت أحوالهما في دول زمانهما لحكيت شيئا عظيما ، بل لو تأمل المتأمل الخالي من المرض قلبه لوجد المربي من العلماء والمروج لأحوالهم إنما هم الملوك وأركان دولهم . ولهذا لما قلت العناية بهم وانقطع توجههم بالتربية إليهم ضعفت أحوالهم ، وتضعفت أركانهم وخلت أندية العلم ومحافله في جميع الأرض . وليس لأحد من المتقدمين أن يقول : إن هؤلاء أحيوا هذه البلاد وكانت قبل مواتا . هذا معلوم البطلان ببديهة العقل : أما أولا فلأن بلاد العراق على ما حكيناه كانت بتمامها معمورة ، لم يكن لأحد مجال أن يعمر في وسط البلاد قرى متعددة وما كان بين القريتين والبلدين في البعد قدر فرسخ إلا نادرا ، كيف ومجموع معمورها من الموصل إلى عبادان ستة وثلاثون ألف ألف جريب . وأما ثانيا ، فلأن عمارة القرى أمر عظيم يحتاج إلى زمان طويل وصرف مال جزيل ، وهم كانوا بعيدين عن هذا الاستعداد مع هذه التمحلات بعد ما تلوناه عن كلامهم في أحكام هذه الأرضين وأحوال خراجها وحل ذلك من التكلفات الباردة

[ 282 ]

والأمور السامجة نعوذ بالله من القول بالهوى ومجانية سبيل الهدى ، وهو حسبنا ونعم الوكيل . الخاتمة في التوابع واللواحق ، وفيها مسائل : الأولى : في أن الخراج ليس من جملة مواضع الشبهات ، لما قررنا فيما قبل أنه من جملة الغنائم ، إذ هو حق الأرض المفتوحة ، فحلها تابع لحلها بغير تفاوت ، وأقمنا الدلائل على ذلك وحكينا ما صدر عن الأصحاب رحمهم الله فيه ، وليس له ما ينافي ذلك إلا أخذه بأمر سلطان الجور ، وهو موقوف على أمر الإمام ونظره . وهذا لا يصلح للمنافاة ، لأن الأئمة عليهم السلام أباحوا لشيعتهم ذلك في حال الغيبة وأزالوا المانع من جهتهم ، فلم يكن فيه شئ يقتضي التنفر ، ولا يبعد من رضى الله سبحانه ورضاهم ، لاسيما إذا انضم إلى ذلك نظر نائب الغيبة . وأي فارق بينه وبين ما أحلوه لشيعتهم حال الغيبة مما فيه حقوقهم . وهؤلاء الذين يزوون على هذا النوع لا يتجنبون ما فيه حقهم عليهم السلام بل ولا يستطيعون فإن هذه الجواري والعبيد ، ومتفرقات الغنائم ، وما يحصل من البحر بالغوص وغيره لا يستطيع أحد الانفكاك منه ، وهم لا يتحرجون من هذا القسم ولا ينفرون منه ويبالغون في التشنيع على القسم الأول لما يلحقه من المحرمات ومواقع الشبهات ويجعلون أنفسهم في ذلك مقتدى للعامة يقتفون آثارهم ، ولو يخافون الله سبحانه حيث أنهم قد حرموا بعض ما أحله الله ، وأنكروا بعض ما علم ثبوته من الدين ، وينالون من الاعراض المحترمة بما هو حرام عليهم . ولا فرق في استحقاق المقت من الله سبحانه بين استحلال الحرام وبين تحريم الحلال . فإن عمر لما أنكر حل المتعة ما زال الأئمة عليهم السلام ينكرون عليه ،

[ 283 ]

ويتوجعون من فعله وافترائه ، وحثوا على فعلها ووعدوا عليها بمضاعفة الثواب ، فطما للنفوس عن متابعته على ضلاله . والشبهة إنما سميت شبهة ، لأنها موضع للاشتباه ، وليس هذا النوع موضعا للاشتباه ، كما نقول في أموال الظلمة والقمارين فإنها مواقع الشبهة ومظان المحرمات ، فإن الحل والحرمة حكمان شرعيان إنما يثبتان وينتفيان بقول الشارع ، فما كان أمر الشارع فيه الحل فهو الحلال ، وما كان أمره فيه الحرمة فهو الحرام ، والشبهة هو الحلال بحسب الظاهر ولكنه مظنة الحرام في نفس الأمر ، كما مثلناه في أموال الظلمة . الثانية : قد عرفت أن الخراج والمقاسمة والزكاة المأخوذة بأمر الجائر أو نائبه حلال تناولها ، فهل تكون حلالا للأخذ مطلقا ، حتى لو لم يكن مستحقا للزكاة ، ولا ذا نصيب في بيت المال حين وجود الإمام عليه السلام ، أو إنما يكون حلالا بشرط الاستحقاق ، حتى أن غير المستحق يجب عليه صرف ذلك إلى مستحقيه ؟ إطلاق الأخبار وكلام الأصحاب يقتضي الأول ، وتعليلهم للأخذ نصيبا في بيت المال ، وأن هذا حق لله يشعر بالثاني . وللتوقف فيه مجال ، وإن كان ظاهر كلامهم هو الأول ، لأن دفع الضرورة لا يكون إلا بالحل مطلقا . الثالثة : قال في التحرير روي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن النزول على أهل الخراج فقال : " ثلاثة أيام " ، وعن الشجرة في القرى وما يؤخذ من العلوج والأكراد إذا نزلوا في القرى قال : " ويشترط عليهم في ما شرطت عليهم من الدراهم والشجرة وما سوى ذلك ، وليس لك أن تأخذ منهم شيئا حتى تشارطهم . وإن كان كالمتيقن أن من نزل ذلك الأرض أو القرية أخذ منه ذلك . قلت : الرواية في التهذيب وفيها بدل الاكراد : والأكرة ( 1 ) ، كأنه جمع أكار .

( 1 ) التهذيب 7 : 153 حديث 678 .

[ 284 ]

وفي معناها ما رواه عن إسماعيل بن الفضل قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى أرضا من أرض الخراج ، إلى أن قال : أناسا من أهل الذمة نزلوها أله أن يأخذ منها أجرة البيوت إذا أدوا جزية رؤوسهم ؟ قال ، " تشارطهم فما أخذ بعد الشرط فهو حلال " ( 1 ) . ولكن روي عن علي الأزرق قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : " أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا عند موته فقال : يا علي لا يظلم الفلاحون بحضرتك ، ولا يزاد على أرض وضعت عليها ولا سخرة على مسلم " ( 2 ) . وفي معنى ذلك ما رواه أيضا عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام ( 3 ) . الرابعة : روى الشيخ رحمه الله في التهذيب عن علي بن يقطين قال : قلت لأبي الحسن الأول عليه السلام : ما تقول في أعمال هؤلاء ؟ قال : " إن كنت لا بد فاعلا فاتق أموال الشيعة " ، قال : فأخبرني على أنه كان - يجبيها من الشيعة علانية ويردها عليهم في السر ( 4 ) . وفي معناها ما رواه الحسن بن الحسن الانباري عن الرضا عليه السلام قال : كتبت إليه أربعة عشر سنة استأذنه في عمل السلطان ، فلما كان في آخر ، كتبت إليه أذكر انني أخاف على خيط عنقي وأن السلطان ، يقول : رافضي ولست أنك تركت عمل السلطان للرفض ، فكتب إليه أبو الحسن عليه السلام : " فهمت كتابك وما ذكرت من الخوف على نفسك ، فإن كنت تعلم أنك إذا وليت عملت في عملك بما أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم تصير أعوانك وكتابك أهل ملتك ، وإذا

( 1 ) التهذيب 7 : 154 حديث 679 . ( 2 ) التهذيب 7 : 154 حديث 680 . ( 3 ) التهذيب 7 : 154 حديث 681 . ( 4 ) التهذيب 6 : 335 حديث 927 .

[ 285 ]

صار إليك شئ واسيت به فقراء المؤمنين كان ذا بذا ، وإلا فلا " ( 1 ) . قلت : في معنى هذين الحديثين أحاديث أخرى ، وليس هذا مما نحن فيه بشئ ، لأن موضوع هذا تولي أعمال سلطان الجور وأخذ الجائزة على ذلك ، وهذا خارج من بحثنا بالكلية . وما ورد في الحديث الأول أنه كان يجبي أموال الشيعة علانية ويردها عليهم سرا يمكن أن يكون المراد به : ما يجعل عليهم من وجوه الظلم المحرمة ، ويمكن أن يراد به : وجوه الخراج والزكوات والمقاسمات ، لأنها وإن كانت حقا عليهم فليست حقا للجائر ، فلا يجوز جمعها لاجله إلا عند الضرورة . وما زلنا نسمع من كثير ممن عاصرناهم لا سيما شيخنا الأعظم علي بن هلال قدس الله روحه غالب ظني أنه بغير واسطة بل بالمشافهة : أنه لا يجوز لمن عليه الخراج والمقاسمة سرقته ولا جحوده ولا منعه ولا شيئا منه ، لأن ذلك حق عليه والله أعلم بحقائق الأمور . وحيث انتهى الكلام إلى هذا المقام فلنحمد الله الذي وفقنا للتمسك بعروة عترة النبي المصطفى ، وخلاصة خاصته الوصي المرتضى ، أحد السببين وثاني الثقلين وضياء الكونين وعصمة الخلق في الدارين ، وسلوك محجتهم ، والاستضاءة بأنوار محبتهم . ونسأل الله اسمه أن يصلي ويسلم عليهم أجمعين ، صلاة يظهر بها شرف مقامهم يوم الدين ، وأن يحشرنا في زمرتهم وتحت ألويتهم ، ويتوفانا على جهتهم ( 2 ) مقتفين هديهم في صدورهم ووردهم وأن يصفح عن ذنوبنا ويتجاوز عن سيئاتنا ،

( 1 ) التهذيب 6 : 335 حديث 928 . ( 2 ) محبتهم ظ .

[ 286 ]

ولله الحمد والمنة أولا وآخرا وظاهرا وباطنا . فرغ من تأليفها العبد المعترف بذنوبه علي بن عبد العالي وسط نهار الإثنين وحيث انتهى الكلام إلى هذا المقام فلنحمد الله الذي وفقنا للتمسك بعروة عترة النبي المصطفى ، وخلاصة خاصته الوصي المرتضى ، أحد السببين وثاني الثقلين وضياء الكونين وعصمة الخلق في الدارين ، وسلوك محجتهم ، والاستضاءة بأنوار محبتهم . ونسأل الله اسمه أن يصلي ويسلم عليهم أجمعين ، صلاة يظهر بها شرف مقامهم يوم الدين ، وأن يحشرنا في زمرتهم وتحت ألويتهم ، ويتوفانا على جهتهم ( 2 ) مقتفين هديهم في صدورهم ووردهم وأن يصفح عن ذنوبنا ويتجاوز عن سيئاتنا ،

( 1 ) التهذيب 6 : 335 حديث 928 . ( 2 ) محبتهم ظ .
..............................................................................تم

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية