الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




صلاة الجماعة - الشيخ الأصفهاني

صلاة الجماعة

الشيخ الأصفهاني


[ 1 ]

بحوث في الفقه صلاة الجماعة للمحقق الفذ آية الله العظمى ال‍ شيخ محمد حسين الاصفهاني قدس سره المتوفى 1361 ه‍. ق مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 2 ]

الكتاب: صلاة الجماعة المؤلف: المحقق آية الله العظمى الشيخ محمد حسين الاصفهاني المحقق: لجنة التحقيق الموضوع: فقه اللغة: عربي عدد الاجزاء: جزء واحد عدد الصفحات: 240 الناشر: مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة الطبع: مطبعة مؤسسة النشر الاسلامي الطبعة: الثانية المطبوع: 2000 نسخة التاريخ: 1409 ه‍. ق

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة على خير خلقه وخاتم رسله محمد وآله الطيبين، واللعن الدائم على اعدائهم أجمعين. وبعد، فإن الانسان إنسان بفكره وثقافته والامم حية بحياة أفكارها وعلومها، والعلماء هم أصحاب الدور الاسمى في قيادة الامة والحفاظ علي حياتها الفكرية وإحياء تراثها العلمي وإثرائه، والامة الاسلامية بفضل ثقافة القرآن الالهية وتربية الرسول الاعظم والمعصومين من آله امتازت بعلماء فطاحل ومفكرين عظام ارتووا من معين الحق الذي لا ينضب وخلدتهم دروسهم بألسنتهم وأقلامهم بما جسدته كتبهم من ثقافتهم وأفكارهم، ومن اولئك العلامة المحقق والمدقق الكبير آية الله العظمى الشيخ محمد حسين الاصفهاني وهو من زمرة النوابغ القلائل الذين يضن بهم الزمان، إلا في فترات متباعدة، وهو أحد الشخصيات اللامعة في تاريخ علمي الفقه والاصول، وقد أنهى عدة دورات في الاصول وفقه المكاسب. ويكفينا في التعرف على شخصيته العلمية ماقاله البحاثة آغا بزرك الطهراني - قدس الله نفسه الزكية -: " ولما توفي شيخنا الخراساني (الآخوند) برز بشكل خاص وحف به جمع من الطلاب واشتغل بالتدريس في الفقه والاصول، وكان جامعا متفننا شارك بالاضافة إلى ما ذكر في الكلام والتفسير والحكمة.. اشتغل بالتدريس في الفقه والاصول والعلوم العقلية زمنا طويلا وكان مدرسة مجمع أهل الفضل والكمال، وقد تخرج عليه جمع من أفاضل الطلاب كانت له قدم راسخة في الفقه وباع طويل في الاصول، وآثاره في ذلك تدل على أنظاره العميقة وآرائه الناضجة لكنه غلبت عليه الشهرة في تدريس الفلسفة لاتقانه هذا الفن بل وتفوقه فيه على اهله من معاصريه واستمر على نشر العلم ونهض بالاعباء الثقيلة ".

[ 4 ]

ولهذا المحقق الكبير عدة مؤلفات قيمة منها هذا الكتاب الذي بين أيدينا وهو يشتمل على ثلاث رسائل: رسالة في صلاة الجماعة وأخرى في صلاة المسافر والثالثة في الاجارة وقد سميناه ب‍ " بحوث في الفقه ". وقد قامت المؤسسة - بحمد الله ومنه - على تحقيقه وطبعه ونشره بهذا الاسلوب سائلة الله سبحانه الرحمة والغفران للمؤلف - قدس سره - والتوفيق لها لخدمة الحوزات العلمية ورواد العلم والفضيلة إنه خير ناصر ومعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الحريم نسبه هو الشيخ (محمد حسين) الاصفهاني ابن الحاج محمد حسن بن علي أكبر بن آقابابابن آقا كوچك بن الحاج محمد اسماعيل (1) بن الحاج محمد حاتم النخجواني. ولادته ونشأته ووفاته ولد استاذنا الشيخ قدس سره في ثاني محرم الحرام سنة 1296 بالنجف الاشرف (2) من أبوين كريمين. وكان أبوه الحاج محمد حسن من مشاهير تجار الكاظمية الاتقياء الذين كان يشار إليهم بالبنان. وكان من المحبين للعلم والعلماء. فعاش شيخنا المترجم له في كنف أبيه عيشة ترف ونعمة، وخلف له من التراث الشئ الكثير الذي أنفقه كله في سبيل طلب العلم. ولذا نشأ نشأة المعتز بنفسه المترفع عما في أيدي الناس. وهذا ما زاده عزا وإباء. وكان قد حدب والده على تربيته تربية علميه صالحة، ومهد له السبيل إلى تحصيل العلم، فظهرت معالم النبوغ الفطري مبكرة في طفولته الوادعة، حين تعلم الخط فأظهر في جميع أصنافه براعة فائقة، وأصبح من مشاهير دوي الخطوط الجميلة. وللخط قيمته الفنية لا سيما في ذلك العهد ولكل فن وعلم موهبة خاصة يودعها الله


(1) وهو الذي هاجر من " نخجوان " إلى " اصفهان " وسكن فيها. (2) ثم انتقل إلى الكاظمية في أوائل العقد الثاني من عمره وعاش فيها بضع سنين ثم انتقل إلى النجف.

[ 6 ]

تعالى من يشاء من عباده. كما انكب شيخنا على طلب العلم في سنه المبكرة، وانتقل إلى النجف الاشرