الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




رسائل الشهيد الثاني- الشهيد الثاني

رسائل الشهيد الثاني

الشهيد الثاني


[ 1 ]

رسائل الشهيد السعيد الفقيه زين الدين علي الجبعي العاملي، المستشهد سنة 965 ه‍ - منشورات مكتبة بصيرتي قم - شارع ارم بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد على ما هدانا إلى صراطه المستقيم وله الشكر على ماحبانا من فقه احكام الدين القويم وصلواته الجامعة وتحياته الصادعة على من طهرنا من رجس الزيبة وانقدنا من غريق الغواية والضلالة وسلك بنا سبيل الحق المقيم محمد وآله الوارث التراث علمه الكشاف للاسرار القديم العليم بما اوحى إليه من ربه وفوق كل ذى علم وعليم بعد فمما لا يخفى ان الامام العلامه الهمام والمحقق والمدقق القمقام الفضل المحققين شيخ الاسلام الشيخ الاجل السعيد زين الدين العاملي الشهيد الثاني اعلى الله في روضات القدس له المقام علم علم لاتباريه الاعلام وهضبة فضل لا يفصح عن وصفها الكلام ارحت انفاس فوائده ارجاء الاقطار واحيت رشحات تحقيقاته كل قفززلت بها كأنها الامطار تصانيفة في صفحات الايام غرر وكلماته في عقود السطور درر فاى قد ظفرنا من افاداته برسائل ثمان كأنها درر ثمان هي لروضات التحقيق في عدة عدده ابواب الجنان بل ابكار افكار وكأنها الياقوت والمرجان لم يدركها قبله انس ولاجان ولم يعرف لها رسم الا في ديوان تصانيف العلماء الاعيان فضلا عن ان يفوز بنسخه أو طبعه طلاب العلوم وارباب الالباب والاذهان فساعدنا التوفيق على ان نحوزها في حوزة الترتيب والاجتماع ونسلكها في سلك الطبع لشدة شوق الطباع ونرجوا به النفع يوم الا يصلح المال والبنون للانتفاع ولما كان الكتاب بهذه الابواب قليل الحجم صغير القاعدة مع انه كثير المعنى عظيم الفائدة فعززناها من افاداته المنيعة المنطبعة بكتابين كان المدينة القدس غابين؟ فصارت تلك عشرة كاملة دوارت؟ لرشائق التحقيق شاملة وهى هذه رسائل في انفعال ماء البئر وفى من تيقن بالطهارة والحدث وشك في المتأخر وفى من احدث في غسل الجنابة وفى صلوة الجمعة وفى صلوة المسافر وفى طلاق الحايض والغايب عن زوجته وفى الحبوه وفى ميراث الزوجة واما الكتابين المنطبعيه سابقا فيها اسرار الصلوة وكشف الريبة في احكام الغيبه

[ 2 ]

هذه مجموعة من افادات الامام الهمام العلامة لسان الفقهاء ذوى الكرامة المحقق المدقق السديد الشيخ الاجل السعيد الشهيد الثاني عامله بلطفه المجيد ره بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمدلله رب العالمين وصلوته على سيدنا محمد واله الطاهرين مسألة اختلف اصحابنا رضى الله عنهم في نجاسة البئر بمجرد ملاقات النجاسة له كالقليل وعدمه على اقوال اشهرها بينهم بل ادعى عليه جماعة الاجماع منهم السيد أبو المكارم حمزه بن زهره في كتابه غنية النزوع وقال الشهيد في شرح الارشاد فقال كاد ان يكون اجماعا ولعله الحجة النجاسة وذهب اخرون منهم ابن ابى عقيل من المتقدمين و الشيخ جمال الدين بن المطهر من المتأخرين إلى عدم انفعاله بدون التغيير كالكثير أو كالجاري والقولان للشيخ اولهما هو المشهور من مذهبه والثانى نقله عنه جماعة وله في كتاب الحديث قول ثالث وهو انه ينجس وبجب النزح المقدر لكن لا يجب اعادة الصلوة ولاغسل مالا قاه قبل العلم بالنجاسة وله قول رابع انه لا ينجس ولكن يجب النزح تعبدا جمعا بين النصوص وفى المسألة قول خامس للشيخ ابى الحسن محمد بن محمد البصروى وهو اعتبار الكرية فيه وعدمها فان بلغ كرا لم ينجس الا بالتغيير

[ 3 ]

والانجس بالملاقات وهذا في الحقيقة مذهب العلامة جمال الدين ايضا وان لم يصرح به لانه اعتبر كرية الجارى في عدم انفعاله بالملاقات وما البئر في معناه بل اضعف منه فيقتضى اعتباره فيه بطريق اولى ومنشاء هذه الاقوال اختلاف الروايات عن اهل البيت عليهم السلام بعد اتفاقهم جميعا على ورود النزح له شرعا بدون التغير حتى تواترت به الاخبار عن النبي صلى الله عليه وآله ولكن ليست صريحة في النجاسة فمن ثم حملها من حكم بعدم نجاسة على الاستحباب واما الاخبار الدالة على الاقوال المذكورة فهى على اقسام احدها مادل على النجاسة وهى صحيحة محمد بن اسمعيل بن بزيع انه كتب إلى رجل يساله ان يسأل ابا الحسن الرضا عليه السلام عن البئر يقطر فيها قطرات من بول أو دم ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلوة فوقع عليه السلام في كتابي بخطه ينزح منها دلاء وهى في قوه طهرها بذلك وبقرينة ما تقدم وطهرها بالنزح يدل على نجاستها قبله والا لزم ايجاد الموجود أو اجتماع الامثال وقريب منه قوله حتى يحل الوضوء منها وصحيحة على بن يقطين قال سألت ابا الحسن موسى عليه السلام عن البئر يقع فيه الحمامة أو الدجاجة أو الفاره أو الكلب أو الهره فقال يجزيك ان تنزح منها دلاء فان ذلك يطهرها انشاء الله تعالى والاجزاء ظاهر في الخروج عن العهدة وتطهيرها بذلك يدل على نجاستها بدونه كما تقدم وصحيحة عبد الله بن ابى يعفور عن الصادق عليه السلام قال إذا اتيت البئر وانت جنب ولم تجدد لو اولا شيئا تعرف منه فتيمم بالصعيد الطيب فان رب الماء رب الصعيد ولا تقع في البئر ولا تفسد على القوم ماءهم اوجب التيمم بصيغة الامر المشروط بعدم الماء الطاهر فلا يكون الماء طاهرا على تقدير الوقوع والاغتسال ونهى عن الوقوع في البئر وعن افساد الماء والمفهوم من الافساد النجاسة وحمله على نجاسة تغيره بعيد لان ظاهره استناد الافساد إلى الوقوع وهو

[ 4 ]

غير مغير لحالتها وللزوم تأخر البيان عن وقت الحاجة وثانيها مادل على عدمها وهى صحيحة محمد بن اسمعيل بن بزيع ايضا قال كتبت إلى رجل اسأله ان يسأل ابا الحسن الرضا عليه السلام فقال ماء البئر واسع لا يفسده شئ الا ان يتغير ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح ويطيب الطعم لان له مادة وهذه الرواية اقوى حجج القائلين بالطهارة لحكمه عليه السلام على الماء بالسعة ويفهم منها عدم الانفعال بالملاقات ونفى افساد شئ له وهو عام لانه نكرة في سياق النفى واشتمالها على الحصر المستفاد من الاستثناء في سياق النفى ووجود التعليل بالمادة والمعلل مقدم على غيره ولدلالتها على المراد نصا وللاكتفاء مع تغيره بمزيل التغير ولو كان نجسا ويوجب نزح ما قدر لكان مع تغير المقدر يوجب نزح اكثر الامرين من المقدر وما يزيل التغير والا فلا يعقل الاكتفاء بزوال التغير لو حصل قبل استيفاء المقدر ولو فرض كون النجاسة المغيرة لا مقدر لها لم يتم الاكتفاء ايضا بمزيل التغير لان الحق وجوب نزح الجميع لما لانص فيه بدون التغير فكيف معه وهذا كله لا يجامع القول بالنجاسة ولا يصح مع تأويل الافساد بما اول به القائل بها وحسنه على بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام قال سألته عن بئر ماء وقع فيها زبيل من عذره رطبه أو يابسه أو زبيل من سرجين ايصلح الوضوء منها قال لا بأس والمراد من العذرة والسرجين النجس لان الفقيه لا يسأل عن ملاقاة الطاهر وان سلم فترك الاستفصال في العذرة دليل استواء الطاهرة والنجسة في الحكم باعتبار الوقوع ورواية حماد عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام قال لا يغسل الثوب ولا تعاد الصلوة مما وقع في البئر الا ان ينتن فان انتن غسل الثوب واعاد الصلوة ونزحت البئر وصحيحة معوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام في الفاره تقع في البئر فيتوضى الرجل منها ويصلى وهو لا يعلم ايعيد الصلوة ويغسل ثوبه قال لا يعيد الصلوة ولا يغسل الثوب وقريب منها رواية ابان بن

[ 5 ]

عثمان عنه عليه السلام ورواية عيينه عنه عليه السلام ورواية يعقوب بن عيثم عنه عليه السلام وهذه الروايات الاخيرة حجة الشيخ في كتابي الاخبار على نجاسته وعدم وجوب اعادة الصلوة وتطهير الثوب منها قبل العلم بحالها وحجة البصروى رواية الحسن بن صالح الثوري عن ابى عبد الله عليه السلام قال إذا كان الماء في الزكي كرا لم ينجسه شئ والمراد من الزكي الابار لغة وعرفا واعلم ان الروايات التى استدل بها الشيخ على عدم الاعادة ظاهرة في الطهارة عاضدة لما دل عليها منها والحكم بالنجاسة مع عدم وجوب اعادة الطهارة وغسل الثوب الذى باشرها مخالف لاصول المذهب فهذا القول ساقط و كذا لاخر من حيث الاستدلال بالخبر فان طريقه ضعيف لحسن بن صالح فانه زيدي تبرى نعم يمكن الاحتجاج له بعموم قوله عليه السلام إذا بلغ كرا لم ينجسه شئ فانه متفق على معناه وعلى العمل بمفهومه وتحمل اخبار النجاسة على مالايبلغ منه الكر واخبار الطهارة على ما بلغ منه كرا جمعا وبقرينه قوله في صحيح ابن بزيع ماء البئر واسع الخ وهذا طريق حسن في الاستدلال لم يذكروه ولعله اقوى من الجانبين لولا ما نقرره بعد ذلك وقد نسب هذا القول إلى البصروى وكانه عندهم مختص به مع انه لازم لكل من اعتبر كرية الجارى وحكم بعدم نجاسة البئر بالملاقات فان دليل اعتبار كرية الجارى وارد هنا وايضا اعتباره في الجارى يدل على اعتباره في البئر بطريق اولى لان كثير الجارى لا ينفعل بالملاقات اجماعا وكثير البئر مختلف فيه فيكون اضعف منه فإذا حكم بانفعال قليل الجارى بالملاقات لزم القول بانفعال البئر بطريق اولى مضافا إلى ما دل عليه من الاخبار المتناول لهما ولغيرهما من افراد المياه وح فيكون قول البصروى قولا للعلامة ولمن قال بمقالته في المسلمين وهو واضح وان لم يصرحوا به فبقى الكلام في القولين المتقابلين وقد اورد كل من الفريقين على حجة الاخر مناقضات ومعارضات

[ 6 ]

نحن نشير إليها مع ما يرد عليها فنقول اما اصحاب القول المشهور فقد اجابوا عن الحديث الاول من احاديث الطهارة بانه مكاتبة يضعف عن الدلالة وبعدم التصريح بان المجيب الامام وبان المراد بالفساد المنفى فساد الكل دون الفساد الكلى إذ لا يفسد فسادا يوجب التعطيل كما قال النبي صلى الله عليه واله وسلم المؤمن لا يخبث أي لا يصير في نفسه خبثا وكقول الرضا عليه السلام ماء الحمام لا يخبث مع انه يجوز ان تعرض له النجاسة وهذا وان كان خلاف الظاهر الا ان فيه جمعا بين الاخبار وعن الخبرين الاخرين بان البئر يقع على النابعة والغدير فلعل السؤال عن بئر ماؤها محقون فيكون الاخبار الدالة على وجوب نزح البئر عن اعيان المنزوحات مختصة بالنابعة ويكون هذا متناولا لغيرها مما هو محقون وعن الثاني بالخصوص بان العذرة والسرقين اعم من النجسين فلا يدل على الخاص وبان السؤال وقع عن وقوع الزبيل المشتملة عليهما وذلك لا يستلزم اصابتهما الماء وانما المتحقق اصابة الزبيل خاصة وبامكان ان يراد لا بأس ينزح الخمسين وعن الثالث بان حماد الراوى عن معاوية مقول بالاشتراك على جماعة منهم الثقة وغيره فلعله غير الثقة وبانه يدل بضيغته ما العامة فيما لا يعقل فيكون الترجيح لجانب الاحاديث الدالة على اعيان المتروحات تقديما للخاص على العام ولمعارضة الاخبار الكثيرة لها واكثر هذه الاجوبة للمحقق في المعتبر وفيه نظر اما الاول فلان المكاتبة معمول بها وظاهر الضمير عوده إلى الامام لانه اقرب هذا ما يتعلق بالحديث المتنازع مع ان الشيخ في زيادات التهذيب روى عن محمد بن بزيع في الصحيح عن الرضا عليه السلام قال ماء البئر واسع لا يفسده شئ الا ان يتغير وهذه حجة قويه لايرد عليها شئ مما ذكر إذ ليس فيها تعرض للمكاتبة ولكنه لم يذكر فيه التعليل بان له مادة وامره سهل بالنسبة إلى البئر وان كان ينفع في امر اخر وابلغ منه ما رواه الشيخ في الاستبصار عن محمد بن بزيع في الصحيح ايضا عن الرضا عليه السلام ايضا صريحا قال ماء البئر واسع لا ينجسه شئ

[ 7 ]

الا ان يتغير ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح ويطيب الطعم لان له مادة فانى بلفظ الحديث السابق اجمع وزاد تحقيق الرواية عن الرضا عليه السلام من غير مكاتبة ولا يقدح في ذلك كون الاستبصار منحصرا في روايات التهذيب المتعارضة كما هو الظاهر من حاله والباعث لتصنيفه كما اشار إليه في خطبته لان ذلك لا يبلغ حد اللزوم على وجه يتطرق القدح فيما صرح فيه بالمتن الواضح والسند الصحيح فلعله حققه من محل اخر فان الطرق لم تنحصر في التهذيب ولو قدح مثل ذلك فيه لادى إلى الطعن على الشيخ رحمه الله وحاشاه من ذلك وكثير اما يتفق لى تصحيح بعض طرق التهذيب من الكافي للكليني مع تقدمه عليه وغفلة الشيخ في التهذيب عن مراعات الطريق الصحيح السابق عليه فتفطن لذلك وبقى الكلام على الحديث من جهة قوله لا يفسده شئ فان الافساد اعم من النجاسة إذ المراد به خروجه عن حد الانتفاع به سواء كان بسبب النجاسة ام غيرها لكن الظاهر المتبادر كون المراد به هنا النجاسة بدلا له المقام وقرينة قوله ان لا يتغير طعمه أو ريحه فان تغيره كذلك انما يوجب فساده من جهة النجاسة كما لا يخفى وبهذا يندفع تأويل القايلين بالنجاسة بان المراد فساده بسبب ثوران الحماءة ونحوه من حيث انه اعم من النجاسة لعدم صحة الاستثناء لان التغيير في احد الاوصاف لا يقتضى فساده مطلقا ولكان التعليل بالمادة ضايعا وكذا ما قيل من ان المراد بالفساد فساد الكل وهو مستند إلى التغير ولا يلزم منه عدم استناد الفساد الكلى إلى الملاقات لان ذلك مع كونه خلاف الظاهر متاف للتعليل بالمادة مع ان الذى يفسد بالملاقات كلى على ما ذكروه يوجب فساده مطلقا قبل النزح ونجاسته على كل حال وانما يرن؟ إلى الطهر بالنزح وكذا بما غيره فان المطهر له عندهم هو مزيل التغير أو اكثر الامرين أو ما شاكلهما على اختلاف الاقوال وكيف كان فالفساد ابتداء للجميع وبعد نزح ما يعتبر فيه يطهر الباقي ولو قيل ان نزح المعتبر ح قد يأتي على الجميع قلنا فكذلك في غير ما يوجب

[ 8 ]

التغيير فان منه جملة يوجب نزح الجميع من غير تغيير وقد اطلقه فدل على فساد هذا التأويل ومثله قولهم ان المراد لا يفسده فسادا يوجب التعطيل فان هذا مع كونه خلاف الظاهر ينتقض بما ذكرناه فان التعطيل لا يتحقق مع التغيير وقد يتحقق مع عدمه وبالجملة فالقدح المعتبر في هذا الحديث انما كان من احتمال انقطاعه حيث لم يصرح فيه بان القائل الامام وحيث ثبت ذلك صار دليلا قويا على الطهارة بغير اشكال وثبوته على الوجه الذى قررناه لم يتفطن إليه احد من الاصحاب قبل يومنا هذا فلله الحمد والمنة واعلم ان بعد تحقيق صحته واتصاله يستفاد منه فايدة جليلة من قوله لان له مادة وهى جعل المادة علة لعدم انفعاله بدون التغيير وقد تحقق في الاصول ان العلة المنصوصة يتعدى إلى كل ما تحقق فيه العلة وح فيلزم عنه ان الماء النابع مطلقا لا ينجس الا بالتغيير لان له مادة فيكون حجة للقول المشهور بين الاصحاب من عدم اعتبار الكرية في الجارى من حيث المادة ويكون هذا الحديث مخصصا أو مقيدا لقوله عليه السلام إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ الشامل للجاري الدال بمفهومه على تنجيس ما دون الكر وهذه حجة قوية على ذلك لم يذكرها احد منهم وانما اسندوا إلى ادلة واهية لا يثبت مطلوبهم واصلا قد نبهنا عليها في مواضعها منها قولهم ان النص ورد على نفى البأس بالبول في الجارى والنهى عنه في الراكد ولا يخفى عليك عدم دلالة ذلك على عدم النجاسة لوجوه احدها ان نفى البأس المراد به نفى التحريم لان ذلك هو المعنى الصالح من معانيه هنا ومقتضاه ان الفعل المذكور لا يحرم سواء حصلت النجاسة ام لا وثانيها ان الجارى قد ينجس بالبول كما لو كان قليلا جدا والبول متغيرا بحيث يتغير الماء به وقد لا ينجس والراكد قد ينجس ايضا به على تقدير قلته وقد لا ينجس على تقدير كثرته فاطلاق النهى عنه والاذن في الاخر ليس للنجاسة وعدمها والا لزم التفصيل وثالثها انه ورد ايضا النهى عن البول في الماء مطلقا وقد حملوه على اطلاقه و

[ 9 ]

وحكموا بتاكد الكراهة في الواقف وثبوت اصل الكراهة في الجارى من غير تأكيد جمعا وهذا لا يطابق ما عللوا به من النجاسة وعدمها ورابعها ان هذا الحكم ظاهر في احكام الخلوة ولاتعرض له إلى حكم النجاسة وعدمها بوجه كمالايخفى وخامسها ان النهى لو كان للنجاسة لزم النهى عن تنجيس الانسان ملكه أو المباح خصوصا إذا كان ذلك لضرورة أو غرض صحيح وهذا لا دليل عليه والاخبار لاتدل على زيادة عن اداب الخلوه كما ذكرناه واضعف من ذلك استدلوا به على عدم نجاسة الجارى بالملاقات من قولهم ان التعليل بالجريان يشعر بالعليه وان النجاسة لاتستقر في الجارى إلى غير ذلك مما لا يجوز تأسيس الاحكام الشرعية به نعم هذا الحديث المعلل بالمادة صحيح الدلالة على ذلك و لكن لم يتفطن إليه احد منهم قبل يومنا هذا فيما علمت وبما تحقق لى صرت إلى القول بمضمونه في الامرين معا فالحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله ولنرجع إلى القول في بقية ادلة الطهارة فاما الحديث الثاني فلا يخفى مافى تلك الاعتراضات من التكلف والحامل لهم على ذلك دفع المنافات بينه وبين اخبار النجاسة وحيث قد حققنا القول بالطهارة بالحديث الاول صار غيره عاضدا وشاهدا فلا يضر القدح فيه ونقول هنا قولهم انهما اعم من النجس فلا يدل على الخاص قلنا بل يدل من حيث اطلاقهما الشامل للنجس وجواب الامام برفع البأس مطلقا والا لاستفصل وبان الظاهر السؤال عن النجس لان على بن جعفر فقيه لا يسأل عن ملاقاة الطاهر ولا عما يحتمله ولان الظاهر من العذرة عذرة الانسان النجسة كما نص عليه اهل اللغة في وجه تسميتها ودلالة العرف عليه وقريب منه الجواب عن كون السؤال وقع عن اصابة الزبيل خاصة فان مثل هذا الرجل الجليل لا يسأل عن وقوع الزبيل مجردا عن اصابة النجاسة وحمل البئر المطلق شرعا على النابع المخصوص على المصنع عدول عن الظاهر بغير دليل وابعد

[ 10 ]

وابعد من الجميع التأويل الاخر فان فيه تأخير البيان عن وقت الخطاب بل الحاجة لان السائل يريد بالجواب ما يحكم به على الواقع ويعتقده ويعمل بمضمونه حيث كان واقعا ويفتى به غيره واما الحديث الثالث فالقدح فيه باشتراك حماد جيد مع ان الظاهر الغالب على الظن ان المراد به حماد بن عيسى أو حماد بن عثمان لانهما كثيرا ما يروى عنهما ويرويان عن معوية بن عمار ومن شاركهما في الاسم واختص بالضعف قليل الرواية جدا الا ان اصل القدح لا يزول بهذا واما قولهم في مرجوحيتها باشتمالها على ما العامة فيما لا يعقل ودلالة اخبار النجاسة على اعيان المنزوحات والخاص مقدم فسنورده عليك جملة مافى الروايات الدالة على اعيان المنزوحات على وجه يرتفع ترجيحها بل صلاحيتها للدلالة راسا مع مافى هذه من الدلالة نصا وافادة الحصر المستفاد من الاستثناء مع اعتضاد الجميع بالاصل الاستصحاب وعموم الادلة الدالة على طهورية مطلق الماء وان تخصصت بموارد فان ذلك غير قادح في العموم بالنسبة إلى الباقي وبمساواة البئر بالنسبة إلى النبع وغير ذلك من الاعتبار بقى للقائلين بالطهارة ادلة اخرى واعتبار طنيتهم على مذهبهم مدخوله منها قولهم انه لو نجست البئر بالملاقات لما طهرت والتالى ظاهر البطلان بيان الملازمة ان الدلو والرساد وجوانب البئر ينجس بالملاقات أي بملاقات ماء النجس ونجاستها مانعة من حصول الطهارة في الماء بالنزح لدوام ملاقاتها وكذا المتساقط من الدلو حال النزح خصوصا الدلو الاخر وجوابه ان هذا كله مغتفر بالنص الدال على طهرها مطلقا بالنزح وقد صرح به القائلون بالنجاسة ووافقهم القائلون بالطهارة على مثل هذا الحكم في انية الخمر وغطائها وفى الات العصير العنبى بعد ذهاب ثلثيه مع اتفاقهم على عدم ظهور نص على حكمه وعللوه بانه لولا الحكم بطهارتها لما امكن الحكم بطهارة العصير وعدوا الحكم إلى ثياب المباشر ومزاوليه فهلا حكموا هنا بذلك مع دلالة ظاهر النصوص

[ 11 ]

الكثيرة عليه ومنها انه لو نجست البئر بالملاقات لكان وقوع الكر في الماء المصاحب للنجاسة موجبا لنجاسة جميع الماء والتالى ظاهر البطلان لان الملاقى للنجاسة إذا لم يتغير بها قبل وقوعه محكوم بطهارته فيمتنع نجاسة بغير منجس وللاستصحاب بيان الملازمة ان نجاسة ماء البئر بملاقاة النجاسة يقتضى نجاسة الماء الواقع لاستحالة ان يكون بعض الماء الواحد طاهرا وبعضه نجسا مع عدم التغيير وجوابه ان النجاسة ان استهلكت قبل وصول الماء إلى البئر ارتفع حكمها برأسها ولم توثر في البئر ح وان بقيت عينها كما هو ظاهر كلامهم فبوقوع الكر في البئر يتحد الماء ان ويصير المجموع مابئر غرفا والاحكام الشرعية معلقة على الاسماء اللغوية أو العرفية كالاصل وكما لو وقع قليل من الماء الطاهر فيه وخلاف ذلك مجرد استبعاد ومنها لو انتزع من البئر مقدار كر قبل ملاقات النجاسة لم ينجس الا بالتغير ولو بقى في البئر مأة كر مثلا نجس بالملاقات فيلزم زيادة الفرع على اصله وكون الجزء اقوى من الكل وجوابه ان ذلك غير مسموع بعد ورود النص والكر المنتزع خرج عن اسم البئر فلحقه حكم الواقف ومنها انه يجريانه من منابعه اشبه الماء فيتساويان وجوابه مع المساواة بعد فرق الشارع بينهما وهو متحقق على تقدير الحكم بالطهارة ايضا فانه يحكم باستحباب النزح للبئر دون غيره فلم يحصل التساوى ومنها ان القول بنجاسة البئر بالملاقات دون المصنع إذا كان كثيرا مما لا يجتمعان والثانى ثابت اجماعا فينتفى الاول بيان التنافى انه لافرق بينه وبين البئر سوى المادة وهى مما تؤكد عدم نجاستها وجوابه ان ذلك كله مجرد استبعاد فلا يسمع بعد ورود النص بالفرق وتحققه بينهما باعتراف الخصم باستحباب النزح كما ذكرناه فقد تحقق الاتفاق على عدم التساوى ومنها ان النبي صلى الله عليه واله كان يمر مع اصحابه بابار المشركين ويأخذون منها الماء ولم ينقل عنهم انهم كانوا ينزحون منها شيئا أو يامرهم باجتنابها وجوابه ان ذلك مع تسليمه لا يدل على علمه صلى الله

[ 12 ]

عليه وآله بوقوع النجاسة فيها وذلك كاف في عدم وجوب الاجتناب وكثيراما كان يعهد من شرعه وفعله صلى الله عليه وآله البناء على الاصل والاعراض عن الظن والتفحص عن هذه الامور مع انه يحتمل امرا آخر والله اعلم والحق ان مجموع هذه الامور تفيد ظن عدم الانفعال بالملاقات لاثبوته شرعا وانما الاعتماد على النص السابق ومنها ان المسألة اجماعية قبل ظهور المخالف كما ادعاه السيد ابن زهره أو معلوم النسب كما يظهر من الشهيد رحمه الله وغيره فلا يصح احداث القول بالطهارة وان قام عليه الدليل وجوابه منع الاجماع سابقا ولاحقا ومنع حجيته على تقديره بهذا المعنى واولى منه منع حجيته ما يظهر فيه المخالف المعلوم النسب وتحقيق هذه المقدمات محقق في موضع اخر مع ما يظهر على صفحاتها من مخايل الفساد والبعد في حجيتها عن السداد وقد تقدم على دعوى السيد خلاف ابن ابى عقيل وابى عبد الله الحسين بن عبيدالله الغضايرى وتاخر عنها خلاف مفيد الدين بن جهم وتلميذه العلامة وولد السعيد فخر المحققين والمحقق الشيخ على وغيرهم واما اصحاب هذا القول فقد اجابوا عن ادلة القائلين بالنجاسة اما عن صحيحة ابن بزيع فبانها معارضة بروايته الاولى با الطهارة وإذا تعارض الخبران فاقل مراتبهما السقوط والرجوع إلى حكم الاصل وهو هنا الطهارة وبانها مكاتبه وغاية الامر سقوطهما والرجوع إلى الاصل كذلك وعلى ما حققناه فالترجيح متحقق بالمشافهة على المكاتبة وبان الترجيح في جانب الطهارة من جهة موافقتها للاصل ودلالتها نصا بخلاف هذه فانها تفتقر إلى تقدير محذوف وهو ما تقدم من ان ذلك طهرها وبامكان حمل الطهارة على تقديره على اللغوية وهذا وان امكن في تأويل الفساد مع اشتراكهما في خلاف الظاهر أو المجاز الا ان الانسب في الجملتين اختصاص الجانب المرجوح ليسلم من التناقض وقد ظهر انه في هذا الجانب واما صحيحة ابن يقطين ففيها عدم الدلالة نصا ايضا لاحتمال الاجزاء الخروج عن عهدة

[ 13 ]

الندب والتطهير لتنظيف غايته دلالتها ظاهرا والنص مقدم والاولى من ذلك ان حملها على ظاهرها لا يستقيم اما اولا فلاقتضائه الاجزاء في التطهير من جميع ما ذكر من النجاسات بنزح ثلث دلاء لانها اقل الجمع ولا يقدح كونها جمع كثرة لان الفرق بين الجمعين غير معتبر في الاستعمال العرفي والشرعي سلمنا لكن يجب على ذلك احد عشر ولم يقل به احد واما ثانيا فلانه يلزم استواء الكلب والفاره في الحكم وهو فاسد وحملها على تفسخ الفارة وخروج الكلب حيا مع بعده جدا عن الاطلاق لا يوجب حمل الجمع المطلق على السبع والجمع بينه وبين النص الاخر المقيد بذلك سيأتي ما فيه ومع ذلك فهذا الحمل ليس اولى من حمله على التنظيف على الاستحباب أو التغير ونحو ذلك لاشتراك الجميع في خلاف الظاهر والجواز مراعاة للجمع فيكون ذلك هو المرجح واما القول بدلالتها على النجاسة في الجملة وان لم يعمل بظاهره فحق الا انه حيث يطرح العمل بظاهره تسقط دلالته الظاهرة ويصير تأويله اولى من ظاهره واما صحيحة ابن ابى يعفور فقالوا انه لايتم الاحتجاج بها على النجاسة لان بدن الجنب إذا كان طاهرا كما هو المفروض والمفهوم من الحديث والمعلوم من غيره كحديث الحلبي المتضمن نزح سبع دلاء إذ نجاسة المنى توجب عند القائلين بالتنجيس نزح الجميع وبه صرحوا كلهم كيف يحكم بنجاسة الماء بمجرد الملاقات مع ان نجاسة بدن الجنب حكميه وهميه ومثلها لا يتعدى فان الجنب إذا اغتسل في ماء قليل لم ينجس اجماعا فالبئر اولى لمكان المادة والكثرة في كثير من افراده وما يقال من ان ذلك مجرد استبعاد وان البئر قد اشمل على احكام مختلفة واتفاق حكم نجاسات متباينة وان تأثير النجاسة مرجعه إلى الشارع وقد فرضها هنا فيجوز انفعال البئر بذلك وان لم نقل بانفعال المستعمل القليل يمكن احتماله لو قوى دليل النجاسة اما بمجرد هذا فلا وحيث قد رد ما تقدم من الاخبار فلا يجوز التعلق بهذا وحده في هذا الحكم المخالف للاصل والظاهر والعقل مع ان الافساد اعم من النجاسة كما اسلفناه

[ 14 ]

وانما صرنا إلى تخصيصه ثم بالنجاسة لعارض وبقرينة قوله الا ان يتغير الخ فهذا هو الفارق بين المعنيين وهذا جواب ما يقال من ان الافساد قد ورد في الجانبين فمهما قيل به في احديهما يقال في الاخر لظهور الفرق واما الامر بالتيمم فلا يدل على نجاسة الماء لانه اعم منها لجواز التيمم مع وجود الماء الطاهر إذا اضطر إلى شرب حيوان محترم له والظاهر ان الامر هنا كذلك لان نزول الجنب في البئر تثير الحمائة ويغير الماء ويفسده على الشارب غالبا ولو فرض عدم حصول ذلك في بعض الابار حملنا مورد الرواية على ذلك جمعا واما ما استدل به القائلون بالنجاسة من من حيث الاعتبار من ان البئر لو لم ينجس لم يكن للنزح فايدة فيكون عبثا والتالى ظاهر البطلان لصدوره عمن لا ينطق عن الهوى فالمقدم مثله والملازمة ظاهره ففيه منع الملازمة إذ لا يلزم من انتفاء فائدة مخصوصه انتفاؤها مطلقا ولا يلزم من عدم العلم بها عدمها ومن ثم قالوا بالاستحباب وهو فائدة والشيخ في التهذيب بانه تعيد وبالجملة فالاخبار متعارضه والاعتبار قائم وباب التأويل متسع والرجحان على ما ظهر لنا الان في جانب الطهارة كما استفيد من مطاوى ما قررناه واعلم انه على تقدير القول بالنجاسة يشكل القول بالطهارة بالنزح على الوجه الذى اشتهر بين الاصحاب لما اعتبرناه من عدم صحة الاثار الواردة بذلك بل عدمها اصلا في كثير منها فيلزم القول بعدم الطهارة بالنزح في غير ما اعتبر حديثه وهو قليل جدا ومع ذلك فلم يقل احد من الاصحاب بهذا القول وهو قرينة كبيرة على عدم النجاسة وسيشير إلى جملة من المواضع التى ذكروه وقد روالها منزوحا استنادا إلى مالا يصلح سندا فالاول ما اوجبوا به نزح الجميع وهو وقوع الخمر وغيره من المسكرات المايعة والفقاع والمنى ودم الحيض والاستحاضة والنفاس وموت البعير والثور والحال ان المنى والدماء الثلاثة لم يرد بها نص مطلقا نعم ورد في وقوع الدم نزح مقدار معين سيأتي الكلام فيه وهو شامل باطلاقه أو عمومه لها وانما الحقها الشيخ بالخمر لغلظ نجاستها وتبعه الجماعة ومثل هذا

[ 15 ]

لا يصلح لتاسيس الاحكام واما المسكر والفقاع فلم يرد به ايضا نص وانما ورد في الخمر ولكن الامر فيه سهل حيث ورد ان الفقاع خمر مجهول وان كل ما فعل فعل الخمر فهو خمر بمنزلته ومن العجيب ما علل به بعض الفضلا حكم الدماء الثلاثة بعد اعترافه بعدم النص عليها من انها بمنزلة المنى ومن اين اثبت حكم المنى حتى يلحق به الدماء الثلاثة وبقى الكلام في الخمر والبعير والثور اما الخمر فقد ورد فيه روايات مختلفة منها رواية الحلبي وعبد الله بن سنان ومعوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام بنزح الماء كله لكن في رواية معوية بن عمار البئر يبول فيها الصبى أو يصب فيها بول أو خمر ينزح الماء كله والاصحاب لا يعملون بذلك في بول الصبى ولا في مطلق البول وفى رواية عبد الله بن سنان فان مات فيها ثورا ونحوه أو صب فيها خمر نزح الماء كله ومر نحو الثور البقرة والبغل والدابة وهم لا يقولون يتساويها في الحكم وفى رواية الحلبي إذا سقط في البئر شئ صغير فمات فيها فانزح منها دلاء وان مات فيها بعير أو صب فيها خمر فلينزح فحكم بالاكتفاء في مطلق الحيوان الصغير بدلاء وهو يقتضى الاكتفاء بثلاثة أو احد عشر ولا يقولونه به مطلقا كذلك فظاهر الثلاث متروك وان كانت صحيحة ومنها رواية زرارة عنه عليه السلام قال الميت والدم والخمر ولحم الخنزير في ذلك كله واحد ينزح منه عشرون دلوا فان غلبت الريح نزحت حتى يطيب ومنها رواية كردويه عن ابى الحسن عليه السلام في البئر يقع فيها قطرة دم أو نبيذ مسكر أو بول أو خمر قال ينزح منها ثلثون دلوا وفى التسوية بين هذه الامور واختلاف الاخبار على هذا الوجه والاكتفاء مع التغيير بنزحها حتى يطيب مع انه اعم من بلوغ المقدر وعدمه قرينة قوية على القول بعدم النجاسة وتادى السند بجميع ما ورد وللشيخ ره وغيره في هذه الاختلاف تأويلات بعيدة وجمع غريب كحمل الشيخ بول الصبى ومطلق البول على المغير للبئر وجملة الاخبار الاخيرة التى لا يوجب نزح الجميع للخمر على انها خبر واحد وغير ذلك ومتى ترك الشيخ ره العمل بخبر الواحد الضعيف والمجهول

[ 16 ]

حتى يرد الخبر الواحد مطلقا كما يفعله المرتضى ومن تابعه عليه واما البعير فقد سمعت ما فيه من ايجاب نزح الجميع وروى عمر بن سعيد بن هلال قال سألت ابا جعفر عليه السلام عما يقع في البئر وفلا شيئا إلى ان قال حتى بلغت الحمار والجمل قال كر من ماء والشيخ جمع بينهما هنا بانه إذا نزح الجميع فقد نزح الكر فعمل بالخبرين وهو عجيب واما الثور فقد عرفت ايجابه نزح الجميع فيما سلف وقد حكم الاصحاب بان البقرة وشبهها من الدواب ينزح له كر لخبر عمرو بن سعيد السابق فهو شامل للثور مع ان في دلالة الخبر على ذلك نظرا بينا وروى عمار الساباطى عن ابى عبد الله عليه السلام في جملة حديث قال وما سوى ذلك مما يقع في الماء فيموت فيه فأكثره الانسان ينزح منها سبعون دلوا واقلها العصفور ينزح منها دلو واحد وما سوى ذلك فيما بين هذين وهذا يتناول الثور وغيره ويدل على انه لا يبلغ السبعين دلوا مع ان هذا الخبر مستند الاصحاب في موت الانسان والعفصورين المذكورين فيه وفى سنده ضعيف بجماعة الثاني حكمهم بالتراوح على البئر يوما عند تعذر نزجه اجمع وطهر ما يتخلف منه بعد ذلك واستندوا في هذا الحكم المخالف للاصل إلى رواية احمد بن فضاله عن عمرو بن سعيد عن مصدق عن عمار في حديث طويل قال وسئل عن بئر يقع فيها كلب أو فارة أو خنزير قال تنزف كلها ثم قال عليه السلام فان غلب عليه الماء فلينزف منه يوما إلى الليل ثم يقام عليها قوم يتراوحون اثنى اثنى فينزفون يوما إلى الليل وقد طهرت ولا يخفى عليك قصور هذا الخبر عن اثبات هذا الحكم وتطهيره لما حكم بنجاسته مع ما فيه من ضعف السند واشتماله على الاحكام المخالفة تغيره من الاخبار والفتاوى وحمل مطلقه على تعيير البئر بالكلب والفاره والخنزير ابعد الثالث حكمهم بنزح كر لموت الدابة أو الحمار أو البقرة أو البقل مع ان ماعد الحمار لم يوجد في النص وقد وجد الحمار مقرونا بالجمل فيه ولم يعملوا بظاهره هناك وادخالهم لغيره نظرا إلى ظاهر الخبر يقتضى الحاق كلما مابين الحمار والجمل في الحكم وهم لا يقولون به مع مافى سند الحديث من الجهالة أو الضعف ولقد كان الاولى

[ 17 ]

لهم حيث يعملون بالخبر الاقتصار على الحمار على ما فيه من الاشكال الذى قررناه الرابع حكمهم بنزح سبعين لموت الانسان وقد عرفت ان مستنده ضعيف والعمل بظاهره معدول عنه مع ما فيه من الاشكال في اطلاق الانسان على ما يعم المسلم والكافر والبحث فيه خارج عن مطلوبنا الخامس ايجاب خمسين للعذرة الرطية والدم الكثير مع ان قيد الرطوبة لم يوجد في النصوص وانما الموجود في رواية عبد الله بن بحر عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام في العذرة تقع في البئر فقال ينزح منها عشر دلاء فإذ ذابت فأربعون أو خمسون دلوا وطريقه ضعيف بعبدالله بن بحر جدا ومع ذلك فمقتضاه التخيير بين الاربعين والخمسين لاتعين الخمسين ومفروضة العذرة الذابية لا لرطبة فذكر الرطبة ليس بجيد واما الدم الكثير فلا نص عليه بخصوصه اصلا نعم في مقطوعة على بن جعفر قال سألته عن رجل ذبح شاه فاضطربت فوقعت في بئر ماء واوداجحا تشخب وماهل يتوضى من ذلك البئر قال ينزح منها مابين الثلثين إلى الاربعين دلوا وهذه الرواية مع كونها مقطوعة لاتدل على مطلوبهم من جهة الكثرة ولا من جهة العدد كما لا يخفى السادس حكمهم باربعين لموت الثعلب والارنب والخنزير والسنور والكلب وشبهه ولا دليل على هذا التقدير بخصوصه نعم في رواية على بن ابى حمزة عن ابى عبد الله عليه السلام قال في السنور عشرون أو ثلثون أو اربعون دلوا والكلب وشبهه ومع ذلك حال على بن ابى حمزة مشهور وفى رواية سماعة عنه عليه السلام وان كان سنورا أو اكبر منها نزحت منها ثلثين دلوا أو اربعين دلوا وفى الطريق؟؟؟ عيسى وسماعة وفى صحيحة زرارة ومحمد بن سالم ويريد عنهما عليهما السلام في البئر يقع فيها الدابة والفاره والكلب والخنزير والطير فيموت قال يخرج ثم ينزح من البئر دلاء ثم اشرب و توضى وقربت منها رواية الفضل عن ابى عبد الله عليه السلام ومقتضاها الاكتفاء بمسمى الدلاء وهى مع صحتها انسب بمذهب القائل بطهرها حيث اجتزء بدلاء تقع على اعداد كثيرة ولم يستفصل وجعله حكم نجاسات مختلفة في الحكم والفتوى وفى رواية عمار عنه عليه السلام

[ 18 ]

قال سأل عن بئر يقع فيها كلب أو فارة أو خنزير قال ينزح كلها وروى عبد الله بن المغيرة عن الباقر عليه السلام قال إذا مات الكلب في البئر نزحت ولاوجه لترجيح تلك الاخبار على هذه بل اللايق بطريق الشيخ ومن تبعه العكس والقول بنزح الجميع لدخول مقدر تلك في الجميع كما ذكره في غيره السابع حكمهم بالاربعين ايضا لوقوع بول الرجل مستنده رواية على بن ابى حمزة عن ابى عبد الله عليه السلام قال سألته عن بول الصبى الفطيم فقال دلو واحد قلت بول الرجل قال ينزح منها اربعون دلوا وهذا المستند ضعيف السند كما تقدم وقد تقدمت رواية كردويه انه ينزح للبول مطلقا ثلثون دلوا وهى اقرب سندا من هذه لان الراوى المجهول اقرب من معلوم الضعف الثامن حكمهم بنزح ثلثين لماء المطر المخالط للبول والعذرة وخرؤ الكلاب مستنده رواية كردويه الديلمى عن الكاظم عليه السلام وكردويه مجهول لايعرف هذا الاسم في الرجال فكيف ثيبت به هذا الحكم المخالف للاصل من حيث وجوب الثلثين لهذه النجاسات التى فيها ما يوجب منفردا ازيد من هذا المقدار كالعذرة وبعض الابوال وفيها مالا نص فيه كجزؤ الكلاب والقول بان ماء المطر اضعف حكمها جايز لو صح الخبر اما مع هذا الحال فلا التاسع ايجاب عشر للعذرة اليابسة مستنده رواية ابى بصير السابقة وفى الطريق عبد الله بن بحر وهو ضعيف مرتفع القول وفيها من جهة المتن انها تضمت ايجاب العشر لوقوع العذرة ما لم تذب وان ذابت فأربعون أو خمسون وعدم ذوبانها اعم من كونها رطبة لم تذب ويابسه ومعارضتها رواية عمار قال سئل أبو عبد الله عليه السلام عن البئر يقع فيها زبيل عذرة يابسة أو رطبة فقال لا بأس إذا كان الماء كثيرا ورواية على بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام قال سألته عن بئر وقع فيها زبيل من عذرة يابسة لو رطبة أو ذبيل من سرقين يصلح الوضوء منها فقال لا بأس والحديث حسن كما سلف العاشر ايجابها ايضا للدم القليل ومستنده مقطوعة على بن جعفر السابقة في الدم الكثير وفيها قال وسألته عن رجل ذبح دجاجة أو جمامة فوقعت

[ 19 ]

في بئر هل يصلح ان يتوضأ منها قال ينزح منها دلاء ثم يتوضى منها وسألته عن رجل يستقى من بئر فر؟ فيها قال ينزح منها دلاء يسيره وهذه الرواية على تقدير العمل بها لاتدل على اعتبار العشر بوجه لان الدلاء اليسيرة اعم منها تصدق على الثلاث فصاعدا بل هي على الثلث اول منها على العشر لما عرفت من ان الفرق بين جمع الكثرة والقلة في مثل ذلك غير معتبر وقد صرح به الاصحاب وغيرهم في كثير من ابواب الفقه كالاقارير وغيرها وعلى تقدير تسليم العمل بمدلولها النحوي فهى جمع كثرة اقله احد عشر فحمله على العشر غير صحيح وقد تقدم في ذلك مكاتبة ابن بزيع الصحيحه التى استدل بها على النجاسة وهى المتضمنة للسؤال عن البئر يقطر فيها قطرات بول أو دم يسقط فيها شئ من عذرة مالذى يطهرها فوقع عليه السلام ينزح منه دلاء ومن العجيب الغريب عنا ما اتفق لجماعة من المحققين في كيفية الاستدلال قال الشيخ في التهذيب بعد نقله الحديث وجه الاستدلال من الخبر على العشر انه قال ينزح منها واكثر عدد يضاف إلى هذا الجمع عشرة فيجب ان تأخذ به و نصير إليه إذ لادليل على ما دونه انتهى وهذا الكلام يعطى انه جعله جمع قلة وحمله على اكثره وكلاهما ليس بصحيح اما الاول فلان جمع القلة منحصر في اوزان اربعة مشهورة أو خمسة عند سيبويه وهذا ليس منها فهو جمع كثرة بغير اشكال واما الثاني فلانه على تقدير حمله على جمع القلة واطلاقه في الخبر يجزى الاقتصار على اقل مدلولاته وهو ثلثة كغيره من الابواب المحاورات لا على الاكثر وقوله لادليل على ما دونه ممنوع بل الدليل موجود على الاجتزاء باى مرتبة اريد من هذا الجمع عملا بالاطلاق وكما لو قال له عندي دراهم فانه يقبل تفسيره بما شاء بعد ان لا ينقص عن ثلثة ان لم نقل باطلاقه على اثنين خصوصا وقد ايده في الخبر الاول بقوله يسيره والمحقق في المعتبر اعترض كلام الشيخ بان ذلك انما يكون مع الاضافة اما مع تجريده عنهما فلا إذ لا يعلم من قوله عندي دراهم انه لم يخبر عن

[ 20 ]

زيادة عن عشره ولا إذا قال اعطه دراهم واجاب العلامة في المنتهى بان الاضافة هنا وان لم تجر لفظا لكنها مقدره والالزم تأخير البيان عن وقت الحاجة ولابد من اضمار عدد يضاف تقديرا فيحمل على العشرة التى هي اقل ما يصلح اضافته لهذا الجمع اخذا بالمتيقن وحوالة على الاصل من برائة الذمة وفيه نظر إذ لا يلزم من عدم تقدير الاضافة هنا تأخير البيان وانما يلزم ذلك لو لم يكن له معنى بدون هذا التقدير والحال ان له معنى كسائر امثاله من صيغ الجموع ولو سلم وجوب التقدير لم يتعين العشرة وقد عرفت فساد قوله ان اقل ما يصلح اضافته لهذا الجمع عشرة واعجب منه قول العلامة في المختلف ويمكن ان يحتج به من وجه اخر وهو ان هذا جمع كثرة واقله ما زاد على العشرة بواحد حمل عليه عملا بالبرائة الاصلية ولا يخفى عليك ان هذا الدليل لا ينطبق على الدعوى لاستلزام وجوب احد عشر ومدعاه االاكتفاء بعشر واعجب من ذلك قوله في المنتهى انه جمع كثرة وقال فيحمل على اقلها وهو العشرة والمعلوم عند النحاة ان اقل مراتب جمع الكثرة ما زاد على اكثر من مراتب جمع القلة بواحد واكثر مراتب جمع القلة عشرة والحق ان هذين الخبرين دالان على الاجتزاء بثلاث دلاء ولكن الاصحاب معرضون عن العمل بذلك تبعا للشيخ رحمه الله وحيث يقال بالاستحباب فلا شبهة في تأديه بذلك اما على القول بانه مطهر فيتوقف على تحقيق الاجماع على خلافه وعدمه ومن العجب ايضا ان الشيخ في الاستبصار لما ذكر خبر على بن يقطين السابق الذى استدلوا به على النجاسة وفيه ان وقوع الكلب والفارة يوجب نزح دلاء فقال ان قول دلاء جمع كثرة وهو ما زاد على العشرة فلا يمنع ان يكون المراد اربعين دلوا كما تضمنه غيره من الاخبار وهنا جعل مدلوله عشرا أو استدل عليه بانه اكثر مدلوله الحادي عشر ايجاب سبع لموت الطير ومستنده رواية على بن ابى حمزة عن ابى عبد الله عليه السلام قال وسألته عن الطير والدجاجة يقع في البئر قال سبع دلاء وحال على مشهور قال ابن الغضايرى

[ 21 ]

على بن ابى حمزة ايضا اصل الوقف واشد الخلق عداوة للولى وايضا فقد روى اسحق بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام ان عليا عليه السلام كان يقول الدجاجة ومثلها يموت في البئر ينزح منه دلوين أو ثلثة وطريق هذه الرواية اقرب من تلك لان فيه غياث بن كلوب وهو مجهول الحال مشهور الرواية وفى صحيح زيد الشحام عنه عليه السلام ايجاب خمس لموت الدجاجة والكلب والطير إذا لم تتفسخ أو يتغير طعم الماء وهى اولى بالمراعاة من الجميع الثاني عشر ايجاب السبع للفارة مع التفسخ لوالانتفاخ فان لم يحصل احد الوصفين فثلاث ومستند الاول رواية ابن سعيد المكارى عن ابى عبد الله عليه السلام قال إذا وقعت الفارة وتفسخت فانزح منها سبع دلاء وعلى الثاني رواية معاوية بن عمار عنه عليه السلام في الفارة والوزغة يقع في البئر قال ينزح منها ثلث دلاء بحملها على مااذا لم يحصل التسلخ جمعا بينها وبين الاولى كما حمل اطلاق رواية على بن ابى حمزة عنه عليه السلام في الفارة يقع في البئر قال سبع دلاء على الانفساخ جمعا وقد عرفت حال على بن ابى حمزة وقريب منه حال ابن سعيد المكارى وطريق رواية معاوية اقرب وان كان فيه جهالة وفى صحيح زيد الشحام إذا لم تنفسخ أو يتغير طعم الماء فيكفيك خمس دلاء وسيأتى وفى مقطوعة سماعة نزح سبع ان لم تنتن وفى رواية ابى خديجه عن ابى عبد الله عليه السلام نزح اربعين إذا لم تنتن وخبر اخر مرسل عنه عليه السلام ان موتها ينجسه مطلقا و هذا الاختلاف كله على عدم التنجيس وقد عرفت ان وصف الانتفاخ ليس في الاخبار الثالث عشر ايجاب السبع لبول الصبى دون البلوغ وفوق الفطام ولو كان دون الفطام فدلو ومستند الاول رواية منصور بن حازم عن عدة عن ابى عبد الله عليه السلام قال ينزح منه سبع دلاء إذا بال فيها الصبى أو وقعت فارة أو نحوها والثانى رواية على بن ابى حمزة عنه عليه السلام قال سألته عن بول الصبى الفطيم يقع في البئر فقال دلو واحد يحمل الثاني على الصبى لم ياكل الطعام جمعا وفيه ان الاول مرسل وحال الثاني قد علم وان

[ 22 ]

الظاهر من حال الفطيم المفطوم لانه فعيل بمعنى مفعول وهو ينا؟ في الحمل الرابع عشر ايجاب لاغتسال الجنب والمراد الخالى بدنه من نجاسة خبيثية ومستنده قد سبق في اخبار القائل بالتنجيس وانه لا يدل عليها وانه لاوجه للحكم بالنجاسة ح لعدم حصول ما يوجبها وقد تقدم تحقيق الخامس عشر ايجابها لخروج الكلب حيا ومستنده رواية عبد الله بن المغيرة عن ابى عبد الله عليه السلام قال إذا وقع الكلب فيها ثم اخرج منها حيا نزح منها سبع دلاء وفيه ان الخبر ايضا إذا مات الكلب في البئر نزحت وقد مر حكمهم بخلافه وان في صحيحة زيد الشحام عن ابى عبد الله عليه السلام في الفارة والسنور والدجاجة والكلب والطير قال فإذا لم تتفسخ أو يتغير طعم الماء فيكفيك خمس دلاء فكان هذا الخبر اولى بالعمل أو يقال ان الخمس مجزيه والسبع افضل وقد اطلقوا القول بخلافه وفيه ايضا وجوب الخمس لموت الدجاجة وغيرها وقد تقدم القول بخلافه السادس عشر ايجاب خمس لذرق الدجاج وفيه انه لانص عليه مطلقا ومع ذلك فقد اطلق جماعة منهم الدجاج وهو اقوى اشكالا من حيث ان غير الجلال ذرقه طاهر على الصحيح فلا وجه للحكم بوجوب النزح له مطلقا ولو قيل بنجاسته فهو مالا نص فيه ومنهم قيده بالجلال ليكون بخسا وحيث لانص فيه ينبغى الحاقه به أو بالعذرة على ما فيها من التفصيل فاما ما ذكروه من الخمس مطلقا فلا وجه له اصلا السابع عشر ايجاب ثلث للحية والفاره مع عدم الوصفين وقد تقدم الكلام على حكم الفارة واما الحية فلا نص عليها بالخصوص وفى الذكرى احال حكمها على الفارة والدجاجة المروى فيهما دلوان وثلث وهو مأخذ ضعيف وقال المحقق في المعتبر يمكن ان يستدل على الحية بما رواه الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال إذا سقط في البئر حيوان صغير فمات فيها فانزح منها دلاء فينزل على الثلث لانه اقل محتملاته ولا يخفى ما فيه ولا يقولون به في مطلق الحيوان الصغير الثامن عشر ايجاب الثلث للعقرب والوزغة كما ذكره الشيخ وجماعة وفيه ان الخير الوارد بالوزغة في طريقه حماد

[ 23 ]

وهو مشترك ومعارض برواية جابر الجعفي قال سألت ابا جعفر عليه السلام عن المسام ابرص يقع في البئر قال ليس بشئ حرك الماء بالدلو في البئر وروى يعقوب بن عثيم قال قلت لابي عبد الله عليه السلام سام ابرص وجدنا قد تفسخ في البئر قال انما عليك ان تنزح منها سبع دلاء و مع ذلك كله فالوزغ بانواعه ليس له نفس فلا ينجس بالموت ولا ينجس الماء واما العقرب فلا نص عليه بخصوصه ويمكن ادخاله في رواية الحلبي السالفة مع انها لانفس لها فلا تنجس ولا تنجس التاسع عشر ايجاب دلو واحد للعصفور ومستنده رواية عمار السالفة في موت الانسان وقد عرفت ضعفها بجماعة العشرون ايجابه لبول الرضيع قبل اعتذائه بالطعام ومستنده رواية على بن ابى حمزة السالفة وقد عرفت ضعفها وعدم دلالتها على المطلوب فهذه جملة مما اتفق ذكره من النجاساة المشهورة التى بحث عنها القائلون بالنجاسة وقد ظهر عليك صعف مستندها وانا لو قلنا بالنجاسة لما امكننا العمل بها بل غاية ما يمكن ان يقال انه مع تحقق نجاسة الماء لا يطهر الا بما يعلم به المطهر من اتصاله بالكثير ونحوه والابقى على النجاسة وفيه خروج عن الاتفاق ظاهرا فكان ذلك اقوى قرينة على عدم النجاسة مضافا إلى مادل عليه نعم القول بالاستحباب سهل للتسامح بادلته وما يقال من ان ضعف الاخبار منجبر بالشهرة وانه يمكن اثبات المذهب بالخبر الضعيف قول ضعيف منجبر بالشهرة واثبات المذهب اثبات له بالخبر الضعيف ومع هذا كله فينبغي رعاية النزح وغاية الاحتياط في ذلك لما تراز عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الامر بالنزح لوقوع النجاسات في الجملة وان لم يثبت بالتفصيل وهب ان ما ذكرناه من افراد الروات ضعيف اليس بعضه صحيحا وبعضه حسنا وجملة ما يجتمع منه و من الضعيف يثبت به مع جملة ما ورد في كتب الحديث من الاخبار الواردة بالنزح التواتر المعنوي كشجاعة على وكرم حاتم مضافا إلى عمل اكثر الاصحاب به وقد وافقنا بالنزح

[ 24 ]

بل بنجاسة البئر في الجملة أبو حنيفة من العامة لروايات وردت عندهم فيه عن النبي صلى الله عليه وآله فتبين بذلك مخالفة حكم ماء البئر لغيره من المياه القليلة والكثيرة في الجملة اجماعا سواء جعلناه واجبا ام مستحبا وإذا كان كذلك فلا يبعد القول بانه ينفعل بالنجاسة مما لا ينفعل غيره بها وليس للعقل مدخل في اثبات حكم النجاسة والطهارة بل المرجع فيه إلى النقل عن صاحب الشرع عليه السلام فاستبعاد احكام البئر لا وجه له اصلا خصوصا بعد ثبوتها في الجملة فان الحكم باستحباب النزح ايضا يوجب الحكم للبئر مما لا يثبت لغيره من المياه نعم لما لم يتم الدليل على النجاسة نفيناها وبقى جانب الاحتياط مراعى ورعاية النزح مناسبة جدا خصوصا مع ترتب العبادات الشرعية واعظم اركان الدين وهو الصلوة الواجبة عليه والله تعالى اعلم باسرار احكامه هذا ما اقتضاه الحال الحاضر من بحث المسألة على سبيل الارتحال وضيق المجال والله ولى التوفيق زين الدين رحمه الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم مسألة شريفة إذا تيقن الطهارة والحدث وشك في السابق منهما كما لو تيقن عند الزوال مثلا انه احدث حدثا يوجب الوضوء وتوضئ لكن جهل السابق منهما بحيث شك في حاله عند القيام إلى الصلوة هل هو متطهر ام لافهل يجب عليه الطهارة

[ 25 ]

ام لا اطلق الاكثر خصوصا المتقدمين كالشيخين رحمهما الله الوجوب وعللوه بان يقين الطهارة مكان ليقين الحدث فلم يبق المكلف على يقين من الطهارة فلا يسوغ له الدخول في الصلوة بدون طهارة متيقنة ولانهما بتكا فيهما تساقطا فلم يكن الان متطهر أو للاحتياط اقول فيه بحث فانهم ان ارادوا بالطهارة التى لا يسوغ الدخول في الصلوة بدونها الرافعة المستمرة الحكم ولو بالاستصحاب فهى متحققه هنا وان ارادوا بها الطهارة المتيقنة الاستمرار الحكمى منعنا اشتراط ذلك واية المنع الاتفاق على ان من تيقن الطهارة وشك في الحدث يجوز له الدخول في الصلوة استصحابا للمتيقن ولاصالة عدم الحدث فان قيل يقين الطهارة في مسألة تيقنهما مع الشك في الحدث لا يعارضه الايقين مثله فبدونه يعمل عمله ويطرح الشك بخلاف مسألة النزاع لتكافوء اليقين اليقينين قلنا لاشبهة في كون محل النزاع اضعف مما مثل به لكنهما يشتركان في اصل واحد يقتضى جواز الدخول في الصلوة وهو تيقن الطهارة مع الشك في الناقص فان قيل يقين الطهارة هنا لما كان معارضا بمثله في الحدث بان يقال انه ايضا متيقن الحدث شاك في الطهارة فينبغي على هذا ان لا يسوغ له الدخول في الصلوة الا بطهارة باقية ولو بالاستصحاب وحصولها غير معلوم قلنا لما تعارض الاصلان تساقطا فلم يبق تأثير الحدث المذكور متحقق المنع من الدخول في الصلوة والاحداث السابقة على الطهارة كلها ارتفعت بها جزما فموجب الطهارة ح غير معلوم لانه اما الاحداث السابقة وقد ارتفعت بغير شبهة واما الحدث المفروض وقد سقط حكمه بمعارضه يقين الطهارة فيمتنع الشك في موجب الطهارة الان لان الدخول في الصلوة انما يجب بطهارة مع سبق حدث يوجبها فان قيل كما انه بالتساقط المذكور لم يبق للحدث اثر متيقن كذلك لم يبق للطهارة اثر متيقن فنرجع في الوجوب إلى الادلة العامة مثل قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وغيره من الادلة قلنا

[ 26 ]

لاريب في ان الاوامر المطلقة بوجوب الطهارة مشروطة بسبق حدث يوجبها فان الطهارة لا تجب لذاتها بل بسبب سبق الحدث وان كان قبل التكليف على تقدير المخاطبة بالصلوة في حالة لم يقع منه حدث بعده بناء على ان الاحداث من قبيل الاسباب المعرفة للوجوب وهو من باب خطاب الوضع الذى لا يتوقف على التكليف وتخلف السبب عن المسبب قد يكون لفقد شرط أو وجود مانع كما حقق في الاصول فإذا حصل الشرط عمل السبب عمله ومن هنا حكموا بوجوب الغسل على البالغ المخبب بالايلاج قبل البلوغ إذا خوطب بعبادة مشروطة بالغسل وهذا هو السر في الطلاق الامر في الاية بالوضوء للصلوة مع تقييده بالحدث بناء على ان الخطاب المستفاد من الامر تعلق بالمكلف وهو لا ينفك طبعا من الاقذار الموجبة للوضوء فيما سبق على التكليف في زمان صغره ولما كان موجب الغسل قد يحصل الانفكاك عنه لانه ليس ضروريا بحسب الطبيعة قيل وجوب الغسل في الاية بالجنابة فقال وان كنتم جنبا فاطهروا فان قيل لما حكم بتساقط الطهارة والحدث اللاحقين بقيت الطهارة في حكم المعدوم فلو كانت موثرة في رفع حدث في الجملة لم يكن ساقطه وح فلابد من طهارة رافعة للحدث لانه واقع قطعا وهو يقتضى ما ذكروه قلنا ارتفاع الحدث السابق امر مقطوع به قبل الحكم بالتساقط بغير شبهة وانما الكلام في ارتفاع جميع الاحداث السابقة على زمان الشك فانه يحتمل سبق الحدث المفروض على الطهارة فيكون جميع الاحداث مرتفعة ومتأخره فيكون السابقة خاصة مرتفعة فارتفاع السابقة امر ثابت على كل تقدير فلا مجال للشك فيه ويبقى الكلام في اللاحق فإذا كافأ الطهارة فكما لا يبقى على يقين من الطهارة كذلك لا يبقى على يقين من الحدث واحتمال الاستصحاب قائم فيهما وح فتنزيل الطهارة منزلة المعدوم مطلقا غير جيد بل هي مؤثرة في رفع غير الحدث الاخير على تقدير وجوده قطعا وفيه على احتمال فهى امر محقق في الخارج كما ان الحدث المفروض كذلك ولا ترجيح بينهما من هذا الوجه وربما امكن ترجيح

[ 27 ]

جانب الطهارة وزيادة الاشكال بوجه اخر وهو ان الطهارة الرافعة للحدث حاصلة قطعا والحدث الناقص للطهارة غير متحقق لاحتمال تقدمه فيكون المكلف داخلا في الصلوة بطهارة رافعة وهو موافق لمراد الشارع ويمكن دفعه بان نقول ما تعنون بالطهارة الرافعة هل هو بالنسبة إلى الحدث السابق أو مطلقا الثاني ممنوع لامكان تأخره والاول مسلم لكنه غير نافع لان الكلام في جواز الصلوة مع تيقن هذا الحدث والشك في رافعه أو تقول لا نسلم ان الطهارة الرافعة متحققة اصلا لانه كما يجوز كونه محدثا قبل الطهارة فتكون رافعة المحدث السابق المدعى قطعا يحتمل ان يكون قبل الطهارة المفروضة متطهرا فلا يكون رافعة فالطهارة الرافعة مشكوك فيها والحدث المانع متحقق الوقوع على تقدير عدم العلم بحاله قبلهما أو نقول سلمنا كون الطهارة رافعة في الجملة لكن وقوع الحدث المانع من الدخول في الصلوة امر محقق كما ان الطهارة كذلك وتساقطهما بسبب تكافوء الاحتمالين لم يصير الحدث في حكم المعدوم كيف وهو متيقن الوقوع والتاثير في وجوب الطهارة للصلوة ونقض ما نقدمه منها غاية مافى الباب ان بقاؤه كما لا يعلم كذلك لا يعلم بقاء الطهارة فليس المكلف الاءن على حالة يسوغ له معها الدخول في الصلوة شرعا أو تقول الاصل يقتضى ان الحدث المتيقن لا يرتفع الا بطهارة متيقنة بعده لان اليقين لا يرفعه الامثله خرج من ذلك ظن بقاء الطهارة عند تيقنها والشك في بقائها بل تجويز بقائها كذلك وان لم يظنه عملا بالاستصحاب فيبقى الباقي على اصل الوجوب فان قيل الادلة والعامة بوجوب الوضوء للصلوة مقيد بسبق حدث يوجبه وسبق الحدث الموجب مشكوك فيه فدخول هذا المصلى تحت الامر مشكوك فيه ايضا والاصل برائة الذمة من وجوب الطهارة قلنا سبق الحدث الموجب متحقق وانما الشك الان في رافعه فيدخل تحت الاوامر بسبب هذا الشك وح فلا يعارضه ان الطهارة متحققه والناقض لها مشكوك فيه الان فيستصحبها لان استصحابها على هذا الوجه

[ 28 ]

غير مأذون فيه بخلاف الحكم بوجوب الطهارة لدخوله تحت ذلك العام هذا ما حضر مما يتعلق بالحكم بوجوب الطهارة مطلقا وبقى في المسألة قولان اخران احديهما ان ينظر إلى حاله قبل الطهارة المفروضة والحدث فان جهلها بان لم يدر هل كان متطهرا أو محدثا فالحكم كما ذكروه المتقدمون لعين ما ذكر من الدليل وان علم حاله قبلهما اخذ بضد ما علمه من الحاله فان علم انه كان متطهرا فهو الان محدث أو محدثا فهو الان متطهرا وإلى هذا القول مال في المعتبر لكنه لم يفت به واشتهر بين المتأخرين نسبته إليه من غير تحقيق ووجهه انه ان كان قبلهما متطهرا فقد علم انتقاله عن تلك الحالة وهى الطهارة بالحدث المفروض ان تلك الطهارة انتقضت قطعا وارتفاع هذا الحدث بالطهارة المفروضة غير معلوم لجواز كون الطهارة سابقه عليه بان وقعت تجديد اللطهارة السابقة أو مع الذهول عنها فتاثير الحدث في نقض الطهارة امر معلوم و تأثير الطهارة في رفع الحدث غير معلوم فيستصحب المعلوم ويحكم عليه الان بالحدث وهو ضد الحالة التى علمها قبلهما وان كان قبلهما محدثا فقد علم ارتفاع الحدث بالطهارة المفروضة قطعا وانتقاضها بالحدث المفروض غير معلوم لجواز معاقبته للحدث السابق فتاثير الطهارة في رفع الحدث امر معلوم وتاثير الحدث فيها غير معلوم فيستصحب حكم المعلوم على طريقة ما مر وهذا كما ترى مقيد بما إذا جوز في الصورة الاولى التجديد وفى الثانية معاقبه الحدث للحدث اما لو علم عدم التجديد بان لم يكن من عادته مطلقا أو في ذلك الوقت حكم له بالطهارة في الصورة الاولى وهى حالة موافقة للسابق ووجهه ظاهر لانه بنفى احتمال التجديد يعلم ان الحدث المفروض واقع قبل الطهارة فيكون ناقضا للسابقة ويتخلل بينها وبين اللاحقة فهو الان متطهر وهذا في الحقيقة يؤل إلى اليقين وليس من الشك في شئ فكان يمكن الغنا عنه فمن ثم اطلقه جماعة ووجه التقييد انه شك باعتبار مبدائه وان ال الحال فيه إلى اليقين ونظيره من مسائل الشك ما ذكروه في باب السعي من انه لو شك فيما بدأ من الصفا

[ 29 ]

أو المروة مع تحصيله للعدد فان كان على المزدوج وهو على المروة بطل وعلى الصفا صح و بالعكس لو حفظ وترا فانه شك بحسب مبدأ الامر قبل التروي وبادنى توجيه الذهن يضير من باب اليقين وكذا القول في الصورة الثانية لو علم عدم التعاقب فان كانت عادته ان يتطهر حين يحدث ولا يتكرر منه حدثان اصلا فانه مع علم حاله محدثا قبلهما يعلم انه الان محدث لغير ما ذكر هذا كله إذا قلنا ان الوضوء المجدد لا يرفع الحدث اما لو قلنا بكونه رافعا كما ذهب إليه جماعة تكافأ الاحتمالان و وجبت الطهارة على نحو ما سبق هذا غاية تحرير التفصيل المذكور ولقائل ان يقول على التعليل في الصورة الثانية بان تأثير الطهارة في الحدث امر معلوم وتاثير الحدث في الطهارة غير معلوم انه في موضع المنع إذ لاشبهة في انه في زمن الحدث المفروض على حالة لا يسوغ معها الدخول في الصلوة وكذا بعده بلا فصل سوى اوقع بعد الطهارة ام قبلها ولا معنى لتاثير الحدث في المنع من الدخول في الصلوة الا ذلك وح فتاثير الطهارة في رفع الحدث كما يحتمل كونه في الحدث السابق خاصة بان يكون هذا الحدث متأخرا عنها يحتمل كون تأثيرها فيهما معا وكذلك كما يحتمل كون تأثير هذا الحدث وقع في هذه الطهارة بان كان متاخرا عنها يحتمل كونه سابقا وقد ارتفع القدر المشترك بينه وبين السابق فيقين الطهارة الرافعة معارضه بيقين الحدث المانع وكل منهما مستصحب فان قيل الحدث المذكور ان كان متقدما على الطهارة لا يكون له اثر لسبق حدث المانع فيكون هذا لحدث غير مؤثر لاستحالة تحصيل الحاصل ومن ثم قلنا في التعليل السابق ان تأثير الطهارة في رفع الحدث امر معلوم وتأثير الحدث في المنع غير معلوم لاحتمال سبقه قلنا عدم تأثيره على تقدير معاقبته لمثله غير واضح بل لكل من السابق واللاحق تأثير بالمنع غاية مافى الباب ارتفاع المنع الحاصل منهما بطهارة واحدة ولهذا نص الفقهاء على انه لو نوى بالطهارة رفع حدث معين مع تعدد الاحداث يرتفع الجميع فلولا ان لكل واحد اثرا لما افاد فيه الاخر بل ما عد الاول والتحقيق ان

[ 30 ]

الاحداث المذكورة ليست في الحقيقة عللا مؤثرة في المنع من الدخول في الصلوة وانما هي معرفات للمنع ولهذا جاز اجتماع احداث متعددة مع اجتماع العلل التامة على المعلول الشخصي ولما كان المانع من الدخول في الصلوة المعبر عنه بالحدث امرا واحدا وكان كل واحد من الاحداث المذكورة معرفا لحصوله كان نية رفع كل واحد منها في قوة رفع المانع من الدخول في العبادة المشروطة برفعه فالمنوى في الحقيقة ليس الا رفع المانع المدلول عليه بهذه الاحداث وهو امر واحد له معرفات متعددة ومن ثم لو نوى رفع حدث معين وعدم رفع غيره لم يرتفع منها شئ وذلك لان المرتفع ليس الا المانع وهو امر واحد كما ذكرناه مدلول عليه بالاحداث المذكورة فنية رفع احديهما دون الاخر في قوة نية رفع المانع لارفعه وهو تناقص فتبطل النية وقد ظهر من ذلك ان الحدث يطلق في عرف النحاة على معنيين احديها الاعداد المذكورة من البول والغايط والريح وغيرها والثانى المانع من الدخول في الصلوة وهو امر معنوى تكون هذه الامور دليلا على حصوله وتعلقه ببدن المكلف يرتفع بغسل اعضائه المذكورة ومسحها وان المرتفع بالوضوء وغيره ليس الا المعنى الثاني دون الاول واطلاقه على الاول في الحقيقة بطريق المجاز لا الحقيقة تسمية للسبب باسم المسبب ويمكن ان يقال ايضا على تقدير كونها معرفات انه يجوز كون كل واحد من الاحداث المذكورة معرفا لمانع اخر غير الاول وان تماثلا واسم المعرف لا ينافي التعدد فان المراد به انه ليس مؤثرا بنفسه ومحدثا للمنع بل معرفا بان الله تعالى احدث ببدن المكلف اثرا يمنع من الدخول في الصلوة لا يرتفع الا بالطهارة فكما يجوز ان يقال في الحدث الاول انه عرف بوقوع ذلك المعنى المانع وليس هو المؤثر كذلك يجوز ان يقال فيما بعده انه احدث التعريف بمانع ثانى وثالث وهلم جرا غاية مافى الباب ان هذه الموانع قد تتداخل الطهارات الرافعة لها ويكتفى بطهارة واحدة كما يكتفى بوضوء واحد عند اجتماع احداث متعددة وقد لا يكتفي

[ 31 ]

كما إذا اختلفت الموانع قوتا وضعفا على بعض الوجوه ومن تم اختلف الفقهاء في تداخل الاغسال عند اجتماع الاحداث وهو يدلك على انه لا منافاة بين كون الحدث معرفا وبين الحكم بتعدد الاحداث وإذا تقرر ذلك فنقول في الحدث المفروض الذى هو موضع النزاع وهو الطارى ان قلنا ان له تأثيرا كما حققناه اخرا فواضح وان قلنا لا تأثير له في المنع نقول ان المكلف في زمان ذلك الحدث وبعد بلا فصل ممنوع من الدخول في الصلوة محكومه عليه بالحدث سواء كان الحدث المذكور سابقا على الطهارة ام لاحقا لانه ان كان لاحقا لها فواضح لانه مستمر إلى الان وان كان سابقا فالمنع متحقق حالته وبعدها فكما يحتمل ان يقال هذا المانع ارتفع بالطهارة لجواز سبقه كذا يقال يحتمل تأخره عنها فهو الان باق وهذا القدر مكاف لما يقال ان الطهارة المذكورة كما يحتمل كونها متقدمة على الحدث فلا اثر لها الان يحتمل تأخرها عنه فيتكافا اليقينان وتشتبه الحال ويتوجه وجوب الطهارة في هذه الصورة كما يجب في الصورة السابقة فان قيل هذا البحث آت في صورة سبق الطهارة ايضا بان يقال ان الطهارة المفروضة وان احتملت التجديد ليكون غير رافعة لكنا نقول ان المكلف حالة الطهارة يكون على حالة يباح الصلوة معها قطعا لانها ان كانت متقدمة على الحدث فالطهارة السابقة باقية والاباحة سببها وان كانت لاحقة للحدث فهى رافعة فالمكلف حالتها مستبيح للصلوة جزما فيستصحب الاباحة كما يستصحب حالة الحدث المفروض الذى حكم فيه بتيقن المنع فيتكافان قلنا هذا ايضا حق ووروده متوجه الا انه لا يزيل ما نحن بصدد اثباته من وجوب الطهارة لان المسألة ح تصيركما تقدم في صدرها من تيقن الامرين مع الشك في المتأخر فتجب الطهارة وهو معنى تأثير الحدث وان اختلف الاعتبار و بذلك يظهر ان القول بوجوب الطهارة مطلقا اقوى من القول الاول من قولى التفصيل نعم يبقى مالو تيقن الطهارة والحدث متحدين متعاقبين وعلم حاله قبل زمانهما

[ 32 ]

على وجه يحكم يقينا باحديهما الان كما فرضه العلامة في القواعد وهذا امر خارج عن باب الشك كما حققناه فقد يستغنى عن استتنائه والقول الثاني من قولى التفصيل وهو يقابل ما قبله وحاصله العمل على ما علم من حاله قبلهما ان كان متطهرا فهو الان متطهر وان كان محدثا فهو الان محدث وان لم يعلم حاله تطهر وهذا القول ذهب إليه العلامة في المختلف و وجهه بانه مع علم حاله سابقا بالطهارة يكون قد تيقن انه نقض تلك الطهارة ثم توضى ولا يمكن ان يتوضى عن حدث مع بقاء تلك الطهارة ونقض الطهارة الثانية مشكوك فيه فلا يزول عن اليقين بالشك ومع علم حاله بالحدث يكون قد تيقن انه قد انتقل عنه إلى الطهارة ثم نقضها والطهارة بعد نقضها مشكوك فيها والناقض متيقن وهذا التوجيه ينادى على نفسه بالفساد سيما بعد الاحاطة بما حققناه فانه إذا كان متطهرا سابقا لا يلزم وقوع طهارته بعدها رافعة للحدث بل المسألة اعم من ذلك وكذلك إذا كان محدثا لا يلزم من حدثه اللاحق كونه ناقضا للطهارة كما يقتضيه دليله وفى الحقيقة مدعاه وان كان مطلقا لكنه مخصوص بما دل عليه دليله من فرض المسألة في اشتباه الحال بين طهارة رافعة وحدث ناقض وهذا جزء من جزئيات المسألة والحكم فيه صحيح مع ملاحظة تخصيصه بما فهم من تعليله الا ان اطلاق الحكم غير صحيح إذ لو تيقن طهارة مطلقة وحدثا مطلقا لم تتم الدعوى وربما وجهه بعضهم مطلقا بان الطهارة والحدث الطاريان تعارضا فتساقطا لاستحاله الترجيح من غير مرجح ورجع الحكم إلى الحال السابق من طهارة أو حدث وهذا القول هو الذى اوجب التعبير في المسألة باستصحاب السابق بطريق الحقيقة واستعاره العلامة في القواعد والمختلف في الحكم بمثل السابق لاعينه وهذا الوجه غلط كالقول به وقد اشرنا إلى دفعه سابقا وكيف يحكم بالحال السابق مع العلم بانتقاضه بما بعده من طهارة أو حدث فهذا ما اقتضاه الحال من تحقيق هذه المسألة مطلقة ومفصلة وهو مبحث دقيق وتقرير

[ 33 ]

رشيق لم يحم حول حماه احد ممن سبق وقد ظهر به قوة القول بوجوب الطهارة مطلقا حيث لا يستفاد من الاتحاد والتعاقب حكم يخالفه وهو في الحقيقة غير مناف للاطلاق كما حققناه وبقى في المسألة بحث اخر نختم به الكلام ونحقق به المقام وهو ان فرض اصحاب التفصيل في المسألة اشتباه الحال قبل الفعلين اعني الحدث والطهارة قد يقع فيه التباس بسبب انه مع الاشتباه ينتقل إلى حالة سابقة زمانا قبل زمان إلى ان يحصل انه تطهر أو احدث إذ لا يتفق الانسان في جميع عمره السابق لا يعلم هل احدث ام لا أو تطهر ام لا فلابد ان يذكر حالة من الحالتين وايتهما ذكرها وشك في وقوع الاخرى بعدمها استصحب الحالة المتيقنة ان حدثا وان طهارة اجماعا فهو في الوقت المتصل بالفعلين المبحوث عنهما اما محكوم بطهارته شرعا ولو بالاستصحاب ان ذكر انه في الانات السابقة اوقع طهارة وشك في الحدث بعدها أو محكوم بحدثه ان ذكر حدثا سابقا وان بعد وشك في لحوق الطهارة له فلا يتحقق في هذه المسألة اشتباه حالة المكلف قبلهما والجواب ان المراد بالاشتباه المفروض هنا اشتباه الحالة يقينا بمعنى انه بعد الزوال مثلا إذا وقع منه طهارة وحدث لا يعلم يقينا هل كان في الحالة السابقة عليها بلا فصل متطهرا أو محدثا وان كان الاستصحاب يحكم باحديهما فان ذلك غير كاف في هذه المسألة وذلك لانه إذا تحقق انه عند الصبح مثلا تطهر ولا يعلم هل احدث بعد ذلك ام لا فهو عند الزوال الذى هو زمان الحدث والطهارة المشتبهتين لا يعلم هل هو متطهر يقينا فنكون تلك الطهارة التى وقعت عند الزوال مجدده فلا يكون رافعه أو محدث فتكون رافعه فقد اشتبهت الطهارة الثانية هل هي رافعة ام لا كما في الطهارة الواقعة بعد حالته التى علمها بالطهارة وكذا القول في الحدث فانه يحتمل ان يكون واقعا بعد الطهارة وح ان كانت الطهارة مستمرة إلى الزوال فيكون مؤثرا في ابطال الطهارة وتاثير الطهارة فيه بعد ذلك غير معلوم ويحتمل ان يكون واقعا بعد حدث فلا يكون له تأثير في الطهارة

[ 34 ]

فيتكافاء هو والطهارة في احتمال التأثير في الضد وعدمه فلا ترجيح فتجب الطهارة وهذا الجواب مبنى على القول بالتفصيل الاول المبنى على عدم تأثير الحدث إذا وقع بعد حدث وان كان قد تقدم ما فيه فان قيل إذا كان الاستصحاب مع الشك في طرو الضد يقيد بقاء السابق شرعا فلم لا يكون حكمه عند الزوال بحكم المتطهر ان كان المتيقن سابقا هو الطهارة أو الحدث ان كان المتيقن هو الحدث نظرا إلى ان الشارع قد حكم عليه في تلك الحالة بذلك الوصف فيكون كالمتيقن للحالة ويلزمه حكمها إذ لافرق في الشرع بين المتطهر يقينا واستصحابا كما في نظائره قلنا لما كانت الطهارة بحسب اصلها مشتركه بين الرافعة للحدث المبيحة للصلوة وبين غيرها كان مطلق الطهارة الواقعة من المكلف غير مستلزم لرفع الحدث لانه حكم مغاير لها وهى اعم منه فما لم يتيقن كونه متطهرا قبل الزمان المشكوك فيه بلا فصل أو محدثا لا يتيقن كون الطهارة رافعه أو غير رافعة وان حكم باستصحاب الحالة السابقة لجواز ان يكون الحال في نفس الامر بخلاف ماحكم باستصحابه فلا يكون الطهارة رافعة في نفس الامر فشكه ح يرجع إلى انى ان كنت في نفس الامر في تلك الحالة محدثا فالطهارة رافعة والا فليست برافعة وهذا لا توجب كونها رافعة كما لا يخفى فان النافع انما هو الطهارة الرافعة لا مطلق الطهارة كما قد عرفته سابقا وعلى ما اخترناه لا يفتقر إلى هذا التكلف وانما حررناه تحقيقا لقولي التفصيل نعم ان الشبهة لاغتنم؟ عنها بذلك اصلا وان ترجح ذلك الجانب بوجه ما والله تعالى اعلم بحقايق احكامه وحسبنا الله ونعم الوكيل بسم الله الرحمن الرحيم مسألة شريفة ايضا إذا احدث المجنب في اثناء غسل الجنابة حدثا اضمر افلا نص؟؟

[ 35 ]

ظاهرا عن ائمة الهدى عليهم السلام في حكمه وقد اختلف الاصحاب فيه بسبب ذلك على اقوال احديها وهو اول الاقوال بحسب الظاهر وجوب اعادة الغسل من رأس ذهب إليه الصدوقان والشيخ في؟؟ والعلامة جمال الدين وولده فخر المحققين والشهيد واكثر المتأخرين وثانيها عدم البطلان به بل عدم تأثيره اصلا فيتم الغسل ولا شئ عليه ذهب إليه القاضى بن البراج وابن ادريس ونضيره من المتأخرين المحقق الشيخ على رحمه الله وثالثها عدم البطلان به ويكفى اتمامه لكن يجب عليه الوضوء لهذا الحدث الطارى ذهب إليه السيد المرتضى من المتقدمين و المحقق أبو القاسم وبعض المتأخرين حجة الاول امور الاول ان الحدث الاصغر سبب تام في ايجاب الوضوء كما ان الجنابة سبب تام في ايجاب الغسل لكنها إذا اجتمعا دخل الاصغر تحت الاكبر فإذا وقع الاصغر في اثناء الغسل وقع وهو جنب إذ لا ترتفع الجنابة الا بتمام الغسل فلابد له من رافع وهو اما الوضوء أو الغسل لكن الوضوء ممتنع مع غسل الجنابة بالنص والاجماع فيجب اعادة الغسل لان الباقي من الغسل جزء الرافع لا الرافع وما مضى من الغسل قبل طرو الحدث لا يعقل تأثيره في رفع الحدث الطارى الثاني ان الحدث لو وقع بعد تمام الغسل نقضه أي ابطل تأثيره في اباحة الصلوة فلابعاضه اولى فإذا انتقض ما فعله بالنسبة إلى الاباحة وجب عليه اعادة الغسل لانه جنب حيث لم يرتفع حكم جنابته بغسل بعض اعضائه ولا اثر للحدث الاصغر مع الاكبر الثالث ان الحدث يمتنع خلوه عن اثر مع تأثره بعد الكمال فاثره ان الوضوء اندفع بالاجماع والاخبار المطلقة على امتناع الوضوء مع غسل الجنابة فلم يبق الا اعادة الغسل إذ اثر المبيح هنا منحصر فيهما وحجة الثاني امور الاول ان الحدث الاصغر لا يوجب الغسل اجماعا فلا معنى لايجاب الاعادة والوضوء منتف مع غسل الجنابة اجماعا ولا يمكن المصير إليه فلم يبق الا اكماله بغير وضوء الثاني ان الحدث الاصغر

[ 36 ]

لاحكم له مع الاكبر ولا تأثير والغسل لا يرفع الحدثين ابتداء ولا يبيح منهما كذلك والا لوجب نيتهما من اول الغسل ولم يكتف بنية احديهما عن الاخر لقوله صلى الله عليه وآله وانما لكل امرء ما نوى وهو باطل بغير خلاف وانما المرتفع بالغسل هو الحدث الاكبر المنوي ورفعه يقتضى رفع الاصغر على طريق الاستتباع وح فلا يكون الاصغر مبطلا لصلاحية تأثير التبعض في الاباحة منه لانتفاء الصلاحية ح اصلا ورأسا الثالث اصالة البرائة من وجوب الاعادة والوضوء كذلك الرابع قوله تعالى ولا تبطلوا اعمالكم و النهى للتحريم الخامس الاستصحاب فان الصحة معلومة قبل تخلل الحدث فكذا بعده لانتفاء ما يدل على الابطال السادس وجوب الاعادة في غسل الجنابة مع العدم في غيره مما لا يجتمعان والثانى ثابت فينتفى الاول بيان التنافى ان القائلين بوجوب اعادة الغسل بتخلل الحدث لم يفرقوا بين غسل الجنابة وغيرها واما ثبوت الثاني فلانتفاء المقتضى للاعادة في غير الجنابة لان الحدث يقارنه ويبقى بعده إذ لا يرتفع به ولاتنافى بينهما بحال حجة الثالث ان الحدث الاصغر موجب للوضوء وليس موجبا للغسل ولا لبعضه فيسقط وجوب الاعادة ولا يسقط حكم الحدث بما بقى من الغسل فيجب له الوضو وجملة الامر ان الاصل في الحدث سواء كان اصغر ام اكبر ان يفيد المنع من الصلوة إلى ان يحصل بعده طهارة مبيحة أو رافعة فما لم يحصل ذلك يبقى الحدث على حكم المنع وتداخل الاسباب عند اجتماعها متماثلة أو دخول الاضعف تحت الاقوى كما في الحدث الاصغر المجامع للجنابة قبل الغسل لا يخرجها عن اصل النية والمانعية في غير مورد الاجماع الثابت بالنص أو الاجماع فما وقع من الحدث في هذه الصورة من جملة الاحداث التى قد نص الشارع على كونه سببا لوجوب الطهارة فيجب له الوضوء إذ لم يبقى غسل كامل حتى يدخل معه كما لو تقدم وإذا كان هذا الحدث لا يزال الا بالغسل

[ 37 ]

أو الوضوء فلو وجبت الاعادة لزم كونه من موجبات الغسل وليس كذلك أو اكتفى بالاكمال لزم ارتفاع الحدث الاصغر ببعض الغسل وهو منتفى قطعا إذ رافعه منحصر في الوضوء أو الغسل التامين ويلزم ايضا انه لو طرى قبل جزء لا يتجزى من الجانب الايسر ان يكفى غسل ذلك الجزء عن الوضوء والغسل وهو باطل وكذا يلزم القايل بالاعادة وجوب الغسل مع بقاء جزء من الجانب والذى ظهر بعد تحرير الحال ان قول السيد سيد الاقوال والجواب عن حجج القولين قوله في الاول ان الحدث الاصغر سبب تام في ايجاب الوضوء الخ قلنا مسلم ويحتاج ح إلى رافع وهو الوضوء لعدم اجتماعه مع تمام غسل الجنابة قوله الوضوء ممتنع مع غسل الجنابة بالنص والاجماع قلنا امتناعه معه بهما انما هو مع اجتماع موجب الوضوء وموجب الغسل قبل الشروع في الغسل اما مع تقدم بعض الغسل على الحدث الاصغر فلا وكيف يكون موضع الاجماع وهو عين النزاع وقد خالف فيه من المتقدمين مثل المرتضى ومن المتأخرين مثل المحقق فان قلت هما معلوما الاصل والنسب فلا يقدحان فيه قلنا وكذلك القائل بكل من القولين الاخرين معلوم الاصل والنسب فلا يقدح في الاجماع على خلافه فيمكن دعوى الاجماع في مقابلهما فان قلت لم يدع احد الاجماع في هذا الجانب بخلافه هناك فيكون ذلك هو المرجح قلنا علة الاجماع مشتركة من الجانبين وحيث لم يؤثر في احدهما لا يؤثر في الاخر والتحقيق ان النص والاجماع انما وقعا على الوجه المتقدم وهو غير المتنازع اما النص فروى ابن ابى عمير في الصحيح عن رجل عن ابى عبد الله عليه السلام قال كل غسل قبله وضوء الا غسل الجنابة وروى محمد بن مسلم في الصحيح عن الباقر عليه السلام قال الغسل يجزى عن الوضوء واى وضوءا طهر من الغسل وفى الحسن عن حماد بن عثمان عن ابى عبد الله عليه السلام قال في كل غسل وضوء الاغسل الجنابة وباقى الاحاديث نحو ذلك على ان غسل الجنابة

[ 38 ]

يجزى عن الوضوء بمعنى انه يرفع حدث الجنابة وحده ان لم يكن هناك حدث اصغر ويرفعهما ان صاحب الجنابة حدث اصغر واما إذا عرض الحدث الاصغر في اثناء الغسل فما بقى منه لا يسمى غسلا حتى يجزى عن الوضوء والمتقدم منه لا يعقل تأثيره في رفع الحدث المتأخر عنه فان قلت وهو حين الحدث الاصغر محدث إذ لا ترتفع الجنابة الا بتمام الغسل فقد اجتمع الحدث الاكبر والاصغر معا فيتداخلان قلت المعقول من النص والفتوى ان المتداخل انما هو الطهارات التى هي مسببات عن الاحداث لانفس الاسباب وقد صرح في صحيح زرارة عن احديهما عليهما السلام إذا اجتمعت عليك حقوق اجزاك غسل واحد عنها قال وكذلك المراة يجزيها غسل واحد لجنابتها واحرامها وجمعتها وغسلها من حيضها وعيدها وح فانما يتداخل الطهارتان هنا اعني الوضوء والغسل بان يدخل الاصغر تحت الاكبر إذا اجتمعتا معا في حاله كما ان الاغسال المتعددة والوضوءات المتعددة بتعدد اسبابها انما تتداخل مع اجتماعها اما لو طرى سبب احدها بعد الشروع في الاخر لم يتداخلا ووجب للطارئ موجبه من وضوء أو غسل فهنا كان الوضوء داخلا في الغسل فلما تجدد موجبه في اثناء الغسل لم يدخل الوضوء تحت باقى الغسل لان بعض الغسل ليس بغسل واما الاجماع فعلى تقدير تسليمه انما دل على ان الوضوء لا يجتمع مع غسل الجنابة بالمعنى المتقدم وهو انه لا يتوقف رفع الجنابة على الوضوء مع الغسل ولا رفع الحدث الاصغر السابق على الغسل على الوضوء بل يكفى في رفعهما الغسل وهذا كله خارج عن موضع النزاع ومحل الخلاف فحيث لم يتحقق هنا اجماع على عدم الوضوء وكان الحدث الطارى انما يوجب الوضوء فلا مانع من القول بوجوبه حتى لو فرض انه اراد العود إلى اول الغسل ليدخل تحته الوضوء لم يكن ذلك كافيا عن الوضوء ايضا لان الاجزاء السابقة من الغسل الواجب قد خرجت عن الوجوب فاعادتها

[ 39 ]

ليس على وجه الوجوب والتداخل انما يتحقق في الغسل الواجب أو ما يقوم وهذه الاعادة لامدخل لها في الواجب ولا في القيام مقامه قوله في الثاني ان الحدث لو وقع بعد تمام الغسل نقضه الخ قلنا نقضه للغسل ممنوع إذ لو نقضه لاوجب الغسل وهو باطل اجماعا لان الناقص والموجب متساويان في غير غسل الجنابة بالنسبة إلى الوضوء اما مطلقا أو مع وجوب الغاية بناء على وجوب الطهارة لغيرها أو لنفسها في بعض الموارد وانما ابطل الحدث الطارى استمرار الاباحة بالنسبة إلى الحدث الاصغر لان نواقص الصغرى لا يكون نواقض الكبرى اتفاقا واللازم ح وجوب الوضوء خاصة لا اعادة الغسل واجيب ايضا بمنع النقض في الابعاض للفرق بين الحالين إذ بعد تمام الغسل قد ارتفع الحدث وابيحت العبادة فامكن طرؤ الحدث بخلاف ما قبله لان الحدث لا يرتفع الا بتمام الغسل فعند الاتمام يرتفع الحدث كله وفيه ان الا حدث المعدودة توثر المنع سوا اوقعت بعد الطهارة وتحقق الاباحة ام قبلها وان لزم منه اجتماع الموجبات لانها معرفات شرعية لاعلل عقلية فلا يضر اجتماعها وينبه على ظهور تأثيرها وان تعاقبت انه لو نوى رفع الحدث الاخير في نية الطهارة كفى وارتفع الجميع ولولا ان للاخر اثرا في المنع لم تكن نيته موجبة للرفع وكذا القول لو نوى رفع المتوسط فقد ظهر للحدث تأثيرا في المنع سواء اوقع بعد الطهارة ام قبلها فيوجب عند وقوعه موجبة ما لم يدخل في غيره كما في دخول لوضوء في غسل الجنابة لو اجتمعا وليس هذا منه قوله فإذا انتقض ما فعله وجب عليه اعادة الغسل هذا واضح المنع ومقتض لكون الحدث الاصغر بابطاله استمرار الاباحة الناشية من الغسل موجبا لابطال الغسل وهو ظاهر البطلان وانما احدث منعا جديدا من الدخول في الصلوة يتوقف رفعه على الوضؤ لا ابطال الاول قوله ولا اثر للحدث الاصغر مع الاكبر

[ 40 ]

قلنا بل الاصل في هذه الاسباب ان توجب الطهارة على وجهها سوا تعددت ام اتحدت لان السببية ثابتة لكل واحد منها بالنص والاجماع وتداخلها مع اتفاقها أو دخول الاصغر تحت الاكبر كما في الجنابة مع فرض الاجتماع لا يوجب سقوط ما ثبت لها من السببية ودل عليه الدليل وقد عرفت ان التداخل انما يتحقق بين الوضوء والغسل هنا عند الاجتماع لابين الاحداث فلا يلزم من وجود الاحداث تداخلها قوله في الثالث من ادلة الاول ان الحدث يمتنع خلوه عن اثر الخ قلنا مسلم لكن اثره الوضوء وهو غير ممتنع هنا كما تقدم والتقريب ما سبق في جواب الاول بل مرجع الدليلين إلى شئ واحد وان تغايرت العبارة وتحرر الاول بزيادة قوله في دليل القول الثاني ان الحدث الاصغر لا يوجب الغسل اجماعا فلا معنى لايجاب الاعادة الخ هذا الدليل في غاية لجوده وهو كما يصلح للاكتفاء بالاكمال كذلك يصلح لايجاب الوضوء معه لاشتراكهما في عدم بطلان السابق وبطلان الوضوء بعده وقد عرفت جوابه واجاب عنه في المخ بان ايجاب الاعادة ليس باعتبار الحدث الاصغر بل بحكم الجنابة الباقي قبل كمال الغسل ولا يخفى ضعف هذا الجواب بل فساده لان حكم الجنابة لو يتجدد بتخلل الحدث الاصغر بل حكمها الذى كان قبل الغسل باق إلى اتمامه وانما المتجدد هو الاصغر فكيف يجب به الغسل واللازم من حكم الجنابة السابقة الاكتفاء باتمام الغسل ومن حكم الحدث الطارى وجوب الوضوء قوله في الثاني ان الحدث الاصغر لاحكم له مع الاكبر ولا تأثير والغسل لا يرفع الحدثين ابتداء الخ قلنا لما دل الدليل وانعقد الاجماع على ان الاحداث المذكورة سبب في وجوب الطهارة ثبت لها الحكم سواء تعددت ام اتحدت والتداخل مع اتفاقها أو اجتماع الاكبر والاصغر بالنسبة إلى غسل الجنابة لا لعدم تأثير الاصغر أو الثاني بل لتداخل الطهارات أو دخول الوضوء في الغسل وهذا الحكم الثابت في بعض الموارد

[ 41 ]

على خلاف الاصل لا يوجب سقوط ما ثبت لها من السببية ودل عليه الدليل وانعقد عليه الاجماع فالاصل فيها ان يكون كل واحد منها سببا تاما في مسببه ولا معارض لذلك في غسل الجنابة الا تخيل ان الاكتفاء بالغسل لو اجتمع الاكبر والاصغر يقتضى عدم تأثير الاصغر ولا حقيقة لهذا الخيال لان التداخل لما ثبت للمتساويين قوة وضعفا كما في اجتماع احداث كثيرة توجب الوضوء واكتفى بوضوء واحد باعتبار ورود النص فيه لم يبعد ح دخول الاضعف تحت الاقوى حيث يرد به الشرع ايضا كما في غسل الجنابة على تقدير مجامعته للوضوء بمصاحبته الحدث الاصغر وتوهم كون الحكم ثابتا قبل ورود الحدث الثاني فان الحدث يرتفع ولو نوى رفع الحدث غير واقع لم يرتفع فدل ذلك على ان لكل واحد من الاحداث المتعاقبة تأثيرا في المنع ولو تداخلت مسبباتها لكن هذه النسبة لا يظهر اثرها في مصاحبة الجنابة للحدث الاصغر لسبب ان نية رفع الاصغر انما تصاحب الوضوء ولاوضوء هنا لدخوله في الغسل والغسل لايدخل لنيته الاصغر فيه وتبين لك ظهور اثره فيما لو تقدم الحدث الاصغر على الجنابة فانه اثر المنع واوجب الوضوء قطعا فلما طراءت الجنابة لم يزل ذلك المنع بل لا دليل على زواله بغير طهارة وانما دخل الوضوء في الغسل اللاحق وارتفع الحدثان معا بالغسل وح فإذا طرء الاصغر في اثناء الغسل تحقق تأثيره ولاغسل بعده يدخل وضوء معه بل بعض الغسل فلا يزول الاصغر ولا يرتفع الا بالوضوء قوله والا يوجب نيتهما ابتداء ولم يكتف بنية احديهما عن الاخر لقوله صلى الله عليه وآله وانما لكل امرء ما نوى الخ قلنا نمنع لزوم ذلك فان الاحداث المجتمعة حيث يحكم بتداخلها أو تداخل مزيلها لا يجب معه نيتها اجمع اجماعا بل يجوز نية القدر المشترك بينها وهو الرفع أو الاباحة ونية ونية رفع احدهما إذا لم ينتف الباقي ومع نفيه على قول وهذا حكم يعترف به الجميع ومنهم الخصم هنا وما احتج به هنا لا يقول به هناك اما الحديث إذا

[ 42 ]

اجتمعت عليك حقوق اجزاك الخ واما لان رفع احدها يقتضى رفع القدر المشترك بينها وهو المنع لتوقف الخصوصية على رفع الجميع إذ ليس المراد ارتفاع حقيقة الخارج أو الحاصل بان رفع حكمه وهو شئ واحد تعددت اسبابه وتداخلت مسبباته وإذا كان كذلك في المتفق فلم لاجاز في المختلف مع نية رفع الاكبر والاقوى اونية الاستباحة المطلقة وانما لم يكتف بنية الاصغر خاصة على تقدير حصوله مع الاكبر لعدم دخول الاقوى تحت الاضعف ولهذا حكم جمع من الاصحاب بعدم دخول غسل الجنابة ونحوها تحت غسل الاستحاضة لغير الانقطاع والمتحيرة لضعفه باستمرار الحدث مع اشتراكهما في الاكبر به بل قيل ان غسل الجنابة يجزى عن غيره ولا يجرى غيره عنه لضعفه بافتقار رفع الحدث مطلقا إلى مجامعة الوضوء فليكن هنا كذلك مع مابين الحدثين من الاختلاف حكما وقوة وقد ظهر بذلك جواب بقية ما الحقه بالدليل واما الدليل الثالث والرابع والخامس فمشترك بين القولين الاخرين فلا ينافي مطلوبنا بل يحققه ويزيد في المطلوب وجود ما يوجب الوضوء قوله في السادس وجوب الاعادة في غسل الجنابة مع العدم في غيره مما لا يجتمعان إلى قوله ان القائلين بوجوب اعادة الغسل بتخلل الحدث لم يفرقوا بين الجنابة وغيرها فيه منع انهم لم يفرقوا بل جماعة منهم قد صرحوا بالفرق وان الاعادة مخصوصة بغسل الجنابة وانهم انما التجار إلى الاعادة لذلك ولما كان الوضوء يصاحب غيره مع عدم سبق الحدث كانت مصاحبته له معه اولى فيكفى فيه اتمامه مع الوضوء وان اوجبو الاعادة في الجنابة وممن صرح بالفرق في العلامة النهاية فانه اوجب الاعادة في غسل الجنابة واكتفى باتمامه والوضوء بعده في غيره وسياتى الكلام فيه ان شاء الله وقد ظهر من تضاعيف هذه الادلة واجوبتها ما يرد على دليل القول الثالث وما يجاب عنه فلا تتوقف الافادة على الاعادة وقد عورض الالزام الاخر بمثله فانه يلزم الاخران من غسل من راسه جزءا

[ 43 ]

يسيرا بقدر درهم ببول فانه يجب عليه الغسل والوضوء وهذا الالزام مشترك بين الاقوال الثلاثة وهو مجرد استعاد ولا يلتفت إليه وان كان للكلام عليه في الجمله بحال و قد تلخص من ذلك كله ان العمدة في القول بالاعادة على الاجماع على عدم الوضوء في غسل الجنابة مع ثبوت تأثير الحدث كيف وقع ومدار القول بالاكتفاء بالاكمال على عدم تأثير الحدث الطارى على الجنابة وحيث ثبت انه الاجماع في الاول والتاثير متحقق في الاحداث و ان تعاقبت تعين العمل بالقول الثالث ويليه في القوة الاول واضعفها القول بالاكمال خاصة وان اعادة الغسل حين الحدث والوضوء بعده احوط واكماله ثم اعادته مع الوضوء اولى من الجميع واعلم ان هذه المسألة اجتهادية عديمة النص على خصوصها قد اختلف فيها انظار العلماء فلا حرج على من ترجح عنده قول منها والمعتبر في الاعتماد على احدها مجرد رجحان دليله على الباقين لا بلوغه حدا لا يبقى معه اشكال كما في نظائره من المسائل الفقهية الخلافية ومن حاول الوصول في هذه الابواب إلى حد يزول معه اللبس وتسكن إليه النفس بحيث لا يتخالجها وهم فقد ارتكبت شططا وما اودعناه في هذه المسألة موجب لرجحان القول الاخير وان بقى لباب المقال مجال بقى في المسألة مباحث الاول هذا البحث كله إذا وقع الحدث في اثناء الغسل المرتب ليتحقق له اجزاء يتخللها الحدث فلو اغتسل مرتمسا فقد لا يأتي فيه ذلك كما لو دخل في الماء دفعه سريعة وهو خال من الموانع الدافعة لنفوذ الماء إلى ما يجب عليه غسله كالشعر والعين في البطن وقد يأتي فيه ذلك فان المعتبر في الارتماس الدفعة العرفية لا الحقيقية وهى لا تنافي التراخي القليل الذى لا ينافيه ومن ثم امكن ارتماس ذى الشعر الكثيف ونحوه مع ان الماء يصل إلى راس انفه قبل باطن شعره قطعا وكذلك ورد النص بجوازه تحت المطر العزير مع عدم تحقق الوحده الحقيقية فالاثناء للغسل ممكن ح فليفرض فيه الحدث ويأتى

[ 44 ]

الخلاف وفى المختلف قيد المسألة بغسل الترتيب وكانه يريد ان غسل الترتيب يمكن ان يفرض في كل فرد من افراده ذلك بخلاف الارتماس كما قصده واما الشهيد رحمه الله فقد فصل في الذكرى حكم بتفصيل لا يخلوا من اشكال فقال لو كان الحدث من المرتمس فان قلنا بسقوط الترتيب حكما فان وقع بعد ملاقاة الماء جميع البدن اوجب الوضوء لاغير والا فليس له اثر وان قلنا بوجوب الترتيب الحكمى القصدى فهو كالمرتب وان قلنا بحصوله في نفسه وفسرناه بتفسير الاستبصار امكن انسحاب البحث فيه انتهى وفيه نظر من وجوه الاول ان البحث في وقوع الحدث في اثناء الغسل فقوله لو كان الحدث أي المبحوث عنه من المرتمس بعد ملاقات الماء جميع البدن خروج عن المفروض لانه ح يكون قد اكمل الغسل وان لم يخرج من الماء إذ حقيقة الغسل ح اصابة الماء لجميع البدن دفعة سواء بقى بعد ذلك في الماء ام خرج منه والامر هنا سهل الثاني قوله والا فليس له اثر ليس على اطلاقه بل قد يكون له اثر كما إذا وقع بعد ملاقاة الماء لبعض البدن وقبل ملاقاة الجميع فينسحب حكم البحث فيه ولا ينافى ذلك كونه ارتماسا مع قصر الزمان كما في تحليل ما يجب تحليله وقد حققنا القول في ذلك في موضع اخر الثالث قوله وان قلنا بوجوب الترتيب القصدى الخ وهو المعنى الذى فهمه العلامة من الترتيب الحكمى تقتضي ان ضم قصد الترتيب إلى الارتماس يغير حالته وفيه نظر لان الوحدة المعتبرة فيه باى معنى اخذت لابد من حصولها سواء انضم إليها القصد ام لا فكما يتصور الحدث في اثنائه بالقصد يتصور بدونه وكما ينتفى بدونه ينتفى مع القصد لانه لا يوجب زيادة زمان على عدمه فان المعتبر تحقق الارتماس على الحالين الرابع قوله وان قلنا بحصوله أي الترتيب في نفس الغسل وفسرناه بتفسير الاستبصار من ان معنى الترتيب الحكمى ان المرتمس إذا خرج من الماء حكم له اولا بالطهارة لراسه ثم جانبه الايمن ثم الايسر فيكون على هذا التقدير مرتبا فيمكن انسحاب البحث فيه نحو ما تقدم من ان حصول هذا الحكم في نفسه لا يقتضى زيادة زمان على عدمه والمعتبر في وقوع الحدث

[ 45 ]

في الاثناء انما هو اتساع الفعل بحيث يتحقق له اول واخر ووسط ليتحقق الوقوع في اثنائه وهذه المعاني التى ذكرناها به؟ بامرها مشتركة في معنى واحد فاما ان يثبت الحكم لجميعها أو ينتفى في الجميع فالمعتبر ما اسلفناه في اول البحث الثاني قد استفيد من خلال الادلة الواقعة في المسألة ان الكلام انما هو في غسل الجنابة وهو الذى صرح به اكثر الجماعة فلو كان غيره من الاغسال المكملة بالوضوء ففى انسحاب البحث وطرد الخلاف فيه نظر وقد تقدم في بعض ادلة المسألة ما يقتضى قطعهم بعدمه وليس بجيد فان الشهيد رحمه الله في البيان صرح بالمساواة بينهما قاطعا به في باب الجنابة والعلامة ره في النهاية قطع بالفرق وان غير الجنابة لا يبطل بالحدث المتخلل بل يوجب الوضوء خاصة مع حكمه بالاعادة في غسل الجنابة وفى الذكرى توقف الالحاق وجعل طرد الخلاف ممكنا والتحقيق ان الدليل الاول والثالث من ادلة الاعادة لا ياتيان هنا لان مرجعهما إلى ان انتفاء وجوب الوضوء الذى هو مقتضى حكم هذا الحدث الطارى انما وقع من ظاهر الاجماع على انتفاء الوضوء في غسل الجنابة وهذا المعنى منتف هنا لان الوضوء يجامع هذه الاغسال فينبغي ان يعمل هذا الحدث عمله وهو ايجاب الوضوء إذ لا مانع منه اما الدليل الثاني من ادلته فيمكن سوقه هنا بان يقال ان هذا الحدث لو وقع بعد تمام الغسل نقضه فلابعاضه اولى فيجب اعادة الغسل لانه ماس للميت أو حايض أو اختاها حيث لم يرتفع الحدث الخاص ولكن قد عرفت ضعف هذا الدليل وان هذا الحدث لم ينقض الغسل وانما ابطل استمرار الاباحة بالنسبة إلى الحدث الاصغر فيوجب الوضوء ولا مانع منه هنا واما ادلة القول الثاني فاولها لاياتى هنا ايضا لابتنائه على انتفاء الوضوء في غسل الجنابة واما الثاني فيمكن انسحابه بدعوى ان الحدث الاصغر لاحكم له مع الاكبر ولا تأثير بناء على ان الغسل في الجنابة كاف سواء وقع مع الجنابة حدث اصغر ام لا وكذلك الوضوء مع الغسل في غير الجنابة

[ 46 ]

كاف سوا ذلك الحدث الموجب لهما حدث اصغر ايضا ام لا فيكون وجوده كعدمه فإذا وقع لا يؤثر شيئا بل يبقى الامر على ماكان من غسل ووضوء بعده ان لم يكن قدمه وقد عرفت جوابه وبقية الادلة غير ضارة واما ادلة القول الثالث فهى موافقة لسائر الاغسال فقد ظهر انه يمكن بنأ القول في هذا الفرض بكل من الاقوال وان كان القول الثالث اولى بالقوة هنا ولكن ينشأ الخلاف هنا على مسألة اخرى وهى ان الاحداث الموجبة للوضوء والغسل هل هي حدث واحد اكبر لا يرتفع الا بالوضوء والغسل ام حدثان اصغر واكبر فوجب لذلك الوضوء والغسل ثم على هذا التقدير هل الوضوء منصرف إلى الاصغر والغسل إلى الاكبر ام هما معا يرفعان الحدثين على سبيل الاشتراك كل من الثلثة يحتمل وربما كان به قايل وقد نبهوا عليه في مواضع منها هذه المسألة ومنها نية الوضوء على تقدير تقديمه ومطلقا فقد قيل انه ينوى فيه الاستباحة لانه ليس برافع للحدث الاكبر وانما الرافع له الغسل وقيل يتخير فيهما ومنها اباحة ما يتوقف على الطهارة الكبرى خاصة كالصوم و ودخول المساجد وقرائة الغرائم والذى قطع به الشهيد في البيان في مسألة نية الوضوء المضموم إلى غسل الاستحاضة مع تقدمه والعلامة في المختلف توزيع الوضوء والغسل على الحدثين وان كل واحد منهما كجزء الطهارة وهو محتمل للوجهين الاخرين وظاهرهما اختيار الحدثين وان كل واحد منهما عله ناقضة لرفعهما ويظهر من الذكرى اختيار التوزيع ويؤيده اتفاقهم على جواز الصوم من منقطعة الدم إذا اغتسلت وان لم تتوضأ والحق انه ان ثبت الاتفاق على صحة الافعال المتوقفة على رفع الاكبر بدون الوضوء فالقول بالتوزيع متعين إذ لولاه لم يتم هذا الحكم والا فاثبات الحدثين بمجرد وجوب الطهارتين غير واضح ولكنا علمنا يقينا تحقق الحدث بالاسباب المذكورة ووجوب الطهارتين و ارتفاع الحدث بهما وما زاد على ذلك لادليل عليه ويتفرع على ذلك القول باجزاء

[ 47 ]

غسل الجنابة عن غيره واجزاء غيره عنه أو عدمه مع اجتماعهما فانهم ادعوا ان غسل الجنابة اقوى من غيره من حيث رفع الحدث من غير انضمام إلى الوضوء وتوقف غيره في رفعه على انضمام الوضوء فيمكن ان يقال هنا انا ان جعلنا موجب الطهارتين حدثا واحدا توقف رفعه عليهما فهو اقوى من الجنابة لان حدث الجنابة يرتفع بالغسل خاصة و غيره لا يرتفع الا بهما وان جعلناهما حدثين ورفعنا الاكبر بالغسل والاصغر بالوضوء فيمكن مساواتها للجنابة حيث ان الغسل وحده رفع الاكبر كالجنابة فيكون غير الجنابة اقوى لايجابه حدثين وطهارتين وان جعلناهما حدثين لا يرتفعان الا بالوضوء والغسل على سبيل الاشتراك فغير الجنابة اقوى ايضا فاطلاق كون غسل الجنابة اقوى واطلاق كون غسل الجنابة اقوى إلى ليس بواضح وان كان لاجزائه عنها دليل اخر ليس هذا موضع ذكره إذا تقرر ذلك فتقول ان قلنا بتوزيع الوضوء والغسل على الحدثين وصرف كل منهما إلى ما يناسبه قوى القول بالاجتزاء بالوضوء بعد الغسل يتجلل الحدث الاصغر لانه يوجب الوضوء ويدخل مع الموجب الاخر لتماثلهما وان قلنا بانه حدث واحد يوجب الوضوء والغسل احتمل عدم الاجتزاء بالوضوء المتأخر لانه ليس هنا حدث اصغر حتى يدخل معه هذا الحدث المتخلل ويحتمل قويا الاجتزاء هنا ايضا لما اسلفناه من ان المتداخل انما هو الطهارات لا الاحداث وهنا قد اجتمع عليه وضوء ان احديهما بسبب الحدث الاكبر السابق والاخر بسبب الاصغر اللاحق فيتداخلان وان قلنا بانهما حدثان لا يرتفعان الا بالطهارتين فاللوجهان ايضا من حيث اجتماع الوضوئين وكون الوضوء الاصلى له مدخل في رفع الاكبر كما ان للغسل مدخلا في رفع الاصغر كغسل الجنابة عند مجامعة الحدث الاصغر فدخول الحدث اللاحق في الوضوء غير مناسب لانه لا يرفع الحدث الاصغر بانفراده ولا في الغسل كذلك وإذا لم يدخل ووجب له وضوء

[ 48 ]

آخر لزم وجوب وضوئين مع غسل وغير معهودا وغير جايز كما يظهر من الذكرى فتعينت الاعادة أو نقول الجزء السابق على الحدث من الغسل قد ارتفعت رافعيته بالنسبة إلى الحدث الاصغر المرتفع به وبالوضوء وما بقى من الغسل وما معه من الوضوء ليس علة تامة في الرفع أو الاباحة بالنسبة إلى هذا الحدث فلابد لرفعه من وضوء وغسل تامين فتعينت الاعادة فقد ظهر ان للقول بالاعادة مطلقا وجها وان كان الاكتفاء بالوضوء مطلقا اقوى والقول بعدم تأثير الاصغر مع الاكبر محتمل هنا وايضا والله اعلم الثالث لو كان الحدث المتخلل لغسل الجنابة الذى هو موضع النزاع أو لمطلق الغسل على الوجه الاخر مستمرا كالسلس والبطن فان قلنا لا اثر له فالامر واضح وح فانما يجب الوضوء لما تأخر منه عن الغسل خاصة لكل صلوة ويقع الغسل صحيحا وكذا ان قلنا بوجوب الوضوء له فيتوضى بعد الغسل ويصلى ولو قلنا ببطلان الغسل من راس اشكل الحكم هنا فانه يحتمل ح ان يترك الاغتسال ويتمم للصلوة لاستلزام اعادته التسلسل والجرح أو الترجيح من غير مرجح لو حكم بصحة بعض الافراد ويحتمل الاكتفاء باتمامه هنا والوضوء بعده ويغتفر الحدث الواقع خلاله كما يغتفر الواقع في اثناء الوضوء هذا بالنسبة إلى الصلوة الاولى اما غيرها فيشكل الحكم فيه ايضا إذ يحتمل ان يلزمه الوضوء والغسل للصلوة الاخرى لان قضيه الدليل بطلان الغسل الاول كما يبطل الوضوء لكن اغتفر ذلك للصلوة الواحدة فيجب اعادته للاخرى كما يجب اعادة الوضوء لها وينوى فيهما الاستباحة لاغير ويحتمل ان يجتزى هنا بالوضوء لكل صلوة لاغير إلى ان يحصل ما يوجب الغسل لتحقق الاستباحة بالنسبة إلى الحدث الاكبر السابق ولم يحصل بعده ما يوجب الغسل ويشكل بتخلل المبطل وانما اغتفر للحرج في الصلوة الواحدة كما في الوضوء فلاوجه للحكم بصحته مطلقا والذى يناسب هذا القول اختصاص صحة الغسل بالصلوة الاولى لاغير كالوضوء ويرد

[ 49 ]

على الحكم بوجوب الجمع بينهما لكل صلوة ان الغسل ان ابطل فاللازم اعادته لاغير ودخول الوضوء فيه واغتفار ما يتجدد بعد ذلك كما يغتفر في الوضوء فالواجب ح الغسل لكل صلوة وان لم يبطل واغتفر هذا الحدث بالنسبة إلى الغسل وحكم بوجوب الوضوء له فلا وجه ح لاعادة الغسل لان الموجب لاعادته انما هو الحدث من الجمع بينه وبين الوضوء بناء على ان غسل الجنابة لا وضوء معه فإذا حكم بوجوب الوضوء زال المحذو وفصح الغسل بالنسبة إلى الحدث الاكبر وعمل الاصغر عمله فوجب الوضوء لكل صلوة خاصة وح فاحتمال وجوب الوضوء والغسل لكل صلوة ضعيف وعلى ما اخترناه هذا البحث كله ساقط والواجب الوضوء لكل صلوة خاصة مع احتمال عدم وجوب الوضوء ايضا على هذا القول تنزيلا لغسل الجنابة منزله الوضوء لان الوضوء داخل فيه فينزل ما يتجدد في اثنائه منزله المتخلل في اثناء الوضوء فلا يجب له الوضوء ثانيا وهذا احتمال وجيه ومثله ياتي في المتخلل بين الغسل والصلوة على هذا القول وعلى القول بان المتخلل في اثناء الغسل لا اثر له فانه يحتمل عليهما ان لا يجب الوضوء للمتجدد بعد الغسل وقبل الصلوة كالمتجدد بعد الوضوء لان غسل الجنابة منزل منزله الوضوء وزيادة بالنسبة إلى الحدث الاصغر فكما يكتفى بوضوء واحد لكل صلوة فكذا ما قام مقامه وح فيكفى الغسل للصلوة الاولى ثم يتوضى لكل صلوة من الباقيات ووجه وجوب الوضوء للصلوة الاولى ايضا ان الاصل في الحدث الاصغر ان يوجب الوضوء لكن تخلف ذلك في الواقع في اثناء الوضوء وبعده بالنص فيبقى الباقي والحاق ما يقوم مقامه فيما خالف الاصل قياس لانقول به فيجب الوضوء لكل صلوة مضافا إلى الغسل الرابع لو وقع الحدث بعد الغسل وقبل الوضوء المكمل له امكن طرد الخلاف ايضا بناء على القول باتحاد الحدث أو بتعدده مع اشتراك الطهارتين في رفعهما على الاجتماع والتقريب ما تقدم وعدم تأثير الاصغر واولى بالاجتزاء بالوضوء هنا ويظهر من القائلين بالحاق القسم الثاني بالاول عدم الالحاق هنا ولو كان قد قدم

[ 50 ]

الوضوء فالحدث اللاحق للغسل لا اثر له في الابطال قطعا لارتفاع الحدث قبله ولو تخلل الحدث بين الوضوء المتقدم والغسل المتأخر فكتخلله بين الغسل المتقدم والوضوء المتأخر لكن هنا يتخير بين اعادة الوضوء قبل الغسل أو بعده الخامس حيث حكم بوجوب الوضوء للحدث المتخلل للغسل سواء كان غسل الجنابة ام غيرها توضى بعده فان كان لو يتوضى قبله حيث يجامعه في الامر بحاله والا اعاد الوضوء ولو اراد الوضوء في اثناء الغسل صح ايضا لعدم اشتراط الموالاة في الغسل والنية للوضوء بحالها كيف اوقعه على اصح القولين ولو كان غسل الجنابة فلا اشكال في جواز نية رفع الحدث بالوضوء المتخلل في اثنائه ايضا لانه يرفع حدثه الموجب له ويأتى على كلام ابن ادريس في الوضوء المتقدم على الغسل انه ينوى به الاستباحة لعدم ارتفاع الحدث عدم الجواز هنا ايضا لكن لاقايل به هنا لان ابن ادريس ممن لا يوجب الوضوء هنا والله اعلم بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله الذى شرف يوم الجمعه على ساير الاوقات وفضل صلوتها على جميع الصلوات وخصها بالحث عليها في محكم الايات والصلوة على اشرف النفوس الطاهرات وعلى اله واصحابه وازواجه الزاكيات وبعد فهذه جملة تشتمل على بيان حكم صلوة الجمعة في هذه الزمان الذى قدمنى فيه بالبلية اهل الايمان وخذلهم ببغيه وحسده الشيطان حتى هدموا اعظم قواعد الدين بالشبهة لا بالبرهان وها انا محقق لموضع الخلاف فيها ومرشد إلى ما هو الحق من وجوبها يومئذ بالدليل الواضح والبرهان اللائح لمن اخرج

[ 51 ]

رقبته من ربقة التقليد للاسلاف وسلك سبيل الحق بالانصاف وخاف الله تعالى في امتثال امره والوقوف معه فانه اولى من يخاف مستمدا من الله التوفيق والالهام للحق فانه به حقيق فاقول اتفق علماء الاسلام في جميع الاعصار وسائر الامصار والاقطار على وجوب صلوة الجمعة على الاعيان في الجملة وانما اختلفوا في بعض شروطها وسياتى تحقيق الكلام في موضع الخلاف ان شاء الله تعالى ومع ذلك فالحث على فعلها والامر به بضروب التأكيد في الكتاب والسنة لا يوجد مثله في فريضة البته وسنورد عليك جملة منه ثم ان الاصحاب اتفقوا على وجوبها عينا مع حضور الامام أو نائبه الخاص وانما اختلفوا فيه في حال الغيبة وعدم وجود المأذون له فيها على الخصوص فذهب الاكثر حتى كاد ان يكون اجماعا أو هو اجماع على قاعدتهم المشهورة من ان المخالف إذا كان معلوم النسب لا يقدح فيه إلى وجوبها ايضا مع اجتماع باقى الشرايط غير اذن الامام وهم بين مطلق للوجوب كما ذكرناه وبين مصرح بعدم اعتبار شرط الامام أو من نضه ح وربما ذهب بعضهم إلى اشتراطها ح بحضور الفقيه الذى هو نائب الامام على العموم والا لم يصح وذهب قوم إلى عدم شرعيتها اصلا حال الغيبة مطلقا والذى تعتمده من هذه الاقوال ونختاره وتدين الله تعالى به هو المذهب الاول ولنا عليه وجوه من الادلة الاول قوله تعالى يا ايها الذين امنوا إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله الاية اجمع المفسرون على ان المراد بالذكر المأمور بالسعي إليه في الاية صلوة الجمعة أو خطبتها فكل من تناوله اسم الايمان مامؤر بالسعي إليها واستماع خطبتها وفعلها وترك كلما اشغل عنها فمن ادعى خروج بعض المؤمنين من هذا الامر فعليه الدليل أو في الاية مع الامر الدال على الوجوب من ضروب التأكيد و انواع الحث ما لا يقتضى تفصيله المقام ولا يخفى على من تأمله من اولى الافهام ولما

[ 52 ]

سماها الله تعالى ذكر أو امر بها في هذه السورة وندب إلى قرائتها في صلوة الجمعة بل قيل انه اوجبها ليتذكر السامعون مواقع الامر وموارد الفضل عقبه في السورة التى بعدها التى يذكر فيها المنافقين بالنهي عن تركها والاهمال لها والاشتغال عنها بقوله تعالى يا ايها الذين امنوا لاتلهكم اموالكم ولا اولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فاولئك هم الخاسرون وندب إلى قرائة هذه السورة فيها ايضا لذلك تأكيدا للتذكير بهذا الفرض الكبير ومثل هذا لا يوجد في غيره من الفروض مطلقا فان الاوامر بها مطلقة مجملة غالبا خالية من هذا التأكيد والتصريح بالخصوص حتى الصلوة التى هي افضل الطاعات بعد الايمان لا يقال الامر بالسعي في الاية معلق على النداء لها وهو الاذان ولا مطلق النداء والمشروط عدم عند عدم شرطه فيلزم عدم الامر بها على تقدير عدم الاذان سلمنا لكن الامر بالسعي إليها مغاير للامر بفعلها ضرورة انهما غيريان فلا يدل على المدعى سلمنا لكن المحققون على ان الامر لا يدل على التكرار فيحصل الامتثال بفعلها مرة واحدة لانا نقول إذا ثبت بالامر اصل الوجوب حصل المطلوب لاجماع المسلمين قاطبة فضلا عن الاصحاب على ان الوجوب غير مقيد بالاذان وانما علقه على الاذان حتا على فعله لها حتى ذهب بعضهم إلى وجوبه لها لذلك وكذا القول في تعليق الامر بالسعي فانه امر بمقدماتها على ابلغ وجه وإذا وجب السعي إليها وجبت هي ايضا كذلك إذا لا يحسن الامر بالسعي إليها وايجابه مع عدم ايجابها ولاجماع المسلمين على عدم وجوبه بدونها كما اجمعوا على انه متى وجبت تكرارها في كل وقت من اوقاتها على الوجه المقرر ما بقى التكليف بها كغيرها من الصلوات اليومية والعبادات الواجبة مع ورود الاوامر بها مطلقة كذلك والاوامر المطلقة وان لم تدل على التكرار لم تدل على الوحدة فيبقى اثبات التكرار حاصلا من خارج بالاجماع وغيره من النصوص

[ 53 ]

وسنتلوا عليك منها ما يدل على التكرار صريحا لا يقال الامر المذكور بها مرتب على النداء والنداء متوقف على الامر بها للقطع بانها لو لم تكن مشروعة لم يصح الاذان لها فالاستدلال على مشروعيتها بالامر المذكور دورى سلمنا لكن الامر بها إذا كان معلقا على النداء وهو الاذان وهو لايشرع لها الا إذا كان مامورا بها ولا يؤمر بها الا إذا اجتمعت شرايطها فلا يصح الاستدلال على مشروعيتها مطلقا بالاية لانا نقول مقتضى الاية ان الامر بالسعي معلق على مطلق النداء للصلوة الصالح لجميع افراده وخروج بعض الافراد بدليل خارج واشتراط بعض الشرائط فيه لا ينافي اصل الاطلاق فكل مالا يدل دليل على خروجه فالاية متناولة له وبه يحصل المطلوب ويمكن دفع الدور بوجه اخر وهو ان المعلق على النداء هو الامر بها الدال على الوجوب والاذان غير متوقف على الوجوب بل على اصل المشروعية فيرجع الامر إلى ان الوجوب متوقف على الاذان والاذان متوقف على المشروعية اعم من الوجوب فلا دور وايضا فان النداء المعلق عليه الامر هو النداء للصلوة يوم الجمعة اعم من كونها اربع ركعات وهى الظهر المعهودة ام ركعتين وهى الجمعة ولاشبهه في مشروعية النداء للصلوة يوم الجمعة مطلقا وحيث ينادى لها يجب السعي إلى ذكر الله وهو صلوة الجمعة أو سماع خطبتها المقتضى لوجوبها وكانه قال إذا نودى للصلوة عند الزوال يوم الجمعة فصلوا الجمعة أو فاسعو إلى صلوة الجمعة وصلوها وهذا واضح الدلالة لااشكال فيه ولعله السر في قوله تعالى فاسعوا إلى ذكر الله ولم يقل فاسعوا إليها لئلا يلزم الاشكال المتقدم لا يقال ان مطلق النداء لها غير مراد في الامر بالسعي عنده بل يحتمل ان يراد به نداء خاص وهو حال وجود الامام وقرينة الخصوص الامر بالسعي الدال على الوجوب لان الاصحاب الا يقولون به عينا حال الغيبة بل غايتهم القول بالوجوب

[ 54 ]

التخييري ومن ثم غير اكثرهم بالاستحباب أو الجواز ح كما سيأتي البحث فيه لانا نقول لاشك ان النداء المأمور بالسعي معه مطلق شامل باطلاقه لجميع الازمان التى من جملتها زمان الغيبة فيدل باطلاقه على الوجوب المضيق والوجوب التخيير الذى اربماه؟ متاخر والاصحاب ستعرف ضعف مبناه ان شاء الله ولكن على تقدير تسليمه يمكن ان يقال ان الامر بالسعي المقتضى للوجوب لا ينافيه لان الوجوب التخييري داخل في مطلق الوجوب الذى يدل عليه الامر وفرد من افراده فان الامر لا يدل على وجوب خاص بل على مطلقه الشامل للتعيينى المضيق والتخييري والكفائي وغيرها وان كان اطلاقه على الفرد الاول منها اظهر وتخصيص كل منها في مورده بدليل خارج عن اصل الامر الدال على ماهية الوجوب الكلية كما لا يخفى لا يقال الامر بالسعي على تقدير النداء المذكور ليس عاما بحيث يتناول جميع المكلفين للاجماع على ان الوجوب مشروط بشرائط خاصه كالعدد والجماعة وغيرهما وإذا كان مشروطا بشرائط غير معينة في الاية كانت مجمله بالنسبة إلى الدلالة على الوجوب المتنازع فلا يثبت بها المطلوب لانا نقول مقتضى الامر المذكور واطلاقه يدل على وجوبها على كل مؤمن ويبقى دلالة باقى الشروط من خارج فكل شرط يدل عليه دليل صالح به ويكون مقيدا لهذا الامر المطلق ومالايدل عليه دليل صالح تبقى دلالة هذه الاية على اصل الوجوب ثابته مطلقا وستحقق الكلام في الشرط المتنازع فيه ونبين فساد مبناه ان شاء الله تعالى الثاني الاخبار المتناولة بعمومها لموضع النزاع وهى كثيرة جدا فمنها قول النبي صلى الله عليه وآله الجمعة حق واجب على كل مسلم الا اربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبى أو مريض ومنها صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام قال فرض الله على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا وثلثين صلوة منها صلوة واحدة فرضها الله في جماعة وهى الجمعة ووضعها عن تسعة عن الصغير والكبير والمجنون والمسافر والعبد

[ 55 ]

والمراة والمريض والاعمى ومن كان على رأس فرسخين ومنها صحيحة ابى بصير ومحمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام قال ان الله تعالى فرض في كل سبعة ايام خمسا وثلثين صلوة واجبة على كل مسلم ان يشهدها الا خمسة المريض والمملوك والمسافر المراة والصبى ومنها صحيحة منصور بن حازم عن ابى عبد الله عليه السلام قال يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زادوا ان كانوا اقل من خمسة فلا جمعة لهم والجمعة واجبة على كل احد لا بعذر الناس فيها الا خمسة المراة والمملوك والمسافر والمريض والصبى ومنها صحيحة عمر بن يزيد عنه عليه السلام قال إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلوا في جماعة يعنى الجمعة لان مطلق الجماعة لا يشترط فيها العدد المخصوص ومنها صحيحة ابن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال سألته عن اناس في قرية هل يصلون جماعة قال نعم يصلون اربعا إذا لم يكن لهم من يخطب ومنها صحيحة الفضل بن عبد الملك قال سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول إذا كان قوم في قرية صلوا الجمعة اربع ركعات فان كان لهم من يخطب جمعوا إذا كانوا خمسة نفرو انما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين ومنها صحيحة ابى بصير ومحمد بن مسلم عن ابى جعفر عليهما السلام قال من ترك الجمعة ثلث جمع متواليه طبع الله على قلبه وفى معناها عن النبي صلى الله عليه وآله اخبار كثيرة منها قوله صلى الله عليه وآله من ترك ثلث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه وفى حديث اخر من ترك ثلث جمع متعمدا من غير علة ختم الله على قلبه بخاتم النفاق وقوله صلى الله عليه واله لينتهين اقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين ومنها صحيحة زرارة قال حثنا أبو عبد الله عليه السلام على صلوة الجمعة حتى طننت انه يريد ان تاتية فقلت تعدوا عليك قال انما عنيت عندكم فهذه الاخبار الصحيحة الطريق الواضحة الدلالة التى لا يشوبها شك ولا يحوم حولها شبهة من طرق اهل البيت عليهم السلام في الامر بصلوة الجمعة والحث عليها وايجابها

[ 56 ]

على كل مسلم عدا ما استثنا والتوعد على تركها بالطبع على القلب الذى هو علامة الكفر و العياذ بالله تعالى كما نبه عليه تعالى في كتابه العزيز وتركنا ذكر غيرها من الاخبار الموافقة وغيرها حسما لمادة النزاع ودفعا للشبهة العارضة في الطريق وليس في هذه الاخبار مع كثرتها تعرض لشرط الامام ولامن نصبه ولا لاعتبار حضوره في ايجاب هذه الفريضة المعظمة فكيف يسع المسلم الذى يخاف الله تعالى إذا سمع مواقع امر الله ورسوله وائمته عليهم السلام بهذه الفريضة وايجابها على كل مسلم ان يقصر في امر؟؟؟ إلى غيرها ويتعلل بخلاف بعض العلماء فيها وامر الله تعالى ورسوله وخاصته عليهم السلام احق ومراعاته اولى فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم ولعمري لقد اصابهم الامر الاول فليرتقبوا الثاني ان لم يعف الله تعالى ويسامح نسأل الله تعالى العفو والرحمة وقد تحصل من هذين الدليلين ان من كان مؤمنا فقد دخل تحت نداء الله تعالى وامره في الاية الكريمة بهذه الفريضة العظيمة ونهيه عن الالتهاء عنها ومن كان مسلما فقد دخل تحت قول النبي صلى الله عليه وآله وقول الائمة عليهم السلام انها واجبة على كل مسلم ومن كان عاقلا فقد دخل تحت تهديد قوله تعالى ومن يفعل ذلك يعنى الالتهاء عنها فاولئك هم الخاسرون وقولهم عليهم السلام من تركها على ذلك الوجه طبع الله على قلبه لان من موضوعة لمن يعقل ان لم تكن اعم فاختر لنفسك من هذه الثلاث وانتسب إلى اسم من هذه الاسماء اعني الايمان أو الاسلام أو العقل وادخل تحت مقتضاء أو التزم قسما رابعا وان شئت نعوذ بالله من قبح الزلة وسنة الغفلة لا يقال دلالة هذه الاخبار مطلقة لا ينافي اشتراطها بحضور الامام أو من نصبه كما لاينا في اشتراط باقى الشرايط المعتبرة في الجمعة غير ما ذكر فيها وإذا ورود دليل مقيد بما ذكر وجب الجمع بينها بحمل المطلق على المقيد وستأتى الدلالة على اشتراط اذان الامام

[ 57 ]

في الوجوب والحديث الاخير نقول بموجبه فانه يجوز استناد الوجوب فيه إلى اذن الامام لزرارة ومثله موثقة زرارة عن عبد الملك عن الباقر عليه السلام قال مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله تعالى قلت كيف اصنع قال صلوا جماعة يعنى صلوة الجمعة وقد نبه العلامة في نهايته على ذلك بقوله لما اذنا لزرارة وعبد الملك جاز لوجود المقتضى وهو اذن الامام لانا نقول مقتضى القواعد الاصولية وجوب اجراء هذه الادلة على اطلاقها والعمل بموجب دلالتها من وجوب هذه الصلوة على كل مسلم الا ما اخرجته الاخبار أو دل على اخراجه دليل من خارج ودلالة شرطية حضور الامام أو من نصبه مطلقا غير متحققه كما سنبينه ان شاء الله تعالى فيجب العمل باطلاق هذه الادلة القاطعة إلى ان يوجد المقيد واما دعوى اذن الصادقين عليهما السلام لزرارة وعبد الملك في الخبرين ففيه ان المعتبر عند القائل بهذا الشرط كون امام الجمعة الامام أو من نصبه وليس في الخبرين ان الامام عليه السلام نصب احد الرجلين اماما لصلوة الجمعة وانما امرها بصلوتها اعم من فعلهما لها امامين ومؤتمين وليس في الخبرين زيادة على غيرهما من الاوامر الواقعة بها من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام لساير المكلفين فان كان هذا كافيا في الاذن فلنكن تلك الاوامر كافية ويكون كل مكلف جامع لشرائط الامامة مأذونا فيها منهم أو كل مكلف مطلقا مأذونا في فعلها ولو بالايتمام بغيره كما يقتضيه الاطلاق إذ لا فرق فر الشرع بين الامر الخاص والعام من حيث العمل بمقتضاه وذلك هو المطلق وايضا فامرهما عليهما السلام للرجلين ورد بطريق يشمل الرجلين وغيرهما من المكلفين أو من المؤمنين كقوله صلوا جماعة وقول زراره حثنا أبو عبد الله عليه السلام على صلوة الجمعة وقوله انما عنيت عندكم من غير فرق بين المخاطبين وغيرهما الا في قوله عليهما السلام مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله

[ 58 ]

وذلك امر خارج عن موضع الدلالة وعلى تقدير اختصاص المخاطبين فظاهر رواية زرارة انهم كانوا بحضرته عليه السلام جماعة ولم يعين احدا منهم للامامة ولاخصه بالامر والحث وحمل ضمير الجمع في كلام زرارة على التعظيم لا يناسب المقام ولا تقتضيه بلاغة الامام فان ضمير الجمع وقع من السائل والمسئول على وجه ظاهر في تحقق الجمع كما لا يخفى الثالث استصحاب الحكم السابق فان وجوب الجمعة حال حضور الامام أو نائبه ثابت باجماع المسلمين في الجملة فيستصحب إلى زمان الغيبة وان فقد الشرط المدعى إلى ان يحصل الدليل الناقل عن ذلك الحكم وهو منتف على ما نحققه ان شاء الله تعالى ولو استصحب الاجماع على هذه الطريقة امكنك ايضا على قاعدة الاصحاب حث لا يقدح عندهم مخالفه معلوم النسب أو اقامة المشهور مقامه على ما عهد منهم وصرح به الشهيد في مقدمات الذكرى وان كنا نحن لا نرتضيه لكن ذكرناه على وجه الالزام للخصم لانه معتمده في اكثر مباحثه وسياتى ان المخالف في الباب احاد قليلة معلومة لا يؤثر في في المدعى المشهور لا يقال اللازم استصحابه انما هو الوجوب حال الحضور وما في معناه اعني الوجوب المقيد به لا مطلق الوجوب فلايتم استصحابه حال الغيبة لانا نقول لا نم ان الوجوب الثابت حال الحضور وما في معناه مقيد به بل هو ثابت مطلقا في ذلك وهو ظرف زماني له من غير ان يقيد به كباقي الازمان التى تثبت فيها الاحكام ويحكم باستصحابها بعدها نعم قد ينازع في تحقق الاجماع في حال الغيبة استصحابا له حال الحضور نظرا إلى تصريح بعضهم بان الاجماع مقيد به وسيأتى الكلام فيه وفى جوابه لا يقال هذه الادلة الثلاثة تستلزم وجوبها عينا بمعنى عدم اجزاء الظهر عنها مع امكان فعلها والاصحاب لا يقولون به بل غاية الموجب لها ان يجعل الوجوب حال الغيبة تخيير ما بينها وبين الظهر وان كان يقول انها افضل الفردين الواجبين

[ 59 ]

على التخيير كما صرح به جماعة منهم فما يدل عليه الادلة لا يقولون به وما يقولون به لا يدل عليه الدليل لانا نقول ما ذكرت من دلالتها على الوجوب العينى ظاهرا حق غير ان المتأخرين من الاصحاب أو اكثرهم لاجميع الاصحاب كما قيل معرضون عنه رأسا وربما ادعى بعضهم الاجماع على خلافه وان كان دون اثبات الاجماع وحجيته على هذا الوجه خرط القتاد فانا بعد الاستقصاء التام والتتبع الصادق لم نقف على دليل صالح يدل على ان الوجوب المذكور تخييري ولا ادعاه مدع وانما مرجع حجتهم إلى دعوى الاجماع عليه فان تم فهو الحجة والا فلا وسنتلوا عليك من كلام السابقين من الاصحاب ما يدلك على فساد هذه الدعوى وتصريح بعضهم بان الوجوب متعين مطلقا ثم على تقدير القول بكون الوجوب تخييريا حاله الغيبة يمكن الجواب عن السؤال بان نقول ان الادلة المذكورة انما دلت على الوجوب المطلق في الجملة الصالح لكونه عينيا وتخييريا وغيرهما من افراده وان كان الفرد المتعين منها اظهر في الارادة الا انه لايمنع من ارادة غير حيث يدل عليه الدليل ولما امكن حمل الوجوب على المتعين مع حضور الامام وما في معناه حمل عليه لانه الفرد الاظهر ولما تعذر حمله عليه حال الغيبة بواسطة ما قيل من الاجماع المدعى على خلافه صرف إلى التخييري لانه بعض افراده وربما استأنس بعض الاصحاب للوجوب التخييري بظاهر رواية زرارة وعبد الملك السابقين حيث قال زرارة حثنا أبو عبد الله عليه السلام في الجمعة وقوله عليه السلام مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله عليه فان هذا الكلام يشعر بان الرجلين كانا متهاونين الجمعة مع انهما من اجلاء الاصحاب وفقهاء اصحابه ولم يقع منه عليه السلام عليهما انكار شديد بل حثها على فعلها فدل ذلك على ان الوجوب ليس عينيا والا لانكر عليها بتركها كمال الانكار نعم استفيد من حثه و

[ 60 ]

قوله عليه السلام انها فريضة فرضها الله تعالى وجوبها في الجملة فيحمل على التخييري وفى هذا التوجيه نظر بين ودفعه مع معارضة لتلك الاوامر العظيمة السابقة سهل لان زرارة راوي هذا الحديث قد روى ايضا ما اسلفناه من قوله فرض الله على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا وثلثين صلوة منها صلوة واحدة فرضها الله في جماعة ولاشبهه في ان في ان غير الجمعة من الفرائض وجوبه عينى فلو حمل وجوبها على التخيير على بعض الوجوه لزم تهافت الكلام واختلاف حكم الفرائض بغير مائز وكذلك باقى الاخبار التى تلوناها والة أو ظاهر في الوجوب العينى المضيق والذى يظهر لى ان السر في تهاون الجماعة بصلوة الجمعة ما عهد من قاعدة مذهبهم لانهم لا يتقدون بالمخالف ولا بالفاسق والجمعة انما تقع في الاغلب من ائمة المخالفين ونوابهم وخصوصا في المدن المعتبرة وزرارة وعبد الملك كانا بالكوفة وهى اشهر مدن الاسلام ذلك الوقت وامام الجمعة فيها مخالف منصوب من ائمة الضلال فكانوا يتهاونون بها لهذا الوجه ولما كانت الجمعة من اعظم فرائض الله تعالى واجلها ما رضى الامام عليه السلام لهم بتركها مطلقا فلذلك حثهم على فعلها حيث يتمكنون منها وعلى هذا الوجه استمر حالها مع اصحابنا إلى هذا الزمان فاهمل لذلك الوجوب العينى واثبت التخييري لوجه يزجر من الله تعالى ان يعذرهم فيه وال الحال منه إلى تركها رأسا في اكثر الاوقات ومعظم الاصقاع مع امكان اقامتها على وجهها وما كان حق هذه الفريضة المعظم ان يبلغ بها هذا المقدار من التهاون بمجرد هذا العذر الذى يمكن رفعه في كثير من بلاد الايمان سيما هذا الزمان وبهذا طهران حث الامام عليه السلام للرجلين وغيرهما دون ان ينكر ذلك عليهم شديدا ليس من جهة الوجوب التخييري بل للوجه الذى ذكرناه وقد تنبه قبلى لهذا الوجه الذى ذكرته الشيخ الامام عماد الدين الطبرسي رحمه الله في كتابه المسمى

[ 61 ]

بنهج العرفان إلى هداية الايمان فقال فيه بعد نقل الخلاف بين المسلمين في شروط وجوب الجمعة ان الامامية اكثر ايجابا للجمعة من الجمهور ومع ذلك يشنعون؟ عليهم بتركها حيث انهم لم يجوزوا ايتمام الفاسق ومرتكب الكبائر والمخالف في العقيدة الصحيح انتهى المقصود من كلامه وفيه دليل على ان تركهم للجمعة لهذه العلة لا لامر اخر فلو كانوا لا يشترطون في وجوبها بل في جوازها مطلقا اذن الامام المفقود حال الغيبة اصلا أو اكثريا بالنسبة إلى الموضع الذى يحضر فيه النايب بل في زمن حضوره ايضا لعدم تمكنه غالبا من نصب الائمة لها ح ايضا ولا مباشرتها بنفسه لما تصور العاقل ان الامامية اكثر ايجابا لها من العامة لان ذلك معلوم البطلان ضرورة وانما يكونون اكثر ايجابا لها من حيث انهم لا يشترطون فيها المصر كما يقوله الحنفي ولاجوفه ولا حضور اربعين كما يقوله الشافعي ويكنفون في ايجابها بامام يقتدى به اربعة نفر مكلفين بها فيظهر بذلك كونهم اكثر ايجابا من الجمهور وانما منعهم من اقامتها غالبا ما ذكرناه من فسق الائمة على انا قد بينا ان الائمة عليهم السلام انكروا على تركها زيادة على ما ذكر في الحديثين وصرحوا بوجوبها على كل احد كما اشرنا إليه في الاخبار المتقدمة وقوله عليه السلام لا يعذر الناس فيها وقول الباقر عليه السلام من ترك الجمعة ثلث جمع طبع الله على قلبه فاى مبالغة ونكير اعظم من هذا واى مناسبه فيه للواجب التخييري لان ترك فرد منه إلى الفرد الاخر خائن اجماعا لا يجوز ترتب الذم عليه قطعا وابلغ من ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله في خطبة طويلة حث فيها على صلوة الجمعة منها ان الله تعالى قد فرض عليكم الجمعة فمن تركها في حيوتى أو بعد موتى استخفافا بها أو جحودا لها فلا جمع الله شمله ولا بارك له في امره الا ولا صلوة له الا ولا زكوة له الا ولا حج له الا ولاصوم له الا ولا بر له حتى ينوب نقل هذا الخبر المخالف

[ 62 ]

والمؤالف واختلفوا في الفاظ تركناها لامدخل لها في هذا الباب وامثال ذلك عن النبي والائمة عليهم السلام كثيرة دالة على ايجابها والحث عليها ولو لم يكن في الباب الا الاية الشريفة في سورة الجمعة لكان ذلك كافيا لاولى الابصار شافيا عند ذوى الاعتبار الرابع التمسك باصالة الجواز فانا لم نجد على التحريم دليلا صالحا كما سنبينه فالاصل جواز هذا الفعل بالمعنى الاعم المقابل للتحريم الشامل لما عدا الحرام من الاقسام الخمسة ثم الاباحة من الاربعة الباقية منفية بالاجماع على ان العبادة لا يكون متساوية الطرفين وكذا الكراهة بمعنى مرجوحية احد الطرفين مطلقا من غير منع من النقيض وان امكن المكروه في العبادة بمعنى اخر فيبقى في مدلول هذا الاصل الوجوب والاستحباب فالثابت هنا احدهما لكن الاستحباب منفى ايضا بالاجماع على انها لا تقع مستحبة بالمعنى المتعارف بل متى شرعت وجبت فانحصر امر الجواز في الوجوب وهو المطلق واصل هذا الدليل مجردا عن التزويج ذكره الشهيد ره في شرح الارشاد فقال بعد ذكر الادلة من الطرفين والمعتمد في ذلك اصالة الجواز وعموم الاية وعدم دليل مانع واعترض عليه بان اصالة الجواز لا يستدل بها على فعل شئ من العبادات إذ كون الفعل قربة وراجحا بحيث يتعبد به توفيقي يحتاج إلى اذن الشارع وبدونه يكون بدعة وعدم الدليل المانع لا يقتضى الجواز إذ لابد من كون المجوز موجود أو انت إذا تأملت ما ذكرناه من توجيه الاستدلال يظهر عليك جواب هذا الايراد فان الجواز المطلوب هنا لما كان في مقابلة التحريم بناء على ان الاصل في هذه الافعال ونظائرها هل هو الجواز والتحريم وان المرجح هو الجواز فالثابت هنا ما قابل التحريم وهو يشمل الاحكام الاربعة وان اريد بعضها كما قررناه وهذا هو الوجه المسوغ لها والتوقيف عليها بخصوصها متحقق في الكتاب والسنة وانما وقع الاشتباه في هذا الفعل المخصوص المضبوط شرعا هل هو الان جائزا ام حرام

[ 63 ]

فاصالة الجواز نافعة في اثباته لا يقال لايتم الحكم عليها بالجواز الا بمعونة النقل من الكتاب والسنة ومعه يستغنى عنها فلاوجه لافرادها بالدلالة فيرجع الامر إلى ان العبادات لا تثبت بها لانا نقول القدر الثابت بهذا الاصالة اصل الجواز المقابل للتحريم والاستدلال به عقلي لا يتوقف من هذه الجهة على الدليل النقلي الدال على التوقيف على كميتها وكيفيتها فتحقق الاستغناء من هذه الحيثية وان توقفت بعد اثبات جوازها على امر اخر كما ان اثبات شرعيتها ايضا بالدليل النقلي لا يقدح فيه توقفها بعد اثباته على تحقيق شرائطها واحكامها ولم يستقل دليل اصل المشروعية بالدلالة على تمام ما يعتبر فيها شرعا وجملة الامر ان الغرض من ادلة المشروعية نفى القول بالتحريم لا تحقيق الحال في تقريرها شرعا وتبين شروطها وكيفيتها واحكامها بل يتوقف بعد اثبات المشروعية على ادلة اخرى على هذه الاشياء من غير منافاة بين الامرين ولا استغناه ببعضها عن بعض الخامس ان القول بالوجوب على هذا الوجه قول اكثر المسلمين لا يخرج منه الا الشاذ النادر من اصحابنا على وجه لا يقدح في تحقق دعوى انه اجماع أو يكاد فان جملة مذاهب المسلمين ممن يخالفنا يقولون بذلك اما غير الحنفية فظاهر لانهم لا يعتبرون في وجوبها اذن الامام واما الحنفية فانهم وان شرطوا اذنه لكنهم يقولون انه مع تعذر اذنه يسقط اعتباره ويجب فعلها ح بباقى الشرايط واما اصحابنا فهم عن كثرتهم وكثرة مصنفيهم واختلاف طبقاتهم لا ينقل القول بالمنع من قبلهم الا عن المرتضى في المسائل الميا فارقيات ومع ذلك كلامه ليس بصريح فيه بل ظاهره ذلك كما اعترف به جميع من نقل ذلك عنه ومثل هذا القول الشنيع المخالف لجمهور المسلمين وصريح الكتاب والسنة لا ينبغى اثباته ونسبة لمثل هذا الفاضل بمجرد الظهور بل لابد فيه من التحقيق وانما كان ظاهره ذلك من غير تحقيق لان السائل لما سأله عن

[ 64 ]

صلوة الجمعة هل يجوز خلف المؤالف والمخالف جميعا اجاب بما هذا لفظ لاجمعة الا مع امام عادل أو من نصبه الامام فالحكم على ظاهر هذه العبارة واضح وهو مع ذلك تحتمل و خلاف ظاهرها من وجهين احدهما النفى الموجه إلى الماهية إلى نفى الكمال كما هو واقع كثيرا في الكتاب والسنة ويؤيد هذا الوجه انه قال في كتابه الفقه الملكى والاحوط ان لا يصلى الجمعة الا باذن السلطان وامام الزمان لانها إذا صلت على هذا الوجه انعقدت وجازت بالاجماع وإذا لم يكن فيها اذن السلطان لم يقطع على صحتها واجزائها هذا لفظه وهو ظاهر في ان اذن الامام معتبر اعتبار كمال واحتياط لاتعين والثانى حمل المنع من الصلوة بدون اذن الامام العادل مع امكان اذنه لا مطلقا كما هي عادة الاصحاب على ما شقف عليه ان شاء الله من عباراتهم فانهم يطلقون اشتراط اذنه في الوجوب ثم يجوزون فعلها حال الغيبة بدونه مريدين بالاشتراط على تقدير امكانه ويؤيد هذا الحمل الكلام المرتضى على الخصوص قوله في الكتاب المذكور سابق والاحوط ان لا تصلى الجمعة الا باذن السلطان الخ لان اذنه انما يكون احوط مع امكانها لا مطلقا بل الاحتياط مع تعذرها في الصلوة بدونها امتثالا لعموم الامر من الكتاب والسنة وغيرهما من الادلة ومع قيام الاحتمال يسقط القول بنسبة إلى المرتضى على التحقيق وان كان ظاهره ذلك نعم صرح به تلميذه سلار وبعده ابن ادريس فهذان الرجلان عمدة القول بسقوطها حال الغيبة وربما قال العلامة في بعض كتبه إلى هذا القول لكنه صرح بخلافه في غيره خصوصا المختلف وهو اخر ماصبقه؟ من الكتب الفقهية في هذا الباب ولا يخفى عليك حال قول يختص من بين المسلمين بهذين الرجلين مع معارضة الكتاب والسنة لهما على الوجه الذى بيناه وقد ظهر بذلك ضعف القول بسقوطها حال الغيبة مطلقا بل بطلانه وبقى الكلام مع القول الثاني الذى يشترط

[ 65 ]

في جوازها الفقيه وما ذكرناه من الادلة كاف في ضعف القولين معا ولكن تحقيق المقام يتوقف على تخصيصها بالكلام فلنشرع الان فيه بمسته؟ الله تعالى الكلام على القول الثاني وهو وجوب الصلوة المذكورة حال الغيبة لكن بشرط حضور الفقيه الجامع لشرائط الفتوى والا لم تشرع اعلم ان هذا القول لم يصرح به احد من فقهائنا على وجه اليقين وانما هو ظاهر عبارة العلامة جمال الدين في التذكرة والنهاية والشهيد في الدروس واللمعة لاغير وفى باقى كتبهما وافقا غيرهما من المجوزين من حيث الاطلاق و سنتلوا عليك عبارتهما في ذلك وتبين عدم دلالتها على المطلق بل عدم موافقة دليلها لظاهرها فقولهما بذلك غير متيقن ولكن المحقق المرحوم الشيخ على قدس سره اعتنى بهذا القول وترجيحه وادعى اجماع القائلين بشرعيتها عليه والاصل في هذا القول ان اذن الامام معتبر فيها فمع حضوره يعتبر حضوره أو نائبه ومع غيبته يقوم الفقيه المذكور مقامه لانه نائبه على العموم وجملة ما ذكروه من الدليل على هذا الشرط امور ثلاثة الاول ان النبي صلى الله عليه واله كان يعين لامام الجمعة وكذا الخلفاء بعده كما يعين للقضاء وكما لا يصح ان ينصب الانسان نفسه قاضيا من دون اذن الامام فكذا امام الجمعة قالوا وليس هذا قياسا بل استدلالا بالعمل المستمر في الاعصار فمخالفته خرق الاجماع الثاني رواية محمد بن مسلم قال لا تجب الجمعة على اقل من سبعة الامام وقاضيه ومدع حقا ومدعى عليه وشاهدان ومن يضرب الحدود بين يدى الامام وفيه دلالة على اشتراط الامام حيث جعله احد السبعة الثالث انه اجماع كما نقله جماعة من الاصحاب منهم المحقق نجم الدين بن سعيد في المعتبر والعلامة جمال الدين ابن المطهر في التذكره والنهاية والشهيد في الذكرى والاجماع المنقول بخبر الواحد حجة فكيف بنقل هؤلاء الاعيان والجواب عن الاصل المذكور انه لو تم لزمهم القول بكون

[ 66 ]

وجوبها مع الفقيه عينيا على حد وجوبها مع الامام ونائبه الخاص قضية لوجود الشرط وهؤلاء المتأخرون ولا يقولون به بل يجعلونها حال الغيبة مطلقا مستحبة عينا واجبة تخييرا الا انها افضل الفردين الواجبين على التخيير فهى مستحبة عينا واجبة تخييرا فما يقتضيه دليلهم لا يقولون به وما يقولون به لا يقضى إليه دليلهم وايضا فانهم يعترفون في هذه الحالة بعدم وجود شرط الوجوب الذى هو الامام أو نائبه كما سنحكيه من الفاظهم فلا فرق ح بين وجود الفقيه وعدمه حيث لا يوجد هذا الشرط بل اما ان يحكموا بوجوبها نظرا إلى ان الشرط المذكور انما يعتبر مع امكانه لا مطلقا أو يحكموا بعدم مشروعيتها التفاتا إلى فقد الشرط لا يقال نختار الاول وهو حصول الشرط بحضور الفقيه ولكن الوجوب العينى منفى الاجماع كما سندعيه فقلنا بالوجوب التخييري حيث دل الدليل على الوجوب ولم يكن القول بالاول لانا نقول قد اعترفتم في كلامكم بفقد الشرط في هذه الحالة كما سنحكيه عنكم وهو خلاف ما التزمتموه هنا ودعوى الاجماع المذكور سنبين فسادها ان شاء الله تعالى والجواب عن الامر الاول مع تسليم اطراده في جميع الائمة منع دلالته على الشرطية بل هو اعم منها والعام لا يدل على الخاص والظاهر ان تعيين الائمة انما هو لجسم مادة النزاع في هذه المرتبة ورد الناس إليه بغير تردد واعتمادهم على تقليده بغير ريبه واستحقاقه من بيت المال لسهم وافر من حيث قيامه بهذه الوظيفة الكبيرة من اركان الدين ويؤيد ذلك انهم كانوا يعينون لامامة الصلوة اليومية ايضا و للاذان وغيرهما من الوظايف الدينية مع عدم اشتراطها باذن الامام باجماع المسلمين ولم يزل الامر مستمرا في نصب الائمة للصلوات الخمس والاذان أو غيرهما ايضا من عهد النبي صلى الله عليه وآله إلى يومنا هذا من الخلفاء والسلاطين وائمة العدل والجور كل ذلك لما ذكرناه من الوجه لا لجهة الاشتراط وهذا امر واضع لا يخفى على مصنف وعن الثاني بعدم دلالته على الاشتراط من وجوه احدها ضعف الخبر

[ 67 ]

فان في طريقة الحكم بن مسكين وهو مجهول لم يذكره احد من علماء الرجال المعتمدون ولم ينصوا عليه بتوثيق ولاضده وما هذا شانه يرد الحديث لاجله لان ادنى مراتب قبوله ان يكون حسنا أو موثقا ان لم يكن صحيحا وشهرته بين الاصحاب على وجه العمل بمضمونه بحيث تجبر ضعفه ممنوعه فان مدلوله لا يقول به احد وعدده لا يقول به الاكثر ومن العجب هنا قول الشهيد رحمه الله في الذكرى اعتذارا عن عدم نص الاصحاب على الحكم بجرح ولامدح بان الكشى ذكره في كتابه ولم يتعرض له بذم فان مجرد ذكر الكشى له لا يوجب قبولا له بعد ذكره في كتابه المقبول وغيره بل لو ذكره بهذه الحالة جميع المصنفين ومن هو اجل من الكشى لم يفد ذلك قبوله فكيف بمثل الكشى الذى يشتمل كتابه على اغاليط من جرح لغير مجروح بروايات ضعيفة ومدح لغيره كذلك كما نبه عليه جماعة من علماء اهل هذا الفن والغرص من وضعه ليس هو معرفة التوثيق وضده كعادة غيره من الكتب بل غرضه ذكر الرجل وما ورد فيه من مدح وجرح وعلى الناظر طلب الحكم وحيث لا يقف على شئ من احواله يقتصر على ما ذكره كما يعلم ذلك من تأمل الكتاب وما هذا شانه كيف يجعل مجرد ذكره له موجبا لقبول روايته ماهذا الاعجيب من مثل هذا المحقق المنقب وثانيها ان الخبر متروك الظاهر لان مقتضى ظاهره ان الجمعة لاتنعقدا لا باجتماع الامام وقاضيه والمتداعيين والشاهدين والحداد واجتماع هؤلاء ليس بشرط اجماعا وانما الخلاف في حضور احدهم وهو الامام فما يدل عليه الخبر لا يقول به احد وما يستدل به منه لا يدل عليه بخصوصه فان قيل حضور غيره خرج بالاجماع فيكون هو المخصص لمدلول الخبر فتبقى دلالته على مالا اجماع فيه باقية قلنا يكفى في اطراحه ونهافية مع ضعفه مخالفته اكثر مدلوله لاجماع المسلمين وما الذي يضطرنا إلى العمل بسعة مع هذه الحال العجيبة وثالثها ان مدلوله من حيث العدد وهو السبعة متروك ايضا

[ 68 ]

ومعارض بالاخبار الصحيحة الدالة على اعتبار الخمسة خاصة كصحيحة منصور بن حازم وقد تقدمت وما ذكر فيه السبعة غير هذا الخبر لا ينافي ايجابها على من دونهم بخلاف هذا الخبر فانه نفى فيه وجوبها على اقل من السبعة ورابعها انه على تقدير سلامته من هذه القوادح يمكن حمله على حالة امكان حضور الامام واما مع تعذره فيسقط اعتباره جمعا بين الادلة ويؤيده اطلاق الوجوب فيه الدال بظاهره على الوجوب العينى المشروط عند من اعتبر هذا الحديث بحالة الحضور واما حالة الغيبة فلا يطلقون على حكم الصلوة اسم الوجوب بل الاستحباب بناء على ذهابهم ح إلى الوجوب التخييري مع كون الجمعة احد الفردين الواجبين تخييرا وخامسها حمل العدد المذكور في الخبر على اعتبار حضور قوم من المكلفين بها بعدد المذكورين اعني حضور سبعة وان لم يكونوا عين المذكورين نظرا إلى فساد حمله على ظاهره من اعتبار اعيان المذكورين لاجماع المسلمين على عدم اعتباره وقد نبه على هذا التأويل شيخنا المتقدم السعيد أبو عبد الله المفيد في كتاب الاشراف فقال وعددهم في عدد الامام والشاهدين والمشهود عليه والمتولي لاقامة الحد الخ وسادسها ان الامام المذكور في الخبر لا يتعين حمله على الامام المطلق اعني السلطان العادل بل هو اعم منه والمتيقن منه كون الجماعة لهم امام يقتدون به حتى لا تصح صلوتهم فرادى ونحن نقول به فان قيل قرينة الاطلاق عطف قاضيه عليه باعادة الضمير إليه فان الامام غيره لاقاضى له قلنا قد اضطررنا إلى العدول عن ظاهره لما ذكرناه من عدم اعتبار حضور قاضيه وغيره وان اعتبرنا حضور الامام فلا حجة فيه ح وجاز اضافة القاضى إليه بادنى ملابسة لان المحل باب تأويل لامحل تنزيل وباب التأويل متسع خصوصا مع دعاء الضرورة إليه على كل حال وتمنع من كون اطلاق الامام محمولا على السلطان خصوصا مع وجود الصارف وسابعها ان العمل بظاهر الخبر يقتضى ان لا يقوم نائبه مقامه وهو خلاف اجماع المسلمين وهو قرينة اخرى على

[ 69 ]

كون الامام ليس هو المطلق أو محمول على العدد المتقدم أو غيره وثامنها انه معارض بما رواه محمد بن مسلم راوي هذا الحديث في الصحيح عن احدهما عليهما السلام قال سألته عن اناس وقرية هل يصلون الجمعة جماعة قال نعم يصلون اربعا إذا لم يكن فيهم من يخطب ومفهوم الشرط انه إذا كان فيهم من يخطب يصلون الجمعة ركعتين ومن عامة فيمن يمكنه الخطبة الشامل لمنصوب الامام وغيره ومفهوم الشرط حجة عند المحققين وإذا تعارضت رواية الرجل الواحد سقط الاستدلال بها فكيف مع حصول الترجيح لهذا الجانب بصحة طريقه وموافقته لغيره من الاخبار الصحيح وغير ذلك مما قد علم واما الجواب عن الثالث وهو دعوى اجماع الاصحاب على ذلك فتحقيق القول فيه يحتاج إلى بسط ونقل الكلام القوم وبيان الحق في ذلك فانه عمدة الاستدلال ومظهر لشبهة القوية فنقول وبالله التوفيق ان الذى يدل عليه كلام الاصحاب ومدعى الاجماع ان موضع الاجماع المدعى انما هو حال حضور الامام ومع تمكنه والشرط المذكور ح انما هو مع امكانه لا مطلقا في وجوبها عينا لا تخييرا كما هو مدعاهم حال الغيبة لانهم يطلقون القول باشتراطه في الوجوب ويدعون الاجماع عليه اولا ثم يذكرون حال الغيبة وينقلون الخلاف فيه ويختارون جوازها ح استحبابا معترفين بفقد الشرط هكذا عبروا عن المسألة وصرحوا به في الموضعين فلو كان الاجماع المدعى لهم شاملا لموضع النزاع لما ساغ لهم نقل الخلاف بعد ذلك بل اختيار جواز فعلها بدونه وايضا فانهم يصرحون بان شرط للوجوب ثم يذكرون الحكم حال الغيبة ويجعلون الخلاف في الاستحباب فلا يعبرون عن حكمها ح بالوجوب وهو دليل بين على ان الوجوب الذى يجعلونه مشروطا بالامام وما في معناه انما هو حيث يمكن أو في الوجوب العينى حال حضوره بناء منهم على ان ما عداه لا يسمونه واجبا وان امكن اطلاقه عليه من حيث انه واجب

[ 70 ]

تخييري وعلى هذا الوجه يسقط الاستدلال بالاجماع في موضع النزاع لو تم في غيره هذا من حيث الاجمال واما الوجه التفصيلي فيتوقف على نقل كلام مدعى الاجماع وتحرير القول في مراده فلنشرع في نقله ليتبين مطابقته لما ذكرناه في الجواب الاجمالي ويعلم ان ما ذكره المدعى انما هو اخذ باول الكلام واغفال لباقية فنقول اما من صرح بدعوى الاجماع وجعله المرحوم الشيخ على عمدتهم في الاستدلال فاولهم المحقق أبو القاسم جعفر بن سعيد رحمه الله فانه قال في المعتبر مسألة السلطان العادل أو نائبه شرط في وجوب الجمعة وهو قول علمائنا ثم استدل عليه بما ذكرناه سابقا من فعل النبي والخلفاء بعده وبرواية محمد بن مسلم واستدل على اشتراط عدالته بان الاجماع مظنة النزاع ومثار الفتن والحكمة موجبة لجسم مادة الاختلاف ولن يستمر الا مع السلطان العادل إذا الفاسق يسرع إلى بواعث طبعه ومراقي اهوته لا إلى مواضع المصلحة انتهى كلامه والكلام عليه بما اسفناه في مجمل الجواب بان هذا الشرط المدعى عليه الاجماع مع تسليمه انما هو حال حضور الامام أو في وجوبها العينى والذى يوجب ذلك انه قال بعد ذلك لو لم يكن امام الاصل ظاهر اسقط الوجوب ولم يسقط الاستحباب وصليت جمعة إذا امكن الاجتماع والخطبتان ثم استدل عليه برواية الفضل بن عبد الملك قال سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول إذا كان قوم في قرية صلوا الجمعة اربع ركعات فان كان انهم من يخطب جمعوا إذا كانوا خمسة نفرو بالروايات السابقة وهذا كما ترى صريح في جواز فعلها حال الغيبة بدون اذن الامام عملا باطلاق الروايات وان الاجماع الذى ادعاه انما هو حالة الحضور والا لما امكنه مخالفته وان المراد بالوجوب العينى بدليل انه كنى عن حكمها حال الغيبة بالاستحباب ومراده كونه افضل الفردين كما قررناه سابقا وجعل ضابط فما شرط الوجوب ح امكان الاجتماع والخطبتين وقال بعد ذلك في موضع اخر من الكتاب

[ 71 ]

لو كان السلطان جائرا ثم نصب عدلا استحب الاجتماع وانعقدت جمعه واطبق الجمهور على الوجوب لنا انا بينا ان الامام العادل أو من نصبه شرط الوجوب والتقدير عدم ذلك الشرط اما الاستحباب فلما بيناه من الاذن مع عدمه انتهى وهذا ايضا صريح في ان دعوى الاجماع المذكورة انما هي في حالة الحضور وان المراد الوجوب العينى لا التخييري المعبر عنه بالاستحباب وان العدل كاف في امامة الجمعة ح إذ لا يصح ارادة الامام العادل بالعدل المنصوب لاعترافه بفقد الشرط ح وهو حضور الامام العادل أو من نصبه ولان الصلوة معه ح يكون واجبة إذ لافرق بين نصب الجائر له وعدمه في الوجوب فتعين ان المراد به مطلق العدل فقيها كان ام لا وان فعلها حال الغيبة بدون اذنه مأذون فيه من جهة الروايات المذكورة وان لم يكن هناك منصوب من الامام لاعترافه بفقد الشرط ح وهذا كله واضح صريح من العبارة فكيف يجعل دليلا على موضع النزاع ولكن بقى في الكلام شئ وهو ان الامام ان كانت شرطا عنده من حيث الادلة المذكورة فيكف يستدل باطلاق النصوص أو بعمومها على الجواز بدون الشرط إذ ليس في تلك الادلة اشعار بتقييد الشرط بحال حضوره كما لا اشعار لتلك النصوص بان الجواز بدون حضوره أو نائبه مقصور على تعذره بل التحقيق ان تلك الادلة لا يقضى إلى المطلوب من الاشتراط كما قررناه والنصوص الدالة على شرعيتها بل وجوبها مطلقا غير مقيده بحال الغيبة فلاوجه لتقييدها وبقى استدلاله على اشتراط كونه عادلا بما ذكره من ان مادة الاختلاف لا تنحسم الا به إلى اخر ما ذكره فيه مالا يخفى من ان الاجتماع على هذه العبادة المخصوصة ونظائرها لا يتوقف على مثل ما ذكر ضرورة تحقق هذا لاجتماع بل ما هو اعظم منه في جميع الاوقات خصوصا بمنى وعرفات وغيرهما من مجامع العبادات ولم يحصل شئ من تلك المحذورات كما يظهر بادنى تأمل وهذه الجماعة في الصلوة اليومية

[ 72 ]

مشروعه مندوب إليها وان عظم الجمع اضعافا كثيرة لما يحصل به الجمع في الجمعة في كثير من افرادها ولا يعتبر الشارع فيها زيادة على امام يصح الاقتداء به ولا ينظر إلى احتمال الفتنة المذكورة وكذا في غيرها كما لا يخفى والكلام على عبارات العلامة قريب من ذلك فانه قال في التذكرة الجمعة واجبة بالنص والاجماع ثم قال في مسألة اخرى ووجوبها على الاعيان ثم قال يشترط في وجوب الجمعة السلطان أو نائبه عند علمائنا اجمع واستدل عليه بمثل المعتبر من غير تغيير وسياق هذا الكلام وسياقه صريحان في ان الوجوب المدعى شرطية الامام فيه هو العينى حال حضوره ثم قال بعد ذلك وهل للفقهاء المؤمنين حال الغيبة والتمكن من الاجتماع والخطبتين صلوة الجمعة اطبق علماؤنا على عدم الوجوب لانتفاء الشرط وهو ظهور الاذن من الامام واختلفوا في استحباب اقامة الجمعة فالمشهور ذلك واستدل عليه بالاخبار المذكورة كعبارة المعتبر وهذا ايضا كما ترى صريح في ان الاجماع المدعى على الوجوب انما هو على العينى حالة الحضور لانه جعل فعلها حال الغيبة مستحبا وعنى به ما ذكرناه من الواجب التخييري إذا كان بعض افراده افضل من بعض وجعل المشهور استحباب فعلها ح بدون اذن الامام فتبين بذلك ان دعوى الاجماع ليست على حالة الغيبة قطعا وانما هي مختصة بحالة الحضور على الوجوب العينى وانهم لا يسمون حكمها حالة الغيبة وجوبا اصلا بل بالغ العلامة فادعى الاجماع على عدم الوجوب ح وان امكن تسمية وجوبا كما قررناه واوضح من ذلك دلالة في العبارة اعترافه بفقد الشرط ورتب عليه عدم الوجوب ثم حكم بالاستحباب فلو كان الامام أو من نصبه شرطا مطلقا لما امكنه الحكم باستحبابها ح مع اعترافه بفقد الشرط ومن هنا يظهر ظهورا بينا ان الفقيه ليس بشرط ايضا عنده وان مثل به والالزم القول بالوجوب ان تحقق معه الشرط والفاؤه رأسا ان لم تحصل كما

[ 73 ]

لا يخفى وقريب من عبارة التذكرة عبارته في النهاية فلاوجه لذكرها نعم بقى في عبارته فيهما انه جعل مورد الخلاف حال الغيبة في فعل الفقهاء للصلوة لا مطلق المصلين كما فعله في المعتبر وسياتى ان التعبير بذلك لا يفيد الحصر لفظا ودليلا وقال في التذكرة بعد ذلك لو كان السلطان جائرا ثم نصب عدلا استحب الاجتماع وانعقدت جمعة على الاقوى ولا تجب لفوات الشرط وهو الامام أو من نصبه واطبق الجمهور على الوجوب والكلام في هذه العبارة كالكلام في عبارة المعتبر فانه قريبة منها ودالة باطلاقها على الاجتزاء بمطلق العدل وان لم يكن فقيها فهو اجود من العبارة السابقة ومؤيده لكون ذكر الفقهاء وقع سابقا على وجه المثال لا الحصر ثم نقول اللازم من القول بتمشى الاجماع على اشتراط الامام في الصلوة مطلقا في موضع النزاع ان لا يخص بدليل الاخبار لا بالوجوب العينى لان الفقيه ان كان مأذونا بحيث يتحقق معه الشرط لزم كون الوجوب على حد الوجوب الاول والا فما الذى اوجب الفرق وان لم يكن قائما بوظيفة شرطية الامام لم تكن الصلوة معه صحيحة لفقد شرط الصحة كما لا تصح الصلوة لفقد غيره من الشروط المعتبرة فيها من الجماعة والعدد والخطبتين وغيرها لان قاعدة الشرط تقتضي عدم مشروطه بعدمه ولاجل هذا الاشكال ينبغى ان لا يجعل تعبيره بالفقهاء سابقا قيدا ولا شرطا للجواز مضافا إلى انها لاتدل على نفى الجواز عمن عداهم الا بالمفهوم الضعيف ويمكن مع ذلك كون فائدة التخصيص بالفقهاء خصوصية الرد على ابن ادريس المانع من فعلها حال الغيبة استدلالا بفقد الشرط فيه بذكر الفقهاء على منع كون الشرط مفقودا مطلقا ح بحيث ينسد باب فعلها في حال الغيبة كما زعمه المانع فان الفقهاء مأذونون من قبل الامام عليه السلام على العموم فيتحقق الشرط المدعى على تقدير تسليمه والى هذا المعنى اشار العلامة في المخ حيث قال بعد حكاية المنع على ابن

[ 74 ]

ادريس والاقرب الجواز ثم استدل بعموم الاية والاخبار ثم حكى حجة ابن ادريس عن المنع باب شرط انعقاد الجمعة الامام أو من فصبه الامام اجماعا الخ ثم قال في المخ والجواب بمنع الاجماع على خلاف صورة النزاع وايضا فانا نقول بموجبه لان الفقيه المأمون منصوب من قبل الامام الخ انتهى وانت إذا تأملت كلامه وجدته قادحا في الاجماع المدعى اولا وعلى تقدير تسليمه لا يلتزم بسد باب فعلها حال الغيبة كما زعم ابن ادريس لان الفقيه منصوب من قبل الامام على العموم وبهذا يظهر ان ذكر الفقيه لم يقع لبيان الاشتراط وانحصار المشروعية فيه وتؤيد ما اشرنا إليه من اعترافه ح بفقد الشرط ولهذا رتب عليه الحكم بعد الوجوب فكيف يجمع بين الكلامين باشتراط الفقيه الموجب للوجوب الذى هو منفى عنده بالاجماع الذى ادعاه هذا على تقدير حمل الفقيه على معناه الخاص وهو المجتهد ولو حمل على معناه العام المتبادر من معناه عرفا بل شرعا في كثير من الموارد كما بينوه في باب الوقف والوصية وغيرها انسد عنا باب التكليف فم؟ كلامه في المخ الواقع بطريق الرد على ابن ادريس لا يحتمل الا معنى الفقيه الخاص ليكون نائبا عن الامام و يتحقق به بطلان القول بعدم شرعيتها حال الغيبة مطلقا واما كلام التذكرة و النهاية فلا يتعين لذلك لعدم المقتضى له واما الشهيد رحمه الله فانه قال في الذكرى ان شرط وجوبها سبعة الاول السلطان العادل وهو الامام أو نائبه اجماعا ثم اخذ في ذكر شروط أو النائب إلى ان قال التاسع اذن الامام له كما كان النبي صلى الله عليه واله ياذن لائمة الجمعات وأمير المؤمنين عليه السلام وعليه اطبا والامامية هذا مع حضور الامام عليه السلام واما مع غيبته كهذا الزمان ففى انعقادها قولان اصحهما وبه قال معظم الاصحاب الجواز إذا امكن الاجتماع والخطبتان ويعلل بامرين احدهما ان الاذن حاصل من الائمة الماضين عليهم السلام فهو كالاذن من امام الوقت واليه اشار الشيخ

[ 75 ]

في الخلاف ويؤيده صحيح زرارة قال حثنا أبو عبد الله عليه السلام على صلوة الجمعة حتى ظننت انه يريدان ناتيه فقلت نغذوا عليك قال لا انما عنيت عندكم ولان الفقهاء حال الغيبة يباشرون ما هو اعظم من ذلك بالاذن كالحكم والافتاء فهذا اولى والتعليل الثاني ان الاذن انما يعتبر مع امكانه اما مع عدمه فيسقط اعتباره ويبقى عموم القران والاخبار خاليا عن المعارض ثم نقل صحيحة عمربن يزيد السالفة وصحيحة منصور بن جازم يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زاد وان كانوا اقل من خمسة فلاجمعة لهم والجمعة واجبة على كل احد لا يعذر الناس فيها الا خمسة الخ ثم قال والتعليلان حسنان والاعتماد على الثاني انتهى وفى هذه العبارة دلالة واضحة على ان الاجماع المدعى انما هو حاله الحضور واما حال الغيبة فالاكثر على عدم اعتباره وتعليله الاول يشتمل على امرين احدهما ان الاذن حاصل لجميع المكلفين من الائمة الماضين كما تدل عليه الروايات التى اسلفناها فهو كالاذن من امام الوقت وليس المراد منه ان الاذن حاصل للفقيه لوجهين احدهما انه جعله كقول الشيخ في الخلاف واستدل عليه باطلاق خبر زرارة كما حققناه سابقا وعبارة الشيخ في الخلاف دالة على ما قلناه من ان الائمة عليهم السلام اذنوا بمضمون تلك الاخبار للمؤمنين ان يجتمعوا ويصلوا الجمعة كيف اتفق مع الامكان كما يرشد إليه صحيحة منصور بن حازم السابقة وغيرها وسينقل عبارة الخلاف فيما بعد ان شاء الله تعالى لنبين دلالتها على ذلك والوجه الثاني انه عطف الاذن للفقيه على ما ذكره سابقا بقوله ولان الفقهاء يباشرون الخ وهو يقتضى المغايرة بين الامرين والامر الثاني انه على تقدير التنزل والاعتراف بعدم الاذن من الائمة لعامة المؤمنين فهو متحقق للفقهاء بقوله عليه السلام انظروا إلى رجل قد روى حديثنا إلى قوله فانى قد جعلته عليكم حاكما ولهذا يباشرون بهدا الاذن ما هو اعظم من الجمعة

[ 76 ]

كالحكم بين الناس واقامة الحدود وغيرها وبهذين الامرين يحصل الرد على خصوص دعوى ابن ادريس المنع من فعلها نظرا إلى فقد الشرط باثبات وجود الشرط على تقدير تسليمه باحد الامرين الاذن للجميع والاذن للفقهاء فلايتم القول بالمنع نظرا إلى فقد الشرط وتعليله الثاني دال على عدم اعتبار الاذن ح وانه انما يعتبر مع امكانه وهو حالة الحضور نظر إلى عموم الادلة وعدم وجود ما يدل على الاشتراط مطلقا كما حققناه وجعل اعتماده على هذا التعليل واكتفى بامكان الاجتماع والخطبتين وهو دال على ما اخترناه فهؤلاء المذكورون من علمائنا جملة من استند الشيخ على رحمه الله إلى نقلهم الاجماع على اشتراط اذن الامام في شرعية صلوة الجمعة الشامل لموضع النزاع وهو حال الغيبة حتى التجا بسبب ذلك إلى اشتراط حضور الفقيه والا لم يشرع وانت إذا اعتبرت كلامهم وجدته بمعزل عن الدلالة على ذلك بل لا دلالة له اصلا وانما دل على حالة الحضور خاصة وان حالة الغيبة موضع النزاع ومحل الخلاف وان المرجح عندهم عدم اشتراط الاذن بل يكفى امكان الاجتماع مع باقى الشرايط وعبارة الشهيد في البيان قريبة من عبارته في الذكرى في الدلالة على ان الشرط امكان اجتماع من تنعقد بهم الجمعة والخطبتين من غير اعتبار الفقيه وكلامه في الدروس واللمعة قريب من كلام السلامة حيث عبر بالفقهاء كما ان كلام العلامة في كثير من كتبه قريب من كلام المحقق والشهيد في الذكرى والبيان وقد عرفت ان التعبير بالفقهاء لا يدل على حصر الجواز فيه بل ولا يلايم التعبير بفقد الشرط ح وعبارة اللمعة يحتمل معنى اخر وهو قيام الفقيه مقام المنصوب على الخصوص في الوجوب العينى وهذا له وجه وجيه عند من يعتبر في وجوبها اذن الامام أو من نصبه كما علم من مذهب الاصحاب وما عدا هاتين العبارتين من كلام من وقفت عليه من الاصحاب بين مصرح بعدم اشتراط

[ 77 ]

الفقيه وان الشرط مجرد العدد المعتبر مع امام يجوز الاقتداء به وبين مطلق للحكم أو معهم للمؤمنين بحيث يتناول موضع النزاع وسنحكي كلام جماعة ممن وقفنا على كلامهم من الاعيان زيادة في البيان على وجه يبين ان دعوى الاجماع على اشتراط الفقيه ح مجرد حسبان وان هذه الدعوى لو قلبت لقام لمدعيها البرهان فممن عمم الحكم في عبارته شيخنا المتقدم المفيد محمد بن النعمان فانه قال في كتاب الاشراف في عامة فرايض الاسلام باب عدد ما يجب به الاجتماع في صلوة الجمعة عدد ذلك ثمانى عشر خصلة الحريه والبلوغ والتذكر وسلامة العقل وصحة الجسم والسلامة من العمى وحضور المصر والشهادة للنداء وتخلية السرب ووجود اربعة نفر بما تقدم ذكره من هذه الصفات ووجود خامس يؤمهم له صفات يختص بها على الايجاب ظاهر الايمان والطهارة في المولد من السفاح والسلامة من ثلاثة ادواء البرص و الجذام المعيرة بالحدود المشبته لمن اقيمت عليه في الاسلام والمعرفة بفقه الصلوة والافصاح في الخطبة والقران واقامة فرض الصلوة في وقتها من غير تقديم ولا تأخير عنه بحال والخطبة بما يصدق فيه من الكلام فإذا اجتمعت هذه الثمانى عشرة خصلة وجب الاجتماع في الظهر يوم الجمعة على ما ذكرناه وكان فرضها على النصف من فرض الظهر للحاضر في سائر الايام انتهى المقصود من عبارته وهو صريح في ان المعتبر في امام الجمعة هو المعتبر في امام الجماعة عنده على تسهيل في الشرايط ايضا فانه لم يعتبر فيه العدالة الظاهرة كما اعتبره المتأخرون بل اكتفى بظاهر الايمان الكافي في الحكم بالعدالة حيث لا يظهر لها مخالف كما ذهب إليه جماعة من علمائنا المتقدمين ودلت ايضا على ان اذن الامام ليس بشرط مطلقا خلاف ما ادعاه القوم المذكورون واكد ذلك بقوله فإذا اجتمعت هذه الثمانى عشر خصلة وجب الاجتماع في الظهر يوم

[ 78 ]

الجمعة الخ وظاهره ايضا كون الوجوب متعينا مطلقا لان ذلك هو ظاهر اطلاق الوجوب ولانه هو المراد في بعض الاحوال وهو حضور الامام أو من نصبه اجماعا والمفيد رحمه الله لم يفرق في كلامه بين الازمان مطلقا بل جعل الشرط متحدا فيها فاستعماله في الامرين بغير قرينة واثبات الفرق بين الازمان مع اطلاق لفظه غير سديد ثم عقب ذلك بقوله في الكتاب المذكور باب عدد من يجتمع في الجمعة وعددهم خمسة نفر في عدد الامام والشاهدين والمشهور عليه والمتولي لاقامة الحدود فدل كلامه هنا على ان الامام ليس بشرط وان المعتبر حضور قوم بعدد المذكورين لاعينهم وقريب من كلامه رحمه الله عبارة شيخه الصدوق ابى جعفر محمد بن بابويه رضوان الله عليه فانه قال في كتابه المقنع في باب صلوة الجمعة وان صليت الظهر مع الامام بخطبة صليت ركعتين وان صليت بغير خطبة صليتها اربعا وقد فرض الله من الجمعة إلى الجمعة خمسا وثلثين صلوة منها صلوة واحدة فرضها الله في جماعة وهى الجمعة ووضعها عن تسعة عن الصغير والكبير والمجنون والمسافر والعبد والمرئة والمريض والاعمى ومن كان على رأس فرسخين ومن صلاها وحده فليصلها اربعا كصلوة الظهر في سائر الايام انتهى المقصود من عبارته ودلالتها على المراد واضحة من وجوه منها قوله وان صليت الظهر مع الامام الخ فان المراد بالامام حيث يطلق في مقام الاقتداء من يقتدى به في الصلوة اعم من كونه السلطان العادل وغيره وهذه العبارة خلاصة قول الصادق عليه السلام في موثقه سماعه حيث سأله عن الصلوة الجمعة فقال اما مع الامام فركعتان واما من صلى وحده فهى اربع ركعات بمنزلة الظهر يعنى إذا كان امام يخطب فهى اربع ركعات بمنزلة الظهر يعنى إذا كان امام يخطب فإذا لم يكن امام يخطب فهى اربع ركعات وان صلوا جماعة هذا اخر الحديث والمصنف رحمه الله طريقته في هذا الكتاب ان

[ 79 ]

يذكر متون الاحاديث مجرده عن الاسانيد لا يغيرها غالبا وايضا فلا يمكن حمله على السلطان من وجه اخر وهو انه ليس بشرط باجماع المسلمين فان الشرط عند القائل به هو أو من نصبه ولاشك ان منصوبه غيره ومنها قوله تسقط عن تسعة وعدهم وهو مدلول رواية زرارة السابقة الدالة على المطلق فان مفهومها عدم سقوطها من غيرهم فيتناول موضع النزاع ومنها قوله ومن صلاها وحده فليصلها اربعا وهذا عديل قوله سابقا وان صليت الظهر مع الامام ومقتضاه ان من صلاها في جماعة مطلقا يصليها اثنتين كما تقدم ولا تعرض لجميع العبارة باشتراط السلطان العادل ولا في معناه مطلقا وقال الشيخ أبو الصلاح التقى بن نجم الحلبي في كتابه الكافي لا تنعقد الجمعة الا بامام الملة أو منصوب من قبله أو من يتكامل له صفات امام الجماعة عند تعذر الامرين هذه عبارته وهى صريحة واضحة الدلالة على الاكتفاء عند تعذر اذن الامام بصلوة العدد المعتبر مع امام يجوز الاقتداء به في اليومية وليس في عبارات الاصحاب اجلى من هذه ولا ادل على المطلوب ولم ينقل في ذلك خلافا ومع ذلك فترتيبه الامام الصالح للجماعة على تعذر الامام ومنصوبه ليس شرطا زائدا عنده على صلوة الجماعة لانه قال في الكتاب المذكور في باب الجماعة واولى الناس بها امام الملة أو من ينصبه فان تعذر الامر ان لم تنعقد الا بامام عدل الخ فقد ظهر لك ان حكم الجماعة عنده في الصلوتين على حد سواء ومع ذلك فالوجوب عنده عينى مطلقا على ما صرح في كتابه بعد ذلك فانه قال وإذا تكاملت هذه الشروط انعقدت جمعة وانتقل فرض الظهر من اربع ركعات إلى ركعتين بعد الخطبة وتعين فرض الحضور على كل رجل بالغ حر سليم مخلى السرب حاضر بينه و بينها فرسخان فما دونها ويسقط فرضها عمن عداه فان حضرها تعين عليه فرض

[ 80 ]

الدخول فيها جمعة فقد عبر بتعين الحضور في الموضعين الدال على الوجوب المضيق من غير فرق بين حالة حضور الامام وعدمه كما لم يفرق في الاجتزاء بالامام الصالح للجماعة عند عدم حضور الامام ونائبه بين حضور الفقيه وغيره وبهذا يظهر خلاف ما ادعى من الاجماع على الامرين مضافا إلى تايده بالادلة الواضحة عليه كما قد عرفته ومن غريب ما اتفق هنا نقل الشهيد رحمه الله في البيان عن ابى الصلاح القول بعدم شرعيتها حال الغيبة كقول سلار وابن ادريس مع تصريح ابى الصلاح بما ذكرناه وقطعه بالوجوب مطلقا وجعله عينيا والظاهر ان ذكره اتفق سهوا والا فقد نقل في شرح الارشاد عن ابى الصلاح القول بالاستحباب مع جملة القائلين به وكذا نقله عنه العلامة في المخ مبتدئا به حاكيا عبارته التى حكيناها اولا ومع ذلك فنقل الشهيد في الشرح المذكور عن ابى الصلاح القول بالاستحباب ليس بصحيح ايضا لما عرفته من تصريحه بالوجوب العينى و قال القاضى أبو الفتح محمد بن على بن الكراجكى رحمه الله في كتابه المسمى بتهذيب المترين شذ؟ بعد ان ذكر جملة من احكام الجمعة وان العدد المعتبر فيها خمسة ماهذا لفظه وإذا حضرت العدة التى يصح ان تنعقد بحضورها الجماعة يوم الجمعة وكان امامهم مريضا متمكنا من اقامة الصلوة في وقتها وايراد الخطبة على وجهها وكانوا حاضرين امنين ذكورا بالغين كاملين العقول اصحأ وجبت عليهم فريضة الجمعة جماعة وكان على الامام ان يخطب بهم خطبتين ويصلى بهم بعدهما ركعتين الخ وهذه ايضا من العبادات الصريحة في الاكتفاء للجمعة بامام مرضى للجماعة وهى في عمومها لحالة حضور الامام وغيبته كعبارة الشيخ المفيد ودلالتها على الوجوب المتعين ايضا اظهر واما عبارة التقى فدلالتها كذلك وازيد غير انها مقيده بتعذر الامام ومن نصبه كالجماعة عنده كما قد عرفته وقال الشيخ رحمه الله في المبسوط بعد ان ذكر في اول الباب اشتراطها بالسلطان

[ 81 ]

العادل أو من يامره ولا بأس ان يجتمع المؤمنون في زمان التقية بحيث لاضرر عليهم فيصلون بخطبتين فان لم يتمكنوا من الخطبة صلوا جماعة ظهرا اربع ركعات وهذه العبارة ايضا دالة بعمومها على المطلق ومرشدة إلى ما اسلفناه من ان شرطية السلطان العادل في كلامه وكلام غيره مختصة بحال حضوره وهى كعبارة المتأخرين الذين عبروا عن حكمها ح بالجواز حيث ارادوا به معناه الاعم ولكن تزيد عن المتأخرين انه لا يجب حمل نفى البأس في كلامه على الوجوب التخييري كما ذكره بعض المتأخرين بناء على ما صرحوا به من مذهبهم في ذلك واما الشيخ فلما لم يصرح به ولم يكن في نفى البأس زيادة على نفى التحريم كان دالا على الجواز بالمعنى الاعم كما قررناه سابقا ردا على سلار حيث منع من فعلها ح وذلك لا ينافي القول بوجوبها على أي وجه اتفق ولما كان مستنده على نفى البأس الاخبار السابقة كما اشار إليه لم يبعد ارادته منه الوجوب المتعين لدلالة الادلة عليه فيكون كقول غيره من المتقدمين والمعاصرين له بل كقوله في الخلاف فانه ظاهر في الوجوب المتعين ايضا كما ستعرفه وح فحمل المتأخرين له على الجواز بمعنى الوجوب التخييري ليوافق مذهبهم ويجعل من جملة عمل الطايفة غير سديد بل عكسه اولى وقريب من عبارته في المبسوط عبارته في النهاية فانه قال فيها الاجتماع في صلوة الجمعة فريضه إذا حصلت شرايط ومن شرايطه ان يكون هناك امام عادل أو من نصبه الامام للصلوة بالناس ثم قال في اخره إلى باس ان يجتمع المؤمنون في زمان التقية بحيث لاضرر عليهم فيصلوا جماعة بخطبتين فان لم يتمكنوا من الخطبتين جاز لهم ان يصلوا جماعة لكنهم يصلون اربع ركعات الخ فاشتراطه في اول الباب حضور الامام أو نائبه مختص بحال حضوره كما يرشد إليه اخر كلامه حيث جوز صلوة الجمعة لعامة المؤمنين إذا تمكنوا منها حال الغيبة ويظهر من كلامه ايضا ان نفى البأس يراد منه الوجوب

[ 82 ]

حيث قال فان لم يتمكنوا من الخطبة جاز لهم ان يصلوا جماعة الخ فان تعليق جواز الطهر على عدم تمكنهم من الخطبة يؤذن بعدم جوازها لو تمكنوا منها ونفى الباس لا ينافيه لما ذكرناه سابقا وانما عبر بذلك بناء على الغالب من عدم تمكن المؤمنين من اقامة الجمعة بانفسهم بامام منهم كما قررناه سابقا واما عبارة الشيخ في الخلاف فقريبة من عبارته في المبسوط والنهاية مع زيادة تصريح بالوجوب ح فانه قال بعد ان اشترط اذن الامام أو من نصبه فان قيل اليس رويتم فيما مضى من كتبكم انه يجوز لاهل القرايا والسواد والمؤمنين إذا اجتمعوا العدد الذى ينعقد بهم ان يضلوا الجمعة قلنا ذلك ما دون فيه مرغب فيه فجرى مجرى ان ينصب الامام من يصلى بهم انتهى وفى هذه العبارة زيادة تصريح عن العبارتين السابقتين بقيام الاذن العام للمكلفين مقام الاذن الخاص الموجب لوجوب الصلوة عينا وانما جعل ذلك جاريا مجرى اذن الامام نظرا إلى اذنهم عليهم السلام في الاخبار السالفة للمؤمنين في اقامة هذه الصلوة فيكون كنصب امام خاص وإلى هذه العبارة المحكية في الخلاف وما دلت عليه اشار الشهيد في الذكرى في تعليله الاول الذى حكيناه عنه وبينا انه اشتمل على تعليلين هذا احدهما وجعل مأخذه اشارة الشيخ في الخلاف ومن العجيب هنا نقل الشيخ فخر الدين رحمه الله في شرحه عن الشيخ في الخلاف القول بالمنع منها كقول سلار واقتصاره في نقل قوله بالجواز على النهاية مع تصريحه في الخلاف لما ذكرناه من الجواز مبالغا فيه مدعى الاذن من الائمة عليهم السلام كنصبهم اماما خاصا لها الموجب للوجوب المتعين وكذلك صرح به في ط الا ان تركه اسهل من نسبة الخلاف إلى الخلاف وعبارة الشيخ يحيى بن سعيد في الجامع مثل عبارة الشيخ ابى جعفر في كتبه بنفى البأس عن اجتماع المؤمنين حيث يمكنهم الخطبة وقد عرفت مرداه واما عبارة المتأخرين

[ 83 ]

كالمحقق ابى القاسم في كتبه والعلامة في غير الكتابين السابقين وسائر المتأخرين فهى ظاهرة المراد ومتقاربه الدلالة على الجواز ايضا أو الاستحباب مع امكان الاجتماع والخطبتين من غير اشتراط امر اخر ولاوجه لنقلها هنا لاشتهارها ووجود كتبها في ايدى الناس فاقتصرنا على نقل ما يقل وجوده فكيف يتوجه بعد ذلك دعوى مدعى الاجماع على اشتراط الفقيه مطلقا أو اذن الامام مطلقا والحال ان الخلاف لم يتحقق فهل هذا لا مجازفه لا تليق بهذا المقام الجليل والشريعة المطهرة وليس ح لمتعنت ان يقول هذه العبارات مطلقة في تعيين الامام الذى يصلى بهم الجمعة فيمكن حمله على المقيد وهى المأذون له عموما من الامام وهو الفقيه لان ذلك انما يتم حيث يدل دليل على اشتراط اذنه في هذه الحالة وهو منتف على ما حققناه فانه من غير الاجماع مفقود ومنه على تقدير تسليمه متخلف لانهم لم يدعوه إلى حاله الحضور و امكان اذنه ومع ذلك فقد سمعت تصريح كثير بعدم اعتباره مع تعذره صريحا واخرين مطلقين كما اوضحناه وقد تلخص من ذلك ان القائل باشتراط حضور الفقيه حال الغيبة اما قليل جدا بالعناية التامة أو معدوم فان كلا من المعبرين المذكورين بالفقهاء ونحوهم قد صرح بخلاف ذلك في باقى كتبه فيكونان قائلين بما يوافق الباقين لو تنزلنا وقلنا بدلالة عبارتهما المذكورة على الاشتراط مع انك قد عرفت بعدم دلالتها عليه بل عدمه الا بالمفهوم الضعيف مع اعترافهما وغيرهما في هذه الحالة بفقد شرط الوجوب الذى هو حضور الامام أو من نصبه ولولاه لحكموا بالوجوب المعين كما قرروه في جواب العامة الموجبين لها حينئذ على ما عرفت من كلام التذكرة في جوابه للمخالفين فكيف يجتمع اشتراط حضور الفقيه لانه ان كان منصوبا عن الامام على وجه ينادى به هذا الشرط فاللازم القول بالوجوب المتعين

[ 84 ]

لوجود الشرط الذى هو مناط الوجوب وقد جعل فقده حجة على المخالف وان لم يحصل به الشرط نظرا إلى ان المعتبر منصوب الامام على الخصوص لم يكن حضوره معتبرا في الجواز فضلا عن الوجوب بل اما ان ينظر إلى عموم الاوامر كما اعترفوا به ويحكموا بالجواز بل الوجوب واما يحكموا بسقوطها رأسا نظرا إلى فقد الشرط فالقول الوسط مع الاعتراف بفقد الشرط الدال على ان الفقيه غير كاف فيه لاوجه له ح اصلا ورأسا كما لا يخفى فح لو قيل باسقاط هذا القول لما ذكرناه ورد المسألة إلى قولين الوجوب خاصة كما هو المشهور أو عدم الشرعية كما هو النادر كان اوفق بكلامهم واستدلالهم ومع ذلك قد عرفت ان عبارة هذين الشيخين ليست صريحه فيه بل استبطان دليلها مناف له فلا ينبغى ان يجعل لهما في ذلك قول يخالف دليلهما بل يخالف ما عليه الاصحاب بمجرد الاحتمال وعلى هذا فلو قلب الدليل وقيل ان عدم اشتراط حضور الفقيه في جواز الجمعة حال الغيبة اجماعي لكانت هذه الدعوى في غاية المثانة ونهاية الاستقامة ولا يضرها ايضا تصريح الفاضل الشيخ على رحمه الله بالاشتراط لانه انما استند في القول إلى الاجماع الذى فهمه والا فانه لم يذكر عليه دليلا معتبرا غيره وقد ظهر لك ان الامر على خلاف هذه الدعوى وخبر محمد بن مسلم الذى استدل به ايضا على اشتراط الامام لا ينساق هنا لما قررناه وبقى من استدلاله ان الاجتماع مظنة النزاع الذى لا يندفع الا بالامام العادل أو من نصبه وهذا بالاعراض عنه حقيق بل ينبغى رفعه من البين وستره فان اجتماع المسلمين على طاعة من طاعات الله تعالى لو توقف على حضور الامام العادل وما في معناه لما قام للاسلام نظام ولا ارتفع له مقام واين انت على ما ترتب من الاجتماع في ساير الصلوات وحضور الخلق بعرفات وغيرها من القربات وبها يشرف مقامهم ويضاعف ثوابهم ولم يختل نظامهم بل وجدنا الخلل حال وجوده

[ 85 ]

وحضوره اكثر والاختلاف ازيد كما لا يخفى على من وقف على سيرة أمير المؤمنين عليه السلام في زمن خلافته وحاله مع الناس اجمعين وحال غيره من ائمة الضلال وانتظام الامر وقلة الخلاف والشقاق في زمانهم وبالجملة فالحكمة الباعثة على الامام امر اخر وراء مجرد الاجتماع في حال الصلوات وغيرها من الطاعات واعلم انه قد ظهر من كلام بعض المتأخرين ان الوجوب منتف عن هذه الصلوة حال الغيبة وانما يبقى الجواز بالمعنى الاعم والمراد منه استحبابها بمعنى كونها افضل الفردين الواجبين تخييرا عن الجمعة والظهر لا انه ينوى الاستحباب لان ذلك منتف عنها على كل حال باجماع المسلمين بل اما ان يجتمع شرائطها فتجب أو تنتفى فتسقط وقد عرفت ايضا ان هذا الحكم وهو وجوبها تخيير أو ان كان افضل الفردين لا دليل عليه الا ما ادعوه من الاجماع ولم يدعه منهم صريحا سوى ما ظهر من عبارة التذكرة ودونها في الدلالة عبارة الشهيد في الذكرى فانه قال فيها إذا عرفت ذلك فقد قال الفاضلان يسقط وجوب الجمعة حال الغيبة ولم يسقط الاستحباب وظاهرهما انه لو انى بها كانت واجبة مجزية عن الظهر والاستحباب انما هو في الاجتماع أو بمعنى انه افضل الفردين الواجبين على التخيير وربما يقال بالوجوب المضيق حال الغيبة لان قضية التعليلين ذلك فما الذى اقتضا سقوط الوجوب الا ان عمل الطائفة على عدم الوجوب العينى في ساير الاعصار والامصار ونقل الفاضل فيه الاجماع انتهى وفى هذه العبارة مع ما اشتملت عليه من المبالغة اشعار بعدم ظهور الاجماع عنده ومن ثم نسبه إلى الفاضل وقد عرفت مما حكيناه من عبارات من تقدم ما يقدح في الاجماع وعمل الطائفة معا ولعله اشار بقوله ربما يقال بالوجوب المضيق إلى ذلك والظاهر ان عمل الطائفة الذى اشار إليه لايتم الا في المتأخرين منهم أو من بعضهم لا من الطائفة مطلقا لما سمعت من كلام المتقدمين الذين هم عمدة فقهاء الطائفة وما اقتصرت على

[ 86 ]

من ذكرت لخصوصية قولهم في ذلك بل لعدم وقوفي على مصنفاتهم ولا على مافى مصنفات ما ذكرت وفي وجود ما نقلته في ما حضرني من ذلك دليل بين على ان ذلك من الاحكام المفردة عندهم المفروغ منها لان احدا منهم لم ينقل في ذلك خلافا فكيف يتم للمتأخرين الحكم بخلافه ولا يخفى عليك ان مجرد عمل الطائفة على هذا الوجه لا يكون حجة ولا قريبا منها خصوصا مع دلالة الادلة القاطعة من الكتاب والسنة على خلاف ذلك فكيف مع انحصار القول في قليل منهم والقدح في ذلك بمعلومية نسب المخالف ارجح لما عرفت من ان القائل بالوجوب العينى اكثر من القائل بالتخييرى مع اشتراكهما في الوصف وسياتى ما يدلك على فساد هذه القاعدة مطلقا وفى هذا القدر كفاية في تحرير هذا القول والله الموفق الكلام على القول الثالث وهو القول بعدم شرعيتها حال الغيبة مطلقا قد عرفت فيما اسلفناه ان القائل بهذا القول شاذ بالنسبة إلى جملة اصحابنا بل جملة المسلمين وانه منحصر في قائلين وهما سلار وابن ادريس واما غيرهما فان مال إليه في كتاب فقد خالفه في غيره كالمرتضى على ظاهر ما عرفت من كلامه والعلامة حيث مال إليه في المنتهى وفى كتاب الامر بالمعروف من التحرير والشهيد حيث قال في الذكرى ان هذا القول متوجه والالزم الوجوب العينى ومثل هذا لا يعد قولا خصوصا بعد الرجوع عنه في كتاب اخر متأخر عنه واما نقل القول به عن الشيخ في الخلاف فقد عرفت انه ليس بصحيح وكذا نقله عن ابى الصلاح وقد حققناه سابقا وجملة ما احتج به القائلون بهذا القول من ثلاثة اوجه كالقول السابق الاول ان شرط انعقاد الجمعة الامام أو من نصبه لذلك اجماعا كما مر وفى حال الغيبة الشرط منتف فينتفى الانعقاد لامتناع ثبوت الشرط مع انتفاء المشروط الثاني ان الظهر ثابتة في الذمة بيقين فلا يبرء المكلف الا بفعلها الثالث انه يلزم من عدم القول به الوجوب العينى لافضاء الادلة إليه

[ 87 ]

والمسوغون لها لا يقولون به كما اشار إليه في الذكرى والجواب عن الشبهة الاولى بمنع الاجماع على خلاف صورة النزاع وقد عرفت سنده وعلى تقدير تسليمه لا يلزم منه تحريم فعلها حال الغيبة مطلقا كما زعمه هذا القائل فان الفقهاء نواب الامام عليه السلام على العموم بقول الصادق عليه السلام انظروا إلى رجل قد روى حديثنا وعرف احكامنا فارضوا به حاكما فانى قد جعلته عليكم حاكما الحديث وغيره مما في معناه وجعله حاكما من قبله على العموم الشامل للمناصب الجليلة التى هي وظيفة الامام كالقضاء واقامة الحدود وغيرها يدخل فيه الصلوة المذكورة بطريق اولى لان شرطيتها به اضعف ومن ثم اختلف فيها بخلاف هذه المناصب فانها متوقفه على اذنه قطعا لا يقال مدلول الاذن هو الحكم بين الناس ولانه هو موضع سؤال السائل والصلوة خارجة لانا نقول موضع الدلالة كونه منصوبا من قبلهم عليهم السلام مطلقا فيدخل فيه موضع النزاع وان حصل شك في الاطلاق فالطريق ما بيناه من ان ما تناوله النص اقوى من الصلوة ولا يقدح فيه كونه في زمن الصادق عليه السلام لان حكمهم واوامرهم عليهم السلام شامله لجميع الازمان وهو موضع نص ووفاق وكذا لا يقدح كون الخطاب لاهل ذلك العصر لان حكمهم كحكم النبي صلى الله عليه واله على الواحد حكم على الجماعة كما دلت عليه الاخبار ومع هذا كله فعمده الامر عندي على منع الاجماع المذكور على وجه يوجب مدعاهم اما اولا فلانه على تقديره انما وقع حاله الحضور كما حققناه لا على حاله الغيبة فانه موضع النزاع أو الوفاق على عدمه فكيف يساق إليه الاجماع المتنازع واما ثانيا فلمنع تحققه على زمن الحضور ايضا لوجود القادح فيه حتى من يدعيه كما اتفق للعلامة في المختلف فقد حكينا القدح فيه عنه مع دعواه له في غيره وظهور المخالف كما علم من عبارة المتقدمين واما ثالثا فلمنع تحققه على وجه يصلح للدلالة على تقدير عدم

[ 88 ]

ظهور المخالف فان الاجماع عند الاصحاب انما هو حجة بواسطة دخول قول المعصوم في جملة اقوال القائلين والعبر عندهم انما هي بقوله دون قولهم وقد اعترفوا بان قولهم ان ان الاجماع حجة انما هو مشئ مع المخالف حيث انه كلام حق في نفسه وان كانت حيثية الحجية مختلفة عندنا وعندهم على ما هو محقق في محله وإذا كان الامر كذلك فلابد من العلم بدخول قول المعصوم في جملة اقوالهم حتى يتحقق حجية قولهم ومن اين لهم هذا العلم في مثل هذه المواضع مع عدم وقوفهم على خبره عليه السلام فضلا عن قوله واما ما اشتهر بينهم من انه متى لم يعلم في المسألة مخالف أو علم مع معرفة اصل المخالف ونسبه يتحقق الاجماع ويكون حجة ويجعل قول الامام في الجانب الذى لا ينحصر ونحو ذلك مما بينوه واعتمدوه فهو قول مجانب للتحقيق جدا ضعيف المأخذ ومن اين يعلم ان قوله عليه السلام وهو بهذه الحالة من جملة اقوال هذه الجماعة المخصوصة دون غيرهم من المسلمين خصوصا في هذه المسألة فان قوله بالجانب الاخر اشبه وبه اولى لموافقته لقول الله ورسوله و الائمة عليهم السلام على ما قد عرفت ثم متى بلغ قول اهل الاستدلال من اصحابنا في عصر من الاعصار السابقة حدا لا ينحصر ولا يعلم به بلد القائل ولانسبه وهم في جميع الازمان محصورون مضبطون بالاشتهار والكتابة والتحرير لاحوالهم على وجه لا يتخالج معه شك ولا يقع معه شبهه ومجرد احتمال وجود واحد منهم مجهول الحال مغمور في جملة الناس مع بعده مشترك من الجانبين فان هذا ان اثر كان احتمال وجوده مع كل قائل ممكنا ومثل هذا لا يلتفت إليه اصلا وراسا وقد قال المحقق في المعتبر ونعم ما قال الاجماع حجة بانضمام المعصوم فلو خلا المائه من فقهائنا عن قوله لما كان حجة فلا نعتر بمن يتحكم فيدعى الاجماع باتفاق الخمسة والعشرة من الاصحاب مع جهالة قول الباقين الا مع العلم بدخول الامام في الجملة انتهى ومن اين يحصل

[ 89 ]

العلم القطعي بموافقة قوله عليه السلام لاقوال الاصحاب مع هذا الانقطاع المحض والمقاربة الكلية والجهل بما يقوله على الاطلاق من مدة تزيد عن ستمائة سنة وقريب من قول المحقق قول العلامة في نهاية الوصول فانه لما اورد على نفسه انه لا يمكن العلم باتفاق الكل على وجه يتحقق دخول المعصوم فيهم اجاب بان الفرض دخوله فيهم إذ الاجماع انما يتم به فلا يمكن منع دخوله انتهى وبما ذكرناه يحصل الفرق بين قوله مع الجهل بحاله على ما وصفناه وبين قول رجل من علماء المسلمين في اقطار الارض حيث حكم الجمهور بتحقق اجماع المسلمين ولم يقدح فيه احتمال مخالف في بعض الاقطار ولا يعلم ووجه الفرق ان قول هذا البعض في قطر من اقطار الارض مع كونه مجتهدا مطلقا مما يستحيل خفاؤه والجهل بعينه عادة فلو كان ثم من هو بهذه الصفة لظهر للمسلمين ونقل قوله هذا مما يدل عليه العلم العادى قطعا وان حصل شك في العلم فلا اقل من الظن الغالب المتاخم للعلم الكافي في الدلالة على مسألة شرعية حيث ان طرق الفقه كذلك بخلاف قول الامام عليه السلام المجهول عنه ومحله وكلامه في هذه الاعصار المتطاولة بكل وجه فان ادخال قوله مع جملة اقوال قوم معلومين تحكم ظاهر نعم يتوجه العلم بقول المعصوم ودخوله في اقوال شيعته عند ظهوره كما اتفق لابائه عليهم السلام في مسائل كثيرة اتفقت فيها كلمة علماء شيعتهم والروايات بها عنهم كالقول بوجوب مسح الرجلين في الوضوء والمنع من مسح الخفين ومنع العول والتعصيب في الارث ونظاير ذلك واما الفروع التى تجددت حال الغيبة ووقع الخلاف فيها فالرجوع فيها إلى ما ساق إليه الدليل من الكتاب والسنة وغيرهما من الادلة المعتبرة شرعا لا إلى هذه الدعاوى والعارية عن البرهان وهذا ذرء من مقال في هذا المقام وبقى الباقي في الخيال فتنبه له ولا تكن ممن يعرف الحق بالرجال فتقع في مهاوى الضلال واعلم ان هذا البحث كله خارج عن مقصود

[ 90 ]

المسألة وان نفع فيها من وجه لان منشأ الاشكال فيها انما هو حكم اعتبار النائب حال الغيبة وعدمه والاجماع المدعى انما هو حالة الحضور ولا ضرورة بنا إليه وانما نبهنا عليه لكثرة الحاجة إليه في ابواب الفقه في استدلاله فقد زل بواسطته اقدام اقوام واخطأ في الاستدلال به اجلاء اعلام ان اكثرت المطالعة والتنقيب اهتديت عليه والله الموفق والهادي واما الجواب عن الشبهة الثانية بان الظهر ثابتة في الذمة فلا يبرأ لا بفعلها فمن وجوه ا منع كون الظهر ثابتة في الذمة بيقين وهل هو الاعين المتنازع فكيف يجعل دليلا وايضا فان الثابت باصل الشرع هو الجمعة اما الظهر فلاتجب الا مع فواتها أو فقد شرطها فالامر معكوس لان المتيقن الثابت هو الجمعة إلى ان يثبت المزيل نعم يتوجه على الوجوب التخييري حال الغيبة ان يقال ان هذا الفرد من الفردين الواجبين تخييرا وهو الظهر مجزاجماعا على ما زعموه بخلاف الفرد الاخر فانه موضع النزاع وقد عرفت مافى هذا الوجه فانه متوقف على تحقق الاجماع على وجه يكون حجة في رفع ايجاب الجمعة الثابت بالكتاب والسنة والاجماع في الجملة فلا يصح القول بان هذا الفرد مجزاجماعا على هذا هذا الوجه بل الامر بعكسه اولى ب منع كون المكلف لا يبرء الا بفعل الظهر فانه إذا فعل الجمعة على هذا الوجه الذى ذكرناه برئ منها ايضا لما دلت عليه الادلة من شرعيتها والحكم بهذه الادلة قطعي والقطع في كل باب بحسبه ومتى شرعت اجرأت عن الظهر باجماع المسلمين ج على تقدير الترك والاعتراف بعده تيقن برائة الذمة بما ذكر فلا نسلم انه يشترط اليقين ببرائة الذمة بل يكفى الظن المستند إلى الدليل المعتبر شرعا والا لزم التكليف بما لا يطاق وهو هنا حاصل بل ما هو ازيد من ذلك كما قد سمعته والجواب عن الشبهة الثالثة على تقدير تسليم انتفاء الوجوب العينى ان الدلايل المذكورة انما دلت على الوجوب في الجملة اعني الوجوب الكلى المحتمل لكل واحد من اقراره لمنقسم إليها

[ 91 ]

كالعيني والتخييري وغيرهما وان كان ظاهرا في احدها الا ان الصارف عنه موجود وهو الاجماع الذى زعم القائل واى صارف عن هذا الفرد اكبر من الاجماع إذا تم فيحمل على غيره من الافراد والاجماع منحصر في ارادة احد الفردين خاصة العينى أو التخييري فإذا انتفى الاول بقى الاخر هذا على تقدير انسداد باب القول بالوجوب العينى وان قامت عليه الادلة ودلت عليه عبارات الاصحاب لكن قد عرفت ان دليله قائم والقائل به من الاصحاب موجود ودعوى الاجماع على عدم ممنوعه ثم غايته ان نقل اجماع بخبر الواحد وهو غير مفيد هنا لان دليل القائل ح من الاصولين مع ظهور الخلاف فيه انه مقيد للظن المجوز للعمل بمقتضاه وهو منتف هنا خصوصا مع ما قد اطلعنا عليه من خطائهم في هذه الدعوى كثيراو يكفيك في نقل العلامة الاجماع مع ظهور خلافه ما نقله في كثير من كتبه من الاجماع على ان الكعبين هما مفصل الساق والقدم مع ظهور الاجماع على عدمه من جميع الاصحاب بل من المسلمين لان عامه الاصحاب يقولون انه الناتى في وسط القدم عند معقد الشراك والعامة بعضهم يوقل كما قاله الاصحاب والباقون على انه الناتى على يمين القدم وشماله والمفصل لم يقل به سوى هذا الفاضل على ما حققناه في محله ونبه عليه الشهيد في الذكرى وغيره فكيف يحصل الظن بنقل اجماع في مسألة ظاهرة الخلاف واضحة الادلة على ما خالف واما ما اتفق لكثير من الاصحاب خصوصا للمرتضى في الانتصار وللشيخ في الخلاف مع انهما اماميا الطائفة ومقتدياها في دعوى الاجماع على مسائل كثيرة مع اختصاصها بذلك القول من بين الاصحاب أو شذوذ الموافق لهما فهو كثير لا يقتضى الحال ذكره ومن اعجبه دعوى المرتضى في الكتاب المذكور اجماع الامامية وجعله حجة على المخالفين على وجوب التكبيرات الخمس في كل ركعة للركوع والسجود والقيام منهما ووجوب رفع اليدين لها وان اقل التغابن ثمانية عشر يوما وان خيار الحيوان يثبت للمتتابعين

[ 92 ]

معا ان الشفعة تثبت في كل مبيع من حيوان وعروض ومنقول وغيره قابل للقسمة وغيره وان اكثر الحمل سنة ان الهبة جايزة ما لم تعوض وان كانت لذى رحم وان المهر لا يصح زيارته عن خمسمائة درهم قيمتها خمسون دينارا فما زاد عنه يرد إليها وان العقيقة واجبة إلى غير ذلك من المواضع التى اختص هو بالقول بها فضلا عن ان يوافقه فيها شذوذ وفى دعوى الشيخ في كتبه ما هو اعجب من ذلك واكثر لا يقتضى الحال ذكره ولو ضمنا إليه ما ادعاه كثير من المتأخرين خصوصا المرحوم الشيخ على لطال الخطب ومن غريبها دعوى الشيخ على رحمه الله في شرح الالفية الاجماع على ان ناسى الغصب في التوب والمكان لا لا يجب عليه الاعادة خارج الوقت مع ظهور المخالف في ذلك حتى ان الفاضل في القواعد افتى بالاعادة مطلقا كالعالم وفى شرحها للشيخ على قال ان في المسألة ثلثة اقوال الاعادة الاعادة مطلقا وفى الوقت وعدمها مطلقا وكذلك ادعى في شرحه للقواعد الاجماع على ان المستعير لزرع نوع له التخطي إلى المساوى والادون مع ان مختار المحقق في الشرايع فضلا عن غيره المنع من التخطي إلى الاقل ضررا فضلا عن المساوى وكذلك ادعى الاجماع فيه ايضا على ان المساواة لا تبطل بالموت مع ان الشيخ في المبسوط جزم ببطلانها ونسبه إلى علمائنا بعبارة تشعر بالاجماع ولا اقل من الخلاف وفى الشرايع ومختصرها صرح بالخلاف في المسألة ايضا واثبت لك على جميع ما ذكره من ذلك في مؤلفاته ورسالته لطال وفى هذا القدر كفاية فإذا اضفت هذا إلى ما قررناه سابقا كفاك في الدلالة على حال هذا الاجماع ونقله بخبر الواحد المنقول به الاجماع والله يشهد وكفى به شهيد ان الغرض من كشف هذا كله ليس الا بيان الحق الواجب المتوقف عليه لقوة عسر الفطام عن المذهب الذى تالفه الانام ولولاه لكان لنا عنه اعظم ضارف والله تعالى يتولى اسرار عباده ويعلم حقايق احكامه وهو حسبنا ونعم الوكيل ختم ونصيحة انا

[ 93 ]

اعتبرت ما ذكرناه من الادلة على هذه الفريضة المعظمة وما ورد من الحث عليها في غير ما ذكرناه مضافا إليه وما اعده الله من الثواب الجزيل عليها وعلى ما يتبعها ويتعلق بها يوم الجمعة من الوظائف والطاعات وهى نحو مائه وظيفة قد افردنا عيونها في رسالة مفردة ذكرنا فيها خصوصيات يوم الجمعة ونظرت إلى شرف هذا اليوم المذخور لهذه الامة كما جعل لكل امة يوما يقرعون فيه إليه ويجتمعون على طاعته واعتبرت الحكمة الاطية الباعثة على الامر بهذا الاجتماع وايجاب الخطبة المشتملة على الموعظة وتذكير الخلق بالله تعالى وامرهم بطاعته وزجرهم عن معصيته وتزهيدهم في هذه الدنيا الفانية وترغيبهم في الدار الاخرة الباقية المشتملة على مالاعين رأت ولا اذن سمعت ولاخطر على قلب بشر وحثهم على التخلق بالاخلاق الجميلة واجتناب السمات الرذيلة وغير ذلك من المقاصد الجليلة كما يطلع عليها من طالع الخطب المروية عن النبي وامير المؤمنين عليهما السلام وغيرهما من الائمة الراشدين والعلماء الصالحين علمت ح ان هذا المقصد العظيم والمطلب الجليل لا يليق من الحكيم ابطاله ولا يحسن من العاقل اهماله بل ينبغى بذل الهمة فيه وصرف الحيلة إلى فعله وبذل الجهد في تحصيل شرائطه ورفع موانعه ليفوز بهذه الفضيلة الكاملة ويجوز هذه المثوبة الفاضلة وقد روى مضافا إلى ما سبق عن النبي صلى الله عليه واله انه قال من اتى الجمعة ايمانا و احتسابا استأنف العمل وعن ابى عبد الله عليه السلام عن ابيه عن جده قال جاء اعرابي إلى النبي صلى الله عليه واله فقال يا رسول الله انى تهيات إلى الحج كذا وكذا مرة فما قدر لى فقال لى يا قليب عليك بالجمعة فانها حج المساكين وعنه صلى الله عليه واله من غسل واغتسل فبكر وابتكر ودنا وانصت ولم يلغ كان له بكل خطوة كاجر عبادة سنة صيامها وقيامها قيل في تفسيره غسل مواضع الوضوء واغتسل يعنى جسده وبكر

[ 94 ]

في غسله وابتكر يعنى إلى الجامع وعنه صلى الله عليه واله لم يطلع الشمس ولم تغرب على يوم افضل من يوم الجمعة وما من دابة الا وهى يفزع من يوم الجمعة الا الثقلين الانس والجن وعلى كل باب من ابواب المساجد ملكان يكتبان الناس الاول فالاول فكرجل قدم بدنه وكرجل قدم شاة وكرجل قدم طيرا وكرجل قدم بيضة فإذا قعد الامام طويت الصحف وفى حديث اخر نحوه وفى اخره فإذا خرج الامام حضرت الملائكة يستمعون الذكر وعنه صلى الله عليه و اله من توضأ يوم الجمعه واحسن الوضوء ثم اتى الجمعة فدنا واستمع وانصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الاخرى وزيادة ثلثة ايام وعن على عليه السلام انه قال إذا كان يوم الجمعة خرج احلاف الشياطين يزينون اسواقهم ومعهم الرايات و تقعد الملائكة على ابواب المساجد فيكبون الناس على منازلهم حتى يخرج الامام فمن دنا إلى الامام وانصت واسمع ولم يلغ كان له كفل من الاجر ومن دنا من الامام نلغي ولم يستمع كان عليه كفلان من الوزون وقال لصاحبه فقد تكلم ومن تكلم فلا جمعة له ثم قال على عليه السلام هكذا سمعت نبيكم صلى الله عليه واله وروى عبد الله بن سنان قال قال أبو عبد الله عليه السلام فضل الله الجمعة على غيرها من الايام وان الجنان لتزخرف وتزين يوم الجمعة لمن اتاها وانكم تتسابقون إلى الجنة على قدر سبقكم إلى الجمعة وان ابواب السماء لتفتح لصعود اعمال العباد وروى الصدوق باسناده إلى ابى جعفر عليه السلام قال ان الملائكة المقربين يهبطون في كل جمعة معهم قراطيس الفضة واقلام الذهب فيجلسون على ابواب المسجد على كراسي من نور فيكتبون من حضر الجمعة الاول والثانى والثالث حتى يخرج الامام فإذا خرج الامام طووا صحفهم وفى معنى هذه اخبار كثيرة ويكفيك في فضل هذه الصلوة اعتبار واحد وهو ان يوم الجمعة افضل الايام مطلقا كما ورود في صحاح الاخبار وصرح به العلماء الاخبار وروى عن النبي

[ 95 ]

صلى الله عليه واله بطريق اهل البيت عليهم السلام انه قال ان يوم الجمعة سيد الايام تضاعف فيه الحسنات وتكشف فيه الكربات وتقضى فيه الحاجات العظام وهو يوم المزيد لله فيه عتقاء وطلقاء من النار ما دعاه الله فيه احد من الناس وعرف حقه وحرمته الا كان حقا على الله تعالى ان يجعله من عتقائه وطلقائه من النار وما استخف احد بحرمته وضيع حقه الا كان حقا على الله تعالى ان يصليه نار جهنم الا ان يتوب و عن ابى بصير قال سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول ما طلعت الشمس بيوم افضل من يوم الجمعة وفى معناه اخبار كثيرة دلت على انه افضل الايام مطلقا وقد وردت ايضا بان الصلوة اليومية من بين العبادات بعد الايمان افضل مطلقا وناهيك فيه بما رواه معوية بن وهب في الصحيح قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن افضل ما يتقرب به العباد إلى ربهم واحب ذلك إلى الله عزوجل ما هو فقال ما اعلم شيئا بعد المعرفة افضل من هذه الصلوة الا ترى إلى العبد الصالح عيسى ابن مريم عليها السلام قال واوصاني بالصلوة والزكوة مادمت حيا وورد ايضا ان افضل الصلوات اليومية الصلوة الوسطى التى خصها الله تعالى من بينها بالامر بالمحافظة عليها بعد ان امر بالمحافظة على سائر الصلوات المقتضى لمزيد العناية بها وشدة الاهتمام بفعلها و اصح الاقوال ان الصلوة الوسطى هي صلوة الظهر وصلوة الظهر يوم الجمعة هي صلوة الجمعة على ما تحقق أو هي افضل فرديها على ما تقرر وقد ظهر من جميع هذه المقدمات القطعية ان صلوة الجمعة افضل الاعمال الواقعة من المكلفين بعد الايمان مطلقا وان يومها افضل الايام فكيف يسع الرجل المسلم الذى خلقه الله تعالى لعبادته وفضله على جميع بريته وبين له مواقع امره ونهيه وعرضه بذلك للسعادة الابدية والكمالات النفسية السرمدية وارشده إلى هذه العبارة المعظمة السنية ودله على

[ 96 ]

مثوبتها العلية ان يتهاون في هذه العبادة الجليلة ويضيع هذه الجوهرة الاثيلة التبيلة أو يتهاون بحرمه هذا اليوم الشريف والزمن المنيف ويصرفه في البطالة وما في معناها فان من قدر على اكتساب دره يتيمة قيمتها مأتة الف دينار مثلا في ساعة حفيفة فاشتغل عنها باكتساب خرقه قيمتها فلس يعد عند العقلاء من جملة السفهاء الاغنياء واين نسبة الدنيا باسرها إلى ثواب صلوة فريضة واحدة مع ما قد استفاض بطريق اهل البيت عليهم السلام ان صلوة فريضة افضل من الدنيا وما فيها وان صلوتها خير من عشرين حجة وحجة خير من بيت ذهب يتصدق به حتى يفنى الذهب فما ظنك بفريضة هي اعظم الفرايض وافضلها هذا على تقدير السلامة من العقاب والابتلاء بحرمان الثواب فكيف بالتعرض لعقاب ترك هذه الفريضة العظيمة والتهاون في حرمتها الكريمة مع ما سمعت من توعد الله تعالى ورسوله وائمته عليهم السلام بالخسران العظيم والطبع على القلب والدعاء عليهم من تلك النفوس الشريفة بما سمعت إلى غير ذلك من الوعيد وضروب التهديد على ترك الفرائض مطلقا فضلا عنها وتعلل ذوى الكسالة واهل البطالة المتهاونين بحرمة الجلالة في تركها بمنع بعض العلماء من فعلها في بعض الحالات مع ما قد عرفت من شذوذه وضعف دليله معارض بمثله في الامر بها والحث عليها والتهديد لتاركها من الله ورسوله وائمته والعلماء الصالحين والسلف الماضين ويبقى بعد المعارضة ما هو اضعاف ذلك فاى وجه لترجيح هذا الجانب مع خطره وضرره لولا قلة التوفيق و سوء الخذلان وخدع الشيطان نسأل الله تعالى بفضله ورحمته ان نبهنا؟ من مراقد الغفلة على الاعمال الموجبة لمرضاته ويجعل ما بقى من ايام المهلة مقصورا على افضل طاعاته وقد بنيت من حق هذه الصلوة ما قد عرفت واديت فيها من حق امانة العلم ما امرت وما على الا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه

[ 97 ]

انيب وحسبنا الله ونعم الوكيل وليكن هذا اخر مانمليه في هذه الرسالة حامدين الله تعالى مصلين على صاحب الرسالة محمد النبي المصطفى واله الاطهار فرغ من تسويدها مؤلفها الفقير إلى عفو الله تعالى زين الدين بن على بن احمد الشامي العاملي غره شهر ربيع الاول المنتظم في سلك سنة اثنين وستين و تسعمائة هجرية حامدا مسلما مصليا لتغفرا المصنف رحمه الله تعالى وجعل الجنة مثواه اعلم ان البحث في هذه المسألة وقع من عشرة اوجه الاول اثبات مشروعية الجمعة حال الغيبة والرد على من منع منها الثاني اثبات وجوبها الثالث كون وجوبها عينا أو تخيير أو ترجيح الحق في كل منها الرابع ان الوجوب المذكور هل يتوقف على اذن الامام ام لا الخامس انه على تقدير توقفه هل يتوقف على اذن الفقيه حال الغيبة ام لا السادس الرد على من ادعى الاجماع على اشتراط الفقيه وبطلان دعويه السابع الرد على من ادعى الاجماع على سقوط الوجوب العينى ح وبطلان دعواه الثامن الكلام على القاعدة المشهورة من ان مخالف الاجماع إذا كان معلوم النسب لا يقدح فيه التاسع الكلام على دعوى كون الاجماع المنقول بخبر الواحد جحة وبيان فسادها مطلقا العاشر التنبيه على ان خطاء كثير من الفضلاء في هذه الدعوى اقتضى انصراف الظن عن صدق الخبر المذكور الذى هو مناط الحجية والبحث في هذه المواضع العشرة خلاف المشهور فيتوقف التصديق بها على امعان النظر وعزل داعية الهوى والمين وتقليد السلف من البين وطلب الحق الذى هو ضالة المؤمن واتباعه حيث وجده والاعتماد في ذلك كله هو على الله تعالى وهو حسبنا وكفى والحمد لله وحده قد فرغ من تحرير هذه الرسائل الشريفة وصلى الله على محمد وآله العبد الجاني محمد حسن الجرفاذقانى في شهر ذي حجة الحرام 1312

[ 98 ]

للمصنف ايضا رحمه الله تعالى وجعل الجنة منزلة ومنوا بسم الله الرحمن الرحيم مقالة في الحث على صلوة الجمعة ارسلتها إلى المؤمنين بالتماس بعض الاصحاب اعلم ان صلوة الجمعة من اعظم فرايض الاسلام وافضل العبادات بعد الايمان خص الله تعالى بها هذا الامة الكريمة وجعلها في ذلك اليوم الشريف من اجل مننه الجسيمة جامعة بين وظيفة الصلوة والذكر والموعظة واستماعها الموجبة لصفاء القلوب والانبعاث على التقوى والبعد عن معصية الله تعالى وقد خص الله تعالى كل ملة بيوم من الاسبوع يتقرب فيه إليه بما شرع لهم من الدين وجعل هذه الصلوة في هذا اليوم خاصة للمسلمين وقد وقع عليها مع ذلك من الحث العظيم وتاكيد الامر من الكتاب والسنة ما لا يوجد في غيرها من العبادات قال الله تبارك وتعالى في محكم كتابه الكريم يا ايها الذين امنوا إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون وفى هذه الاية من ضروب التأكيد عليها مالا يقتضى الحال بسطه لكثرته ودقة مأخذه وامر النبي صلى الله عليه واله وسلم بقرائة هذه السورة يوم الجمعة في ساير الصلوات خصوصا صلوة الجمعة ليتدبر السامع لهذا الامر وينبعث على العمل بمقتضاه واعاد التأكيد عليها في سورة المنافقين المأمور بقرائتها فيها ايضا فقال بعد ان سماها ذكر الله تعالى في السورة السابقة يا ايها الذين امنوا لاتلهكم اموالكم ولا اولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فاولئك هم الخاسرون فتأمل كيف جمع بين الامر بفعلها والحث عليه في السورة الاولى ثم شفعه بالنهي عن الاشتغال عنها والتهديد على تركها في السورة الثانية ووصف التارك لها بالخسران الذى وصف به الكافرين والظالمين في مواضع كثيرة

[ 99 ]

من القران الكريم وفى هذا كفاية للمتبصر وبلاغ للمتدبر وقال تعالى حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى فحص الصلوة الوسطى بالامر بالمحافظة عليها من بين الصلوات والذى عليه المحققون انها صلوة الظهر في غير يوم الجمعة وفيها هي الجمعة بل قال جماعة من العلماء انها هي الجمعة لاغير واماما ورد من الحث عليها من السنة المطهرة فكثير لا يكاد ينحصر فمنه قول النبي صلى الله عليه واله الجمعة حق على كل مسلم الا اربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبى أو مريض وقوله صلى الله عليه واله اعلموا ان الله تعالى قد افترض عليكم الجمعة فمن تركها في حيوتى أو بعد موتى وله امام عادل استخفافا بها أو جحودا لها فلاجمع الله شمله ولا بارك له في امره الاو لاصلوة له الا ولا زكوة له الا ولاصوم له الا ولا بر له حتى يتوب وروى محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام انه قال من ترك الجمعة ثلث جمع متواليه طبع الله على قلبه وعن ابى عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال ان للجمعة لحقا وحرمة فاياك ان تضيع أو تقصر في شئ من عبادة الله تعالى والتقرب إليه بالعمل الصالح وعنه عليه السلام فضل الله الجمعة على غيرها وان الجنان لتزخرف وتزين يوم الجمعة لمن اتاها وانكم لسابقون إلى الجنة على قدر سبقكم إلى المسجد للصلوة وان ابواب الجنان لتفتح لصعود اعمال العباد وان الملائكة لتقف على ابواب المساجد وما يديهم اقلام الفضة وقراطيس الذهب يكتبون الاول فالاول حتى يصعد الامام إلى المنبر فبطوون الصحف ويدخلون مع الناس يستمعون الخطبة وعنه عليه السلام قال ان الله عزوجل فرض في كل سبعة ايام خمسا وثلثين صلوة منها صلوة واجبة على كل مسلم ان يشهدها الا خمسة المريض والمملوك والمسافر والمراة والصبى وعنه عليه السلام قال جاء اعرابي إلى النبي صلى الله عليه واله يقال له

[ 100 ]

قليب فقال يا رسول الله صلى الله عليه وآله انى تهيأت إلى الحج كذا وكذا مرة فما قدر لى فقال لى ياقليب عليك بالجمعة فانها حج المساكين فهذه نبذة يسيرة مما ورد في الكتاب والسنة من الحث عليها وفى بعضه كفاية لمن تدبره ويكفيكم في فضلها من جهة الاعتبار ما وردت به الاخبار واتفق عليه العلماء الاخبار من ان افضل الاعمال الصالحة بعد الايمان هو الصلوة وان اليومية من بينها افضل افرادها اوان الوسطى افضل اليومية وهى صلوة الظهر في غير الجمعة والجمعة فيها ولو قيل هي الظهر مطلقا فالجمعة افضل منها على ما تحقق في محله فيكون الجمعة افضل اعمال المؤمنين بعد الايمان مطلقا وفى هذا القدر كفاية بل فيه غاية المزيد وعينه لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد فكيف يسمع المسلم بعد ما طرق سمعه هذه الاوامر ان يهمل هذه الفريضة العظيمة ويضيع هذا اليوم الشريف الذى خص الله تعالى به المسلمين ويصرفه في امور الدنيا بل في البطالة والخسارة ما هذا الا دليل على ضعف الايمان ووهن اليقين وتلبيس ابليس اللعين ومداخله الخفية على المؤمنين ويخدعهم بقول بعض العلماء انها مشروطة باذن الامام أو من نصبه ونحو ذلك وهذا قول ضعيف لا يعذر معتمده عند الله تعالى في هذا الزمان وخصوصا بعد ما قد اوردناه من الاوامر المطلقة التى لم يرد لها مقيد معتبر عند من تبصر وماذا يكون جوابكم لله تعالى يوم الحساب ونقاشه المتعصب للعذاب إذا قال لكم قد امرتكم بهذه الفريضة العظيمة في محكم كتابي المجيد الذى لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد وما اكتفيت لكم بذلك حتى حثيتكم عليها على السنة وسلى وخلفائهم وبما قد اسمع من كان حيا افيقبل منكم ان تقولوا سمعنا من بعض الناس انها غير واجبة افيقصر عندكم

[ 101 ]

قول الله ورسوله وخلفائه وعلماء المسلمين عن قول بعض الناس وهب ان الله تعالى لم يؤكد الحث عليها بما ذكرناه اليس قول بعض الناس معارض بقول سائر المسلمين على وجوبها على الوجه الذى بيناه نسال الله تعالى العصمة والعفو والرحمة ونستمد منه المعونة على اداء حقه وامتثال امره وها انا قد اديت الامانة ونصحت بما يجب على وما على الا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد واله وصحبه و سلم تمت الرسالة الشريفة في سنة 1312 بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله مطلع من اختار من عباده الابرار على حقايق الاسرار ومودع قلوب اصفيائه من لطائف المعارف ماتحار فيه البصائر والابصار وجاعل القلوب سببا للنجاة وموضعا للمناجات والمبار وذريعة إلى ارتفاع الدرجات وتفاوت مراتب العبادات في قبول طوالع الانوار من مطلع المسار فتح بما تيح الغيوب اقفال القلوب عمن شاء واختار ورفع حجب السرائر وجلى ابصار البصائر ففهمت الاشارات ورفعت الاستار فدهشت في مبادى اشراق نوره الاقداح والانظار والصلوة على نبيه وحبيبه ومعدن سره محمد النبي المختار وعلى اله الائمة الابرار وصحبه الاخيار صلوة دائمة بدوام الليل والنهار اما بعد فان روح السعادة وبهجتها وروح العبادة و مهجتها وموجب تلقيها بايدى القبول والاحسان ومضاعفه الثواب بها في دار الجنان

[ 102 ]

والتسبب بها إلى مالاعين رأت ولا اذن سمعت ولاخطر على قلب بشر و الانتساب بها إلى عالم الملكوت والملائكة الغرر وتلقى الفيض من عالم الغيب والشهادة وايجاب القليل منها لعظيم الزيادة انما يتم بالاقبال بالقلب في افعالها وحركاتها وسكناتها على الله تعالى والتفكر في اسرارها وتقلب النفس حالاتها حسب اختلاف اوضاعها واطوارها فانها تارة قصد واخلاص وانقطاع واختصاص وتارة تكبير لله تعالى وتمجيد وثناء وتحميد وتارة دعاء وابتهال واخرى خضوع وتشاغل بحضرت ذى الجلال وتارة خشوع وتململ على التراب بين يدى رب الارباب وتارة تجديد عهد بكلمة التوحيد وتقرير الاسلام وتذكير بالعهد القديم المأخوذ على الانام وتارة تحية لمقربى حضرته بلفظ السلام إلى غير ذلك من دقايق الحقايق التى تظهر للمصلى بفكره الصادق ومن ثم كانت الصلوة ناهية عن الفحشاء موجبه للقرب والزلفى كما نطق به القران الحكيم وردت به الاخبار عن النبي صلى الله عليه واله عليهم افضل الصلوة واكمل التسليم وح فلابد للمكلف المستيقظ من الاقبال بقلبه عليها والتفكر في اسرارها والتادب بادابها والا كانت بمنزلة الجسد من غير روح والشجرة من غير ثمرة والعمل من غير غاية وقد ذكرنا في هذه الرسالة نبذة من اسرارها وزبدة من ادابها واكثرها قد وردت به النصوص عن اهل الخصوص عليهم افضل الصلوة واكمل التحيات وبمراعاتها يرتقى القابل من مدارجها إلى معارج الاسرار والتجليات وهذه الامور وان كانت متفرقة في تضاعيف النصوص وكلام الكاملين من العلماء العاملين لكن لا يكاد يجتمع اطرافه الاعند قليل من الا ماجدو لا يطلع على معادنه الا واحد بعد واحد فشاركتهم في مثوبته بجمع اطرافه ومبانيه وتهذيب ترتيبه وتقريب معانيه وصارت مع ذلك مقررة للرسالتين الشريفتين اللتين اشتملت احديهما على واجبات الصلوة

[ 103 ]

وهى الالفية والاخرى على مندوباتها وهى النفلية وهذه على اسرارها القلبية وسميتها بالتنبيهات العلية على وظائف الصلوة القلبية ورتبتها ترتيب القادمة على مقدمة وفصول ثلثة وخاتمة اما المقدمة فتشتمل على ثلثة مطالب الاول في تحقيق معنى القلب الذى ينبغى احضاره في اوقات العبادات وبسببه بتفاوت مراتب العبادات في الدرجات اعلم ان القلب يطلق على معنيين احدهما اللحم الصنوبرى الشكل المودع في الجانب الايسر من الصدر وهو لحم مخصوص وفى باطنه تجويف وفى ذلك التجويف دم اسود وهو منبع الروح ومعدنه وهذا المعنى من القلب موجود للبهائم بل للميت وليس هو المراد في هذا الباب ونظائره والمعنى الثاني لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق وتلك اللطيفة هي المعبر عنها بالقلب تارة وبالنفس اخرى وبالروح اخرى وبالانسان ايضا وهى المدرك العالم العارف وهى المخاطب و المعاتب ولها علاقة مع القلب الجسدنى أو قد تحير عقول اكثر الخلق في ادراك وجه علاقته وان تعلقه به يضاهى تعلق الاعراض بالاجسام والاوصاف بالموصوفات أو أو تعلق المستعمل للالة بالالة أو تعلق المتمكن بالمكان وشرح ذلك يخرج من غرض الرسالة وحيث يطلق القلب في الكتاب والسنة فالمراد منها هذا المعنى الذى يفقه ويعلم وقد يكنى عنه بالقلب في الصدر كما قال الله تعالى فانها لاتعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التى في الصدور وذلك لما عرفت من العلاقة الواقعة بينه و بين جسم القلب فانها وان كانت متعلقة بساير البدن ومستعملة له ولكنا يتعلق به بواسطة القلب فتعلقها الاول بالقلب ومكانه محله ومملكته وعالمه ومطيته ولذلك شبه بعض العلماء القلب بالعرش والصدر بالكرسي واراد به انه مملكته والمجرى الاول لتدبيره وتصرفه فهما بالنسبة إليه كالعرش والكرسي بالنسبة إلى الله تعالى ولا يستقيم

[ 104 ]

هذا التشبيه الا من بعض الوجوه كما لا يخفى وهذا المعنى من القلب في الجسد بمنزلة الملك وله فيه جنود واعوان واضداد واوصاف وله قبول للاشراف والظلمة كالمرأة الصافية التى تقبل انطباع الصور والاشكال المقابلة لها وتقبل الظلمة والفساد والبعد عن الاعداد لذلك بسبب العوارض الخارجية المنافية لجوهرها وربما وصل اشراقه واستنارته إلى حد يحصل فيه جلية الحق وننكشف فيه حقيقة الامر المطلوب والى مثل هذا القلب الاشارة بقوله صلى الله عليه واله إذا اراد الله بعبد خيرا جعل له واعطا من قلبه وبقوله صلى الله عليه واله من كان له من قلبه واعظ كان عليه من الله حافظ ومثال الاثار المذمومة الواصلة إليه المانعة له من الاستنارة وقبول الاسرار مثال دخان مظلم يتصاعد إلى مراة ولا يزال يتراكم عليه مرة بعد اخرى إلى ان يسود ويظلم ويصير بالكلية محجوبا عن الله تعالى وهو الطبع والرين اللذين اشار الله تعالى اليهما في قوله ان لو نشاء اصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ربط عدم السباع والطبع بالذنوب كما ربط السماع بالتقوى في قوله تعالى واتقوا الله واسمعوا واتقوالله ويعلمكم الله وقال الله تعالى كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون فمهما تراكمت الذنوب طبع على القلب وعند ذلك يعمى عن ادراك الحق و صلاح الدين ويتهاون بالاخرة ويستعظم امر الدنيا ويصير مقصورا لهم عليه وإذا قرع سمعه امر الاخرة وما فبها من الاحظار دخل من اذن وخرج من الاخرى ولم يستقر في القلب ولم يحركه إلى التوبة والتدارك وهذا هو معنى اسوداد و القلب بالذنوب كما نطق به القران والسنة كما في قوله صلى الله عليه واله قلب المؤمن اجرد فيه سراج يظهر وقلب الكافر اسود منكوس وقول الباقر عليه السلام ان القلوب ثلثة قلب منكوس لا يعي شيئا من الخير وهو قلب الكافر وقلب فيه نكتة سوداء فالخير والشر فيه يختلجان فايهما كانت منه غلب عليه وقلب مفتوح فيه مصابيح تظهر لا يطفاء نوره

[ 105 ]

إلى يوم القيمة فانظر إلى قوله عليه السلام لا يطفى نوره إلى يوم القيمة فان هذا حكم نور القلب بالمعنى الثاني لانه باق وان خرب البدن بخلاف الاول كما حقق في موضع اخر وروى زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال ما من عبد الا وفى قلبه نقطة بيضاء فان اذنب ذنبا خرج في النكتة نكتة سوداء فان تاب ذهب ذلك السواد وان تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطى البياض فإذا اعطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير ابدا وهو قول الله عزوجل كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون وقال الله تعالى ان الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذاهم مبصرون فاخبر ان جلاء القلب يحصل بالذكر وان المتقين هم المتذكرون فالتقوى باب الذكر والذكر باب الكشف و الكشف باب الفوز الاكبر واعلم ان القلب مثاله مثال حصن والشيطان عدو يزيد ان يدخل الحصن ويملكه و يستولى عليه ولا يقدر على حفظه تحصن من العدوالا بحراسة ابواب الحصن ومداخله و مواقع تهمه فينبغي الاهتمام بمعرفة ذلك وتفصيله مما يطول الكلام فيه ويخرج عن الغرض والامر الجامع له الاقبال على الله تعالى وتخييل انك واقف بين يديه فان لم تكن تراه فانه يراك كما ورد في الخبر فان اشعرت بذلك وتحققته وعملت به انسدت الابواب دون وساوس اللعين واقبل القلب على الله تعالى وتفرغ للعبادة وقد ورد عن النبي صلى الله عليه واله ان العبد إذا اشتغل بالصلوة جاءه الشيطان وقال له اذكر كذا اذكر كذا حتى يضل الرجل ان يدرى كم صلى ومن هنا ظهر لك ان مجرد التلفظ بالذكر باللسان ليس هو الزاجر للشيطان بل لابد معه من عمارة القلب بالتقوى و تطهيره من الصفات المذمومة التى هي اعوان ابليس وجنون والا فالذكر من اقوى مداخل الشيطان وكذلك غيره من العبادات ولذلك قال الله تعالى ان الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذاهم مبصرون فخصص ذلك بالمتقي و

[ 106 ]

وتامل انت في منتهى ذكرك وعبادتك وافضل اعمالك وهو الصلوة فليس الخبر كالعيان فراقب قلبك إذا كنت في الصلوة كيف تتجاذبه الشيطان في الاسواق والبساطين وحساب المعاملين وجواب المعاندين وغيرهم وكيف يمر بك في اودية الدنيا ومهالكها حتى انك لا تتذكر ما نسيته من فضول الدنيا الا في صلوتك ولا يزدحم الشيطان على قلبك الا إذا صليت فلاجرم لا يطرد عنك الشيطان بمجرد صورة العبادة وان تادى بها الواجب عليك وخرجت من عهدة الالهى بل لابد في دفعه مع ذلك من اصول اخر واصلاح الباطن من الرذايل التى هن اعوانه وجنده والا لم يزد الا ضررا كما ان الدواء قبل الاحتماء لا يزيد المريض الا مرضا والما ثم بعد ذلك يتصف بالفضايل وح يصير قلبه قابلا للاقبال مشفقا من التفريط والاهمال قال الله تعالى الا بذكر الله تطمئن القلوب فاجعل هذه العلامة بينك وبين استقامة قلبك واقباله اوقفنا الله واياك على بساط الاستقامة بمحمد واله ولنقتصر من بحث القلب على هذا القدر ومناسبة للاختصار المطلب الثاني في الاستشهاد على ما ينبغى من احضار القلب في حال العبادة سيما الصلوة التى هي عمود الدين وراس الاعمال قال الله تعالى الذينهم في صلوتهم خاشعون وقال الله تعالى فويل للمصلين الذينهم عن صلوتهم ساهون ذمهم على الغفلة عنهما مع كونهم مصلين لا لانهم سهوا عنها وتركوها وقال الله تعالى والذين يؤتون ما اتوا وقلوبهم وجلة أي يفعلونه في حال وجل قلوبهم والاتصاف بالوجل حالة العمل مستلزم لحضور القلب على اتم وجه وقال النبي صلى الله عليه واله الصلوة ميزان من وفى استوفى وقال النبي صلى الله عليه واله ا عبد الله كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك وقال صلى الله عليه واله في فضل اتمامها ان الرجلين من امتى يقومان في الصلوة وركوعهما وسجودهما واحد وان مابين صلوتيهما

[ 107 ]

مابين السماء والارض وقال النبي صلى الله عليه واله اما يخاف الذى يحول وجهه في الصلوة ان بحول الله وجهه وجه حمار وقال صلى الله عليه واله من صلى ركعتين لم يحدث فيهما نفسه بشئ من الدنيا غفر الله له ذنوبه وعنه صلى الله عليه واله من حبس نفسه في صلوة فريضة فاتم ركوعها وسجودها وخشوعها ثم مجد الله عزوجل وعظمه وحمده حتى يدخل وقت صلوة فريضة اخرى لم يلغ بينهما كتب الله له كاجر الحاج المعتمر وكان من اهل عليين وعنه صلى الله عليه واله ان من الصلوة لما يقبل نصفها وثلثها وربعها وخمسها إلى العشر وان منها لما تلف كما بلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها وان مالك من صلوتك الا ما اقبلت عليه بقلبك وعن ابى جعفر عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه واله إذا قام العبد المؤمن في صلوته نظر الله إليه أو قال اقبل الله عليه حتى ينصرف واظلته الرحمة من فوق راسه إلى افق السماء والملائكة تحفه من حوله إلى افق السماء ووكل الله به ملكا قائما على رأسه يقول ايها المصلى لو تعلم من ينظر اليك ومن تناجى ما التفت ولازلت من موضعك ابدا وقال الصادق عليه السلام لا يجتمع الرغبة والرهبة في قلب الا وجبت له الجنة فإذا صليت فاقبل بقلبك على الله عزوجل فانه ليس من عبد مؤمن يقبل بقلبه على الله عزوجل في صلوته ودعائه الا اقبل الله عليه بقلوب المؤمنين وايده مع مؤدتهم اياه بالجنة وعن ابى حمزة الثمالى قال رايت على بن الحسين عليه السلام يصلى فسقط رداؤه عن منكبه فلم يسوه حتى فرغ من صلوته قال فسألته عن ذلك فقال ويحك اتدرى بين يدى من كنت ان العبد لا يقبل منه صلوة الا ما اقبل فيها فقلت جعلت فداك هلكنا فقال كلا اف الله يتم ذلك بالنوافل وعن الفضيل بن يسار عن ابى جعفر وابى عبد الله عليهما السلام انهما قالا ان مالك من صلوتك الا ما اقبلت عليه فيها فان اوهمها كلها أو غفل عن ادابها لفت فضرب بها وجه صاحبها وروى

[ 108 ]

زرارة عن ابى جعفر عليه السلام قال إذا قمت في الصلوة فعليك بالاقبال على صلوتك فان مالك منها الا ما اقبلت عليه بقلبك ولا تعبث فيها بيدك ولا براسك ولا بلحيتك و لاتحدث نفسك ولا تتثاب فيها ولا تتمطى الحديث وروى الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام قال إذا كنت في صلوتك فعليك بالخشوع والاقبال على صلوتك فان الله تعالى يقول والذينهم في صلوتهم خاشعون وعنه صلى الله عليه واله قال كان على بن الحسين عليه السلام إذا قام إلى الصلوة تغير لونه فإذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفض عرقا وكان عليه السلام إذا قام في الصلوة كانه ساق شجرة الا يتحرك منه الا ما حركت الريح منه وعن ابى جعفر عليه السلام قال ان اول ما يحاسب به العبد الصلوة فان قبلت قبل ما سواها ان الصلوة إذا ارتفعت في وقتها رجعت إلى صاحبها وهى بيضاء مشرفة تقول حفظتني حفظك الله وإذا ارتفعت في غير وقتها بغير حدودها رجعت إلى صاحبها وهى سوداء مظلمة تقول ضيعتني ضيعك الله وروى العيص بن القاسم عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال والله انه لياتى على الرجل خمسون سنة وما قيل الله منه صلوة واحدة فاى شئ اشد من هذا والله انكم لتعرفون من جيرانكم واصحابكم من لو كان يصلى لبعضكم ما قبلها منه لاستخفافه بها ان الله عزوجل لا يقبل الا الحسن فكيف يقبل ما يستخف به وعن ابى الحسن الرضا عليه السلام ان أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول طوبى لمن اخلص لله العبادة والدعاء ولم يشغل قلبه بما تراه عيناه ولا ينس ذكر الله بما تسمع اذناه ولم يحزن صدره بما اعطى غيره وروى سفيان بن عيينه عن ابى عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل ليبلوكم ايكم احسن عملا قال ليس يعنى اكثر عملا ولكن اصوبكم عملا وانما الاصابة خشيته الله تعالى والنية الصادقة ثم قال لابقاء على العمل حتى يخلص اشد من العمل والعمل الخالص الذى لا تريدان يحمدك عليه احد الا الله عزوجل والنية افضل

[ 109 ]

من العمل الا وان النية هي العمل ثم فلا قوله عزوجل قل كل يعمل على شاكلته يعنى على نيته و بهذالاسناد قال سألته عن قول الله عزوجل الامر اتى الله بقلب سليم قال السليم الذى يلقى ربه وليس فيه احد سواه وقال وكل قلب فيه شك أو شرك فهو ساقط وانما اراد بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للاخرة وعن ابان بن تغلب قال كنت صليت خلف ابى عبد الله عليه السلام بالمزدلفة فلما انصرف التفت إلى فقال يا ابان الصلوة الخمس المفروضات من اقام حدودهن وحافظ على مواقيتهن اتى الله يوم القيمة وله عنده عهد يدخله به الجنة ومن لم يقم حدودهن ولم يحافظ على مواقيتهن لفى الله عز ولا عهد له ان شاء عذبة؟ وان شاء غفر له والاخبار في ذلك كثيرة فلنقتصر على هذا القدر واعلم انه قد تستفيد؟ منها ان قبول الصلوة موقوف على الاقبال بالقلب بها والالتفات عما سوى الله فيها وان قبولها يوجب قبول ما سواها من الاعمال وح فالاهتمام بهذه الصفة امر مهم و الفغلة عنها خسارة عظيم وانحطاط قوى وغفلة ردية حيث يذاب نفسه في الطاعة يقوم بها اناء الليل واطراف ثم لا يجد بذلك ثمرة ولا يستفيد به فائدة قل هل ننبئكم بالاخير ان اعمالا الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا خصوصا إذا ضم؟ إلى ذلك ماروى ان الصلوة إذا ردت رد ساير عمله كما انها إذا قبلت قبل ساير عمله فنسأل الله تعالى ان يمن علينا من فضله العميم بدوام الاقبال وقبول الاعمال المطلب الثالث في بيان الدواء النافع في حضور القلب اعلم ان المؤمن لابد ان يكون معظما لله تعالى وخائفا له وراجيا ومستحييا من تقصيره فلا ينفك عن هذه الاحوال بعد ايمانه وان كانت قوتها عنده بقد وقوة يقينه فانفكاك عنها في الصلوة لاسبب له الا تفرغ الفكر وتقسم الخاطر وغيبة القلب عن المناجات والغفلة عن الصلوة ولا يلهى عن الصلوة الا الخواطر الواردة الشاغلة

[ 110 ]

فالدواء في احضار القلب هو رفع تلك الخواطر ولا بدفع الشئ الا بدفع سببه وسبب نوادر الخواطر اما ان يكون امرا خارجا أو امرا في ذاته باطنا اما الخارج فما يقرع السمع أو يظهر البصر فان ذلك قد يخطف الهم حتى يتبعه وينصرف فيه ثم ينجر من الفكر إلى غيره ويتسلسل ويكون الابصار سببا للافكار ثم يصير بعض تلك الافكار سببا للبعض الاخر ومن قويت رتبته وعلت همته لم يلهه ما يجرى على حواسه ولكن الضعيف لابد وان يتفرق به فكره فعلاجه قطع هذه الاسباب بان يغض بصره أو يصلى في بيت مظلم أو لا يترك بين يديه ما يشغل حسه أو يقرب من حايط عند صلوته حتى لانتسع مسافة بصره ويحترز من الصلوة على الشوارع وفى المواضع المنقوشة المصنوعة وعلى الفرش المزينة فلذلك كان المتعبدون يتعبدون في بيت صغير مظلم سعته بقدر ما يمكن الصلوة فيه ليكون ذلك اجمع للهم وينبغى ان لا يعدل إلى غض العينين ما وجد السبيل إلى القيام بوظيفة النظر وهى جعله قائما إلى موضع سجوده وغيره من الامور المعلومة شرعا فان تعذر القيام بها مع فتحهما فالغمض الاولى لان الفائت من وظيفة الصلوة وصفتها بتقسم الخاطر اعظم منه مع الاخلال بوظيفة النظر وليحضر يباله عنه نظره إلى موضع سجوده انه واقف بين يدى ملك عظيم يراه ويطلع على سريرته وباطن قلبه وان كان هولاء يراه وان التوجه إليه لا يكون الا بوجه القلب ووجه الراس مثال ومضاف بالتبع وانه يخاف ان ولاه ظهر قلبه ان يطرده عن باب كرمه ويسلبه مقام خدمته ويبعد عن جناب قدسه ومقدس حضرته وكيف يليق بالعبد ان يقف بين يدى سيده ويوليه ظهره ويجعل فكره في غير ما يطلبه منه لا ريب في ان هذا العبد مستحق للخذلان مستوجب للحرمان في الشاهد الخسيس؟ والقياس البعيد فكيف في المقصد الاصلى والملك الحقيقي وقد ورد في الحديث ان الله لا ينظر إلى صوركم ولكن بنظر إلى قلوبكم فبهذا ونظايره يجتمع

[ 111 ]

الهمة ويصفوا القلب وينحصر بالنظر إلى الامور الخارجية واما الاسباب الباطنة فانها اشد فان من تشعبت به الامور في اودية الدنيا لم يحضر فكره في فن واحد بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب وغض البصر لا يعينه فان ما وقع في القلب كاف في الشغل فهذا طريقه ان يرد النفس قهرا إلى فهم ما يقرأه في الصلوة ويشغلها به عن غيره ويعينه على ذلك ان يستعد قبل التحريم بان يجدد على نفسه ذكر الاخرة وموقف المناجاة و حظر القيام بين يدى الله تعالى وهول المطلع ويفزع قلبه قبل التحريم بالصلوة عما يهمه فلا يترك لنفسه شغلا يلتفت إليه خاطره فهذا طريق تسكين الافكار فان كان لا يسكن هايج افكاره بهذا الداوء المسكن فلا ينجيه الذى يقمع مادة الداء من اعماق العروق وهو ان ينظر في الامور الشاغلة الصارفة له عن احضار القلب ولا شك انها تعود إلى مهماته وانها انما صارت مهما بشهواته فيعاقب بنفسه بالنزوع عن تلك الشهوات وقطع تلك العلايق وكل ما يشغله عن صلوته فهو ضد دينه وجند ابليس عدوه فامساكه اضر عليه من اخراجه فيتخلص عنه باخراجه وقد روى ان بعضهم صلى في حايط له فيه شجر فاعجبه ريش طاير في الشجر يلتمس مخرجا فاتبعه نظره ساعة لم يذكر كم صلى فجعل حايطه صدقة ندما ورجاء للعوض عما فاته وهكذا كانوا يفعلون قطعا لمادة الفكر و كفارة لما جرى من نقصان الصلوة وكان بعضهم إذا فاتته صلوة في جماعة احيى تلك الليلة واخر صلوة المغرب حتى طلع كوكبان فاعتق رقبتين وفات الاخر ركعتا الفجر فاعتق رقبة كل ذلك مجاهدة للنفس ومناقشة لها في الغفلة عما فيه حظها فهذا هو الدواء القامع لمادة العلة ولا يغنى غيره فان ما ذكرناه من التلطف بالتسكين والرد إلى فهم الذكر ينفع في الشهوات الضعيفة والهمم التى لا تشغل الاحواشى القلب فاما الشهوة القوية المرهقة فلا ينفع منها التسكين بل لا تزال تجازيها وتجاز

[ 112 ]

بك ثم تغليك وينقضى جميع صلوتك في شغل المجاذبة ومثاله رجل تحت شجرة اراد ان يصفو له فكره فكانت اصوات العصافير تشوش عليه فلم يزل يطيرها بخشبة هي في يده ويعود إلى فكره فيعود العصافير فيعود إلى التنفير بالخشبة فقيل له ان اردت الخلاص فاقلع الشجرة فكذلك شجرة الشهوة إذا استقلت وتفرقت اعضائها انجذبت إليها الافكار انجذاب العصافير إلى الاشجار وانجذاب الذباب إلى الاقذار والشغل يطول في رفعها فان الذباب كلما ذب اب ولاجله سمى ذبابا فكذا الخواطر فهذه الشهوات كثيرة وفلما يخلوا العبد عنها ويجمعها اصل واحد وهو حب الدنيا وذلك راس كل خطيئة واساس كل نقصان ومنبع كل فساد ومن انطوى باطنه على حب الدنيا حتى مال إلى شئ لا ليتزود منها ويستعين بها على الاخرة فلا يطمعن ان يصفو له لذة المناجاة في الصلوة فان من فرح بالدنيا فلا يفرج بالله وبمناجاته وهمة الرجل مع قرة عينه فان كانت قرة عينه في الدنيا انصرف لا محالة إليها همه ولكن مع هذا ينبغى ان يترك المجاهدة ورد القلب إلى الصلوة وتقليل الاسباب الشاغلة واما من كانت الدنيا معه وهو ليس معها وانما يصرفها حيث امره الله تعالى و يستعين بها على طاعة الله ويتزود منها إلى الاخرة وهمته مجتمعة فيما يبقى ويجعلها من اسباب الكمال ومقدماته فلا بأس عليه فقد قال صلى الله عليه واله نعم العون على تقوى الله الغنى ان ذلك محل الغرور وموضع تلبيس ابليس عليه اللعنة فليحذر المستيقظ عند ذلك ولا يزال يراجع عقله ويمتحن قلبه حذرا من ان يدخل عليه الخطر والكدر وهو لايشعر ولا برهان على ذلك اقوى من الوجدان فهذا هو الدواء ولمرارته استبشعه اكثر اكثر الطباع وبقيت العلة مزمنة وصار الداء عضا لاحتى ان الاكابر اجتهدوا ان يصلوا ركعتين لا يحدثوا فيهما انفسهم بامور الدنيا فعجزوا عن ذلك فاذن لا مطمع فيها لامثالنا وليت يسلم من الصلوة شطرها أو ثلثها عن الوسواس فنكون

[ 113 ]

ممن خلطوا عملا صالحا واخر سيئا وعلى الجملة فهمة الدنيا وهمة الاخرة في القلب مثل الماء الذى يصب في قدح مملو بالخل فبقدو ما يدخل من الماء يخرج من الخل لا محالة ولا يجتمعان فتدبر هذه الجملة وفقك الله وايانا إلى الرشاد واوقفنا على مناهج السداد فهذا ما يتعلق به الغرض من المقدمة الفصل الاول في المقدمات وهى واجبة ومندوبة فالواجبة الطهارة وازالة النجاسة وستر العورة والمكان الذى يصلى فيه والوقت والقبلة والمندوبة كثيرة كالمسجد والاذان والاقامة والتوجيه بست تكبيرات ولكل واحدة من هذه المقدمات وظائف قلبية واسرار خفية يطلع عليها بصفاء العقل وحضور القلب وما نذكره من الوظائف كالمدرج إلى الزيادة والمرقاة إلى غيره من دقايق العبادة فاما الطهارة فليستحضر في قلبه ان تكليفه فيها بغسل الاطراف الظاهرة وتنظيفها لاطلاع الناس عليها ولكون تلك الاعضاء مباشرة للامور الدنيوية منهمكة في الكدورات الدنية فلان يطهر مع ذلك قلبه الذى هو موضع نظر الحق تعالى فانه لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم ولانه الرئيس الاعظم لهذه الجوارح و المستخدم لها في تلك الامور المبعدة عن جنابه تعالى وتقدس اولى واخرى بل هذا تنبيه واضح على ذلك وبيان شاف على ماهنا لك وليعلم من تطهير تلك الاعضاء عند الاشتغال بعبادة الله تعالى والاقبال عليه والالتفات عن الدنيا بالقلب والحواس لتلقى السعادة في الاخرى ان الدنيا والاخرة ضرتان كلما قربت من احديهما بعدت عن الاخرى فلذلك امر بالتطهير من الدنيا عند الاشتغال والاقبال على الاخرى فامر في الوضوء بغسل الوجه لان التوجه والاقبال بوجه القلب على الله تعالى به و فيه اكثر الحواس الظاهرة التى هي اعظم الاسباب الباعثة على مطالب الدنيا فامر بغسله ليتوجه به وهو خال من تلك الادناس ويترقى بذلك إلى تطهير ما هو الركن الاعظم في

[ 114 ]

القياس ثم امر بغسل اليدين لمباشرتهما اكثر احوال الدنيا الدنية والمشتهيات الطبيعية ثم بمسح الرأس لان فيه القوة المفكرة التى يحصل بواسطتها القصد إلى تناول المرادات الطبيعية وتنبعث الحواس ح إلى الاقبال على الامور الدنيوية المانع من الاقبال على الاخرة السنية ثم بمسح الرجلين لان بهما يتوصل إلى مطالبه ويتوصل إلى تحصيل ماربه على نحو ما ذكر في باقى الاعضاء وح فيسوغ له الدخول في العبادة والاقبال عليها فائزا بالسعادة وامر في الغسل بغسل جميع البشرة لان ادنى حالات الانسان واشدها تعلقا وتملكا بالملكات الشهوية حالة الجماع وموجبات الغسل ولجميع بدنه مدخل في تلك الحالة ولهذا قال صلى الله عليه واله ان تحت كل شعرة جنابة فحيث كان جميع بدنه بعيدا عن المرتبة العلية منغمسا في اللذات الدنية كان غسله اجمع من اهم المطالب الشرعية ليتاهل المقابلة الجهة الشريعة والدخول في العبادة المنيفة ويبعد عن القوى الحيوانية واللذات الدنياوية ولما كان للقلب من ذلك الحظ الاوفر والنصيب الاكمل كان الاشتغال بتطهيره من الرذائل والتوجهات المانعة من درك الفضايل اولى من تطهير تلك الاعضاء الظاهرة عند اللبيب العاقل وامر في التيمم بمسح تلك الاعضاء بالتراب عند تعذر غسلها بالماء الطهور وضعا لتلك الاعضاء الرئيسة وهضما لها بتلقيها باثر التربة الخسيسة وهكذا يخطر ان القلب إذا لم يكن تطهيره من الاخلاق الرذيلة وتحليته بالاوصاف الجميلة فليقمه في مقام الهضم والازداء ويسقه بسياط الذل والاعضاء عسى ان يطلع عليه مولاه الرحيم وسيده الكريم وهو منكسر متواضع فيهبه نفحة من نفحات نوره اللامع فانه عند القلوب المنكسرة كما ورد في الاثر فترقى من هذه الاشاراة ونحوها إلى ما يوجب لك الاقبال وتلافي سالف الاهمال ومن الاسرار الواردة في الاثر من نظائر ذلك قول الصادق عليه السلام

[ 115 ]

إذا اردت الطهارة والوضوء فتقدم إلى الماء تقدمك إلى رحمة الله فان الله تعالى قد جعل الماء مفتاح قربته ومناجاته ودليلا إلى بساط خدمته وكما ان رحمته تطهر ذنوب العباد فكذلك النجاسات الطاهرة يطهرها الماء لاغير قال الله تعالى وهو الذى يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته وانزلنا من السماء ماء طهورا وقال عزوجل وجعلنا من الماء كل شئ حى فكما احتى به كل شئ من نعيم الدنيا كذلك بفضله ورحمته جعل حيوة القلوب بالطاعات وتفكر في صفاء الماء ودقته وطهوره وبركته ولطيف امتزاجه بكل شى وفى كل شئ واستعمله في تطهير الاعضاء التى امرك الله بتطهيرها و أت باداتها في فرايضة وسننه فان تحت كل واحدة منها فوائد كثيرة إذا استعملتها بالحرمة انفجرت لك عين فوائده عن قريب ثم عاشر خلق الله تعالى كامتزاج الماء بالاشياء يودى كل شئ حقه ولا يتغير عن معناه معتبر القول رسول الله صلى الله عليه واله مثل المؤمن الخاص كمثل الماء وليكن صفوتك مع الله في جميع طاعاتك كصفوة الماء حين انزله من السماء وسماه طهورا وطهر قلبك بالتقوى واليقين عند طهارة جوارحك بالماء وفى علل ابن شاذان عن الرضا عليه السلام انما امر بالوضوء ليكون العبد طاهرا إذا قام بين يدى الجبار وعند مناجاته اياه مطيعا له امره نقيا من الادناس و النجاسة مع ما فيه من ذهاب الكسل وطرد النعاس وتزكية الفؤاد للقيام بين يدى الجبار وانما وجب على الوجه واليدين والرأس والرجلين لان العبد إذا قام بين يدى الجبار فانما ينكشف من جوارحه ويظهر ما وجب فيه الوجوه وذلك انه بوجهه يسجد ويخضع وبيده يسأل ويرغب ويرهب ويتبتل وبرأسه يستقبله في ركوعه وسجوده وبرجليه يقوم ويقعد وامر بالغسل من الجنابة دون الخلاء لان الجنابة من نفس الانسان وهى شئ يخرج من جميع جسده والخلاء ليس هو من نفس الانسان انما هو غذاء يدخل من باب ويخرج

[ 116 ]

من باب واما ازالة النجاسة فالكلام فيها نحو الكلام في الطهارة في التزكية بتطهير القلب من نجاسة الاخلاق ومساويها فانك إذا امرت بتطهير ظاهر الجلد وهو القشر وبتطهير الثياب وهو ابعد عن ذاتك فلا تغفل عن تطهير لبك الذى هو ذاتك وهو قلبك فاجتهد له بالتوبة والندم على ما فرط وتصميم العزم على ترك العود في المستقبل وطهر بها باطنك فانها موقع نظر المعبود وتذكر تبخليك القضاء الحاجة نقصك و حاجتك وما تشتمل عليه من الاقذار وما في باطنك وانت تزين ظاهرك للناس والله مطلع على باطنك وخسته حالك فاشتغل باخراج نجاسات الباطن والاخلاق الداخلة في الاعماق المفسدة لك على الاطلاق لتشريح نفسك عند اخراجها ويسكن قلبك من دنسها ويخف لبك من ثقلها ويصلح للوقوف على بساط الخدمة والتاهل للمناجاة ولا تستتر بما ظهر منك فلابد ان يظهر عليك ما بطن لان الطبيعة تظهر ما يكن فيه وتفتضح ح بما سترته عن الناس كما يفعله الله بكل مدلس قال الصادق عليه السلام سمى المستراح مستراحا لاستراحة النفوس من اثقال النجاسات واستفراغ الكثيفات والقذر فيها والمؤمن يعتبر عندها ان الخالص من حطام الدنيا كذلك يصير عاقبته فيستريح بالعدول عنها وتركها ويفرغ نفسه وقلبه عن شغلها ويستنكف عن جمعها واخذها استنكافه عن النجاسة والغايط والقذر ويتفكر في نفسه المكرمة في حال كيف تصير ذليله في حال ويعلم ان التمسك بالقناعة والتقوى يورث له راحة الدارين وان الراحة في هو ان الدنيا والفراغ من التمتع بها وفى ازالة النجاسة من الحرام والشبهة فيغلق عن نفسه باب الكبر بعد معرفته اياها ويفر من الذنوب ويفتح باب التواضع والندم والحيا ويجتهد في اداء اوامره واجتناب نواهيه طلبا لحسن الماب وطيب الزلفى ويسجن نفسه في سجن الخوف والصبر والكف عن الشهوات إلى ان يتصل بامان الله في دار القرار ويذق طعم

[ 117 ]

رضاه فان المعول ذلك وما عداه لا شئ واما ستر العورة فاعلم ان معناه تغطية مقابح بدنك عن ابصار الخلق فان ظاهر بدنك موقع نظر الخلق فما رأيك في عورات باطنك ومقابح سترك التى لا يطلع عليها الا رأيك فاحضر تلك المقابح ببالك وطالب نفسك تسرها وتحقق انه لا يستبر عن عين الله تعالى سالم وانما يسترها ويكفرها الندم والحياء والخوف فتستفيد باحضارها في قلبك انبعاث جنود الخوف والحياء من مكانها فتذل به نفسك وتسكن تحت الخجلة قلبك وتقوم بين يدى الله قيام العبد المجرم المسئ الابق الذى ندم فرجع إلى مولاه بانكسار رأسه من الحياء والخوف قال الصادق عليه السلام ازين اللباس للمؤمنين لباس التقوى وانعمه الايمان قال الله عزوجل ولباس التقوى ذلك خيرو اما اللباس الظاهر فنعمة من الله يستر بها عورات بنى ادم وهى كرامة اكرم الله بها عباده ذرية ادم عليه السلام ما لم يكرم غيرهم وهى للمؤمنين الة لاداء ما افترض الله عليهم وخير لباسك لاما يشغلك عن الله عزوجل بل يقربك من شكره وذكره وطاعته ولا يحملك فيها إلى العجب والريا والتزين والمفاخرة والخيلاء فاه من افات الدين ومورثة القسوة في القلب فإذا لبست ثوبك فاذكر ستر الله تعالى عليك ذنوبك برحمته والبس باطنك بالصدق كما البست ظاهرك بثوبك ولكن باطنك في ستر الرهبة وظاهرك في ستر الطاعة واعتبر بفضل الله عزوجل حيث خلق اسباب اللباس لتستر العورات الظاهرة وفتح ابواب التوبة والانابة لتستر بها عورات الباطن من الذنوب واخلاق السوء ولا تفضح احدا حيث ستر الله عليك اعظم منه واشتغل بعيت؟ نفسك واصفح عما لا يعينك حاله وامره واحذر ان تفتى عمرك لعمل غيرك ويتجر برأس مالك غيرك ونهلك نفسك فان نسيان الذنوب من اعظم عقوبة الله تعالى في العاجل

[ 118 ]

واوفر اسباب العقوبة في الاجل مادام العبد مشتغلا بطاعة الله تعالى ومعرفة عيوب نفسه وترك ما يشين في دين الله فهو بمعزل عن الافات خايض في بحر رحمة الله عزوجل يفوز لجواهر الفوائد من الحكمة والبيان وما دام ناسيا لذنوبه جاهلا لعيوبه راجعا إلى حوله وقوته لا يفلح إذا ابدا واما المكان فاستحضر فيه انك كاين بين يدى ملك الملوك تريد مناجاته والتضرع إليه والتماس رضاه ونظره اليك بعين الرحمة فانظر مكانا يصلح لذلك كالمساجد الشريفة والمشاهد المطهرة مع لامكان فانه تعالى جعل تلك المواضع محلا لاجابته ومظنة لقبوله ورحمته ومعدنا لمرضاته مغفرته على مثال حضرت الملوك الذين يجعلونها وسيلة لذلك فادخلها ملازما السكينة والوقار مراقبا للخشوع والانكسار وسائلا ان يجعلك من خاص عباده وان يلحقك بالماضين منهم وراقب الله كانك على الصراط جائز وكن مترددا بين الخوف والرجا وبين القبول والطرد فيخشع ح قلبك ويخضع لبك وتتأهل لان تفيض عليك الرحمة وتنالك يدا لعاطفة وترعاك عين العناية قال الصادق عليه السلام إذا بلغت باب المسجد فاعلم انك قصدت ملكا عظيما لايطأ بساطه الا المطهرون ولا يؤذن لمجالسته الا الصديقون وهب القدوم والى بساط خدمته هيبة الملك فانك على خطر عظيم ان غفلت واعلم انه قادر على ما يشاء من العدل والفضل معك وبك فان عطف عليك فبفضله ورحمته قبل منك يسير الطاعة واجزل لك عليها ثوابا كثيرا وان طالبك باستحقاقه الصدق والاخلاص عدلا بك حجبك ورد طاعتك وان كثرت وهو فعال لما يريد واعترف بعجزك وتقصيرك وفقرك بين يديه فانك قد توجهت للعبادة له والموانسة به واخل قلبك عن كل شاغل يحجبك عن ربك فانه لا يقبل الا الاطهر الا خلص فان ذقت من حلاوة مناجاته وشربت بكأس رحمته

[ 119 ]

وكراماته من حسن اقباله واجاباته فقد صلحت لخدمته فادخل فلك الاذن اولامان والا فقف وقوف مضطر قد انقطع عنه الحيل وقصر عنه الامل وقضى الاجل فإذا علم الله من قلبك صدق الالتجا إليه نظراليك بعين الرافة والرحمة ووفقك لما يحب ويرضى فانه كريم يحب الكرامة لعباده المضطرين إليه قال الله تعالى امن يجيب المضطر إذا دعاه واما الوقت فاستحضر عند دخوله انه ميقات جعله الله تعالى لك لتقوم فيه بخدمته وتتأهل للمثول في حضرته والفوز بطاعته وليظهر على قلبك السرور وعلى وجهك البهجة عند دخوله لكونه سببا لقربك ووسيلة إلى فوزك فاستعد له بالطهارة والنظافة ولبس الثياب الصالحة للمناجات كما تتأهب عند القدوم على ملك من ملوك الدنيا وتلقاه بالوقار والسكينه والخوف والرجاء فان الرحمة عميمة والفضل قديم والاخذ والاستدراج متحقق والطرف عند التقصير متوجه فكن بين ذلك قواما والزم الخشوع والخضوع والذل و الانكسار فانه عند الموصوف بذلك ومثل في نفسك لو ان ملكا من ملوك الارض وعدك بان يكتبك في وقت معين من خواصه والقائمين بين يديه ببعض خدمته ويخاطبك وتخاطبه على طريق الانبساط والانس في مخاطباتك وتطلب إليه ما تحتاج إليه من مهماتك ويجعلك عنده من مقرب العبادة ويخلع عليك خلعه سنية بين الاشهاد ويجعل ذلك إلى مدة طويلة وغاية بعيدة مع انه لا يؤثر ذلك في حظك عند الله تعالى بل يزيده اما كنت تنتظر ذلك الوقت قبل ابانه وتهتم له قبل اوانه وتفرح بقربه فضلا عن دخوله ويزيد بهجتك وسرورك عند وصوله فلا تجعل عناية الله جل جلاله بك واعدادك لمخاطبك له ومخاطبته لك وكتبته اياك في ديوان المقربين بالصلوة التى هي افضل الاعمال وبسجودها اوجب القرب إلى

[ 120 ]

حضرته والفوز بمحبته كما ورد في كتابه الحكيم ووعد به رسوله الكريم وخلعه الدائمة في الدار الضافية دون تقريب ملك من ملوك الدنيا مع عجزه عن نفعك بدون توفيق الله تعالى لك وعدم الوثوق الحقيقي بوفائه ودوامه مدة يسيرة على تقدير وقوعه ومن هنا كان النبي صلى الله عليه وآله ينتظر وقت الصلوة ويشتد شوقه ويترقب دخوله ويقول البلال مؤذنه ارحنا يا بلال اشار بذلك الا انه في تعب شديد من عدم اشتغاله بهذه التكليفات وقيامه بوظائف الصلوة وان كان سره لا يخلو من ضروب من المناجات الا ان قرة عينه في الصلوة كما قال عليه السلام ثم استشعر بعد هذه البهجة خشية الله تعالى في الوقوف بين يديه وانت ملطخ بكدوراتك النفسية وعلايقك الدنيوية وعوايقك البدنية فان استشعار الخوف شعار الكاملين كما ان الغفلة عن ذلك علامة المطرودين كما قد عرفته في تضاعيف اسرار وجملة الاثار واستحضر عظمة الله تعالى واجلاله ونقصان قدرك وكماله وقد روى عن بعض ازواج النبي صلى الله عليه واله انها قالت كان رسول الله صلى الله عليه واله يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلوة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه شغلا بالله عن كل شئ وكان على عليه السلام إذا حضر وقت الصلوة يتململ ويتزلزل فيقال له مالك يا أمير المؤمنين فيقول جاء وقت امانة عرضها الله على السموات والارض فابين ان يحملنها واشفقر منها وكان على بن الحسين عليهما السلام إذا حضر للوضؤ اصفر لونه فيقال له ماهذا الذى يعتريك عند الوضؤ فيقول ما تدرون بين يدى من اقوم وكل ذلك اشارة إلى استحضار عظمة الله تعالى والالتفات إليه حال العبادة والانقطاع عن غيره وإذا سمعت نداء المؤذن فاحضر في قلبك هول النداء يوم القيمة وتشمر بظاهرك وباطنك للمسارعة والاجابة فان المسارعين إلى هذا النداء هم الذين ينادون باللطف يوم العرض الاكبر فاعرض قلبك على هذا النداء فان وجدته مملوا

[ 121 ]

بالفرح والاستبشار ومستعدا بالرغبة إلى الابتداء فاعلم انه ياتيك النداء بالبشرى والفوز يوم القضاء واعتبر بفصول الاذان وكلماته كيف افتتحت بالله و اختتمت بالله واعتبر بذلك ان الله جل حلاله عزوجل هو الاول والاخر والظاهر والباطن و وطن قلبك بتعظيمه وتكبيره عند سماع التكبير واستحقر الدنيا وما فيها لئلا تكون كاذبا في تكبيرك وانف عن خواطرك كل معبود سواه بسماع التهليل واحضر النبي صلى الله عليه وآله وتادب بين يديه واشهد له بالرسالة مخلصا وصل عليه وعلى اله وحرك نفسك ولوسع بقلبك وقالبك عند الدعاء إلى الصلوة وما يوجب الفلاح وما هو خير الاعمال وافضلها وجذر عهدك بعد ذلك بتكبير الله وتعظيمه واختمه بذكره كما افتتحت به واجعل مبدائك معه وعودك إليه وقوامك به واعتمادك على حوله وقوته فانه لا حول ولاقوة الا بالله العلى العظيم واما الاستقبال فهو صرف لظاهر وجهك من ساير الجهات إلى جهة بيت الله تعالى افترى ان انصرف القلب عن ساير الامور إلى امر الله تعالى ليس مطلوبا منك هيهات بل لا مطلوب سواه وانما هذه الظواهر محركات للبواطن ووسائل إليها ومعارج يترقى منها إليها وضبط للجوارح وتسكين لها بالثبات على جهة واحدة حتى لا تبقى على القلب فانه إذا بغت وظلمت في حركاتها والتفاتاتها إلى جهاتها استتبعت القلب وانقلبت به عن وجه الله فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك ومن هنا جاء قول النبي صلى الله عليه وآله اما يخاف الذى يحول وجهه في الصلوة ان يحول الله وجهه وجه حمار فان ذلك نهى عن الالتفات عن الله وملاحظة عظمته في حال الصلوة فان الملتفت يمينا وشمالا ملتفت عن الله وغافل عن مطالعة انوار كبريائه ومن كان كذلك فيوشك ان تدوم تلك الغفلة عليه فيتحول وجه قلبه كوجه الحمار في قلة عقليته للامور العلوية وعدم اكرامه بشئ من العلوم والقرب إلى

[ 122 ]

الله تعالى واعلم انه كما لا يتوجه الوجه إلى جهة البيت الا بالصرف عن غيرها فلا ينصرف القلب إلى الله تعالى الا بالتفرغ عما سوى الله تعالى وقد قال النبي صلى الله عليه وآله إذا قام العبد إلى صلوته وكان هواه وقلبه إلى الله تعالى انصرف كيوم ولدته امه وقال الصادق عليه السلام إذا استقبلت القبلة فايس من الدنيا وما فيها والخلق وماهم فيه واستفزع قلبك عن كل شاغل يشغلك عن الله تعالى وعاين بسترك عظمة الله تعالى واذكر وقوفك بين يديه يوم نبلو كل نفس ما اسلفت وردوا إلى الله موليهم الحق وقف على قدم الخوف والرجاء وإذا توجهت بالتكبيرات فاستحضر عظمة الله سبحانه وصغر نفسك وحق عبادتك في جنب عظمته وانحطاط همتك عن القيام بوظائف خدمته واستمام حقايق عبادته وتفكر عند قولك اللهم انت الملك الحق في عظيم ملكه وعموم قدرته واستيلائه على جميع العوالم ثم ارجع على نفسك بالذل والانكسار والاعتراف بالذنوب والاستغفار عند قولك عملت سوء أو ظلمت نفسي فاغفر لى انه لا يغفر الذنوب الا انت واحضر دعوته لك بالقيام بهذه الخدمة ومثل نفسك بين يديه وانه قريب منك يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ويسمع ندائه وان بيده خير الدنيا والاخرة لابيد غيره عند قولك لبيك وسعديك والخير في يديك ونزهه عن الاعمال السيئة وافعال الشر وابدله بها محض الهداية والارشاد عند قولك والشر ليس اليك والمهدى من هديت واعترف له بالعبودية وان قوام وجودك وبدئه ومعاده منه بقولك عبدك وابن عبديك منك وبك ولك واليك أي منك وجوده وبك قوامه ولك ملكه واليك معاداه وهو الذى يبدء الخلق ثم يعيده وهو اهون عليه وله المثل الاعلى فاحضر في ذهنك هذه الحقايق وترق منها إلى ما يفتح عليك من الاسرار والدقايق وتلق الفيض من العالم الا على فان ابوابه لاتنسد عن عن احد من القوابل ولا يخيب لديه امل امل اللهم اهلنا القبول طوالع اسرارك وكلمنا

[ 123 ]

بالوصول إلى لوامع انوارك واجعلنا من الواقفين على كراسي اراداتك العاكفين على بساط كراماتك وتممنا من هذه النقصان واهدنا إلى طريق الرضوان وجد علينا بلطيف الاحسان واعذنا من صفقة الخسران واتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من امرانا رشد الفصل الثاني في المقارنات وهى ثمانية الاول القيام و وظيفة القلبية تذكر انك قائم بين يدى الله تعالى وهو مطلع على سريرتك عالم بما تخفى وما تعلن وهو اقرب اليك من حبل الوريد فاعبده كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يريك وانصب قلبك بين يديه كما نصبت شخصك وطأطئ براسك الذى هو ارفع اعضائك مطرقا مستكينا والزم قلبك التواضع والخشوع والتذلل و التبرى عن التراس والتكبر كما وضعت رأسك وقم بين يديه قيامك بين يدى بعض ملوك الزمان ان كنت تعجز عن معرفة كنه جلاله فانك تجد وجدانا ضروريا انك تنقهر عند مكالمة الملك ومحاورته وتلزم معه السكون والخضوع وربما يتبع ذلك رعدة البدن وتلعثم اللسان ومنشاء ذلك كله الخوف الحادث عن تصور عظمته فكيف يتصور جبار الجبابرة وملك الدنيا والاخرة فعند ذلك يحصل لك الخوف الذى هو المقصد الذاتي من العارف وكذلك يحصل الرجاء عند تصور عظمته واستشعار ان الكل منه فان ذلك باعث على رجائه وقد تأكد ذلك بالايات الواردة في باب الخوف والرجاء وكذلك يستلزم الحياء منه لان المتصور عظمة الامر لا يزال مستشعرا تقصيرا ومتوهما ذنبا وذلك الاستشعار والتوهم يوجب الحياء من الله تعالى وهذه امور مطلوبة من العابد بل قدر في دوام قيامك في صلواتك انك ملحوظ ومرقوب بعين كاليه من رجل صالح من اهلك وممن ترغب ان يعرفك بالصلاح فانه يتهدا عند ذلك اطرافك وتخشع جوارحك وتسكن جميع اجزائك

[ 124 ]

حنيفة ان ينسبك العاجز المسكين إلى قلة الخشوع ولو احسست من نفسك بالتماسك والثبات عند ملاحطة عبد مسكين فعاتب نفسك وقل لها يانفس تدعين معرفة الله تعالى افما تستحين من استجرائك عليه مع توقيرك عبدا من عباده أو تخشين الناس ولا تخشينه وهو احق ان يخشى الا نستحيى من خالقك وموليك إذا قدرت اطلاع عبد ذليل من عباده عليك وليس بيده خيرك ولانفعك ولاضرك خشعت لاجله جوارحك وحسنت صلواتك ثم انك تعلمين انه مطلع عليك فلا تخشعين لعظمته اهو اهون عندك من عبد من عباده فما اشد طغيانك وجهلك وما اعظم عداوتك لنفسك ولذلك لما قيل للنبى صلى الله عليه واله كيف الحياء من الله تعالى فقال النبي صلى الله عليه واله نستحي منه كما تستحى من رجل صالح من قومك واما دوام القيام فهو تنبيه على ادامة القلب على الله تعالى على نعت واحد من الحضور قال صلى الله عليه واله ان الله مقبل على العبد ما لم يلتفت وكما يجب حراسة العين والرأس عن الالتفات إلى غير الصلوة فكذلك تجب حراسة السر عن الالتفات إلى غير الصولة فان التفت إلى غيرها فذكره باطلاع الله تعالى عليك وقبح التهاون بالمناجى مع غفلة المناجى ليعود إلى التيقظ والزم الخشوع الباطني فانه ملزوم الخشوع ظاهرا ومهما خشع الباطن خشع الظاهر قال صلى الله عليه واله وقد رأى مصليا يعبث بلحيته اما هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه فان الرعية بحكم الراعى ولهذا ورد في الدعاء اللهم اصلح الراعى والرعية وهو القلب والجوارح وكل ذلك يقتضيه الطبع بين يدى من يعظم من ابناء الدنيا فكيف لا يتقاضاه بين يدى ملك الملوك وجبار الجبابرة من يطمئن بين يدى غير الله تعالى خاشعا ثم يضطرب اطرافه بين يدى الله تعالى فذلك لقصور معرفته عن جلال الله وعن اطلاعه على سره وضميره وتدبر قوله تعالى الذى يراك حين تقوم و تقلبك في الساجدين الثاني النسية ووظيفتها العزم على اجابة الله تعالى

[ 125 ]

في امتثال امره بالصلوة واتمامها والكف عن نواقضها ومفسداتها واخلاص جميع ذلك لوجه الله تعالى رجاء ثوابه وطلب القربة منه ان عجزت عن مرتبة عبادته لكونه اهلا للعبادة التى هي عبادة الاحرار فإذا فاتتك درجة الاحرار الابرار فلا تفوتك درجة التجار وهى العمل رجاء العوض فان فاتتك هذه المرتبة فاجلس مع العبيد في مجالسهم ومشاركهم في مقاصدهم فانهم انما يعملون ويخدمون في الغالب خوفا من الضرب والعقوبة وهى غاية الخوف من العقاب وتقلد في نيتك وقصدك المنة له تعالى وتقدس باذنه اياك في المناجا؟ مع سؤاد بك وكثره عصيانك وعظم في نفسك تدر مناجاته وانظر من تناجى وكيف تناجى وبما ذا تناجى وعند هذا ينبغى ان يعرق جبينك من الخجلة وتر تعد فرائضك من الهيبة ويصفر وجهك من الخوف كما روى فيما تقدم عن بعض ازواج النبي صلى الله عليه وآله قالت كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلوة فكأنه لم يعرفتا ولم تعرفه شغلا بالله عن كل شئ وقال الصادق عليه السلام الاخلاص بجميع حواصل الاعمال وهو معنى مفتاحة القبول وادنى حد الاخلاص بذل العبد طاقته ثم لا يجعل لعمله عند الله قدرا فيوجب به على ربه مكافاة بعمله فانه لو طالبه بوفاء حق العبودية لعجز وادنى مقام المخلص في الدنيا السلامة من جميع الا تام وفى الاخرة النجات من النار والفوز بالجنة و قال عليه السلام صاحب النية الصادقة صاحب القلب السليم لان سلامة القلب من هو احبس المحذورات يخلص النية لله تعالى في الامور كلها قال الله تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم ثم النية تبدو من القلب على قدر صفاء المعرفة وتختلف على حسب اختلاف الاوقات في معنى قوته وضعفه وصاحب النية الخالصة نفسه وهواه معه مقهوران تحت سلطان تعظيم الله والحياء منه الثالث التكبير ومعناه ان الله سبحانه اكبر من كل شئ أو اكبر من ان يوصف أو من ان يدرك بالحواس أو يقاس بالناس فإذا نطق

[ 126 ]

به لسانك فينبغي ان لا يكذبه قلبك فان كان في قلبك شئ هو اكبر من الله تعالى فالله يشهدا انك لكاذب وان كان الكلام صدقا كما شهد على المنافقين في قولهم انه رسول الله فان كان هواك اغلب عليك من امر الله وانت اطوع له منك لله فقد اتخذته الهك وكبرته فيوشك ان يكون قولك الله اكبر كلاما باللسان المجرد وقد تخلف القلب عن مساعدته وما اعظم الخطر في ذلك لولا التوبة والاستغفار وحسن الظن يكرم الله تعالى وعفو قال الصادق عليه السلام إذا كبرت فاستصغر مابين العلا والثرى دون كبريائه فان الله إذا اطلع على قلب العبد وهو يكبر وفى قلبه عارض عن حقيقة تكبيره قال يا كاذب اتخذ عنى وعزتي وجلالى لاحرمنك حلاوة ذكرى ولاحجبنك عن قربى والمسارة بمناجاتي فاعتبر انت قلبك حين صلوتك فانكنت تجد حلاوتها وفى نفسك سرورها وبهجتها وقلبك ومسرورا بمناجاته ملتذا بمخاطباته فاعلم انه قد صدقك في تكبيرك له والا فقد عرفت من سلب الذة المناجاة وحرمان حلاوة العبادة انه دليل على تكذيب الله لك وطردك عن بابه واما دعاء التوجه فاول كلماته قولك وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض حنيفا وليس المراد بالوجه الوجه الظاهر فانك انما وجهته إلى جهة القبلة والله سبحانه تقدس من ان لحدة الجهات حتى تقبل بوجه بدنك عليه وانما وجه القلب هو الذى يتوجه إلى الله فاطر السموات والارض فانظر إلى وجه قلبك ام توجه هو إلى امانيه وهممه في البيت والسوق وغيرهما متبع للشهوات ام مقبل على فاطر السموات واياك ان يكون مفاتحتك للمناجاة بالكذب والاختلاف فيصرف وجه رحمته عنك وقبوله فيما بقى على الاطلاق ولن ينصرف الوجه إلى الله الا بالانصراف عمن سواه فان القلب بمنزلة مراة وجهها صقيل وظهرها كد ولا يقبل انطباع الصور فإذا توجهت إلى شئ انطبع فيها واستدبرت غيره ولا يمكن انطباعه

[ 127 ]

ولهذا كانت الدنيا والاخرة ضرتين كلما قربت من احديهما بعدت عن الاخرى فاجتهد في الحال في صرفه إليه وان عجزت عنه على الدوام ليكون قولك في الحال صادقا عسى ان يسامحك في الغفلة بعد ذلك وإذا قلت حنيفا مسلما فينبغي ان يحضر في بالك ان المسلم هو الذى سلم المسلمون من يده ولسانه فان لم تكن كذلك كنت كاذبا فاجتهدان تعزم عليه في الاستقبال وتندم على ما سبق من الاحوال وإذا قلت وما انا من المشركين فاحضر ببالك الشرك الخفى وان قوله تعالى فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا جعل من يقصد بعبادة ربه وجه الله وحمد الناس مشركا فاستشعر الخجلة في قلبك ان وصفت نفسك بانك لست من المشركين من غير برائة من هذه الشرك فان اسم الشرك يقع على القليل والكثير منه فإذا قلت محياى ومماتي لله فاعلم ان هذا حال عبد مفقود لنفسه موجود لسيده وانه ان صدر ممن غضبه ورضاه وقيامه وفعوده ورغبته في الحيوة ووهبة من الموت لامور الدنيا لم يكن ملايما للحال الرابع القرائة ووظائفها لاتكاد تنحصر ولا يحيط بها قوة البشر وان اعتنى بشأنها يخرج عن وضع الرساله لانها حكاية كلام الله جل جلاله المشتمل على الاساليب العجيبه والاوضاع الغريبة والاسرار الدقيقة والحكم الانيقة وليس المقصود منه مجرد حركة اللسان بل المقصود معانيها وتدبرها لتستفيد منها حكمة وحقايق واسرار وترغيبا وترهيبا وامرا ونهيا ووعدا وذكر انبيائه ونعمه إلى غير ذلك من الفوائد فإذا قلت اعوذ بالله من الشيطان الرجيم فاعلم انه عدوك ومترصد لصد قلبك عن الله تعالى حسدا على مناجاتك مع الله تعالى وسجودك له مع انه لعن بسبب سجدة واحدة تركها وان استعاذتك بالله منه بترك ما يحبه وتبدله بما يحب الله تعالى لا بمجرد قولك اعوذ بالله من الشيطان الرجيم فان من قصده سبع اوعدو وليفترسة

[ 128 ]

أو يقتله فقال اعوذ منك بذلك الحصن الحصين وهو ثابت في مكانه ان ذلك لا ينفعه بل لا يفيده الا تبديل المكان فكذلك من يتبع الشهوات التى هي محل الشيطان ومكاره فلا يغنيه مجرد القول فليقترن قوله بالعزم على التعوذ لحصن الله تعالى عن شر الشيطان وحصنه لا اله الا الله إذ قال الله فيما اخبر عنه نبينا صلى الله عليه واله لا اله الا الله حصنى والمتحصن به من لا معبود له سوى الله تعالى فاما من اتخذ الهه هواه وهو في ميدان الشيطان لافى حصن الله ومن دقائق مكائده ان يشغلك في الصلوة بفكر الاخرة وتدبر فعل الخيرات ليمنعك عن فهم ما تقرء فاعلم ان كل ما يشغلك عن فهم معاني قرائتك فهو وسواس فان حركة اللسان غير مقصودة بل المقصود معانيها كما مر والناس في القرائة على ثلثة اقسام فمنهم من يحرك لسانه بها ولا يتدبر قلبه لها ومذا من الخاسرين الداخلين في توبيخ الله سبحانه وتهديده بقوله تعالى افلا يتدبرون القران ام على قلوب اقفالها ودعا نبيه صلى الله عليه واله ويل لمن لاكها بين لحييه ثم لا يتدبرها ومنهم من يتحرك لسانه وقلبه يتبع اللسان فيسمع ويفهم منه كانه يسمعه من غيره وهذا درجة اصحاب اليمين ومنهم من يسبق قلبه إلى المعاني اولا ثم يخدم اللسان قلبه فيترجمه وهذه درجة المقربين وفرق جلى بين ان يكون اللسان ترجمان القلب كما في هذه الدرجة وبين ان يكون معلمه كما في الدرجة الثانية فالمقربون لسانهم ترجمان يتبع القلب ولا يتبعه القلب وتفصيل ترجمة المعاني على سبيل الاقتصار انك إذا قلت بسم الله الرحمن الرحيم فانوبه التبرك لابتداء القرائة بكلام الله تعالى وافهم ان معناه ان الامور كلها بالله وان المراد ههينا بالاسم هو المسمى وإذا كانت الامور كلها بالله فلا جرم كان الحمدالله فإذا قلت الرحمن الرحيم فاحضر في قلبك انواع لطفه ليتضح لك رحمته فينبعث به رجائك ثم استشعر من قلبك التعظيم والخوف بقولك مالك يوم الدين اما لعظمة فانه لا ملك الا له و اما

[ 129 ]

الخوف فلهول يوم الجزاء والحساب الذى هو مالكه ثم جدد الاخلاص بقولك اياك نعبد واياك نستعين وتحقق انه ما تيسرت طاعتك الا باعانته وان المنة له إذ وفقك لطاعته واستخدمك لعبادته وجعلك اهلا لمناجاته ولو حرمك التوفيق لكنت من المطرودين مع الشيطان الرجيم اللعين ثم إذا مزغت عن التفويض بقولك بسم الله الرحمن الرحيم وعن التحميد وعن اظهار الحاجة إلى الاعانة مطلقا فتعين سؤالك ولا نطلب الا اهم حاجاتك وقل اهدنا الصراط المستقيم الذى يسوقنا إلى جوارك ويفضى بنا إلى مرضاتك وزده شرحا وتفصيلا وتاكيدا واستشهد با الذين افاض عليهم نعمة الهداية من النبيين والصديقين والصالحين دون الذين غضب الله تعالى عليهم من الكفار والزائغين من اليهود والنصارى والصابئين فإذا تلوت الفاتحة كذلك فتشبه ان تكون ممن قال الله تعالى فيهم فيما اخبر النبي صلى الله عليه واله قسمت الفاتحة بينى وبين عبدى نصفين فنصفها لى ونصفها لعبدي يقول العبد الحمدلله رب العالمين فيقول الله حمدني عبدى واثنى على وهو معنى قوله تعالى سمع الله لمن حمده الحديث فلو لم يكن من صلوتك حظ سوى ذلكر الله لك في جلاله وعظمته فناهيك به غنيمة فكيف بما ترجوه من ثوابه وفضله وكذلك ينبغى ان تفهم ما تقراه من السورة فلا تغفل عن امره ونهيه ووعده ووعيده ومواعظه واخبار انبيائه وذكر مننه واحسانه فلكل واحد حق فالرجاء حق الوعد والخوف حق الوعيد والعزم حق الامر والنهى والاتعاظ حق الموعظة والشكر حق تذكر المنة والاعتبار حق اخبار الانبياء وتفصيل وظيفة قرائة القران لا يحتمله هذا المحل لكنا نذكر منه في اخر الفصل وبالجملة ففهم معاني القران يختلف بحسب درجات الفهم والفهم يختلف بحسب وفور العلم وصفاء القلب ودرجات ذلك لا تنحصر والصلوة مفتاح القلوب

[ 130 ]

فيها تنكشف اسرار الكلمات فهذا حق القرائة وهو ايضا حق الاذكار والتسبيحات ايضا ثم تراعى الهيئة في القرائة زيادة على التدبر فترتل ولا ترد فان ذلك ايسر للتأمل وتفرق بين نعمائه في اية الرحمة والعذاب والوعد والوعيد والتمجيد والتعظيم ويروى انه يقال لقارى القران اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا ومن وظائف القرائة من الاثر قول الصادق عليه السلام من قرا القران ولم يخضع له ولم يرق قلبه ولم ينشئ حزنا وجلا في سره فقد استهان بعظم شان الله وخسر خسرانا مبينا فقارى القران يحتاج إلى ثلثة اشياء قلب خاشع وبدن فارغ وموضع خال فإذا خشع لله قلبه مزمنه الشيطان الرجيم قال الله تعالى فإذا قرات القران فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم فإذا تفرغ نفسه من الاسباب تجرد قلبه للقرائة فلا يعترضه عارض فيحرمه نور القران وفوائده وإذا اتخذ مجلسا خاليا واعتزله من الخلق بعد ان اتى بالخصلتين الاوليين استانس روحه وستره بالله ووجد حلاوة مخاطبات الله عبادا لصالحين وعظم لطفه بهم ومقام اختصاصه لهم بقبول كراماته وبدائع اشاراته فإذا شرب كاسا من هذه المشرب ح لا يختار على هذه الحال حالا ولا على ذلك الوقت وقتابل يؤثره على كل طاعة وعبادة لان فيه المناجات مع الرب بلا واسطة فانظر كيف تقرء كتاب ربك ومنشور ولاتيك وكيف تجيب أو امره وتجنب نواهيه وكيف تمتثل حدوده فانه كتاب عزيز لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فرتله ترتيلا وقف عند وعده ووعيده و تفكر في امثاله ومواعظه واحذران تقع من اقامتك حروفه في اضاعة حدوده الخامس الركوع فإذا وصلت إليه فجدد على قلبك ذكر كبريائه الله تعالى وعظمته وخساسة كل ما سواه وتلاشيه فارفع يديك له وقل الله اكبر مستجيرا في رفعك بعفو الله من عقابه ومتبعا سنة نبيه ثم تستأنف له ذلا وتواضعا بركوعك واجتهد في

[ 131 ]

ترقيق قلبك وتجديد خشوعك واستشعر ذلك وعزمو لاك واتضاعك وعلو ربك فتستعين على تقدير ذلك في قلبك بلسانك فتسبح ربك وتنزهه وتشهد له بالعظمة والكبرياء وانه اعظم من كل عظيم بقولك سبحان ربى العظيم وبحمده وتكرر ذلك على لسانك وقلبك لتوكده بالتكرار وتقرره في ذلك بالتذكار وكلما اكثرت منه وازددت خضوعا زدت عند مولاك دفعة ثم ترفع من ركوعك راجيا انه راحم ذلك وتؤكد الرجاء في منقلبك بقولك سمع الله لمن حمده أي اجاب الله لمن حمده وشكره ثم تردف ذلك بالشكر المتقاضى للمزيد فتقول الحمدلله رب العالمين وفى ذلك غاية الخضوع ومزيد التذلل إذا راعيت ذلك بالحقيقة وقد قال الصادق عليه السلام لا يركع عبد ركوعا على الحقيقة الا زينه الله تعالى بنور بهائه واظله في ظلال كبريائه وكساه كسوة اصفيائه والركوع اول والسجود ثان فمن اتى بمعنى الاول صلح الثاني وفى الركوع ادب وفى السجود قرب ومن لا يحسن الادب لا يضاع للقرب فاركع ركوع خاضع لله بقلبه متذلل وجل تحت سلطانه خافض له بجوارحه خفض خائف حزن على ما يفوته من فائدة الراكعين وحكى ان الربيع بن خثيم كان يسهر بالليل إلى الفجر في ركعة واحدة فإذا هو اصبح رفع وقال آه سبق المخلصون وقطع بنا واستوف ركوعك باستواء ظهرك وانحط عن همتك في القيام بخدمته الا بعونه وفر بالقلب من وساوس الشيطان وخدائعه ومكائده فان الله تعالى يرفع عباده بقدر تواضعهم له ويهديهم إلى اصول التواضع و الخضوع بقدر اطلاع عظمته على سرايرهم السادس السجود وهو اعظم مراتب الخضوغ واحسن درجات الخشوع واعلى مراتب الاستكانة واحق المراتب باستيجاب القرب إلى الله تعالى وتلقى انوار رحمته ومعاطف كرمه كما نبه عليه الكتاب الكريم في امره لنبيه ان يسجده ووعده على ذلك بان يقترب فإذا اردت السجود فاستحضر

[ 132 ]

عظمة الله تعالى زياده على ما حضر حالة الركوع وكبره رافعا يديك وانت قائم ثم اهو إلى السجود ومكن اعز اعضائك وهو الوجه من اذل الاشياء وهو التراب فان امكنك ان لا تجعل بينهما حائلا فتسجد على الارض فافعل فانه اجلب للخشوع وادل على الذل و الخضوع وهذا هو السر في منع الشريعة من السجود على ما يأكله الادميون ويلبسونه لانه من متاع الدنيا واهلها الذين اغتروا بغرورها وركنوا إلى زخرفها واطمانوا إليها فاسلمتهم إلى المهالك حوج ما كانوا إليها وإذا وضعت نفسك موضع الذل فاعلم انك وضعتها موضعها ورددت الفرع إلى اصله فانك من التراب خلقت واليه رردت ثم تخرج منها مرة اخرى فاحضر في بالك نقلاتك منها واليها ثم خروجك منها بتكرر السجود كما ذكره الله تعالى لك بقوله منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرحكم تارة اخرى وعند هذا جدر على قلبك عظمة الله تعالى وعلوه وقل سبحان ربى الاعلى وبحمده واكده بالتكرار فان المرة الواحدة ضعيفة الاثر في القلب فإذا رق قلبك وظهر ذلك فليصدق رجائك في رحمة ربك فان رحمة تتسارع إلى الضعف والذل لا إلى التكبر والبطر فارفع رأسك مكبرا وسائلا حاجتك ومستغفرا من ذنوبك ثم اكد التواضع بالتكرار وعد إلى السجود ثانيا كذلك فبزيادته يزيد القرب وبتكراره يتأكد السوانح الالهية ويظهر اللوامع الغيبية إذا وقع على وجهه قال الصادق عليه السلام ما خسروا الله من اتى بحقيقة السجود ولو كان في العمر مرة واحدة وما افلح من خلا بربه في مثل ذلك الحال تشبيها بمخادع نفسه غافلا لاهيا عما اعد الله للساجدين من انس العاجل وراحة الاجل ولا بعد عن الله ابدا من احسن تقربه في السجود ولا قرب إليه ابدا من اساء ادبه وضيع حرمته بتعلق قلبه بسواه في حال سجوده فاسجد سجود متواضع لله تعالى ذليل علم انه خلق من تراب يطاه الخلق وانه اتخذك من نطفة ويستقذرها

[ 133 ]

كل احد وكون ولم يكن وقد جعل الله معنى السجود سبب التقرب إليه وبالقلب والسر و الروح فمن قرب منه بعد من غيره الا ترى في الظاهر انه الايستوى حال السجود والا بالنور أي عن جميع الاشياء والاحتجاب عن كل ما تراه العيون كذلك امر الباطن فمن كان قلبه متعلقا في صلوته بشئ دون الله تعالى فهو قريب من ذلك الشئ بعيد عن حقيقة ما اراد الله منه في صلوته قال الله عزوجل ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وقال رسول الله صلى الله عليه واله قال الله تعالى لا اطلع على قلب عبد فاعلم فيه حب الاخلاص لطاعني لوجهي وابتغاء مرضاتي الا توليت تقويمه وسياسته ومن اشتغل بغيرى فهو من المستهزئين بنفسه ومكتوب اسمه في ديوان الخاسرين السابع التشهد إذا جلست للتشهد بعد هذه الافعال الدقيقة الاسرار العميقة المشتملة على الاخطار الجسيمة والاهوال العظيمة فاستشعر الخوف التام والرهبة والحياء والوجل ان يكون جميع ما سلف منك غير واقع على وجهه ولا محصلا لوظيفته وشرطه ولا مكتوبا في ديوان المقبولين فاجعل يدك صفرا من فوايدها الا ان يتدارك كل الله برحمته ويقبل عملك الناقص بفضله فارجع إلى مبدأ الامر واصل الدين واستمسك بكلمة التوحيد وحضر الله تعالى الذى من دخله كان امنا ان لم يكن حصل في يدك غيره واشهد له بالوحدانية واحضر رسوله الكريم ونبيه العظيم ببالك واشهد له بالعبودية والرسالة وصل عليه و على اله مجددا عهد الله باعادة كلمني الشهادة متعرضا بهما لتاسيس مراتب السعادة فانهما اول الوسائل واساس الفواضل وجماع امر الفضايل مترقبا لاجابته ص لك بصلوتك عشرا من صلوته إذا قمت بحقيقة صلوتك عليه التى لو وصل اليك منها واحدة افلحت ابدا وقال الصادق عليه السلام التشهد ثناء على الله تعالى فكن عبداله في السر خاضعا له في الفعل كما انك عبد له بالقول والدعوى وصل صدق لسانك بصفاء صدق شرك

[ 134 ]

فانه خلقك عبدا وامرك ان تعبده بقلبك ولسانك وجوارحك وان تحقق عبوديتك له بربوبيته لك وتعلم ان نواصى الخلق بيده فليس لهم نفس ولا لحظ الا بقدرته ومشيته وهم عاجزون عن اتيان اقل شئ في مملكته الا باذنه وارادته قال الله عزوجل وربك يخلق ما يشاء ويختار ماكان لهم الخيرة من امرهم سبحان الله وتعالى عما يشركون فكن عبدا شاكر بالفعل كما انك عبد اذاكر بالقول والدعوى وصل صدق لسانك بصفاء سرك فانه خلقك فعزوجل ان يكون ارادة ومشية لاحد الا بسابق ارادته ومشيته فاستعمل العبودية في الرضا بحكمه وبالعبادة في اداء أو امره وقد امرك بالصلوة على نبيه محمد صلى الله عليه واله وسلم فاوصل صلوته بصلوته وطاعته بطاعته وشهادته بشهادته وانظر لا يفوتك بركات معرفة حرمته فتحرم عن فائدة صلوته وامره بالاستغفار لك والشفاعة فيك ان اتيت بالواجب في الامر والنهى والسنن والاداب وتعلم جليل مرتبته عند الله عزوجل الثامن التسليم إذا فرغت من التشهد فاحضر نفسك بحضرت سيد المرسلين والملائكة المقربين وقل السلام عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته إلى اخر التسليم المستحب ثم احضر في بالك النبي صلى الله عليه واله وسلم وبقية انبياء الله وائمة عليهم السلام والحفظة لك من الملائكة المقربين المحصين لاعمالك وقل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ولا تطلق لسانك بصيغة الخطاب من غير حضور مخاطب في ذهنك فتكون من الغائبين واللاعبين وكيف يسمع الخطاب لمن لا يقصد المخالطب لولا فضل الله تعالى ورحمته الشاملة ورأفته الكاملة في اجتزائه بذلك عن اصل الواجب وان كان بعيدا عن درجات القبول منحطا من اوج القرب والوصول فان كنت اماما لقوم فاقصدهم بالسلام مع من تقدم ممن المقصودين وليقصدوا هم الرد عليك ايضا ثم يقصدوا مقصدك بسلام ثان فإذا فعلتم ذلك فقد اديتم وظيفة السلام واستحققتم من الله تعالى مزيد الاكرام واصل السلام مشترك بين

[ 135 ]

التحية الخاصة وبين الاسم المقدس من اسماء الله تعالى والمعنى هنا على الاول ظاهر وعلى الثاني يكون مستعارا في الخلق باذن الله تعالى للتفأل بالسلام والامان من عذاب الله تعالى لمن قام بحدوده قال الصادق عليه السلام معنى السلام في دبر كل صلوة الامان أي من ادى امر الله وسنة نبيه صلى الله عليه واله خاشعا منه قلبه فله الامان من بلاء الدنيا وبراءة من عذاب الاخرة والسلام اسم من اسماء الله تعالى اودعه خلقه ليستعملوا معناه في المعاملات والامانات والاتصافات وتصديق مصاحبتهم فيما بينهم وصحة معاشرتهم وإذا اردت ان تضع السلام موضعه وتؤدى معناه فليتق الله وليسلم منك دينك وقلبك وعقلك الا تدنسها بظلمة المعاصي ولتسلم حفظتك لابترمهم ولا تملهم وتوحشهم منك بسوء معاملتك معهم ثم صديقك ثم عدوك فان لم يسلم منه من هو الاقرب إليه فالابعد اولى ومن لا يضع السلام مواضعه هذه فلاسلام ولا تسليم وكان كاذبا في سلامه وان افشاه في الخلق تتمة الفصل إذا اتيت بالصلوة على ما وصفت لك فاختمها بالخشوع والخضوع والخوف من منقلب الرد وخيبة الحرمان فاستشعر شكر الله تعالى على توفيقه لاتمام هذه الطاعة وتوهم انك مودع في صلوتك هذه أو انك ربما لا تعيش على مثلها كما قال صلى الله عليه واله صل صلوة مودع ثم استشعر قلبك الحياء من التقصير في الصلوة والخوف من ان تلف فيضرب بها وجهك فإذا فعلت ذلك رجوت ان تكون من الخاشعين الذينهم على صلوتهم دائمون واعرض صلوتك على هذا الوصف فبقدر ما تيسر منها كذلك ينبغى ان تفرح وترجو وعلى ما يفوتك ينبغى ان تتحسر تجتهد في مداواة قلبك فان صلوة الغافلين مرتع ابليس اللعين نسال الله تعالى ان يغمرنا برحمته و ويتغمدنا بمغفرته إذ لا وسيلة لنا الا الاعتراف بالعجز عن القيام بوظايف طاعته

[ 136 ]

ثم عقب ذلك كله بالاشتغال بالتعقيب من الذكر والدعاء وبالغ في الاخلاص والانقطاع والابتهال إلى الله تعالى في مغفرة ذنبك وقبول عملك وتلقى طاعتك بيد الرحمة فان الفضل عميم والكرم جسيم والرحمة واسعة والجود فايض والمحل قابل وخلاصة وظايف الدعاء عقيب الصلوة وغيرها ماقاله مولانا الصادق عليه السلام احفظ ادب الدعاء وانظر من تدعو وكيف تدعو ولما تدعو وحقق عظمة الله تعالى وكبريائه وعاين يقلبك علمه بما في ضميرك واطلاعه على سرك وما يكن فيه من الحق والباطل واعرف طوق نجاتك وهلا كذلك كيلا تدعوا الله بشئ فيه هلا كذلك وانت تظن ان فيه نجاتك قال الله عزوجل ويدع الانسان بالشر دعائه بالخير وكان الانسان عجولا وتفكر ماذا تسأل ولماذا تسأل والدعاء استجابة الكل منك للحق وتذريب المهجة في مشاهدة الرب و ترك الاختيار جميعا وتسليم الامور كلها ظاهرها وباطنها إلى الله تعالى فان لم تات بشرط الدعاء فلا تنتظر الاجابة فانه يعلم السر واخفى فلعلك تدعو لشئ قد علم من نيتك بخلاف ذلك قال بعض الصحابة ابعضهم انتم تنتظرون المطر بالدعاء وانا انتظر الحجر واعلم انه لو لم يكن امرنا الله بالدعاء لكنا إذا اخصلنا الدعاء تفضل عليها بالاجابة فكيف وقد ضمن ذلك لمن اتى بشرايط الدعاء وسئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن اسم الله الاعظم قال كل اسم من اسماء الله اعظم وفرغ قلبك عن كل ما سواه وادعه باى اسم شئت و ليس في الحقيقة لله اسم دون اسم بل هو الله الواحد القهار وقال النبي صلى الله عليه وآله ان الله لا يستجيب الدعاء من قلب لاه فإذا اتيت بما ذكرت لك من شرائط الدعاء واخلقه سرك لوجهه فابشر باحدى ثلثة اما ان يتعجل لك بما سئلت أو يدخر لك ما هو اعظم منه واما ان يصرف عنك من البلاء مالو ارسله عليك لهلكت قال النبي صلى الله عليه واله قال الله تعالى من شغله ذكرى عن مسئلتي اعطيته افضل ما اعطى السائلين

[ 137 ]

قال الصادق عليه السلام لقد دعوت الله مرة فاستجاب لى ونسيت الحاجة لان استجابته باقباله على عبده عند دعوته اعظم واجل مما يريد منه العبد ولو كانت الجنة ونعيمها الا بدو لكن لا يعقل ذلك الا العاملون المحبون العارفون الفائزون صفوة الله وخواصه انتهى وهو كاف في وظيفة الدعاء وان عقبت بشئ من القران فينبغي ان تتدبر بعض وظائفه لتقوم بشروطه وتمتثل مرسوم حدوده كما ينبغى ذلك لكل فارى وما ورد في ثواب قراءة القران والحث عليه يخرج ذكره عن موضع الرسالة فلنذكر مهم وظائفه ملخصا و هو امور الاول حضور القلب وترك حديث النفس قبل في تفسير قوله تعالى يا يحيى خذ الكتاب بقوة أي بجد واجتهاد واخذه بالجد ان يتجرد عند قرائته بحذف جميع المشغلات والهموم عنه الثاني التدبر وهو طور وراء حضور القلب فان الانسان قد لا يتفكر في غير القران ولكنه يقتصر على سماع القران و هو لا بتدبره والمقصود من التلاوة التدبر قال سبحانه افلا يتدبرون القران ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وقال تعالى ورتل القران ترتيلا لان الترتيل يمكن الانسان من تدبر الباطن وقال النبي صلى الله عليه واله وسلم لاخير في عبادة لافقه فيها ولاخير في قراءة لاتدبر فيها وإذا لم يمكن التدبر الا بالترديد فليردد قال أبو ذر رضى الله عنه قام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ليلة يردد قوله تعالى ان نعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك انت العزيز الحيكم الثالث التفهم وان يستوضح من كل اية ما يليق بها إذا القران يشتمل على ذكر صفات الله تعالى وافعاله واحوال انبيائه والمكذبين لهم واحوال ملائكته وذكر اوامره وزواجره وذكر الجنة والنار والوعد والوعيد فليتأمل معاني هذه الاسماء والصفات لينكشف له اسرارها فان تحتها اسرار الدقايق وكنوز الحقايق قال ابن مسعود من اراد ان يعلم علم الاولين والاخرين فعليه بالقران قال

[ 138 ]

الله تعالى قل لو كان البحر مداد الكلمات ربى لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا وقال على عليه السلام لو شئت لا وقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب فمن لم ينفهم معاني القران في تلاوته وسماعة ولو في ادنى المراتب دخل في قوله تعالى اولئك الذين طبع الله على قلوبهم وقوله افلا يتدبرون القران ام على قلوب اقفالها الرابع التخلي عن موانع الفهم فان اكثر الناس منعوا من فهم القران لاسباب و حجب استدلها الشيطان على قلوبهم فحجبت عن عجائب اسراره قال صلى الله عليه واله لولا ان الشياطين يحومون على قلوب بنى آدم لنظروا إلى الملكوت ومعانى القران واسراره من جملة الملكوت والحجب الموانع منها والاشتغال بتحقيق الحروف واخراجها من مخارجها والتشدو بها من غير ملاحظة المعنى وقيل ان المتولي لحفظ ذلك شيطان وكل بالقرائة ليصرف عن معاني كلام الله تعالى فلا يزال يحملهم على ترديد الحروف ويخيل إليهم انه لم يخرج من مخرجه فيكون تأمله مقصورا على مخارج الحروف فمتى ينكشف له المعاني واعظم ضحكة للشيطان من كان مطيعا لمثل هذا التلبيس ومنها ان يكون مبتلى من الدنيا بهوى مطاع فان ذلك سبب لظلمة القلب كالصداء على المرأة فيمنع جلبه الحق ان يتجلى فيه وهو اعظم حجاب للقلب وبه حجب الاكثرون وكلما كانت الشهوات اكثر تراكما على القلب كان البعد عن اسرار الله اعظم ولذلك قال صلى الله عليه وآله الدنيا والاخرة ضرتان بقدر ما تقرب من احديهما بتعد من الاخرى الخامس ان يخصص نفسه بكل خطاب في القران من امرا ونهى أو وعدا ووعيد ويقدر انه هو المقصود وكذلك ان سمع قصص الاولين والانبياء عليهم السلام وعلم ان مجرد القصة غير مقصود وانما المقصود الاعتبار ولا يعتقدان كل خطاب خاص في القران فاراد به الخصوص فان القران وساير الخطابات الشرعية واردة على طريقة اياك اعني واسمعي باجاره وهى كلها نور وهدى

[ 139 ]

ورحمة للعالمين ولذلك امر الله تعالى الكافة بشكر نعمة الكتاب فقال واذكروا نعمة الله عليكم وما انزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به وإذا قدر انه المقصود لم يتخذ دراسة القران عملا بل قرأة كقرائة العبد كتاب مولاه الذى كتبه إليه ليتدبره ويعمل بمقتضاه قال حكيم هذا القران اتانا من قبل ربنا بعهوده نتدبرها في الصلوة ونقف عليها في الخلوات ونعدها في الطاعات بالسنن المتبعات السادس التاثر وهو ان بتأثر قلبه باثار مختلفة بحسب اختلاف الايات فيكون له بحسب كل فهم حال ووجد يتصف به عند ما يوجه نفسه في كل حال إلى الجهة التى فهمها من خوف أو حزن أو رجاء أو غيره فيستعد بذلك وينفعل ويحصل له التاثر والخشية وفهما قويت معرفته كانت الخشية اغلب الاحوال على قلبه فان التضيق غالب على العارفين فلا يرى ذكر المغفرة والرحمة الا مقرونا بشروط يقصر العارف عن نيلها كقوله تعالى وانى لغفار لمن تاب وامن وعمل صالحا ثم اهتدى فانه قرن المغفرة بهذه الشروط الاربعة وكذلك قوله تعالى والعصر ان الانسان لفى خسر إلى اخر السورة وذكر فيها اربعة شروط وحيث اوجز واختصر ذكر شرطا واحدا جامعا للشرايط فقال تعالى ان رحمة الله قريب من المحسنين إذ كان الاحسان جامعا لكل الشرايط وتأثر العبد بالتلاوة ان يصير بصفة الاية المنلوه فعند الوعيد يتضاءل من خشية الله وعند الوعد يستبشر فرحا برحمة الله وعند ذكر الله واسمائه يتطاطا خضوعا لجلاله وعند ذكر الكفار في حق الله ما يمتنع عليه كالصاحبة والولد يغض صوته وينكسر في باطنه حياء من قبح افعالهم ويكبر الله ويقدسه عما يقول الظالمون وعند ذكر الجنة ينبعث بباطنه شوقا إليها وعند ذكر النار ترعد فرائصه خوفا منها ولما قال رسول الله صلى الله عليه واله لابن مسعود اقرأ على قال ففتحت سورة النساء فلما بلغت فكيف إذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على

[ 140 ]

هؤلاء شهيد ارأيت عيناه تذر فان من الدمع فقال لى حسبك الان وذلك لاستغراق تلك الحالة لقلبه بالكلية والقران انما يراد لهذه الاحوال واستجلابها إلى القلب والعمل بها قال رسول الله صلى الله عليه واله اقراؤ القران ما ائتلفت عليه قلوبكم ولانت عليه جلودكم فإذا اختلفتم فلستم تقرؤنه وقال الله تعالى الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم اياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكلون والا فالمؤمنة في تحريك اللسان خفيفة وروى ان رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم ليعلمه القران فانتهى إلى قوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فقال يكفيني هذا وانصرف فقال رسول الله صلى الله عليه واله انصرف الرجل وهو فقيه واما التالى باللسان المعرض عن العمل فجدير ان يكون المراد بقوله تعالى ومن اعرض عن ذكرى فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيمة اعمى الاية وانما خط اللسان تصحيح الحروف بالترتيل وخط العقل تفسير المعاني وخط القلب الاتعاظ والتأثر بالانزجار و الايتمار السابع الترقي وهو ان يوجه قلبه وعقله إلى القبلة الحقيقية فيستمع الكلام من الله تعالى لامن نفسه ودرجات القرائة ثلثة ادناها ان يقدر العبد كانه يقرء على الله عزوجل واقفا بين يديه وهو ناظر إليه ومستمع منه فيكون حاله عند هذا التقدير السؤال والتضرع والابتهال والثانية ان يشهد بقلبه كانه سبحانه وتعالى يخاطبه بالطافه ويناجيه بانعامه واحسانه وهو في مقام الحيا والتعظيم لمنن الله والاصغاء إليه والفهم منه الثالثة ان يرى في كلام المتكلم وفى الكلمات الصفات ولا ينظر إلى قلبه ولا إلى قرائته ولا إلى التعلق بالانعام من حيث هو منعم عليه بل يقتصر الهم على المتكلم ويوقف فكره عليه ويستغرق في مشاهدته وهذه درجة المقربين و عنها اخبر جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام بقوله لقد تجلى الله لحلقه في كلامه ولكنهم

[ 141 ]

لا يبصرون وقال ايضا وقد سألوه عن حالة لحقته في الصلوة حتى خر مغشيا عليه فما افاق قيل له في ذلك قال مازلت اردد هذه الاية على قلبى حتى سمعتها من المتكلم بها فلم يثبت جسمي لمعانية قدرته الثامن التبرى والمراد به ان يتبرأ من حوله وقوته فلا يلتفت إلى نفسه بعين الرضا والتزكية فإذا تلا ايات الوعد ومدح الصالحين حذف نفسه عن درجة الاعتبار وشهد فيها الموقنين والصديقين ويتشوق إلى ان يلحقه الله بهم وإذا تلى ايات المقت والذم للمقصرين شهد نفسه هناك وقدر انه المخاطب خوفا واشفاقا والى هذه المرتبة اشار أمير المؤمنين عليه السلام وسيد الوصيين في الخطبة التى يصف فيها المتقين بقوله وإذا مروا باية فيها تخويف اصفوا إليها مسامع قلوبهم فظنوا ان زفير جهنم في اذانهم إلى اخره ومن راى نفسه بصورة التقصير في القرائة كان ذلك سبب قربه ومن شاهد نفسه بعين الرضا فهو محجوب بنفسه فهذه نبذة من وظائف القرائة واسرارها وفقنا الله لتلقى الاسرار والحقنا بعبادة الابرار وإذا وصلت إلى هذا المقام فاسجد سجدتي الشكر شكر الله سبحانه وتعالى على مزيد الانعام واحضر انعامه لديك ببالك واياديه عندك في جميع احوالك وقل شكرا شرا إلى تمام ما يمكنك من المزيد فانت مع ذلك مقصر عما يجب عليك من التحميد وغاية ما يجب الاعتراف بالتقصير والاستغفار من كل قليل وكثير اللهم ارزقنا العمل بما كشفت لنا من الاسرار والايات وزدنا فيضا وعرفانا يكون لنا سلما إلى نيل تلك الدرجات واوقفنا على درك الحق بالتوفيق وثبت اقدامنا على مقامات الصدق وحقايق التحقيق بفضلك وجودك العميم انك انت الوهاب الكريم الفصل الثالث في المنافيات وهى في هذا المقام ما ابطلت الصلوة أو نقصت كمالها من جهات قلبية وهى تنقسم إلى منافيات الكمال والى منافيات الصحة وضابط الاول

[ 142 ]

ما ينافى الاقبال بالقلب على الله تعالى من حديث النفس والالتفات إلى امر دنيوى بل الفكر في غير متعلق الصلوة وان كان اخرويا فانه من دقايق مكايد الشيطان فان المطلوب لله تعالى والموجب للقبول انما هو الاقبال على كل فعل من افعالها حال الاشتغال فيه كما نبه عليه بقوله صلى الله عليه واله وانما لك من صلوتك ما اقبلت عليه بقلبك ويدخل في هذا القسم ما عده الفقهاء من المكروهات كمدافعة الاجنثين والنعاس والتنخم والبصاق والعبث وغيرها فانها مشتركة في مضادة الاقبال ومنافية للخشوع واما منافيات الصحة فضابطها منافات الاخلاص واستكثار الطاعة ويدخل في الاول الريا باقسامه وفى الثاني العجب والكلام في كل منهما مستوفا وذكر اقسامها واحكامها يخرج عن وضع الرسالة لكنا نذكر المهم فاعلم ان الوعيد على هاتين الافتين في الكتاب والسنة كثيرا يخرج عن حد الحصر قال الله تعالى فويل للمصلين الذينهم عن صلوتهم ساهون الذين هم يراؤن وقال النبي صلى الله عليه واله ان النار واهلها يعجون من اهل الريا فقيل يا رسول الله فكيف تعج النار قال من حر النار التى يعذبون بها وعنه صلى الله عليه واله قال المرائى يوم القيمة ينادى باربعة اسمأ يا كافر يا فاجريا غادريا خاسر ضل سعيك وبطل اجرك ولا خلاق لك التمس الاجر ممن كنت تعمل له يا خادع وعنه صلى الله عليه وآله ان الله تعالى يقول انا اغنى الاغنياء عن الشرك من عمل عملا فاشرك فيه غيرى فنصيبي له فانا لا اقبل الا ماكان خالصا لى وعنه صلى الله عليه وآله ان الجنة تكلمت وقالت انى حرام على كل نجيل ومرائي وعنه صلى الله عليه وآله ان اول من يدعى يوم القيمة رجل مع القران ورجل قاتل في سبيل الله ورجل كثير المال فيقول الله عزوجل للقارى الم اعلمك ما انزلت على رسولي فيقول بلى يا رب فيقول ما عملت فيما علمت فيقول يا رب قرانه في اناء الليل واطراف النهار فيقول الله كذبت ويقول الملائكة كذبت ويقول الله تعالى انما اردت ان يقال فلان قارى فقد طل ذلك؟

[ 143 ]

ويؤتى بصاحب المال فيقول الله تعالى الم اوسع عليك حتى لم ادعك تحتاج إلى احد فيقول بلى يا رب فيقول فما ذا عملت فيما اتيتك قال كنت اصل الرحم واتصدق فيقول الله كذبت ويقول الملائكة كذبت ويقول الله سبحانه بل اردت ان يقال فلان جواد وقد قيل ذلك ويؤتى بالذى قتل في سبيل الله فيقول الله ما فعلت فيقول امرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله كذبت ويقول الملائكة كذبت فيقول الله بل اردت ان يقال فلان جرى وشجاع فقد قيل ذلك ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله اولئك خلق الله تسعر بهم نار جهنم وعن الصادق عليه السلام اياك والريا فانه من عمل لغير الله وكله الله إلى من عمل له وعنه عليه السلام في قول الله عزوجل فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه قال الرجل يعمل شئيا من الثواب لا يطلب به وجه الله انما يطلب تزكية النفس يشتهى ان يسمع به الناس فهذا الذى اشرك بعبادة ربه ثم قال ما من عبداسر خيرا فذهبت الايام ابدا حتى يظهر الله له خيرا وما من عبد اسر شرا فذهبت الايام ابدا حتى يظهر الله له شرا والاثر في ذلك يطول وقال الله تعالى في ذم العجب ويوم حنين إذا عجبتكم كثرتكم ذكر ذلك في معرض الانكار وقال تعالى وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا وهو ايضا راجع إلى العجب بالعمل على وجه وقال النبي صلى الله عليه وآله ثلث مهلكات شح مطاع وهوى متبع اعجاب المرء بنفسه وقال الصادق عليه السلام من دخله العجب هلك وعنه عليه السلام العجب له درجات منها ان يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه وبحسب انه يحسن صنعا وعنه عليه السلام قال انى عالم عابدا فقال له كيف صلوتك فقال مثلى يسئل عن صلوته وانا منذ كذا وكذا ابكى قال كيف بكاؤك قال ابكى حتى يجرى دموعي فقال له العالم فان ضحكك وانت خائف خير من بكائك وانت مدل ان المدل لا يصعد من عمل وعن احدهما عليهما السلام قال دخل المسجد رجلان

[ 144 ]

احدهما عابد والاخر فاسق فخرجا من المسجد والفاسق صديق والعابد فاسق وذلك انه يدخل العابد مدلا بعبادته فيدل بها فيكون فكرته في ذلك ويكون فكرة الفاسق في التندم على فسقه ويستغفر الله عزوجل مما صنع من الذنوب وقال النبي صلى الله عليه واله قال الله تعالى لداود عليه السلام يا داود بشر المذنبين وانذر الصديقين قال كيف ابشر المذنبين وانذر الصديقين قال يا داود بشر المذنبين انى اقبل التوبة واعفو عن الذنب وانذر الصديقين الا يعجبوا باعمالهم فانه ليس عبد يعجب بالحسنات الا هلك واعلم ان الريا على ضربين رياء محض ورياء مختلط فالمحض ان يريد بعلمه نفع الدنيا وهو اعم من ان يتوصل به إلى محرم أو مباح أو الحذ ومن ان ينظر إليه بعين النقص ولا يعد من الخاصة والمختلط ان يقصد به ذلك مع التقرب إلى الله تعالى وكلاهما مفسد للعمل بل الاول ساقط عن درجة البحث والاعتبار والثانى هو الاشراك لله تعالى في العبادة التى قد تقدم انه يتركها لشريكه وهذا هو الشرك الخفى هذه الامة الذى اشار إليه النبي صلى الله عليه واله بانه في امته فاش ثم المقصود هنا ليس هو البحث عن الفعل الذى يقع ابتداء رياء لان ذلك باطل في نفسه ولا يعرض لقلوب العارفين وانما الكلام هنا فيما يبتدى الانسان به من العبادة خالصا لله تعالى لا يريد به غيره ثم يعرض له ما ينافى الاخلاص على وجه الشوب اللطيف الذى ينبغى التنبيه عليه في مثل هذا المقام وهو يأتي على وجوه بعضها جلى وبعضها خفى احدها ان يعقد الصلوة مثلا على الاخلاص المحض والطاعة والاقبال على الله تعالى بها وهو خال من نظر الناس إليه فيدخل عليه داخل أو بنظر إليه ناظر فيقول له الشيطان زد صلوتك حسنا حتى ينظر اليك هذا لحاضر بعين الوقار والصلاح ولا يزد ربك ولا يغتابك فتخشع جوارحه ويسكن اطرافه ويحسن صلوته وهذا هو الرياء

[ 145 ]

الطارى الظاهر الذى لا يخفى على المبتدئين من المريدين ولكنه في الجملة من شوائب القرب ومنا في الاخلاص وثانيها ان يكون قد فهم هذه الافة واخذ منها حذره فصار لايتبع الشيطان فيها ولا يلتفت إليه ويستمر في صلوته كما كان فيأتيه في معرض الخير الخيرة فيقول انت متبوع فانت متبوع ومقتدى بك ومنظور اليك وما تفعله يؤثر عنك و يتاسى بك غيرك فيكون لك ثواب اعمالهم ان احسنت وعليك الوزران اسات فاحسن عملك فعساه ان يقتدى بك في الخشوع وتحسين العبادة فيكون شريك من اقتدى بك وهلم جرا للحديث المشهوران من سنن سنة حسنة فله اجرها واجر من يعمل بها إلى يوم القيمة وهذه المكيدة اعظم من الاولى وادق وقد ينخدع بها من لا ينخدع بالاولى وهو ايضا عين الرياء ومبطل الاخلاص فانه إذا كان يرى الخشوع وحسن العبادة خير الا يرتضى لغيره تركه فلم يرتضى لنفسه ذلك في الخلوة ولا يمكن ان يكون نفس غيره اعز عليه من نفسه فهذا عين التلبيس بل المقتدى به هو الذى استقام في نفسه واستنار قلبه فانتشر نوره إلى غيره فيكون له الثواب عليه واما فعل الاول فمحض النفاق والتلبيس فيطالب يوم القيمة بتلبيسه ويعاقب على اظهاره من نفسه ما ليس متصفا به وان اثيب المقتدى به وثالثها وهو ادق مما قبله ان ينتبه العبد لذلك وانه مكيدة من الشيطان ويعلم ان مخالفته بين الخلوة والمشاهدة للغير محض الرياء ويعلم ان الاخلاص في ان يكون صلوته في الخلوة مثل صلوته في الملاء ويستحيى من نفسه ومن ربه ان يخشع لمشاهدة خلقه تخشعا زائدا على عادته فيقبل على نفسه في الخلوة ويحسن صلوته على الوجه الذى يرتضيها في الملاء ويصلى ايضا في الملاء كذلك للعلة المذكورة وهذا ايضا من الرياء الغامض لانه حسن صلوته في الخلوة ليحسن في الملاء فلا يكون قد فرق بينهما بالتفاوت في الخلوة والملاء إلى الخلق بل الاخلاص ان يكون مشاهدة البهائم لصلوته

[ 146 ]

ومشاهدة الخلق على ونيرة واحدة فكان نفس صاحب هذه الخطرة ليس تسمح باساءة الصلوة بين الناس ثم يستحيى من نفسه ان يكون في صورة المرائين ويظن بان ذلك يزول بان يستوى صلوته في الخلاء والملاء وهيهات بل زوال ذلك بان لا يلتفت إلى الخلق كما لا يلتفت إلى الجمادات والبهائم في الخلاء والملاء جميعا وهذا شخص مشغول الهم بالخلق في الخلاء والملاء جميعا وهذا من المكائد الخفية والى هذا المعنى الاشارة في الحديث النبوى لا يكمل ايمان العبد حتى يكون الناس عندة بمنزلة الاباعر فتأمل ورابعها وهو ادق واخفى ان ينظر إليه الناس وهو في صلوته فيعجز الشيطان عن اين يقول له اخشع لاجلهم فانه قد عرف انه لا يصغى لذلك فيقول له الشيطان تفكر في عظمة الله وجلاله ومن انت واقف بين يديه واستح ان ينظر الله إلى قلبك وانت غافل عنه فيحضى بذلك قلبه ويجتمع جوارحه ويظن ان ذلك عين الاخلاص وهو عين المكر والخداع فان خشوعه لو كان لنظره إلى جلال الله وعظمته لكانت هذه الخطرة تلازمه في الخلوة ولكان لا يختص حضورها بحالة حضور غيره وعلامة الا من من هذه الافة ان يكوه هذا الخاطر مما يألفه في الخلوة كما يالفه في الملاء ولايكون حضور الغير هو السبب في حضور الخاطر كما لا يكون حضور البهيمة سببا فما دام يفرق في احواله بين مشاهدة الانسان ومشاهدة بهيمة فهو بعد خارج عن صفو الاخلاص مدلس الباطن بالشرك الخفى من الرياء وهذا الشرك اخفى في قلب ابن آدم من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء كما ورد به الخبر ولا يسلم من الشيطان الا من دق نظره وسعد بتوفيق الله تعالى وهدايته والا فالشيطان ملازم للمتشمرين لعبادة الله تعالى لا يغفل عنهم لحظة حتى يحملهم على المهالك في كل حركة من الحركات حتى في كحل العين وقص الشارب وطيب يوم الجمعة ولبس الثياب الفاخرة فان هذه سنن في اوقات

[ 147 ]

مخصوصة لكن في النفس فيها حظ خفى لارتباط نظر الخلق بها فيدخل الشيطان فيها عليه من المداخل ان لم يتيقظ ولهذا قيل ركعتان من عالم افضل من عبادة سنة من جاهل واريد به العالم البصير بدقايق افات العبادة حتى يخلص عنها لا مطلق العالم فان مداخل الشيطان على كثير من العلماء اعظم من مداخله على الجهلا وخامسها ان يكمل العبادة على الاخلاص المحض والنية الصالحة لكن عرض له بعد الفراغ منها بحسب اظهارها ليحصل له بعض الاغراض المحققة للرياء خديعة من الشيطان له انه قد كمل العبادة الخالصة وقد كتبها الله في ديوان المخلصين فلا يقدح فيها ما يتجدد وانما ينضم إلى ما حصله بها من الخير الاجل خير اخر عاجل فيحدث به ويظهره لذلك فهذا ايضا مفسد للعمل وان سبق كما يفسده العجب المتأخر ويدخل في زمرة الذين قال الله تعالى عنهم قل هل ننبئكم بالاخسرين اعمالا الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا وقد روى ان رجلا قال للنبى صلى الله عليه واله صمت الدهر يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه واله ما صمت ولا افطرت وروى عن ابن مسعود انه سمع رجلا يقول قرأت البارحة البقرة قال ذلك خطه بل لو كنت باقيا على اخلاصك فيه فقد نقصت منه تسعة وستين جزا من سبعين على ماروى عنهم عليهم السلام ان افضل عمل السر على عمل الجهر سبعون ضعفا وعن الصادق عليه السلام من عمل حسنة سرا كتبت له سرا فإذا اقربها محيت وكتبت جهرا فإذا اقربها ثانية محيت وكتبت رياء فيالها من كلمة ما اشامها وزدته ما اعظمها حيث نقص بها حظك وضاع كدحك وليتك سلمت من تبعتها فان المرائى لا يسلم كما عرفت من وعيده وهذا كله مع عدم تعلق غرض صحيح في الاخرة باذاعته اما معه كما لو اراد بذلك تشيط السامع وترغيبه في فعل الخير مع وثوقه بنفسه فلا حرج فيه إذا لم يمكن تنشيطه بدونه والا كان

[ 148 ]

اولى وقد روى محمد بن مسلم من الباقر عليه السلام قال لا باس ان تحدث اخاك إذا رجوت ان تنفعه وتحثه وإذا سألك هل قمت الليلة أو صمت فحدثه بذلك ان كنت فعلته فقل قد رزق الله ذلك ولا تقل لا فان ذلك كذب ومن هنا جاء افضلية الصدقة جهرا ليتاسى به والا جهار بصلوة الليل زيادة على غيرها لينبه اهله وجيرانه فتيأسوا به لكن ذلك كله موضع الخطر فيجب الاحتراز والتيقظ بمراعات القلب وكما يكون الاظهار مظنة الرياء ومخطرته كذلك الاخفاء فان فيه ايضا للشيطان مداخل منها ان يامرك بترك العمل خوفا من ان تكون مرائيا به وهذا من جملة خدائعه وفى ترك العمل كذلك تحصيل لغرضه لان غرضه الاقصى ترك العمل وانما يعدل بك بك إلى قصد الرياء وغيره عند عجزه من تثبيتك عن العمل وتم؟ هيدك فيه فإذا تركته فإذا حصلت غرضه ومثالك في ذلك مثال من سلم إليه مولاه حنطة فيها تراب وقال خلصها من التراب ونقها منه تنقية بالغة فيترك اصل العمل ويقول اخاف ان اشتغل به لم يخلص خلاصا صافيا فيترك العمل من الصله وهذا تمام الغرض لابليس اللعين وغاية القصد فقد حصلت امنيته وارحته من التعب بك في افساد العمل وانما سبيلك ان تجتهد في تخليص عملك بالادوية النافعة وتحصل مراد مولاك ومنها ان يامره بترك العمل ايضا لا لذلك بل خوفا على الناس ان يقولوا انه مرائى فيعصون الله به وهذا ايضا مع ما قبله رياء خفى من مكايد الشيطان لان ترك العمل خوفا من قولهم انه مرائى غير الرياء ولولا حبة لمحمدتهم وخوفه من ذمهم فماله ولقولهم قالوا انه مرائى أو قالوا انه مخلص واى فرق بين ان يترك العمل خوفا من ان يقال انه مرائى وبين ان يحسن العمل خوفا من ان يقال انه غافل مقصر بل ترك العمل اشد من ذلك وفيه مع ذلك اساءة الظن بالمسلمين وما كان من حقه ان يظن بهم ذلك

[ 149 ]

ثم كيف تطمع ان تتخلص من الشيطان بترك العمل وقد اطعته فيه فانه لا يخليك ايضا بل يقول لك الان يقول الناس انك تركت العمل البق انك مخلص لا تشتهي الشهرة إلى غير ذلك من اللعب بك وانما خلاصك من ذلك كله ان تلزم قلبك معرفة افات الريا وضرره لتلزم كراهته وتستمر مع ذلك على العمل ولايتالى وتلزم قلبك الحياء من الله تعالى إذ دعتك نفسك إلى ان تستبدل بحمدالله تعالى حمد المخلوقين وهو مطلع على قلبك ولو اطلع الخلق على قلبك وانك تريد حمدهم لمقتول بل ان قدرت على ان تزيد في العمل حياء عن ربك وعقوبة لنفسك فافعل ومنها ان يقول له اترك العمل لئلا يظن الناس بك خيرا وتشتهر به واحب العباد إلى الله الاتقياء الاخفياء الذين إذا شهدوا لم يعرفوا فإذا عرفت بين الناس بالعبادة لم يكن لك حظ من هذا الوصف وهذه ايضا من مكايده وما عليك إذا اخلصت العمل لله تعالى أو تعرف به أو تجهل وانما عليك مراعاة قلبك واصلاح سرك وكيف يخفى على الناس إذا كنت صالحا وهو تعالى يقول عليك اخفاؤه وعلى اظهاره ويقول من اصلح سريرته اصلح الله علانيته واياك ان يعزك اللعين عند ذلك ويقول إذا كنت لا تترك العمل لذلك فاخف العمل فان الله تعالى سيظهره عليك واما إذا اظهرته فيمكن ان تقع في الريا وهذا التلبيس عين الريا لان اخفاؤك له كى يظهر عليك بين الناس هو بعينه العمل لاجل الناس وماعيلك إذا كان مرضيا لله تعالى ان يظهرا ويخفى لولا نظرك إلى رضاء الناس إذا تقرر ذلك فاياك ان تحملك دقايق الاخلاص وصعوبة الخلاص على الكسل والقعود عن الطاعات نظرا إلى ما تجده في نفسك من السرور بالطاعة وزيادة الابتهاج باطلاع الناس عليك بفعل العبادة بل اجتهد في قلع مادة الفساد ومجارى الشيطان عنك واعمل واما سرورك بالطاعة فان

[ 150 ]

منه محمود ومنه مذموم فالمحمود ان يكون من قصدك وداعيك اخفاء الطاعة والاخلاص لله سبحانه ولست مستكثرا لعملك وانما سرورك في ان وفقك للعمل واخرجك من ربقة البطالين والغافلين ولم تبلغ بالسرور حد العجب الاتى ذكره وإذا حصل اطلاع الناس عليه فلم يحصل من قبلك وانما سررت باطلاعهم نظر إلى ان الله سبحانه هو الذى اطلعهم عليه واظهر لهم الحميل تكرما عليك وتفضلا ونحو ذلك والمذموم ان تفرح به استكثارا وركونا إليه وبظهور الناس عليه لقيام منزلتك عندهم ليمدحوك و ويقوموا بقضاء حوائجك ويعاملون بالاكرام ونحو ذلك فانه رياء محض ومحيط للعمل واصله حب الدنيا ونسيان الاخرة وقلة التفكر فيما عند الله نسأل الله من فضله ان لا يعاملنا بعدله بل يسامحنا بعفوه ويسترد لاتنا بصفحه انه جواد كريم واما العجب فهو استعظام العمل والابتهاج به والادلال به وان يرى العامل نفسه خارجة بسببه عن حد التقصير وهذا من اعظم المهلكات بل هو الناقل للعمل من كفة الحسنات إلى كفه السيئات ومن رفيع الدرجات إلى اسفل الدركات كما تقدم في الاخبار ولذلك قال عيسى عليه السلام يا معاشر الحواريين كم من سراج قد اطفاته الريح وكم من عابدا فسد العجب و روى سعيد بن ابى خلف عن الصادق عليه السلام قال عليك بالجد ولا تخرجن نفسك من حد التقصير في عبادة الله وطاعته فان الله تعالى لا يعبد حق عبادته ومنشا العجب الغفلة عن عيوب الاعمال وافات العبادات وعن نعم الله تعالى على العامل من الخلق والاقدار والالطاف والتسخير وغير ذلك فانظر إلى الاقرب اليك في هذا المقام وهو الصلوة التى هي عمود الدين واول ما ينظر فيه من اعمال ابن ادم فان ردت رد ساير عمله وتامل حدودها التى قد حكيناها مستندة إلى النصوص الصحيحة فلا يكاد يسلم لك صلوة واحدة كاملة تثق من نفسك بقبول الله اياها وهلم جرا

[ 151 ]

إلى غيرها من العبادات فلكل واحد وظائف وحدود لا تبلغها اعمالنا ولا نقوم بها لففلتنا وقد قال على عليه السلام اعلموا عباد الله ان المؤمن لا يصبح ولا يمسى الا ونفسه ظنون عنده فلا يزال زاد يا عليها ومستزيدا لها فكونوا كالسابقين قبلكم والماضين امامكم قرضوا من الدنيا تقريض الراحل واطووها طى المنازل فكيف يعجب الانسان بعلمه أو يعده قائما بحقوق العبودية ووظايف الخدمة لولا استيلاء الغفلة نعم لا يقدح نظر المؤمن إلى نفسه وسروره بما يفعله من العبادة مع حمدالله تعالى على توفيقه لها وطلب الاستزادة من فضله فقد قال أمير المؤمنين عليه السلام من سرته حسنه وساته سبئة فهو مؤمن وقد قال عليه السلام ليس منا من لم يحاسب نفسه كل يوم فان عمل خيرا حمدالله استزاده وان عمل شرا استغفر الله فهذا ما اقتضى الحال ذكره من المنافيات ملخصا ليوافق الغرض فان ذكره هنا بالعرض والله الموفق واما الخاتمة ففيها بحثان الاول في جبر الخلل الواقع في الصلوة بمعنى بيان الدواء النافع لهذه المنافيات اعلم ان الخلل ان كان من قبل منافى الاقبال بالقلب على الصلوة بسبب الافكار الخارجة عنها فدوائه تذكر ما هو فيه ومن يناجيه واستشعار الاحظار الملازمة من الغفلة وعدم قبول العمل مع شدة الحاجة إليه من يومه هذا إلى الايد فان التوفيق الواقع من الجناب الالهى للمطيع فايض في الدارين والحاجة إليه حاصلة في الحالين سيما يوم الجزاء الذى يضيق عن وصفه الحال ولا يحيط بتقديره العقل ولا الخيال ولا يطيق حمل احواله الجبال وليس فيه معين مع رحمة الله وكرمه الا القيام بالاعمال الصالحة والطاعات المقبولة الرابحة فانها وسيلة إلى الانوار في تلك الظلمة والنجاة من تلك الشدة والجواز على عقبة الساهرة ولا تكتسب الاعمال الصالحة والطاعات المقبولة الا في هذه الدار الزائلة وفي هذه

[ 152 ]

المدة القصيرة التى اكثرها قد مضى على الغفلة ويكاد يلحق باقيها بماضيها ان لم يستيقظ الغافل ويستدرك ما فرط وليس في تلك الدار الا الجنة أو النار والجنة قد اعدت للمتقين كما ان النار قد اعدت للفاسقين وبالجملة فالخطر عظيم و الامر جسيم والغفلة شاملة ونحن مع ذلك لا تشعر وقد قال النبي صلى الله عليه واله يمضى على الرجل ستون سنة أو سبعون سنة ما قبل الله منه صلوة واحدة وقال الصادق عليه السلام لحماد بن عيسى الذى كان يحفظ في فقه الصلوة كتاب حريز ودعا له الصادق بان يحج خمسين حجة وان يكثر الله ما له وولده فاجيب له في جميع ذلك حين صلى عنده ركعتين ما اقبح بالرجل منكم يمضى عليه ستون سنة أو سبعون سنة لا يحسن ان يقيم صلوة واحدة بحدودها وقال صلى الله عليه واله وسلم كم من قارى للقران والقران يلعنه وكم من صائم ليس له من صيامه الا الجوع والعطش إلى غير ذلك من الاثار الدالة على صعوبة الامر ودقة الخطر فاحضار هذا وشبهه وما تقدم في المقدمة من الاثر مما يعين على حضور القلب مضافا إلى ما سلف من الدوامه للعين على ذلك في المطلب الثالث وان كان المنافى من قبيل المفسدات فالعلاج النافع فيما ينافى الاخلاص هي هود التفكر في مضرة الريا وما يفوت بسببه من صلاح القلب وما يحرم عنده في الحال من التوفيق وفى الاخرة من المنزلة عند الله تعالى وما يتعرض له من العقاب العظيم و المقت الشديد والخزى الظاهر حيث ينادى ربه على رؤس الاشهاد والعباد يا فاجر يا غادر يا مرائي اما استحييت إذا اشتريت بطاعة الله تعالى عرض الدنيا راقبت قلوب العباد واستهزئت بطاعة الله تعالى وتحببت إلى العباد بالتبغض إلى الله تعالى وتزينت لهم بالشين عند الله تعالى وتقربت إليهم بالبعد من الله تعالى وتحمدت إليهم بالتذمم عند الله وطلبت رضاهم بالتعرض لسخط الله تعالى اما كان اهون عليك من الله فمهما تفكر العبد في هذا الخزى وقابل ما يحصل له من العباد والتزين

[ 153 ]

لهم في الدنيا بما يفوته من الاخرة وبما يحيط عليه من ثواب الاعمال مع ان العمل الواحد ربما كان يترجح به ميزان حسناته لو خلص فإذا فسد بالرياء حول إلى كفه السيئات بترجح به بعد ان كان مرجوحا ويهوى إلى النار فلو لم يكن في الرياء الا احباط عبادة واحدة لكان ذلك كافيا في معرفة ضرره وان كان مع ذلك ساير حسناته راجحة فقد كان ينال بهذه الحسنة علو المرتبة عند الله تعالى في زمرة النبيين والصديقين وقد حط عنهم بسبب الرياء ورد إلى صف النعال من مراتب الاولياء ان لم تستوجب النار والخزى والطرد من الملك الجبار هذا مع ما يتعرض له في الدنيا من تشتت الهم بسبب ملاحظة قلوب الخلق فان رضاء الناس غاية لا تدرك فكل ما يرضى به فريق يسخط به فريق ورضاء بعضهم في سخط بعض ومن طلب رضاهم في سخط الله تعالى سخط الله عليه واسخطهم ايضا عليه كما ورد في الاخبار ودلت عليه التجربة ثم أي عرض له في مدحهم وايثار ذم الله لاجل حمدهم ولا يزيد مدحهم رزقا والا اجلا ولا ينفعه يوم فقره وفاقته وهول يوم القيمة واما الطمع لما في ايديهم فبان يعلم ان الله هو المسخر للقلوب بالمنع والاعطاء وان الخلق مضطرون فيه ولا رازق الا الله ومن طمع في الخلق لم يخل من الله والخيبة والمقت والاهانة وان وصل إلى المراد لم يخل عن المنة والمهانة ومن اعتمد على الله وجعل همه معه كفاه الله همه من الدنيا والاخرة فكيف يترك ما عند الله لرجاء كاذب ووهم فاسد وقد يصيب وقد يخطى وإذا اصاب فلا يفى لذته بالم منته ومذلته واما ذمهم فلم يحذر منه ولا يزيد ذمهم شيئا ما لم يوافقهم الله عليه ولا يعجل اجله ولا يؤخر رزقه ولا يجعله من اهل النار ان كان من اهل الجنة ولا يبغضه إلى الله تعالى ان كان محمودا عند الله ولا يزيد مقتا ان كان ممقوتا عند الله فالعباد كلهم عجزة ولا يملكون لانفسهم فنعا ولا ضرا ولا

[ 154 ]

يملكون موتا ولا حيوة ولا نشورا بل العقل والنقل والتجربة قد اذنت بخلاف ذلك كله وان المخلص اعماله يحببه الله إلى المخلوقين الصالحين والفاسقين بل إلى كثير من الكافرين فتراهم يعظمونه ويوقرونه ويلتمسون بركته مع ضعفه وفقره وقلة ذات يده وقلة عمله والمرائي يظهر الله تعالى الخلق على باطنه وخبث نفسه وفساد نيته فيمقتونه ولا يفوز بمطلبه ويضيع تعبه ويبطل سعيه كما روى ان رجلا من بنى اسرائيل قال والله لاعبد ان لله عبادة اذكر بها فكان اول داخل إلى المسجد واخر خارج منه لا يراه احد حين الصلوة الا قائما يصلى وصائما لا يفطر ويجلس إلى حلق الذكر فمكث بذلك مدة طويلة وكان لا يمر بقوم الاقالوا فعل الله بهذا المرائى وصنع فاقبل على نفسه وقال ارانى في غير شئ لاجعلن عملي كله لله فلم يزد على عمله الذى كان يعمل قبل ذلك الا انه تغيرك نيته إلى الخير فكان ذلك الرجل يمر بعد ذلك بالناس فيقولون رحم الله فلانا الان اقبل على الخير وقد نبه الله تعالى على ذلك في كتابه فقال ان الذين امنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ثم هب انهم احبوك واكرموك وخفى خبثك عليهم مع ان الله تعالى مطلع على فاسد نيتك وخبث سريرتك فاى خير لك في مدح الناس وانت عند الله مذموم ومن اهل النار واى شر لك من ذم الناس و انت عبد الله ممدوح من اهل الجنة وفى زمرة المقربين ومن احضر في قلبه الاخرة ونعيمها المؤبد والمنازل الرفيعة عند الله تعالى استحقر ما يتعلق بالخلق ايام الحيوة مع ما فيه من الكدورات والمقصات واجتمع همه وانصرف إلى الله تعالى قلبه وتخلص من مذمة الريا ومقاسات قلوب الخلق وانعطف من اخلاصه انوار على قلبه ينشرح بها صدره ويستانس بها من وحشته فان لم يكتف بذلك كله فليتأمل ثلثة اشياء احدها انه لو قيل لك ان هناك رجلا معه جوهر نفيس يساوى ماة الف دينار وهو محتاج

[ 155 ]

إلى ثمنه بل إلى بيعه عاجلا والى اضعاف ثمنه فحضر من يشترى منه متاعه باضعاف ثمنه إلى حاجته إلى الاضعاف ايضا فابى بيعه بذلك وباعه بفلس واحد اليس ذلك يكون خسرانا مبينا وغبنا فظيعا ودليلا بينا على خسة الهمة وقصور الفهم والعلم وضعف الرأى ورقة العقل بل على السقه المحض وهذا بعينه ابلغ من حال المرائى في عمله بل في عبادة واحدة فان ما يناله العبد بعمله من الخلق من مدحه وحطام الدنيا بالاضافة إلى رضاء رب العالمين وشكره وثواب الاخرة ونعيم الجنة الدائم المخلص من شوب الكدورات اقل من فلس في جنب الف الف دينار بل في جنب الدنيا وما فيها واكثر وهذا هو الخسران المبين ان تفوت نفسك تلك الكرامات العزيزة الشريفة بهذه الامور الحقيرة الدنية ثم وان كان لابدلك من هذه الهمة الخسيسة فاقصد انت الاخرة تتبعك الدنيا بل اطلب الرب وحده يعطيك الدارين إذ هو مالكهما جميعا وذلك قوله تعالى من كان يزيد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والاخرة وقال النبي صلى الله عليه واله وسلم ان الله يعطى الدنيا بعمل الاخرة ولا يعطى الاخرة بعمل الدنيا فإذا انت اخلصت النية وجردت الهمة للاخرة حصلت لك الدنيا والاخرة جميعا وان انت اردت الدنيا ذهب عنك الاخرة في الوقت وربما لا تنال الدنيا كما تريد وان قلتها فلا تبقى لك بل تزول عنك قريبا فقد خسرت الدنيا والاخرة وذلك هو الخسران المبين ونظير هذا الشخص بالنسبة إلى هذا المثل من يصرف جزءا من عمره ونفسا من انفاسه الذى يمكنه به تحصيل كنز من كنوز الجنان فيما يحصل به دانق أو حبة أو درهم أو دينار من متاع الدنيا ويترك ذلك الكنز الدائم لغير ضرورة ما هذا الا عين الغفلة والخسران وخسة الهمة والخذلان وثانيها ان المخلوق والذى تعمل لاجله وتطلب رضاه لو علم انك تعمل لاجله لابغضك وسخط عليك واستهان بك واستخف بك مضافا إلى مقت الله تعالى واهانته وخذلانه وما تعمله الله خالصا يوجب رضا الفريقين

[ 156 ]

فكيف يعمل العاقل لاجل من لو علم بانه يطلب رضاه لسخط عليه واهانه فانظر انكنت تعقل وثالثها ان ما حصل له سعى يكتسب به رضاء اعظم ملك في الدنيا فطلب به رضاء كناس خسيس بين الناس وسخط ذلك الملك بل مع عدم سخطه اليس ذلك دليلا على السفه وردائة الرأى وسوء النظر ويقال له ما حاجتك إلى رضاء هذا الكناس مع تمكنك من رضاء الملك كذلك أي حاجة إلى رضاء عبد مخلوق ضعيف حقير مهين مع التمكن من تحصيل رضاء رب العالمين الكافي عن الكل نسأل الله حسن التوفيق وهذا هو الدواء العلمي واما الدواء العملي فهو ان يعود نقسه اخفاء العبادات واغلاق الابواب دونها كما تغلق الابواب دون الفواحش حتى يقنع قلبه بعلم الله تعالى واطلاعه على عبادته ولا تنازعه نفسه إلى طلب علم غير الله تعالى وهوامر يشق في ابتداء المجاهدة لكن إذا صبر عليه مدة بالتكلف سقط عنه ثقله وهان عليه ذلك بتواصل الطاف الله تعالى وما يمد به عباده من حسن التوفيق فان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم فمن العبد المجاهدة ومن الله الهداية قال الله تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان كان المنافى من قبيل المتأخر عن العبادة وهو الرياء المتأخر والعجب فقد عرفت دواء الاول واما العجب فلينظر في الاسباب والالات التى قوى بها على العبادة التى اورثته العجب من القدرة والعلم والاعضاء والرزق الذى اكله حتى قوى به فانه يجده كله من الله تعالى ولولاه لم يقدر على شئ منها ثم ينظر إلى نعمته عليه في ارسال الرسل إليه وخلق العقل له حتى اهتدى به إلى طريق الحق ثم ينظر في قيمة العمل الذى عمله فلا يجده مقابلا لنعمة من هذه النعم وانما صار لعمله قيمة لما وقع من الله تعالى موقع الرضا والقبول والافترى الاجير يعمل طول النهار بدرهمين والحارس يسهر طول الليل بدانقين وكذلك اصحاب الصناعات والحرف كل واحد

[ 157 ]

منهم يعمل في الليل والنهار فيكون قيمة كل ذلك دراهم معدودة فان صرفت الفعل إلى الله تعالى وصمت لله يوما قال الله انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب و في الخبر اعددت لعبادي الصالحين مالاعين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فهذا يومك الذى قيمته درهمان مع احتمال التعب العظيم صارت له هذا القيمة بتأخير غداء إلى عشاء ولو قمت ليلة لله تعالى فقد قال الله تعالى فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قرة اعين جزاء بما كانوا يعملون فهذا الذى قيمته درهم صارت له كل هذه القيمة والقدر بل لو جعلت لله ساعة تصلى فيها ركعتين خفيفتين بل نفسا قلت فيه الا اله الا الله قال الله تعالى من عمل صالحا من ذكر أو انثى وهو مؤمن فاولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب فحق إذا للعاقل ان يرى حقارة عمله وقلة مقداره من حيث هو وان لا يرى الامنة الله عليه فيما شرف به من قدر عمله و اعظم من جزائه وان يحذر في فعله ان يقع على وجه لا يصلح لله تعالى ولا يقع منه موقع الرضا فيذهب عنه موقع القيمة التى حصلت له ويعود إلى ماكان في الاصل من الثمن الحقير فقس قدر عملك في نفسه إلى ما عليك من نعمه فهل تجده وافيا بعشر عشيرة وهل توفيقك للقيام بوظائف العبودية وتاهيلك للخدمة الالهية الانعمة بل اعظم نعمة يلزمك شكرها كما اشير إليه في خبر داود عليه السلام حين اوحى الله إليه ان اشكرني حق شكرى فقال يا رب كيف اشكرك حق شكرك والشكر من نعمتك تستحق عليه شكرا فقال يا داود إذا عرفت ان ذلك منى فقد شكرتني وروى ان بعض الوعاظ قال لبعض الخلفاء اتراك لو منعت شربه من الماء عند عطشك بم كنت تشتريها قال بنصف ملكى قال اتراها لو حبست عنك عند خروجها بم كنت تشتريها قال بالنصف الاخر قال فلا يغرنك ملك قيمته شربة ماء ففكر انت كم تتناول في كل يوم شربة ماء هنيئة واكلة

[ 158 ]

هنيئة وتسيغها هنيئا في عافية وكم تنظر بعينك هنيئا وتسمع طيبا وتشم زكيا و تمشى إلى ما تحب وتبطش بيدك فيما تحب إلى غير ذلك من حواسك واعضائك وقواك الباطنة التى لا يطلع على دقايقها و تصريفها الا الله تعالى من مجارى طعامك وتصاريف هضمك وتفريق فضلاتك وتغذيك بجيده مما لو صرفت زمانك في الفكر فيه خاصة لقضيت منه العجب ولو فقدت شيئا يسيرا منه وطلب منك طبيب على ان يرده اليك ويصلحة لك خدمتك له سنة أو اكثر لسررت بذلك وعددته منعما عليك وكم تقابل هذه النعم المتعددة بسنين من الخدمة والحال انك لاتحذم مولاك المنعم الا اوقاة قليلة بعبادة لو تاملتها وعرفت عيوبها وافاتها لو تثق بشئ منها ولا استحييت من فعلها وقد قال الله تعالى وهو اصدق القائلين وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها فالنعم عليك لا تحصى وعملك على تقدير سلامته وقبوله قليل يحصى فكيف يقابل مالا يحصى ثم إذا قابله بقيت خاليا من عمل يوجب لك المكافات فقصاراك الاعتراف بالتقصير وشرفك المراقبة لله تعالى وتذكر المنة والاعتراف بالنعمة والازراء بنفسك والمقت لها لعلك نفوز برحمة الله تعالى فقد قال رسول الله صلى الله عليه واله من مقت نفسه دون مقت الناس امنه الله من فزع يوم القيمة وروى ان عابدا عبد الله سبعين عاما صائما نهاره قائما ليله فطلب إلى الله تعالى حاجة فلم تقض فاقبل على نفسه وقال من قبلك اتيت لو كان عندك خير قضيت حاجتك فانزل الله إليه ملكا فقال يابن ادم ساعتك التى ازريت فيها على نفسك خير من عبادتك التى مضت ثم تأمل بعد ذلك ثلثة امور احدها لو ان ملكا من ملوك الدنيا إذا اجرى على احد من اتباعه طعاما وكسوة أو دارهم أو دنانير فانية فانه يستخدمه لاجلها بضروب الخدم اناء الليل و النهار مع مافى ذلك من الذل والصغار وبعضهم يقوم لذلك على راسه ويسهر الليل

[ 159 ]

باجمعه لاجله وبعضهم يقف في خدمته يوما بعد يوم حتى ينقضى عمره وبعضهم يسعى في حوائجه ومهماته وبعضهم يركب الاهوال ولجج البحار لاجله وربما يبدو له عدو فيبذل روحه التى لاخلف عنها لاجله ولا ينفعه في الاخرة بعد ذلك فتراهم يحتملون كل هذه الخدمة لاجل تلك المنفعة الخسيسة الفانية ومع ذلك يعترفون للملك بالنعمة ويقرون له بالفضل عليهم والمنة مع ان تلك المنفعة في الحقيقة من الله تعالى ولو اراد ملكهم ان ينبت لهم حبة واحدة أو يخلق لهم خيطا واحدا لم يقدر على ذلك وهم يعترفون بذلك كله فكيف تستكثر عملك الحقير المشوب بالافات والنقايص لربك الذى خلقك ولم تك شيأ مذكورا ثم رباك وانعم عليك من النعم الظاهرة والباطنة في نفسك ودينك ودنياك مالايبلغ كنهه فهمك ولاوهمك كما قال الله تعالى وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها وقد وعدت على هذا العمل القليل مع ما فيه من المعايب والافات و بالثواب العظيم الدائم وضروب الكرامات فاستعظام ذلك من شان العاقل وثانيها ان تتفكر في ان الملك الذى من شانه ان يخدمه الملوك والالم إذا اذن في ادخال الهدايا إليه ووعد عليها بالعطاء العظيم وامر ان لا يستحيى احد بهديته ولو كانت طاقة بقل فدخلت عليه الامراء والكبراء والروساء والاغنياء بانواع الهداياء من الجواهر الثمينة والهدايا النفيسه ثم جاء يقال إليه بطاقة بقل وقروي وبسلة عنب تساوى درهما أو حبة فدخل بها إلى حضرته وزاحم اولئك الاكابر بهداياهم الجليلة فقبل الملك من الوضيع هديته ونظر إليها نظر القبول وامر له بانفس خلعة وكرامة تبلغ مائة الف دينار الا ذلك منه غاية الفضل والكرم ثم لو فرض ان هذا الفقير نظر بخاطره إلى هديته واستعظم امرها وتعجب بها ونسى ذكر منة الملك لا يكون ذلك الا يقال هذا مجنون ومضطرب العقل أو سفيه سئ الادب عظيم الجهل وثالثها ان

[ 160 ]

الملك الذى من شانه ان يخدمه الملوك والامراء ويقوم على راسه السادات والعظماء ويتولى خدمته الحكماء وتمشى بين يديه الاكابر والرؤساء إذا اذن لسوقي أو قروى في الدخول عليه والقرب منه حتى زاحم اولئك السادات والافاضل في خدمته وجعل له مقاما في حضرته اليس يقال كثرت على هذا الحقير المنة من الملك وعظمت عليه النعمة فان احد هذا الحقير بمن على الملك بتلك الخدمة الحقيرة ويستعظم ذلك مع هذه النعمة الواصلة إليه ويعجب بعمله اليس ينسب إلى محض السفه والجنون فكيف الهنا الذى له ملك السموات والارض وقد دان له العاملون ووقف بخدمته الملائكة المقربون والانبياء والمرسلون الذى لا يحصى عددهم الا رب العالمين ومنهم النافذة في تخوم الارض اقدامهم والواصلة إلى العرش رؤسهم وهم مع ذلك مطرقون لا يرفعون رؤسهم تعظيما لله تعالى ولا يفترون عن ذكر الله ابدا إلى اخر مدتهم فإذا اراد الله ان يميتهم رفعوا روسهم وقالوا سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ولا يخفى حال نبينا صلى الله عليه واله وسلم في جده واجتهاده في عباده ربه ومن بعده من ائمة الذى يخرج ذكر يسيره عن حد الاختصار إلى نهاية الاكثار وهم مع ذلك معترفون بالتقصير باكون على انفسهم مزرؤن عليها ثم انك ترضى من نفسك بصلوة ركعتين محشوة من المعائب وقد وعدت من الثواب عليها بما لا يخطر بقلب بشر وتعجب بذلك وتستكثره ولا ترى منة الله عليك في ذلك فما اجهلك من انسان وما اسواك من رجل وما اسفهك من بشر واما نحن فلو عقلنا ويتقظنا لاعمالنا لوجدناها إلى كفه السيئات اميل منها إلى كفة الحسنات لشدة الغفلة وكثرة المعائب وفساد القلوب وتشويش المقاصد اللهم لا تكلنا إلى اعمالنا ولا تؤاخذنا بتفريطنا واهمالنا واشملنا بفضلك وانسك وخذ بنواصي قلوبنا إلى جوار قدسك فقد بما سرت وعظيما غفرت وجزيلا اعطيت وجسيما ابليت

[ 161 ]

وانت ارحم الراحمين واكرم الاكرمين فما قدمت عليك ايدينا الاصفرا من الحسنات مملوة بالمعاصى والسيئات وجودك اوسع واكمل من ان يضيق عمن التجاء اليك واعتمد بفضلك ورحمتك عليك وانت دللنا على جودك وهديتنا إلى فضلك وامرتنا بالدعاء وضمنت الاجابة وانت الجواد الكريم البحث الثاني في خصوصيات باقى الصلوة بالنسبة إلى اليومية يختص الجمعة باستحضار ان يومها يوم عظيم وعيد شريف خص الله تعالى به هذه الامة وجعله وقتا شريفا لعبادته ليقربهم فيه من جواره ويبعدهم من طرده وناره وحثهم فيه على الاقبال بصالح الاعمال وتلافي ما فرط منهم في بقية الاسبوع من الاهمال وجعل اهم ما يقع فيه من طاعته وما يوجب الزلفى والقرب إلى شريف حضرته صلوة الجمعة وعبر عنها في محكم كتابه العزيز الكريم بذكر الله الجسيم وخصها من بين سائر الصلوات التى هي افضل القربات بالذكر الخاص فقال سبحانه يا ايها الذين امنوا إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون وفى هذه الاية الشريفة من التنبيهات والتاكيدات ما يتنبه له من له حظ من المعاني لا يليق بسطه بهذه الرسالة ومن اهم رمزها فنا؟ التعبير عن الصلوة بذكر الله ونبه بذلك على انه الفرض الاقصى من الصلوة ليس هو مجرد الحركات والسكنات والركوع والسجود بل ذكر الله بالقلب واحضار عظمته بالبال فان هذا واشباهه هو الشر في كون الصلوة ناهية عن الفحشاء والمنكر في قوله تعالى ان الصلوة تنهى عن الفحشاء والمنكر إذا كان سببهما القوة التروعبة؟ إذا خرجت عن حكم العقل وهذا كله انما يتم مع التوجه التام إلى الله تعالى و ملاحظة جلاله الذى هو الذكر الاكبر الكثير على ما ورد في بعض تفسيراته فضلا عن ان يكون ذكرا مطلقا وإذا كان الاستعداد بهذه المثابة لاجرم وجب الاهتمام به زيادة

[ 162 ]

على غيرها من الصلوات والتهيى والاستعداد للقاء الله تعالى والوقوف بين يد؟ في الوقت الشريف والنوع الشريف من العبادات واحضر ببالك ان لو امرك ملك عظيم من ملوك الدنيا بالمثول في حضرته والفوز بمخاطبته في وقت معين اما كنت تتأهب له بتمام الاستعداد والتهيئة والسكينة والوقار والتنظيف والتطيب وغير ذلك مما يليق بحال الملك ومن هنا جاء استحباب الغسل يوم الجمعة والتنظيف والتطييب والتعمم وحلق الراس وقص الشارب والاظفار وغير ذلك من السنن فبادر عند دخول الجمعة إلى ذلك بقلب مقبل صاف وعمل مخلص وقصد متقرب ونية خالصة كما تعمل ذلك في لقاء ملك الدنيا ان لم تعظم همتك من ذلك ولا تقصد بهذه الوظائف حظك من الرفاهية وتطيب نفسك من الطيب والزينة فتخسر صفقتك ويظهر بعد ذلك حسرتك وكلما امكنك تكثير المطالب التى يترتب عليها الثواب بعملك فاقصدها تضاعف ثواب عملك بسبب قصدها فانوا بالغسل يوم الجمعة سنة الجمعة والتوبة و دخول المسجد وبالنيات الحسنة والطيب سنة رسول الله صلى الله عليه واله وتعظيم المسجد واحترام بيت الله تعالى فلا يحب ان يدخله زائرا له الاطيب الرايحة وان يقصد به ايضا ترويح جيرانه ليستريحوا في المسجد عند مجاورته ويقصد به دفع الروايح الكريهة عن نفسه جسما لباب الغيبة عن المغتابين إذا اغتابوا بالروايح الكريهة فيعصون الله بسببه فقد قيل ان من تعرض اللغيبة وهو قادر على الاحتراز منها فهو شريك في تلك المعصية كما اشار إليه تعالى بقوله ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوالله عدوا بغير علم و إذا حضرت الصلوة فاحضر قلبك فهم مواقع الموعظة واستعد لتلقى الاوامر و النواهي على وجهها فان ذلك هو الغرض الاقصى من الخطبة والخطيب والمنبر واستماع الناس وتحريم الكلام خلالها ووجوب الاصغاء إليها فاعط كل ذى حق من ذلك

[ 163 ]

حقه عسى ان تكون من المكتوبين في ديوان الملائكة المقربين الذين يكتبون المصلين في ذلك اليوم الشريف ويعرضونهم على الحضرت الالهية ويخلعون عليهم خلع الانوار القدسية فقد روى ان الملائكة نقف على ابواب المساجد وبايديهم قراطيس الذهب واقلام الفضة يكتبون الاول فالاول وان الجنان لتزخرف وتزين وان الناس يتسابقون إليها على قدر سبقهم إلى الصلوة ولا تزال الملائكة يكتبون الداخل إلى ان يخرج الانام فإذا اخرج طويت الصحف ورفعت الاقلام واجتمعت الملائكة عند المنبر يستمعون الذكر وان الناس في المنازل والخطوة على قدر بكودهم إلى الجمعة فإذا احضرت هذا ببالك وان الملائكة يستمعون وهم حولك والله سبحانه فاطر اليك لزمك ارتداء الهيبة وادراع السكينة وتجليب الخشية وعند ذلك نستحق ان يفاض عليك الرحمة وتحفك البركة وتصير صلوتك مقبولة ودعوتك مسموعة مستجابة واكثر في ذلك اليوم من الذكر والدعاء والاستغفار وتلاوة القران والصلوة على النبي صلى الله عليه واله والصدقة فان اليوم شريف والفضل فايض والجود تام والرحمة واسعه فإذا كان المحل قابلا تمت السعادة وحصلت الارادة وزيادة وتذكران في يوم الجمعة ساعة لايرد الله فيها دعوة مؤمن فاجتهدان تصادفها داعيا أو مستغفرا أو ذاكرا فان الله يعطى الذاكر فوق ما يعطى السايل وان امكنك الاقامة في المسجد مجموع ذلك اليوم فافعل فان لم يكن فالى العصر وكن حسن المراقبة مجتمع الهمة عسى ان تظفر بتلك الساعة فقد قيل انها مبهمة في جميع ذلك اليوم نظر ان الله تعالى الخلقه ليخافظوا عليها كما اخفى ليلة القدر في جميع السنة ليحافظوا عليها وروى انها مابين فراغ الامام من الخطبة إلى ان تستوى الصفوف بالناس وساعة اخرى من اخر النهار إلى غروب الشمس واجعل هذا اليوم خاصة من السبوع لاخرتك

[ 164 ]

فعسى ان يكون كفارة واستدراكا لبقية الاسبوع ويكفيك في الاهتمام بالجمعة و وظايفها ان الله سبحانه جعلها افضل اعمال بنى ادم بعد الايمان على ما نطقت به الاخبار وصرح به العلماء الاخبار حيث دلاعلى ان الواجب افضل من الندب و ان الصلوة افضل من غيرها من الواجبات وان اليومية افضل من غيرها من الصلوات وان الصلوة الوسطى من بينها افضل الخمس والمختار انها الظهر والجمعة اولى من الظهر فتكون افضل منها لو امكن تصور فضلها وح فتكون افضل الاعمال وهذا بيان واضح يوجب تمام الاهتمام بشأنها وابلغ الخطر في التهاون بها لمن تدبر وقد نبه على جميع ذلك قوله تعالى بعد الامر بها ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون وقد وردت الاوامر بقراءة سورتها وسورة المنافقين فيها ليتكرر سماع الحث عليها فيهما وقد قال في سورة المنافقين بعد ان سماها في سورتها ذكرا يا ايها الذين امنوا لاتلهكم اموالكم ولا اولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فاولئك هم الخاسرون فكرر هذه الدقايق على فكرك عسى ان تكون من المفلحين واما العيد فاحضر في قلبك في يوم قسمة الجوائز وتفرقة الرحمة وافاضة المواهب على من قبل صومه وقام بوظائفه فاكثر من الخشوع والابتهال إلى الله تعالى فيها وقبلها و بعدها في قبول اعمالك والعفو عن تقصيرك واستشعر الحياء والخجلة من حيرة الرد وخذلان الطرد فليس ذلك اليوم بعيد من لبس الجديد وانما هو عيد من امن من الوعيد وسلم من النقاش والتهديد واستحق بصالح اعماله المزيد واستقبله بما استقبلت به يوم الجمعة من الوظائف والتنظيف والتطيب وغيره من اسباب النهيئ والاقبال بالقلب على ربك والوقوف بين يديه عسى ان تصلح للمناجاة والحضرة لديه فانه مع ذلك يوم شريف وزمان منيف يقبل الله فيه الاعمال ويستجاب فيه الدعوات فلا تجعل

[ 165 ]

فرحك فيه بما لم تخلق لاجله ولم يجعل عيدا بسببه من الماكل والمشرب واللباس وغير ذلك من متاع الدنيا البائرة فانما هو عيد لكثرة عوائد الله تعالى فيه على من عامله بمتاجرة الاخرة واما الايات فاستحضر عندها اهوال الاخرة وزلازلها وتكوير الشمس والقمر وظلمة القيمة ووجل الخلائق والتجائهم واجتماعهم في تلك العرصة وخوفهم من الاخذ والنكال والعقوبة والاستيصال فاكثر من الدعاء والابتهال بمزيد الخشوع والخضوع والخوف والوجل في النجاة من تلك الشدائد ورد النور بعد الظلمة والمسامحة إلى الهفوة والذلة وتب إلى الله تعالى من جميع ذنوبك واحسن التوبة عسى ان ينظر اليك وانت منكسر النفس مطرق الرأس مستحى من التقصير فيقبل توبتك و يسامح هفوتك فانه يقبل القلوب المنكسرة ويحب النفوس الخاشعة والاعناق الخاضعة والتململ من نقل الاوزار والحذر من منقلب الاضرار واما صلوة الطواف فاستحضر عندها جلالة البيت لجلالة رب البيت واعلم انك بمنزلة الواقف في حضرة الملك المطلق والحاكم المحفق وانه وان كان في جميع احوالك مطلع على سريرتك محيط بباطنك وظاهرك لكن الحال في ذلك الموضع اقوى والمراقبة فيه اتم واولى والغفلة ثم اصعب وادهى واين المقصر في تعظيم الملك بين ندبه ولدى كرسيه وبين النائى عنة والبعيد منه وان كان علمه شاملا للجميع ومحيطا بالكل فلتزد بذلك في خشوعك واقبالك ولتحذر بسبب ذلك من اعراضك و اهمالك ومن تم كان الذنب في تلك البقاع الشريفة مضاعفا والحسنة فيها ايضا مضاعفة وتفكر فيمن سبو من الانبياء والمقربين والصالحين فترى اثارهم وقربهم وما اردتهم عملهم وحبهم من السعادة المخلدة والنعمة المؤبدة المجددة على مر الدهور مطردة على كل العصور وتاس بهم في الاعمال وكمال الاقبال وليكن

[ 166 ]

ذلك ونظائره مقدمة للصلوة لا مقارنا فان وظيفة الصلوة الاقبال بها خاصة وترق من هذه المدارج إلى غيرها من شريف المعارج واما صلوة الجنازة فاحضر عند مشاهدتها و وضعها بين يديك ما قد خلفته من الاهل والاولاد وتركته من الاموال وقدمت على الله تعالى صفر اليد من الجميع لم يصحبها الا الاعمال الصالحة وما تاجرته من اعمال الاخرة الرايحة وتتأمل بهجته كيف قد ذهبت وجلدته كيف قد تحولت وعن قريب يمحو التراب صورته ونزيل الارض بهجته وماقد حصل له من يتم اولاده وترمل نسائه وتضيع امواله وخلو مسجده ومجلسه وانقطاع اثاره بعد طول امله وكثرة حيله وانخداعه بمواتاه الاسباب وغفلته عن الدخول في هذا التراب والقدوم على ماستر عليه في الكتاب وركونه إلى القوة والشباب واشتغال عما بين يديه من الموت الذويع والهلاك السريع وكيف كان يتردد ويشيع غيره من الاموات والان قد تهدمت وجلاه ومفاصله وكيف كان ينطق وقد فسد لسانه وكيف كان يضحك وقد تغيرت اسنانه وكيف كان يدبر لنفسه ما يحتاج إليه إلى عشر سنين في وقت لم يكن بينه وبين الموت الاشهر أو اقل وهو غافل عما يراد به حتى جاءه الموت فجأة في وقت لم يحتسبه فقرع سمعه نداء الجبار اما بالجنة أو النار ولينظر في نفسه انه الان مثله في غفلته وسيكون كعاقبته فليهض ح إلى الاستعداد وليشتغل باكثار الزاد فان المسافة بعيدة والعقبة كؤد والخطر شديد والندامة بعد الموت غير نافعة فهذا الفكر وامثاله يحصل قصر الامل والاستعداد لصالح العمل ومحله خارج عن الصلوة كما مر واما صلوة النذر والعهد ونحوهما فليستشعر قبولها والرغبة في القيام بها والاهتمام بشأنها وفاء بعهد الله وامثالا لامره ولاتبرم بها توهما انها ليست واجبة بالاصالة فقد لحقت بمثلها في العظمة والجلالة وليتمثل

[ 167 ]

في نفسه انه لو عاهد ملكا من ملوك الدنيا على عمل من الاعمال بحيث بكون فعله له بمراى منه ومسمع كيف يكون اقباله على عمله واجتهاده في اصلاحه واتقانه وامتلاء قلبه منه و مراقبته لنظر الملك بمجرد الوعد فضلا عن توكيده بالعهد فلا تجعل نظر الله سبحانه دون نظر عبيده فان ذلك عنوان النفاق وانموزج الشرك وهكذا يلاحظ وظيفة كل صلوة بحسبها ويقوم بمزيتها وادابها ولا يقتصر على ما بيناه من الوظائف بل يترقى بنظره إلى ما يفتح الله تعالى عليه من المعارف فان ابواب الفيض مفتوحة وانوار الجود هابطة مبذولة واصلة إلى النفوس الانسانية على قدر استعدادها وفقنا الله تعالى واياكم لتلقى الاسرار وادرجنا في عداد عباده الابرار واخذ بنواصينا إلى رضاه ورحمته وعاملنا بعفوه وكرمه ومغفرته واستعملنا بما علمناه واشركنا في ثواب من افدناه فان ذلك منه وبه وله وهو حسبنا ونعم الوكيل وهيهنا نقطع الكلام في هذه الرسالة حامدين لله تعالى على كل حالة وفرغ منها مؤلفها العبد المفتقر إلى عفو الله تعالى وكرمه ورحمته زين الدين بن على بن احمد الشامي العاملي عامله الله تعالى بفضله يوم السبت تاسع شهر ذى الحجة وهو اليوم المبارك يوم عرفه سنة احدى وخمسين وتسعمائة حامدا مصليا مستغفرا من ذنوبه وحسبنا الله ونعم الوكيل حرره العبد الاثم الجاني محمد حسن الجرفاذقانى يوم السبت سابع شهر ذى الحجة سنة 1312

[ 168 ]

هذه رسالة نتايج الافكار في حكم المقيم في الاسفار للشيخ المحقق السديد السعيد الشهيد الثاني قدس سره بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين بعد حمدالله تعالى على نعمه العظام والائه الجسام والصلوة على حبيبه ورسوله محمد المصطفى واله الكرام وصحبه والسلام فهذه جملة من الكلام في تحقيق مسألة فقهية شهيرة في الفتوى عامة في البلوى يعجل بجوابها المتفقه القاصر ويعجز عن كشف حجابها الفقيه الماهر وانا ارجو بما رقمته في هذه الاوراق ان يقع في يد طالب الحق من اهل الكمال ومن يعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال فيكون ذريعة له إلى تحقيق المحال وتفصيل ما فيها من اجمال وهى ان الاصحاب رضوان الله عليهم حكموا بان المسافر إذا نوى اقامة عشرة ايام في غير بلده اما على رأس المسافة أو في اثنائها انتقل فرضه من التقصير إلى الاتمام بمجرد نية اقامة العشرة وافتقر بعد الاقامة بل بعد الصلوة تماما في عوده إلى القصر إلى قصد مسافة جديدة ان لم تكن في نيته قبل ذلك غير ان الاقامة ان كانت على راس المسافة كفى الرجوع إلى بلده في العود إلى القصر ولو كان في اثنائها لم يضم ما بقى من مقصده إلى الرجوع بل لا يقصر حتى يتحقق الاخذ في الرجوع ومن ثم حكموا بانه لو قصد مسافة ونوى في ابتداء السفر الاقامة في اثنائها بحيث لا يكون بين مبدأ سفره وما نوى الاقامة فيه مسافة

[ 169 ]

ولابينه وبين نهاية مقصده مسافة ففرضه الاتمام في الذهاب وان زاد المجموع على مسافة ولو فرض انه كان بين مبدا سفره وموضع الاقامة مسافة وما بين موضع الاقامة ومنتهى السفر يقصر عنها قصر في ابتداء سفره إلى موضع الاقامة واتم فيه وفى خروجه إلى نهاية السفر وقصر راجعا وحكموا ايضا بانه لو رجع عن نية المقام فان لم يكن قد صلى تماما أو اتى بما هو في حكم الصلوة تماما من صوم واجب أو نافلة مقصورة أو غير ذلك عاد إلى القصر بمجرد رجوعه عن نية الاقامة وان لم يخرج من الموضع الذى نوى فيه الاقامة بل لو اقام فيه بعد ذلك شهرا مترددا ففرضه القصر وان كان رجوعه عن نية الاقامة بعد ان صلى تماما أو حكمها بقى على التمام إلى ان يخرج من المحل الذى نوى فيه الاقامة إلى مسافة جديدة سواء كانت مقصودة قبل المقام ام لا فهذه جملة مما ذكروه في هذه المسألة واستندوا في هذا التفصيل إلى روايات عن ائمة الهدى صلوات الله عليهم سيأتي بعضها لا حاجة لنا الان إلى ذكرها ثم بعد ذلك اطلقوا القول في مسألة اخرى مشهورة وهى انه لو خرج ناوى المقام عشرة إلى ما دون المسافة فان كان عازما على العود إلى المحل الذى عزم فيه على مقام العشرة وتجديد اقامة عشرة مستانفة اتم ذاهبا إلى مقصده الذى هو في ما دون المسافة وفى المحل المقصود وآيبا إلى موضع الاقامة وان عزم على العود من دون اقامة عشرة مستأنفة بل اما لاكمال العشرة الاولى أو لا فانه يقصر ذاهبا وآيبا على قول الشيخ والعلامة رحمهما الله أو آيبا لاغير عند الشهيد والشيخ على وجماعة رحمهم الله وان عزم على مفارقة موضع اقامة العشرة من غير عود إليه بالكلية فانه فانه يقصر بمجرد خروجه لكن بعد مجاوزة حدود محل الاقامة وهو موضع سماع اذانه ورؤية جداره ولو تقديرا على قول أو بمجرد الحركة على قول اخر إلى اخر ما فصلوه في هذه المسألة وستقف عليه ان شاء الله تعالى فهذه جملة مما قرروه في هذه المسألة ولم يفرقوا في اطلاق كلامهم فيها بين

[ 170 ]

كون الخروج المذكور بعد الصلوة تماما في محل الاقامة أو قبله ولابين الخروج قبل اكمال العشرة أو بعده بل عبروا بعبادات متقاربة تشمل جميع هذه الموارد وبجميع عباداتهم التقييد بكون الخروج إلى ما دون المسافة وانت إذا تأملت هاتين المسئلتين وجدت بينهما تخالفا في عدة مواضع وتحقيق الجميع بينهما يحتاج إلى فضل توضيح وجملة تقييد فان خروج المسافر إلى ما دون المسافة بعد نية اقامة العشرة ان كان بعد الصلوة تماما فمقتضى ما تقرر في المسألة الاولى البقاء على التمام سواء في ذلك الذهاب والاياب والمقام لان الفرض كون الخروج إلى ما دون المسافة وان كان قبل الصلوة تماما فمقتضاها بل تصريحها التقصير بمجرد الرجوع عن نية الاقامة سواء تجاوز حدود موضع الاقامة ام لابل ولو لم يشرع في السفر فانه يرجع إلى التقصير وان اقام بالبلد شهرا ومما يزيد الاشكال في ذلك تحرير محل الخلاف في القسمين المذكورين في المسألة الثانية فنحن نقدم البحث عنهما التوضيح الاشكال قبل الشروع في تحقيق الحال فنقول من اقسام المسألة ان يخرج ناوى المقام بالبلد منه ناويا مفارقته وعدم العود إليه والحال ان الخروج على الوجه المذكور مفروض في كلامهم إلى ما دون المسافة وقد اختلف في حكمه فذهب بعضهم إلى انه يعود إلى التقصير بالشروع في السير لانه ابتداء السفر وهو موجب للقصر الا ما اخرجه الدليل الخارجي وهو حدود بلد المسافر ورد بان جميع اقطار البلد سواء في وجوب الاتمام والحدود من جملة البلد وبان ما ينوى فيه الاقامة المذكورة يصير بحكم البلد بعد الصلوة ومن ثم يتوقف القصر بعد الرجوع عنها على مسافة جديدة وذهب آخرون إلى انه انما يعود إلى التقصير بمجاوزة الحدود وهو ما يسمع فيه اذانه أو يرى جداره لما تقدم من صيرورة البلد في حكم بلده باعتبار نية المقام فلا يخرج عن حكم التمام الا بمجاوزته وهذا هو الواضح اقول وفى الاستدلال من الجانبين بحث وفى الحكم بهما اشكال لان ناوى المقام عشرة ان لم يكن قد صلى تماما في البلد فلا وجه للقولين معا لرجوعه

[ 171 ]

إلى التقصير بمجرد نقضه لنية المقام كما لا يخفى وان كان بعد الاتمام فقد تقرر انه لا يعود التقصير الا بقصد مسافة جديدة والمفروض الخروج إلى ما دون المسافة فلا يتجه اطلاق القول بعوده إلى التقصير سواء تجاوز الحدود ام شرع في السير فان قيل هذا المسافر لما كان غريبا وانما لحق بالمقيم بسبب نية الاقامة فنقضه لها وخروجه عن البلد المحكوم جناواته لبلده بعد الاتمام هو موجب لعود حكم السفر إليه أو نقول انه باعتبار غربته وسفره عائد إلى بلده في الجملة فيضم الرجوع إلى باقى السفر فيصير ازيد من مسافته قلنا هذا كله ينافى القاعدة المتقدمة وهى توقف الحكم بالعود على قصد المسافة فان هذا الضم يسقط فرض كون مفارقة بلد الاقامة قد يكون إلى ما دون المسافة ثم نمنع ثبوت الحكم بعود حكم السفر فان انقطاعه بنية المقام وصلوة التمام صير ما تقدم في حكم المعدوم فلابد من ثبوت سفر جديد ليتحقق معه الحكم بالقصر والتقدير عدمه واما ضم الرجوع إلى ما بقى فليس بسديد من وجه اخر لان لكل واحد من الذهاب و الاياب في السفر حكما مستقلا لا يضم احدهما إلى الاخر ومن المعلوم ان الهائم وطالب الابق والعاصي بسفره ونحوهم لو تجدد لهم في اثناء المسافة قصد صحيح إلى ما دون المسافة لا يجوز لهم القصر قبل الرجوع وان كان الرجوع وحده مسافة فضلا عن انضمامه إلى المقصود مما هو دونها بل انما يقصرون في الرجوع لاغير واللازم من ذلك كله ان هذا الخارج بعد نية المقام إلى ما دون المسافة لا يقصر حتى يقصد مسافة ولو بالرجوع نحو بلده ليستلزم قصد المسافة وايضا فان الاصحاب رحمهم الله تعالى قد صرحوا بان قاصد المسافة لو نوى في ابتدأ سفره الاقامة في اثنائها في بلد ونحوه عشرة ايام بحيث لا يبقى بعد موضع الاقامة إلى منتهى سفره مسافة لا يقصر في الذهاب ولو كان كما ذكروه في المسألة لزم القصر بمفارقة موضع الاقامة في اثناء المسافة بعين ما ذكر فان قيل هذا الخروج وان كان مفروضا إلى ما دون المسافة لكنه في قوة الخروج إليها لان المسافر المذكور اما ان يريد الذهاب

[ 172 ]

والتمادى في السفر بعد الموضع المفروض كونه إلى ما دون المسافة أو يريد الرجوع إلى بلده وعلى التقديرين يحصل قصد المسافة قلنا نمنع الحصر في قصد المسافة بذلك مع كون المفروض خروجه إلى ما دون المسافة فانه يجوز ان لا يحصل عنده احد الامرين بل يقصد الخروج إلى الموضع الذى هو دون المسافة مع تردده فيما يفعله بعد ذلك ايقيم فيه أو في غيره أو ينشئ السفر بعد ذلك أو يرجع إلى بلده وهذا امر صحيح يتفق للعقلاء بان يوقفوا احد هذه الامور على الوصول إلى الموضع المذكور بسبب استعلام خبر ونحوه فمجرد الخروج إلى ما دون المسافة اعم من قصد السفر والرجوع المستلزم لقصد المسافة وعلى تقدير قصد الرجوع إلى بلده بعد الوصول إلى ذلك المحل لا يصح الحكم بالقصر الا في العود ليتحقق قصد المسافة فان قيل لما لم يكن في نيته العود إلى بلد الاقامة بل عزمه المفارفة من غير عود كان سفره الذى انشاه بعد مفارقة محل الاقامة بمنزلة ذهاب واحد أو عود باعتبار اتصاله وعدم رجوعه على الطريق الاولى فيعود إلى القصر قلنا هذا ايضا فاسد فان المعروف كما سيأتي ان لكل واحد من الذهاب والاياب حكما مستقلا والمراد بالذهاب مجموع المسافة التى بين بلد المسافر ونهاية مقصده واما العود على الطريق الاولى وعدمه فلا مدخل له في تحقق الذهاب والعود ولو كان عدم العود على الطريق الاولى موجبا لاتحاد حكم الطريق لزم منه كون قاصد نصف مسافة مع نية العود على غير الطريق الاولى يخرج مقصرا مع عدم العود ليومه وهو باطل اجماعا وايضا لا يلزم من فرض الخروج من بلد الاقامة وعدم العود إليها عدم الرجوع بمجموع الطريق التى خرج مفيها بل هو اعم منه ومن العود إليه مع عدم المرور ببلد الاقامة فلابد من الاحتياج إلى التقييد وقد الحق بعض الاصحاب بهذا القسم اعني قسم ناوى الخروج مع عدم العود إليه ما لو تردد الخارج على الوجه المذكور في العود وعدمه ومالو ذهل عن القصد إلى المفارقة أو العود بنية اقامة

[ 173 ]

عشرة أو لا معها والاشكال حاصل في الجميع فان المتردد والذاهل غير قاصد للمسافة التى هي شرط العود إلى القصر كما اقتضته المسألة الاولى فلا يتحقق الحكم بالقصر لعدم المقتضى إلى ان يتجدد قصد المسافة وهو خارج عن محل الفرض أو يتحقق الشروع في العود إلى البلد والفرض اعم منه ومن اقسامها ان يعزم على العود إلى موضع الاقامة مع عدم اقامة عشرة اخرى سواء اكمل الاولى ام اقام بعضها ام مر على محل الاقامة لاغير وقد اختلف الاصحاب رحمهم الله تعالى فيه على قولين احدهما وهو مختار الشيخ ره وفى ط والعلامة ره وجماعة انه يرجع إلى التقصير في ذهابه ويستمر عليه في مقصده وعوده محتجين على ذلك بانه قد نقض مقامه بالخروج من محل الاقامة وليس في نيته اقامة اخرى فيعود إليه حكم السفر و عبارة المبسوط في الاستدلال انه نقض مقامه بسفر بينه وبين بلده يقصر في مثله وهذا الاستدلال كما ترى يقتضى ضم الرجوع إلى ما بقى من الذهاب وقد تقدم جملة من الكلام فيه وذهب جماعة من المتأخرين منهم الشهيد والشيخ على رحمهما الله إلى وجوب التمام عليه في الذهاب والمقصد والقصر في العود واحتجوا على الحكم الاول وهو وجوب التمام قبل الرجوع بانه انما يخرج عن حكم الاقامة بقصد المسافة وهى منتفية في الذهاب وعلى الثاني بوجود قصد المسافة حيث انه قاصد إلى بلده في الجملة اما الان أو بعد سفر اخر والبلد الذى كان مقيما فيه قد ساوى غيره بالنسبة إليه من حين بلوغ محل الترخص فان قيل هذا آت في الذهاب ايضا لزوال حكم الاقامة ببلوغ حد الترخص وتحقق عزم المسافة على الوجه السابق كما اشار إليه الشيخ ومن تبعه قلنا المعروف بينهم ان للذهاب حكما منفردا عن العود فلا يكمل احدهما بالاخر الا فيمن قصد اربعة فراسخ عازما على العود في يومه أو ليلته وانما اخرجت هذه بحكم النص ولولا ذلك لكان المتردد في ثلثة فراسخ ثلث مرات أو في اثنين اربع مرات بحيث لا يبلغ حدود البلد

[ 174 ]

حال عوده يلزمه القصر وهو بط بل كان نحو طالب الابق يلزمه التقصير بعد المنزل الذى يبلغ ما قصد سيره مع عود إلى بلده ثمانية فراسخ وهو بط اتفاقا وانما يلزم التقصير بعد عزم العود وبلوغ المسافة اما قبله فلا ولو زاد على المسافة اضعافا بل لم يكن للتقييد بقصد العود ليومه أو ليلته فيمن قصد اربعة فراسخ معنى اصلا إذ لو اعتبر تكميل الذهاب بالعود صدق عزم المسافة فيمن قصد الرجوع من غده وهو معلوم البطلان هذا اقصى ما قرروه في الاحتجاج على هذا المط اقول وهذا البحث مع بودقه ورجحانه على ما ذكر في القول الاول لا يصح على اطلاقه فان المحل الذى نوى فيه الاقامة قد يكون على راس المقصد وقد يكون دونه وعلى التقديرين فالمقصد الذى خرج إليه بعد نية الاقامة وهو دون المسافة قد يكون إلى جهة بلده الذى يريد الرجوع إليه في نفس طريقه وقد يكون مخالفا له في الجهة وما ذكروه من تحقق الرجوع بمفارقة المقصد الذى خرج إليه بعد الاقامة لايتم في جميع هذه الموارد فان المقصد لو كان في بعض الطريق التى سلكها في بلده بحيث يكون الخروج إليه بعد نية الاقامة بصورة الرجوع إلى البلد ورجوعه منه بصورة الذهاب كيف يفرض كون الرجوع من محل هذا شانه رجوعا إلى بلد المسافر وهو على طرف النقيض للرجوع ومثله ما لو لم يكن المقصد الذى خرج إليه على طريق بلده ولكنه يقرب إليه بالخروج إلى المقصد ويبعد عن بلده بالرجوع إليه ففى هذه الموارد لايتم ما ذكروه ولا يتوجه ما حكموا به من القصر بالاخذ في الرجوع إلى موضع الاقامة بل اللازم من المسألة الاولى التى صدرنا بذكرها الرسالة بقاؤه على التمام في هذه الموارد ذهابا واقامة في المقصد وعودا إلى محل المقام وفى المقام فيه وان قصر عن العشرة حتى يتحقق قصد المسافة ولو بتوجهه نحو بلده بالسفر لعدم تحقق قصد المسافة بدون ذلك ومثله القول فيما لو كان محل الاقامة في اثناء المسافة أو في اثناء طريق المقصد الاول وان كان بعد

[ 175 ]

بلوغ المسافة وكان الخروج من محل الاقامة إلى جهة تخالف جهة بلده بحيث يتحقق صورة الرجوع بالعود منه إلى محل الاقامة وان كان ذلك مقابلا لجهة بلده فان المسافر مادام عازما على الزيادة في السفر عن محل الاقامة والبعد عن البلد لا يتحقق منه الرجوع وان حصلت صورة التوجه نحو البلد فان ذلك ليس رجوعا لغة ولاعرفا ولو صح خلاف ذلك لزم من انحراف طريق المسافر في اثناء السفر بحيث يقرب في حال من الاحوال إلى بلده عما كانت في حالة سابقه تحقق الرجوع والحكم بالتمام ان كان ذلك قبل بلوغ المسافة وكذا لو رجع إلى بعض الطريق لاخذ شئ نسيه وان كان الرجوع إلى مكان قد اقام فيه العشرة و نحو ذلك مما يقطع فيه بكونه ليس رجوعا وان كان ايسر إلى جهة البلد فعلم من ذلك ان الرجوع لا بتحقق الا بالوصول إلى مقصده ثم الخروج عنه إلى نحو البلد قاصدا إليه أو بالرجوع عن السفر قبل الانتهاء إلى المقصد والشروع في العود لا بمجرد القرب نحو البلد بغير ذلك وان كان بصورة الرجوع تنبيه علم من ذلك ان المسافر لو كان طريق مقصده مستديرا بحيث لا يصل إليه الا بعد القرب إلى بلده بعد انتهاء البعد عنه فان ذهابه مجموع المسافة التى بين البلد ومقصده وان زاد عن نصف المسافة بكثير و رجوعه من حين انفصاله عن موضع القصد إلى البلد ولان ذلك هو المتعارف ولو فرض تعدد المقاصد كان منتهى الذهاب اخرها الا ان يتحقق الرجوع عرفا قبل الاخر فيكون هو السابق وهكذا وهذا كله يقرب من مسألة البلد ذى الطريقين فانهم قد حكموا فيها يكون الذهاب إليه لا يضم إلى العود حتى لو كان طريق العود خاصة يبلغ المسافة فصر فيه خاصة ولو انعكس الفرض قصر فيهما ومسألة الاستدارة جزئي من جزئيات هذه وهذه مسألة نجر البحث إليها وحسن التنبيه عليها فهذه الفروض كلها خارجة عن القولين مخالفة لحكم ما ذكروه مقيدة لما اطلقوه وانما يتوجه ما ذكروه في القول

[ 176 ]

الثاني ان لو كان محل الاقامة في غاية مقصده أو قريبا منها بحيث لا يخرج عن وضعها ويكون خروجه بعد نية الاقامة منه إلى مايخالف جهة البلد ويبعد بالسير إليه عنها وان لم يكن على حد المقابلة ليتحقق من العود من مقصده الثاني الذى هو دون المسافة العود إلى بلدة في الجملة لانتهاء غرضه من السفر الموجب لقطع المسافة في جانب البعد وان بقى منه ما يمكن استدراكه بالتدرج في طريق الرجوع ولو باقامة عشرة ايام فهذه جملة من الاشكال الواردة على المسألة الثانية إذا اخذت مطلقة كما هو المفهوم والمعمول عليه بين الناس بحيث لو ادخل الانسان عنقه في ربقة التقليد الصرف لم يتم له ذلك لمخالفة المسألة الاولى في هذه الموارد فترجيح المقلد لاحديهما دون الاخرى بعيد عن مقاصد الله سبحانه ورسوله وائمة بقواعد الشريعة المطهرة فان قيل اكثر هذه الاشكالات انما يتم على القول بان المصلى تماما بعد نية الاقامة انما يعود إلى القصر بالسفر إلى المسافة وهذه دعوى لم يقم عليها البرهان كيف وعباراتهم دالة باطلاقها على تعليق العود إلى القصر بالخروج ولايحتاج إلى نقلها فان مراجعتها في ذلك سهلة وكذلك رواية ابى ولادالتى هي مستند الحكم تدل بظاهرها عليه فانه قال فيها بعد ان ذكر نية اقامة العشرة في المدينة فصليت فيها صلوة فريضة واحدة بتمام فليس لك ان تقصر حتى تخرج منها وح فلا يتوجه الاشكال بان فرض الخروج ما دون المسافة يقتضى التمام وان لم ينو بعد العود اقامة عشرة مستانفة وكذا نظائره من الانظار المتقدمة ويؤيد ارادة هذا المعنى حكم الشيخ والعلامة بالقصر في الذهاب ايضا لمن لم ينو اقامة العشرة المستأنفة بعد العود فيكون مذهبهم في ذلك مبنيا على ما ذكر هنا من عدم اشتراط الخروج إلى مسافة بعد الصلوة في العود إلى القصر قلنا هذا الاحتمال وهو الاكتفاء في العود إلى القصر بمجرد الخروج وان لم يكن إلى مسافة لا يصح على القولين اما

[ 177 ]

عند القائلين باختصاص الحكم بالقصر بالعود من الخروج إلى ما دون المسافة بعد نية العشرة كالشهيد ره ومن تبعه فظاهر لتصريحهم في التعليل والفتوى باشتراط المسافة اما التعليل فقد تقدمت الاشارة إليه بقولهم في الاستدلال بان المسافر انما يخرج عن حكم الاقامة بقصد المسافة وهى منتفية في الذهاب واما الفتوى فقد قال الشهيد ره في الدروس ولو خرج بعد عزم الاقامة وقد صلى تماما اشترط مسافة اخرى وقال في البيان بعد ذكر نية القام عشر أو التردد ثلثين إذا اتم صلوة وإذا خرج بعدها اعتبرت المسافة ح وقال في الذكرى بعد ذكر قطع السفر بعزم اقامه العشرة ثم ان كان نية المقام على ما دون المسافة اشترط مسافة جديدة في خروجه منه وان كان على مسافة فكذلك غير انه يكتفى هنا بالرجوع في القصر انتهى واما القائلون بالعود إلى القصر في الخروج كا الشيخ والفاضل فانهم وان اطلقوا تعليق لقصر على الخروج لكنهم قد صرحوا في مسائل متعددة بكون ما بقى من مسافة الذهاب لا يضم إلى العود ولا يقصر فيه الا إذا كان مسافة ومما صرحوا فيه بذلك قولهم انه لو نوى في ابتداء السفر اقامة عشرة في اثنائه اعتبر من موضع خروجه إلى موضع نوى فيه الاقامة فان كان يبلغ المسافة قصر في خروجه إلى موضع الاقامة والا فلاثم يعتبر ما بعد موضع الاقامة وغاية السفر فان كان ايضا يبلغ المسافة قصر والا فلا وهد احكم قد صرح به الفاضل في كتبه والشيخ ره فلا فائدة في نقله وكذلك اتفقوا جميعا على ان من لم يربط قصده بالمسافة كطالب الابق لا يقصر في الذهاب وان تمادى في السفر ومن افراده مالو بلغ المسافة في ذهابه ثم عزم بعد ذلك على الوصول إلى ما دون المسافة ثم العود فانه لا يقصر الا في الرجوع لاغير وبالجملة فمتى تحقق القصد اعتبر المسافة ح وبدل على اشتراط قصد المسافة في العود إلى القصر في المسألة المبحوث عنها من كلامهم حكمهم بان ما نوى فيه الاقامة في حكم

[ 178 ]

بلد المسافر فكما ينقطع سفره بالوصول إلى بلده كذلك ما نوى فيه الاقامة كذا لو نوى الاقامة في بلد قبل الشروع في السفر اعتبرت المسافة بين مبداه وبينه كالبلد إلى غير ذلك من الاحكام وكما يتوقف القصر بالخروج من البلد على المسافة فكذا ما هو في حكمه خرج من هذا المساواة ما لو خرج عن النية قبل الصلوة تماما أو ما في حكمها بالنص عليه فيبقى الباقي ويدل عليه من جهة الاعتبار ان السفر لما انقطع حكمه بنية الاقامة مع الصلوة تماما صار كان الماضي لم يكن فلابد في العود إليه من اجتماع شرائطه التى من جملتها قصد المسافة وكل خبر دل على اشتراط قصد المسافة يصلح للدلالة هنا واكثره صريح في اعتبار الذهاب لاغير ومن ثم يستثنون منها الراجع ليومه كقول الكاظم عليه السلام في رواية سليمان بن حفص المروزى التقصير في الصلوة في بريدين أو بريد ذاهبا وجائيا ويؤيده ايضا الاصل وهو الحكم بالتمام وبيانه من وجهين احدهما انه كان فرضه التمام بنية الاقامة وبطل حكم القصر فيجب استصحاب الحكم بالتمام إلى ان يثبت المزيل له وهو السفر إلى المسافة وهذا المعنى احدى المعاني الاربعة للاصل كما حقق في الاصول والثانى القاعدة المستمرة وبيانها ان الاصل في الصلوة التمام والقصر طار قال الله تعالى وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناج ان تقصروا من الصلوة فيجب العمل بهذا الاصل واتمام الصلوة إلى ان يثبت القصر بالضرب في الارض إلى المسافة الذى هو محل الوفاق وح يضعف حكمهم في المسألة الثانية بالعود إلى القصر بالخروج لمن نوى اقامة عشرة بعد ان صلى تماما ولم يعزم على اقامة مستانفة بعد العود ثم لو فرض انهم قائلون في المسألة الاولى بعدم اشتراط السفر إلى المسافة ورد عليهم ما تقدم من حكمهم باشتراطها في نظائر هذه المسألة ثم يطالبون بالدليل على القصر فانه على خلاف الاصل مع انك قد عرفت انه لو سلم ذلك كله لهم لم يزل الاشكال عن المسألة التى نحن بصدد البحث عنها وتناقض الاحكام بين المسئلتين وان زال بعض ما تقدم من الاشكال واما الرواية فاطلاق الحكم في

[ 179 ]

تعليق القصر على الخروج فيها صحيح فان ابا ولادكوفئ وسؤاله كان عن الاقامة بالمدينة فخروجه عنها إلى بلده يوجب القصر ولو سلم كون الخروج منها اعم من الخروج إلى بلده امكن حملها على ارادة الخروج إلى المسافة الذى هو مقتضى القصر فان حملها على اطلاقها ينتقض في موارد لا يتم عندهم ايضا وكذا يحمل عليه ما اطلق من كلام الاصحاب رحمهم الله تعالى فان الشهيد ره مع تصريحه باشتراط المسافة علق الحكم بالقصر في بعض عباراته على الخروج من غير تفصيل قال بعض الافاضل هذا الحكم والاشكال مبنيان على ان الذهاب لا يضم إلى الاياب مطلقا وذلك موضع النظر وانما يستقيم عدم الضم فيما إذا كان لاحدهما تأثير في تكميل الاخر باعتبار حصول المسافة منهما ولو لم يكن كذلك لزم ان يكون المسافر الذى يقطع المسافة البعيدة ويكرر قطع بعض الامكنة لاجل مصلحة متمما حال الذهاب إلى هذا البعض مع انه يصدق عليه حال الذهاب انه مسافر وليس من المواضع التى يجب عليه الاتمام فيها بالنص والفتوى فيجب القصر لعموم قوله تعالى وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلوة وقول ابى عبد الله عليه السلام الصلوة في السفر ركعتان الخ وح فلا يرد النقض بما تقدم من حكم المتردد في ثلث فراسخ ثلث مرات وطالب الابق الذى يجتمع من عوده وبقية ذهابه مسافة الخ اقول انك إذا تدبرت ما اسلفناه من الكلام ظهر عليك جواب ما اورده في هذا المقام فان الحكم بعدم ضم الذهاب إلى الاياب سواء توقف تحقق المسافة على الضم ام لا قد قررناه ونقلناه من كلام الجماعة على الخصوص وان من جملته مسألة ذى المنازل إذا كان المجموع مسافات متعددة فانه يعتبر مابين كل منزلين ويعتبر ايضا مابين اخر المنازل وغاية السفر ولا يضم إلى العود مع ان مفروضهم فيه كون العود ازيد من المسافة ومثله ناوى الاقامة ابتداء في اثناء المسافة ولو كان كما ذكره هذا الفاضل لما اقتصر إلى اعتبار ما بين اخر المنازل ونهاية المقصد ومن خالف في مسئلتنا كالعلامة ره وافق على حكم مسألة

[ 180 ]

ذى المنازل ونحوه ثم نقول كون كل واحد من الذهاب والاياب له حكم برأسه امر مجمع عليه في الجملة ثابت اعتباره في القصر وعدمه قطعا فتخصيص هذا الامر المجمع عليه ببعض موارده الا وجه له خصوصا مع ما قد حكيناه عنهم مما يقتضى المساواة بين الفرضين في مخالفة حكم الذهاب للعود واما الاستدلال على ذلك بالاية والخبر فنقول ان الحكم وان كان معلقا على مطلق الضرب لكنه مخصوص بقصد المسافة في الذهاب إلى غاية المقصد اجماعا ولا اثر لضم الرجوع في تحقق المسافة فيما عد المنصوص فالكلام في قوة هذا الاشتراط ولما كان الاتمام بعد نية اقامة العشرة يقطع السفر السابق ويوجب عدم العود إلى القصر الا بقصد المسافة وجب الحكم بذلك هنا وكانت الفتوى والدلالة متطابقتين على ذلك في غير صورة النزاع فيجب المصير اليهما فيه ايضا لانه بعض افراد المسألة مضافا إلى ما اسلفناه من الاصل المقتضى للبقاء على التمام الذى قد اتفق عليه بالاتمام بعد نية الاقامة إلى ان يحصل المزيل شرعا وهو قصد المسافة ومن هنا ظهر الفرق بين ما قصر عن المسافة من الذهاب في هذه المسألة وبين ما يتكرر من قطع بعض الامكنة للمسافر فان المسافر لما قصد المسافة و شرع في السفر بحيث تجاوز حدود محله صار حكمه القصر مادام مسافر إلى ان يحصل له احد الامور الموجبة لقطع السفر من اقامة وغيرها ففرضه في تردده المذكور القصر لعدم الموجب للاتمام بل لو اقام اياما متعددة ففرضه القصر فضلا عن التردد على هيئة المسافر وهذا بخلاف مسألة الخارج بعد الاقامة بل هو على الضد منه لان هذا قد صار فرضه التمام وانقطع سفره فيحتاج إلى ان يقصد مسافة جديدة ولم يحصل بعد فيبقى على التمام فقد ظهر بذلك إذ قوله انه مسافر وليس هذا من المواضع التى يجب فيها الاتمام بالنص الفتوى في موضع النظر بل يقال هذا من المواضع التى يجب فيها الاتمام بالنص والفتوى لعدم تحقق موجب القصر الذى هو قصد المسافة في الذهاب كما هو المعروف في كل سفر فيجب الاتمام إلى ان يتحقق قصد

[ 181 ]

المسافة ولو بالرجوع لزوال حكم السفر السابق فيدخل في عموم النصوص الكثيرة الدالة على اشتراط قصد المسافة في الذهاب خاصة ومما ذكره الاصحاب في انقطاع حكم كل واحد من الذهاب والاياب عن الاخر وان لم يتكمل احدهما بالاخرة مسألة البلد ذى الطريقين اللتين احديهما مسافة والاخرى غير مسافة فانهم حكموا فيها بانه لو قصدوا لا البعيدة قصر مطلقا لتحقق قصد المسافة في الذهاب فيبقى على القصر إلى ان يتحقق المزيل وهو احد الامور المشهورة التى احدها الوصول إلى البلد فيقصر في العود وان كان دون المسافة وان سلك الاقرب اولا بقى على التمام فيها و في البلد ويقصر في الرجوع على الابعد خاصة ولا يضم احديهما إلى الاخرى وهذا كله واضح وقد اتضح لك بحمدالله تعالى مابين المسئلتين من الاختلاف وما اشتملتا عليه من الاحكام المتعارضة على تقدير اخذهما مطلقتين ولم اظفر إلى الان لاحد من الاصحاب بكلام في مصنف ولا تعليق يقتضى البحث عن ذلك ولا الاشارة إلى ما يوجب الغبار على شئ منهما بل كأنهما متلقاتان بالقبول معدودتان في مسائل السفر من مسائل الاصول نعم وقفت لبعض المتأخرين على تنبيه يسير عند وقوفه على قولهم انه لو خرج ناوى الاقامة إلى ما دون المسافة عازما على العود من دون الاقامة المتجددة أو على المفارقة فانه يعود إلى القصر على اختلاف في ابتدائه وحاصله انه ينافى قولهم ان ناوى المقام عشر إذا صلى تماما لا يعود إلى القصر الا بالخروج إلى المسافة ثم اجاب عن التناقض بحمل المسألة المعترض عليها با الخروج من موضع الاقامة إلى ما دون المسافة قبل الصلوة تمام ليتم القولان وهذا محمل فاسد قد عرفت فساده مما تقدم فان الخروج قبل الصلوة تماما لا يتوقف رجوعه إلى القصر على الخروج ولا يجرى فيه الخلاف بالعود إلى القصر بتجاوز حدود البلد وهو موضع خفاء الجدران والاذان أو بمجرد المفارقة فان الرجوع عن النية قبل الصلوة يوجب العود إلى القصر وان لم يخرج بل وان بقى في البلد شهرا كما مر وايضا لا يستقيم على هذا التأويل

[ 182 ]

قول الشهيد ره ومن تبعه انه يعود إلى القصر في بعض اقسام المسألة بالرجوع من المقصد الذى هو دون المسافة لا بالذهاب فان ذلك كله لابتم الا مع الخروج بعد الصلوة تماما وبالجملة فلابد من فرض المسألة بجميع اقسامها في كون الخروج بعد الصلوة تماما أو ما في حكمها و ان اطلقه الاصحاب ويبقى الكلام بعد ذلك في المسألة ونحن الان نشرع في تحقيق ما تحصل لنا في المسئلتين وتحرير ما يوجب الاعتماد عليه في اقسامها ولنقدم الكلام في بيان اصل المسئلتين ليصير الناظر فيهما على بصيرة إذا وجد في احديهما تقييد المطلق أو تخصيصا لعام فان اصليهما ليسا متساويين في القوة حتى يحصل التوقف في ترجيح احديهما على الاخرى فنقول اما المسألة الاولى فقد ذكرها الاصحاب في كتبهم المختصرة والمطولة واتفقوا على العمل بمضمونها ومستندها بعد الاتفاق عليها ما رواه الشيخ في يب باسناده إلى ابى ولاد الحناط بالنون المشددة بعد الحاء المهملة قال قلت لابي عبد الله عليه السلام انى كنت نويت حين دخلت المدينة ان اقيم بها عشرة ايام فاتم الصلوة تم بدء إلى العود بعد ان اقيم بها فما ترى اتم ام اقصر فقال ان كنت دخلت المدينة فصليت بها صلوة فريضة واحدة بتمام فليس لك ان تقصر حتى تخرج منها وان كنت حين دخلتها على نيتك التمام فلم تصل فيها صلوة فريضة واحدة على التمام حتى بدالك ان لا تقيم فانت في تلك الحال بالخيار ان شئت فانوا لمقام عشرا واتم وان لم تنوا المقام فقصر ما بينك وبين شهر فإذا مضى لك شهر فاتم الصلوة فهذه الرواية قد دلت على ان الرجوع قبل الصلوة موجب للعود إلى القصر وان بقى في البلد شهرا وان كان الرجوع بعد الصلوة لم تؤثر نية الرجوع في العود إلى القصر وبقى على التمام إلى ان يخرج والمراد به إلى المسافة كما مر وكما يدل عليه حال السائل والبلد وهذه الرواية والفتوى شاملة لما لو كان في نيته بعد الخروج معارقة ذلك البلد امدا أو العود إليه من غير اقامة العشرة أو مع الشك في العود أو في الاقامة أو غير ذلك

[ 183 ]

من محتملات الحال وقد تقرر في الاصول ان ترك الاستفصال في محتملات السؤال الباحث عن حكاية الحال يقتضى عموم الحكم بحسب ما اقتضاه اطلاق المقال فان اشترط في الخروج قصد المسافة لزم من ذلك البقاء على التمام إلى ان يقصدها سواء عزم على العود إلى موضع الاقامة وتجديدها ام لا وان لم يشترط المسافة لزم العود إلى القصر بالخروج سواء عزم على العود ايضا ام لا نعم يتخرج من ذلك على الوجهين مالو عزم على العود واقامة عشرة مستانفة فانه يتم مطلقا لخروجه من بلد فرضه فيه التمام إلى ما دون المسافة ثم عوده إلى ما يجب فيه التمام لسبق نية اقامة العشرة فيه فلا وجه للقصر وقد يجئى على احتمال التلفيق في الذهاب والاياب اشتراط قصور منتهى الخروج بعد نية الاقامة عن نصف مسافة حذرا من اجتماع مسافة من الذهاب والعود الا ان هذا خيال فاسد لا اعتبار به واما المسألة الثانية فلم نجد عليها نصا على الخصوص ولا ادعاه مدع من الاصحاب الذين تعرضوا لبيان مستند المسائل وانما ذكر اصلها الشيخ في ط في فرض مخصوص على سبيل التفريع على المسألة الاولى كما هي عادته في الكتاب كما اشار إليه في خطبته انه بفرع على المنصوص لتكثير المسائل الشرعية لينبه المخالفين على ان ابطالنا القياس لا يوجب قلة فروعنا وبزارة فقهنا بزعمهم كما بينه في اول الكتاب قال فيه ماهذا لفظه إذا خرج حاجا إلى مكة وبينه وبينها مسافة يقصر فيها الصلوة ونوى ان يقيم بها عشرا قصر في الطريق فإذا وصل إليها اتم وان خرج إلى عرفة يريد قضاء نسكه لا يريد مقام عشره ايام إذا رجع إلى مكه كان القصر لانه نقض مقامه بسفر بينه وبين بلده يقصر في مثله وان كان يريد إذا قضى نسكه مقام عشرة ايام بمكة اتم بمنى وعرفه ومكة حتى يخرج من مكة مسافرا فيقصر هذه عبارته وهى على ما يظهر اول ما ذكره الاصحاب في هذه المسألة لما بيناه من عدم نص خاص عليها وعدم سبق كتاب للاصحاب في التفريع على النصوص قبل ط ومن ثم

[ 184 ]

لم يذكرها الشيخ في به ولا في غيرها من كتب الاصول ثم تبعه المتأخرون على ذلك وان عمموا العبارة من غير تخصيص بمكه شرفها الله تعالى وخالفه بعضهم في الحكم بالقصر في الذهاب إلى عرفة على تقدير عدم غرم الاقامة في العود كما تقدم ومنهم الشهيد ره في مختصر به ونقحوا المسألة بما حكيناه سابقا وفى الذكرى ذكرها منسوبة إلى الشيخ بلفظ المبسوط الذى ذكرناه وذكر اتباع المتأخرين له على ذلك ولم يرجح فيها شئيا ولا تعرض للحكم بنفى ولا اثبات وفيه دلالة على التمريض وايماء إلى عدم النص في المسألة لانه في الكتاب لا يخلى المسألة من دليل نقلى مع امكانه وانت إذا تأملت ما ذكره الشيخ ره وجدته سليما عن كثير مما اوردناه على عبارة المتأخرين فان مقصده بعد مفارقة موضع الاقامة زائد على المسافة التى بين بلده وموضع الاقامة ومقابل له في الجهة فيسقط الايراد بان الخروج قد يكون نحو البلد والرجوع إلى موضع الاقامة يكون بصورة الذهاب من البلد ولا يتم قولهم انه يقصر في الرجوع مطلقا وكذا يسقط ما ورد من ان الروجع إلى بلد الاقامة قد يكون بنية الرجوع وان كان إلى جهة بلده فان عرفة لا يتعلق بها للحاج الغريب غرض بغير النسك وهى منتهى السفر فإذا عاد منها إلى مكة فقد حصل ابتداء الرجوع إلى بلده وان حصل له في مكة اقامة اللهم الا ان يكون طريق بلده يمر على عرفة بغير فصل فينتفى الايراد الا ان ما ذكره مبنى على الغالب وغير ذلك من الايرادات نعم يبقى فيه حكمه بالقصر عند خروجه إلى عرفة مع عدم نية الاقامة الجديدة في مكة فان مختار الشهيد ره في ذلك من اختصاص القصر بالرجوع اوضح لعدم المسافة بين عرفة ومكة وانقطاع ما تقدم منها بنية الاقامة والصلوة تماما وما زاد على الكلام على الذهاب منصب على عبارة المتأخرين لسلامة مثال الشيخ ره عنه لا على الوجه النادر المتقدم وحيث عرفت ان المسألة الاولى منصوصة بنص صحيح واضح متلقى بالقبول متفق على ما تضمنه

[ 185 ]

من الحكم وكانت الثانية ليست بهذه المثابة وانما هي تفاريع واقسام استخرجها المجتهدون بانظارهم وكل وصل منها على حسب ما اتاه الله واختار فيها ما فتح الله عليه حتى ان الواحد منهم اضطربت فتواه في بعض اقسامها كما ستقف عليه كان للنظر في اقسامها وللبحث في تفصيلها مجال والجمع بينها وبين الاولى بتقييد مطلقها لازم فلنشرع الان في ذكر اقسامها حسب ما قرروه ونذكر في كل واحد منهما ملخص ما اختاروه ثم نذكر ما عندنا فيه حسب ما تقدم بحثه فنقول إذا خرج ناوى المقام عشرة إلى ما دون المسافة بعد ان صلى تماما فلا يخلوا ما ان يعزم على العود والاقامة عشرة اخرى مستانفة أو على المقام دونها أو على العود من غير اقامة أو على المفارقة من غير عود أو يتردد في الاقامة وعدمها أو في العود وعدمه أو يخرج زاهلا عن جميع ذلك فالصور سبع الاولى ان يعزم على العود تجديد اقامة عشرة مستأنفة وقد حكم الاصحاب هنا بانه يتم ذاهبا وفى مقصده وعائد أو وجهه انه خرج من موضع يلزمه فيه الاتمام بسبب تقدم نية الاقامة إلى موضع يلزم فيه الاتمام لكونه دون المسافة ثم العود إلى موضع يلزمه فيه الاتمام بسبب تقدم نية الاقامة فيه بعد الرجوع إليه فلا موجب للتقصير ويرد على من حكم عليه بالتقصير في الخروج لو لم ينو اقامة العشرة في العود مالو كان الخروج إلى نصف مسافة فما زاد فانه ح يجتمع من الذهاب والعود إلى موضع الاقامه مسافة فيلزمهم القصر هنا وان لم يعترفوا به لان مذهبهم ذاك يستلزم ضم الذهاب إلى العود وحيث كان ذلك ضعيفا بل لاوجه له اصلا ثبت ما حكموا به هنا من التمام والفرق بين الذهاب المنضم إلى عود يتحقق المسافة بمجرد العود وبين غيره لا دليل عليه كما مر ومسئلتهم اعم منها ايضا نعم يرد على تخصيصهم اقامة الشعرة بموضع الاقامة اولا ايهام اختصاص الحكم به وليس كذلك بل لافرق بين كون نية الاقامة في تلك البلد أو غيرها مما يقصر عن المسافة

[ 186 ]

لما قد عرفت من التعليل وكلام الشيخ سالم عن ذلك لانه فرض المسألة في مثال خاص يتفق وقوعه كثيرا للجاج فيمكن استخراج غيره منه واما الاصحاب فانهم ذكروه على وجه الضابط فهو محل الفهم ومطرح الفهم الثانية ان يعزم على العود والمقام دون عشرة مستأنفة بل اما مع اكمال الاولى اولا معه وقد تقدم ان الشيخ والفاضل وجماعة حكموا با القصر في الذهاب والاياب لنقضه المقام بالمفارقة فيعود إلى حكم السفرو القول بالقصر هنا في الذهاب غير واضج لفرض كونه إلى ما دون المسافة بل تيم فيه وذهب الشهيد ره وجماعة إلى القصر في العود خاصة وقد تقدم في توجيه ان الرجوع يستلزم قصد المسافة في الجملة لانه قاصد بلده ولو بعد اقامة ايام وهذا تيم مع كون المحل الذى خرج إليه مقابلا لجهة بلده أو مخالفا لها بخيث يكون منتهى السفر كما مثله الشيخ في عرفة ومكة فان العود من عرفة يقضى الرجوع إلى البلد الحاج في الجملة لانها غاية السفر بالنسبة إلى بلد المسافر غالبا ولا تيم فيما لو كان الخروج من موضع المقام إلى جهته بلده فان العوذج إلى موضع الاقامة لا يعدو جوعا إلى البلد فلا تيم قصد المسافة من هذه الجهة بل اللازم هنا ان يقال انه تيم ذاهبا قطعا لان المفروض كون السفر إلى ما دون المسافة ثم ينظر في العود فان كان إلى موضع الاقامة لا غير اما مع عزم عدم التجاوز إلى تمام المسافة بالنسبة إلى مبدأ العوذا ومع الذهول عن الزيادة عن محل الاقامة أو مع التردد فيها وهذا فرضه التمام في العود ايضا كما في المسألة الاولى لعدم نحقق قصد المسافة الذى هو شرط القصر ولم يصدق العود إلى البلد بل صدق ضده وهو زيادة العدعته في العود من المقصد إلى موضع الاقامة إلى منتهى المقصد فانه يقصر في الرجوع كما ذكروه لصدق قصد المسافة وان كان في نيته الاقامة في اثنائها لان المفروض كون الاقامة دون عشرة ايام فلا يقطع السفرو وكذا لا يتم فيما لو كان عوده إلى موضع الاقامة بغير نية العود إلى البلد فان هذا العود

[ 187 ]

لا يصدق عليه اسم الرجوع إلى البلد بحيث يلحقه حكمه وقد مر تحقيقه فان قيل ما ذكر تم وان كان متوجها الا انه لا يجوز العمل به لعدم لعلم بقائل به من الاصحاب بل اقوالهم في هذا القسم منحصره في قولين احدهما القصر مطلقا والثانى القصر في العود مطلقا فالتفصيل بالتمام في بعض اقسام العود دون بعض يوجب احداث قول ثالث رافع لما وقع عليه الاجماع المركب من قولين قلنا لانم عدم القائل به بل المدعى ان القائل به اكثر من القائل باحد القولين وذلك لما تقرو من انهم قد اسلفونا قاعدة كلية هي ان كل من نوحي اقامة عشرة ايام في موضع وصلى فيه تماما ثم بداله في الاقامة فانه يبقى على التمام إلى ان يقصد مسافة جديدة وما ذكرناه هنا من افراد هذه القاعدة وان كان ظاهر هم انها مسألة برأسها فالمخالف هنا موافق لنا في المعنى فضلا عمن تعرض من الاصحاب لبحث المسألة الاولى دون الثانية وتفاريعها وهم جماعة من المتقدمين والمتأخرين الذين وقفت على كلامهم مع قلة وقوفي على كلام السابقين لخفاء مصنفاتهم وذلك كاولنا وزيادة مع اناقد اسلقنا ما فيه من النص والاعتبار الموجبين لرد ما خرج عنهما اليهما الثالثة ان يعزم على العود إلى موضع الاقامة من غير اقامة جديدة وفيه القولان المذكوران ويرد عليهما ما اوردناه حجة وجوبا والحكم فيهما واحد واعلم ان الشهيد ره اختلف حكمه في هذا القسم فذهب في الدروس إلى القصر في العود كما نقلنا عنه سابقا وقطع في البيان بعوده إلى القصر بالخروج كمذهب الشيخ والعلامة ومختاره في س اوضع مفيدا بما ذكرناه وبقى في كلامه في س بحث آخر وهو انه قال في القسم المذكوران فيه وجهين اقربهما القيصر إلى في الذهاب ومقتضى ذلك انتهاء التمام بالوصول المقصد الذى هو دون المسافة وذلك يوجب القصر في المقصد و ان اقام اياما إذ لا يسمى ذلك ذهابا وجحته التى قررنا ها انما تدل على العود إلى القصر بالرجوع لا غير وان حكم الاقامة في المقصد

[ 188 ]

حكم الذهاب في عدم القصر لعدم تحقق قصد المسافة بعد فيكون الاقوال على ظاهرس في المسألة ثلثة ان هذا الثالث لا وجه له ولعله اراد بالذهاب كل ما قبل العود على وجه المجاز لدلالة الحجة عليه وان لم يكن بينها في الكتاب فترجع المسألة ح إلى القولين الاولين وهذا هو الظ ومن هنا يعلم ان هذه مسألة اجتهادية لم يتفق فيها الانظار ولا حرج فيها على من تفطن لوجه راجح في بعض مواردها الرابعة ازيعزم على مفارقة موضع الاقامة وقد اختلف الاصحاب المتقرضون لبحث هذه المسألة في مبدء الاخذ في التقصير بعد اتفاقهم عليه في الجملة ذاهبا فذهب بعضهم إلى التقصير بمجرد الخروج من البلد وان لم يتجاوز الحدود لصدق السفر عليه والضرب في الارض واختصاص توقفه على مجاوزة موضع سماع الاذان ورؤية الجدران بموضع الوفاق وهو بلد المسافر واصحهما عندهم توقف القصر على مجاوزة الحدود لصيرورة موضع الاقامة بالنسبة إلى صلوة التمام في حكم بلده ولتساوى جميع اقطار موضع الاقامة إذا كان بلدا في وجوب الايمام وداخل الحدود من جملة البلد وهذه اشكل الصور وكلام الفريقين فيها على اطلاقه غير واضح لان الفرض كون الخروج إلى ما دون المسافة فلا وجه للقصر إذ لم يقصد المسافة بعد اللهم الا ان يكون مقصده الذى خرج إليه على طريق بلده أو إلى جهته بحيث يصدق عليه الرجوع عرفا فيتوجه ما قالوه على اشكال فيه وان كان بعيد اعما اطلقوه ووجه الاشكال ما قد عرفت من ان الرجوع لا يتحقق الا بالقصد فان من الممكن ان يقصد الرجوع إلى بعض المسافة نحو بلده مع عدم قصد الوصول إليها بل مع قصد عدم الوصول ولو كان الخروج إلى جهة يخالف البلد والفرض كونه دون المسافة فحكمه التمام إلى ان يقصد المسافة ولو بالرجوع كما تحقق في المسألة الاولى فان قيل ظ الاصحاب هنا الاتفاق عليا لقصر وان اختلفو في مبدإه فيكون القول بالتمام على بعض الوجوه غير جائز لعدم تحق القائل به قلنا

[ 189 ]

هذا ايضا داخل في القاعدة الاولى فالقائل هناك قائل هنا لانهم اعطوة القانون الكلى في المسألة الخامسة ان يعزم على العود إلى موضع الاقامة ويتردد في اقامة العشرة وعدمها وقد حكى بعض الاصحاب فيه وجهين احدهما الاتمام مطلقا لانتقاد المقتضى للقصرو هو عزم المسافة و الثاني كون حكمه حكم الغازم على العود الجازم بعدم الاقامة في محبئ الوجهين السابقين وما ذكرناه نحن في تلك المسألة ان هنا فان العود إلى الموضع المذكور وان كان مستلزما للعود إلى بلده فالفصر في الرجوع واضح وان كان مخالفا للرجوع إلى البلد فالمتجه البقاء على التمام إلى ان يتحقق قصد المسافة فمقتضى ما ذكروه في هذه الصورة ثلثة اوجه وعلى ما ذكرناه تصيرا ربعة والعجب من ذكر وجه التمام مطلقا هنا وعدم ذكره في الجازم بعد العود بعدم الاقامة فان التردد وعدم مجرد احتمال الاقامة لا يوجب التمام من دون قصد اقامة العشرة فينبغي ان يكون في المسألة السابقة ايضا ثلثة اوجه السادسة ان يترد وفى العود إلى موضع الاقامة وعدم وذكروا هنا وجهين احدهما انها كالثالثة لان حكم القصر موقوف على الجزم بالمفارقة ولم يحصل واصحهما عندهم انها كالرابعة لان المقتضى للاتمام في الذهاب هو العزم على العود ولم يحصل فهو مسافر ويجب بقيده بما قررناه في السابق إذ ليس مطلق الخروج على هذا الوجه سفرا يوجب القصر كما لا يخفى السابعة ان يذهار عن قصد العود والاقامة وعدمهما وهى كالخامسة الا ان يكون الذهول لاحقا لعزم العود أو الاقامة أو غيرهما فالمعتبر العزم السابق فهذه جملة ما حضرمزصور المسألة وما حصل من تقييدها على وجه يحصل به الجمع بينها وبين المسألة الاولى التى هي الاصل وعليها الاعتماد وقد علم ان صورها غير خالية من اجمال محتاجة إلى تحقيق الحال فعليك بالتأمل في ذلك جمعنا الله واياك على الوشاد وسلك بنا جادة السداد بمنة وكرمه تنبيهات الاول لافرق في الخروج من موضع الاقامة بعد الصلوة تماما بين كونه

[ 190 ]

بعد اقامة العشرة أو في اثنائها لاشراك الجميع في العلة فان نية اقامة العشرة والصلوة تصير بلد الاقامة في حكم بلد المسافر في هذه الاحكام فيشترك ما قبل اكمال العشرة وبعدها في ذلك ومن ثم اطلق الاصحاب والنص فيالحكم في ناوى المقام بعد الصلوة على التمام من غير نقرض للفرق بين كون الخروج بعد العشرة أو قبل اكمالها الثاني لا فرق مع نية اقامة عشرة مستأنفة بعد الخروج إلى ما دون المسافة بين كون اقامتها في بلد الاقامة الاولى أو البلد الخارج إليه الذى هو المقصد أو غيرهما من المواضع التى هي دون المسافة لاشتراك الجميع في المعنى المقتضى للبقاء على التمام وهو خروج من فرضه التمام إلى سفر حكمه التمام والانتهاء بعده إلى موعض سبقه نية الاقامة فيه الموجته للتمام الثالث لو كان في نية الاقامة العشرة المستأنفة في احد المواضع المذكورة لكن بعد التردد إلى موضع نية الاقامة الاولى والثانية وغيرهما ما ينساويهما في الحكم وهو ما دون المسافة مردة أو مراذا ففرضه في جميع هذه الترددات التمام ذابا وعودا وفى المقصد المتردد منه واليه لاشتراك الجميع في المقتضى للاتمام وهو خرجه من محل يتم فيه إلى ما دون المسافة وعزمه على اقامة العشرة بعد العود وبعد الفراغ من السفر القاصر عن المسافة فلا وجه للقصر وتعدد مرات التردد لا بقدح في ذلك إذ لا بصبر بذلك مسافرا من دون قصد المسافة وهو منتف بقصد الاقامة قبله على ما ذكره الجماعة ولعدم تحقق قصد المسافة وان لم ينو الاقامة بعدها على ما بيناها الرابع لافرق مع خروجه من موضع الاقامة ومجاوذته حدوده بين رجوعه إلى موضع النية ليومه أو بعده في انقطاع حكم النية السابقة والاحتياج إلى نية مقام عشرة مستأنفة عند الجماعة وعدم تأثير هذا الخروج الا مع اقترافه بقصد المسافة ولو بالرجوع على ما حققناه وما يوجد في بعض القيود من ان الخروج إلى خارج الحدود مع العود إلى موضع الاقامة ليوم أو ليلته

[ 191 ]

لا يؤثر في نية الاقامة وان لم ينو اقامة عشرة مستأنفة لا حقيقة له ولم نقف عليه مسندا إلى احد مز المعتبيرت الذين يعتبر فتواهم فيجب الحكم باطراحه حتى لو كان ذلك في نيته من الاولى الاقامة بحيث صاحبت هذه النية نية اقامة العشرة لم يعتد بنية الاقامة وكان باقيا على القصر لعدم الجزم باقامة العشرة المتوالية فان الخروج إلى ما يوجب الخفاء يقطعها ونيته في ابتدأ نيتها يبطلها وكذا لا فرق في ابطال نيته اقامة العشرة يعزم الخروج إلى ما يجاوز الحدود بين العزم على العود واقامة عشرة مستأنفة وعدم وانما يبقى على الاتمام بنيته الاقامة بعد العود لو كان القصد إلى الخروج طاريا على نيته العشرة وعلى الصلوة تماما امين لما مرض ان الرجوع عن نيته الاقامة قبل الصلوة يوجب العود إلى القصر لفساد النية الاولى الموجبته للتمام بعزم الخروج قبلها وفى بعض الحواشى المنسوبة إلى الامام فخر الدين المطهر قدس سره عدم قطع نية الخروج إلى القرى المتقاربة والمزارع الخارجة عن الحدود النية الاقامة بديبقى على الاتمام سواء قارنت النية الاولى ام تأخرت و سواء نوى بعد الخروج اقامة عشرة مستأنفة ام لا ووجهه غير واضح والنسبة غير موثوق بها الخامس لو خرج لابنيته العود والاقامة عشرة ثم عن لم ان يقيم في موضع الاقامة عشرة مستانفة فعلى ما اختاره الجماعة يخرج مقصر العدم المقتضى للتمام وهو عزم الاقامة عند الشيخ وعزم العود عند الشهيد ثم يتم من وقت النية لحصول المقتضى له و ليس وقوع النية قبل انشاء السفر شرطا في الاتمام بل نية الاقامة تؤثر في ابتدأ السفرو روامه إذ لو فرض خروج المسافر إلى مسافة مقصودة فعن له في اثنائها اقامة الشعرة في موضع لم يصل إليه بعد ولكنه دون المسافة اتم في الطريق وموضع الاقامة ثم بعيتر نهاية مقصده بعد ذلك ولو فرض تجدد نية العود لا غير رجع إلى التمام على مذهب الشهيد إلى ان يأخذ في الرجوع فيقصرو على ما اخترناه هو باق على الاتمام في جميع

[ 192 ]

الفروض حتى يتحقق قصد المسافة والشروع فيها ولو انعكس الفرض بان رجع عن نية الاقامة المستأنفة بعد الخروج إلى مقصده رجع إلى التقصير عندهم لزوال المقتضى للتمام وكذا لو رجع عن نية العود عند الشهيد ره وعلى ما بيناه لا يتغير الحكم الا بقصد المسافة السادس لو خرج ناويا لاقامة العشرة في موضع الاقامة واستمر على التمام ثم تغيرت نيته إلى الاقامة بغيره مما هو دون المسافة لم يتغير الحكم لا شتراك الموضعين في المقتضى وكذا لو انعكس الفرض أو طرأ له يعد الوصول إلى موضع نوى فيه اقامة العشرة المستأنفة ان يخرج منها إلى دون المسافة اخرى أو مرار اقبل الصلوة فيه تماما والفرق بين هذه و بين الاولى في توقف تلك على الخروج بعد الصلوة دون هذه انه في الاولى مسافر و فرضه القصر فلا ينقطع سفره الابنية العشرة ولا يصير البلد في حكم بلده بحيث لا يقصر حتى يخرج منها إلى المسافة الا بالصلوة بخلاف الثانية فان سفره قد انقطع بالاقامة الاولى فلا يعود إلى القصر الا بقصد المسافة ولم يحصل بعد والخروج من الموضع المذكور وان نكرر لا يصيره مسافة والايوجب القصر السابع لو خرج مع قصد المسافة لكن بعد تردده إلى بلد الاقامة مردة أو مرار ابقى على التمام إلى ان يخرج إلى المسافة بعد التردد لعدم تحقق شرط القصر قبله وهو الخروج إلى المسافة المقصودة نعم لو خرج بقصد المسافة ثم عن له التردد بعد انشاء السفر إلى بلد الاقامة أو غيرها بقى على القصر خالة التردد و الفرق انه قد لزمه القصر بالانشاء الاجتماع شرائط القصر فلا ينقطع الا بنية اقامة العشرة على ما فضل أو التردد ثلثين يوما ولم يصحل فيبقى على القصر بخلاف الاول فان فرضه التمام إلى ان يقصد المسافة ويشرع فيها ولم يحصل ذلك بالجملة فقدر صات بلد الاقامة بعد الصلوة تماما في حكم البلد بالنسبة إلى اشتراط الخروج إلى المفاسة فكما لا يقصر التردد من بلده إلى ما دون المسافة قبل الشروع في السفر إلى المسافة فكما لا يقصر المتردد من بلده

[ 193 ]

إلى ما دون المسافة قبل الشروع في السفر إلى المسافة فكذا من بلد الاقامة فكذا من بلد الاقامة واما تردده بعد قصد المسافة إلى بلد الاقامة فلا يؤثر في قطع السفر كما قلناه وان كان عود المسافر إلى بلده يوجب قطع السفر لان بلد الاقامة ليست كبلد المقيم في جيع الاحكام بل إذا خرج منها ساوت غيرها فلا يقطع السفر عوده إليها كما لا يقطع عوده إلى غير بلده ولو كان عزمه على التردد إلى غير بلد الاقامة قبل المسافة ففى الحاقه ببلد الاقامة نظر من انه شرع في السفر حيث لم يرجع إلى مبدء المسافة فيقصروان تردد ومن عدم تحقق الذهاب مع قصد التردد إلى محل خاص قبله والاشكال ات فيما لو كان التردد إلى المحل في اثناء المسافة حيث كان لاشتراك الجميع في العلة ولعل الوجه هنا القصر لصدق قصد المسافة في الجملة و الشروع فيها ولان ذلك لو اثر لزم اشتراط ان لا يخرج المسافر عن مجموع طريق المسافة إلى غيره مما يوجب مجاوزة الحدود وهو بعيد لا دلالة له عليه نعم لو كان عزمه على التردد مراوا يخرج بها عن اسم المسافر إلى المسافة عرفة توجه احتمال عدم القصر بل تعين المصير إليه الثامن هل يعتبر قصد المسافة الشخصية ام يكفى قصد مسافة في الجملة وان كانت نوعية يحتمل الاولى لانه المعهود لاصحاب القصود والمتعارف ويحتمل الثاني لحصول الشرط وهو قصد المسافة في الجملة والاصل عدم اشتراط امرا خرو تظهر الفائدة فيما لو قصد الخروج إلى احد بلدين اشتركا في اول المسافة ولم يجزم باحدهما عند الشروع في السفر فعلى الاول يبقى على التمام إلى ان يعزم على احدهما بعينه وعلى الثاني يقصر مع كونهما معا مسافة وكذا البحث فيما لو تعددت البلدان على الوجه المذكور وتيفرع على ذلك ايضا مالو قصد مسافة معينة ثم تجدد له اثناءها مسافة اخرى فانه يسم القصير على الثاني وعلى الاول يتم إلى ان يشرع في السفر إلى تلك المسافة وان بقى في مكان تغيرت فيه النية اياما كثيرة ولا فرق ح بين ان يكون المسافة الثانية على طريق البلد التى

[ 194 ]

كان قد اقام فيها العشرة أو غيرها لمساوتها غيرها عند الخروج منها ولعل الاقوى الثاني لعموم الدليل الدال على القصر بالضرب في الارض مع قصد المسافة المتناول لصورة النزاع وللحكم بالقصر عند قصد المسافة فيستصحب اليان يقوم ما ينافيه وهو اما الرجوع عن السفر أو قصد اقامة العشرة أو مقام ثلثين متردد أو الجميع منتف هنا فيبقى على القصر ولو فرض الرجوع عن المسافة الاولى إلى مقصد آخر في اثناء المسافة بحيث يجتمع مما مضى وما بقى إلى المقصد الثاني مسافة ولا يبلغ من ابتداء الرجوع عن النية مسافة ففى الاستمرار على القصر أو العود إلى التمام تبغير النية الوجهان وبقاء القصر متوجه هنا ايضا ولم اقف للاصحاب في هذه الفروع على شئ يعتمد نعم قرب الشهيد في البيان ان الراجع عن قصد المسافة ثم يعود إلى القصد يحتسب ما مضى من المسافة وهو قريب مما ذكرناه ولا فرق في هذه الفروع بين قاصد المسافة من بلده ومن مقام العشرة التاسع قد تقدم ان بلد الاقامة يصير بحكم بلد المسافر في اعتبار تجاوز حدود ها في جواز القصر فلا يقصر الخارج منها حتى يخفى عليه اذانها وجدار ها وكذا الداخل إليها مع سبق نيته المقام بها على الدخول إليها فينتهى السفر بالوصول إلى حدود ها على خلاف في ذلك كله ويقوى في نفسي الفرق بين حالتى الدخول والخروج بمعنى انه لا يقصر في الخروج إلى ان يصل إلى محل الخفاء ولا ينقطع السفر في حالة الدخول الا بالوصول وذلك لما قد عرفت من ان بلد الاقامة مع الصلوة فيه تماما يصير بحكم البلد في انقطاع حكم السفر وافتقار العود إلى مسافة جديده وتلك الحدود في حكم البلد شرعا بخلاف حالة الدخول فان مجرد الوصول إليها لا يعيز عليه التمام ومن ثم لو رجع عن نيته الاقامة قبل الصلوة تماما أو فعل ما هو في حكمها يعود إلى القصر ولو اقام في البلد شهرا فلا فرق ح بين هذه البلد ويرها الا في جواز التمام بناء على النيته السابقة ومجرد ذلك لا يوجب الحاقا ببلده لمخالفتها لها مخالفة

[ 195 ]

ظاهرة وبالجملة فصير ودتها بحكمها يتوقف على الصلوة تماما كما مرو ذلك شرط لا يحصل الا بعد الوصول إليها فقبله تساوى غيرها فلا ينقطع سفره بمجرد وصوله إلى حدود ها ولا يتعدى هذا الحكم إلى غيرها وغير بلد الملك والاقامة الدائمة فلو خرج من احد الثلثة غير عازم على المسافة ثم عزم عليها بعد تجاوز حدوده من بلد اخر أو غيره لم يتوقف القصر على مجاوزرة حدود ذلك المكان بل يكفى الشروع في السفر وهذا الفروع لا يختص بهذه المسألة لكن ناسب الحال ذكره والتنبيه عليه العاشر لو خرج غير عازم على المسافة اما لتردد أو لجزمه بعدم قصد المسافة ثم تجدد له قصدها قصر ح كما مر لكن يشترط بلوغ ما قصده بعد القصد مسافة فلا يكفى تلفيقها منه ومما سبق وهو ما بعد موضع الاقامة فح ان كان اخذا في الذهاب فالمعتبر كون الباقي منه مسافة وان عزم على العود إلى وطنه وكان قد بلغ المسافة كفى قصد العود وعلى ما ذكره الجماعة من المتقصير بمجرد الخروج من غير قصد المسافة يسقط هذا الشرط ويجوز التلفيق بطريق اولى الحادى عشر لو خرج ناوى المقام بعد صلوة التمام إلى المسافة لكن عزم في اثناءها على التوقف على وفقة علق سفره عليها كان حكمه في ذلك حكم متوقع الرفقة عند الخروج من بلده فان كان ذلك في نيته من ابتداء الخروج من موضع الاقامة بقى على التمام في طريقه إلى مكان يتوقع فيه الرفقة وفيه ان علق سفره عليها ولم بمجيئها قبل مضى عشرة ايام ويستم عليه إلى ان يسافر معها أو بدونها وان جزم بالسفر مندونها وان لم تجئ ما قبل العشرة أو علم مجيئتها وان علق سفره عليها قصرو لو غلب على ظنه مجيئها فالظ انه كالعالم وبه جزم الشهيد ره في الذكرى ولو طرا له الا نتظار بعد الشروع في السفر إلى المسافة رجع إلى التمام ولو كان الانتظار وعلى رأس المسافة استمر على القصر إلى ثلثين يوما وبالجملة فحكمه حكم منتظر الرفقة في غير هذا المحل وانما خصصناه بالذكر لفائدة الثاني عشر

[ 196 ]

منتظر الرفقة بعد مجاوزة الحدودان لزمه التقصير حال انتظاره كانت المسافة معتبرة من حين الخروج فيلق ما قبل الانتظار مع ما بعده وان كان حكمه التمام اشرط كون ما بعد ذلك مسافة ولا يضم إلى ما سبق من السير لانه خارج عن حكم المسافر لانتظاره فهو في قوة قاصد ما دون المسافة وقد تقدم تفصيله وليكن هذا اخر ما نمليه في هذه المسألة ونحن نسئل ممن وقف عليها من اهل التحقيق لا يقلدنا في شئ من فروعها قبل تدبر ما فضلناه عسى ان يظهر عليه باب من ابواب الصرناب فان البرهان هو المعيا لاولى الالباب فرغ من هذه النسخة مؤلفها العبد الفقير إلى عفو الله تعالى وجوده زين الدين بن على بن احمد يوم الاثنين سابع شهر رمضان المعظم سنه خمسين وتسعمائة حامد الله تعالى شاكرا له على نعمائه صابرا على بلائه مصليا على سيد خلقه واشرف احبائه محمد صلى الله عليه وآله وعلى الظالين مزابنائه اللهم فاختم بخير كما فتحت بخير في سنة 1312

[ 197 ]

هذه رسالة في طلاق الحايض والغائب للشيخ الاجل المحقق السعيد الشيهد الثاني طاب ثراه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله حق حمده والصلوة على سيد رسله محمد النبي وآله الطاهرين مسألة اتفق العلماء كافة فضلا عن اصحانا على تحريم طلاق الحايض الحايل الحاضر زوجها عندها المدخول بها واجمع اصحابنا على بطلانه وانه لا بد لصحة طلاقها من كونها طاهرا طهرا لم يقربها فيه بجماع سواء في ذلك الطهر المتعقب لاول حيضه بعد المواقفة وغيره فلو طهرت ثانيا ثم حاضت لم يصح وطلاقها حالته لان الشرط مركب مزامرين احديهما كونها طهر امز الحيض وما في معناه وهو النفاس والاخر انتقالها من طهر المواقعة إلى غيره واختلفوا في الغايب عنها غيبته لا يمكنه استعلام حالها فيها فقال بعضهم يجوز طلاقها ح على كل حال سواء كانت طاهرا ام حايضا وسواء علم الزوج بذلك از لا وقال اخرون لا يجوز الا بعد مدة ثم اختلفوا في تلك المدة فقيل ثلثة اشهر وهو خيره ابن الجنيد من المتقدمين والعلامة فالمختلف من المتأخرين وقيل شهر وهو خيره الشيخ في النهاية وقيل ادنى شهر واوسطها ثلاثة واقصاها خمسة اشهرا وستة وهو خيره الصدوق وقيل حده المدة ان يعلم انتقالها من الطهر الذى واقعها فيه إلى اخرى يجب عادتها ولا يتقدد بمدة غير ذلك وهو خيرة الشيخ في الاستبصار وتبعه عليه ابن ادريس والمتاخرون ومنهم

[ 198 ]

العلامة في غير المختلف وولده فخر المحققين وزاد انه مع عدم العلم بذلك تكون المدة ثلثة اشهر ومنشاء هذا الاختلاف اختلاف الاخبار والواردة في ذلك عن ائمة الهدى عليهما السلام بحس الاطلاق وفروى محمد بن مسلم في الصحيح عن احديهما عليهما السلام قال سألته عن الرجل يطلق امرأته وهو غايب قال يجوز طلاقه على كل حال وتعتد امرأته من يوم طلقها وفى الصحيح عن اسمعيل الجعفي عن الباقر عليه السلام قال خمس يطلقهن الرجل على كل حال الحامل والتى لم يدخل بها والغايب عنها زوجها والتى لم تحض والتى قد يئست من المحيض ومثلها روى الحلبي في الحسن عن ابى عبد الله عليه السلام وعن ابى بصير قال قلت لابي عبد الله عليه السلام الرجل يطلق امرأته وهو غايب فيعلم انه يوم طلقها كانت طامثا قال يجوز وهذه الاخبار حجة القول الاول وهو خيره المفيد وعلى زبابويه والحسن بن ابى عقيل وابى الصلاح التقى الحلبي وغيرهم وروى جميل بن وراج في الصحيح عن الصادق عليه السلام قال الرجل إذا خرج من منزله إلى السفر فليس له ان يطلق حتق تمضى ثلاثة اشهر وهذه الرواية حجة القول الثاني ويؤيدها ان زوجة الغايب باعتبار جهله بخالها في قوة المسترابة التى يجب التربص بها قبل الطلاق وثلاثة اشهر فقد اعتبر الشارع الثلاثة فيما يناسبها فليس بمستبعدح لا انه قياس لانه منصوص بنص صحيح مؤيد بذلك و روى اسحق بن عمار عنه عليه السلام قال الغايب إذا اراد ان يطلقها ركها شهرا وهو حجة الشيخ في النهاية وعن اسحق بن عمار قال قلت لابي ابراهيم عليه السلام الغايب الذى يطلق كم غيبته قال خمسة اشهر ستة اشهر قلت حدودون ذلك قال ثلثة اشهر وهذا الخبر مع الذى قبله حجة الصدوق وقد جمع الشيخ رحمه الله فبالاستبصار بين هذه الاخبار بالحواله على اختلاف عاده النساء في الحيض فمخن علم من خال اموته انها تحيض في كل شهر حيضه جاز له ان يطلق بعد شهر ومن يعلم انها لا تحيض الا كل ثلثة اشهر أو خمسة لم يجز له ان

[ 199 ]

ان يطلقها الا بعد مضى هذه المدة وكان المراغى في جواز ذلك مضى حيضه وانتقالها إلى طهر لم يقربها فيه بجماع وذلك يختلف وتبعه على هذا التنزيل ابن ادريس والمحقق أبو القاسم والعلامة في غير المختلف والشهيد وغيرهم ولنشرع الان في الكلام على حجج هذه الاقوال فاما القول الاول فان اخباره فان كانت صحيحة متكثرة لكنها مطلقة وعامة والاخبار الدالة على التربص مقيده بتلك المدة فيجب جمل المطلق على المقيد فضعف القول الاول فان قيل لم لا يجل التقييد على الاستحباب وعلى التخيير بنيه وبين عدمه كما يدل عليه الحديث الاخير من التخيير بين الستتة والخمسة؟ ثم اجازه الثلاثة لما طلب منه التخفيف واجازة الشهر في الحديث الاخر واطلاق الاذن في هذه الاخبار فيكون العمل بمضمون الكل جاين وان كان التربص بحسب مراتبه قلنا مقتضى قوله في الحديث الدال على الثلاثة يعين؟؟ حيث قال ليس ان يطلق فان المفهوم من هذا النفى نفى الجواز فحمله على الاستحباب خلاف الظاهر فلا يجوز المصير إليه مع امكان الحمل على ما يوافق الظاهر فان قيل هذا المعنى وان كان هو الظاهر لكنه ينافى اطلاق التربص شهرا فانه مقيد لا مطلق حتى يحمل على الثلاثة فيعدل عن ظاهر الثلاثة جمعا بين الاخبار قلنا هذا الوجه حسن لو كان الخبر الدال على الشهر في قوة ذلك الخبر الدال على الثلاثة ليجمع بينهما كما فعله الصدوق لكن الامر ليس كذلك لك فان خبر الثلاثة من الصحيح وخبر الشهر ضعيف أو من الموثق وفى جواز العمل به مع معارضة الصحيح؟؟ عدمه نظر بل الظاهر خلافه فتعين العمل بخبر الثلثة والخبر الاخر الا دل على التخيير بين الستة والخمسة والتنزل إلى الثلاثة يعضد الخبر الصحيح الدال على الثلثة ويوافقه وان كان الكلام فيه مع انفراده كالكلام على خبر الشهر فقد تحرد من ذلك ان الاعتماد من هذه الاخبار على ما صح منها وهى المطلقة والمقيدة بالثلثا ووجوب حمل المطلق على المقيد يعين العمل بالثلثة كما اختاره العلامة في المخ تبعا لابن

[ 200 ]

الجنيد فان قيل الخبر الدال على الشهريتا يد بالاخبار المطلقة التى لا توجب الربص فان تقييدها بالشهر فيفى العمل بها مع تقيدها به فليس خبر الشهر منفردا في الحقيقة قلنا لما كانت الاخبار الصحيحة المطلقة متروكة العمل بالظاهر لوجود المقيد كان المعنى المراد منها هو الحكم مع المقيد ولما كان قيد الشهر ضعيف السند أو غير معمول عليه كان في قوة المعدوم بالنظر إلى قيد الثلثة الصحيح فتعين التقييد به وقد ظهر بذلك ضعف القول الاول و الثالث والرابع واما جمع الشيخ والمتأخرين بينها بالحمل على عادات النساء المختلفة ففيه ان الاخبار الصحيحة بين مطلق في عدم التربص ولا شئ من عادات النساء بمتروك اصلا وؤاسا وبين مقيد بثلثة اشهر وهو مخالف للغالب قديما وحديثا من عادات النساء فان وجود امرأة تحيض في كل ثلثة اشهر مرة في غاية الندور على تقدير وقوعه بل هو ممكن غير واقع فاطلاق الامر به بناء على كونه بعض العادات حمل على خلاف الظاهر وايض فليس في هذه الاحاديث سؤال عن واقعة مخصوصة حتى يتوجه حملها على كونه تلك المراة معتادة بتلك العدة وانما وقع السؤال في كل حديث عن مطلق على وجه القاعدة الكليته فحملها على العادات بعيد جدا واما حديث الشهر فانه موافق للغالب لكن فيه ما قد عرفته وهو اقرب إلى الظهور والصحة بسبب موافقته للغالب بل لو لم يرد في الباب غيره لم يكن مخالفا لما يخرج من ذلك عن عادة النساء نادرا فان رد الاحكام إلى الامور الغالبة موافق للحكم واما حديث التخيير بين الستة و الخمسة عن اطلاق الثلاثة فبعيد جدا عن مناسبة العادة من جهة الزيادة ومن جهة التخيير فان العاده ليس فيها تخيير ويرد على الجميع ان العادة ربما كانت اقل من مجموع هذه التقديرات كما إذا خرج عنها بقرب ايام عادتها بحيث ينتقل من طهر إلى اخر في ايام يسيرة تقصر عن اقل المدد وهو الشهر فلا يكون ح عاملا بشئ من الاحاديث بل هذا هو

[ 201 ]

الطاهر فان المفارقة في الطهر لابد ان يكون بعد مدة قد مضت منه باعتقاد وقوع الجماع في اثنائه وخروجه بعد ذلك فلا يحتاج إلى تمام الشهر بالنسبة إلى الغالب من عادات النساء فالتنزيل على الاكتفاء بالانتقال من طهر إلى اخر يخالف مجموع الاخبار وايضا فربما كان انتظار العادة بعد احد المدد وقبل المدة الاخرى كالشهر والثلثة فإذا توقف الامر على شهر ونصف لم يكن داخلا في شئ من التقديرات فان قيل الاخبار المطلقة لما حملت على المقيدة لم يقدح في اعتبار العادة لان المطلوب ح هو المقيد ثم المقيد يوافق بعض العوائد بحسب الامكان ففى الحمل عليه سلامه الاخبار الصحيحة أو المشهورة عن الاطراح اصلا وراسا ولاشك ان حمل الخبر على الوجه البعيد خير من اطراحه مع انه يمكن حمل الاخبار والمطلقة في الاذن على بعض الوجوه الممكنة كما لو خرج إلى السفر في اخر خرء من حيضها أو ما يقرب منه فانه ح يجوز له طلاقها حال الغيبة مط وهو نوع من الحمل وان بعد بل هو اقرب من التقييد بثلثة اشهر وخمسة وستة لان ذلك مجرد فرض غالبا اما هذا فوقوعه لكل فرد من افراد المعتادة ممكن وباقى التقييدات يمكن وقوعه في نفسه فليس في الحمل عليه فرض محال وهو خير من اطراح الاخبار واما فرض الانتقال من الاشهر المنصوصة فانه وان لم يكن حكمه مذكورا بخصوصه لكن الصبر به إلى العدد الزائدة يصححه قطعا أو نقول في التقدير المختلف بينه على اعتبار الانتقال كيف كان فإذا وقع مالا يوافق المقدر يستفاد حكمه منه من باب التنبيه قلنا هذه المحامل البعيدة انما ينبغى المصير إليها عند تعذر ما هو اوجه منها واوفق وهو هنا ممكن فانا قد اسلفنا ان الاخبار الصحيحة من جملة تلك الاخبار هي المطلقة والمقيدة بالثلثة ووجوب حمل المطلق على المقيد يصير الجميع في معنى التقييد بالثلثة اشهر فليس هنا الا وجه واحد وهو تقيد جواز طلاق الغايب بثلاثة اشهر

[ 202 ]

وباقى الاخبار لو وافقت عوايد مستقرة ومعان واضحة لم يسع العمل بها وان كانت اصول بعض اصحابنا يقتضى العمل بها فكل يعمل على شاكله وإذا تعينت الاخبار للتقييد بثلثة اشهر وهو مع ذلك موافق لحكمة التربص بالمجهولة الحال وهوى المسترابة وما في حكمها كالمرضع تعين العمل به واستغنى عن المحامل الباردة التى تمجها الطباع في الاخبار الشريفة وبيان ائمة الهدى لاحكام الدين وفى الحقيقة الغائب عن زوجته في طهر المواقعة مع كونها يمكنه الحمل عادة تصير بجهله بحالها يمكن عنده حملها وعدمه وحيضها وعدمه فهى في حكم من انقطع عنها الحيض في زمان امكانه وقد احتمل كونها حاملا أو غير حامل وحصلت الاسترابة لها وبها فإذا ورد النص الصحيح بذلك وعمل به جماعة من الاصحاب فلاوجه للعدول عنه نعم يمكن ان يقال زيادة على النصوص انه قد علم من القواعد الشرعية المستندة إلى النصوص ان حكم طلاق الغايب اسهل من طلاق الحاضر واخف وهو يظهر من وجهين احديهما ان الحاضر لا يسوغ له الطلاق الا مع برائة المراة من الحيض و النفاس قطعا وكون الطلاق واقعا في طهر لم يقربها فيه والغايب يجوز طلاقه مع حيضها في الجملة وفى طهر المواقعة اما مع عدم التربص أو معه مع انقضاء المدة المعتبرة والثانى ان الحاضر لا يجوز طلاقه من غير انتظار الحالة المذكورة اجماعا والغايب قد قيل فيه بجواز طلاقه مط من غير تربص وما اجمع فيه على وجوب التربص على وجه اقوى واغلظ حكما ممن اختلف في وجوب تربصه واذ تبين ذلك وكان حكم القوى انها إذا تنقلت من طهر إلى اخر يجوز طلاقها من غير اعتبار امر اخر من مضى ثلثة اشهر أو ما هو ازيد كان حكم الضعيف اولى بذلك فإذا علم الغايب انتقالها من طهر إلى اخر ينبغى ان يجوز طلاقه بطريق اولى وح فان علم الغايب انتقالها من الطهر الذى واقعها فيه إلى اخر صح طلاقه كالحاضر وان لم يعلم وجب عليه التربص بثلثة اشهر

[ 203 ]

عملا بصحيح الروايات التى قد اجتمع مطلقها ومقيدها على ذلك ولعل هذا التفصيل اقوى الاقوال وامتها دليلا وقد تقدم انه اختيار فخر الدين في الشرح ويكون خبر الشهر بل الاخبار المطلقة مؤيده له فان قيل جواز الطلاق مع علمه بانتقالها مبنى على كون الغايب اخف حكما لما ذكر ولكن قد يقال انه اغلظ حكما على بعض الوجوه فانه مع الجهل بانتقالها قد ورد النص بوجوب تربصه بثلاثة اشهر أو ازيد وهذا حكم اقوى من حكم الحاضر قلنا قد بينا انتفاء ما يزيد على الثلثة وحكم الانتظار ثلثة واقع في الحاضر ايضا كما في المسترابة المتشابهة لزوجة الغايب باعتبار جهله بحالها وح فحكم الغايب من هذا الوجه حكم الحاضر في نظيره ويبقى مع الغائب خفة الحكم فيما اسلفناه فكان حكمه احق في الجملة كما ذكرناه إذا تقرر ذلك فنقول إذا اطلق الغايب زوجته فلا يخ اما ان يطلقها بعد مضى المدة المعتبرة في صحة الطلاق أو قبلها وعلى التقديرين اما ان يوافق فعله كونها جامعة للشرايط في الواقع بان يكون قد حاضت بعد طهرا لمواقعة وطهرت فوقع الطلاق حال الطهر أو لا يوافق بان تبين وقوعه في طهر المواقعة أو حاله الحيض أو يستمر الاشتباه فالصور ثمان ثم على تقدير الانتظار قد يتفق له من يخبره بحالها بحيث يعتبر خبره شرعا ويكون الحال موافقة للشرط أو مخالفه فتشعب منها صور اخر يتضح احكامها بمسائل الاولى ان يطلقها مراعيا للمدة المعتبرة ثم تظهرا لموافقة بان كانت قد انتقلت من طهر المواقعة إلى اخر وهنا يصح الطلاق اجماعا لاجتماع الشرائط المعتبرة في الصحة ظاهرا في نفس الامر الثانية ان يطلقها كذلك ولكن ظهر بعد ذلك كونها حايضا حال الطلاق وهنا ايضا يصح الطلاق لان شرط الصحة ح للغايب مراعاة المدة المعتبرة وقد حصل والحيض هنا غير مانع لعدم العلم به وهو مما قد استثنى من صور المنع من طلاق الحايض

[ 204 ]

في النص والفتاوى ورواية ابى بصير السابقة صريحة فيه فانه قال فيها الرجل يطلق امرائة و هو غايب فيعلم انه يوم طلقها كانت طامثا قال يجوز والمراد من هذه الرواية انه لم يكن عالما بالحيض حال الطلاق ثم علم لعطفه العلم على الطلاق بالفاء المفيدة للتعقيب و هذه الصورة مما لا يعلم فيها خلاف ايضا الثالثة الصورة بحالها في انه طلق بعد المدة المعتبرة ولكن ظهر بعد ذلك كونها باقية في طهر المواقعة لم تنتقل منه إلى حيض ولا إلى طهر اخر والظاهر ان الحكم هيهنا كالثانية لغير ما ذكر وهو وقوعه على الوجه المعتبر شرعا ولان الطلاق إذ حكم بصحته في حاله الحيض بالنص والاجماع فلان يحكم بصحته في حاله الطهر اولى وذلك لما قد عرفته سابقا من ان شرط الطلاق في غير الغائب امران وقوعه في طهر وكون الطهر غير طهرا لمواقعة فإذا اتفق وقوعه في حالة الحيض تخلف الشرطان لعدم طهر اخر غير طهر المواقعة وعدم الخلو من الحيض وإذا اتفق وقوعه في حال الطهر فالمختلف شرط واحد وهو كون الطهر غير طهر المواقعة فإذا كان تخلف الشرطين في الغايب غير مانع فتخلف احديهما اولى بعدم المنع والذى اختاره المحقق الشيخ على رحمه الله في بعض فوائده هنا عدم الوقوع محتجا بانتفاء شرط الصحة وهو حصول استبراء الرحم خرج منه حالة الحيض للرواية فيبقى الباقي واجاب عن الاحتجاج بوقوعه على الوجه المعتبر شرعا بمنع وجود الشرط وبان الاذن في الطلاق استنادا إلى الظن لا يقتضى الحكم بالصحة إذا ظهر بطلان الظن وجوابه ان الشرط المعتبر في استبراء الرحم للغايب انما هو مراعات المدة المعتبرة وهو حاصل وموضع النص والفتوى وهو حالة الحيض ينبه عليه بابلغ وجه وظهور بطلان الظن غير مؤثر فيما حكم بصحته ظاهرا كما ينبه عليه ظهور الحيض والحاصل ان الشرط المعتبر حاصل والمانع وهو ظهور الخطاء غير متحقق للمانعية وقد تخلف فيما هو اولى بالحكم فليس ذلك من باب

[ 205 ]

القياس الممنوع بل غايته اشتراكهما في طريق الحكم فان قيل إذا كانت الحكمة في انتظار المدة المقررة في الجملة انما هو استبراء الرحم من الحمل لم يكن الحكم بالصحة لو ظهرت طاهرا في طهر المواقعة اولى لان برائة الرحم معه غير متحققة بخلاف مالو ظهرت حايضا فان الطاهر مع الحيض برائة الرحم من الحمل بناء على امتناع حيض الحامل أو على الغالب من عدم حيضها فالاولوية في حاله الطهر ممنوعه بل المساواة وانما الامر على العكس لكون الحيض موجبا للبراءة أو اقرب إليها بل في الحقيقة الاعتبار الظنى انما هو به واما الانتقال منه إلى الطاهر فانما يفيد استظهارا قليلا فيه إذ لا دخل له في البرائة قلنا هذا الاعتبار حسن لكنه مبنى على وجوب اعتبار الحكمة وهو غير لازم وانما دلت النصوص على اعتبار انقضاء المدة المعتبرة واستنبط منها الاكتفاء بظن الانتقال من طهر إلى اخر كما قد عرفته وكلاهما متحقق هنا و الحكمة مستنبطه لا منصوصة فلا يلزم اطرادها فيرجع الامر إلى ما قلناه من وجود مقتضى الصحة وانتفاء المانع الرابعة الصورة بحالها في كون الطلاق وقع بعد المدة المعتبرة لكن اتفق له مخبر يجوز الاعتماد عليه شرعا بانها حايض بسبب تغير عادتها فهل يقع الطلاق صحيحا ام لا وجهان اجودهما العدم لعموم الادلة الدالة على المنع من طلاق الحايض خرج منها غير المدخول بها وزوجه الغايب بعد التربص وعدم العلم بالحال حين الطلاق فيبقى الباقي على المنع ووجه الصحة اطلاق الاخبار بجواز طلاق الغايب بعد المدة أو مطلقا من غير تفصيل فيكون مخصصه للمنع من طلاق الحائض كما خصص المنع منه لو كانت حايضا في نفس الامر مع عدم ظهوره ويضعف بان كلا من اخبار المنع من طلاق الحائض وتسويغ طلاق الغايب على كل حال مطلق وليس تخصيص احديهما بالاخر اولى من عكسه

[ 206 ]

إذ كما يحتمل ان يقال ان الاخبار الدالة على صحة طلاق الغائب مخصصه لاخبار المنع من طلاق الحايض كذا يمكن ان يقال ان اخبار المنع من طلاق الحايض خصصت عموم تسويغ طلاق الغايب على كل حال فبقى ان يقال ان اخبار المنع من طلاق الحايض خصصت باخبار تسويغ طلاق الغايب على تقدير كونها حائضا في نفس الامر اجماعا فيقتصر في التخصيص على موضع الوفاق واخبار تسويغ طلاق الغائب مع الحيض خصصت باجبار بالمنع من طلاق الحائض على تقدير ظهور الحيض قبل الطلاق وفاء بحفى العامين بحسب الامكان وقد ظهر بذلك ضعف ما قبل هنا ان الاخبار الدالة على التربص دلت على اعتبار المدة المذكورة من غير تقييد بكونها طاهرا وقت الطلاق وعدمه فيقيد بذلك عموم الاخبار العامة الدالة على جواز تطليق الغايب مطلقا والاخبار العامة مقيده لعموم الاخبار الدلة على المنع من طلاق الحائض وايضا فان الموجب لبناء الغايب على الاهلة انما هو عدم العلم بحال المراة وقد نبه عليه في صحيح عبد الرحمن بن الحجاج قال سألت ابالحسن عليه السلام عن رجل تزوج امراة سرا من اهلها وهى في منزل اهلها وقد اراد ان يطلقها وليس بصل إليها فيعلم طمثها إذا طمث ولا يعلم طهرها إذا طهرت قال فقال هنا مثل الغايب عنه اهله يطلقها بالاهلة والشهور فينبه على ان الغايب انما يطلق بالاهلة والشهور لتعذر علمه بحالها فلو علم به كان حكمه حكم الحاضر كما ان الحاضر الذى لا يعلم حالها في حكم الغايب فصارت الاقسام اربعة حاضر ومن في حكمه وغايب ومن في حكمه وقد تبين لك من دليل الوجهين انه لافرق في المنع من الطلاق في هذه الصورة بين كون المراة حايضا بعد الطهر الثاني وقبله لان دليل المنع ات فيهما وكذا لا فرق في احتمال الجواز بين الحيض في الحالين لكن قد وقع الاشتباه في الحالة الاولى وهى مالو كانت حايضا بعد الطهر الثاني اكثر فخصه بعضهم بالجواز

[ 207 ]

دون الحالة الاخرى ولا فرق من حيث الدليل وان كانت تلك الحالة ابلغ في الاستظهار وابعد عن الاشتباه فان الانتقال من الطهر الذى واقعها فيه إلى اخر قد حصل واستبرأها بالمدة المحدودة قد وجد فكان الجواز فيها اولى الخامسة الصورة بحالها لكن المخبر انما اخير بكونها طاهرا طهرا قد واقعها فيه بمعنى انه لم يتجدد لها بعد ذلك حيض على خلاف العادة وفى صحة الطلاق ح الوجهان المتقدمان فيما لو اخبر بكونها حايضا بعد طهر المواقعة بغير فصل لاشتراكهما معا في العلة وهى عدم اجتماع الشرايط المعتبرة في صحة الطلاق في نفس الامر ومضى المدة المعتبرة طاهرا وظهور الحال بحسب الاخبار واولى بعدم الصحة هنا بعدم استبرائها بما يعلم به كونها حاملا أو حائلا بخلاف مالو اخبر بكونها حايضا فانه يظهر بذلك كونها حايلا غالبا وهو ظاهر الحكمة في الاستبراء فان قيل المانع هناك الاخبار الدالة على المنع من طلاق الحايض مط المعارضة للاخبار المسبوغة لطلاق الغائب بعد المدة وهذا المعنى مفقود هنا لان المفروض كونها طاهرا بحسب الاخبار والمدة المعتبرة حاصلة فلا مانع من الصحة يعارض الاخبار الدالة على الاذن في الطلاق المقتضى للصحة قلنا كما ان الاخبار قد وردت بالمنع من طلاق الحايض مط كذلك وردت بالمنع من طلاق من لم ينتقل من طهر المواقعة إلى حيض ثم إلى طهر اخر بعده كقول الباقر عليه السلام في رواية زرارة لاطلاق الاعلى سنة ولاطلاق على سنة الا على طهور من غير جماع ولا طلاق على سنة وعلى طهر من غير جماع الا يبينه ورواية زراره ومحمد بن مسلم ويكبر وفضيل وغيرهم عن ابى جعفر عليه السلام وابى عبد الله عليه السلام انهما فالا إذا طلق الرجل في دم النفاس أو طلقها بعد ما يمسها فليس طلاقه اياها بطلاق وان طلقها في استقبال عدتها طاهرا من غير جماع ولم يشهد على ذلك رجلين عدلين فليس طلاقه اياها بطلاق وغيرهما من الاحاديث الدالة على المنع

[ 208 ]

من طلاق غير المنتقلة من طهر المواقعة إلى اخر فيكون الكلام فيها كالكلام في الاخبار الدالة على المنع من طلاق الحايض المعارضة لاخبار الاذن في طلاق الغائب بعد المدة المعتبرة وطريق الجمع بينهما واحد ويرجع البحث إلى المنع من صحة الطلاق كما تقدم وان كان للصحة وجه بتقريب ما تقدم ويمكن ان يقال هنا ايضا بان الصحة ثم تقتضي الصحة هنا بطريق اولى وذلك لان الشرط في صحة الطلاق كون المراة طاهرا من الحيض وكون الطهر مما لو يقر بها فيه بجماع فإذا اخبر بكونها حايضا فقد تخلف الشرطان معا وهما الطهر وكونه غير طهرا لمواقعة ومطلق الطهر حاصل وإذا اخبره بكونها طاهرا طهرا لمواقعه فالمختلف شرط واحد وهو كون الطهر غير طهر المواقعة ومطلق الطهر حاصل وإذا قيل بصحة الطلاق ثم كانت الصحة هنا اولى وهذا ياتي على توجيه الصحة مع الحيض مط سواء كان هو الحيض المتعقب لطهر المواقعة ام ما بعده وعلى ما قيل من ان الصحة هناك مشروطة بكونها حايضا بعد الطهر الثاني ينتفى الامران معا السادسة ان يطلقها مراعيا للمدة المعتبرة ويستمر الاشتباه فلا يعلم كونها حين الطلاق كانت طاهر اطهر المواقعة أو غيره أو حايضا وههنا يصح الطلاق قولا واحد الوجود المقتضى للصحة وهو استبراؤها المدة المعتبرة مع باقى الشرايط وانتفاء المانع إذ ليس ثم الاشتباه الحال وهو غير صالح للمانعية فان قيل إذا كان انتقالها من طهر المواقعة إلى اخر شرطا في صحة الطلاق كان الجهل بالانتقال جهلا بحصول الشرط المقتضى للجهل بصحة المشروط وان كان ذلك انما يعتبر في الحاضر فالغايب طلاقه صحيح وان اتفق في الحيض أو طهر المواقعة مع العلم به وبدونه لان ذلك ليس شرطا في طلاقه قلنا المعتبر في شرط طلاق الغايب انما هو مضى المدة المعتبرة مع عدم العلم بكونها حايضا حال الطلاق وما في حكمه ككونها طاهرا طهرا لمواقعة فمتى انتفى العلم بذلك حصل الشرط فيصح الطلاق فان قيل اخبار الاذن في طلاق الغايب مطلقا

[ 209 ]

أو بعد المدة المعتبرة غير مقيده بالطهر ولا بغيره والاخبار المقيدة بالطهر غير مقيده بالحاضر ولا بغيره فان اعتبر في صحة طلاق الغايب مدلول اخباره خاصة لم يكن الحيض مانعا من الصحة ولا طهر المواقعة مطلقا وان اعتبر معها مدلول هذه الاخبار لزم المنع من طلاق الغايب مع الجهل بالحال ومع تبين الحيض والمطهر بعد الطلاق وان جهل الحال عنده والاتفاق على خلافه قلنا وجوب الجمع بين الاخبار المطلقة والعامة تقتضي اعتبار جميع ما دلت عليه الاخبار المختلفة الا ما اخرجه الاجماع وهو الطلاق من الغايب مع اشتباه الحال دائما ومع ظهور الحيض وطهر المواقعة بعد ذلك ويبقى ما عدا المجمع عليه على الاصل من اعتبار واستجماع جميع ما امكن جمعه من الشرايط التى من جملتها مضى المدة في الغايب والسلامة من الحيض وطهر المواقعة فان قيل هذا يقتضى المنع من طلاق الغايب لو تبين بعد ذلك وقوعه في طهر المواقعة لانه لااجماع عليه وقد تقدم نقل الخلاف فيه قلنا ان سلم عدم الاجماع عليه المستفاد من اطلاق الاصحاب صحة الطلاق مع اعتبار المدة المذكورة من غير تقييد بظهور الموافقة وعدمه امكن استناد الصحة فيه إلى مفهوم الموافقة بالنسبة إلى صحة طلاق من تبين كونها حائضا المنصوص على صحته المجمع عليه بناء على ما تقدم من ان الحيض يوجب اختلال الشرطين معا المعتبرين في الطلاق وطهر المواقعة يوجب اختلال شرط واحد فإذا صح الطلاق مع اختلال الشرطين صح مع اختلال شرط واحد بطريق اولى وان لم يتم هذا الدليل وتبين عدم الاولوية التزمنا ببطلان الطلاق المذكور اعتبار الوجوب الجمع بين الاخبار بحسب الامكان السابعة ان يطلقها قبل مضى المدة المذكورة ولكن ظهر بعد الطلاق وقوعه في طهر لم يقربها فيه وفى صحة الطلاق ح وجهان من مطابقة الشرط في نفس الامر وظهور الحال ومن عدم اجتماع الشرايط المعتبرة في

[ 210 ]

الطلاق حال ايقاعه فان من جملتها التربص به المدة المذكور ولم تحصل ومن نظائر هذه المسألة مالو باع مال ابيه ظانا حيوته بل قبل العلم بموته فتبين موته حالة البيع وانتقال المال إلى البايع فان في صحة البيع لموافقة كونه مالكا حين البيع أو البطلان لعدم تحقق الملك ظاهرا قولين والوجهان اتيان فيما لو طلق الحاضر قبل علمه بانتقالها من طهرا لمواقعة إلى اخر ثم تبين انتقالها قبله ويمكن الفرق بين العالم بعدم جواز الطلاق قيل الاستبراء و عدمه فيبطل مع العلم ويصح مع عدمه والفرق ان العالم بعدم الصحة لا يقصد إلى طلاق صحيح بخلاف الجاهل فان اقترن بالقصد موافقة الشرط في نفس الامر وقع الطلاق وليس في الاخبار ما يدل صريحا على اعتبار العلم بالانتقال من طهر المواقعة إلى اخر بل على اشتراط وقوع الطلاق في غير طهر المواقعة والقول بالصحة مع ظهور الشرط ليس ببعيد لكن لم اقف للاصحاب في ذلك على شئ بخصوصه الثامنة ان يطلق قبل الاستبراء وتبين عدم الانتقال ويستمر الاشتباء والحكم فيهما واحد وهو بطلان الطلاق عند كل من اعتبر المدة وعلى القول بجواز طلاقه إذا غاب على كل حال يصح هنا بل يصح وان علم بالحيض وهذه الفروع كلها غير محرره في كلام الاصحاب فينبغي امعان النظر فيها ومراجعة الاصول والقواعد التى يستنبط منها هذه الاحكام تكميل للبحث في هذه المسألة قد عرفت ان هذه الفروع ليست مذكورة صريحا في كلام الاصحاب وقد يذكر بعضها في كلام بعضهم ومما اتفق الكلام فيه ان الشيخ على رحمه الله نقل في بعض فوائده عن الامام فخر الدين ره يجوز طلاق الغايب بعد المدة المعتبرة وان اتفق العلم بكونها حايضا بعد الطهر الثاني ورد عليه ذلك ولننقل عبارتهما في ذلك ليتحرر المقام فقال الشيخ رحمه الله ما هذا لفظه قال العلامة فخر الدين رحمه الله في شرح القواعد ان الغايب إذا طلق بعد الطهر الثاني عالما بانها حايض حين الطلاق

[ 211 ]

صح طلاقها واستدل على ذلك بان فيه جمعا بين الاخبار وما ادعاه غير واضح واما استدل به مردود لان الاخبار بعضها دل على جواز التطليق على كل حال وبعضها دل على اعتبار مدة التربص وهى ما يظن معها كونها طاهرا وقت الطلاق فيخص العموم بان زوجة الغائب انما يجوز طلاقها إذا غلب على الظن بمضي المدة المذكورة كونها طاهرا فكأنه عليه السلام قال وزوجة الغايب على حال إذا غلب على الظن كونها طاهرا طهر لم يقربها فيه وح فلا دلالة فيها على ما يدعيه اصلا فان قيل يمكن الجمع بين الاخبار بوجه اخر وهو ان يقال الاخبار الدالة على التربص دلت على اعتبار المدة المذكورة من غير تقييد بكونها طاهرا وقت الطلاق وعدمه فيقيد بذلك عموم الاخبار العامة فيصير هكذا وزوجة الغايب على كل حال إذا تربص بها المدة ان ينتقل معها من طهر إلى اخر وح فيعم ذلك ما إذا علم حيضها حين الطلاق بعد الطهر الثاني قلنا هذا مردود لوجوه الاول انه إذ اراد الحال في التقدير في النصوص بين امرين أو امور وجب تقدير ماكان الصق بالمقام واللائح ان اعتبار الطهارة الصق وذلك لان زوجة الغايب لما اعتبر فيها الاستبراء أو ظن الانتقال عن الحيض إلى الطهر ولم يكتف بظن الانتقال إلى الحيض افاد ذلك ان احكام زوجة الحاضر لاحقه لها لكن لحقا حالها بسبب البعد اكتفى عن معرفة حالها بحسب الواقع مما يفيده معرفة عادتها الثاني انا لو سلمنا ان كلا من التقديرين ممكن فلابد من مرجح يعين التقدير الاخر الذى يبقى معه العموم ليخص به عمومات الكتاب و السنة الدالة على المنع من طلاق الحايض ولا ريب انه ليس هناك مرجح ومع انتفائه فكيف يجوز الاقدام على الحكم بجواز طلاق من يعلم كونها حايضا مع قيام الدلايل الدالة على المنع وانتفاء المعارض الثالث انه لو جمع بين الاخبار بالطريق الذى

[ 212 ]

يدل على مدعاه لزمه القول بان من علم بالحيض بعد الطهر الاول يجب القول بصحة طلاقه لتناول العموم لهذا الفرد بزعمه فان قيل هذا الفرد خرج بالاجماع قلنا أي اجماع يدعى والمفيد وجماعة يجوزون طلاق الغايب مطلقا انتهى ما يتعلق الغرض بنقله من كلامه رحمه الله اقول في هذا البحث نظر من وجوه الاول نقله عن العلامة فخر الدين جواز طلاق الغايب في حالة كونه عالما بكونها حايضا غير واضح لان عبارة فخر الدين ليست كعبارة الشيخ على رحمه الله وانما هي محتملة لكون العلم بالحيض واقعا حال الطلاق وكونه تجدد بعد الطلاق بكون الطلاق وقع حالة الحيض وهذه عبارته بعد حكاية القول بان المدة المجوزة للطلاق ما يعلم انتقالها من طهر المواقعة إلى اخر فهذه يصح طلاقها وان كانت حايضا حال الطلاق وان علم بحيضها حال الطلاق بعد الطهر الثاني وهذه العبارة كما ترى كما تحتمل كون العلم بالحيض حاصلا له حاله الطلاق يحتمل تجدده بعده بان يكون معنى قوله وان كانت حايضا حال الطلاق انها حائض في نفس الامر حالته وقوله وان علم تحيضها أي ظهر له ماكان ما فعافى نفس الامر ومع قيام الاحتمال لا ينسب إليه حكم وقريب من عبارته هذه عبارة الشيخ احمد بن فهد في المهذب مع ترجيح لجانب ما فسرناه به عبارة فخر الدين فانه قال بعد حكاية القول المذكور فيصح طلاقها ح سواء استمر طهرها في نفس الامر إلى ان يطلقها أو رات حيضا اخر بعد طهر المواقعة وطلقها حالة الحيض أو في طهر ثالث ويصح طلاق هذه وان علم بحيضها حالة الطلاق انتهى فقد فسر الطهر والحيض الذى وقع فيهما الطلاق بكونهما في نفس الامر ثم عقبه بقوله وان علم بحيضها حال الطلاق وان ظهر له الحال وكونها حايضا حالة الطلاق مع كونه واقعا في نفس الامر وغير عالم به ويحتمل ان يريد كونه عالما حال الطلاق بالحيض ايضا لكن مع قيام الاحتمال لا يصلح جعله

[ 213 ]

قولا الثاني نسبة ذلك إلى فخر الدين يشعر بكونه افتى به ووجه الاشعار نقله عنه القول بذلك ثم الاستدلال عليه فان فيه جمعا بين الاخبار والحال انه لم يذكر ذلك على وجه الفتوى وانما هو بصدد تعداد الا قول في المسألة فابتدا اولا بالقول الاول الذى اختاره والده في الكتاب وهو كون الضابط في صحة طلاق الغايب ان يطلق بعد مضى مدة يعلم انتقالها من طهر إلى اخر بحسب عادتها ولم ينبه على اختياره لذلك وعقبه بتحرير هذا القول بان المراد بالعلم ههنا الظن الغالب الخ ثم بقوله فهذه يصح طلاقها الخ واستدل على هذا القول بان فيه جمعا بين الاخبار ثم ذكر بقية الاقوال واخبار التفصيل وهو انه ان علم انتقالها من طهر المواقعة إلى اخر جاز طلاقه والا انتظر ثلاثة اشهر فلم يكن عند حكاية القول الاول له اختيار لمن تدبر فان قيل التفصيل الذى اختاره يشتمل على القول الاول مع زيادة شئ اخر فاختياره يقتضى اختيار ذلك القول وبقية تفاصيله وتحريره الذى من جملتها ما ذكر قلنا مادل القولين وان كان امر واحد الا ان المحكى اولا ليس هو مختاره وانما يظهر اختياره لما ذكره اخر أو ليس فيه شئ من ذلك بل هو مختار الاستبصار مع شئ اخر واحديهما غير الاخر الثالث نسبته إليه تعليل هذا الحكم اعني جواز الطلاق مع العلم بالحيض بان فيه جمعا بين الاخبار غير سديد فان قوله لانه جمع بين الاخبار انما هو تعليل للقول المحكى بجملته لا لما فرعه عليه قطعا وبيان ذلك انه ذكر في المسألة اقوالا وذكر دليل كل قول عند ذكره فاحتج للقول بوجوب الانتظار شهرا برواية اسحق بن عمار انه يتركها شهرا واحتج للقول بوجوب الانتظار ثلثة اشهر برواية جميل ليس له ان يطلق حتى تمضى ثلثة اشهر واحتج للقول بعدم الانتظار بالاخبار المطلقة واحتج لهذا القول الذى ابتداء به وهو ان الضابط انتقالها من طهر المواقعة

[ 214 ]

إلى غيره بان فيه جمعا بين الاخبار بحمل الخبر الدال على الانتظار شهرا على من عادتها ان تحيض في كل شهر وخبر الثلثة على من عادتها ان لا تحيض الا في كل ثلثة اشهر مره وحمل عدم الانتظار على مالو غاب في طهر لم يواقعها فيه وهذا التعليل لهذا القول اعني ان فيه جمعا بين الاخبار وقد صرح به كل من قال به واولهم الشيخ في الاستبصار والعلامة والمحقق وغيرهم وقد بيناه فيما سبق واما جعله تعليلا لجواز طلاقها مع العلم بالحيض فاقل ما فيه انه غير صالح للدلالة لان الاخبار المختلفة لا تعرض فيه للحيض ولا لعدمه كما سخروه ومضى في تضاعيف هذه الرسالة ولانه يبقى القول المحكى خاليا عن ذكر الدليل وهو غير موافق لحكمه الشرح المذكور ولا لغيره ولا لما يذكره في باقى الاقوال وقد احسن في المهذب في حكاية هذا القول بعبارة تقرب من عبارة فخر الدين بل هي عينها وحكمها لكنه قدم قوله ان فيه جمعا بين الاخبار على قوله فهذه يصح طلاقها إلى اخره فصار التعليل بالجمع بين الاخبار متعينا للقول المذكور لا لقوله في تقريره ان هذه المراة بصح طلاقها وهى حايض وان علم بحيضها وبالجملة فيكون ذلك تعليلا للقول بكون حد الانتظار ما يعلم به انتقالها من طهر المواقعة إلى غيره لا لجواز طلاقها وان كانت حايضا مما لا ينبغى ان يكون فيه شبهة ولا يعتريه شك وانما اوجب ذهاب الوهم إلى خلافه قرب المسألة المبحوث عنها من التعليل وعدم امعان النظر وح فسقط جميع ما ذكر من الايرادات على الجمع بين الاخبار لانها مبنية على كون الدليل على جواز تطليقها مع العلم بكونها حايضا ان فيه جمعا بين الاخبار وليس كذلك وانما وجه الجواز ما اسلفناه نحن فيما سبق في المسألة الرابعة الرابع قوله لان الاخبار بعضها دل على جواز التطليق على كل حال وبعضها دل على اعتبار مدة التربص وهى ما يظن معها كونها طاهرا وقت الطلاق فيحض العموم الخ فيه ان ذلك على

[ 215 ]

ان طريق الجمع بين الاخبار تنزيلها على مراتب العادات أو ارجاعها إلى ظن انتقالها من طهر إلى اخر وقد تقدم ما فيه فان الاخبار المقيدة انما تضمنت اعتبار المدة المعينة اعم من حصول الانتقال فيها وعدمه ومن ظن الانتقال وعدمه ولا يضر تخصيص العموم بالوجه الذى ذكره وانما يصير هكذا زوجة الغايب على كل حال يجوز طلاقها إذا مضت عليها المدة المذكورة وذلك اعم من انتقالها من طهر إلى اخر ومن كونها طاهرا أو حايضا وهذا هو المعنى المستفاد من الاخبار إذا جمع بين مطلقها ومقيدها و وما اعتبره من منع الجمع غير واضح فان قيل لما اعتبر في زوجة الحاضر الاستبراء بمدة مخصوصة يحصل بها الانتقال من الطهر إلى اخر ولم يكتف من الغايب بمطلق الغيبة بل بالاستبراء مدة مخصوصة ايضا وان كانت مخالفه لمدة الحاضر بوجه علم من الشارع اعتبار الاستبراء على الوجه الذى اعتبر في الحاضر وزيادة وهى المدة المتطاولة كثلثة اشهر وما الحق بها ان ثبت ومن جملة حكم الحاضر عدم جواز طلاقه مع الحيض فيكون الغايب كذلك قلنا الحاق الغائب بالحاضر في مطلق الاستبراء حق لكن اعتبار ما يعتبر في الحاضر ممنوع وسند المنع ان المعتبر في الغايب انما هو مضى المدة المذكورة التى اجتمعت عليها الاخبار المطلقة والمقيدة وليس فيها اعتبار امر اخر من طهرا وغيره بخلاف الحاضر فان المعتبر في استبرائه انتقالها من طهر إلى اخر سواء كان بتلك المدة أو باقل فصار بين الاستبراء بين عموم وخصوص من وجه وايضا فان طلاق الغائب يجامع الحيض في الجملة اجماعا بخلاف الحاضر فلم يكن حكم استبرائهما بهما واحدا ولا اعتبار الاستبراء في الغايب مقتضيا لاعتبار الطهر من هذه الحيثية اعني ملاحظة هذه الاخبار الخاصة بالغايب وانما حكمنا فيما تقدم ببطلان طلاقة مع العلم بالحيض من جهة عموم الاخبار الدالة على بطلاق طلاق الحايض خرج

[ 216 ]

منه ما اجمع عليه من مصادفه الحيض في الغايب فيبقى الباقي كما اوضحناه سابقا فنحن نوافقه في الحكم لا في سند الحكم وهذه الاخبار وان كانت بعمومها شاملة للحايض وغيرها الا انه يتعارض العمومين اعني عموم الاخبار الدالة على المنع من طلاق الحايض وعموم الاخبار الدالة على جواز تطليق زوجة الغائب وعلى كل حال يجب التوفيق بين العمومين لان تخصيص احديهما بالاخر خاصة ترجيح من غير مرجح وقد وقع الاتفاق على تخصيص اخبار المنع من طلاق الحايض باخبار الاذن في طلاق الغائب بعد المدة المعتبرة على تقدير ظهور كونها حايضا في نفس الامر حال الطلاق ويبقى مالو علم حيضها داخلا في عموم المنع فيكون اخبار المنع هنا مخصصه لاخبار الاذن في طلاق الغائب على كل حال ويجمع بين العمومين بقدر الامكان وتخصيص كل منهما ما امكن تخصيصه فان قيل تخصيص عموم الاذن في طلاق الغائب مع ظهور الحيض بعموم المنع من طلاق الحائض يقتضى ايضا الترجيح من غير مرجح إذ يمكن ان يقال هنا بعكس ذلك بان اخبار المنع من طلاق الحايض مع ظهور الحيض في زوجة الغايب مخصوصه بالاخبار العامة الدالة على جواز تطليق الغايب زوجته مع انقضاء المدة المشترطة على كل حال فيكون طلاق الحايض على هذا الوجه جائزا قلنا هذه المعارضة في محلها والعموم متحقق من الطرفين فلا ينبغى الترجيح من غير مرجح الا انا يمكننا ح ان نقول تعارض العمومين اقتضى اطراح الدلالتين لاستحالة الترجيح ويبقى الحكم بصحة الطلاق يحتاج إلى دليل شرعى لانه تأسيس حكم شرعى لم يكن فلابد له من دليل وكون الصيغة حاصلة من اهلها وباقى الشرايط مجتمعة غير كاف في الحكم بالصحة حتى يكون المحل وهو المرأة قابلا للوقوع ولم يتحقق ذلك فيبقى حكم الزوجية باقيا إلى ان يعلم المزيل فان قيل كذلك الحكم ببطلان الطلاق حكم شرعى فلابد لمثبته من دليل شرعى كما يحتاج إليه

[ 217 ]

مدعى الصحة إذ هما متساويان في الحكم الوضعي المفتقر ثبوته إلى دليل قلنا تمنع المساواة بين الصحة والبطلان في ذلك فان البطلان يكفى فيه الحكم بالزوجية السابق المتفق على حصوله مع الشك في المزيل لها بخلاف الحكم بالصحة فانه يوجب انتقال الحكم السابق وتغيره فلابد له من دليل يوجبه وقد ظهر بذلك قوة القول بالبطلان ورجحانه ومثل هذا القدر كاف في اثبات الحكم الشرعي وان بقى في الطرف الاخر اشتباه مرجوح فان زوال الحكم بالزوجية الثابت بالكتاب والسنة والاجماع بمثل هذا الاحتمال غير موافق للواقع ولا اذن فيه يحصل معه الخروج عن العهدة وعدم القول على الله بما لاتعلم الخامس وقوله في الجواب عن توجيه الجمع بين الاخبار بالمعنى الثاني انه إذا دار الحال في النصوص بين امرين الخ فيه ان الجمع بين النصوص غير مفتقر إلى هذين التقديرين فلا مزية لاحديهما على الاخر وذلك لان بعضها دل على الجواز مطلقا وبعضها على الجواز بعد مدة مخصوصة فحملها على الجواز بعد المدة متعين حملا للمطلق على المقيد وتقدير انتقالها من طهر إلى اخر أو طهارتها من الحيض غير داخل في مفهوم هذه الاخبار حمله فلا وجه لتقديرها قوله لان زوجة الغايب لما اعتبر فيها الاستبراء وظن الانتقال عن الحيض إلى الطهر ولم يكتف بظن الانتقال إلى الحيض افاد ذلك ان احكام زوجة الحاضر لاحقه لها الخ ان سلم ان المراد من النصوص المختلفة اراده ما يظن معه انتقالها من الحيض إلى الطهر فهذا جواب جيد لان الحاقها يزوجة الحاضر في ذلك يقتضى الحاقها بها في كونها طاهرا من الحيض مضافا إلى الانتقال من طهر الموافقة إلى اخر فلابد من اجتماع الشرطين لكن قد عرفت ان فهم ذلك من النصوص غير واضح الا ان الموجه للجمع قد اعترف فيلزمه الشرط الاخر لاقتضاء الحاقها بزوجة الحاضر ذلك فان قيل ان الروايات المذكورة لو دلت على الانتقال من طهر إلى اخر لاتدل الا على مجرد الانتقال اعم من ان يكون طاهرا وقت الطلاق وحايضا فح تخص الروايات العامة بمقدار

[ 218 ]

دلالتها لا بشئ لاتدل عليه والتقييد بامر زايد يحتاج إلى دليل فعلى هذا يندفع الوجهان الاولان من وجهى الشيخ على رحمه الله قلنا قد عرفت عدم دلالة الاخبار على اعتبار الانتقال كما افدناه مرارا وانما دلت على اعتبار المدة المجردة وانما استفيد منها اعتبار الانتقال من مناسبة الحاقها بزوجة الحاضر في اعتبار التربص لكن اكتفى بالمدة لخفاء حالها بسبب البعد حملا لها على العادة المعروفة لها وهذا التوجيه يقتضى الحاقها بها حيث يمكن ومن الحال الممكنة انه لو علم بحيضها امتنع طلاقها فيه بالحاقها بها في مجرد اعتبار الانتقال من الطهر إلى الاخر دون الطهارة من الحيض غير سديد بل اللازم من الاحاديث اما اعتبار الجميع أو ترك الجميع والاكتفاء بالمدة ويتوجه على هذا ان اصل الجمع بين الاخبار بالمعنى المردود غير جيد لانه مبنى على ان الجمع يصير إلى هذه الصورة زوجة الغايب إذا تربص بها المدة التى تنتقل معها من طهر إلى اخر يصح طلاقها وهذا المعنى غير جيد كما قد اوضحناه وبما بيناه اندفع السؤال والجوابان الاولان واما الثالث فغير لازم للقابل بالجمع المذكور اصلا فانه في جمعه قد اعتبر انتقالها من طهر المواقعة إلى اخر ولم يعتبر بعد ذلك كونها طاهرا أو حايضا فالتزامه القول بان من علم بالحيض بعد الطهر لاول يجب الحكم بصحة طلاقه لتناول العموم لهذا الفرد بزعمه واضح الفساد فان اعتبار الانتقال من طهرا لمواقعة إلى طهر اخر يخرج به مالو كانت حايضا بعد طهر المواقعة إذا لم يحصل الانتقال إلى الطهر الثاني الذى جعله شرط جواز الطلاق فلا يلزمه هذا القول اصلا وان كان التزامه جايزا من وجه اخر قد اشرنا إليه سابقا وخلاصة ان الذى دلت عليه الاخبار بعد الجمع بينها جواز طلاق زوجة الغايب بعد مضى المدة المذكورة في الاخبار المقيدة وهو يشمل ما إذا كانت طاهرا أو حايضا في الحيض الاول المتعقب لطهر المواقعة وغيره فيكون طلاقها جائزا على كل حال بعد مضى مدة المذكورة بجعل هذه الاخبار مخصصة للاخبار العامة الدالة على المنع من طلاق الحايض وهذا القول له وجه وربما كان به قائل بل هو

[ 219 ]

مشهور في حواشى الكتب الفقهية متداول بين كثير من النقلة المقلدة وان كان الحق خلافه ولكن التوجيه الذى حكوه لا يدل عليه وكذلك اللفظ نقله فخر الدين في شرحه وكلام ابن فهد في المهذب يمكن دلالته عليه ايضا فهو في الجملة وجه أو قول ليس بالبعيد وان كان خلافه اقرب واعلم ان المحقق الشيخ على رحمه الله بعد ذكر ما حكيناه عنه من البحث ادعى ان عبارات الاصحاب مشعره بما ادعاه من عدم جواز طلاقها من علم حيضها بعد الطهر الثاني وحكى منها قول العلامة في القواعد ولو خرج مسافرا في طهر لم يقر بهافته صح طلاقها وان صارف الحيض فان المفهوم من المصادفة عدم العلم وقوله في التحرير ولو طلق غير المدخول بها أو التى غايب عنها قدرا يعلم انتقالها من طهر إلى اخر جاز طلاقها مطلقا وان اتفق في الحيض والمفهوم من الاتفاق نحو المفهوم من المصادفة وقول الشرايع اما لو انقضى من غيبته ما يعلم انتقالها من طهر إلى اخر ثم طلق صح ولو اتفق في الحيض وانت خبير بعدم اشعار هذه العبادات بما ادعاه فانه لا يلزم من الحكم بصحة الطلاق على تقدير اتفاق الحيض ومصادفته عدم صحته مع العلم به والظاهر انهم انما فرضوا المسألة في مصادفة الحيض واتفاقه دون تيقنه لما اسلفناه من انه مع تيقنه يصير بحكم الحاضر كما ان الحاضر الذى لا يعلم حالها لكونها في بيت اهلها هاجرة له أو كونه محبوسا ونحو ذلك في حكم الغايب وح فعدم جواز طلاقها مع العلم لامن هذه الحيثيات التى ذكرها من جهات اخر قد اوضحناها فتدبرها موفقا ان شاء الله تعالى والله ولى التوفيق وهو اعلم بحقايق احكامه هذا ما اقتضى الحال من ذكر بحث هذه المسألة والله الموفق للصواب واليه المرجع والماب والحمد لله على كل حال 1312.

[ 220 ]

هذه رسالة في الحبوه للشيخ الاجل السديد والمحقق السعيد الشهيد الثاني قدس سره بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله الذى حبانا بدينه القويم وهدانا إلى الصراط المستقيم والصلوة على نبيه محمد الذى هو بالمؤمنين رحيم وعلى اله واصحابه الغرا للهاميم وبعد فهذا تحقيق لمسألة مهمه تعم بها البلوى للمكلفين وليس في مباحثها مظنة يرجع إليها من يحتاجها من المضطرين وذلك لانفراد الاصحاب بحكمها دون غيرهم من المسلمين فلم يعم الفكر فيها سائر العلماء الباحثين وهى مرتبة على سته مطالب دائرة على ست كلمات مفردة وهى ما وكم وهل ومن وكيف ولم والاول يبحث فيه عن مفهوم الحبوه لغة وشرعا وهى موضوع بحث المسألة والثانى كم يحيى من التركة بعين من اعيانها والثالث هل الحبوه واجبة شرعا ام مستحبة والرابع من المحبو من الورثة وينتظم فيه ذكر شرايطه ومن الذى يثبت في تركته الحبوة من الاموات والخامس كيف يختص بها على القولين مجانا ام بالقيمة والسادس لم يحبى من يحبى دون غيره من الوراث ونتبع ذلك بذكر باقى الاحكام وما تقتضيه الحال من الفروع ونشرع الان في المطالب معتصمين بالله تعالى المطلب الاول الحبوه بفتح الحاء مصدر حباه إذا اعطاه والحبا بالكسر العظاء وشرعا مال مخصوص من مال المورث الذكر يختص به من ولده الذى لا يكون له ذكر حى اكبر منه ابتلاء

[ 221 ]

هذا هو المتبادر من معناها شرعا حيث يقولون الحبوه كذا ويستحقها الولد الخاص إلى غير ذلك من الاحكام حيث تذكر وهو اية الحقيقة وان استلزم النقل عن معناها اللغوى بناء على ثبوت الحقيقة الشرعية وعدم اشتراط المناسبة بين المعنى المنقول منه واليه وان كانت اولى وعلى هذا فيكون اهل الشرع قد استعملوا العطية في المعطى وهو مجاز لغوى ولو لوحظ معناها لغة قيل هي عطية الولد الذكر الذى لا يكون ذكر اكبر منه للموروث الذكر امورا مخصوصة من تركته زيادة على غيره من الورثة ابتدأ واحترزنا بقيد الابتداء عما لو اوصى له بها مع نفوذ الوصية فانه حى يختص بها وهى عطية لكن بواسطة الوصية لا ابتداء وسيأتى في تضاعيف المسألة قائدة باقى القيود انشاء الله تعالى واعلم ان الحبوه في الجملة متفق عليها بين اصحابنا واخبارهم بها متظافرة و سنتلوا بعضها عليك وخالفهم في ذلك ساير الفقهاء وانما اختلف اصحابنا في وجوبها واستحبابها وفى احتسابها على المحبوب القيمة أو استحقاقه لها مجانا وفى كميتها وشرايطها وغير ذلك من المواضع التى يأتي الخلاف فيها في تضاعيف الرسالة واما ثبوتها في الجملة فلا خلاف فيه بينهم قال السيد المرتضى رحمه الله في الانتصار مما انفردت الامامية به ان للولد الذكر الاكبر للصلب دون ساير الورثة سيف ابيه وخاتمه ومصحفه إلى اخر ما ذكرو كذلك ابن ادريس صح بالاجماع عليها في كتابه بل على وجوبها كما سنذكره في بابه ان شاء الله تعالى وكذلك ادعى جماعة الاجماع عليها في الجملة المطلب الثاني في بيان كميته ما يحبئ وقد اختلف الاصحاب فيه بسبب اختلاف الروايات فالمشهور اختصاصها باربعة اشياء ثياب البدن والخاتم والسيف والمصحف ولم يذكر المفيد في كتاب الاعلام ثياب البدن بل اقتصر على الثلاثة الباقية وخص أبو الصلاح الثياب بثياب الصلوة وزاد ابن الجنيد على المشهور السلاح

[ 222 ]

وظاهر الصدوق اضافة الكتب والرحل والراحلة لانه ذكر في كتاب من لا يحضره فقيه رواية ربعى ابن عبد الله المشتملة على ذلك مع اعتماده على ان لا يذكر في الكتاب الا ما بعمل به ويدين الله تعالى بصحته ولتذكر الاخبار الواردة في الباب لنرتب عليها ما ينبغى اثباته أو نفيه فروى الشيخ في الصحيح عن ربعى بن عبد الله عن الصادق عليه السلام قال إذا مات الرجل فلاكبر ولده سيفه ومصحفه وخاتمه ودرعه وروى بسند صحيح ابى حماد عن ربعى عنه عليه السلام قال إذا مات الرجل فسيفه وخاتمه ومصحفه وكتبه ورحله وراحلته وكسوته لاكبر ولده فان كان الاكبر انثى فللاكبر من الذكور والمراد بحماد هنا حماد بن عيسى كما صرح به محمد بن يعقوب الكليني فيكون الطريق صحيحا ايضا وان كان الشيخ اطلقه بحيث يحتمل الثقة و غيره لاشتراكه بينهما وفى الحسن عن حريز عنه عليه السلام قال إذا هلك الرجل وترك بنين فللاكبر السيف الدرع والخاتم والمصحف وان حدث به حدث فللاكبر منهم وفى مرسلة ابن اذنية عن احديهما عليه السلام ان الرجل إذا ترك سيفا وسلاحا فهو لابنه وان كان له بنون فلاكبر منهم وفى الموثق عن زرارة ومحمد بن مسلم وبكير وفضيل بن يسار عن احديهما عليه السلام ان الرجل إذا ترك سيفا وسلاحا فهو لابنه فان كانوا ابنين فلاكبريهما وفى الموثق عن شعيب العقرقوقى عن الصادق عليه السلام قال سألته عن الرجل يموت ماله من متاع بيته قال له السيف وقال الميت إذا مات كان لابنه السيف والرحل وثياب جلده فهذه جمله ما يعتبر في الباب من الاخبار وقد عرفت ان الاربعة المشهور بانها الحبوه خاصة لم يحصل اتفاق الاخبار عليها وانما اجتمعت في جملتها نعم اشتمل عليها صحيح ربعى الثاني الا ان الاصحاب اعرضوا عن اثبات جملة ما فيه فاثبات حكمها منه دون ما صاحبها مشكل ولايقال غيرها خرج بالاجماع فيبقى الباقي لمنعه وقد عرفت سنده وخصوصا الدرع والسلاح فقد ذكر الاول في الصحيح والثانى في الحسن معتضدا بغيره وبالجملة فاثبات

[ 223 ]

لاربعة خاصة من الاخبار عسر فان العمل ببعض الخبر دون بعض ترجيح من غير مرجح خصوصا إذا كان صحيحا وحمل ما زاد في الخبر الصحيح على الاستحباب وما وافق غيره على الوجوب موجب للاجمال وتاخير البيان عن وقت الخطاب بل وقت الحاجة وتخصيصه باخبار تقصر عنه سند غير مناسب ايضا والتعليل بان الحبوه على خلاف الاصل وعموم الكتاب حرج منه ما اتفق عليه فيبقى الباقي خروج عن النص جملة واعتماد على الاجماع ويبقى النص موجبا للاستيناس خاصة ولعله اولى في الاستدلال مضافا إلى الشهرة بين الاصحاب على ما فيه وقد قال الصادق عليه السلام لعمر بن حنظله في حديث المختلفين ينظر ما كان في روايتهما المجتمع عليه اصحابك فيوخذ به ويترك الشاذ الذى ليس بمشهور عند اصحابك واما اضافه السلاح مع ترك باقى المذكورات في الصحيح فليس بجيد وان تكرر ذكره في الحدثين وكذا تخصيص ابى الصلاح الثياب بثياب الصلوة فان الكسوة المذكورة في الصحيح اعم منها وكذا ثياب الجلد المذكورة اخيرا والظاهر ان المراد بثياب الجلد ثياب البدن مط سواء لاصقت الجلد كالقميص ام لا بقرينة الكسوة واقتضاء العرف ذلك واحترز لها عن نحو الفرش والدثار والوسايد فانه لا يطلق عليها ثياب الجلد يوجه ويمكن ان يدخل في الكسوة فانها قد تستعمل عرفا فيما يشمل ذلك فيقال كسوة الكعبة وكسوة البيت وغيرهما الان مطلق الاستعمال اعم من الحقيقة ومع ذلك يحصل الشك مثل العمامة والرداء فانهما لا يسميان ثوب جلد لغة ولا عرفا وعلى كل حال فالاعتماد على مادل عليه الخبر الصحيح من الكسوة المنسوبة إلى الميت وهى شامله لهما وينبغى ادخال الدرع اما فيها لانه كسوة أو ثوب من حديد يلبس ويكسى في بعض الاحيان كثوب التجمل أو لدخوله في الخبر الصحيح والحسن ومثله النبل الذى يلبس لدفع المطر ونحوه وفى دخولهما في ثياب البدن الذى عبر به الاصحاب نظروا اما البيضة وبقية كسوة الحرب ففى الحاقها بالدرع اشكال من

[ 224 ]

امكان شمول اسم الكسوة لها وخروجها عن ثياب البدن والجلد قطعا والاقوى عدم دخولها واما القلنسوة وما في معناها والمنطقة ونحوها مما يشد الوسط والخف وما في معناه مما يتخذ للرجلين واليدين ولو في بعض الاحيان بانواعه فلا يدخل للاصل وخروجه من الثياب والكسوة وفى نص الاصحاب في باب الكفارات على عدم اجزائها كسوة حيث تجب الكسوة بقى هنا مباحث الاول لافرق في الثياب وما الحق بها بين المتحد منها والمتعدد وان كثرت مع اشتراكها في الوصف بكونها ثياب بدنه وما في معناها لانها وقعت في النصوص جمعا مضافا فيفيد العموم ومنها العمامة المتعددة اماما ورد بلفظ الوحدة كالسيف والمصحف فان وجد متحد انصرف الحكم إليه وان تعدد ففى دخول الجميع أو واحد منها أو ما كان يغلب استعماله أو انتسابه إليه اوجه ماخذها كونه مفردا محلا باللام في بعض الاخبار وهو مفيد للعموم عند بعض الاصوليين وهو وجه الاول والنظر إلى ضعف القول بعمومه والمتيقن منه واحد وهو وجه الثاني والالتفات إلى ان ما يغلب نسبته إليه يتبادر ارادته عند لاطلاق وهو وجه الثالث الاقوى ان اتفق ومع التساوى يختص بواحد وهل تنحبر الوارث أو يخرج بالقرعة وجهان اجودهما الاول لصدق الاسم على ما يعنيه الوارث من المحبو واصالة البرائة من وجب غيره مع كون الحكم على خلاف الاصل وصلاحية القرعة هنا إذ لاتعين في نفس الامر حتى يخرج بها وانما للمحبو واحد من متعدد فيتخير المالك في تعيينه كما لو اوصى ببعض ما هو متعدد أو باع المالك قفيزا من صبرة تزيد عنه ووجه القرعة ان الحق واحد من المتعدد غير معين وهى موضوعة لاخراج المبهم كذلك وليس منحصرة في المعين عند الله تعالى لورودها في اخراج ثلث العبيد الذى اوصى بعتقهم ولا مال للموصى سواهم فان المعتق يستخرج بها مع انه غير معين عند الله تعالى في شئ قبلها وهذا متجه ايضا ولا ريب انه اولى وابن ادريس رحمه الله اطلق انه مع تعدد هذه الاجناس يختص بما كان يعتاد لبسه ويديمه دون ما سواه وما ذكرناه من التفصيل اجود

[ 225 ]

وكلامه مع ذلك لا ياتي على جميعها لتخلفه في المصحف الثاني هل ينزل حق المحبو قبل تعيينه من المتعدد على الاشاعة أو على التعيين سواء قلنا بتخير الوارث ام بالقرعة وجهان منشاؤهما ان حقه واحد منها غير معين ظاهرا ولا في نفس الامر وهو معنى الاشاعة وان حقه منحصر في واحد غايته انه مبهم بسبب وجود المتعدد ولاحق له في الزائد ومن ثم لم يعتبر في استخراجه القيمة والاشاعة مع كون المستحق واحدا من المتعدد انما يتحقق في متساوي الاجزاء كالصبرة لا في القيمى وتظهر الفائدة فيما لو تلف بعضها قبل دفعه إليه فينحصر حقه في الباقي ولا يسقط منه شئ على الاول لوجود ماعين له الشارع من مال مورثه واصالة بقاء الحق وعلى الثاني يسقط بنسبة قيمة التالف إلى المجموع والاول اقوى على القول بتخير الوارث الثالث هل يجوز اللوارث التصرف في بعضها قبل تعين حق المحبو اما على القرعة فلا شبهة في المنع لامكان ظهور المتصرف فيه بها له فحقه متعلق به في الجملة واما على القول بتخير الوارث فيحتمل كونه كذلك خصوصا مع تنزيل حقه على الاشاعة لتعلق حقه بها في الجملة ايضا فلا يصح التصرف فيها بدون اذنه والاقوى عليه الجواز لان تصرفه دليل على اختياره اختصاصه به فانه لا فرق في الرجوع إليه بين اختياره اعطاء المحبو بعضا معينا واختياره اختصاصه ببعض كذلك فينحصر حق المحبو في غيره ثم ان تعدد توفق؟ على اختيار اخر والا انحصر حقه فيه نعم لو صرح بكون تصرفه لابنية الاختصاص اتجه ح المنع منه وعدم انحصار حق المحبو في غيره لو خالف وان اثم الرابع لو تلف الباقي من الافراد على ما اختار الوارث اختصاصه بها قبل قبص المحبوله ففف بطلان اختياره احتمالان منشاهما سبق استحقاقه فيستصحب وسبق تعلق حق المحبو بواحد منها فيكون اختيار باقى الوارث لبعضها يراعى بوصول المحبو إليه والا بطل التخيير وتبعه التصرف لو كان فعل الثاني لو كان التصرف

[ 226 ]

ناقلا عن الملك لازما كالبيع تسلط المحبو على فسخه ويمكن رجوعه إلى القيمة كما لو فسخ ذو الخيار بعد التصرف على بعض الوجوه وعلى تقدير جواز الفسخ والرجوع بالعين ففى كونه من اصله أو من خيبه نظر وتظهر الفائدة في النماء المتخلل وفى الاحتمال الاخير والاخير قوة ويقوى الاشكال لو كان تصرف الوارث بالوقف لبنائه على اللزوم الدائم بخلاف البيع لقبوله التزلزل ولو بالخيار الخامس لا ينحصر التعبير في اللفظ بل يحصل به وبالفعل والاول كاخترت هذا للمحبو اولى ونحوه والثانى كان يبيع بعضها أو يهبه مع الاقباض وبدونه أو يرهنه ونحو ذلك من العقوة اللازمة وفى الاكتفاء بالجائزة ونحوها من التصرف الذى لا ينقل عن الملك ويمكن ان يدل على الاختيار ظاهرا وجهان اجودهما ذلك لان الشارع لم يعين لذلك شيأ مخصوصا فيرجع فيه إلى مادل عليه عرفا السادس لا يشترط استعمال الميت لهذه الاشياء قبل موته للعموم بل يكفى اعداد الثوب الملبس بحيث ينسب إليه ويتميز عما يملكه من جنسه لغير الاستعمال اما المصحف والسيف والخاتم ففى اشتراط اعداده لها لنفسه ام يكفى مطلق الملك وجهان من شهادة ظاهر اللفظ بان المراد بذلك ما كان يختص به وعموم اللفظ الشامل لما يملكه مطلقا ولعله اقوى السابع لو كان الثوب مما يفتقر إلى الخياطة أو القطع فاعده لذلك ولم يفعل به احديهما أو كليهما ففى دخوله نظر من الشك في اطلاق اسم الثياب والكسوة عليها والاقوى الدخول لصدقه لغة ويمكن ذلك عرفا ولو فعل احديهما أو بعضه فاولى بالدخول والانتساب اما غير الثياب فلابد من صدق اسمه فلو كان قد وضع الورق عند الكاتب والفضه عند الصايع والحديد عند الحداد لاجلها لم يملكها المحبو وان شرع فيها ما لم يصدق اسمها عليه للاصل ولو صدق اسمها دخلت وان توقفت بعده على فعل اخر وح فلا يلزم الورثة بذل متمماته من التركة وهو واضح الثامن لو خلقت

[ 227 ]

الثياب حتى خرجت عن اسم ثيابه وكسوته خرجت عن الحكم لانتفاء الاسم كما لو احدث فيها تغيير اخراجها عنه وان بقيت اعيانها وصلحت ثيابا لغيره وكذا لو كسر السيف والخاتم أو تغيرا على وجه اوجب خروجهما عنه نعم لو كان تغيرها لاجل اصلاحها فاتفق موته قبل الاصلاح احتمل دخولها استصحابا لما سبق مضافا إلى نية ابقائها وعدمه لزوال الاسم حالة الحكم بالاستحقاق وانقطع الاستصحاب وبقاء النية بمجرده غير كاف ولو حصل التغير في بعضها دون بعض اختص بالحكم وكذا لو تحقق في جزء واحد كما لو قطع من الثوب قطعة وان بقيت متميزة لا يصدق عليها الاسم أو كسر من السيف شئ كذلك ولو كان المنفصل جزاء لا يتوقف رده إليه على تغيير كثير كفص الخاتم وجلد المصحف مع صدق اسمهما على الباقي بدون الجزئين ففى استحقاق المحبو للجزئين نظر من خروجهما عن الاسم وتحفقه في الباقي ومن تنزيلهما منزله المتصل ولعل هذا اقوى التاسع لافرق في الثياب التى اتخذها اللبس بين ما يليق منها بحاله عادة له وغيره ولابين المتخذة من الجلد والفرو وغيرها للعموم وكذا المصحف والخاتم والسيف ويشكل الحكم فيما لا يليق به عادة لو كان له غيره وقد حصله ليتخذه لنفسه ولم يستعمله بالفعل من تحقق القصد والشك في انتساب ذلك إليه لعدم كونه من اهله وان قلنا بدخول ما اعده لذلك مما يليق به والاقوى اتباع العرف في انتسابه إليه و عدمه العاشر في دخول غمد السيف وبيت المصحف وحمايلهما وحليتهما وجهان من اطلاقه على الجميع عرفا وانتفائها عنه حقيقة ويحتمل دخول الغمد والحمائل دون الحلية وبيت المصحف وتوابعه للانفكاك والشك الموجب للانتفاء وفى دخول الجميع قوة كما يدخل في الوصية لدلالة العرف الحادي عشر لو كان له خاتم لا يلبسه بل يختم به مثلا ففى دخوله حيث لا يكون غيره نظر من صدق اسم خاتمه

[ 228 ]

عليه فيدخل في اطلاقه وكون المتبادر منه الخاتم الملبوس وفى عبارة ابن حمزة تصريح باشتراط لبسه له والاقوى عدم اشتراطه والوجهان اتيان فيما لو كان له غيره واختار الوارث اعطاؤه للمحبو فعلى الاول يصح دون الثاني ولافرق فيه على التقديرين بين خاتم الفضة و الحديد والنحاس وغيرها وحيث نقول بتخيير الوارث فله اختيار اقلها قيمة الثاني عشر لو كان الثوب والخاتم مما يحرم على مخلفه لبسه كالحرير والذهب ولكن كان يلبسه ويعصى الله به أو اتخذه لنفسه ولم يلبسه بناء على عدم اعتباره فالظاهر دخوله للعموم وان حرم لبسه على المحبو كما لو كان مكلفا إذ لا منافاة بين اختصاصه به وعدم انتفاعه بالفعل كما لو كان غير قارى بالنسبة إلى المصحف أو غير منتفع بالسيف لزمانة وغيرها وان كان المانع مختلفا في الشرعية وغيرها ولو كان من جلس مالا تصح الصلوة فيه كجلد غير المأكول ووبره وعظيمه فاولى بعدم المنع مع دخوله في العموم ويحبئ على تخصيص الثياب بثياب الصولة كقول ابى الصلاح عدم دخول الثياب المتخدة مما لا تصح فيه وان جاز لبسها فغيرها مما لا يصح لبسه مط اولى بعدم الدخول الثالث عشر لافرق في الخاتم بين ما يلبس منه في الخنصر وغيرها من الاصابع مع صدق اسمه عرفا وفى دخول ما يلبس في الابهام منه لاجل الرمى أو للزينة نظر من الشك في تناول اسم الخاتم له والظاهر اطلاقه عليه لغة وانتفاؤه عرفا وهو الولى بالمراعات مضافا إلى اصالة البرائة الرابع عشر لو كان مما يلبس منه في الاصبع الواحدة اثنان اعتبر في دخولهما اطلاق اسمه فان صدق على كل منههما كانا كالمتعدد وان صدق على احديهما خاصة وكان احديهما تابعا له كالمحبس اختص الحكم بالاول ولحق المنتفى بباقى التركة وان تعذر لبس الخاتم بدونه لانتفاء الاسم عنه وعدم اشتراط اللبس في دخول الخاتم كما تقدم الخامس عشر لو كان الاب لا يحسن القرائة وله مصحف ففى استحقاق الولد مصحفه احتمالان من صدق اسم المصحف المنسوب إليه

[ 229 ]

وانتفاء الغاية التى يظهر من النص اعتبارها والاقوى الاول للعموم واولى بالدخول لو كان حافظا يستغنى عنه لذلك أو اعمى ومثله ما لو كان له سيف وهو مقعد أو مقطوع اليدين السادس عشر لو لم يملك الميت فردا كاملا بل بعضه كنصف سيف ومصحف ففى دخوله نظر من انتفاء اسم الصحف والسيف وشبههما عن الشق وكون استحقاق الجميع قد يستلزم استحقاق البعض ولانه لا يسقط الميسور بالمعسور ولقوله صلى الله عليه واله إذا امرتكم بامر فاتوا منه ما استطعتم ويقوى الاشكال لو ترك نصفى سيفين أو مصحفين أو خاتمين من انهما بمنزلة واحد ومن انتفاء الاسم عنهما و يحتمل استحقاقه نصفا واحدا من المتعدد خاصه لئلا يلزم التعدد واصالة عدم استحقاق الزايد نعم لو كان المتروك بعض مصحف منفردا اتجه دخوله لاطلاقه عليه بوجه بخلاف الحصة من المشترك السابع عشر لو لم يكن سيف متخذ للقنية ومصحف أو خاتم لكن عنده شيأ منها بنية التجارة ومات وهو في ملكه ففى دخوله في الحبوة نظر من صدق اسمه ونسبته إليه بالملك فيدخل في العموم ولما تقدم من عدم اشتراط انتفاعه به فضلا عن اعتبار القنية ومن كون المتبادر ما اضيف إليه بالقنية عرفا اما الثياب المتخذة للتجارة فلا تدخل قطعا لانها لا تعد ثياب بدنه ولا كسوته وكذا الاشكال لو كان عنده شئ للقنية وشئ للتجارة بالنسبة إلى صدق التعدد وعدمه ويقوى هنا ترجيح ذى القنية لغلبة نسبته إليه وهو مرجح كما سبق الثاني عشر لو قلنا بدخول الكتب كان القول فيها كالثياب لورودها بصيغة الجمع ويتناول ما اعده للقنية منها من سائر كتب العلم وان لم يكن عالما بما اشتملت عليه ويشكل هنا لو كان اميالا ينتفع بها أو كان متخذها للتجارة من العموم وكونه خلاف المتبادر من كتبه اما لو كان اعمى ابتداءاو بعد الانتفاع بها ويمكنه الانتفاع بها ولو بواسطة فلا اشكال في دخولها

[ 230 ]

اما السلاح فانه اسم جنس يصدق على الواحد والمتعدد فيمكن ان يلحق بما ورد واحدا ومجموعا لو قيل به ولعل الثاني اوجه والمراد به ما يتخذ من الحديد الة للحرب ليقاتل به كالسيف والرمح والسهم ويتبعه ما يتوقف عليه من غيره كخشب الرمح والسهم والقوس على الظاهر لدلالة العرف عليه مع احتماله اختصاصه بما تضمنه تعريفه لتصريح اهل اللغة فيقتصر فيما خالف الاصل على موضع اليقين التاسع عشر لو قلنا بدخول الرحل توقف الامر على تحقيقه وهو يطلق لغة بالاشتراك اللفظى على المسكن وعلى ما يستصحبه الانسان من الاناث وعلى رحل البعير وهو اصغر من القتب قاله الجوهرى فيحتمل ح ان يدخل الجميع بناء على افادة مثل هذه الصيغة العموم وقد تقدم وواحد منها خاصة لاصالة البرائة من غيره ومنع افادته الجمع فيتخير الوارث أو يقرع بينها تنزيلا له منزله المتعددة ويجيئ في المتعدد من احد الثلاثة ما تقدم فيما جاء بلفظ الوحدة أو الجمع ويحتمل قويا حمله على المعنى الاخير لانه المتبادر منه حيث يقرن بالراحلة العشرون لو قلنا بدخول الرحالة فالمراد بها المركب من الابل ذكرا كان ام انثى قاله الجوهرى قال وتطلق الراحلة على الناقة التى تصلح لان ترحل وفى نهاية ابن الاثير الرحالة من الابل البعير القوى على الاسفار والاحمال والذكر والانثى فيه سواء والهاء فيه للمبالغة والمغايرة متحققه بين التعريفات ظاهرا إذ لم يشترط الجوهرى في تعريفه العام قوته على السفر والحمل بل اقتصر على كونه مركبا وظاهر مغايرتهما لتخصيصه بالانثى فيمكن ح ان يختص الحكم بالناقة للشك في تناولها لغيرها فيرجع إلى اصالة البرائة خصوصا فيما خالف الاصل والاقوى تناولها للذكر والانثى للنقل المذكور ومساعدة العرف وجاز كون اطلاقها على الخاص لكونه بعض افراده الاول ثم يجئى في المتعدد منها ما تقدم فيما جاء مفردا معرفا ولو قلنا بعدم حمل الرحل على ما يختص بالراحلة

[ 231 ]

ففى دخوله فيها احتمال المدخول غمد السيف وبيت المصحف والاقوى عدم الدخول للاصل وتحققها بدونه المطلب الثالث هل هذا الاختصاص على سبيل الوجوب أو الاستحباب المشهور خصوصا بين المتأخرين الاول بمعنى انه يختص بارث هذه الاشياء كما يختص بارث سهمه الذى عينه الله تعالى له فلا يسقط حقه منه بالاعراض ولا يتوقف على دفع باقى الورثة له ولا على رضاه ويدل عليه ظاهر الاحاديث فانه خصه فيها بالمذكورات باللام المفيدة للملك أو الاستحقاق أو الاختصاص إذ لا يصلح غير هذه الثلاثة هنا له أو للقدر المشترك بينها وهو الاختصاص كما حققه بعض اهل العربية تعليلا للاشتراك وعلى كل تقدير يفيد المطلوب اما على الاولين فظاهروا ما على الاخرين فلان الاصل في الاختصاص ان لا يشارك المختص غيره في المختص به وان تخلف في بعض الموارد كقولك هذا الثوب للعبد وهذا الجل للفرس لكن لا من حيث الاختصاص بل من عدم قبول المختص للاختصاص المطلق المفيد للملك فيحمل على حسب ما يمكن والى هذا المعنى اشار ابن هشام في المغنى حيث قال بعد تقسيمه إلى الثلاثة وبعضهم يستغنى بذكر الاختصاص عن المعنيين الاخيرين قال ويرجحه ان فيه تقليلا للاشتراك وانه إذا قيل هذا المال لزيد والمسجد لزم القول بانها للاختصاص مع كون زيد قابلا للملك لئلا يلزم استعمال المشترك في معنييه دفعة واكثرهم يمنعه انتهى والتحقيق ان اللام في هذه الموارد ونظائرها ظاهره في الملك فهو قرينة تخصيص بعض افراد المشترك على بعض ويظهر لك ذلك من اجماع العلماء كافة على ان من قال الفلان عندي كذا أو العين الفلانية يفيد ملكه لذلك ملكا تاما لاافاده الاختصاص الاعم منه بحيث يحتمل غير الملك مع ان الاحتمال فيه قائم لجواز ان يكون المقربه مختصا بالمقر له على وجه من الوجوه التى لا تفيد الملك

[ 232 ]

والاجماع على خلافه وعدم الالتفات إلى هذا الاحتمال وادعى ابن ادريس الاجماع على الوجوب لانه بعد ان نقل القول بالاستحباب عن بعض الاصحاب قال ان الاول وعنى به وجوب الحبوه وعدم احتسابها بالقيمة هو الظاهر المجمع عليه عند اصحابنا المعمول به قال وفتاويهم في عصرنا هذا وهو سنة ثمان وثمانين وخمسمائة عليه بغير خلاف بينهم والذى صرح به السيد المرتضى وابن الجنيد وابو الصلاح وقواه العلامة في المختلف الاستحباب قال ابن الجنيد في كتابه الاحمدي يستحب ان يوثر الولد الاكبر إذا كان ذكرا بالسيف والة السلاح والمصحف والخاتم وثياب الاب التى كانت لجسده بقيمته ولبس ذلك عندي بواجب إذا تشاجروا عليه وقال أبو الصلاح في الكافي ومن السنة ان يجئى الاكبر من ولد الموروث الخ واما كلام الشيخين وجماعة ممن تبعهما كابن البراج وابن حمزه رحمهم الله فمحتمل للقولين الا انه ظاهر في الوجوب حجة القائل بالاستحباب عموم الكتاب والسنة باختصاص الورثة مطلقا بالتركة أو بعين سهامهم كقوله تعالى يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين وتخصيصها بمثل هذه الاخبار غير جايزا ما للمنع من العمل بخبر الواحد مطلقا كما قاعدة المرتضى واكثر المتقدمين من اصحابنا أو لانه لا يخصص الكتاب وان جاز العمل به مع عدم المعارض فان قيل اللازم من اطراح خبر الواحد عدم اثبات الحبوة مطلقا فكيف يحكم المرتضى باستحبابها على قاعدته خصوصا مع معارضة عموم الكتاب العزيز لها و الاستحباب حكم شرعى كالوجوب يحتاج إلى دليل قلنا الظاهر من استدلال المرتضى انه انما استند في اثباتها في الجملة إلى اجماع الامامية لا إلى الاخبار كما حكيناه عنه سابقا وسيجئى له عبارة اخرى يدل عليه وح فلا يضره منعه من العمل بالاخبار فان قيل الاجماع على ثبوتها ينافى الاستصحاب لانه يؤدى

[ 233 ]

إلى انتفائها عند التشاح فيلزمه على ذلك القول بالوجوب ولان الخلاف قبله في الوجوب غير متحقق واستناد السابقين إلى الاخبار يؤذن بالوجوب قلنا لا نسلم ان الاجماع على ثبوتها في الجملة ينافى في الاستحباب فانه اثبات حكم في الجملة والاجماع الواقع بين الاصحاب عليها إلى الان انما هو في ثبوتها الاعم من كونه على وجه الوجوب والاستحباب بل من الاخذ مجانا وبالقيمة وإذا ثبت بالاجماع القدر المشترك بين الوجوب والاستحباب وهو رجحان اختصاصة بها وجب على طريقه المرتضى الاخذ باقل ما قيل منها جمعا بين الاجماع وعموم الكتاب وذلك هو الاستحباب مع ان الخلاف قبل المرتضى متحقق لان ابن الجنيد سابق عليه بيسير وقد صرح بالاستحباب وغيره من السابقين لاصراحة في لفظه بالوجوب خصوصا مصنفي كتب الحديث وهم جلة السابقين على الشيخين رحمهما الله أو كلهم فانهم يقتصرون من الفتوى على ايراد لفظ الخبر وهو محتمل للامرين كما ادعاه العلامه في المخ وان اثبتنا ظهور الوجوب فان قيل كيف يتحقق الاجماع على الوجوب الذى ادعاه ابن ادريس بعد تصريح الجماعة بالاستحباب واحتمال عبارة غيرهم واحتمال الاخبار خصوصا على قاعدته ايضا من اطراح خبر الواحد كالمرتضى بدعواه الاجماع على خلاف قاعدته قلنا لما راى اجماع اهل عصره كما صرح به على الوجوب وراى السابقين الذى تحتمل عبادتهم غير الوجوب مستندين إلى الاخبار لان الشيخين يخيرون خبر الواحد خصوصا الشيخ رحمه الله والاخبار الذى هي مستندهم ظاهره في الوجوب حمل كلامهم عليه ايضا اعتمادا على دلالة المستند كما بيناه وح فلا يقدح في الاجماع الذى ادعاه مخالفة من صرح بالاستحباب اما لانهم معروف النسب أو لانعقاده بعد موتهم على خلاف قولهم كما يظهر من نقله اجماع اهل عصره وكلاهما كاف في دعوى الاجماع بل اتفق

[ 234 ]

للشيخ والمرتضى رحمهما الله في دعواه ما هو اعظم من ذلك كما لا يخفى على من اطلع على كتبهم فدعوى ابن ادريس الاجماع ممكنه وان كان الحق خلافها واما العلامة في المخ فجعل مستند الاستحباب احتمال الاخبار امرين مع اصالة عدم الوجوب وقد عرفت ما في احتمالها لهما وان الوجوب منها اظهرو ينقطع الاصل الذى رتب عليه الحكم لانه لا ينفع مع ورود الحكم بخلافه فكان القول بالوجوب اظهر المطلب الرابع في بيان مستحق الحبوة والمستحق عليه اما الاول فقد عرفت من الاخبار انه الولد الاكبر الاكبر من الذكور مع تعددهم ومع الاتحاد فالموجود منهم وبالجملة من ليس هناك ذكر اكبر منه فهنا قيود الاول كون الحبوه للولد وهو موضع وفاق والنصوص دالة عليه والاصل يقتضى نفيها عن غيره الثاني كونه الذكر والاخبار المتقدمة بعضها مصرح به وهو الاكبر وفى صحيحه ربعى الاولى انها لاكبر ولده وكذلك صدر الثانية والولد يشمل الذكر والانثى الا انه محمول على الذكر جمعا ولانه مطلق والباقى مقيد فيجب حمل المطلق عليه وللاجماع ايضا الثالث كونه الاكبر مع التعدد وهو مع الاجماع مصرح في اكثر الاخبار بل ما عداه رواية شعيب وظاهر النصوص و الفتاوى ان المراد به الاكبر سنا فلو كان الاكبر منه بالغا بالانبات أو الاحتلام وهو غير بالغ رجح الا سن هنا وان وجب القضاء على البالغ مع احتمال ترجيح البالغ مطلقا وتساويهما فيها لاشتمال كل منهما على مرجح في الاكبر الرابع كونه اكبر الذكور وان كان هناك انثى اكبر منه وهو مصرح به في صحيحة ربعى الثانية والطاهر من غيرها ويظهر من عباده ابن الجنيد عدم الحبوه هنا لتخصيصه الحكم بالولد الاكبر إذا كان ذكرا وقد تقدم الخامس انه مع اتحاد الذكر يكون له وهو مصرح به في الاخبار الثلاثة الاخيرة لكن الصحيحان والحسن خالية عنه وكذا فتاوى اكثر الفقهاء

[ 235 ]

فانهم يعبرون باستحقاق الاكبر وهو يقتضى مفضلا عليه الا ان المراد ما ذكرناه من انه من ليس هناك ذكرا اكبر منه وان كانت عبارتهم محتملة لغيره واعتبار وجود المفضل عليه في افعل التفضيل اكثري لا كلى فهذه الشروط الخمسة لا خلاف فيها ظاهر الا في الرابع على ظاهر عبارة ابن الجنيد لكن لم ينقل احد عنه خلافا وبقى شروط اخر في المحبو مختلف أو مشكوك فيها احدها كونه للصلب وفى اعتباره وجهان احديهما وبه قطع العلامه في الارشاد اعتباره اما لانه المتبادر من لفظا الولد الاكبر في النص والفتوى أو لان الحبوة في مقابلة قضاء ما فاته من صلوة وصيام سوا جعلناه شرطا فيها أو جعلناه حكمة اثباتها ولاقضاء على ولد الولد فلا حبوة له أو للاقتصار بما خالف الاصل على موضع اليقين ومحل الوفاق وهو ولد الصلب واوجب التعدي إلى غيره ممن يصدق عليه شرعا ولغة انه اكبر الولد الذكر وان كان ولد ولد دخوله في عموم اللفظ أو اطلاقه إذ لاشبهة في ان ولد الولد الذكر يطلق انه ولد وانما الشبهة في ولد الانثى ولدخوله في مثل قوله تعالى يوصيكم الله في اولادكم وحلايل ابنائكم وغيرهما وهذا الوجه لم اقم على قول صريح فيه وان كانت العبارة المطلقة في الولد محتملة له وكيف كان فالاعتماد على الاول وثانيها كونه عند وفاة ابيه منفصلا فلو كان حملا ففى استحقاقه الحبوه وجهان احديهما الاستحقاق لصدق كونه ولدا في نفس الامر وان لم يتحقق ظاهرا ومن ثم اجمع على استحقاقه الارث بحسب ما يتفق من ذكوريته وانوثيته وما ذاك الا لدخوله في عموم يوصيكم الله في اولادكم وغيره وثانيهما العدم لعدم الحكم حال الاحتياج إليه وهو موت المورث بكونه ذكرا والاحكام الشرعية مبنيته على الطاهر خصوصا إذا كان عند الموت غير متحقق بالخلقة الذكور به بان كان علقة أو مضغة أو غيرهما فانه لا يصدق عليه ح ان للميت

[ 236 ]

ذكراولان افراد الحبوة ذلك الوقت ان حكم بها له كان حكما غير مطابق للواقع لانه ليس بذكر وان حكم بها للورثة استصحب الحكم وعمل باصالة عدم المزيل إلى ان يتحقق وان انتفى الامران لزم بقاء المال بغير مالك وهو مح فان قيل هذا بعينه وارد في سهم الحمل قبل انفصاله مع الاجماع على ايقانه واستحقاقه نصيب الذكر وان كان علقة أو ما دونها فهلا كان هذا كذلك قلنا يمكن الفرق بثبوت هذا بالاجماع اولا بخلاف موضع النزاع مضافا إلى اصالة عدم الاستحقاق وبان الحمل يرث من حيث كونه ولدا اعم من كونه ذكرا أو انثى أو خنثى وهو متحقق في جميع الاحوال ومن ثم حكم على الامه بكونها ام ولد بوضع العلقة وما يكون مبداء نشوا دمى وادخلت في عموم النهى عن بيع ام الولد بخلاف صورة النزاع فان الحكم معلق على الولد الذكر وهو غير متحقق قبل تخلقه ذكر أو ان سلم استحقاقه بعد ذلك إذا تحقق في نفس الامر وكيف كان فالشك في الحكم المخالف للاصل يوجب اطراحه وان كان الحكم باستحقاقه لو كان عند الموت متخلقا بالذكورية اوجه وانما يقوى الاشكال قبل تلك الحالة ولم اقف في هذا الشرط على شئ يعتد به للاصحاب وان كان الاجود عموم الاستحقاق وثالثها كونه متحقق الذكوريه فلو كان محتملا لها وللانوثية كالخنثى المشكل ففى استحقاقه الحبوة في الجملة أو عدمه وجهان احديهما العدم لتعليق الحكم في النصوص والفتاوى على الولد الذكر وهذا ليس بذكر أو ليس متحققا بالذكورية فلا يستحق أو فلا يتحقق استحقاقه فيرجع إلى الاصل والثانى ان يستحق نصف الحبوة بناء على انحصاره في الذكورية والانوثية لبطلان الحكم بالطبيعة الثالثة كما نبه بقوله تعالى يهب لمن يشآء اناثا ويهب لمن يشآء الذكورا الايه وغيرها والخنثى كما يحتمل الانوثية يحتمل الذكورية ومن ثم استحق نصف النصيبين بالنص فيستحق نصف الحبوه لانه نصف النصيب على تقدير الذكورية والانوثية ويضعف

[ 237 ]

بان استحقاقه لذلك في السهم انما جاء من قبل النص ومن ثم رده جماعة ولولاه لكان القول بتوريته بالقرعة اوجه وهو مفقود هنا بل ظاهر في خلافه فكان الرجوع إلى القرعة متوجها ان لم يكن عدم الاستحقاق اوجه لانها لكل امر مشكل وعلى تقدير انحصاره في الطبيعتين فهو في نفس احديهما فيتسخرج بالقرعة وفى الانحصار نظر وفى الحكم اشكال وعدم الاستحقاق مطلقا متجه ولم اقف هنا ايضا على شئ يعتد به للاصحاب ورابعها كونه بالغا وفى اعتباره قولان احديهما الاعتبار صرح به ابن حمزة وهو طاهر ابن ادريس وبناؤه على انها مقابلة القضا وهو متقف عن الصبى فينتفى ما قابله من العوض وسيأتى ما يدل على ضعف الملازمة بينهما والثانى وهو الاظهر الاشهر عدم اعتباره فيحبى الصغير مطلقا لعدم النص وعدم التلازم وخامسها كونه عاقلا وفى اعتباره القولان وعدمه اظهر للعموم وسادسها كونه سديد الراى بان يكون معتقد اللحق مؤمنا بالمعنى الخاص وفى اعتباره قولان احديهما وهو المشهور بين المتأخرين وممن صرح به المتقدمين ابن حمزه وابن ادريس ومن تأخير عنه اعتباره ولم يذكروا له حجة مقنعة لكنه يناسب اصل ابن حمزة في القضاء فان المخالف لا يرى وجوبه فلا يحبى ويمكن الاحتجاج للاخرى بان المخالف ايضا لا يعتقد استحقاق الحبوه بل يعتقد انها كسائر التركة بين الوراث فيمنع منها الزاما له بمعتقده كما يلزم بغيره من الاحكام الشرعية الموافقة له ومن ثم يغسل ويصلى عليه ميتا بمعتقده وتباح مطلقته ثلاثا ولاء بغير شهود ويشارك في سهم العصبة وغير ذلك فيكون هنا كذلك وهذا حسن وان كان عموم النص يدفعه فانه مخصوص بما ورد ايضا من الزامهم بهما الزموا به انفسهم والمضى معهم في احكامهم والنصوص به كثيرة وسابعها كونه غير سفيه وهذا الشرط ذكره

[ 238 ]

ابن ادريس وتبعه عليه لمتاخرون ولم نقف على مأخذه وعموم النص يدفعه والاقوى عدم اعتباره وهو اختيار المحقق والشيخ على صريحا ومال إليه الشهيد في الدروس لانه نقل الشرط عن ابن ادريس مقتصرا على النقل وهو يشعر بتمريضه كما هي عادته لكنه في اللمعة قطع باشتراطه وكلام الاولين خال عنه وثامنها كونه متحدا فلو كان الاكبر متعددا ففى اشتراكهم في الحبوة أو عدم استحقاقهم اصلا قولان احديهما اشتراطه صرح به ابن حمزة نظرا إلى ظاهر النصوص فانها تضمنت الولد الذكر وهو متحد ولانه مع التعدد لا يصدق استحقاق كل واحد ماحكم باستحقاق واحد منه كالسيف والمصحف لان بعض الواحد منهما ليس هو فلا يدخل في ظواهر النصوص وقوفا فيما خالف الاصل على موضع اليقين والاظهر عدم اشتراطه لصدق اسم الولد الاكبر على كل من المتعدد ولانه اسم جنس لا ينافي المتعدد والاشتراك في السيف الواحد والمصحف غير مانع كما لو لم يكن للميت سوى السيف على احد الوجهين السابقين ولعموم إذا امرتكم بامر فاتوا منه ما استطعتم ولا يسقط الميسور بالمعسور وعلى هذا فيتحقق التساوى في الوصف بان تولدا من امراتين في وقت واحد وكذا تولدا من امرأة دفعه وان كان الفرض بعيدا ولو ولد التوامان على التعاقب ففى اشتراكها في الاكبر نظر من زيادة سن السابق على المسبوق ولو بيسير فيصدق التفضيل ومن عدم الاعتداد بمثل ذلك عرفا وهذا هو الاقوى بشاهد العرف على ان مثل هذا التفاوت لا يؤثر في التساوى ومثله مالو ولدا من امراتين في وقتين متقاربين الا ان العرف قد يأبا هذا القسم في بعض الموارد وان قبله في التوامين وبالجملة فالمرجع في ذلك إلى العرف فمن عدهما متساويين في السن تشاركا فيها والا فلا وان حصل الشك استحق السابق لانه المتيقن وكذا لو زاد عن اثنين وتاسعها ان تقضى ما فات اباه من

[ 239 ]

صلوة وصيام وفى اعتباره قولان وبهذا الشرط صرح ابن حمزة جاعلا لحبوة عوضا عن القضاء فإذا لم يفعل المعوض لم يستحق العوض والاظهر عدم الاشتراط والتلازم غير ظاهر وانما دلت النصوص على استحقاقه لها وعلى وجوب القضاء فإذا لم يفعل عصى ولم يبطل الاستحقاق وعليه يتفرع استحقاق الطفل والمجنون لها وان لم يقضيا وعلى قول ابن حمزة هل تشترط المبادرة إلى القضاء أو يكفى العزم عليه الظاهر الثاني لكن يكون استحقاقه لها ح مراعا بالقضاء فلو اخل به كان ضامنا لها لفقد المعوض ويحتمل على مذهبه وجوب تقديم القضاء على الاستحقاق ليتحقق استحقاقه للعوض إذ ليس هناك عقد لازم اوجب ملكه لها فلابد من سبب يوجبه وهو القضاء ولان العزم لو كان كافيا لاستحقها الطفل إذا عزم على القضاء بعد البلوغ الا ان يعتبر صلاحية للقضاء بالفعل وظاهر عبارته انه لا يستحقها الا مع القضاء بالفعل لانه قال يأخذ ابن الاكبر ثياب بدن الوالد وخاتمه الذى يليه وسيفه ومصحفه بخمسة شروط ثبات العقل وسداد الرأى وفقد اخر في سنه وحصول تركه سوى ما ذكرناه وقيامه بقضاء ما فاته من صلوة وصيام هذه عبارته وجعل القيام بالقضاء شرطا للاخذ يقتضى تقدمه على المشروط لانه قضية الاشتراط فهذه جملة الشروط المعتبرة في المحبو ولو على قول أو وجه واعلم انه لافرق في الولد الجامع للشرايط بين كونه متولدا عن عقد صحيح وملك ووطئ شبهه وضابطه لحوقه بالاب شرعا للعموم واما من يستحق الحبوة في تركته فقد ظهر من تضاعيف من يستحقها فهو أبو الولد الذكر الاكبر بالشرايط وفى اشتراط اسلامه وايمانه نظر من عموم النص والنظر إلى اعتقاده عدم الاستحقاق وكونها في مقابلة القضاء ولا قضاء على الكافر وفى المخالف نظر ايضا ويضعف بان اعتقاده لا يؤثر في استحقاق غيره ومؤاخذته وانما يؤاخذ به المعتقد

[ 240 ]

وهو لا يتوجه هنا واما ارتباطها بالقضاء فقد ظهر عدمه فاتجه القول بعدم اشتراطها فيستحق عليه مطلقا ولو كان الميت خنثى وقد اتفق تولد الولد منه اما لشبهة أو بناء على جواز تزويجه كما فرضه الشيخ وجماعة رحمهم الله في باب الميراث وحكموا بانه لو كان له زوجا أو زوجة فله نصف النصييبن ففى استحقاق ولده الحبوة نظر من ظهور الابوه وعموم النصوص ومن الشك في اطلاق الابوة هنا للشك في الذكورية والاقوى عدم الاستحقاق للشك فيرجع إلى الاصل المطلب الخامس كيف تستحق الحبوة هل مجانا ام بالقيمة السوقية وقد اختلف الاصحاب في ذلك فذهب الاكثر ومنهم عامة المتأخرين إلى الاول بل ادعى عليه ابن ادريس الاجماع النصوص باستحقاقها من غير شرط فلو كان استحقاقها مشروطا بدفع القيمة لزم تأخير البيان عن وقت الخطاب أو الحاجة ولان اللام افادت ملكه لها على بيناه والاصل براءة الذمة من امر اخر ولانه لو قال سيفى لفلان مثلا افاد ملكه له بغير عوض فكذا هنا لاتحاد مدلول الصيغة بحسب هذا المعنى وقال السيد المرتضى وابن الجنيد ومال إليه العلامة في المخ انما يستحقها بالقيمة قال المرتضى وانما قوينا ما بيناه وان لم يصرح به اصحابنا لان الله تعالى يقول يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين وهذا الظاهر يقتضى مشاركة الانثى للذكر في جميع ما يخلفه الميت من سيف ومصحف وغيرهما وكذلك ظاهر ايات ميراث الابوين والزوجين يقتضى ان لهم السهام المذكورة من جميع تركة الميت فإذا خصصنا الذكر الاكبر بشئ من ذلك من غير احتساب بقيمته عليه تركنا هذه الظواهر واصحابنا رحمهم الله لو يجمعوا على ان الذكر الاكبر مفضل بهذه الاشياء من غير احتساب بالقيمة وانما عولوا على اخبار رووها تتضمن تخصيص الاكبر بما ذكرناه من غير تصريح باحتساب عليه بقيمته وإذا خصصناه بذلك اتباعا لهذه الاخبار واحتسبنا بالقيمة عليه فقد سلمت ظواهر الكتاب

[ 241 ]

مع العمل بما اجتمعت عليه الطايفة من التخصيص بهذه الاشياء فذلك اولى ووجه تخصيصه بذلك مع الاحتساب بقيمته عليه انه القائم مقام ابيه والساد مسده فهو احق بهذه الامور من النسوان والاصاغر للمرتبة والجاه هذا كلام المرتضى رضى الله عنه ومرجع بنائه في الاستدلال به من الايات والاجماع من اطراح خبر الواحد فالايات اقتضت عدم الحبوه والاجماع اقتضاها في الجملة من غير تخصيص بكونه مجانا واخبار الاحاد وان اقتصت باطلاقها كونه مجانا الا انها عنده لا تصلح للحجة فجمع بين الاجماع والقران باخذها بالقيمة وهذه الطريقة لاتتمشى على قواعد من عمل بالخبر الواحد لان الاخبار مخصصه لعموم الايات من غير اعتبار القيمة كما بيناه ومن ثم خالفه الشيخ والجماعة في كونها بغير قيمة عملا بظواهر الاخبار الا انه يبقى عليهم ما اشرنا إليه سابقا من انهم لم يعملوا بجميع ما تضمنه خصوصا الصحيح منها بل خصوه بالاربعة فان اعتمدوا على الاخبار فهى تدل على الزائد كما مراتب وان اعتمدوا على الاجماع مراعات لجانب الايات القرأنية والاصول الشرعية لزمهم اعتبارها بالقيمة لان الاجماع لم يتحقق على خلاف ذلك فان قيل كما ان الاجماع لم يتحقق على اخذها مجانا لم يتحقق على اخذها بالقيمة فيكون القول باخذها بالقيمة مخالفا لعموم الايات واطلاق الروايات وفتوى اكثر الاصحاب وهو اقوى شبهه من اخذها مجانا فانه سالم من مخالفة الاخبار و الاصحاب قلنا هذا حق ولكن مأخذ القائل ليس هو الاخذ بالمجمع عليه حتى يرد ما ذكر بل مراعاة الجمع بين عموم الكتاب وعدم مخالفة اجماع الاصحاب على ثبوت الحبوة في الجملة فان القول باخذها بالقيمة لا يخرج عن اجماعهم على ثبوتها كذلك وفيه تقليل لتخصيص عموم الكتاب مع موافقة فتوى الاصحاب باثباتها في الجملة بخلاف القول باخذها مجانا فانه يبعد عن موافقة الكتاب ولا يوقع في اجماع الاصحاب بل يبقى

[ 242 ]

الخلاف بحاله وان وافقه الاكثر فكان الجمع بين موافقتهم في اصل الفتوى بثبوتها مع الاخذ بعموم الكتاب وتعليل تخصيصه اولى فان قيل إذا اخذت هذه الاشياء بالقيمة ولم يفت الا العين وخصوصيتها قليلة بالاضافة إلى القيمة ولم يوجب البعد عن عموم ايات القران فلم تقتصر على الاربعة من دون ان تعمل بجميع ما ذكر في الاخبار الصحاح مع انها مشتركة في الخبر بالقيمة قلنا هذا لايرد على المرتضى لانه لا يراعى خبر الواحد وانما راعى ما هو عنده حجة من الاجماع ودليل القران وبهما تحصل الموافقة على ذلك الوجه بالاقتصار على ما افتى به الاصحاب بل على اقله لحصول الغرض وهو عدم مخالفة الاجماع ولا ضرورة إلى القول بباقى مادل عليه الخبر لانه ليس حجة عنده وانما يرد هذا على غيره من الاصحاب الذين يرون العمل بخبر الواحد كالعلامة وقد قال في المخ بعد حكايته كلام المرتضى وكلام السيد لا باس به ويؤيده الروايات المتضمنة لتخصيصه بسلاحه ورحله وراحلته ولولا الاحتساب بالقيمة لزم الاجحاف على الورثة انتهى وهذا الذى ادعاه انما يؤيد كلام السيد لو كان قايلا به ليلزم عنده الاجحاف إذ قال به السيد أو الجماعة وقد عرفت ان القائل به قليل أو معدوم والاجحاف بالاربعة غير متحقق مطلقا بل على بعض الوجوه وهو غير كاف لان اخذ جميع ما ذكر في الرواية غير محجف على كثير من الورثة إذا كان المتروك كثيرا وبالجملة فهذه امور غير منضبطة حتى يتحقق الاجحاف باثباتها ونفيها على تقدير القول بثبوتها والاولى بناء على حجية خبر الواحد القول باخذها بالقيمة وبغيره القول باخذها مجانا لدلالة ظواهر الاخبار عليه بل لا اشعار فيها بالقيمة اصلا إذا تقرر هذا فهنا مباحث الاول على القول باخذها بالقيمة هل المعتبر قيمتها عند الوفاة أو عند دفع القيمة ليس في كلام القائل بها تصريح ولا تلويح باحد الامرين وكلا الوجهين محتمل اما الاول

[ 243 ]

فلانه وقت انتقال التركة إلى الوارث والمحبو احد الوراث حتى بالحبوه فانها نوع من الارث زايد على غير كزيادة نصيب بعض الوارث على بعض فيعتبر القيمة وقت الانتقال لانه وقت الحيلولة بين باقى الوراث وبينها ولان القيمة لو اعتبرت بعد ذلك لكانت هذه الاشياء اما ملكا للورثة فيلزم عدم اختصاص المحبوبها بل لا يجوز اخذها منهم بغير رضاهم أو ملكا للمحبو فلا يلزمه القيمة الزايدة على ماهى عليه عند الموت أو غير ملك لاحديهما فيلزم اعتبار رضى المالك أو خلو المال عن مالك فان قيل جاز ان يكون موت الاب جزء السبب لملك المحبو فانما يتم بدفعه القيمة فجاز اعتبار وقت القيمة وان قلنا يتقدم ملك المحبو أو نقول انه يملكها ملكا متزلزلا يستقر بدفع القيمة فجاز اعتبار وقتها كذلك ايضا قلنا كلا الامرين لا يصح معه اعتبار وقت الوفاة اما الاول فلان الاعتبار انما هو بوقت ملك المحبو لها إذ لاوجه لاعتبار القيمة قبل الحكم بملكه والملك لا يحصل الا بتمام سببه فإذا اعتبر تماميته بدفع القيمة لم يصح الحكم بملكه لها قبله ويعود المحذور السابق اما الثاني فظاهر لان الملك المتزلزل ملك في الجملة فتعتبر القيمة عند حصوله وهو يحصل بالموت لا بدفع القيمة واما الثاني وهو اعتبارها وقت دفعها فلان ذلك بمنزلة المعاوضة عليها وان كانت قهرية وقيمة العوض انما تعتبر عند دفع عوضه كبيع العبد المسلم على الكافر والوارث ليعتق وقريب منه البحث في قيمة الشجر والبناء لغير ذات الولد وعلى هذا فيلزم كونها قبل دفع القيمة ملكا للورثة متزلزلا ويدفع القيمة ينتقل إلى ملك المحبو أو يكون الدفع كاشفا عن سبق ملكه من حين الوفاة وان كانت ظاهرا قبله ملكا لجميع الورثة ولان ملك المحبو مشروط بدفع القيمة فقبل حصول الشرط لا يحصل المشروط والاقوى الاول للنصوص السابقة الدالة على ملك المحبو لتلك الاشياء معلقا على موت

[ 244 ]

ابيه من غير شرط وذلك مقتضى تحقق الملك من حين الموت قضية للتعليق وانما اعتبرت القيمة جمعا بين الحقين ويكفى في مراعاة هذا الجمع كونه يملكها بعوض حين الموت الثاني هل يملكها على التقديرين ملكا قهريا بعوض يثبت في ذمته ام يتوقف تملكه لها على رفع القيمة كل محتمل اما الاول فظاهر النصوص الدالة على ملكه لها بالموت كما قدمناه كقوله عليه السلام إذا مات الرجل فسيفه لابنه الخ فان ذلك يقتضى تحقق الملك بالموت وان لم يدفع القيمة وح فتبقى القيمة في ذمته بمنزلة الدين الذى يتركه الميت على غيره من الوراث فيملكه الورثة كذلك سواء امكن تحصيله منه ام لا واما الثاني فلان القيمة اعتبرت مراعات الحق الورثة وعملا بعموم الايات و ذلك لا ينتظم مطلقا بجعل القيمة في ذمته لجواز امتناعه ومطله؟ وهربه على وجه يوجب الاضرار بالورثة فرعاية الجمع بين الحقين توقف تملكه لها على دفع القيمة ويقوى هذا القول بمراعاة القيمة عند الاداء والاقوى الثاني مطلقا لاصالة البراءة من عوض يثبت في ذمته بغير اختياره لانه قد يؤدى إلى الاضرار به مع ان ثبوتها مبنى على ترجيحه وغبطته ومن ثم اطلق عليها اسم الحبوة وتظهر الفائدة في جواز تصرفه فيها قبل دفع القيمة وفيما لو تلفت أو بعضها قبل دفع القيمة بغير تفريط وفى جواز امتناعه من اخذها كذلك اما غيره من الورثة فلا يجوز له التصرف فيها مطلقا لانها اما مملوكة للمحبواو موقوفه على امر إلى ان ينكشف الحال فلو باع بعض الورثة نصيبه منها قبل الانكشاف بطل البيع على الاول قطعا ويحتمل على الثاني والمراعاة الثالث لو لم يدفع القيمة هل يبطل حقه منها بمجرده ام يتوقف على امر اخر كاسقاط حقه أو تصريحه بعدم الدفع مطلقا كل محتمل والاقوى ان الحاكم يلزمه باحد الامرين على التخيير اما الدفع أو اسقاط حقه ومع تعذر الحاكم وامتناعه من الاختيار

[ 245 ]

فالاقوى جواز تسلط الورثة عليها حذرا من الاضرار وح فيسقط حقه منها و ان بذل القيمة بعد ذلك نعم لو اعتذر بغيبة العوض ونحوه اجل مقدار ما يزول معه عذره إذ لم يؤد إلى التطويل المفرط المؤدى إلى الضرر ولو قيل ان اخذه لها بالقيمة فورى كاخذ الشفعه ويعذر هنا فيما يعذر هناك من وجوه التاخير امكن لاشتراكهما في الموجب للفورية الرابع لو كان المحبو غير مكلف فان قلنا بالملك القهري دفع إليه وليه القيمة من ماله واخذها وان اقفناه على دفعها ففى تعين ذلك عليه أو يلزمه مراعاة الاغبط للمحبو وجهان اجودهما الثاني لانها ح معاوضة فيراعى فيها الغبطة له الخامس لو كان الولد غايبا فان كان عوده قريبا عادة بحيث لا يؤدى إلى الاضرار بالورثة وجب انتظاره ليترتب عليه احد الامرين وان طالت غيبته رفع الورثة امرهم إلى الحاكم فيحكم عليه بما هو الاغبط له فان كان الاغبط دفع القيمة ولم يكن له مال حاضر غيرها سلطهم عليها أو باعها أو بعضها على تقدير الفضل بان زادت قيمتها ذلك الوقت ان اعتبرنا القيمة عند الوفاة وابقى له الباقي أو قيمته ولو تعذر الحاكم وجعلنا ملكه قهريا اخذوها مقاصه والا فالاقوى جواز تسلطهم عليها حذرا من الاضرار المطلب السادس لم يحبئ هذا الولد دون غيره من الورثة والسؤال فيه عن حكمة الحكم وهو غير لازم لان اكثر الاحكام غير معلله بعلة معقوله ولانه لو علل كل شئ لزم التسلسل وما هذا التخصيص الا كالحكم بالفروض المعينة في كتاب الله تعالى لاربابها زيادة ونقصانا كجعل نصيب الذكر مثل حظ الانثيين ولو اردنا ابداء الحكمة هنا ربما كانت اسهل من كثير من تلك الفروض فان الولد الاكبر قائم مقام ابيه وربما كان واقفا في منصبه ومنزلته وكان اولى بما كان يختص من ثيابه وسيفه وخاتمه ومصحفه وغيرها ان كان لتحقق النيابة وتتم

[ 246 ]

الخلافة وربما ظهر بهذا خير كثير للورثة وانتظام امرهم وظاهر انه اولى من اقتسام الورثة لذلك واحد المراة منه حصة ولباسه لزوجها الأجنبي من الميت وكذلك غيرها من الورثة واما من شرط في استحقاقها قضاء ما على الميت فالحكمه فيه واضحه فانها ح ومعاوضة محضة بل اجرة عمل ربما كانت اجرته اضعاف هذه الاشياء ويمكن ان يصلح ذلك عليه وان لم نجعله شرطا فيها فان الولد الاكبر لما كان في كثير من الاوقات مكلفا وائلا إلى التكليف حيث توجب عليه القضاء بعد التكليف وكان الاغلب في المكلفين عدم السلامة من فوات صلوة أو صوم بحيث يستجمع ما يعتبر فيها من الشرايط والاركان كانت الحبوة بازاء ما فرضه الله تعالى على هذا الولد من القضاء غالبا وتخلف الحكمة عن الحكم في بعض الموارد لا يقدح في الحكمية لانا قد علمنا من حكمه الشارع انه إذا اراد ان ينيط حكما بحكمة يجعل له ضابطا يرجع إليه تسهيلا على المكلفين وتحقيقا للحكم وان تخلفت الحكمة في بعض افراده وذلك الضابط كما فاط القصر بالسفر إلى المسافة لما كانت مظنة المشقة غالبا وهى الحكمة في الحكم مع تخلفها عنه وجودا وعدما في كثير من الموارد فقد تحصل المشقة في سفر نصف المسافة واقل لبعض المكلفين على بعض الوجوه وقد لا تحصل المشقة في السفر إلى اضعاف كثيره مضاعفة لتلك المسافة المضبوطة شرعا لبعض المكلفين على بعض الوجوه الا ان الغالب لما كان حصول المشتقة فيها ينيط الحكم بها وكذلك العيب المجوز لرد الحيوان المبيع وفسخ البيع لما كان مرجعه إلى نقصان قيمة المبيع بسببه وكان ذلك غالبا يتحقق بزيادة في الخلقة الاصلية أو نقصان عنها جعل ذلك ضابطا له وحكم بجواز الفسخ بمجرده مع تخلف الوصف في كثير بل مع زيادة القيمة كخصا العبد مراعاة لضبط الاحكام وان تخلفت الحكمة وجملة الامر ان الاحكام الشرعية إذا ينطت بامور حكمية لا تخرج عن قواعدها الكلية يتخلف الحكم مفى بعض موضوعاتها

[ 247 ]

الجزيئة واعلم ان الحبوة قد انفكت عن القضاء في مواضع الاول ان لا يفوت الميت شئ من الصلوة والصيام وترك حبوة فيحبى ولده ولا يقضى الثاني عكسه بان يموت وعليه صلوة وصيام ولا يخلف حبوة اصلا اما الاستغراق دينه كما سيأتي أو بان لا يترك الاثياب بدنه ويحتاج إليها اجمع في كفنه ومؤنة تجهيزه أو غيرذلك فيجب على الولد القضاء ولا يحبئ الثالث ان يكون طفلا فانه يحبى على ما تقدم ولا يجب عليه القضاء ح ثم ان مات قبل التكليف اختص بالحبوة بغير قضاء وان بلغ قبل ان يقضى مافاة اباه ففى وجوب القضاء عليه ح وجهان من سبق الحكم بالبرائة فيستصحب ولان موت ابيه إذا لم يترتب عليه وجوب القضاء فمجرد البلوغ لم يثبت من الشارع جعله سببا في وجوبه وانما المستفاد من النصوص الوجوب بالموت وهو منفى هنا لانتفاء الخطاب عن الصبى و من اطلاق النص بان على الولد قضاء ما فات اباه من ذلك المتناول لموضع النزاع وخرج منه الصبى لعدم التكليف فيجب عليه حيث يكلف الرابع ان يكون مجنونا والكلام فيه كالصغير الخامس ان يكون بالغا عاقلا لكنه سفيه فيجب عليه القضاء وفى حبوته ما تقدم السادس ان يكون مخالفا ان قلنا انه لايحبئ السابع ان يكون متعددا في سن واحد ان قلنا بعدم الحبوة كذلك فان هذه الامور غير مانعة من القضاء الثامن ان يكون ما فات الاب من الصلوة والصيام وقع عمدا فان الولد يحبئ مع جمعه للشرايط اجماعا ولا يقضى على قول التاسع ان يتبرع بالقضاء متبرع قبل فعل الولى فانه يحبى ويسقط عنه القضاء العاشر ان يكون الولد خنثى إذا قلنا انه يحبى بنصف الحبوه فانه لاقضاء عليه لاختصاصه بالذكر ويحتمل قويا ان يقال بوجوب نصف القضاء عليه ايضا لان ذلك لازم فرضه ذكرا كما لزمه نصف الحبوة ولو قلنا لايحبى فلا قضاء عليه ويحتمل عكس الاول وهو وجوب القضاء عليه دون الحبوه لو قلنا بوجوب القضاء

[ 248 ]

على غير الذكر لو فقدو بالجملة فالضابط ثبوت القضاء مع تخلف الحبوه لفقد شرط من الشروط أو بالعكس فهذا ما اقتضاه الحال من الكلام على هذه المطالب الستة وبقى في المسألة امور الاول شرط ابن حمزة في استحقاق الحبوة مضافا إلى ما تقدم ان يخلف الميت تركة غيرها وتبعه على هذا الشرط ابن ادريس واكثر المتأخرين وكلام الشيخين وجماعة خال عنه وكذلك النصوص على ما رايت وربما علل الاشتراط باستلزامه على تقدير ان لا يخلف الاجحاف بالورثة والاضرار بهم وبان الحبوه تؤذن بابقاء شئ اخر وفى رواية شعيب ما يؤذن به لانه قال سألته عن الرجل يموت ماله من متاع بيته قال له السيف الخ فان من ويؤذن بان الحبوه بعض المتاع وفيه نظر لمنع الاضرار بذلك مطلقا وعلى تقدير فقد ثبت حيث يخلف غيرها ايضا ولان الحق إذا ثبت بالنص أو الاجماع أو هما لا يقدح فيه الاضرار والاجحاف بغير المستحق كما إذا اجحف سهم الذكر بالانثى لضعفها وحاجتها وكذا غيره من سهام الورثة و الحبوة العطية للمحبو اعم من مصاحبتها لشئ اخر والعبره في الرواية بالجواب وهو لا يدل على اعتبار شئ اخر والسؤال ليس صريحا فيه مع قصور الرواية عن اثبات مثل هذا الحكم وتقييد الصحيح والحسن من الاخبار وفى الدروس نسب اشتراطه إلى ابن ادريس وابن حمزة ساكتا عليه مؤذنا بتمريضه وحاله ما قد رأيت الثاني على تقدير اشتراطه هل يكفى بقاء شئ متمول من التركة ام لابد من كونه كثيرا بحيث يحصل به الغرض من دفع الاضرار وزوال الاجحاف الذى يقتضيه اصل الاشتراط هو الاول لتحقق الشرط وهو ان يترك شيئا غيرها والاصل عدم اشتراط شئ اخر والتعليل يدل على الثاني الا ان اعتباره مطلقا مشكل لان اعيان الحبوة قد تكون نفيسة غالية الثمن جدا فلابد من اعتبار شئ كثير في مقابلها للورثة ليزول الاجحاف وابن هذا من اطلاقهم اشتراط ان يخلف

[ 249 ]

الميت غيرها ولقد كان اللازم للمشترط ان لا يجعل الشرط تخلفه غيرها بل تخلفه شئ كثير يحصل الفرض وهو امر اخر ثم على تقدير اعتبار ذلك كله لو تعدد الوارث بحيث كان اصل التركه المنقسم عليهم كثيرا يدفع الاضرار ويزيل الاجحاف بهم جملة لكن ما يصيب كل واحد منهم من الحصة لا يقاوم الحبوة على وجه يندفع الاجحاف بذلك السهم ففى اعتبار الجملة أو الافراد نظر من تحقق الشرط في الجملة وفقده كذلك بالنسبة إلى الاشخاص ويقوى الاشكال لو كان نصيب بعضهم يحصل الفرض دون نصيب الاخر وبالجملة وكلام المشترط غير منقح وبينه وبين تعليله تدافع في موارد ولا دليل من جهة النص ليرجع إليه عند الاشكال الثالث على تقدير اعتبار ذلك كله لا يشترط كون نصيب كل وارث بقدر الحبوة للعموم وتحقق الوصف بدونه واحتمل في الدروس اشتراطه نظرا إلى الاجحاف بالورثة لولاه وضعفه ظاهر و على تقديره فينبغي مراعات نصيب من ساوى المحبو في الخصوصية كالولد الذكر لا مطلق الوارث كالام والبنت إذ لاوجه لاشتراط مساواتهما للابن شرعا وعقلا والالتفات إلى كونه يشاركهما في باقى التركة فيحجف بهما من جهة هذه الزيادة لا يوجب الحكم بكون نصيبهما من التركة بمقدار الحبوة الرابع لو كان على الميت دين مستغرق للتركة اجمع حتى الحبوة فالاجود انه مانع منها لان الحبوة اختصاص في الارث لاحق متعلق بهذه الاعيان برأسه والدين مقدم على الارث بالنص والاجماع وهى من جملته ثم يبنى على انتقال التركة إلى الوارث على تقدير الدين وعدمه فان قلنا بعدم انتقالها إليه فالحبوة وغيرها من اعيان التركة سواء في صرفها في الدين وعدم خصوصية المحبو وان قلنا بالانتقال انتقلت إلى المحبو ومنع من التصرف فيها كما يمنع من التصرف في سهمه من غيرها إلى ان يوفى ما يخصها من الدين فيختص بها ولو لم يفتكها الولد فبذل

[ 250 ]

باقى الورثة الدين ففى كونه كبذلهم له بالنسبة إلى سهمه فلا يستحقه ح أو يفرق بينهما فيستحق الحبوة خاصة وجهان من عدم الحكم بثبوتها ابتداء مط أو يشرط عدم فكه وهما حاصلان وما بذله الورثة من الدين بمنزله اخذ الديان لها لان تلك معاوضة جديدة على التركة ومن زوال المانع ح لتحقق التركة وصدق كون المورث قد ترك الاعيان المذكورة مع عدم مانع من الاختصاص واستقرب في الدروس اختصاصه بها على تقدير افتكاكه لها وقصاء الورثة الدين من عين التركة ولا تخلوا من اشكال لما بيناه من انها ارث خاص واداء بعض الورثة الدين لا يوجب الاشتراك في التركة الا ان يوفى بغير اذنهم مع عدم امتناعهم من وفاء ما يصيبهم منه قيبحه؟ ح ذلك لان رفع الدين ح كالمتبرع على الورثة بقضائه فيزول المانع من الارث التفصيل حسن الخامس لو كان الدين مستغرقا لما عدالحبوة من التركة خاصة احتمل استحقاق الولد لها بناء على عدم اشتراط ان يخلف غيرها تنزيلا لما عداها منزلة المعدوم بسبب تعلق الدين فيكون الحبوه للولد كما لو لم يكن غيرها من غير دين بل هنا اولى إذ لانفع للوارث اصلا على تقدير العدم بخلافه هنا لانتفاعه بعين التركه ان شاء مع دفعه القيمه وقد يتفق لخصوصيات الاعيان نفع في الجملة فيكون اولى من العدم الذى هو غير مانع منها وعدمه لان الدين يتعلق بعد الموت بالتركة على سبيل الشياع من غير خصوصية والحبوة من جملتها فلابد ان يخصها من الدين شئ قضية للتعلق الشايع وبهذا يفرق بينه وبين مالو لم يكن هناك دين ولا تركة غيرها فلا يستحقها اجمع الا إذا بذل ما يخصها من الدين وهو اظهر والوجهان اتيان فيما لو استغرق التركة وبعض الحبوه بالنسبة إلى ما يبقى منها لانتفاء المانع منه على ذلك التقدير إذ لا يشترط في استحقاقها وجود جميع اعيانها بل يستحق الموجود منها وان لم يكن ثم دين فإذا فرض وتعلق ببعضها لم

[ 251 ]

يقصر ذلك البعض عن المعدوم كما تقدم فيدخل في العموم وربما اتى الوجهان فيما لو قصر الدين عنها اجمع بحيث يبقى بعده بقية من التركة على تقدير اشتراط ان يخلق شيأ اخر غيرها ويعتبر في الباقي غيرها ما تقدم السادس لو كان عليه دين غير مستغرق لها ولا لما عداها بل يترك دينا في الجملة وان قل ففى منعه منها بحساب ما يخصها منه أو ثبوتها مطلقا وجهان من عموم الادلة الدالة على تقدير ان يبقى لهم بقية كثيرة بعد الدين فلا مانع من استحقاقها ح ومن تعلق الدين بالتركة اجمع من غير ترجيح وهى من جملتها فيسقط منها بالنسبة ان لم يؤد الولد ما قابله من الدين وقد عرفت ان الحبوة ارث خاص فيشارك غيره من السهام في ذلك كما يختص بسهمه مع الانثى في اصل الارث فمجرد الزيادة عن غيره لا يقتضى خصوصية زايدة في الاحكام ولعمومه قوله تعالى من بعد وصية يوصى بها أو دين وهذا متجه الا ان ظاهرا لاصحاب عدم مانعيته اصلا لان كثيرا منهم ذكر مانعية الدين المستغرق ولم يتعرضوا لغيره بل يظهر من بعضهم عدم مانعيته غيره عملا بعموم النصوص ويؤيد هذا الوجه اطلاق النصوص الكثيرة والفتوى باستحقاق الولد جميع الحبوة بشرطها مع ان الميت لا يكاد ينفك عن دين في الجملة وان قل الا نادرا فلو اثر مطلق الدين لنبهوا على اعتباره في النصوص والفتاوى وايضا فان الكفن الواجب مؤنة التجهيز كالدين بل اقوى منه وهى مقدمة على غيرها من الارث والدين والوصايا وغيرها ومتعلقة بالتركة ايضا على الشياع من غير ترجيح لعين على الاخرى والحبوة من جملتها فلو اثر مطلق الدين في الحبوة لاثر الكفن الواجب ونحوه فيها فيلزم ان لاتسلم الاحد البته وهو مناف لحكمة الشارع من اطلاق اثباتها في النصوص الكثيرة من غير تقييد بذلك كله فهذا في الحقيقة امور واضحة لكنه مجرد استبعاد ففى معارضتها لما سبق نظر السابع لو اوصى الميت

[ 252 ]

بوصايا فان كانت بعين من اعيان التركه غير الحبوة لم نمنع منها من حيث الوصية لبقائها سالمة عن المعارض وان منعت من جهة اخرى كما لو استغرقت غيرها إذا قلنا باشتراط بقاء شئ اخر من التركة أو نحو ذلك وان كانت الوصية بمال مطلق كاعطوه مائة درهم من مالى فما نفذ من الوصية بمنزلة الدين في تأثيره في الحبوة من عدمه فان استغرقت التركة مع اجازة الوارث صارت كالدين المستغرق وان لم تستوعب فالوجهان الاتيان في الدين لشيوعها في جميع التركة على السواء ومن هنا يقع الاستبعاد ايضا في تشطير الحبوة لعدم انفكاك الناس غالبا من الوصايا في الجملة مع اطلاق النصوص والفتاوى وبثبوت الحبوة من غير تفصيل وهذا لم ينبه عليه الاصحاب ككثير مما سبق الثامن لو اوصى الاب بصرف الحبوه اجمع في جهة مباحة فالاقوى الصحة كما لو اوصى بغيرها من امواله لعموم الادلة مع انها من جملة ماله واختصاص المحبو بها بعد الموت على وجه الارث الخاص كما سلف فلا يمنع من الوصية وح فتعتبر الثلث كغيرها لكن هنا مع زيادتها على الثلث فالاقوى اعتبار اجازة الابن خاصة لاختصاصه بها كما لو كان الارث منحصرا فيه ويحتمل اعتبار اجازة الجميع لاطلاق النصوص والفتاوى فان ما زاد من الوصية من الثلث يعتبر فيه اجازة جميع الورثة والاظهر ان هذا الاطلاق مقيد بالمستحق كما لا اثر لاجازة غير الوارث نعم لو كان لباقي الورثة فيها حق كما لو لم يكن غيرها أو مالا يكفى في نقوذها اجمع على ما سلف فلا شبهة في اعتبار اجازة الجميع التاسع لو كانت الوصية أو بعضها في واجب مقدم على الارث كما لو اوصى بتكفينه في قميصه أو ادراجه في عمامته في موضع الازار ونحو ذلك فان لم يكن هناك تركة غيرها ولم يجعله مانعا أو كان ما يعتبر في نفوذها صحت الوصية وقدمت على الحبوة ان لم يزد قيمة الموصى به عما يجب صرفه في الكفن الواجب كمية وكيفية والا اعتبر الزائد

[ 253 ]

من الثلث وان كان هناك تركه غيرها ففى نفوذ الوصية وتقديمها من الاصل أو اعتبارها من الثلث وجهان من ان الصرف في واجب يخرج من الاصل والحبوة من جملة التركة فتقدم من الاصل كما لو اوصى يعين غيرها تخرج في وجه يخرج من الاصل ومن تحقق الفرق بين الحبوه وغيرها من اعيان التركة فان ما تنفد من الاصل من اعيانها تفوت على جميع الورثة على السواء كما انه لو لم يوص بها اخرج ذلك الوجه من اصل التركة على السواء كذلك بخلاف الحبوه فانها مختصة باحد الوراث فإذا قدمت الوصية فيها فاتت عليه خاصة والا اخرجت من جميع التركة وفاتت على الجميع وهذا هو الاجود فتعتبر الوصية من الثلث مط ويتوقف الزايد على اجازة المحبو خاصة العاشر لو كانت هذه الاعيان أو بعضها مرهونة على دين على الاب قدم حق المرتهن على الولد وروعي في استحقاقه افتكاكها من الرهن ولا يجب على الوارث فكها للاصل وح فللولدان يفكها من ماله ليختص بها ولا يرجع بما عزم على التركه لتبرعه بالاداء ولو افتكها الوارث ففى استحقاق الولد لها ح ما تقدم فيما لو قضى الدين المانع منها واولى بالاستحقاق هنا إذا لم يكن الدين مستغرقا فهذا ما اقتضاه الحال الحاضر من بحث هذه المسألة على ضيق المجال واشتغال البال ونسال من الجواد الكريم المسامحة عند الهفوة والعفو عن الزلة فيما طغى فيه القلم أو يزل فيه الفكر انه غفور رحيم واعلم ان الاولى عندي لمستحق الحبوه ان لا يأخذ منها شيأ لكثرة ما يرد عليها من الشبهات بحيث لا يكاد يسلم فرد من افرادها كما قد عرفت والحمد لله حق حمده وصلوته على خير خلقه محمد واله وصحبه وسلم فرغ منها مؤلفها الفقير إلى عفو ربه ربه تعالى وجوده وكرمه زين الدين بن على بن احمد الشامي العاملي عامله الله تعالى برحمته وتجاوز عن سيأته بمغفرته يوم الثلثا الخامس والعشرين من شهر ذى الحجة الحرام عام ست وخمسين وتسعمأئة حامد الله تعالى مصليا على رسوله

[ 254 ]

هذه رسالة في ميراث الزوجة للشيخ الاجل الوحيد والمحقق الشهيد الثاني اعلى الله مقامه ورفع الله درجاته بسم الله الرحمن الرحيم اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق باذنك انك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم وصل على نبيك وحبيبك محمد المصطفى وعترته الائمة النجباء الهادين إلى الدين القويم و سلم تسليما اعلم وفقك الله تعالى ان اصل كل وارث ان يرث من جميع متروكات مورثه الماليه ما فرضه الله تعالى له خصوصا أو عموما وقد تخلف ذلك عند اهل البيت عليهم السلام في موضعين احديهما حبوة الولد الذكر وقد حررنا البحث فيها بما فيه كفاية في موضع يختص به والثانى الزوجه فان المشهور في اخبار اهل البيت عليهم السلام المستفيضة حرمانها من شئ في الجملة ومع ذلك فالروايات مختلفة كما سنتلوه عليك وبسببه اختلفت اقوال الاصحاب وتحقيق الحال في المسألة يتوقف على بيان خمسة مطالب دائرة على خمس كلمات مفرده وهى ما ومن وكيف وهل ولم فالاول يشتمل على بيان ماهية لحرمان الخاص ببيان متعلقة من اعيان التركة وينتظم فيه كميته والثانى من المحروم من الزوجات هل هو مطلقهن ام زوجة خاصة والثالث كيف تحرم من تلك الاعيان هل هو من العين

[ 255 ]

والقيمة ام من العين خاصة ام من كل واحد منهما في عين خاصة والرابع هل هذا الحرمان على وجه مستحق لازم ام غير لازم والخامس لم حرمت الزوجة من ذلك دون غيرها من الوراث وبعد تمام المطالب وتحقيق ما هو الحق منها تتبعها ان شاء الله تعالى بما يقتضيه الحال من فروع المسألة ومباحثها مستمدين من الله تعالى التوفيق فهو حسبنا ونعم الوكيل المطلب الاول في بيان ما تحرم منه الزوجة من اعيان التركة في الجملة وقد اختلف الاصحاب فيه على اقوال احدها وهو المشهور بينهم حرمانها من الارض سواء كانت بياضا ام مشغولة بشجر وزرع وبناء وغيرها عينا وقيمة ومن عين الاتها وابنيتها واشجارها وتعطى قيمة ذلك ذهب إلى ذلك جملة المتأخرين ومن المتقدمين الشيخ في النهاية وابن البراج وابو الصلاح والتقى وابن حمزة رحمهم الله تعالى على ما هو المشهور عنهم وان كان فيه بحث ياتي ان شاء الله تعالى وثانيها حرمانها من الرباع وهى الدور والمساكن دون البساتين والضياع وتعطى قيمة الالات والابنية من الدور والمساكن وهو قول المفيد وابن ادريس والمحقق في النافع وهو في الشرايع مع الفريق الاول وشارح النافع تلميذه المض ومال إليه العلامة في المخ وهو في غيره مع الاول وثالثها حرمانها من عين الرباع خاصة لامن قيمته وهو قول المرتضى واستحسنه العلامة في المخ وان استقر رأيه فيه اخيرا على الاول وسيأتى ان شاء الله تعالى بيان اقوال اخر ليست مشهورة حجة المشهور حسنة زراره وبكير وفضيل وبريد ومحمد بن مسلم بعض عن الباقر وبعض عن الصادق وبعض عن احديهما عليهما السلام ان المرئة لا ترث من تركة زوجها من تربة دارا وارض الا ان يقوم الطوب والخشب فتعطى ربعها أو ثمنها ان كان من قيمه الطوب والجذوع والخشب وصحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام ان المرئة لا ترث مما ترك زوجها من القرى والدور والسلاح

[ 256 ]

والدواب شيئا ورث من المال والفرش والثياب ومتاع البيت مما ترك ويقوم النقض والابواب والجذوع والقصب فتعطى حقها منه وصحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام قال النساء لايرثن من الارض ولامن العقار شيأ وفى معناها اخبار كثيرة لا تبلغها في قوة السند فاقتصرنا هنا على هذه ووجه الاستدلال بهذه الاخبار ان الاية الكريمة دلت على ارث الزوجة سهما من كل شئ وقد اشتركت الاخبار في تخصيصها بغير الارض فلا ترث منها مط وبغير العين من الاتها وطوبها وابوابها ونحوها من متعلقاتها الثابتة فيها فان قيل الخبر الاول ليس من الصحيح لان في طريقة ابراهيم بن هاشم وهو ممدوح لاثقة فيشكل الاحتجاج به براسه والثانى الصحيح تضمن عدم ارثها من السلاح والدواب ولا تقولون به والثالث لا يدل على جميع ما ارعيتموه في القول المشهور إذ ليس فيه الارث من القيمة في شئ والقدر الذى اتفقت عليه الاخيار وهو عدم الارث من الارض خاصة لا تقولون به بل تضمون إليه شيأ اخر لا دليل عليه قلنا لا نسلم عدم العمل بالخبر الحسن مطلقا خصوصا مع اشتهار مضمونه بين الاصحاب واعتضاده بغيره في الجملة بل قد ذهب جماعة من محققى الاصحاب إلى ان الشهرة تجبر الخبر الضعيف فكيف بما رواه هؤلاء الفضلاء الذين هم اجلاء رواة الحديث عن الائمة عليهم السلام وابراهيم بن هاشم ايضا من الاجلاء الممدوحين وهو اول من نشر الحديث بقم وناهيك برواية ولده الجليل على عنه اعتمادا منه عليه مع ان الشهيد رحمه الله في شرح الارشاد رواها في الصحيح وكثيرا ما يتفق كثيرا للعلامة في المخ رواية مثل ذلك صحيحا وان كان هنا رواه في الحسن وهو الحق وما هذا شانه فهو في قوة الصحيح واما ما تضمنه الخبر الثاني من السلاح والدواب فلا يسقط عدم القول به الاحتجاج بالخبر اصلا بل يرد ما ذكر من حيث اجماع الاصحاب على ترك العمل به لامن

[ 257 ]

حيث انه مروى ويعمل بالباقي ومثله كثير خصوصا في روايات الحبوة وقد اجاب بعض الاصحاب عنه ايضا بحمل السلاح على ما يحبئ به الولد منه كالسيف فانها لا ترث منه شيأ والدواب على ما اوصى به منها أو وقفه أو عمل به ما يمنع من الارث وذلك وان كان خلاف الظاهر الا ان فيه جمعا بين الاخبار وهو خير من اطراجه بلا سبب أو بحمله على سلاح خاص ودواب خاصة لوقوع السؤال في صورة خاصة وقوله المراة اللام فيه للعهد لا للجنس فان قيل حملها على واقعة خاصة يسقط الاستدلال بها على العموم لما تقرر في الاصول من ان وقايع الحال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الاجمال وسقط بها الاستدلال قلنا على تقدير كونها خاصة نمنع تطرق الاحتمال إليها لانه عليه السلام اجاب بان حكم ميراث المراة ذلك من غير ان يستفصل عن دار خاصة والات خاصة وغيرها وانما خصصناها في السلاح والدواب للضرورة لا من جهة السؤال والجواب فيبقى الحكم في غيرها على العموم لان ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال يدل على العموم في المقال ولا منافاة بين هذا وبين القاعدة السالفة على ما حقق في الاصول مع ان لمانع ان يمنع من خصوص المراة وعهديتها واطراح حكم السلاح والدواب بالاجماع لا بالخبر فان قيل الاخبار المذكورة وغيرها لم يتعرض للشجر بنفى ولا اثبات فيبقى على عموم القران فترث من عينه ولعدم ورود التعليل الاتى فيه فكيف حكمهم بعدم ارثها من عينه قلنا هو داخل في الخبر الثالث الصحيح المتضمن عدم ارثها من العقار لانه من جملته لغة وعرفا قال الجوهرى العقار بالفتح الارض والضياع والنخل فعلى هذا يكون ذكر العقار بعد الارض في الخبر تعميما بعد التخصيص ومثله رواية ميسرة بياع الزطى عن ابى عبد الله عليه السلام قال سألته عن النساء ما بهن من الميراث قال لهن قيمة الطوب

[ 258 ]

والبناء والخشب والقصب فاما الارضون والعقار فلا ميراث لهن فيه فان قيل سلمنا دخول النخل في ذلك فمن اين لكم تعميم الشجر مع انه مرجوح إذا للازم العمل بعموم الاية وتعليل التخصيص ما امكن فيخص بالنخل للحديث الصحيح ويبقى غيره من الشجر على اصل الحكم فترث منه مط قلنا المعروف ان العقار متناول الجميع الاشجار من غير تخصيص بالنخل وقد قال الهروي العقار الاصل يقال لفلان عقار أي اصل مال ومنه الحديث من باع دارا أو عقارا أي اصل مال وايضا فلا قايل باختصاص المنع بالنخل من المسلمين فضلا عن الاصحاب فلا يمكن القول به وان دل عليه ظاهر النص التصحيح لذلك وانما المعروف من اقوال الاصحاب هنا ما نقلناه وحيث ثيبت ذلك في النخل ثبت في غيره لما ذكرناه وان قيل الخبر انما دل على عدم الارث من العقار مطلقا فمن اين خصصتموه بالعين واوجبتم القيمة كالات البناء مع عدم دلالته ولاغيره على وجوب القيمة هنا وانما دلت على قيمة الات البنآء ونحوها مما ذكر في الاولين قلنا هذا السؤال حق ولو قيل بعدم ارثها من الشجر مطلقا عملا بدلالة الخبر الصحيح كان متجها الا انه لاقايل به على ما ذكروه وكان ذلك هو المخصص للمنع من العين خاصة لاتفاق المسلمين قاطبة فضلا عن الاصحاب على ان الزوجة لا تمنع من الارث من الشجر مط فتعين القول باعطائها القيمة استنادا إلى الاجماع لا إلى الاخبار فان قيل يمكن الاحتجاج للقيمة بان فيها تقليلا لتخصيص الاية فيكون اولى من تخصيصها بعين الشجر مطلقا عينا وقيمة كما صنع المرتضى رضى الله عنه في قوله بالقيمة من الارض ايضا استنادا إلى ما ذكرنا قلنا الخبر الصحيح وغيره قد دلا على منعها من العقار مطلقا فلولا الاجماع لكان مدلول النص حرمانها منه عينا وقيمة وكان هو المخصص للاية وانما يتعين تقليل

[ 259 ]

التخصيص مع امكانه وهو مع دلالة النص على ما ذكرناه غير ممكن من هذه الجهة وانما وجبت القيمة بالاجماع على عدم منعها من الامرين معا وإذا كان الوجه هو الاجماع سقط اعتبار التخصيص وان كان لازما له إذ مع القول بالقيمة نقل التخصيص قطعا الا انه اتفاقى لا من حيث الجمع بين الاخبار أو بينها وبين القران وبالجملة فقد عرفت ان النصوص لاتفى بحجية القول المشهور ومستنده مطلقا قبل تحقق الاجماع غير واضح ويمكن القدح في حجية الاجماع المذكور فان قول من خالفنا لا يعتد به واصحابنا مختلفون في ارثها اختلافا كثيرا مستند إلى ظواهر الاخبار المختلفة فمن اين اثبت القائل الاول كالشيخ رحمه الله الحكم بلزوم قيمة الاشجار مع عدم دلالة النصوص عليه بل انما دلت على عدمه كما رايت وفى تحقق الاجماع في مثل هذا المقام بعد استقرار الخلاف على اصول اصحابنا بحث ليس هذا مقام محل تحقيقه ويمكن إذ يحتج على قيمة الشجر بادخالها في الجذوع بان يراد بها الجذوع الثابتة بدليل ذكر الخشب معها في بعض الاخبار وذكر النقض في بعض فلو اريد بالجذوع الخشب لزم التكرار و التأكيد مع ان التأسيس اولى وان كان لا يخلوا من بحث وفى حسنة زرارة ما ينبه على ان المراد بالجذوع الخشب لانه اتثتنى؟ الخشب خاصة بقوله الا ان يقوم الطوب والخشب فتعطى ربعها أو ثمنها ان كان من قيمة الطوب والجذوع والخشب واقتصر اولا على استثناء الخشب واثبات قيمته ثم حكم بقيمة الجذوع والخشب فهو تخصيص بعد التعميم حجة الثاني عموم القرائن بارثها من كل شئ خرج منه ما اتفقت عليه الاخبار وهو ارض الرباع والمساكن عينا وقيمة والاتها عينا لاقيمة فيبقى الباقي وقد اقتصر على استثنائها في رواية العلا عن محمد بن مسلم قال قال أبو عبد الله عليه السلام ترث المرئة الطوب ولا ترث من الرباع شيأ ورواية يزيد الصايغ

[ 260 ]

قال سمعت ابا جعفر عليه السلام بقول ان النساء لايرثن من رباع الارض شيأ ولكن لهن منها الطوب والخشب قال فقلت له ان الناس لا يأخذون بهذا فقال إذا ولينا ضربناهم بالسوط فان انتهوا والاضر بناهم بالسيف ورواية عبد الملك بن اعين عن احديهما عليهما السلام قال ليس للنساء من الدور والعقار شئ فهذا هو القدر المشترك بين الروايات اجمع من وجوده مخصوصا في هذه الاخبار فيوخذ فيما خالف الاصل بل الاجماع بالمتيقن كما ترك القول بحرمانها من السلاح والدواب في صحيحة زرارة فان قيل هذه الاخبار لا تعرض لها في الزوايد من الارض بنفى ولا اثبات فإذا دلت عليها تلك الاخبار تعين القول بها لعدم المعارض قلنا قد اعترفتم بعدم التزام جميع ما تضمنه تلك الاخبار لاشتمالها على عدم ارثها من السلاح والدواب فاطرحتموه واخذتم بالمتيقن والمتفق عليه واولتموه بخلاف ظاهره فليكن هنا كذلك مع اشتراك الزايد في المعنى الذى يوجب اطراحه فان قيل ذلك الزايد منفى بالاجماع فاحتجنا إلى رده أو تأويله بخلاف ما ادعيتموه فانه موضر النزاع و قد دلت عليه الاخبار الصحيحة وغيرها من الاخبار لا بنفيه صريحا فافترقا قلنا القدح في كلا الامرين فان اصحاب الحديث السابقين على الشيخ ذكروا الرواية الصحيحة المشتملة على اثبات تلك الامور وظاهرهم العمل بها فانهم ما كانوا يذكرون الفتوى خارجه عن الاخبار التى يرونها خصوصا مثل الصدوق الذى صرح في صدر كتابه انه لا يذكر الا ما يعتمد عليه ويدين الله به وايضا لم يدع احد الاجماع على ذلك صريحا وان كانت قواعدهم يقتضى امكان دعواه هنا من حيث الشهرة أو عدم علم المخالف ولو ادعاه مدع لم نسلم دعواه ولا يتحقق الاجماع الذى هو حجة بمجرد ذلك ويمكن على هذه الطريقة قلب الدليل فيدعى ان ما عممه الشيخ بعد المفيد رحمهما الله خلاف الاجماع إذ لا يعلم قبل الشيخ قايل بالتعميم فيكون القول به خلاف الاجماع فان المعروف قبل الشيخ

[ 261 ]

اما القول بالقيمة كقول المرتضى أو بقى المنع اصلا كقول ابن الجنيد أو القول بالتخصيص كقول المفيد ولم ينقل عن احد قبل الشيخ التعميم وهم يكتفون بمثل هذا في الاجماع خصوصا الشيخ رحمه الله فانه يدعى الاجماع على المسألة باقل من هذا ثم يذهب بعد ذلك إلى خلاف ما ادعى الاجماع عليه بل ربما ادعى المرتضى الاجماع على مسألة فيدعى هو الاجماع على خلافها وهو كثير في تضاعيف الفقه وبالجملة فالاجماع من الطرفين في حين المنع والاخبار مختلفة ولا وثوق ببعض دون بعض فينبغي الاقتصار على ما اتفقت عليه ولما فيه من تقليل تخصيص الكتاب ومخالفة الاصل هذا غاية ما تلخص في تقرير هذا القول ومع جودته يمكن الجواب عنه بان هذه الاخبار المخصصة لما ذكروه لا تقاوم تلك الاخبار الحسنة والصحيحة بل لا تصلح للدلالة فان في طريق الخبر الاول وهو خبر محمد بن مسلم سهل بن زياد وهو ضعيف فاسد المذهب لا يعتمد على حديثه وفى طريق الثاني جماعة ضعفاء وناهيك بيزيد الصايغ فقد قال الفضل بن شاذان ان الكذابين المشهورين جماعة وعد منهم يزيد الصايغ وكذا في طريق الخبر الثالث من الضعفاء جماعة اشهر هم الحسن بن محمد بن سماعة فالعمدة في هذا الباب على تلك الاخبار المعممه للارض سواء كانت في دار ام قرية ام غيرها واما الشيخ رحمه الله فانه على قاعدته من عدم التعرض للقدح في الاخبار اجاب بان تلك الاخبار دلت على امر زائد على هذه فتقبل إذا لم تدل هذه الاخبار المخصصة على نفى ما عدا المذكور فيها فلا منافاة بينها بحال وهو حسن وان كان ما ذكرناه احسن لما بيناه واما القول الثالث فسيأتي الكلام فيه ان شاء الله تعالى في المطلب الثالث واعلم ان ما حكيناه من الاقوال وجعلنا قول الشيخ والتقى وابن حمزة كقول المتأخرين تبعنا فيه المشهور بينهم من دعوى

[ 262 ]

ان قول الشيخ كقول المتأخرين في استحقاقها قيمة الشجر كالابنية والانقاض والا فكلام الشيخ ومن تبعه خال ج عن التصريح بذلك فانه قال في النهاية المراة لا ترث في الارضين والقرى والرباع من الدور والمنازل بل يقوم الطوب والخشب وغير ذلك من الالات وتعطى حصتها منه ولا تعطى من نفس الارضين شيأ وقال بعض اصحابنا ان هذا الحكم مختص بالدور والمنازل دون الارضيين والبساتين والاول اكثر في الروايات واظهر في المذهب ومسألة كلام تلميذه ابن البراج وقال أبو الصلاح في كتابه الكافي ولا ترث المراة من رقاب الرباع والارض شيأ وتعطى من قيمة الات الرباع من خشب واجر كسائر الارث وقال ابن حمزة وان لم تكن ذات ولد منه لم يكن لها حق في الارضين والقرى والمنازل والدور والرباع وروى روايات مختلفات يخالف ذلك هذه عباراتهم رحمهم الله وانت خبير بان هذه العبارات ليس فيها تصريح باعطاء قيمة الشجر ولا بالمنع من الارث منها وانما دلت على عموم عدم ارثها من الارض سواء كانت رباعا ام قرى وبساتين وغيرها وعلى انها تعطى قيمة الات البنا من الطوب والخشب والابواب وغيرها خصوصا قول ابى الصلاح فانه صريح في ذلك وان الالات هي الات البناء دون غيره وهذا بخلاف ما صرح به المتأخرون من منعها من عين الشجر واعطائها قيمتها كالات البناء الا ان يتكلف لقول الشيخ وغير ذلك من الات البناء بارادة ما يعم الشجر وفيه بعد شديد لان اطلاق الالة على الشجر غير معروف لغة ولاعرفا وانما المتبادر منها الات البناء كما هو ظاهر الاخبار وكلام ابى الصلاح صريح فيه وكلام ابن حمزة خال عن الامرين معا وح فالظاهر ان قول هؤلاء خارج عن الاقوال الثلاثة وانه دال على منعها من الارض مطلقا ومن اعيان البنا والرباع دون قيمتها وانها ترث

[ 263 ]

من اعيان الشجر فيخالف القول الاول في الارث من قيمة الشجر لانه يوجب الارث من عينه والثانى في المنع من غير ارض الرباع وان كانت قرى وبساتين والعجب ان العلامة في المخ بعد حكايته لهذه الاقوال الثلاثة كما حكيناه قال بعد نقل كلام ابى الصلاح وهو مسنا ولكلام الشيخ وقال بعد نقله لكلام ابن حمزة الذى ذكرناه من غير تغيير وهو يناسب قول الشيخ ايضا ولا يخفى عليك مابين الاقوال من الفرق فان ابا الصلاح قد صرح بتخصيص الالات بالات الرباع والرباع جمع ربع و هو الدار والشيخ اطلق الالات فان حمل حلام الشيخ المطلق على ما قيده أبو الصلاح كما هو الظاهر لم يكونا كمذهب المتأخرين وان حملنا كلام الشيخ في الالات على ما يعم الشجر على ما فيه من البعد خالف كلام ابى الصلاح وكلام ابن حمزة انما دل على المنع من الارض مطلقا من غير تعرض لغيره فلا يناسب كلام الشيخ ولا كلام ابى الصلاح وايضا فان العلامة وغيره من المتأخرين ذكروا الالات كما ذكرها الشيخ واضافوا إليها ذكر الشجر وهو صريح في انهم يريدون بالالات الات البنا دون الشجر نظرا إلى عدم تناولها له فكيف تحملون كلام الجماعة في الالات على ما يشمل الشجر مع عدم ظهورها فيها باعترافهم هذا مع قطع النظر عن دلالة النصوص ومع مراعاتها لا يوجد فيها ما يدل على حكم الالات مطلقا وانما هو من كلام الشيخ والجماعة فلابد من اثبات الدليل على حكمه والنصوص كما قد عرفت انما دلت على اثبات قيمة الطوب والجذوع والخشب فيجب حمل الالات عليها لعدم الدليل على غيرها مع دخوله في ادلة الارث وقد ظهر مما ذكرناه ان في المسألة قولا رابعا وان دلالة الاخبار السابقة الصحيحة وغيرها عليه اقوى من غيره حتى الاول لانها تضمنت المنع من مطلق الارض واعطائها القيمة من الانقاض والات البناء فيبقى الباقي على حكمه للاصل

[ 264 ]

والاخبار التى احتج المفيد على الاختصاص بالرباع لا تنافي هذا القول كما لا تنافي القول الاول كما قد بيناه وبقى اخبار المنع من العقار وهى وان نافت بظاهرها هذا القول على تقدير تسليم كون الشجر مط من جملته الا ان المنافات فيها ظاهرا مشتركة بينه وبين القول الاول من حيث اشتمل على اعطائها القيمة والمنع من استحقاق العقار يشملها ومع ذلك لادليل عليها فكما احتيج في القول الاول إلى تأويل هذه الاخبار يمكن هنا بل هنا اسهل من وجوه احدها ان يحمل العقار على الارض خاصة لانها هي اصل المال الذى اطلق عليه وهى لا تتغير ولا تفسد بخلاف غيرها من الاموال حتى الشجر فانها فروع يحدثها الناس وتقبل الفساد فكانت الارض به اولى وثانيها ان نسلم اطلاقها على غيرها لكن تخصه بالنخل كما صنع في الصحاح ونقول هنا انه لا قائل من المسلمين باختصاص الحكم بالنخل عينا ولاقيمة قسقط اعتباره ويجعل الحكم مختصا بالارض مط وهذا كما اخرج اصحاب القول الاول السلاح والدواب من الخبر الصحيح فكذا نخرج النخل وما حملوه عليه يمكننا الحمل عليه ان لم نخرجه وثالثها ان يجعل العقار على اطلاقه ونجعله شاملا لجميع الشجر لكنا هنا نخصه بالارض جمعا بين الاخبار وبين عموم الكتاب ورابعها ان تجعله على اطلاقه ايضا لكن ليس في اللفظ اشعار بشموله لجميع افراده بناء على ان اللام يحتمل الجنس ونحوه مما لا يقبل الشمول فيحصل الشك في غير الارض من افراده اما الارض فتدخل قطعا بغيره من الاخبار وبالاجماع في بعض مواردها فان قيل يرد مثله في الارض لورودها معه في بعض الاخبار بهذا اللفظ وفى غيره كذلك فيحصل الشك في تناولها لجميع افرادها فينبغي على هذا تخصيصها بموضع الوفاق وهو ارض الرباع والمساكن كما صنع المفيد قلنا عموم الارض جاء من وجهين لم يتحققا في العقار احديهما ورودها في الخبر الاول الصحيح والحسن

[ 265 ]

نكرة منفية وهو مفيد للعموم والثانى ان ارض الرباع قد دخلت صريحا في الاخبار كصحيح زرارة المشتمل على القرى وغيره فلا يمكن تخصيصها بارض الرباع بخلاف العقار فان تخصيصه سهل كما قررناه وخامسها ان نجعله على اطلاقه ايضا ولكن نخصه بالارض لانها موضع اليقين ونطرح الباقي للشك فيه مع منافاته للاصل أو خلو كثير من الاخبار عنه فلو كان مراد الزم تأخير البيان في تلك الاخبار عن وقت الخطاب قطعا وعن وقت الحاجة على الظاهر وسادسها ان يجعل العقار عطفا تفسيرتا للارض بقرينة عدم ذكره في كثير من الاخبار حدرا من الاختلاف في كلام المعصوم خصوصا مع اتحاده كما هنا وقد لحظ المحقق في النافع ذلك فقال وترث الزوج من جميع ما تركته المراة وكذا المراة عدى العقار ثم نقل قول من طرد المنع في المزارع والبساتين فجعل القعار عبارة عن الرباع والمساكن خاصة وهو يؤيد ما ذكرناه وقد ظهر بذلك ان هذا القول امتن الاقوال دليلا واظهرها من جهة الرواية وقد قال به اجله من الاصحاب فلا اقل من كونه احدها واعلم انه قد اتفق لهم في نقل الخلاف في هذه المسألة امور غريبة احدها ما نقلناه عن الشيخ من المذهب مع ما نقله عنه العلامة وغيره مطلقا والثانى قوله في المخ ان قول ابى الصلاح مساو لكلام الشيخ وقد عرفت انه يخالفه والثالث قوله ان كلام ابن حمزة مناسب لكلام الشيخ ايضا مع شدة بعده عنه والرابع ان ولده فخر المحققين في الشرح فهم غير ما فهمه والده فنقل عن ابى الصلاح انه يوافق الشيخ المفيد في مذهبه من اختصاص المنع بالرباع دون غيره من الارض مع انه قد ذكر المنع من الارض مط بعد منعه من الرباع وهو خلاف قول المفيد والخامس ان الشهيد رحمه الله في شرح الارشاد جعل قول الشيخ هو الاول وجعل ظاهر قول ابى الصلاح وابن حمزة ذلك فخالف العلامة في المساواة إلى جعله ظاهرهما وقد عرفت

[ 266 ]

عدم الظهور والمساواة والسادس ان المقدار في التنقيح قال بعد نقل الخلاف ماهذا لفظة والفتوى على قول المفيد وابن ادريس وهو المنع من رقبة الارض واعطاء قيمة الالات والاشجار والفروش ولا يخفى عليك ان هذا قول المتأخرين لاقول المفيد وابن ادريس لتصريحها بعدم المنع من البساتين والمزارع مطلقا ولامن ارض غير الرباع وانما حكم بالقيمة في الات الرباع خاصة وقد صارت فتواه بذلك غير معلومة لمناقضة اول عبارته لاخرها المطلب الثاني في بيان من تحرم الارث مما ذكر من الزوجات وقد اختلف الاصحاب رحمهم الله فيه فذهب المفيد والمرتضى والشيخ في الاستبصار وابو الصلاح وابن ادريس والمحقق في النافع وتلميذ الشارح بل ادعى ابن ادريس انه اجماع إلى ان هذا المنع عام في كل زوجة سواء كان لها ولد من الميت ام لا والاخبار السالفه وغيرها مما ورد في هذا الباب اجمع دال على ذلك فلا وجه لاعادتها الا رواية واحدة ياتي ذكرها والعلة المنصوصة الموجبة للحكم شاملة للزوجتين ايضا كما سيأتي ان شاء الله تعالى وقال الصدوق والشيخ في النهاية وابن البراج وابن حمزه والمحقق في الشرايع وابن عمه يحيى في الجامع والعلامة والشهيد وباقى المتأخرين ان ذلك مخصوص بغير ذات الولد منه جمعا بين ما اطلق في تلك الاخبار وبين رواية الفضل بن عبد الملك وابن ابى يعفور عن الصادق عليه السلام قال سألته عن الرجل هل يرث من دار امرأته أو ارضها من التربة شيأ أو يكون ذلك بمنزلة المراة فلا يرث من ذلك شيأ فقال يرثها وترثه من كل شئ ترك وتركت ووجه الجمع حمل تلك الاخبار على غير ذات الولد وهذه على ذات الولد لمناسبه كل واحدة لحكمها دون العكس ويؤيده رواية ابن ابى عمير عن ابن اذنيه في النساء إذا كان لهن ولدا عطين من الرباع وهذا غاية ما احتج به القائل بالتفصيل وفيه نظر لان رواية ابن ابى يعفور الدالة على عموم الارث ظاهرة في التقية لانها موافقة

[ 267 ]

لمذاهب جميع من خالفنا وفى سؤالها ما يدل عليه لانه قال أو يكون بمنزلة المراة لا ترث من ذلك شيئا وهذا يدل على ان السائل لاشبهه عنده في حكم المرأة مطلقا وانما اشتبه عليه حكم الرجل وهو يدل على ظهور الحكم جدا في ذلك الوقت مضافا إلى ما وقع في الروايات الكثيرة المطلقة في المراة من غير تفصيل ومنها الصحيح والحسن وغيرهما فتخصيص هذه الروايات الكثيرة المروية في اوقات مختلفة وبرواة مختلفة برواية واحدة حالها على ما ترى بعيد جدا مع ان في طريقها ابان وهو مشترك بين جماعة منهم الثقة وغيره وما هذا حاله كيف يخص به الاخبار الصحيحة والحسنة وغيرها الكثيرة ولو عكس فخص بما عدا ما ذكر فيها كان اولى واما رواية ابن اذنيه فهى مقطوعة لانه لم يسند القول إلى امام فسقط الاحتجاج بها راسا ومع ذلك فان ابن ابى عمير روى عن ابن اذينه الحكم في المرأة مطلقا لانها في طريق الرواية الاولى الحسنة عن الفضلاء الخمسة وقال الشيخ في الاستبصار بعد نقله جملة الاخبار التى وردت في حرمان المراة مطلقا و اما ما رواه ابن ابى يعفور عن الصادق عليه السلام ونقل الرواية السالفة فلا ينافي الاخبار الاولة من وجهين احدهما ان نحمله على التقية لان جميع ما خالفنا يخالف في هذه المسألة وليس يوافقنا عليها احد من العامة وما يجرى هذا لمجرى يجوز التقيه فيه والوجه الاخران لهن ميراثهن في كل شئ ما عدا تربة الارض من القرايا والارضين والرباع والمنازل فيخص الخبر بالاخبار المتقدمة قال وكان أبو جعفر محمد بن على بن الحسين بن بابويه القمى رحمه الله يناول هذا الخبر ويقول ليس لهن شئ مع عدم الاولاد من هذه الاشياء المذكورة فإذا كان هناك ولد فانه يرث من كل شئ واعتذر عن ذلك بما رواه ابن ابى عمير عن ابن اذنيه ان النساء إذا كان لهن ولدا اعطين من الرباع انتهى كلام الشيخ ملخصا وهو ظاهر في عدم ارتضائه للتأويل

[ 268 ]

لانه اول الخبر السابق اولا بوجهين ثم نقل الثالث عن ابن بابويه ولو كان مرضيا عنده لقال انه لا ينافي من ثلاثة اوجه وذكر الثالث ثم اسنده إلى ابن بابويه ان شاء كما لا يخفى واما في التهذيب فانه قال هذا الخبر محمول على انه إذا كان للمراة ولد فانه ترث من كل شئ تركه الميت عقارا كان أو غيره ثم ذكر عقبه دليلا عليه حديث ابن اذنيه ولم يذكر الوجهين الاخرين وهو يدل على انه موافق للصدوق واما ابن ادريس فانه قال فاما إذا كان لها منه ولدا عطيت سهمها من نفس جميع ذلك على قول بعض اصحابنا وهو اختيار محمد بن على بن الحسين بن بابويه تمسكا منه برواية شاذة وخبر واحد لا يوجب علما ولاعملا والى هذا القول يذهب شيخنا أبو جعفر في النهاية الا انه رجع عنه في استبصاره وهو الذى يقوى عندي اعني ما اختاره في استبصاره ولان التخصيص يحتاج إلى ادلة قوية واحكام شرعية والاجماع على انها لاثرث من نفس تربة الرباع و المنازل شيأ سواء كان لها من الزوج ولداو لم يكن وهو ظاهر قول شيخنا المفيد في مقنعته والسيد المرتضى في انتصاره وانتهى وهذا القول كله متوجه لاقادح فيه الا انه يمكن ان يقال لما كان عموم القران دالا على ارث الزوجة مطلقا من كل شئ وقد ورد ما ينافى اطلاق هذا المخصص من الروايتين المذكورين وان لم يبلغ حد التخصيص الا انه يوقع الشبهة في الجملة في اطلاق تلك الاخبار المخصصة فينبغي ان يرجع إلى عموم الكتاب في غير محل الوفاق لانه دلالة قوية وقد انقدحت الشبهة في تخصيصه في محل النزاع خصوصا مع ذهاب جماعة من اجلاء اصحاب المتقدمين وجملة المتأخرين إليه وذهاب جماعة اخرين إلى مثل هذه الاخبار وان كثرت لا يخصص القران بل لا يحتج بها لرجوعها إلى الخبر الواحد فلا اقل من وقوع الشبهة في التخصيص وهذا لا بأس به وان كان القول بالتسوية بين الزوجات ايضا قويا متينا المطلب الثالث في كيفية الحرمان مما ثبت الحرمان منه قد عرفت

[ 269 ]

ان الكل اتفقوا على انه في غير الارض انما هو من العين خاصة فتعطى قيمة ما تحرمه من غيرها مهما كان والنصوص ناطقة به واما الارض عامة على المشهور وخاصة على القول الاخر فذهب الاكثر إلى عدم استحقاقها منها شيأ عينا وقيمة والنصوص ناطقة به كما عرفت وخالف المرتضى رضى الله عنه في ذلك وجعل حرمانها في ارض الرباع من العين خاصة واوجب لها قيمتها كما تجب قيمة الاتها وحاول في ذلك الجمع بين ما ورد في الاخبار وافتى به الاصحاب من حرمانها منها وعموم الكتاب الدال على ارثها فقيد اطلاق الاخبار بالعين واطلاق الاية بالقيمة تقليلا لتخصيص الكتاب الذى هو عمدة الاستدلال عنده واقتصارا فيما خالف على اقل ما يمكن كما صنع في مسألة الحبوة قال رضى الله عنه في الانتصار مما انفردت به الامامية ان الزوجة لا ترث من رباع المتوفى شيأ بل يعطى قيمة حقها من البناء والالات دون قيمة العراص وخالف باقى الفقهاء في ذلك ولم يفرقوا بين الرباع وغيرها في تعلق حق الزوجات والذى يقوى في نفسي ان هذه المسألة تجرى مجرى المسألة المتقدمة في تخصيص الاكبر من الذكور بالمصحف والسيف وان الرباع وان لم تسلم في الزوجات فقيمتها محسوبة لها ثم احال البيان هنا على ما بينه هناك وحاصله مراعاة الجمع بين ظواهر الكتاب وما اجمعت عليه الطايفة من الحرمان قال العلامة في المخ وقول المرتضى حسن لما فيه من الجمع بين عموم القران وخصوص الاخبار اقول فيه نظر بين لان الاخبار ان اعتبرت مخصصة للقران ففهى دالة على حرمانها من الارض مطلقا وذلك من وجوه احدها قوله فيها ان المراة لا ترث من الارض شيأ وقوله لا ترث مما ترك زوجها من القرى والدور شيأ الخ ونحوه ذلك من العبارات ولاشك ان الارث من قيمتها شئ والشئ قد وقع فيها نكرة منفية فيفيد شمول النفى لارثها منه بكل وجه فلو ورثت من القيمة لما صدق عدم ارثها شيأ منها

[ 270 ]

وثانيها ان المتبادر من قوله لا ترث شيأ بل من قوله لا ترث انها لا ترث من العين ولامن القيمة كقوله القائل لا يرث والكافر لا يرث ونحو ذلك فيكون دالا بطريق الحقيقة على ذلك وايته مبادرة معناه إلى ذهن كل سامع لذلك واستعمال الفقهاء بالخصوص لهذا اللفظ في هذا المعنى وإذا كان هو المخصص للاية وجب حمله على معناه الحقيقي وتخصيصا لها من العين والقيمة والا فلا معنى لاعتبارها مخصصة من دون ان يعمل بمعناها و ثالثها ان قوله مع ذلك الا ان يقوم الطوب والخشب قيمة فيعطى ربعها أو ثمنها ان كان من قيمة الطوب والجذوع والخشب وقوله ويقوم النقض والابواب والجذوع والقصيب فتعطى حقها منه الواقع تفصيلا للحرمان يقتضى ان الحرمان من الارض شامل للعين و القيمة والحرمان من الالات المذكورة من العين دون القيمة ومن القواعد المشهورة ان التفصيل يقطع الاشتراك فلو كان حرمانها في الارض من العين لامن القيمة لزم اشتراك الجميع في ذلك وهو خلاف القاعدة ورابعها ان قوله ثانيا ويقوم الطوب الخ وما في معناه يدل على تخصيص هذه الاشياء بالتقويم دون الارض من حيث انها جميعا ذكرا في الحرمان لدخول الالات المذكورة في الرباع والدار ونحوهما فلو كانت الارض مساويه لها في التقويم لزم الاغراء بالجهل حيث يحكم بحرمانها من الجميع ثم يحكم باستحقاقها القيمة من البعض وهو ظاهر وخامسها انه مع الفرق المذكورة بعد الجميع لو كانت الارض مشاركة لغيرها في التقويم لزم تأخير البيان عن وقت الخطاب مطلقا وعن وقت الحاجة على الظاهر لان السائل والسامع يأخذ اللفظ على اطلاقه و يحمله على معناه المتبادر وينقله لغيره ويعمل بمقتضاه خصوصا مع تعدد الرواة و اختلاف بلدهم وزمانهم ووقوع الموت في الخلق في اكثر الاوقات وانقضاء زمن ظهور الائمة عليهم السلام ولم ينقل عن احد منهم بيان مايخالف هذا المعنى الظاهر من حرمانها من الارض

[ 271 ]

مطلقا ووقوع الوقايع الكثيرة واستعمال مضمونها وهو واضح في تأخير البيان عن وقت الحاجة فان قيل السيد المرتضى لا يعتمد في ذلك على الاخبار لكونها اخبار احاد لا توجب عنده العلم ولا العمل وانما اعتماده على الجمع بين عموم الكتاب واجماع الاصحاب الذى هو عنده حجة وح فلا يرد عليه شئ مما ذكر قلنا اجماع الاصحاب غيره انما وقع على حرمانها من الارض عينا وقيمة يظهر ذلك من استقراء كلامهم وفتاويهم فانهم لا يختلفون في ذلك ولا ينقلون الخلاف فيه الاعنه رضى الله عنه فإذا راعى اجماعهم في التخصيص فليراعه كما وقع لا في اصل الحرمان في الجملة فان قيل يمكن ان لا يكون تحقق في زمنه كون الاجماع على الحرمان من العين والقيمة بل عليه في الجملة وانما تحقق بعد زمانه كما هو الظاهر فان مصنفي كتب الفتوى والمصرحين بالاحكام والتفريع كلهم متأخرون عنه الا القليل كالمفيد وابنى بابويه وابن الجنيد وابن الجنيد ممن يوافقه على عدم الحرمان من الارض مطلقا بل يذهب إلى عدم الحرمان منها مطلقا كما سيأتي في المطلب الرابع وباقى من ذكر مع انه لا تصريح في كلامهم بالحكم أو بما يقتضى الاجماع لا يتحقق بكلامهم الاجماع وانما تحرر لمن تأخر من الفقهاء فامكن القول بان الاجماع لم يتحقق الاعلى اصل الحرمان لا على تحققه من العين أو منها ومن القيمة قلنا هذا كله حق ولكن الموجود في زمانه وقبله الاعتماد على النصوص المذكورة أو على فتوى من عبر بها والجميع دال على الحرمان من الارض مطلقا حسب ما قررناه سابقا فالقول باحتماله الامرين وان المتيقن منه هو الحرمان من العين خاصة غير واضح وهذا بخلاف ما ذهب إليه في مسألة الحبوة فان اجماعهم على ثبوتها في الاعيان المذكورة غير مناف للقول بالقيمة كما حققناه في المسألة المختصة بها وبالجملة فمراعاة دلالة هذه النصوص وفتاوى الاصحاب يقتضى حرمانها من الارض في الجملة مطلقا

[ 272 ]

وانما ينقدح الكلام على خصوص الارض أو عمومها لوقوع الخلاف فيها واختلاف ظواهر الاخبار فيخصص القران بما يتعلق التخصيص به وهو ارض الرباع دون غيرها عينا وقيمة فيعلل التخصيص من لا يلتفت إلى الاخبار بموضع وهو الارض الخاصة عينا وقيمة والالتفات إلى اطراح اخبار الاحاد وعدم تحقق الاجماع في المسألة يوجب عموم ارثها من عين الجميع واما الفرق بين العين والقيمة فغير واضح فان قيل كيف يتحقق الاجماع على الحرمان في الجملة مع مخالفة ابن الجنيد وحكمه بارثها من جميع ما ترك كغيرها كما سنبينه ان شاء الله تعالى مع انه لا يعلم انتفاء قول غيره بذلك لورود رواية صحيحة به وهى رواية عبد الله بن ابى يعفور فيمكن ان يكون قد عمل بها كثير من رواة الاخبار أو بعضهم حيث اودعوها في كتبهم وما كان يبين فتواهم من تلك الكتب وانما معتمدهم الاخبار قلنا اما خلاف غير ابن الجنيد فغير متحقق بل الظاهر عدمه لتتبع المتقدمين والمتأخرين الخلاف في المسألة وما نقل احد منهم خلافا لغيره فيها ومثل هذا يكفى في ظهور عدم المخالف المجوز لدعوى الاجماع على ما يظهر منهم بل اقل من ذلك وعند ذلك يسهل الخطب في مخالفة ابن الجنيد وحده للعلم بنسبه على قاعدة الاصحاب هذا هو الذى يقتضيه بحثهم واصطلاحهم في تحقيق الاجماع وفيه نظر ليس هنا موضع تحقيقه وعلى هذه الطريقة يمكن مراعات السيد رحمه الله للاجماع وعموم القران ويجمع بينهما لحرمانها في الجملة على ما فيه من النظر والذى يظهر ان قول ابن الجنيد بارثها مطلقا اقوى دليلا واوفق للقواعد من مذهب السيد عنده مطرح اخبار الاحاد لمنع الاجماع على الحرمان في الجلمة فلا يعين بتخصيص القران مطلقا فاللازم ح احد الطرفين اما عدم حرمانها مطلقا أو حرمانها من الارض مطلقا وهو طرف الاقوى واعلم ان الذى يظهر من كلام المرتضى ويقتضيه دليله ان

[ 273 ]

حرمانها عنده من عين الارض دون القيمة مخصوص بارض الرباع كما اسلفناه اما غيرها من القرى والمزارع فحكمها عنده حكم غيرها من ماله فترث من عينه كما يقوله المفيد ومن تبعه المطلب الرابع في ان هذا الحرمان كيف وقع هل هو مستحق عليها ام لا والخلاف فيه ظاهرا مع ابن الجنيد خاصة لاتفاق من عداه ممن يوجد فتواهم أو ينقل الان على ان حرمانها في الجملة امر مستحق بدلالة الاخبار وفتوى الاصحاب على ذلك و ذهب ابن الجنيد رحمه الله في كتابه الاحمدي في الفقه المحمدى إلى انها كغيرها من الوراث لا تحرم من شئ مما ذكر وهذه عبارته وإذا دخل الزوج أو الزوجه على الولد والابوين كان للزوجة الثمن وللزوج الربع من جميع التركة عقارا واثاثا وصامتا ودقيقا وغير ذلك وكذا ان كن اربع زوجات ولمن حضر من الابوين السدس وان حضروا جميعا السدسان وما بقى للمولد انتهى ولم يخصص الولد بانه من الزوجة وهو ظاهر في عموم الحكم الذى ذكره للزوجات سواء كان لهن ولد ام لا وهذا هو الذى فهمه عنه من تأخر عنه ونقلوه عنه قولا وان كانت عبارته محتملة لمعنى اخر وحجته على ذلك عموم القران وصحيحه ابن ابى يعفور عن الصادق عليه السلام وقد تقدمت وما ورد من الاخبار بخلاف ذلك لا يصلح عنده لتخصيص القران اما رد الخبر الواحد كما هو المعروف من مذهب قدماء علمائنا حتى صار منسوبا الينا عند من خالفنا لشهرته أو لانه وان عمل به عند عدم المعارض لكن لا يصلح لتخصيص عموم القران بناء على ان دلالته ظنية ودلالة القران قطعية فلا يعارضه كما هو احد اقوال الاصوليين وقد سبق منه في باب الحبوه مثل ذلك ولم يخص بها الولد على وجه الوجوب لذلك لكنه حكم ثم بالاستحباب نظرا إلى الاخبار وفتوى الاصحاب ولقد كان ينبغى منه هنا مثله لكنه لم يصرح به فلا يرجع الخلاف هنا إلى الاستحباب والاستحقاق بل إلى الاستحقاق وعدمه ولعل

[ 274 ]

عذره في الفرق ان الحكم هناك تخصيص الولد بالامور المذكورة فإذا لم يمكنه حمله على الاستحقاق لمعارضة القران حمله على الاستحباب بمعنى انه يستحب لباقي الورثة تخصيصه بها لان التخصيص يناسب كلا الامرين بخلاف ماهنا فان الاخبار اشتملت على نفى ارثها من المذكور والنفى لا يناسبه الحكم بالاستحباب فلذلك اطرحه و حمل النفى على استحباب ان لا يأخذ شيأ من اعيان ما ذكرا ومن قيمته خلاف ظاهر اطلاق النفى وهذا الحكم مبنى على قواعد قد تقرر وهدمها في محالها وان العمل بالاخبار الصحيحة متعين ان لم يعمل بغيرها من الانواع ويصلح لتخصيص الكتاب ولا يقدح ظنية حكمها لانها ظنية الطريق قطعية الدلالة وعام القران ومطلقه قطعي الطريق ظنى الدلالة فتساويا في قبول التعارض وتحقيق هذا الحكم في الاصول والله اعلم المطلب الخامس في بيان الحكمة في هذا الحرمان وايداؤها بعد ثبوته بالنصوص الصحيحة واتفاق الاصحاب الا من شذ غير لازم غير انها من الحكم الواضحة وقد نبه عليها الاصحاب رحمهم الله ونطقت بها النصوص وحاصلها ان الزوجة من حيث هي زوجة لانسب بينها وبين الورثة وانما هي دخيل عليهم فربما تزوجت بعد الميت بغيره ممن كان يناقشه ويحسده فتسكنه في مساكنه وتسلطه على عقاره فيحصل على الورثة بذلك غضاضه عظيمة فاقتضت الحكمة الالهية منعها من ذلك واعطاؤها القيمة جبرا لها والقيمة محصلة للعين وقائمة مقامها والضرر بالعدول ومنفى أو قليل في جنب ذلك الضرر وقريب منه القول في اختصاص الولد الاكبر بثياب ابيه وسيفه وخاتمه ومصحفه و هذا بخلاف الحكم بارثها من اعيان المنقولات من امواله واثاثه فانها إذا انتقلت من منزله لا يلتفت إلى مثل ذلك ولا يغض بسببه غالبا وقد وردت هذه العلة في عده اخبار فمنها رواية محمد بن مسلم قال قال أبو عبد الله عليه السلام ترث المرئة

[ 275 ]

الطوب ولا ترث من الرباع شيأ قال قلت كيف ترث من الفرع ولا ترث من الرباع شيئا فقال لى ليس لها منهم نسب ترث به وانما هي دخيل عليهم فترث من الفرع ولا ترث من الاصل ولا يدخل عليهم داخل نسبها ومنها رواية حماد بن عثمان عن ابى عبد الله عليه السلام قال انما جعل للمرئة قيمة الخشب والطوب لئلا يتروجن فيدخل عليهم من يفسد مواريثهم ومنها رواية ميسرة بياع الزطى عن ابى عبد الله عليه السلام قال سألته عن النساء مالهن من الميراث فقال لهن قيمة الطوب والبناء والبناء والخشب والقصب فاما الارض والعقار فلا ميراث لهن فيه قال قلت فالنبات قال النبات لهن قال قلت كيف صار ذا ولهذه الثمن والربع مسمى قال لان المراة ليس لها نسب ترث به وانما هي دخل عليهم وانما صار هذا كذا لئلا تتزوج المراة فيجبئ زوجها أو ولد من قوم اخرين فيزاحم قوما في عقارهم ومنها ما كتبه الرضا عليه السلام إلى محمد بن سنان فيما كتب من جواب مسائله على المراة انها لا ترث من العقار وشيئا الا قيمة الطوب والنقض لان العقار لا يمكن تغييره وقلبه والمراة قد يجوز ان فيقطع ما بينها وبينهم من العصمة ويجوز تغييرها وتبديلها وليس الولد والوالد كذلك لانه لا يمكن النقض منها والمراة يمكن الاستبدال بها فما يجوز ان يحبئ ويذهب كان ميراثه فيما يجوز تغييره وتبديله إذا شبهها وكان الثابت المقيم على حاله كمن كان مثله في الثياب والقيام واعلم ان هذه الاخبار قد دلت ايضا مضافا إلى ما سلف على عدم الفرق بين ذات الولد ان الزوجات وغيرها لقيام العلة فيها وعلى ان المدفوع انما هو قيمة الطوب والخشب والات البناء ولاتعرض لها للشجر بوجه وان كان قد يظهر من كلام الرضا عليه السلام في جوابه مساواته للارض من حيث انه مما لا يتبدل غالبا الا بعد اوقات متطاولة ويمكن ان يق انه يدل ايضا على الارث من عينه كما قد دلت عليه الاخبار

[ 276 ]

السابقة ويضر في ذلك القول الغريب فان الشجر وان طال مكثه معد للتبدل والزوال وقابل للقطع والازالة في كل وقت وان اقيمت ولم تزل فلابد من تبدلها على تطاول الزمان والله اعلم بحقايق احكامه فهذا ما اقتضاه الحال من الكلام على هذا المطالب الخمسة ولنتمم الكلام من المسألة بمباحث الاول قد عرفت ان ما تركه الميت بالنسبة إلى ارث الزوجة منه وعدمه ثلثة اقسام منه مالا ترث منه عينا وقيمة وهى الارض اما مطلقا أو ارض الدور والمساكن ومنه ما ترث من قيمة ولا ترث من عينه وهو ما عدا الارض من اجزاء البناء من الخشب والحجر واللبن والحق الاصحاب بها ما ثبت في البناء من الابواب والاوتاد والرفوف والسلالم المثبتة وغيرها لمساواتها لها في المعنى و في الحاق الشجر بهذه الالات أو بالقسم الثالث ما تقدم ومنه ما ترث من عينه و هو ما عدا ذلك من امواله من حيوان واثاث وزرع ورقيق وصامت وغيرها ولا فرق في الذرع بين ما يذهب لسنة كاكثر انواعه وبين ما يبقى اكثر من سنه كبعض انواع القطن والذرة ولا في الشجر بين ما تبقى على ساقه وما يقطع كالموز ولو كان الزرع بذرا غير ظاهر فاولى بالدخول اما غرس الشجر قبل ثباته فالظاهر انه بحكمه لمساواته له في المعنى الموجب للتقويم مع احتمال العدم إلى ان يطلق عليه اسم الشجر وقوفا فيما خالف الاصل على موضع اليقين اما الثمرة فترث من عينها وان لم تبلغ أو ان قطعها لانها صارت منفصلة عن الشجر حكما أو في حكم المنقول ومن ثم لم تدخل في بيعه عند الاطلاق ولو كان الشجر في داخل الدار فله حكم نفسه فان اعتبرنا فيه القيمة قوم مع الاتها كما ذكروا ان ورثناها من عينه شاركت الوارث فيه وان استحقت قيمة الات الدار لانه لا يعد منها ولا من اجزائها وان اتصل بها ومن ثم لم يدخل في اطلاق بيعها الثاني لافرق في المساكن بين ماكان يسكنه الميت بنفسه ويسكنه غير ولو

[ 277 ]

بالاجرة بل كلما يطلق عليه اسم الدار وان كان مهجوار عملا باطلاق الاسم وهل يلحق بها ما اعده من البناء للحيوان كالبقر والغنم والنحل وغيرها وما اعده لوضع الغلة وعلف الحيوان ولعصر الزيت والعنب والشيرج والحمام والرحا ونحوها نظر من عدم اطلاق اسم الرباع عليها ومن شمول قوله وتعطى قيمة الطوب والخشب والابواب و الجذوع لذلك كله واما دخول ارضها في اقسام الارض فواضح بل اولى والاقوى الحاق الجميع بالدور المسكونة لما ذكرناه وان كان التعليل السابق لا يتناوله عملا بعموم اللفظ ويقوى الاشكال على مذهب المفيد حيث خصها بالرباع وهى لا تتناول جميع ذلك واما في هذه المواضع من الالات المنقولة فانها ترث من عينه لعدم دخوله فيما ذكرو ان دخل في عبارات الاصحاب المعبرين بالالات لان الظاهر انهم يريدون بها الات البناء كما هو الموجود في النصوص التى هي المستند واما نفس حجارة الرحا ففى دخولها في اجزاء البناء والاته نظر من ثباتها غالبا فكانت كغيرها من الاحجار و الاخشاب بل اولى من بعضها كالابواب ومن عدم تناول ما استثنى له فيبقى داخلا في عموم اية الارث وهذا هو الاجود واولى منه ارثها من غير الجاروش الصغير وان كان حجره الاسفل مثبتا لان تثبته لسهولة الارتفاق به لئلا يتحرك لا للدوام ومن ثم لم يدخل في بيع الدار والحق بالامتعة المنقولة واما تدور الحمام والمصابن فالظاهر انها كالجزء منها لثباتها دائما أو غالبا نعم لو كانت غير مثبته بحيث يعتاد نقلها حيث يراد ورثت من عينها كغيرها الثالث لو خلف الات البناء من الخشب والاحجار وغيرها قبل ان يضعها في البناء ورثت من عينها لانها من جملة امواله المنقولة ولو كان قد شرع في البناء ولم يكمله فما وضعه منها فيه فبحكمه و ما لم يدخل فيه فبحكم المنقول ولو كان قد شرع الخشب على الجدار ولم يكمل السقف فان

[ 278 ]

كان قد ثبت في البناء بحيث صار كالجزء منه عرفا فلها القيمة وان لم يحصل فيه الا مجردا لوضع ففى دخوله نظر من عموم اطلاق ارثها من قيمة الخشب ومن ظهور ان المراد به الخشب المتصل بالبناء والاجود اتباع العرف في صيرورته جزءا وعدمه ومع الشك يتناوله عموم اية الارث وكذا القول في غيره من الاجزاء والالات المعمولة لاجله مع وضعها في محالها قبل احكامها الرابع لو كان الشجر موضوعا على خشب كعريش العنب ففى الحاقه به أو بغيره من الاموال الداخله في عموم الارث نظر من ثباته غالبا وكونه كالجزء منه ومن خروجه عن اسم الشجر والشك في دخوله في معناه فيرجع فيه إلى الاصل وهذا هو الاقوى واولى بعدم الدخول لو كان يوضع له في بعض الاوقات كزمن الثمرة وما قاربه ثم ينقل عنه إلى محل اخر كما يتفق في بعض البلاد واما حيطان البساتين وغيرها من الاملاك فبحكم البناء ان لم نقل باختصاصه بالرباع ولو قلنا بارثها من عين الاشجار تبعه البناء الخامس كيفية التقويم لما تستحق فيه القيمة من البناء والشجر على القول به ان يقوم مستحق البقاء في الارض مجانا إلى ان يفنى ثم تعطى من قيمة الربع أو الثمن هذا هو الظاهر الموافق للاصول لان الاصل ارثها من عين كل شئ فإذا عدل عنه إلى القيمة في بعض الموارد وجب الاقتصار فيما خالف الاصل على ما به يتحقق المعنى المخصص وهنا كذلك ولان البناء والشجر موضوع بحق في ملك مالكه فلا وجه لتقويمه مستحقا باجرة ويحتمل تقويمه كذلك باجرة التفاتا إلى ان الارض لا يستحق فيها شيئا والبناء والشجر الذى يستحق فيه موضوع في تلك الارض التى ليست لها ومشغل لها فيجمع بين حقها وحق الورثة في الارث تقويمها مستحقة البقاء باجرة ويضعف بان النصوص مطلقة في استحقاقها قيمة ذلك والاصل فيه كونه على هيئة التى هو عليها وقت التقويم ولان ذلك تخصيص لعموم

[ 279 ]

القران فيقتصر فيه على موضع اليقين تقليلا للتخصيص بقدر الامكان فيجب زيادة القيمة ما امكن لكونه خلاف الاصل وعلى التقديرين لا يفتقر إلى تقويمه مع الارض ثم تقويم الارض منفردة مشغولة بذلك مجانا أو باجرة ثم اسقاط ما يخصها منفردة من الجملة لعدم الفائدة في ذلك بل يكفى تقويم ما يعتبر قيمته منفردا كما وصفناه واعطاءها قيمته لان ذلك هو الفرض ومدلول النصوص والظاهر ان التقويم على ذلك الوجه يؤدى إلى هذا المعنى ايضا فيتخير في الوجهين ان لم يظهر بينهما اختلاف والا فالمعتبر تقويم ما يراد قيمته خاصة ولو كان البناء في ارض غيره أو على حائط غيره اعتبر تقويمه على الحالة التى يستحقها على ذلك الملك باجرة أو غيرها ومستحقا للقطع أو غير مستحق لان ذلك هو المال الذى تركه بصفته واما التقويم على مذهب المرتضى ره فواضح لانه يقوم الدار باسرها قايمه بارضها ويعطيها حصتها من القيمة السادس هل دفع الوارث القيمة على وجه قهرى بالنسبة إليه ام اختياري ظاهر النصوص والفتاوى الاول لانه من توابع الارث ولوازمه وهو قهرى ووجه الثاني انه معاوضه وهى ليست لازمة لباذل القيمة وان لزمت الزوجة نظرا إلى النص ولان العلة الموجبة للقيمة كما قد عرفت انما هي دفع الضرر عن الوارث فإذا اقدم على الضرر ورضى بدفع الغير إليها يحير والاقوى الاول فعلى هذا لو امتنع حبره الحاكم على دفعها فان تعذر كان بمنزلة امتناع المديون من وفاء الدين فيبيع عليه شيئا من ماله الحصة أو غيرها ويدفع القيمة منه فان تعذر الحاكم احتمل تسلط الزوجة على الحصة دفعا للضرر المنفى والاقوى انها كغيرها من الديون التى يمتنع المديون من وفائها فتاخذ الزوجة ما قدرت عليه من ماله مقاصة والحصة كغيرها في ذلك ولو باطل بالقيمة ولم يتفق لما اخذ شئ لم يستحق في النماء ولا في الاجرة شيأ بل هي كسائر الديون إذ لا

[ 280 ]

إذ لاحق لها في العين السابع لو تعددت الزوجات واتفقن في الحكم فواضح وان اختلفن كذات ولد وغيرها على القول بالفرق استحقت ذات الولد كمال الثمن من رقبة الارض على الاقوى لانه حق الزوجية ولم يوجد فيه مستحق غيرها كما لو لم يكن غيرها ويحتمل كونه لجميع الورثة ولغيرها من الوراث وكذا لها نصف الثمن من الباقي عينا وقيمة واما من لا ولد لها فتاخذ نصف الثمن مما ترث من عينه ونصف قيمة ما ترث من قيمته وهل يختص ذات الولد بغير ما حرمت منه الاخرى وتدفع قيمته كما استحقت الارض ام هو لغيرها من الوراث ام هو للجميع احتمالات كل منها لا يخلو من وجه ووجه الاول ان ام الولد لو انفردت لحازت جميع الثمن من التركة لان ذلك نصيبها بنص القران ورجوعها إلى نصفه انما كان لمكان الزوجة الاخرى و هي انما تستحق فيما ذكر من القيمة فيبقى استحقاق الغير لام الولد عملا بعموم الاية ووجه الثاني ان منع غير ذات الولد من العين انما كان لمصلحة الوارث كما استفيد من العلة المنصوصة فيكون تلك الاعيان لهم مراعات للعلة ووجه الثالث ان ام الولد مع وجود الاخرى انما ترث نصف الثمن ولاحق لها فيما سواه وغير ذات الولد لا تستحق في تلك الاشياء خارجا عن حق ام الولد فيكون ذلك لجيمع الورثة كغيره من اعاين التركة فيقسم على الجميع بنسبة استحقاقهم والاقرب الاول لان هذا هو اللزوجية وهى موجودة فلاحق لغيرها من الوراث فيه لان عدم استحقاق الزوجة ذلك مخالف للاصل وعموم القران كما سبق فيقتصر في مخالفة على محل الحاجة وهى منتفية مع وجود ام الولد لتنزيلها منزلة غيرها من الوراث ولان الخروج عن الاصل للحاجة وهى المحافظته على مصلحة الوارث المعلل بها هي مندفعة بصرف ذلك إلى ام الولد فتوخذ منها القيمة وتستحق العين فان امتنعت فكامتناع الوارث ويحتمل هنا مع امتناعها استحقاق

[ 281 ]

غيرها من الوراث ذلك دفعا للضرر بتسلط غير ذات الولد على العقار وعلى هذا يكون لهم على وجه اللزوم والجواز الوجهان واولى بعدم اللزوم هنا والاقوى اختصاص الحكم بمن حكم له به مطلقا الثامن اطلق المفصلون بذات الولد وغيرها وكذلك الرواية التى هي مستند التفصيل ذات الولد فهل يختص الحكم بولد الصلب بحيث يكون من الميت ام يشتمل ما صدق عليه اسم الولد حتى لو كان ولد ولد يحتمل الاول لانه المتبادر من مفهوم الولد واقتصارا في مخالفه اطلاق تلك النصوص الكثيرة على موضع اليقين والثانى لصدق كونها ذات ولد لغة وشرعا وهو مناط الاستحقاق ولان حرمان الزوجة عما عين لها الله تعالى من السهم على خلاف الاصل فيقتصر فيما خالفه على موضع اليقين وهو الزوجة التى لا ولد لها مطلقا وهذا لايخ من قوة وموضع الاحتمالين مالو كان ولد الولد وارثا من الميت اما لو لم يكن وارثا بان كان هناك ولد للصلب فلا حكم له لان الحاقها بباقى الوراث دون غيرها من الزوجات انما هو لمكان ولدها الوارث لانها صارت ذات نسب بين الورثة مع احتمال عموم الحكم لصدق كونها ذات ولد ويضعف بان ذلك لوتم لزم مثله فيما لو كان لها ولد من غيره وهو باطل اجماعا وهذا الفرغ ذكره الشهيد رحمه الله في الدروس واستقرب حكم مالو كان الولد وارثا كما ذكرناه وتوقف فيما لو لم يكن وارثا من حيث اطلاق اسم الولد ومن بقاء علة المنع على تقديم عدم ارثه وهى ادخالها عليهم من يكرهونه التاسع لو خلف زرعا في ارض من جملة التركة ولم يحكم لها بالارث منها فهل تستحق ابقاء الزرع في الارض إلى أو ان بلوغه بغير اجرة ام بالاجرة الوجهان السابقان في الشجر واولى بعدم الاجرة هنا لقصر مدة الزرع وانتهاء امده مع اشتراكهما في وضعها بحق وتقليلا لتخصيص عموم اية الارث و اقتصارا فبما خالف الاصل على موضع اليقين لكن هنا يستحق ابقائه بحسب عادته بخلاف

[ 282 ]

الشجر فانه يستحق الدوام فلو كانت العادة قطعه قصيلا فارادت ابقاؤه إلى أو ان حصادة ففى اجابتها مجانا أو باجرة أو جواز قلعه مط بعد أو ان بصله احتمالات اجودها الاخير حملا لحقه على ما يعتاده كما حمل الشجر على ذلك ولاصالة المنع من التسلط على ارض الغير بغير اذنه في غير موضع اليقين العاشر لو خلف ماء مملوكا كالبئر والقناة ففى استحقاقها من عينها لو قيمتها وجهان من الشك في كونها من العقار الذى لا تستحق من عينه أو كونها من توابع الارض كالالات والشجر والالتفات إلى عموم اية الارث الا ما اخرجه الدليل وليس بمعلوم هنا والتعليل بادخال من يكره الوارث عليهم مختص بما ورد المنع من الارث من عينه عملا لا مطلقا والحكم هنا في موضع النظر وان كان ذلك يقتضى ثبوت ارثها من عينه عملا بالاصل حيث شك في المخصص ويقوى الاشكال لو كان الماء في ارض مملوكة له لكونه ح من جملة توابعها كالات البناء والشجر فيها الذى حكم بقيمته واولى به هنا لاحتمال الماء من الدوام مالا يحتمله البناء والشجر فهو اولى بكونه من العقارات واصول الاموال ومن خروجه عن المستثنيات المحكوم بثبوت قيمتها نعم لو كان واقفا متناهيا كالماء الموضوع في الحياض ونحوها ورثت من عينه لانه بحكم المنقول وللعموم وكذا الاشكال في ارثها من الالات الثابته لاخراج الماء كالدولاب والداليه المثبته ولعل الارث من عينه هنا اقوى لانه ليس بثابت ثبوت البناء والشجر ويحتمل دخوله فيما يعتبر قيمته زيادة عما ذكر لكونه من جملة الالات التى عبر كثير بثبوت قيمتها هذا ما اقتضاه الحال الحاضر من بحث هذه المسألة ونسئل من الله سبحانه ان لا يؤاخذنا بما وقع فيها من تقصيرا وخطأ فان ذلك منتهى الوسع وقدر الطاقة والخطأ السهو لازمان للانسان ولا يكلف الله نفسا الا وسعها ان الله غفور رحيم وفرغ مؤلفها الفقير إلى الله تعالى زين الدين على بن احمد الشامي العاملي عامله الله بلطفه وعفى عن سيئاته بمنه وكرمه يوم الخميس السابع والعشرين من ذى الحجة الحرام حجة ست وخمسين وتسعمأئة

[ 283 ]

هذا رسالة كشف الريبة في احكام الغيبة للامام الهمام شيخ الفقهاء الشهيد السعيد الثاني طاب مضجعه بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله الذى طهر السنة اوليائه عن اللغو والغيبة والنميمة وزكى نفوسهم عن الاخلاق الدنية والشيم الذميمة والصلوة على نبيه المصطفى المبعوث بالشريعة الحنيفة والملة القويمة وعلى عترته الطاهرة التى هي على منهاجه مقيمة ولسنته عليمة وعن رذائل الاخلاق معصومه وبمكارمها موسومة وبعد فلما رايت اكثر هذه العصر ممن يتسم بالعلم و يتصف بالفضل وينسب إلى العدالة ويترشح للرياسة يحافظون على اداء الصلوات والدؤب في الصيام وكثير من العبادات والقربات ويجتنبون جملة من المحرمات كالزنا وشرب الخمر ونحوهما من القبايح الظاهرات ثم هم مع ذلك يصرفون كثيرا من اوقاتهم ويتفكهون في مجالسهم ومحاوراتهم ويغذون نفوسهم بتناول اعراض اخوانهم من المؤمنين ونظرائهم من المسلمين ولا يعدونه من السيئات ولا يحذرون معه من مؤاخذة جبار السموات والسبب المقدم لهم على ذلك دون غيره من المعاصي الواضحات اما العقلة عن تحريمه وما ورد فيه من الوعيد والمناقشة في الايات والروايات وهذا هو السبب الاقل لاهل الغفلات واما لان مثل ذلك في المعاصي لا يخل عرفا بمراتبهم ومنازلهم من الرماميات لخسفاء هذا لنوع من المنكر على من يرومون المنزلة عنده من اهل الجهالات ولو وسوس إليهم الشيطان ان اشربوا الخمر وازنوا المحصنات ما اطاعوه لظهور فحشه عند العامة وسقوط محلهم به لديهم بل عند

[ 284 ]

متعاطى الرزائل الواضحات ولو راجعوا عقولهم واستضاؤا بانوار بصائرهم لوجدوا بين المعصيتين فرقا بعيدا وتفاوتا شديدا بل لانسبة بين المعاصي المستلزمة للاخلال بحق الله سبحانه على الخصوص وبين ما يتعلق مع ذلك بحق العبيد خصوصا اعراضهم فانها اجل من اموالهم واشرف ومتى شرف الشئ عظم الذنب في انتهاكه مع ما يستلزمه من الفساد الكلى كما ستقف عليه انشاالله اجتب ان اصنع في هذه الرسالة جملة من الكلام على الغيبة وبما ورد فيها من النهى في الكتاب والسنة والاثر ودلالة العقل عليه وسميتها كشف الريبة عن احكام الغيبة واتبعتها بما يليق بها من النميمة وبعض احكام الحسد وختمتها بالحث على القواصل والتحابب و المراحمة ورتبتها على مقدمة وفصول وخاتمة اما المقدمة ففى تعريفها وجملة من الترهيب منها فنقول الغيبة بكسر الغين المعجمة وسكون الياء المثناة التحتانية وفتح الباء الموحدة اسم لقولك اغتاب فلان فلانا إذا اوقع فيه في غيبته و المصدر الاغتياب يقال اغتابه اغتيابا والاسم الغيبة هذا بحسب المعنى اللغوى واما بحسب الاصطلاح فلها تعريفان احدها المشهور مشهور وهو ذكر الانسان حال غيبته بما يكره نسبة إليه مما يعد نقصانا في العرف بقصد الانتقاص والذم فاحترز بقيد الاخير وهو قصد الانتقاص عن ذكر العيب للطبيب مثلا أو لاستدعاء الرحمة من السلطان في حق الزمن والاعمى بذكر نقصانها ويمكن الغناء عنه بقيد كراهته نسبة إليه والثانى التنبه على ما يكره نسبة الخ وهو اعم من الاول لشمول مورده اللسان والاشارة والحكاية وغيرها وهو اولى لما سيأتي من عدم قصر الغيبة على اللسان وقد جاء على المشهور قول النبي صلى الله عليه واله وسلم هل تدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله اعلم قال ذكرك اخاك بما يكره قيل ارأيت ان كان في احى ما اقول

[ 285 ]

قال ان كان فيه ما تقول فقد اغتبته وان لم يكن فيه فقد بهته وذكر عنده صلى الله عليه وآله رجل فقالوا ما اعجزه فقال صلى الله عليه وآله اغتبتم صاحبكم فقالوا يا رسول الله قلنا ما فيه قال ان قلتم وما ليس فيه فقد بهتموه وتحريم الغيبة في الجملة اجماعي بل هو كبيرة موبقة للتصريح بالتوعيد عليها بالخصوص في الكتاب والسنة وقد نص الله تعالى على ذمها في كتابه وشبه صاحبها باكل لحم اخيه الميته فقال ولا يغتب بعضكم بعضا ايحب احدكم ان ياكل لحم اخيه ميتا فكرهتموه وقال النبي صلى الله عليه واله وسلم كل المسلم على المسلم حرامه دمه وماله و عرضه والغيبة تناول العرض وقد جمع بينه وبين الدم والمال وقال لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا يغتب بعضكم بعضا وكونوا عباد الله اخوانا وعن جابرو ابى سعيد الخدرى قالا قال صلى الله عليه وآله اياكم والغيبة فان الغيبة اشد من الزنى ان الرجل قد يزنى فيتوب فيتوب الله عليه وان صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه وفى خبر معاذ الطويل المشهور عن النبي صلى الله عليه واله الحفظة يصعد بعمل العبد وله نور كشعاع الشمس حتى إذا بلغ السماء الدنيا والحفظة تستكثر عمله وتزكية فإذا انتهى إلى الباب قال الملك بالباب اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انا صاحب الغيبة امرني ربى ان لا ادع عمل من يغتاب الناس يتجاوزني إلى ربى وعن انس قال صلى الله عليه واله مررت ليلة اسرى بى على قوم يخشون وجوههم باظافيرهم فقلت يا جبرئيل من هؤلاء قال هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في اعراضهم وقال البراء خطبنا رسول الله صلى الله عليه واله حتى اسمع العواتق في بيوتها فقال يا معشر من امن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فانه من تتبع عورة اخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته وقال سليمان بن جابر اتيت رسول الله صلى الله عليه واله فقلت علمني خيرا ينفعني الله به قال لا تحقرن من المعروف شيئا ولو

[ 286 ]

ان تصب من دلوك في اناء المستقى وان تلقى اخاك ببشر حسن وإذا ادبر فلا تغتابه وعن انس قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله فذكر الربى وعظم الشان فقال ان الدرهم يصيبه الرجل من الربا اعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلثين زينة يزينها الرجل وان اربى الربا عرض الرجل المسلم وقال جابر كنا مع رسول الله صلى الله عليه واله فاتى على قبر بن يعذب صاحبهما فقال انهما لا يعذبان في كبيرة اما احدهما فكان يعتاب الناس واما الاخر فكان لا تبئر من بوله ودعى بجريدة رطبة أو جريدتين فكسرهما ثم امر بكل كسرة فغرست؟ على قبر فقال صلى الله عليه واله اما انه سيهون من عذابهما ما كانتا رطبين أو ما لم يبسا وقال انس امر رسول الله صلى الله عليه واله الناس بصوم يوم وقال لا يفطرن احد حتى أذن له فصام الناس حتى إذا امسوا جعل الرجل يحبئ ويقول يا رسول الله ظلت صائما فاذن في لافطر فاذن له والرجل والرجل حتى جاء رجل فقال يا رسول الله فتاتان من اهلك ظلتا صائمتين وانهما تسخيان ان تأتيانك فاذن لهما ان تفطرا فاعرض عنه ثم عاوده فاعرض عنه ثم عاوده فقال انهما لم تصوما وكيف صام من ظل هذا اليوم ياكل لحوم الناس اذهب فمرهما ان كانتا صائمتين ان تستقيا فرجع اليهما فاخبرهما فاستقائتا فقائت كلواحدة منهما علقة من دم فرجع إلى النبي صلى الله عليه واله فاخبره فقال صلى الله عليه واله والذى نفس محمد صلى الله عليه وآله بيده لو بقيتا في بطونهما لاكلتهما النار وفى رواية انه لما اعرض عنه جاءه بعد ذلك وقال يارسول الله انهما والله لقدماتنا أو كادتا ان تموتا فقال صلى الله عليه واله ايتونى بهما فجائتا ودعا بعس أو قدح فقال لاحديهما قئ فقائت من قيح ودم صديد حتى ملات القدح وقال للاخر قئ فقائت كذلك فقال ان هاتين صامتا عن ما احل الله لهما وافطرتا عما حرم الله عليهما جلست احدهما إلى الاخرى فجعلتا ياكلان لحوم الناس وروى مرفوعا من اكل لحم اخيه في الدنيا

[ 287 ]

قرب الله لحمه في الاخرة فقيل له كله ميتا كما اكلته حيا فيأكله فيصيح ويكلح ولما رجم رسول الله الرجل في الزنا قال رجل لصالحبه هذا اقعص كما يقعص الكلب من النبي صلى الله عليه واله معهما بجيفة فقال انهشا منها فقالا يا رسول الله ننهش جيفة فقال صلى الله عليه واله ما اصبتما من اخيكما انتن من هذه وقال الصادق عليه السلام الغيبة حرام على كل مسلم وانها لتاكل الحسنات كما تأكل النار والحطب وروى الصدوق باسناده إلى الصادق عن ابائه عن على عليه السلام قال قال رسول الله اربعة يؤذون اهل النار على ما بهم من الاذى يسغون من الحميم في الجحيم ينادون بالويل والثبور يقول اهل النار بعضهم لبعض ما بال هؤلاء الاربعة قد اذونا على مابنا من الاذى فرجل معلق على تابوت من جمر ورجل تجرى معاه ورجل يسيل فاه دما وقيحا ورجل ياكل لحمه فيقال لصاحب التابوت ما بال الابعد فقد اذانا على مابنا من الاذى فيقول ان الا بعد مات وفى عنقه اموال الناس لم يجدلها في نفسه اداه ولا وفاء ثم يقال للذى تجرى معاه ما بال الابعد قد اذانا على ما بنا من الاذى فيقول ان الابعد كان لا يبالي اين اصاب البول من جسده ثم يقال للذى يسيل فاه قيحا ودما بال الابعد قد اذانا على ماينا من الاذى فقال ان الابعد كان يحاكى ينظر إلى كل كلمة خبيثة فيشيدها ويحاكى بها ثم يقال للذى ياكل لحمه ما بال الابعد قد اذانا على ما بنا من الاذى فقال ان الابعد كان ياكل لحوم الناس بالغيبة ويمشى بالنميمة وباسناده عن النبي صلى الله عليه واله من مشى في غيبة اخيه وكشف عورته كانت اول خطوة خطاها وضعها في جهنم وكشف الله عورته على رؤس الخلائق ومن اغتاب مسلما بطل صومه ونقض وضوئه فان مات وهو كذلك مات وهو مستحل لما حرم الله وعن ابى عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله الغيبة اسرع في دين الرجل المسلم من الاكلة في جوفه قال قال رسول الله صلى الله عليه واله الجلوس في المسجد انتظارا

[ 288 ]

للصلوة عبارة ما لم يحدث فقيل يا رسول الله وما الحدث قال الاغتياب وروى عن ابى عمير عن ابى عبد الله عليه السلام قال عليه السلام من قال في مؤمن ماراته عيناه وسمعته اذناه فهو من الذين قال عج ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين امنوا لهم عذاب اليم وعن المفضل بن عمر قال قال أبو عبد الله عليه السلام من روى على مؤمن رواية يريد بها شنيه وهدم مروته ليسقطه من اعين الناس اخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان فلا يقبله الشيطان واوحى الله عزوجل إلى موسى بن عمران ان المغتاب إذا تاب فهو اخر من يدخل الجنة ومن لم يتب فهو اول من يدخل النار وروى ان عيسى عليه السلام مرو الحواريون على جيفة كلب فقال الحواريون ما انتن ريح هذا فقال عيسى عليه السلام ما اشد بياض اسنانه كانه ينهاهم عن غيبة الكلب وينبههم على انه لا يذكر من خلق الله الا احسنه وقيل في تفسير قوله تعالى ويل لكل همزة لمزة الهمزة الطعان في الناس واللمزة الذى ياكل لحوم الناس وقال الحسن والله الغيبة اسرع في دين المؤمن من الاكلة في جسده وقال بعضهم ادركنا السلف لا يرون العبادة في الصوم ولا في الصلوة ولكن في الكف عن اعراض الناس واعلم ان السبب الموجب للتشديد في امر الغيبة وجعلها اعظم من كثير من المعاصي الكبيرة هو اشتمالها على المفاسد الكلية المنافية لغرض الحكيم سبحانه بخلاف باقى المعاصي فانها مستلزمة لمفاسد جزئية بيان ذلك ان المقاصد المهمة للشارع اجتماع النفوس على هم واحد وطريقة واحدة وهى سلوك سبيل الله بسائر وجوده الاوامر والنواهي ولا يتم ذلك الا بالتعاون والتعاضد بين ابناء النوع الانساني وذلك يتوقف على اجتماع همهم وتصافي بواطنهم واجتماعهم على الالفة بالمحبة حتى يكونوا بمنزلة عبد واحد في طاعة مولاه ولن يتم ذلك الا بنفى الضغاين والاحقاد والحسد ونحوه وكانت الغيبة من كل منهم لاخيه مثيرة لضغنة ومستدعية منه بمثلها في

[ 289 ]

حقه لاجرم كانت ضد المقصود الكلى للشارع وكانت مفسدة كلية فلذلك اكثر الله ورسوله من النهى عنها والوعيد عليها وبالله التوفيق وحيث اتينا على ما يحتاج إليه في المقدمة فلنشرع في الفصول الفصل الاول في اقسامها لما عرفت ان المراد منها ذكر اخيك بما يكرهه منه لو بلغه أو الاعلام به أو التنبيه عليه كان ذلك شاملا لما يتعلق بنقصان بدنه أو نسبه أو خلقه أو فعله أو قوله أو دينه أو دنياه حتى في ثوبه وداره ودابته وقد اشار الصادق عليه السلام إلى ذلك بقوله وجوه الغيبة يقع بذكر عيب في الخلق والفعل والمعاملة والمذهب والجهل واشباهه فالبدن كذكرك فيه العمش والحول والعور والقرع والقصر والطول والسواد والصفرة وجميع ما يتصور ان يوصف به ما يكرهه اما بان يقول ابوه فاسق أو خبيث أو خسيس أو اسكاف أو تاجر أو حائك أو جاهل أو نحو ذلك مما يكرهه كيف كان واما الخلق بان يقول انه سى الخلق محيل متكبر مرائ شديد الغضب جبان ضعيف القلب ونحو ذلك واما في افعاله المتعلقة بالدين كقولك سارق كذاب شارب الخمر خائن ظالم متهاون للصلوة لا يحسن الركوع والسجود ولا يحترز من النجاسات ليس بار بوالديه ولا يحرس نفسه من الغيبة والتعرض لاعراض الناس واما فعله المتعلق بالدنيا كقولك قليل الادب متهاون بالناس لا يرى لاحد عليه حقا كثير الكلام كثير الاكل نئوم يجلس في غير موضعه ونحو ذلك واما في ثوبه كقولك انه واسع الكم طويل الذيل وسخ الثياب ونحو ذلك واعلم ان ذلك لا يقصر على اللسان بل التلفظ به انما حرم لان فيه تفهيم الغير نقصان اخيك وتعريفه بما يكرهه فالتعريض به كالتصريح والفعل فيه كالقول والاشارة والرمز والايماء والغمز واللمز والكتبة والحركة وكل ما يفهم المقصود داخل في الغيبة مسا واللسان

[ 290 ]

في المعنى الذى حرم التلفظ به لاجله ومن ذلك ماروى عن عايشة انها قالت دخلت علينا امرأة فلما دلت أو مات بيدى أي قصيره قال صلى الله عليه واله غيبتها ومن ذلك المحاكات بان يمشى متعارجا أو كما يمشى فهو غيبة بل اشد من الغيبة لانه اعظم في التصوير و التفهيم وكذلك الغيبة بالكتاب فان الكتاب كما قيل احدا للسانين ومن ذلك ذكر المصنف شخصا معينا وتهجين كلامه في الكتاب الا ان يقترن به شئ من الاغدار المحوجة إلى ذكره كمسائل الاجتهاد التى لايتم الغرض من الفتوى واقامة الدليل على المطلوب الا بتترييف؟ كلام الغير ونحو ذلك ويجب الاقتصار؟ على ما تندفع به الحاجة في ذلك وليس منه قوله قال قوم كذا ما لم يصرح بشخص معين ومنها ان يقول الانسان بعض من مربنا اليوم أو بعض من رأيناه حاله كذا إذا كان المخاطب معهم ليفهم منه شخصا معينا لان المحذور تفهيمه دون ما به التفهم فاما إذا لم يفهم عنه جاز كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا كره من انسان شيئا قال ما بال اقوام يفعلون كذا وكذا ولا يعين ومن اضر انواع الغيبة غيبة المتسمين بالفهم و العلم المرأتين فانهم يفهمون المقصود على صفة اهل الصلاح والتقوى ليظهر ومن انفسهم التعفف عن الغيبة ويفهمون المقصود ولا يدرون بجهلهم انهم جمعوا بين فاحشتين الرياء والغيبة وذلك مثل ان يذكر عنده انسان فيقول الحمدلله الذى لم يبتلينا بحب الرياسة أو حب الدنيا أو بالتكليف بالكيفية الفلانية أو يقول نعوذ بالله من قلة الحياء أو من سوء التوفيق أو نسئل الله ان يعصمنا من كذا بل مجرد الحمد على شئ إذا علم منه اتصاف المحدث عنه بما ينافيه ونحو ذلك فانه يغتابه بلفظ الدعاء وسمت اهل الصلاح وانما قصده ان يذكر غيبة بضرب من الكلام المشتمل على الغيبة والرياء ودعوى الخلاص من الرذائل وهو عنوان

[ 291 ]

الوقوع فيها بل في افحشها ومن ذلك انه قد يقدم مدح من يريد غيبته فيقول ما احسن احوال فلان ماكان يقصر في العبادات ولكن قد اعتراه فتور وابتلى بما يبتلى به كلنا وهو قلة الصبر فيذكر نفسه بالذم ومقصوده ان يذم غيره وان يمدح نفسه بالتشبه بالصالحين في ذم انفسهم فيكون مغتابا مرائيا مزكيا نفسه فيجمع بين ثلث فواحش وهو يظن بجهله انه من الصالحين المتعففين عن الغيبة هكذا يلعب الشيطان باهل الجهل إذا اشتغلوا بالعلم أو العمل من غير ان تيقنوا الطريق فيتبعهم ويحيط بمكائده عملهم ويضحك عليهم ويسخر منهم ومن ذلك ان يذكر ذاكر عيب انسان فلا ينتبه له بعض الحاضرين فيقول سبحان الله ما اعجب هذا حتى يصغى الغافل إلى المغتاب ويعلم ما يقوله فيذكر الله سبحانه ويستعمل اسمه الة في تحقيق خبثه وباطله وهو يمن على الله بذكره جهلا وغرورا وفى ذلك ان يقول جرى من فلان كذا أو ابتلى بكذا بل يقول جرى لصاحبنا أو صديقنا كذا تاب الله عليه وعلينا يظهر الدعاء له والتالم والصداقة والصحبة والله مطلع على خبث سريرته وفساد ضميره وهو بجهله لابدرى انه قد تعرض لمقت اعظم مما يتعرض له الجهال إذا جاهروا بالغيبة ومن اقسامها الخفية الاصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب فانه انما يظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة فبزيد فيها فكأنه يستخرج منه الغيبة بهذا الطريق فيقول عجبت مما ذكرته ما كنت اعلم بذلك إلى الان ماكنت اعرف من فلان ذلك يريد بذلك تصديق المغتاب و استدعاء الزيادة منه باللطف والتصديق لها غيبة بل الاصغاء إليها بل السكوت عند سماعها قال رسول الله صلى الله عليه واله المستمع احد المغتابين وقال على عليه السلام السامع للغيبة احد المغتابين ومراده السامع على فصد الرضا والايثار لا على وجه الاتفاق ومع القدرة على الانكار ولم يفعل ووجه كون المستمع والسامع

[ 292 ]

على ذلك الوجه مغتابين مشاركتهما للمغتاب في الرضا وتكيف ذهنهما بالتصورات المذمومة التى لا تبغي وان اختلفا في ان احدهما قائل والاخر قبل لكن كل واحد منهما صاحب الة عليه ما احدهما فذو لسان يعتبر عن نفس قد تبخست بتصور الكذب والحرام والغرم عليه واما الاخر فذو سمع تقبل عنه النفس تلك الاثار عن ايثار وسوء اختيار فتألفها وتعتادها فتمكن من جوهرها سموم عقارب الباطل ومن ذلك قيل السامع شريك القائل وقد تقدم في الخبر السالف ما يدل عليه حيث قال للرجلين الذين قال احدهما اقعص الرجل كما يقعص الكلب انهشا من هذه الجيفة فجمع بينهما مع ان احدهما قائل و الاخر مامع فالمستمع لا يخرج من اثم الغيبة الا بان ينكسر بلسانه فان خاف فبقلبه وان قدر على القيام أو قطع الكلام بكلام غيره فلم يفعله لزمه ولو قال بلسانه اسكت وهو يشتهى ذلك بقلبه فذلك نفاق وفاحشه اخرى زائدة لا يخرجه عن الاثم ما لم يكرهه بقلبه وقد روى عن النبي صلى الله عليه واله انه قال من ازل عنده مؤمن وهو يقدر على ان ينصره ادله الله يوم القيمة على رؤس الخلايق وعن ابى الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه واله من رد الخلائق عن عرض اخيه بالغيب كان حقا على الله ان يرد عن عرضه يوم القيمة وقال ايضا من رد عن عرض اخيه بالغيبة كان حقا على الله ان يعتقه على النار وروى الصدوق باسناده إلى رسول الله صلى الله عليه واله انه قال من تطوع على اخيه في غيبة سمعها عنه في مجلس فردها عنه رد الله عنه الف باب من الشر في الدنيا والاخرة وان هو لم يردها وهو قادر على ردها كان عليه كوزر؟ من اغتابه سبعين مرة وباسناده إلى الباقر عليه السلام انه قال من اغتيب عنده اخوه المؤمن فنصره واعانه نصره الله في الدنيا والاخرة ومن لم ينصره ولم يدفع عنه وهو يقدر على نصرته وعونه حفظه الله في الدنيا والاخرة واعلم انه كما يحرم على الانسان سؤالقول في المؤمن وان

[ 293 ]

يحدث غيره بلسانه بمساوى الغير كذلك يحرم عليه سوء الظن وان يحدث نفسه بذلك والمراد من سوء الظن المحرم عقد القلب وحكمه عليه بالسوء من غير يقين به واما الخواطر وحديث النفس فهو معفو عنه كما ان الشك ايضا معفو عنه قال الله تعالى اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم فليس لك ان تعتقد في غيرك سوء الا إذا انكشف لك بعيان لا يحتمل التأويل وما لم تعلمه ثم وقع في قلبك فالشيطان يلقيه اليك فينبغي ان تكذبه فانه افسق الفساق وقد قال الله تعالى يا ايها الذين امنوا ان جائكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فلا يجوز تصديق ابليس ومن هنا جاء في الشرع ان من علمت في فيه رايحة الخمر لا يجوز ان يحكم عليه بشر بها ولا يحده عليه لامكان ان يكون تمضمض به ومجه أو حمل عليه قهرا وذلك امر ممكن فلا يجوز اساءة الظن بالمسلم وقد قال النبي ان الله تعالى حرم من المسلم دمه وماله وان يظن به ظن السؤ فلا يستباح ظن السوء الا بما يستباح به الدم والمال وهو تيقن؟ مشاهدة أو بينة عادلة أو ما جرى مجريهما من الامور المفيدة لليقين أو الثبوت الشرعي وعن ابى عبد الله عليه السلام إذا اتهم المؤمن اخاه ينماث الايمان من قلبه كما ينماث الملح في الماء وعنه من اتهم اخاه في دينه فلا حرمة بينهما وعنه عليه السلام قال قال أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له ضع امر اخيك على احسنه حتى يأتيك ما يغليك منه ولا تظن بكلمة خرجت من اخيك سوءا وانت تجد لها في الخبر محملا وطريق معرفة ما يخطر في القلب من ذلك هل هو ظن سوء أو احتلاج وشك ان تختبر نفسك فان كانت قد تغيرت ونفر قلبك نفورا واستثقلته وقترت عن مراعاته وتفقده واكرامه والاهتمام بحاله والاغتمام بسببه غير ماكان اولا فهو امارة عقد الظن وقد قال صلى الله عليه واله ثلثة في المؤمن وله منها مخرج فمخرجه من سوء الظن

[ 294 ]

الا تحققه أي لاتحقق في نفسه بعقد ولافعل لافى القلب ولا في الجوارح اما في القلب فبتغيره إلى النفرة والكراهة وفى الجوارح بالعمل بموجبه والذى ينبغى فعله عند خطور خاطر سوء على مؤمن ان يزيد في مراعاته ويدعو له بالخير فان ذلك يغيظ الشيطان ويدفعه عنك فلا يلقى اليك بعد ذلك خاطر سوء خيفة من اشتغالك بالدعاء والمراعاة وهو ضد مقصوده ومهما عرفت بهفوة من مؤمن فانصحه في السر ولايخد عنك الشيطان فيدعوك إلى اغتياء وإذا وعظته فلا تعظه وانت مسرور باطلاعك على نقصه لينظر اليك بعين التعظيم وتنظر إليه بعين الاستصغار وترتفع عنه بدالة الوعظ بل يكن قصدك تخليصه من الاثم وانت حزين كما تحزن على نفسك إذا ادخل عليك نقصان وينبغى ان يخطر بقلبك ان تركه ذلك من غير نصيحتك احب اليك من تركه بالنصيحة فإذا انت فعلت ذلك كنت قد جمعت بين اجر الوعظ واجر الغم بمصيبته واجر الاعانة له على دينه ومن ثمرات سوء الظن التجسيس فان القلب لا يقنع بالظن ويطلب التحقيق فيشتغل بالتجسيس وهو ايضا منهى عنه قال الله تعالى ولا تجسسوا وقد نهى الله سبحانه في هذه الاية الواحدة عن الغيبة وسوء الظن ومعنى التجسس ان لا تترك عباد الله تحت سر الله فيتوصل إلى الاطلاع وهتك الستر حتى ينكشف لك مالو كان مستورا عنك كان اسلم لقلبك ولدينك فتدبر ذلك راشدا وبالله التوفيق الفصل الثاني في العلاج الذى يمنع الانسان عن الغيبة اعلم ان مساوى الاخلاق كلها انما تعالج بمعجون العلم والعمل وانما علاج كل علة بمضاد سببها فلنبحث عن سبب الغيبة اولا ثم نذكر علاج كف اللسان عنها على وجه يناسب علاج تلك الاسباب فنقول جملة ما ذكروه من الاسباب الباعثة على الغيبة عشرة اشياء قد نبه الصادق عليه السلام عليها اجمالا بقوله اصل الغيبة يتنوع بعشر انواع

[ 295 ]

شفاء غيظ ومساعدة قوم وتصديق خبر بلا كشفه وتهمة وسوء ظن وحسد وسخرية وتعجب وتبرم وتزين ونحن نشير إليها مفصلة الاول تشفى الغيظ وذلك إذا جرى سبب غضب به عليه فإذا هاج غضبه يشفى بذكر مساويه وسبق اللسان إليه بالطبع ان لم يكن دين ورع وقد يمتنع من تشفى الغيظ عند الغضب فيتحقق الغضب في الباطن فيصير حقدا ثابتا فيكون سببا دائما لذكر المساوى فالحقد والغضب من البواعث العظيمة على الغيبة الثاني موافقة الاقران ومجاملة الرفقاء ومساعدتهم على الكلام فانهم إذا كانوا يتفكهون بذكر الاعراض فيرى انه لو انكر أو قطع المجلس استثقلوه ونفروا عنه فيساعدهم ويرى ذلك من حسن المعاشرة ويظن انه مجاملة في الصحبة وقد يغضب رفقائه فيحتاج إلى ان يغضب لغضبهم اظهارا للمساهمة في السراء في الضراء فيخوض معهم في ذكر العيوب والمساوي الثالثا ان يشتشعر من انسان انه سيقصده ويطول لسانه فيه أو يقبح حاله عند محتشم أو يشهد عليه بشهادة فيبادر قبل ذلك ويطعن فيه ليسقط اثر شهادته و فعله أو يبتدى بذكر ما فيه صادقا ليكذب عليه بعده فيروج كذبه بالصدق الاول ويستشهد به ويقول مامن عادتي الكذب فانى اخبرتكم بكذا وكذا من احواله فكان كما قلت الرابع ان ينسب إلى شئ فيريد ان يتبرى منه فيذكر الذى فعله وكان من حقه ان يتبرء نفسه ولا يذكر الذى فعله ولا ينسب غيره إليه أو يذكر غيره بانه كان مشاركا له في الفعل ليمهد بذلك عذر نفسه في فعله الخامس ارادة التصنع والمباهات وهوان يرفع نفسه بنقيص غيره فيقول فلان جاهل وفهمه ركيك وكلامه ضعيف وغرضه ان يثبت في ضمن ذلك فضل نفسه ويريهم انه افضل منه أو يحذر ان يعظم مثل تعظيمه فيقدح

[ 296 ]

فيه لذلك السادس الحسد وهو انه ربما يحسد من يثنى الناس عليه ويحبونه ويكرمونه فيريد زوال تلك النعمة عنه فلا يجد سبيلا إليه الا بالقدح فيه فيريد ان يسقط ماء وجهه عند الناس حتى يكفو عن اكرامه والثناء عليه لانه يثقل عليه ان يسمع ثناء الناس عليه واكرامهم له وهذا هو الحسد وهو عين الغضب و الحقد والحسد قد يكون مع الصديق المحسن والقريب الموافق السابع اللعب و الهزل والمطايبة وتزجية الوقت بالضحك فيذكر غيره بما يضحك الناس على سبيل المحاكاة والتعجب الثامن السخرية والاستهزاء استحقارا له فان ذلك قد يجزى في الحضور فيجرى ايضا في الغيبة ومنشاه التكبر واستصغار المستهزء التاسع وهو مأخذ دقيق ربما يقع فيه الخواص واهل الحذر من مزال اللسان وهو ان يغتم بسبب ما يبتلى به احد فيقول يا مسكين فلان قد غمني امره وما ابتلى به ويذكر سبب الغم فيكون صادقا في اغتمامة ويلهيه الغم عن الحذر عن ذكر اسمه فيذكره بما يكرهة فيصير به مغتابا فيكون نقمه ورحمته خيرا ولكنه ساقه إلى شر من حيث لا يدرى والترحم والتغمم ممكن من دون ذكر اسمه ونسبته إلى ما يكره فيهيجه الشيطان على ذكر اسمه ليبطل به على غير وجه النهى عن المنكر وكان الواجب ان يظهر غضبه عليه على ذلك الوجه خاصة وهذا مما يقع فيه الخواص ايضا فانهم يظنون ان الغصب إذا كان لله تعالى كان عذرا كيف كان وليس كك إذا عرفت هذه الوجوه التى هي اسباب الغيبة فاعلم ان الطريق في علاج كف اللسان عن الغيبة يقع على وجهين احدهما على الجملة والاخر على التفصيل اما على الجملة فهو ان يعلم تعرضه لسخط الله تعالى بغيبته كما قد سمعته في الاخبار المتقدمة وان يعلم انه تحبط حسناته فانها تنفل في القيمة حسناته إلى من اغتابه بدلا عما اخذ عرضه فان لم يكن له حسنات نقل إليه

[ 297 ]

من سيئاته وهو مع ذلك متعرض لمقت الله تعالى ومشبه عنده باكل الميتة وقد روى عن النبي صلى الله عليه واله انه قال ما النار في اليبس باسرع من الغيبة في حسنات العبد وروى ان رجلا قال لبعض الفضلاء بلغني انك تغتابني فقال ما بلغ من قدرك عندي انى احكمك في حسناتي فمهما امن العبد بما وردت به الاخبار لم ينطلق لسانه بالغيبة خوفا من ذلك وينفعه ايضا ان يتدبر في نفسه فان وجد فيها عيبا اشتغل بعيب نفسه وذكر قوله صلى الله عليه واله طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ومهما وجد عيبا فينبغي ان يستحى من ان يترك نفسه ويذم غيره بل ينبغى ان يعلم ان عجز غيره عن نفسه في التنزه عن ذلك العيب كعجزه ان كان ذلك عيبا يتعلق بفعله واختياره وان كان امرا خلقيا فالذم له ذم للخالق فان من ذم صنعة فقد ذم الصانع قال رجل لبعض الحكماء يا قبيح الوجه فقال ماكان خلق وجهى إلى فاحسنه وان لم يجد عيبا في نفسه فليشكر الله ولا يتلوث نفسه باعظم العيوب فان ثلب الناس واكل لحم الميتة من اعظم العيوب فيصير ح ذا عيب بل لو انصف من نفسه لعلم ان ظنه بنفسه انه برئ من كل عيب جهل بنفسه وهو من اعظم العيوب وينفعه ان يعلم ان تالم غيره بغيبته كتالمة بغيبة غيره له فإذا كان لا يرضى لنفسه ان يغتاب فينبغي ان لا يرضى لغيره مالا يرضاه لنفسه فهذه معالجات حمايته فاما التفصيل فهو ان ينظر إلى السبب الباعث له على الغيبة ويعالجه فان علاج العلة بقطع سببها وقد عرفت الاسباب الباعثة اما الغضب فيعالجه بان يقول ان امضيت غضبى عليه لعلى الله تعالى يمضى غضبه على بسبب الغيبة اذنها لى عنها فاستجرأت على نهيه واستخففت بزجره وقد قال صلى الله عليه واله ان لجهنم بابا لا يدخلها الا من شفا غيضه بمعصية الله تعالى وقال من اتقى ربه كل لسانه ولم يشف غيظه

[ 298 ]

وقال صلى الله عليه واله من كظم غيظا وهو يقدر على ان يمضيه دعاه الله يوم القيمة على رؤس الخلائق حتى خبره الله تعالى من أي الحور العين شاء وفى بعض كتب الله تعالى يابن ادم اذكرني حين تغضب اذكرك حين اغضب فلا امحقك فيمن امحق واما الموافقة فبان تعلم ان الله تعالى يغضب عليك إذا طلبت سخطه في رضاء المخلوقين فكيف ترضى لنفسك ان توقر غيرك وتحقر مولاك فتترك رضاه لرضاهم الا ان يكون غضبك الله تعالى وذلك لا يوجب ان تذكر المغضوب عليه بسوء بل ينبغى ان تغضب لله ايضا لرفقائك إذا ذكروه بالسوء فانهم عصوا ربك بافحش الذنوب وهو الغيبة واما تنزيه النفس بنسبة الخيانة إلى الغير حيث يستغنى عن ذكر الغير فتعالجه بان نعرف ان التعرض لمقت الخالق اشد من التعرض لمقت الخلق بالغيبة تتعرض بسخط الله تعالى يقينا ولا تدري انك تتخلص من سخط الناس ام لا تتخلص نفسك في الدنيا بالتوهم وتهلك في الاخرة أو تخسر حسناتك بالحقيقة وتحصل ذم الله فقد أو تنتظر رفع ذم الخلق نسية هذا غاية الجهل والخذلان واما عذرك كقولك ان اكلت الحرام ففلان ياكل وان فعلت كذا ففلان يفعل وان قصرت في كذا من الطاعة ففلان مقصر ونحو ذلك فهذا جهل لانك تعتذر بالاقتداء بمن لا يجوز الاقتداء به فان من خالف امر الله لا يقتدى به كائنا من كان ولو دخل غيرك النار وانت تقدر ان لا تدخلها لم توافقه ولو وافقته سفه عقلك فاذكرته غيبته وزيادة معصيته اضفتها إلى ما اعتذرت عنه وسبحان مع الجمع بين المعصيتين على جهلك وغباوتك وكنت كالشاة تنظر إلى العنز تردى نفسه من الجبل فهى ايضا تردى نفسها ولو كان لها لسان وصرحت بالعذر وقالت العنز اكيس منى وقد اهلك نفسه فكذا افعل لكنت تضحك من جهلها وحالك مثل حالها ثم لا تتعجب ولا تضحك من نفسك واما قصدك المباهاة

[ 299 ]

وتزكية النفس بزيادة الفضل بان تقدح في غيرك فينبغي ان تعلم انك بما ذكرته ابطلت فضلك عند الله وانت من اعتقاد الناس فضلك على خطر وربما نقص اعتقادهم فيك إذا عرفوك تثلب الناس فتكون قد بعت ما عند الخالق يقينا بما عند المخلوق و هما ولو حصل لك من المخلوق اعتقاد الفضل لكانوا لا يغنون عنك من الله شيئا واما الغيبة للحسد فهو جمع بين عذابين لانك حسدته على نعمة الدنيا وكنت معذبا بالحسد فما قنعت بذلك حتى اضفت إليه عذاب الاخرة فكنت خاسرا في الدنيا فجعلت نفسك خاسرة في الاخرة لتجمع بين النكالين فقد قصدت محسودك واصبت نفسك واهديت إليه حسنتك فانت إذا صديقه وعدو نفسك اذلا تضره غيبتك وتضرك وتنفعه إذ تنقل إليه حسنتك أو تنقل اليك سيئة ولا تنفعك وقد جمعت إلى خبث الحسد جهد الحماقة وربما يكون حسدك وقدحك سبب انتشار فضل محسودك فقد قيل فإذا اراد الله تعالى نشر فضيلته طويت اناح لها لسان حسود واما الاستهزاء فمقصودك منه اخزاء غيرك عند الناس باخزاء نفسك عند الله وعند الملئكة والنبيين فلو تفكرت في خزيك وحياتك وحسرتك وخجلتك يوم تحمل سيئات من استهزات به وتساق إلى النار لا دهشك ذلك عن اخزاء صاحبك ولو عرفت حالك لكنت اولى ان تضحك منه فانك سخرت به عند نفر قليل وعرضت نفسك ان يأخذ بيدك يوم القيمة على ملا من الناس ويسوتك تحت سيئاته كما يساق الحمار إلى النار مستهزء بك وفرحا بحزنك ومسرورا بنصرة الله تعالى اياه وتسليطه على الانتقام واما الرحمة له على اثمه فهو حسن ولكن حسدك ابليس واستنطقك بما تنقل من حسناتك إليه بما هو اكثر من رحمتك فيكون جبر الاسم المرحوم فيخرج عن كونه مرحوما وتنقلب انت مستحقا لان

[ 300 ]

يكون مرجوما إذ حبط اجرك ونقصت من حسناتك وكذلك الغضب لله لا يوجب الغيبة فانما حبب الشيطان اليك الغيبة ليحبط اجر غضبك وتصير معرضا لغضب الله تعالى بالغيبة وبالجملة فعلاج جميع ذلك المعرفة والتحقيق لها بهذه الامور التى هي من ابواب الايمان فمن قوى ايمانه بجميع ذلك انكف عن الغيبة لا محالة الفصل الثالث في الاعذا والمرخصة في الغيبة اعلم ان المرخص في ذكر مساءة الغير هو غرض صحيح في الشرع لا يمكن التوصل إليه الا به فيدفع ذلك اثم الغيبة وقد حصروها في عشرة الاول التظلم فان من ذكر قاضيا بالظلم والخيانة واخذ الرشوة كان مغتابا غاصيا فاما المظلوم من جهة القاضى فله ان يتظلم إلى من يرجو منه ازالة ظلمه وينسب القاضى إلى الظلم إذ لا يمكنه استيفاء حقه الا به وقد قال صلى الله عليه واله لصاحب الحق مقال وقال صلى الله عليه واله مطل الغنى ظلم ومطل الواجد يحل عرضه وعقوبته الثاني الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصى إلى منهج الصلاح ومرجع الامر في هذا إلى القصد الصحيح فان لم يكن ذلك هو المقصود كان حراما الثالث الاستفتاء كما يقول للمفتي قد ظلمنى ابى أو اخى فكيف طريق في الخلاص والاسلم هنا التعرض بان يقول ما قولك في رجل ظلمه ابوه أو اخوه وقد روى ان هذا قالت للنبى صلى الله عليه واله ان ابا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني انا وولداى فاخذ من غير علمه فقال خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف فذكرت الشح لها وولدها ولم يزجرها رسول الله صلى الله عليه واله إذ كان قصدها الاستفتاء الرابع تحذير المسلم من الوقوع في الخطر والشر وفصح المستشير فإذا رأيت متفقها يتلبس بما ليس من اهله فلك ان تنبه الناس على نقصه وقصوره عما ياهل نفسه له وتنبههم على الخطر اللاحق لهم بالانقياد إليه وكذلك إذا رايت رجلا مترددا إلى فاسق يخفى امره وخفت عليه من الوقوع بسبب الصحبة فيما

[ 301 ]

لا يوافق الشرع فلك ان تنبهه على فسقه مهما كان الباعث لك الخوف على افشاء البدعة وسراية الفسق وذلك موضع الغرور والخديعة من الشيطان إذ قد يكون الباعث لك على ذلك هو الحسد له على تلك المنزلة فيلبس عليك الشيطان ان ذلك باظهار الشفقة على الخلق وكذلك إذا رايت رجلا يشترى مملوكا وقد عرفت المملوك بعيوب منقصه فلك ان تذكرها للمشترى فان في سكوتك ضررا للمشترى وفى ذكرك ضررا للعبد لكن المشترى اولى بالمراعاة ولتقتصر على العيب المنوط به ذلك الامر فلا تذكر في عيب التزويج ما يخل بالشركة أو المضاربة أو السفر مثلا بل تذكر في كل امر يتعلق بذلك الامر ولا يتجاوزه قاصدا نصح المشترى لا الوقيعة ولو علم انه يترك التزويج بمجرد قوله لا يصلح لك فهو الواجب فان علم انه لا ينزجر الا بالتصريح بعيبه فله ان يصرح به قال النبي اترعون عن ذكر الفاجر حتى يعرفه الناس اذكروه بما فيه يحذره الناس وقال صلى الله عليه واله لفاطمة بنت قيس حين شاورته في خطابها اما معوية فرجل صعلوك لامال له واما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقة الخامس الجرح والتعديل للشاهد والزاواى؟ ومن ثم وضع العلماء كتب الرجال وقسموهم إلى الثقات والمجروحين وذكروا اسباب الجرح غالبا ويشترط اخلاص النصيحة في ذلك كما مر بان يقصد في ذلك حفظ اموال المسلمين وضبط الا لسنة وحمايتها عن الكذب و لا يكون حامله العداوة والتعصب وليس له الا ذكر ما يخل بالشهادة والرواية منه ولا يتعرض لغير ذلك مثل كونه ابن ملاعته وشبهة اللهم الا ان يكون متظاهرا بالمعصية كما سيأتي السادس ان يكون المقول فيه به مستحقا لذلك لتظاهره لسببه كالفاسق المتظاهر بفسقه بحيث لا يستنكف من ان يذكر بذلك الفعل الذى يرتكبه فيذكر بما هو فيه لا بغيره قال رسول الله من القى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له وظاهر الخبر

[ 302 ]

جواز غيبته وان استنكف من ذكر ذلك المذنب وفى جواز اغتياب مطلق الفاسق احتمال ناش من قوله صلى الله عليه وآله لاغيبة لفاسق ورد بمنع اصل الحديث أو بحمله على فاسق خاص أو بحمله على النهى وان كان بصورة الخبر وهذا هو الاجود الا ان يتعلق بذلك غرض دينى ومقصد صحيح يعود على المغتاب بان يرجوا ارتداعه عن معصيته بذلك فيلحق بباب النهى عن المنكر السابع ان يكون الانسان معروفا باسم يعرب عن عيبه كالاعرج والاعمش فلا اثم على من يقول ذلك وقد فعل العلماء ذلك لضرورة التعريف ولانه صار بحيث لا يكرهه صاحبه لو علمه بعد ان صار مشهورا به والحق ان ما ذكره العلماء المعتدون من ذلك لجواز التعويل فيه على حكايتهم واما ذكره عن الاحياء فمشروط بعلم رضاء المنسوب إليه لعموم النهى وح يخرج عن كونه غيبة وكيف كان فلو وحد عنه معد لا وامكنه التعريف بعبارة اخرى فهو اولى الثامن لو اطلع العدد الذى يثبت بهم الحدو التعذير على ناحشته جاز ذكرها عند الحكام بصورة الشهادة في حضرة الفاعل وغيبته ولا يجوز التعرض إليها في غير ذلك الا ان نيحه فبه احد الوجوه الاخرى التاسع قيل إذا علم اثنان من رجل معسيته شاهدها فاجرى احدهما ذكرها في غيبته ذلك العاصى جاز لانه لا يؤثر عند السامع شيئا وان كان الاولى تنزيه النفس واللسان عن ذلك لغير غرض من الاغراض المذكورة خصوصا مع احتمال نسيان المقول له لتلك المعصية أو خوف اشتهارها عنهما العاشر إذا سمع احد مغتا بالاخرو هو لا يعلم استحقاق المقول عنه للغيبة ولا عدمه قيل لا يجب نهى القائل لا مكان استحقاق القول عنه فيحمل فعل القائل على الصحة ما لم يعلم فساده لان ودعه يستلزم انهاك حرمته وهو احد المحرمة والاولى التنبه على ذلك الا ان يتحقق المخرج منه لعموم الادلة وترك الاستقضال فيها

[ 303 ]

وهو دليل ارادة العموم حذرا من الاعزاء بالجهل ولان ذلك لوتم لتمشى فيمن يعلم عدم استحقاق المقول عنه بالنسبته إلى السامع لاحتمال اطلاع القائل على ما يوجب تسويغ مقاله وهو يهدم قاعده النهى عن الغيبته وهذا الفرد يستثنى من جهة سماع وقد تقدم انه احد الغيبين وبالجملة فاتحرز عنها من دون وجه راحج في علها فضلا عن الاباحة اولى لتتسم النفس بالاخلاق الفاضلة ويؤيده اطلاق النى فيما تقده كقوله ص اتدرون ما الغيبته وتلوا الله ورسوله اعلم قال ذكرك اخاك بما يكرهه واما مع وحجانها كرد المبتدعة واخزاء الفسقة والتنفر منهم والتخرد من اتباعهم فذلك يوصف بالوجوب مع امكانه فضلا عن غيره والمعتمد في ذلك كله على المقاصد قلا يغفل المتيقظ عن ملا حظة مقصده واصلاحه والله الموفق الفصل الرابع فيما يلحق بالغيبة عند التدبر وله اسم خاص وقد تعلق به نهى خاص لما عرفت ان الغيبته تطلق على ما ذكر ما يسوء الغير ذكره ويكرهه ولا يؤثره وعلى التنبيه عليه بمكاتبة واشارة وغيرهما وعلى حديث النفس به وعقد القلب عليه وان لم يذكره ودخل في هذا التعريف وافراد اخرى من المواضع المحرمة على الخصوص وهو امور احدها النميمة و هي نقل تول الغير إلى المقول فيه كما يقول فلان تكلم فيك بكذا وكذا سواء نقل ذلك بالقول أو الكتابة أو الاشارة والرمز وكان ذلك النقل كثيرا ما يكون متعلقة نقصانا أو عيبا في المحكى عنه موجبا لكراهته له واعراضه عنه كان ذلك راجعا إلى الغيبة ايضا فجمع بين معصيته الغيبة والنميمة فلا جرم حسن في هذه الرسالة التنبيه على النميمة وما ورد فيها من النهى على الخصوص فانها احدى المعاصي الكبائر كما سستمعه وثانيها كلام ذى اللسانين الذى يتردد بين المتخاصمين ونحوهما ويكلم كل واحد منها بكلام يوافقه فان ذلك مع ما ورد فيه من النهى الخاص يرجع

[ 304 ]

إلى الغيبة بوجه ما والى النميمة بوجه اخر بل هو شراقسام النميمة كما سيأتي من قول النبي تجدون شر عباد الله يوم القيمة من بائى هؤلاء بحديث هؤلاء وهؤلاء الحديث هؤلاء فانه كلام يكرهه كل واحد منهما لو بلغه فان الانسان لا يجب من تكلم خصمه بما يرضيه ولا من يؤثر معه ما يبغيه بل هو معدود من جملة الاعداء فتعلق الكراهة لذلك الكلام بكل منهما فلنتكلم فيه ايضا على وجه الايجاز وتذكر ما ورد من النهى وثالثها الحسد وهو كراهة النعمة على الغير ومحبة زوالها على المنعم عليه وهو مع كونه ايضا من المحرمات الخاصة والمعاصي الكبيرة ترجع إلى الغيبة القلبية بوجه لانه حكم على القلب بشئ يتعلق بالغير يكرهه لو سمعه اشد كراهة وابلغها فيجمع بين معصيتين الحسد والغيبة فلنذكر جملة من الكلام فيه وما ورد فيه من النهى بل هو اولى الثلاثة بالذكر لكثرة وقوعه في هذا العصر وابتداء الخواص فيه بل هو دابهم ليس لهم عنه مناص واولى ما يهتم الغافل به دواء المرض الحاضر فيقع الكلام هنا في مقامات ثلاثة الاول النميمة قال الله تعالى هما زمشاء بنميم ثم قال عتل بعد ذلك زنيم قال بعض العلمأ هذه الاية دلت على أن من لم يكتم الحديث ومشى بالنميمة ولذرنا لان الزنيم هو الدعى وقال الله تعالى ويل لكل همزة لهزة النمام وقال تع عن امرأة نوح وامرأة لوط فخانتا هما فعلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين قيل كانتا مرأة لوط تخبر بالضيفان وامرأة نوح تخبر بانه مجنون وقال النبي ص لا يدخل الجنة نمام وفى حديث اخر لا يدخل الجنة قتات والقتات هو النمام وقال تعالى احبكم إلى الله تعالى احسنكم اخلاقا الموطؤن اكنافا الذين يالفون ويؤلفون وان ابغضكم إلى الله تعالى المشاؤن بالنميمة المفرقون بين الاخوان الملتمسون للبزاء العثرات وقال الا اخبركم قالوا بلى يا رسول الله قال المشاؤن بالنميمة

[ 305 ]

المفسدون بين الاحبة الباغون للبراء العيب وقال أبو ذر قال رسول الله ص من اشار على مسلم بكلمة ليشينه بها بغير حق شانه الله تعالى في النار يوم القيمة وقال أبو الدرداء قال رسول الله ص ايما رجل اشاع على رجل كلمة وهو منها برئ ليشينه بها في الدنيا كان حقا على الله عزوجل ان يدينة بها يوم القيمة في النار وعنه ص ان الله لما خلق الجنة قال لها تكلمي قالت سعد من دخلنى قال الجبار وعزنى وجلالى لا هيكن فيك ثمانية نفر من الناس لا يسكن فيك مد من خمرو ولا مصر على الزنا ولا قنات وهو النمام ولاد يوث ولا الشرطي ولا المحنث ولا قاطع رحم ولا الذى يقول على عهد الله ان لم يفعل كذا وكذا ثم لم يف به وعن ابى جعفر الباقر عليه السلام انه قال الجنة محرمة على القتاتين المشائين بالنميمة وعن ابى عبد الله عليه السلام انه قال قال امير المؤمنين عليه السلام شراركم المشاؤن بالنميمة المفرقة بين الاحبة المتيعون للبراء المغايب وروى ان موسى عليه السلام استسقى لبنى اسرائيل حين اصابهم قحط فأوحى الله تعالى إليه لا استجيب لك ولا لمن معك وفيكم نمام قد اصر على النميمة فقال موسى ع من هو يا رب حتى نخرجه من بيننا فقال الله يا موسى انهاكم عن النميمة واكون نماما فتابوا باجمعهم فسقوا وروى ان رجلا تبع حكيما سبع مأة فرسخ في سبع كلمات فلما قدم عليه قال انى جئتك للذى اتاك الله تعالى من العلم اخبرني عن السماء وما اثقل منها وعن الارض وما اوسع منها وعن الحجارة وما اقسى منها وعن النار وما احرمنها وعن الزمهر يروما ابرد منه وعن البحر وما اغنى منه وعن اليتيم وما اذل منه فقال الحكمى البهتان على البرئ اثقل من السموات والحق اوسع من الارضين والقلب القانع اعني من الحجر والحرص والحسد احرض من النار والحاجة إلى القريب إذا لم ينحج ابرد من الزمهر يرو قلب الكافر اقسى من الحجارة والنمام إذا بان امره اذل من اليتيم واعلم ان النميمة بطلق في الاكثر على من يتم قول الغير إلى

[ 306 ]

المقول فيه كما يقول فلان كان يتكلم فيك بكذا وكذا وليست مخصوصة به بل تطلق على ما هو اعم من القول كما مر في الغيبة وحدها بالمعنى الاعم كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه ام المنقول إليه ام كرهه ثالثا وسواء كان الكشف بالقول ام بالكتابة ام بالاشارة ام بالرمز ام بالايماء وسواء كان المنقول من الاعمال ام من الاقوال وسواء كان عيبا أو نقفانا على المنقول عنه ام لم يكن بل حقيقة النميمة افشاء السرو هتك السر عما يكره كشفه بل كل ماراه الاسنان من احوال الانسان فينبغي ان يسكت عنه الاما في حكايته فائدة لمسلم أو دفع لمعصيته كما إذا راى من تيناول مال غيره فعليه ان يشهد به مراعات لحق المشهود عليه واما إذا اراه يخفى مالا لنفسه فذكره نميمة وافشاء للسرفان كان ما نيم به نقصانا أو عيبا في المحكى عنه كان قد جمع بين الغيبة والنميمة والسبب الباعث على النميمة اما ارادة السوء بالمحكى عنه أو اظهار الحب للمحكى له أو التفرح بالحديث أو الخوض في الفضول وكل من حملت إليه النميمة وقيل ان فلانا قال فيك كذا وكذا أو فعل فيك كذا وكذا وهو يدبر في افساد امرك أو في ممالاة وعدك أو تقبيح حالك أو ما يجرى مجراه فعليه ستة امور الاأول ان لا يصدقه لان النمام فاسق وهو مردود الشهادة قال الله تعالى ان جائكم فاسق نبئا فتبينو الاية الثاني ان ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبح له فعله قال الله تعالى وامر عن بالمعروف وانه عن المنكر الثالث ان يبغضه في الله تعالى فانه يبغض عند الله ويجب بغض من يبغضه الله تعالى الرابع ان لا تظن باخيك السوء بمجرد قوله لقوله تعالى فاجتنبوا كثيرا من الظن بل يثبت حتى يتحقق الحال الخامس ان لا يحملك ما حكى لك في التحبيس والبحث ليتحقق لقوله تعالى ولا تحبسوا السادس ان لا ترضى لنفسك ما نهيت النمام عنه فلا نحكى نميمة فنقول فلان قد حكى لى بكذا فيكون به نماما مغتابا وقد تكون اتيت بما نهيت عنه

[ 307 ]

؟ عن على عليه السلام ان رجلا اتاه يسعى إليه برجل فقال يا هذا نحن نسئل عما قلت فان كنت صادقا مقتتاك وان كنت كاذبا عاقبناك وان شئت ان نقيلك اقلناك قال اقنلنى يا امير المؤمنين وقد تيعه في ذلك عمر بن عبد العزيز وقد روى انه دخل إليه رجل فذكر عنده عن رجل شيئا فقال ان شئت نظرنا في امرك فان كنت كاذبا فانت من اهل هذه الاية ان جائكم فاسق بنباء وان كنت صادقا فانت من اهل هذه الاية هما زمشاء بنميم وان شئت عفونا عنك فقال العفويا امير المؤمنين لا اعود إليه ابدا وقد روى ان حكيما من الحكماء زاره بعض اخوانه واخبره بخبر عن غيره فقال له الحكيم قد ابطأت في الزيارة واتيت بثلث خيانات بغضت إلى اخى وشغلت قلبى الفارغ واتهمت نفسك الامنية وروى ان بعض الخلفاء قال لرجل بلغني انك قلت في في كذا وكنا فقال الرجل ما قلت وما فعلت فقال ان الذى اخبرني صادق فقال الزهري وكان جالسا لا يكون النمام صادقا قال صدقت اذهب بسلامة وقال الحسن من نم اليك نم عليك وهذه اشارة إلى ان النمام ينبغى ان يبغض ولا يوثق بصداقة وكيف لا يبغض وهولا ينفك من الكذب والغيبة والغدرو الخيانة والغل والحسد والنفاق والافساد بين الناس والخديعة وهو ممن قد سعى في قطع ما امر الله به ان يوصل قال الله تعالى ويقطعون ما امر الله به ان يوصل ويفسدون في الارض وقال تعالى انما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الارض بغير الحق والنمام منهم وقال ان من شر الناس من اتقاه الناس لشرة والنمام منهم وقال لا يدخل الجنة قاطع بين الناس وهو النمام وقيل قاطع الرجم وقال لقمان الحكيم لابنه يا بنى انى موصيك بخلال ان تمسك بهن لو تزل سيدا ابسط خلقك للقريب والبعيد وامسك جهلك عن الكريم والليم واحفظ اخوانك وصداقا ربك وامنهم من قول ساع أو سماع باغ

[ 308 ]

يريد اقسادك ويروم خداعك وليكن اخوانك من إذا فارقهم وفارقوك لم تغبتهم ولم يغتبوك وقال بعضهم لو صح ما نقله النمام اليك لكان هو المجرى بالشتم عليك و المنقول عنه اولى لانه لم يقابلك بشتمك وبالجملة فشر النمام عظيم ينبغى ان يتوقى قبل باغ بعضهم عبد أو قال للمشرى ما فيه عيب الا النميمة قال رضيت به فاشتراه فمكث الغلام اياما ثم قال لزوجة مولاه ان زوجك لا يحبك وهو يريد ان تيسري عليك واحلقي من قفاه شعرات حتى ابخر عليها فيحبك ثم قال للزوج ان امرئتك اخدت خليلا وتريدان تقتلك فتناوم لها حتى تعرف فتناوم فجائت المرئة بالموسى فظن انها تقتله فقام وقتلها فجاء اهل المراة وقتلو الزوج فوع القتال بين القبيلتين وطال الامر المقام الثاني كلام ذى اللسانين الذى يتردد بين اثنين سيما المعتاديين ويكلم كل واحد منهما بكلام يوافقه وقل ما يحلو عنه من يشاهدة معادية وذلك عين النفاق وهو من المعاصي الكبائر المتوعد عليه بخصوصه وروى غمات رياسر عن النبي ص من كان له وجهان في الدنيا كان له لسانان من نار يوم القيمة وعنه ص تجدون من شر عباد الله يوم القيمة ذا الوجهين الذى يأتي هؤلاء بحديث هؤلاء وهؤلاء بحديث هؤلاء وفى حديث اخر الذى يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه وقيل مكتوب في التورية بطلت الامانة والرجل مع صاحبه بشفتين مختلفتين وقال ص ابغض خلق الله إليه يوم القيمة الكذابون والمستكبرون والذين يكثرون البغضا لاخوانهم في صدورهم فإذ القوهم تخلقوا لهم والذين إذا دعوا إلى الله ورسوله كانوا بطاء وإذا ادعوا إلى الشيطان وامره كانوا اسراعا وروى للصدوق باسناده إلى على عليه السلام قال قال رسول الله ص يجئ يوم القيمة ذو الوجهين دالعا لسانه في قفاه واخر من قدامه يلهبان نارا حتى يلتهبان جسده ثم يقال هذا الذى كان في الدنيا ذا وجهين وذا السانين يعرف بذلك يوم

[ 309 ]

القيمة وبالاسناد إلى الباقر ع قال بئس العبد وعبد إذا وجهين وذا لسانين يطرى اخاه شاهدا ويأكله غائبا ان اعطى حسده وان ابتلى خذله وباسناده عنه قال بئس العبد عبد ا همزة لمزة يقبل بوجه ويدبر باخرو بالاسناد عنه قال قال الله تعالى لعيسى بن مريم يا عسى ليكن لسانك في السرو العلانية لسانا واحدا وكذلك قلبك انى احدرك نفسك وكفى بك خبير الا يصلح لسانان في فم واحد ولا سيفان في غمد واحد ولا قلبان في صدر واحد وكذلك الاذهان واعلم ان الانسان يتحقق كونه ذا السانين بامور منها ان ينقل كلام كل واحد إلى الاخر وهو مع ذلك نميمة وزيادة فان النميمة يتحقق بالنقل من احد الجانبين فقط ومنها ان يجز لكل واحد منهما ما هو عليه من المعادة مع صاحبه وان لم ينقل بينهما كلاما ومنها ان يعد كل واحد منهما بان ينصرو ويساعده ومنها ان يثينى على كل واحد منهما في معادلته واولى منه ان يثنى عليه في وجهه وإذا خرج من عنده ذمه والذى ينبغى ان يسكت ان يثنى على الحق منهما في حضوره وغيبته وبين يدى عدوه ولا يتحقق اللسانان بالدخول على المتعاديين ومجاملة كل واحدة منهما مع صدقه في المجاملة فان الواحد قد يتصادق متعاومين ولكن صداقة ضعيفه لا تصل إلى حد الاخوة إذ لو تحققت الصداقة لاقتضت معادات العدو كما هو المشهور من ان الاصدقاء ثلثة الصديق وصديق الصديق وعدو العدو والاعداء ثلاثة العدو وعدو الصديق وصديق العدو فان قيل كثيرا ما يتفق لنا اختلاف اللسانين مع الامراء واعدأ الذين المتظاهرين فهل يكون ذلك داخلا في النهى والنفاق كما ورد من انه سئل بعض الصحابة انا ندخل على امرائنا فنقول القول ما ذا خرجنا قلنا غيره قلنا ان كان القائل مستغنيا عن الدخول على الامير وعن مخالفة العدو للذين و اختار الاجتماع والصحبة له اختاره طلبا للجاه والمال زيادة على القدر الضرورى

[ 310 ]

فهو ذو لسانين ومنافق كما ذكر الضحاك وعليه يحمل الخبر وقد قال ص حب الجاه والمال ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل وان كان محتاجا إلى ذلك اتقاء ضرورة فهو معذور لاحرج عليه فيه فان اتقاء الشرجائز قال أبو الدرداء انا لبكشر في وجوه اقوام وان قلوبنا لتغضهم وروى انه مر رجل عن النبي ص فقال بئس رجل العشرة فلما دخل عليه اقبل عليه فقيل له في ذلك فقال ان شر الناس الذى يكرم اتقاء لشره المقام الثالث الحسد وهو من اعظم الادواء واكبرا المعاصي واشرها وافسدها للقلب وهى اول خطيئة وقعت في الارض لما حسد ابليس ادم فحمله على المعصية فكانت البلية من ذلك إلى الابد وقدام الله نبيه ص باستعاذة من شرة فقال ومن شرحا سد بعدان استعاذ من الشيطان والساحر وانزله منزلتهما والاخبار النبوية فيه لا تحضى كثرة قال رسول الله ص الحسد ياكل الحسنات كما تأكل النار الخطب وقال ص ستة يدخل النار قبل الحسنات بسنة الامراء بالجور والعرب بالمعصية والدهاقين بالكبر والتجاربا لخيانة واهل الرستاق بالجهل و العلماء بالحسد وقال ص دب اليكم داء الامم قبلكم الحسد والبغضاء والبغضة هي الحابقة الا اقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين والذى نفس محمد ص بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا الا انبئكم بما تثبت ذلك لكم افشو السلام وفى خبر معاذ عنه ان الحفظة يصعد يعمل العبد يرق كما يرق العروس إلى اهلها حتى إذا انتهوا إلى السما الخامسة بذلك العمل الخمس من جهاد وحج وله ضوء كضوء الشمس فتقول الملك انا الملك صاحب الحسد انه كان يحسد الناس على ما اتاهم الله من فضله ويسخط ما رضى الله امرني ربى ان لا ادع عمله يتجاوزني إلى غير وقال الصادق الحاسده مضر بنفسه قبل ان يضر المحود كابليس اورث بحسده لنفسه اللغة ولادم ص الاجتباء والهدى والرفع إلى محل حقايق العهد والاصطفاء فكن محسورا ولا تكن جاسد فان ميزان الحاسد ابدا خفيف بثقل

[ 311 ]

ميزان المحسود والرزق مقسوم فماذا ينفع الحسد الحاسد وماذا يضره المحسود الحسد والحسد اصله من عمل القلب وجحود فضل الله وهما جناحان للكفر وبالحسد وقع ابن ادم في حسرة الا بد وهلك فهلكا لا ينجو منه ابدا ولا توبة للحاسد لانه مستمر عليه معتقدبه مطبوع فيه يبد ويلا معارض به ولاسبب والطبع لا يتغير عن الاصل وان عولج وكفى بالحسد داء ابلاغه العلماء النار وكما وورد في الحديث السابق واعلم ان الحسد نهيج خمشة اشياء احدها اقساد الطاعات قال رسول الله ص الحسد ياكل الحسنات كما تأكل النار الحطب والثانى فعل الماعضى والشرور وقد قال بعض الفضلاء للحاسد ثلث علامات يتملق إذا شهد ويغتاب إذا غاب ويشتمت بالمعصية وحسبات ان الله امر بالاستعاذة من شره وقرنه بالشيطان والساحر النافث في العقد كما تقدم والثالث التعب والغم من غير فائدة بل مع كل وزرو معصيته قال بعضهم لم ار ظالما اشبه بالمظلوم من الحاسد نفس دائم وعقل ها ثم وغم لازم والرابع الحرمان والخذلان فلا يكاد يظفر بمراد ولا ينصر على عدو قد قيل الحاسد غير منصور وكيف يظفر بمراده ومراده زوال نعم الله عن عباده وكيف ينصر على اعدائه وهم عباد الله الذين نظر الله إليهم واسبغ نعمه عليهم سيما إذا كانت النعمة نعمة العلم والكلام في الحسد طويل الاعتناء علماء القلوب به وبحثهم عنه وقوة ذائة في قلوب الخاصة وفى العامة ولنقصرها في البحث على مواضع الاول في حقيقة الحسد وحكمه ومراتبه وامامه ومراتبه فحيقته انبعاث القوة الشهوية إلى تمنى مال الغير أو الحالة التى هو عليها و زوالها عن ذلك الغير وهو مستلزم لحركة القوة الغضبية واشات المغضب وروابه وزيادته بحسب زيادة حال المحسود التى يتعلق بها الحسد ولذلك قال على ع الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له وهو نوع من انواع الظلم والجور وقال ايضا لا راحه مع

[ 312 ]

حسد ووجهه قد ظهر من حقيقته فان شهوة الحاسد وفكره في كيفية حصول حال المسحود فيها وفى كيفية زوالها عمن هي له المستلزم لحركة الات البدن في ذلك مستلزم لعدم الراحة وقد اتفق العقلاء على ان الحسد مع انه وذيلة عظيمة للنفس فهو من اسباب العظيمة الحزاب العالم إذ كان الحاسد كثيرا ما يكون حركانه وسيعة في هلاك ارباب الفضايل واهل الشرف والاموال الذين يقوم بوجودهم عمارة الارض إذ لا يتعلق الحسد بغيرهم من اهل الحسنة والفقر ثم لا يقصر في سعيه ذلك دون ان يزول تلك الحالة المحسود بها عن المحسودا ويهلك هو في تلك الحركات الحسته الفعلية والقولية ولذلك قيل حاسد النعمة لا يرضية الا زوالها وما دام الباعث في القوة الغضبيته قائما فهى قائمة متحركة ومحركة وكثيرا ما يؤثر الغاية بين يدى الامرا والمسلطين لعلم الساعي بقدرتهم على تنفيد اغراضه ولقرب طباعهم إلى قبول قوله من الغير لمشاركتهم في الطباع وغلبة القوة الشهوية والمغضبية فيهم ولكن كثيرا ما يؤثر حركة الحاسد في اذالة نعمة المحسود لمحة من لمحات الله للمحسود بعين العناية فيحرسهم وتزيد نعمتهم فلا يتوجه للحاسد عليهم سبيل وانما السبيل على الذين يظلمون الناى ويبغون في الارض بغير الحق فيصير تعيهم سببا لخراب الارض فيفسد الحرث والنسل والله لا يحب الفساد واذ قد عرفت انه لا حسدالا على نعمة فإذا انعم الله على اخيك بنعمة قالت فيها حالتان احديهما ان تكوه تلك النعمة وتحب زوالها وهذه الحالة تسمى حسدا والثانية ان لا تحب زوالها ولا تكره وجودها ودوامها ولكنك تشهى لنفسك مثلها وهذا يسمى غبطة وقد يخص باسم المنافية قال الله تعالى وفى ذلك فليتنا في المتنافسون وقد تسمى المنافسة حسدا والحسد منافسة كقول الفضل وقثم ابني العباس لعلى حين اشار عليهما بان لا يذهبا إلى النبي ص ولا يسئلانه الولاية على الصدقة وقد كانا اراد إذ لك ما ذا منك الافقاسة والله لقد

[ 313 ]

زوجك ابنته فما نفسنا ذلك عليك وكقول النبي ص لا حسد الا في اثنين رجل اتا الله ما لا فسلطه على هلكته في الحق ورجل اتاه الله علما فهو يعمل به ويعمله الناس والمحرم من الحالتين هو الحالة الاولى وهى المخصوصة بالذم قال ص المؤمن ليغبط والمنافق يحسد اللهم الا ان يكون النعمة قد احتابها فاجر يستعين بها على ايذاء الخلق وتيح القمة وفساد الذين ونحو ذلك فلا تضر الكراهة لها ومحبة زواوالها إذا لم يكن ذلك من حيث انها نعمة بل من حيث انها الة الفساد ويدل على عدم تحريم الحالة الثانية الاية المتقدمة والحديث وقد قال الله تعالى وسابقوا إلى مغفرة من ربكم والمسابقة انما يكون عند خوف الفوت كالعبيدين يتسابقان إلى خدمة مولاهما ويخرج كل واحد منهما ان يسبق صاحبه فيخطى عند مولاه بمنزلة لا يخطى هوبها بل قد يكون المنافشة واجبة إذا كان المنافس فيه واجبا إذ لو لم يجب مثله كان راضيا بالمعصية المحرمة وقد تكون مندوبة كالمنافشه في الفضائل المندوبة من انفاق الاموال ومكارم الاخلاق وقد يوصف بالاباحة إذا كان مباحا وبالجملة فهى تابعة للفعل المناقش تيه ولكن في المناقشة دقيقة وخطوعا مض يجب على طالب الخلاص التحرز منه فانه وهو انه إذا آيس عن ان ينال مثل تلك النعمة وهو يكره تخلفه ونقصانه فلا محالة يحب زوال النقصان وانما يزول باحدا مرين ان ينال مثله اوان يزول نعمة للنافس فإذا السند احد الطريقين عن الساعي يكاد القلب ان تشتهى الطريق الاخرى از يزوال النعمة يزول التخلف المرعوب عنه فيمتحن نفسه فان كان بحيث لو القى الامر إليه ورد إلى اختياره لسعى في ازالة النعمة فهو حسود حسدا موما وان كانت التقوى تمنعه عن ازالة ذلك عفى عما يجده في طبعه من ارتياحه إلى ذوال النعمة من كان منى كارها لذلك من نفسه بعقله واذ قد عرفت حقيقة الحسد فاعلم ان له مراتب اربع الاول

[ 314 ]

ان يحب زوال النعمة عنه وان كانت لا ينتقل إليه وهذا غاية الخبث واعظم افراد الحسد الثانية ان يحب زوال النعمة إليه لرغبته في تلك النعمة لا مجرد زوالها عن صاحبها الثالثة ان لا تشتهي عنها بل يشتهى لنفسه مثلها فان عجز عن مثلها يجب زوالها كى لا يظهر التفاوت بينهما وهذه الثلثة محرمة وهى مرتبة في القوة ترتبها في اللفظ الرابعة ان يشتهى لنفسه مثلها فإذا لم يحصل فا ليجب زوالها منه وهذا هو المحمود المخصوص باسم الغبطه بل المندوب إليه في الدين ونسميه حسدا تجوز الثاني في الاسبات المثيرة للحسدو هي كثيرة جدا الا انها ترجع إلى سبقه العداوة والتعزن والتكبر والتعجب والخوف من فوت المقاصد وحب الرقايته وخبث النفس وبخلها فانه انما يكره النعمة عليه اما الانه عدوه فلا يريد له الخير وهذا لا يختص بالامثال واما لانه يخاف ان يتكبر بالنعمة عليه وهو لا يطيق احتمال كسره وعظمته لغرة نفسه وهو المراد بالتعزز واما ان يكون في طبعه ان يتكبر على المحسور ويمتنع ذلك عليه بنعمته وهو المراد بالتكبر واما ان يكون النعمة عظيمة والمصب كثيرا فيتعجب من نوز مثله بمثل تلك النعمة وهو التعجب واما ان يخاف من فوات معاصده بسبب نعمته بان يتوصل به إلى مزاحمته في اغراضه واما ان يكون يجب الرياسة التى تبتنى على الاختصاص بنعمة لا يساوى وفيها واما ان لا يكون بسبب من هذه الاسباب بل بخبث النفس وشحها بالحبر لعباد الله وقد اشار الله سبحانه إلى إلى السبب الاول بقوله ودوا ما عتنم قد بدت البغضاء من افواههم والى الثانية بقوله لو لا نزل هذا القران على رجل من القيرمين عظيم أي كان لاثقل علينا ان نتواضع له ونتبعه وإذا كان عظيما وكانوا قد قالوا كيف يتقدم علينا غلام يتيم وكيف تطأطأ رؤسائنا والى الرابعة بقوله قالوا ما انتم الا بشر مثلنا انؤمن لبشرين مثلنا لئن اطعتم بشرا مثلكم انكم إذا لخاسرون نتعجبوا من ان يفوز برتبة الرسالة والوحى والقرب

[ 315 ]

من الله تعالى بشر مثلهم فحسدوهم وقالوا متعجبين ابعث الله بشرا رسولا فقال تعالى أو عجبتم ان جائكم ذكرم ربكم على رجل منكم واعظم الاسباب فسادا الخامس والسادس لتعلقهما غالبا يعلماء السؤو نظرائهم ومناط الخامس يرجع إلى متراجمين على مطلوب واحد فان كلامنهما يحسد صاحبه في كل نعمة يكون عونا له في الانفراد بمقصوده ومن هذه الباب تحاسد الضرات في التزاحم على مقاصد الزوجته والاخوة في التزاحم على نيل المنزلة المطلوبة بها عند الاب والتلامذة لاستاد واحد في نيل المنزل عنده والعالمين المتزاحمين على طائفة من المحصورين إذ يطلب كل واحد منزلة في قلبهم للتوصل بهم إلى اغراضه ومرجع السادس ذلك إلى محبة الانفراد بالرياسة والاختصاص بالثناء والقرح بما يمدح به من انه واحد الدهر فلا نظير له فانه متى سمع بنظير له في اقصى العالم اسائه ذلك واحب موته وزوال النعمة التى بها يشاركه في المنزلة و هذا زيادة على مافى قلوب احاد العلماء من طلب الجاه والمنزلة في قلوب الناس للتوصل إلى مقاصد سوى الرياسة وقد كان علماء اليهود يعلمون رياسة رسول الله ص وينكرونها ولا يؤمنون به مخافة ان يبطل رياستهم وان يصيروا تابعين بعد ان كان نوا متبوعين مهما نسخ علمهم وقد يجتمع بعض هذه الاسباب أو اكثرها أو جميعها في شخص واحد فيعظم فيه داء الحسد وينكر في قلبه ويقوى قوة لا يقدر معه على الاخفاء والمجاملة بل يتهتك حجاب المجاملة ويظهر العداوة بالمكاشفة ولا يكاد يزول الا بالموت وقل ان يتفق بالحاسد سبب واحد من هذه الاسباب بل اكثر واصل العداوة والحسد التزاحم على غرض واحد والغرض الواحد لا يجتمع متباعدين بل متناسبين فلذلك ترى الحسد يكثر بين الامثال والاقران والاخوة ونبى العم والاقارب ويقد في غيرهم الا مع الاجتماع في احدا الاغراض المقررة نعم من اشتد حرصه على الجاه وحب الصيت في

[ 316 ]

جميع اطراف العالم بما هو فيه فانه يسحد كل من هو في العالم وان يعد ممن يساهمه في الخصلة التى تفاخر بها ومنشاء جميع ذلك حب الدنيا فان الدنيا هي التى تضيق عن التزاحمين اما الاخرة فلا ضيق فيها وانما مثلها مثل العلم فان من عرف الله تعالى وملائكة وانبيائه ومذكوت ارضه وسمائه لم يحسد غيره إذا عرف ذلك ايضا لان المعرفة لا تصيق على العارفين بلا المعروف الواحد يعرفه الف الف عالم ويفرح بمعرفته ويلتذبه ولا ينقص لذة واحدة بسبب غيره بل يحصل بكثره العارفين زيادة الانس وثمرة الافادة و الاستفادة فلذلك لا يكون بين علماء الدين محاسدة لان مقصدهم بحر واسع لا ضيق فيه وعرضهم المنزلة عند الله ولا ضيق ايضا فيه بل يزيد الانس بكثر تهم نعم إذا قصد العلماء بالعلم المال والجاه تحاسد والان المال اعيان واحسام إذا وقعت في يد واحد خلت عنه يد الاخر وكذلك الجاه إذ معناه ملك القلوب ومهما امتلا قلب شخص بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم الاخر أو نقص منه لا محالة فيكون ذلك سببا للحاسدة واما العلم فلا نهاية له ولا يتصور ستيعابه فمن بذل جهله في تحصليه واشغل نفسه في الفكر في جلالة الله وعظمته صار ذلك الذ عنده من كل نعيم ولم يكن ممنوعا منه مزاحما فيه فلا يكون في قلبه حسدا لاحد من الخلق لان غيره ايضا لو عرف مثل معرفته لم ينقص لذته بل زادت لذته بموانسته بل مثل العاملين بالحقيقة المتمسكين بالطريقة كما قال الله تعالى عنهم ونزعنا ما في صدورهم من غل اخوانا على سرر متقابلين فهذا حالهم في الدنيا فما ذا نظر عند انكشاف الغطاء ومشاهدة المحبوب في العقبى فلا محاسدة في الجنة ايضا إذ لا مضايقة فيها ولا مزاحمة فعليك ايها الاخ وفقنا الله واياك ان كنت بصيرا وعلى نفسك مشفقا ان نطلب نعيما لازحمة فيه ولذة لامكدر لها والله ولى التوفيق الثالث في اشارة وجيزة إلى الدواء الذى ينفى مرض الحسد

[ 317 ]

عن القلب اعلم ان الحسد من الامراض العظيمة للقلوب ولايداى وأمراض القلب الا بالعلم والعمل والعلم النافع لمرض الحسد هو ان تعلم يقينا ان الحسد ضرر عليك في الدنيا و الدين ولاضرر به على المحسود في الدنيا ولا في الدين بل ينتفع به فيهما ومهما عرفت هذا عن بصيرة ولم تكن عدو نفسك وصديق عدوك فارقت الحسد لا محالة اما كونه ضررا عليك في الدين فهو انك بالحسد سخطت قضاء الله تعالى وكرهت نعمته التى قسمها لعباده و عدله الذى اقامه في ملكه لخفى حكمته واستكبرت ذلك واستيشعته وهذه جناية على حدقة التوحيد وقدى في عين الايمان وناهيك بها جناية على الدين وقد اتضاف إليه انك غشت رجلا من المؤمنين وتركت نصيحته وفارقت اولياء الله وانبيائه في حبهم للخير لعباد الله وشاركت ابليس وسائر الكفار في محبتهم للمؤمنين البلاء وزوال النعم و هذه جناية في القلب تأكل حسنات القلب كما تاكل النار الحطب وتمحوها كما تمحو الليل والنهار واما كونه ضررا عليك في الدنيا فهو انك تتألم بحسد وتتعذب به ولا تزال في كدر وغم إذا عداؤك لا يخليهم الله عن نعم يفيضها عليهم فلا تزال تتعذب بكل نعمة تراها تتألم بكل بلية تنصرف عنهم فتبقى مغموما محروما متشعب القلب ضيق النفس كما تشتهيه لاعدائك وكما يشتهى اعداؤك لك فقد كنت تريد المحنة لعدوك فتنجزت في الحال محنتك وغمك نقد اولا تزول النعمة عن المحسود بحسدك ولو لم يكن تؤمن بالبعث والحساب لكان مقتضى الظنة؟ ان كنت عاقلا ان تحذر من الحسد لما فيه من الم القلب ومسائته وعدم النفع فكيف وانت عالم بما في الحسد من العذاب الشديد في الاخرة فما اعجب من العاقل ان يتعرض لسخط الله من غير نفع يناله بل مع ضرر يحتمله والم يقاسيه فيهلك دينه ودنياه من غير جدوى ولا فائدة واما انه لاضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح لان النعمة لاتزول عنه بحسدك بل ما قدره الله تعالى له من اقبال ونعمة

[ 318 ]

فلابد وان يدوم إلى اجل قدره الله تعالى فلاحيلة في رفعه وان كانت النعمة قد حصلت لسعيه من علم أو عمل فلا حيلة في دفعه ايضا بل ينبغى ان تلوم انت نفسك حيث يسعى وقعدت وشمر وكسلت وسهر ونمت وكان حالك كما قيل هلا سعوا سعى الكرام فادركوا أو سلموا لمواقع الاقدار ومهما لم تزل النعمة بالحسد لم يكن على المحسود من ضرر في الدنيا ولا كان عليه اثم في الاخرة ولعلك تقول ليت النعمة كانت تزول عن المحسود بحسدي وهذا غاية الجهل و الغباوة فانه بلاء تشهيه اولا لنفسك فانك لا تخلو أيضا من عدوك فلو كانت النعم تزول بالحسد لم يبق بالله عليك نعمة ولا على الخلق نعمة حتى نعمة الايمان لان الكفار يحسدون المؤمنين عليه قال الله تعالى ودت طائفة من اهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون الا انفسهم وان اشتهيت ان تزول نعمة الغير عنه بحسدك ولا تزول عنك بحسد الغير فهذا غاية الجهل والغباوة فان كل واحد من حمقاء الحساد ايضا يشتهى ان يخص بهذه الخاصة ولست باولى من غيرك فنعمة الله تعالى عليك في ان لم تزل نعمة عليك بحسد غيرك من النعم التى يجب عليك شكرها وانت بجهلك تكرهها واما ان المحسود ينتفع به في الدين والدنيا فواضح اما منفعته في الدين فهو انه مظلوم من جهتك لاسيما إذا اخرجك الحسد إلى القول والفعل بالغيبة والقدح فيه وهتك ستره وذكر مساويه فهى هدايا تهديها إليه فانك تهدى إليه حسناتك حتى تلقاه يوم القيمة مفلسا محروما عن النعمة كما خرجت في الدنيا عن النعمة فكانك اردت زوال النعمة عنه فلم يزل نعمه كان عليك نقمه إذ وفقك للحسنات فنقلتها إليه فاضقت له نعمة إلى نعمة واضقت إلى نفسك شقاوة إلى شقاوة اما منفعته في الدنيا فهو ان اهم اغراض الخلق مسائة الاعداء وغمهم وشقاوتهم وكونهم معذبين مغمومين فلا عذاب اعظم مما انت فيه من الم الحسد وغاية اما نى اعدائك ان يكونوا في نعمة وان يكون في غم وحسرة بسببهم وقد فعلت

[ 319 ]

ما هو مرادهم وقد قال على عليه السلام لاراحة للحسود وقال عليه السلام الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له وقد عرفت من تضاعيف هذه المباحث وجه الكلمتين ومن اجل ذلك ينبغى ان لا تشتهى اعدائك موتك بل تشتهى ان تطول حياتك في عذاب الحسد لتنظر إلى نعمة الله تعالى عليهم فينقطع قلبك حسدا ولذلك قيل لامات اعدائك بل خلدوا حتى يروا منك الذى يكمدلازلت محسودا على نعمة فانما الكامل من يحسد ففرح عدوك بغمك وحسدك اعظم من فرحه بنعمته فإذا تأملت هذا عرفت انك عدو نفسك وصديق عدوك ان تعاطيت ما تضررت به في الدنيا والاخرة وانتفع به عدوك في الدنيا و الاخرة وصرت شقيا عند الخلق والخالق مذموما في الحال والمال ثم لم تقصر على تحصيل مراد عدوك حتى ادخلت اعظم السرور الذى هو اعدى اعدائك لانك لم تحب ما احبه اهل الخير لانفسهم فتكون معهم لان المرء مع من احب فاحبك ابليس لذلك فكنت معه وقد تظافرت الاخبار عن النبي صلى الله عليه واله بان المرء مع من احب وانك ان لم تكن عالما ولا متعلما تكن محبا فقد فانك بحسدك ثواب الحب واللحاق بهم وعساك تحاسد رجلا من اهل العلم وتحب ان يخطئ في دين الله وينكشف خطائه ليفتضح وتحب ان يعرض له ما يمنعه عن العلم والتعليم واى اتم تزيد على هذا فليتك إذا فاتك اللحاق بهم ثم اعثمت به فاتك الاثم وعذاب الاخرة وفذ جائك في الاحاديث ان اهل الجنة ثلثه المحسن والمحب له والكاف عنه أي من يكف عنه الاذى والحسد والبغض فانظر كيف ابعدك ابليس عن المداخل الثلثة فقد تعد عليك حسد ابليس وما تعد حسدك على عدوك بل على نفسك فلو انكشفت حالك لك في يقظته أو منام لرايت نفسك ايها الحاسد في صورة من يرمى عدوه بحجارة ليصيب بها مقلته فلا يصيبه بل يرجع حجره على حدقته اليمنى فيعميها فيزدا وغضبه ثانيا فيعود إلى الرمى اشد من الاول فيرجع على

[ 320 ]

عينه الاخرى فيعميها فيزداد غضبه فيعود ثالثة فيرجع إلى رأسة فيشجه وعدوه سالم على كل حال واعدائه حوله يفرحون بما اصابه ويضحكون منه فهذه حال الحسود لا بل حالة اقبح لان من الحجر المفوت للعين انما يفوت مالو بقى لفات بالموت لامحة بخلاف الاثم الحاصل للحسود فانه لا يفوت بالموت بل بسوقه إلى غضب الله والى النار فلان تذهب عينه في الدنيا خير من ان تبقى له عين يدخل بها النار فيعميها لهبها لهيب النار فانظر كيف انتقام الله تعالى من الحاسد إذا اراد زوال النعمة عن المحسود فازالها عن نفسه إذ السلامة من الاثم نعمة ومن الغم نعمة اخرى وقد زالتا منه تصديقا لقوله تعالى ولا يحيق المكر السيئ الا باهله وربما يبتلى بعين ما يشتهيه لعدوه إذ قل ماشمت شامت بمسائة احدا لا وابتلى بمثلها فهذه هي الادوية العلمية فمهما تفكر الانسان فيها بذهن صاف وقلب حاضر انطفى من قلبه نار الحسد وعلم انه مهلك نفسه ومفرح عدوه ومسخط ربه ومنغص عيشه واما الدواء العملي فبعدان يتدبر ما تقدم ينبغى ان يكلف نفسه نقيض ما ما يبعثه عليه فيمدح للمحسود عليه عند بعثه على القدح ويتواضع له عند بعثه على التكبر ويزيد في الانعام عند بعثه على كفه فينتج هذه المقدمات تمام الموافقة وتنقطع مادة الحسد وتستريح القلب من المه وغمه فهذه ادوية نافعة جدا الا انها مرة جدا لكن النفع في دواء المرو من لم يصبر على مرارة الدواء لم يظفر لحلاوة العشاء والباعث على هذه الخصال الحميدة الرغبة في ثواب الله تعالى والخوف من عقابه وفقنا الله واياكم لاستعماله بمحمد واله وصلى الله عليهم اجمعين الفصل الخامس في كفارة الغيبة اعلم ان الواجب على المغتاب ان يندم ويتوب ويتاسف على ما فعله ليخرج من حق الله تعالى ثم يستحل المغتاب عنه ليحله فيخرج عن مظلمته وينبغى ان يستحله وهو حزين متأسف نادم على فعله إذا المرء قد يستحل ليظهر من نفسه الورع وفى الباطن لا يكون نادما فيكون قد قارن

[ 321 ]

معصيته اخرى وقد ورد في كفارتها حديثان احدهما قوله صلى الله عليه واله كفارة من استغتبته ان تستغفر له والثانى قوله صلى الله عليه واله من كانت لاخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليستحللها منه من قبل ان يأتي يوم ليس هناك دينا ولا درهم يؤخد من حسناته فان لم يكن له حسنات اخذ من سيئات صاحبه فيزيد على سيئاته ويمكن ان يكون طريق الجمع حمل الاستغفار له على من لم يبلغ عيبة المغتاب فينبغي الاقتصار على الدعاء له والاستغفار لان في محالته اثارة للفتنة وجلبا اللضغائن وفى حكم من لم يبلغه من لم يقدر على الوصول إليه بموت أو غيبة وحمل المحالة على من يمكن التوصل إليه مع بلوغه الغيبة ويستحب للمعتذر إليه قبول العذر والمحالة استحبابا مؤكدا قال الله تعالى خذ العفو الاية فقال رسول الله صلى الله عليه واله يا جبرئيل ما هذا العفو قال ان الله يامرك ان تعفو عن من ظلمك وتصل من قطعك وتعطى من حرمك وفى خبر اخر إذا جثى الامم بين يدى الله تعالى يوم القيمة نودو اليقم من كان اجره على الله فلا يقوم الا من عفى في الدنيا وروى عن بعضهم ان رجلا قال له ان فلانا قد اغتابك فبعث إليه طبقا من الرطب و قال بلغني انك قد اهديت إلى حسناتك فاردت ان اكافيك عليه فاعذرني فانى لا اقدوان اكافيك على التمام وسبيل المتعذر ان يبالغ في الثناء عليه والتودد و يلازم ذلك حتى يطيب قلبه فان لم يطب كان اعتذاره وتودده حسنة محسوبة له وقد تقابل سيئة الغيبة في القيمة ولافرق بين غيبة الصغير والكبير والحى والميت والذكر والانثى وليكن الاستغفار والدعاء له على حسب ما يليق بحاله فيدعو للصغير بالهداية وللميت بالرحمة والمغفرة ونحو ذلك ولا يسقط الحق باباحة الانسان غرضه للناس لانه عفو عما يجب وقد صرح الفقهاء بان من اباح قذف نفسه لم يسقط حقه من حده وما روى عن النبي صلى الله عليه واله ايعجز احدكم ان يكون كابى صمصم كان إذا خرج من بيته قال

[ 322 ]

اللهم انى تصدقت بعرضي على الناس معناه انى لااطلب مظلمته في القيمة ولا اخاصم عليها لا ان صارت غيبة بذلك حلالا وتجب النية لهاكبا في الكفارات والله الموفق واما الخاتمة فاعلم وفقك الله تعالى وايانا ان الغرض الكلى للحق تعالى من الخلق والمقصد الاول من بعثته الانبياء والرسل والكتب الالهية والنواميس الشرعية انما هو جذت الخلق إلى الواحد سبحانه ومعالجة نفوسهم من داء الجهل والتفاتها إلى دار القرار ورفضها لهذا الدار وحمايتها ان ترد موارد الهلاك إذا كانت من ذلك على خطر و تشويقها إلى مالاعين رات ولا اذن سمعت ولاخطر على قلب بشر ثم ما يلزم ذلك المقصود من تدبر احوال المعاش البدني وساير الاسباب البقاء للنوع الانساني وكان ذلك موقوفا على الاجتماع والتعاون والتعاضد بالتعلم والتعليم وتذكير المعارف للعاقل بالعهد القديم واستعانة كل واحد بالاخر في تحصيل نفعه اذ كان الانسان مدنيا بطبعه لا يستقل وحده بتحصيل معايشه ولا يقدر على استنباط جميع اغراضه من مأكله ورياسة فلاجرم توقف غرض الحكيم جل جلاله على الاجتماع وتالف القلوب والموادة حالتى الحاضر والغيوب فلذلك تظافرت الاخبار والاثار بالحث على الموادة والنهى على المباينة والمحادة واكثر على عباده لبعضهم بعضا الحقوق وحذرهم من الكفران والعقوق ووعدهم على التألف والتعاطف جزيل الثواب واوعدهم على ترك ذلك مزيد النكال والعقاب كما ستقف عليه ان شاء الله في ضمن ما نورده من الاخبار عن النبي صلى الله عليه واله الاخيار الاطهار والنذكر من ما يناسب هذه الرسالة اثنى عشر حديثا ايثارا للاختصار ومن اراد الغاية في ذلك فليطالعه من كتب المصنفة فيه ككتاب الاخوان للصدوق وابن بابويه وكتاب الايمان وكتاب العشرة وغيرهما من كتب الكافي للكليني قدس سره فان فيه بلاغا وافيا لاهل الاعتبار ودواءا شافيا لاولى الابصار

[ 323 ]

الحديث الاول اخبرنا الشيخ السعيد المبرور نصير الدين ابن على عبد العالي الميسى قدس سره نور قبره اجازه عن شيخه المرحوم المغفور شمس الدين محمد بن المؤذن الجزينى عن الشيخ ضياء الدين عن ولد الامام العلامة المحقق السعيد شمس الدين ابى عبد الله الشهيد محمد بن مكى عن والده المذكور عن السيد عميد الدين عبد المطلب والشيخ فخر الدين ولد الشيخ الامام الفاضل العلامة محيى المذهب جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهر عن والده المذكور عن جده السعيد سديد الدين يوسف بن على بن المطهر عن الشيخ المحقق نجم الدين جعفر بن الحسن بن سعيد الحلى جميعا عن السيد محيى الدين ابى حامد محمد بن عبد الله بن على بن زهره الحلبي عن الشريف الفقيه عز الدين ابى الحرث محمد بن الحسن الحسينى البغدادي عن الشيخ قطب الدين ابى الحسين سعيد بن هبة الله الراوندي عن الشيخ ابى جعفر محمد بن على بن المحسن الحلبي عن الشيخ الفقيه ابى الفتح محمد بن على الكراجكى قال حدثنى أبو عبد الله الحسين محمد بن الصيرفى البغدادي قال حدثنى القاضى أبو بكر محمد بن عمر الجمانى قال حدثنا أبو محمد القاسم بن محمد بن جعفر من ولد عمر بن على عليه السلام قال حدثنى ابى عن ابيه عن ابائه عن أمير المؤمنين قال عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه واله للمؤمن على اخيه ثلثون حقا لابراء له منها الا بادائها أو العفو يغفر زلته ويرحم عبرته ويستر عورته ويقبل عثرته ويقبل معذرته ويرد غيبته ويديم نصيحته ويحفظ خلته ويرعى ذمته ويعود مرضته ويشهد ميتته ويجيب دعوته ويقبل هديته ويكافى صلته ويشكر نعمته ويحسن نصرته ويحفظ حليلته ويقضى حاجة ويشفع مسئلته ويسمت عطسة ويرشد ضالته ويرد سلامه ويطيب كلامه ويبر نعامه ويصدق اقسامه وتواليه ولا يعاديه وينصره ظالما ومظلوما فاما نصرته ظالما فيرده عن ظلمه واما نصرته مظلوما فيعينه على اخذ حقه ولا يسلمه ولا يخذله ويحب له من الخير ما يحب لنفسه و

[ 324 ]

يكره له من الشر ما يكره لنفسه ثم قال عليه السلام سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول ان احدكم ليدع من حقوق اخيه شيئا فيطالب به يوم القيامة فيقضى له عليه الحديث الثاني وبالاسناد المتقدم إلى السيد محيى الدين زهرة قال اخبرني أبو الحسن احمد بن وهب بن سليمان بقرائتي عليه في شعبان سنة احدى وتسعين وخمسمائة قال اخبرنا القاضى فخر الدين أبو الرضا سعيد بن عبد الله بن القسم الشهر زورى يوم الجمعة سابع شهر ربيع الاخر سنة اربع وسبعين وخمسمائة بالموصل قال اخبرنا الشيخ الحافظ أبو بكر وجيه طاهر الشحامى بقرائتي عليه يوم الاربعاء خامس شهر رمضان سنة تسع وثلثين وخمسمائة قال اخبرنا الشيخ الزكي أبو حامد احمد بن الحسن الازهرى قال اخبرنا الشيخ أبو محمد الحسن بن احمد بن محمد بن الحسن بن على بن مخلد المخلدى العدل قراءة عليه فاقر به قال اخبرنا أبو العباس محمد بن اسحق بن ابراهيم الثقفى السراج فيما قرائة عليه لسنة اثنى عشر وثلثمائة فاقر به وقال نعم قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا الليث عن عقيل عن الزهري عن سالم عن ابيه ان رسول الله قال المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يشتمه من كان في حاجة اخيه كان الله له في حاجته ومن فرج عن مسلم كربه فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيمة من سر مسلما ستر الله يوم القيمة الحديث الثالث بالاسناد التقدم إلى السيد محيى الدين قال اخبرنا القاضى شيخ الاسلام ابو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم بقراءتي عليه في الرابع عشر من جمادى الاخرة من سنة ثمان عشرة وستمائة قال اخبرنا القاضى الامام فخر الدين أبو الرضا سعيد بن عبد الله بن القسم الشهر زورى سماعا عليه في جمادى الاخرة سنة اربع وسبعين وخمسمأئة قال اخبرنا الشيخ الامام أبو الفتح محمد بن عبد الرحمن الخطيب الكبثمهينى؟ بقرائتي عليه يوم السبت سابع عشر شوال سنة احدى واربعين وخمسمأة قال اخبرنا الشيخ أبو القاسم هبة الله بن عبد الوارث بن على بن احمد الشيرازي كتبه لى بخطه في شهر ربيع الاول سنة ست وثمانين

[ 325 ]

واربعمائة قال اخبرنا أبو نصر احمد بن عبد الباقي بن الحسن بن طوق المعدل قال اخبرنا أبو القاسم نضربن احمد بن محمد الفقيه قال اخبرني أبو يعلى احمد بن على بن المثنى الموصلي التيمى قال هبة الله اخبرنا أبو القاسم عبد العزيز على بن احمد السكرى قال اخبرنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن بن بن العباس المخلص قال حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال حدثنى عبد الاعلى ابن حماد التونسى قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن ابى رافع عن ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه واله قال ان رجلا زارا خاله في قرية اخرى فارصد الله على مدرجته ملكا فلما اتى عليه قال اين تريد قال اردت اخا لى فرقرية كذا وكذا قال له هل لك عليه من نعمة ترميها قال لا افي احبه في الله قال انى رسول اليك ان الله تعالى قد احبك كما احببته فيه الحديث الرابع وبالاسناد المتقدم إلى القاضى فخر الدين الشهر زورى قال اخبرنا الشيخ الحافظ ثقة الدين أبو القاسم زاهربن طاهر بن محمد الشحام قرائة عليه وانا اسمع يوم الاربعاء التاسع والعشرين من سنة خمس وعشرين وخمسمائة ببغداد قال اخبرنا الشيخ أبو نصر عبد الرحمن بن على بن موسى قال اخبرنا أبو الحسن احمد بن محمد بن موسى بن الصلت القزويني ببغداد قال حدثنا ابو اسحق ابراهيم بن عبد الصمد الهاشمي املاء قال حدثنى أبو مصعب احمد بن ابى بكر الزهري عن مالك بن انس عن ابى شهاب عن انس بن مالك ان رسول الله قال لاتباعنوا؟ ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله اخوانا ولا يحل لمسلم ان يهجر اخاه فوق ثلث ليال الحديث الخامس وبالاسناد المتقدم إلى الشحامى قال اخبرنا الشيخ ابو سعيد محمد بن عبد العزيز الصفار قال اخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن محمد بن الحسن السلمى قال اخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن محبوب قال حدثنا احمد بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن الازهرى قال حدثنا محمد بن عبد الله البصري قال حدثنا يعلى بن ميمون

[ 326 ]

قال حدثنا يزيد الرقاشى عن انس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه واله من الطف مؤمنا أو قام له بحاجة من حوائج الدنيا والاخرة صغر ذلك أو كبر كان حقا على الله ان يخدمه يوم القيمة الحديث الثالث وبالاسناد المتقدم إلى السلمى قال اخبرنا عبد العزيز بن جعفر بن محمد بن الحرابى ببغداد قال حدثنا محمد بن هرون بن برية قال حدثنا عيسى بن مهران قال حدثنا الحسن بن الحسين قال حدثنا الحسين بن زيد قال قلت لجعفر بن محمد عليه السلام جعلت فداك هل كانت في النبي مداعته فقال لقد رصفه الله بخلق عظيم في المداغبة وان الله بعث انبيائه فكانت فيهم كزازة وبعث محمدا بالرأفة والرحمة وكان من رأفته لامته مداعبته لهم لكيلا يبلغ باحد منهم التعظيم حتى لا ينظر إليه ثم قال حدثنى ابى محمد عن ابيه على عن ابيه الحسين عن ابيه على عليهم السلام قال كان رسول الله صلى الله عليه واله ليسر الرجل من اصحابه إذا راه مغموما بالمداعبة وكان يقول ان الله يبغض المعبس في وجه اخوانه الحديث السابع بالاسناد المتقدم إلى شيخ المذهب ومحيبه ومحققه جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهر عن والده السعيد سديد الدين يوسف بن المطهر قال اخبرنا الشيخ العلامة النسابة فخار بن المعد الموسوي عن الفقيه سديد الدين شاذان بن جبرئيل القمى عن عماد الدين الطبري عن الشيخ ابى على الحسن بن الشيخ ابى جعفر محمد بن الحسن الطوسى عن والده الشيخ قدس الله روحه عن الشيخ المفيد محمد بن النعمان عن الشيخ الصدوق محمد بن على بن الحسين بن بابويه القمى عن الشيخ ابى عبد الله جعفر بن قولويه عن الشيخ ابى عبد الله محمد بن يعقوب الكليني عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد بن عيسى عن على بن الحكم عن عبد الله بن بكر عن معلى بن خنيس عن ابى عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال قلت له ماحق المسلم على المسلم قال له سبع حقوق واجبات مامنها حق الا وهو واجب ان ضيع منها خرج من ولاية الله وطاعته ولم يكن فيه نصيب قلت له جعلت فداك وما هي قال

[ 327 ]

يا معلى انى عليك شفيق اخاف ان تضيع ولا تحفظ وتعلم ولا تعمل قال قلت لاقوة الا بالله قال ايسر حق منها ان تحب له ما تحب لنفسك وتكره ما تكره لنفسك والحق الثاني ان تتجنب سخطه وتتبع مرضاته ونطيع امره والحق الثالث ان تعينه بنفسك ومالك و لسانك ويدك ورجلك والحق الرابع ان تكون عينه مراته ودليله والحق الخامس ان لا تشبع ويجوع ولا تروى ويظما ولا تلبس ويعرى والحق السادس ان يكون لك خادم وليس لاخيك خادم فواجب لك ان تبعث إليه خادمك فيغسل ثيابه ويضع طعامه ويمهد فراشه والحق السابع ان ترفسمته؟ وتجيب دعوته وتعود مرضته وتشهد جنازته وإذا علمت ان له حاجة فبادر إلى قضائها ولا تلجئه إلى ان يسألكها ولكن تبادره مبادرة فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته وولايته بولايتك الحديث الثامن وبالاسناد إلى محمد بن يعقوب الكليني عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد بن عيسى عن على بن الحكم عن محمد بن مروان عن ابى عبد الله عليه السلام قال إذا مشى الرجل في حاجة اخيه المؤمن تكتب له عشر حسنات وتمحى عنه عشر سيئات وترفع له عشر درجات ولا اعلمه قال الا قال ويعدل عشر رقبات وافضل من اعتكاف شهر في المسجد الحرام الحديث التاسع بالاسناد عن الكليني رحمه الله عن على بن ابراهيم بن الهاشم القمى ره عن ابيه عن محمد بن ابى عميد عن حسين بن ابى نعيم عن مسمع بن ابى يسار بن سيار قال سمعت ابا عبد الله عليه السلام من نفس عن مؤمن كربة كرب الاخرة نفس الله عنه كربة يوم القيمة وخرج من قبره ثبح الفؤاد ومن اطعمه من جوع اطعمه الله من ثمار الجنة ومن سقاه شربة سقاه الله من الرحيق المختوم الحديث العاشر رويناه باسانيد متعددة احدها الاسناد المتقدم في الحديث السابع إلى الشيخ ابى القاسم جعفر بن محمد بن قولويه عن ابيه عن سعد بن عبد الله عن احمد بن محمد بن عيسى عن ابيه محمد بن عيسى

[ 328 ]

الاشعري عن عبد الله بن السليمان النوفلي قال كنت عند جعفر بن محمد الصادق عليه السلام فإذا بمولى لعبدالله النجاشي قد ورد عليه فسلم واوصل إليه كتابه نقضه وقراه فإذا اول سطر بسم الله الرحمن الرحيم اطال الله تعالى بقاء سيدى وجعلني من كل سوء فداه ولا اداتي فيه مكروها فانه ولى ذلك والقادر عليه اعلم سيدى ومولاى انى بولاية الاهواز فان راى سيدى ان يحد لي حدا أو يمثل مثالا لاستدل به على ما يقربني إلى الله عزوجل والى رسوله ويلخص في كتابه ما يرى لى للعمل به وفيما تبدله وابتدله واين اضع زكاتي وفيمن اصرفها وبمن انس والى من استريح وبمن اثق وامن والجأ إليه في سرى فعسى ان يخلصنى بهدايتك ودلالتك فانك حجة الله على خلقه وامينه في بلاده لا زالت نعمته عليك كذا بخطه قال عبد الله بن سليمان فاجابه أبو عبد الله عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم حاملك الله بصنعه ولطف بمنه وكلا برعايته فانه ولى ذلك اما بعد فقد جاء إلى رسولك بكتابك وقرائة وفهمت ما فيه و جميع ما ذكرته وسئلت عنه وزعمت انك بليت بولاية الاهواز فسرني ذلك وسائني وسأ؟ خبرك بما سائنى من ذلك وما سرني ان شاء الله تعالى فاما سروري بولايتك فقلت عسى ان يغيث الله بك ملهوفا خائفا من اولياء ال محمد ويغر بك ذليلا ويكسو بك عاديهم ويقوى بك ضعيفهم ويطفئ بك نار المخالفين عنهم واما الذى سائنى من ذلك فان ادنى ما اخاف عليك ان تعثر بولي لنا فلا تشم رائحة حضيرة القدس فانى مخلص لك جميع ما سئلت عنه ان انت عملت به ولم تجاوزه رجوت ان تسلم ان شاء الله اخبرني يا عبد الله ابى عن ابائه عن على بن ابى طالب عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه واله انه قال من استشاره اخوه المؤمن فلم يمحصه النصيحة سلبه الله لبه واعلم انى سأشير عليك براى ان انت عملت به تخلصت مما انت متخوفه؟ واعلم ان خلاصك ونجاتك من حقن الدماء وكف الاذى عن اولياء الله والرفق بالرعية والثانى وحسن المعاشرة مع لين في غير ضعف وشدة

[ 329 ]

في غير انف ومدارات صاحبك ومن يرد عليك من رسله وارتق فتق رعيتك بان توفقهم على ما وافق الحق والعدل ان شاء الله تعالى واياك والسعادة واهل النمايم فلا يلتزقن منهم بك احدا ولا يراك الله يوما وليلة وانت تقبل منهم صرفا ولاعدلا فيسخط الله عليك وبهتك سترك واحذر مكر خوز الاهواز فان ابى اخبرني عن ابائه عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال ان الايمان لا يثبت في قلب يهودى ولاخوزى ابدا فاما من تأنس به وتستريح إليه وتلجأ امورك إليه فذلك الرجل المستبصر الامين الموافق لك على دينك ومنيرا عوانك وجرب الفريقين فان رأيت هنا لك رشدا فشانك واياه واياك ان تعطى درهما أو تخلع ثوبا أو تحمل على دابة في غير ذات الله لشاعر أو مضحك أو ممتزح الا اعطيت مثله في ذات الله وليكن جوائزك وعطاياك وخلعك للقواد والرسل والاحفاد واصحاب الرسائل واصحاب الشرط والاخماس وما اردت ان تصرفه في وجوه البر والنجاح والعتق والصدقة والحج والمشرب والكسوة التى تصل فيها وتصل بها والهدية التى تهديها إلى الله تعالى عج والى رسوله صلى الله عليه واله من اطيب كسبك يا عبد الله اجهدان لا تكنز ذهبا ولافضة فتكون من اهل هذه الاية التى قال الله تعالى الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ولا تستصغرن من حلوا وفضل طعام تصرفه في بطون خالية يسكن بها غضب الله تبارك وتعالى واعلم انى سمعت ابى يحدث عن ابائه عن أمير المؤمنين عليه السلام انه سمع النبي يقول لاصحابه يوما ما امن بالله واليوم الاخر من بات شبعان وجاره جائع فقلنا هلكنا يا رسول الله فقال من فضل طعامكم ومن فضل تمركم ورزقكم وخلقكم وخرقكم نطفؤن بها غضب الرب وسأنبئك بهوان الدنيا وهو ان شرفها على ما مضى من السلف والتابعين فقد حدثنى محمد بن على بن الحسين قال لما تجهر الحسين عليه السلام إلى الكوفة اتاه ابن عباس فنا شده الله

[ 330 ]

والرحم ان يكون هو المقتول بالطف فقال بمصرعي منك وماركدى من الدنيا الا فراقها الا اخبرك يابن عباس بحديث أمير المؤمنين والدنيا فقال له بلى لعمري انى لاحب ان تحدثني بامرها فقال ابى قال على ابن الحسين عليه السلام سمعت ابا عبد الله يقول حدثنى أمير المؤمنين قال انى كنت بفدك في بعض حيطانها وقد صارت لفاطمة عليه السلام قال فإذا انا بامره قد فحمت على وفى يدى مسحاة وانا اعمل بها فلما نظرت إليها طاير قلبى مما تداخلنى من جمالها فشبهتها ببينة بنت عامر الجمحى وكانت من نساء اجمل قريش فقالت يابن ابى طالب هل لك ان تتزوج لى فاغنيك عن هذه المسحاة وادلك على خزائن الارض فيكون لك الملك ما بقيت ولعقبك من بعدك فقال لها على عليه السلام من انت حتى اخطبك من اهلك فقالت انا الدنيا قال لهما فارجعي واطلبي زوجا غيرى واقبلت على مسحاتي وانشات اقول لقد خاب من غرته دنيا دنية وما هي ان عزت قرونا بتائل * اتتنا على ذى العزيز وثبنية * وزينتها في مثل تلك الشمائل فقلت لها غرى سواى فانني * عروف عن الدنيا ولست بجاهل * وما انا والدنيا فان محمدا اهل صريعا بين تلك الجنادل * وهبها اتتنى بالكنوز وردها * واموال قارون وملك القبائل اليس جميعا للفناء مصيرها * ويطلب من خزانها بالطوائل * فغرى سواى اننى غير راغب بما فيك من ملك وعزو نائل * فقد قنعت نفسي بما قد رزقته * فشانك يا دنيا واهل الغوائل فانى اخاف الله يوم لقائه * واخشى غدايا دائما غير زائل * فخرج من الدنيا وليس في عتقه تبعة لاحد حتى لقى الله محمودا غير ملوم ولا مذموم ثم اقتدت به الائمة من بعده بما قد بلغكم لى يتلظحوا بشئ من بوائقها عليهم السلام اجمعين واحسن مثواهم وقد وجهت اليك بمكارم الدنيا والاخرة وعن الصادق عليه السلام رسول الله صلى الله عليه واله فان انت عملت بما نصحت لك في كتابي هذا ثم كانت عليك من الذنوب والخطايا كمثل اوزان الجبال وامواج البحار رجوت الله ان يتجاوز عنك عج بقدرته يا عبد الله اياك ان نخيف مؤمنا فان

[ 331 ]

محمد بن على عليه السلام حدثنى عن ابيه عن جده على بن ابى طالب عليه السلام انه كان يقول من نظرا إلى مؤمن ليخيفه بها اخافه الله يوم القيمة لاظل الا ظله وحشره الله في صورة الذر لحمه وجسده جميع اعضائه حتى يورده مورده وحدثني ابى عن ابائه عن على عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه واله انه قال من اغاث لهفانا من المؤمنين اغاثة الله يوم لاظل الاظله وامنه يوم الفزع الاكبر وامنه من سوء المتقلب ومن اقضي لاخيه المؤمن حاجة قضى الله له حوائج كثيره من احداها الجنة ومن كسا اخاه المؤمن من عرى كساه الله من سندس الجنة واستبرقها وحريرها ولم يزل يخوض في رضوان الله مادام على المكسو منها سلك ومن اطعم اخاه من جوع اطعمه الله من طيبات الجنة ومن سقاه من ظماء سقاه الله من الرحيق المختوم دية ومن اخدم اخاه اخدمه الله من الولدان المخلدين واسكنه مع اوليائه الطاهرين ومن حمله اخاه المؤمن رحله حمله الله على ناقة من نوق الجنة وباهى به على الملائكة المقربين يوم القيمة ومن زوج اخاه المؤمن امرأة يأنس بها وتشد عضده ويستريح إليها زوجه الله من حور العين وانسه بمن احب من الصديقين من اهل بيته واخوانه وانسهم به ومن اعان اخاه المؤمن على سلطان جائر اعانه الله على اجازه الصراط عند زلزلة الاقدام ومن زار اخاه المؤمن إلى منزلة لا لحاجة منه إليه كتب من زوار الله وكان حقيقا على الله ان يكرم زائره يا عبد الله حدثنى ابى عن ابائه عن على عليه السلام انه سمع رسول الله صلى الله عليه واله وهو يقول لاصحابه يوما معاشر الناس انه ليس بمؤمن من امن بلسانه ولم يؤمن بقلبه فلا تتبعوا عثرات المؤمنين فانه من اتبع عثرة من اتبع الله عثراته يوم القيمة وفضحه في جوف بيته وحدثني ابى عليه السلام عن ابائه عن على انه عليه السلام قال اخذ الله ميثاق المؤمن ان لا يصدق في مقالته ولا ينتصف به من وعده وعلى ان لا يشفى غيظه الا بفضيحة نفسه لان كل مؤمن ملجم وذلك لغاية قصيرة وراحة طويلة اخذ الله ميثاق المؤمن على اشياء ايسرها

[ 332 ]

عليه مؤمن مثله يقول بمقالته في فيه ويحسده والشيطان يغويه ويمعيه والسلطان يقفوا اثره ويتبع عثراته كافر بالذى هو مؤمن يرى سفك دمه دنيا واباحته حريمه غنما فما بقاء المؤمن بعد هذا يا عبد الله وحدثني ابى عليه السلام عن ابائه عن على عليه السلام عن النبي صلى الله عليه واله قال نزل جبرئيل عليه السلام فقال يا محمد صلى الله عليه واله ان الله يقرأك عليك السلام يقول اشتققت للمؤمن اسما من اسمائي سميته مؤمنا فالمؤمن متى وانا منه من استهان بمؤمن فقد استقبلتي بالمحاربة يا عبد الله وحدثني ابى عليه السلام عن ابائه عن على عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه واله انه قال يوما يا على لا تناظر رجلا حتى ننظر في سريرته فان كانت سريرته حسنة فان الله تعالى عزوجل لم يكن ليحذوك لبه وان كانت سريرته روية فقد يكفيه مساويه فلو جهدت ان يعمل به اكثر مما عمله من معاصي الله عزوجل ما قدرت عليه يا عبد الله وحدثني ابى عليه السلام عن ابائه عن على عليه السلام عن النبي انه قال ادنى الكفر ان يسمع الرجل عن اخيه الكلمة ليحفظها عليه يريد ان يفضحه بها اولئك لاخلاق لهم يا عبد الله وحدثني ابى عن ابائه عن على عليه السلام قال من قال في مؤمن ما رأت عيناه وسمعت اذناه ما يشينه ويهدم مروته فهو من الذين قال الله عزوجل ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين امنوا لهم عذاب اليم يا عبد الله وحدثني ابى عن ابائه عن على انه قال من روى عن اخيه المؤمن رواية يريد بها ان يهدم مروته وثلبه اوقبه الله تعالى بخطبه حتى يأتي بمخرج مما قال ولن ياتي بالمخرج منه ابدا ومن ادخل على اخيه المؤمن سرورا فقد ادخل على اهل البيت سرورا ومن ادخل على اهل البيت سرورا فقد ادخل على رسول الله صلى الله عليه واله سرورا ومن ادخل على رسول الله صلى الله عليه واله سرورا فقد سر الله ومن سر الله فحقيق عليه ان يدخل الجنة ثم انى اوصيك بتقوى الله وايثار طاعته والاعتصام بحبله فانه من اعتصم بحبل الله فقد هدى إلى صراط مستقيم فاتق الله ولا تؤثر احدا على وضاه وهواه فانه وصية الله عج

[ 333 ]

إلى خلقه لا يقبل منهم غيرها ولا يعظم سواها؟ واعلم ان الخلائق لم يوكلوا بشئ اعظم من التقوى فانه وصينا اهل البيت فان استطعت من ان لا تنال من الدنيا شيئا تسئل عنه غدا فافعل قال عبد الله بن سليمان فلما وصل كتاب الصادق إلى النجاشي نظر فيه وقال صدق الله الذى لا اله الا هو مولاى فما عمل احد بهذا الكتاب الا نجا فلم يزل عبد الله يفعل به ايام حيوته الحديث الحادى عشر بالاسناد إلى الكليني عن محمد بن يحيى عن على بن النعمى عن ابن مسكان عن خثيمة قال دخلت على ابى جعفر عليه السلام اودعه قال يا خثيمة ابلغ من ترى من موالينا السلام واوصيه بتقوى الله العظيم وان يعود غنيهم على فقيرهم وقويهم على ضعيفهم وان يشهد جنازة ميتهم وان يتلاقوا في بيوتهم فان لقيا بعضهم بعضا حيوة لامرنا رحم الله عبدا احيى امرنا يا خثيمة ابلغ موالينا ان لا يغنى عنهم من الله شيئا الا بعمل وانهم لن ينالوا أو لابتنالوا الا بالورع ان اشد الناس حسرة يوم القيمة من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره الحديث الثاني عشر بالاسناد عنه ره عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد بن عيسى بن محمد بن سنان عن العلاء بن الفضل عن ابى عبد الله عليه السلام قال كان أبو جعفر عليه السلام يقول عظمو اصحابكم ووقروهم ولا يحبهم بعضكم بعضا ولا تضاد واو لا تحاسدوا واياكم والبخل وكونوا عباد الله المخلصين وبهذا نختم الرساله ونبتهل إليه تعالى بفضله العميم وكرمه الجسيم وبمحمد واله افضل الصلوة والتسليم ان يرزقنا العمل بما اشتملت عليه من االكمال وان لا يجعل حظنا منها مجرد المقال ويصلحنا لانفسنا واخواننا ويصلحهم لنا انه ارحم الراحمين واكرم الاكرمين والحمد لله رب العالمين وصلوته على سيد رسله وخير خلقه محمد واله الطاهرين افردها من مواضع متعددة واماكن متبددة العبد الفقير إلى الله تعالى زين الدين بن على بن احمد بن تقى بن صالح بن شرف العاملي تخار يرى تجاوز الله تعالى عن سيئاته ووفقه لمرضاته وفرغ منها يوم ثالث عشرين شهر صفر ختم بالخير سنة تسع و اربعين وتسعمائة من الهجرة النبوية حاميا مصليا مسلما مستغفرا صلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين حرره العبد الاثم الجاني ابن محمد على محمد حسن الجرفاذقانى سنة 1313

[ 334 ]

هو تفصيل ما في هذا الكتاب المستطاب بحسب ترتيب الابواب رسالة في انفعال ماء البئر بملاقات النجاسة * رسالة فيمن تيقن با الطهارة والحدث وشك في المتأخر * رسالة فيمن احدث في اثناء غسل الجنابة * رسالة في وجوب صلوة الجمعة كتاب اسرار الصلوة * رسالة نتايج الافكار * رسالة في طلاق الحايض والغايب عن زوجته * رسالة في الحبوة * رسالة في ميراث الزوجة كتاب كشف الريبة في احكام الغيبة * تلك عشرة كاملة في سنة 1313 تم بحمد الله والمنه سنة 1313

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية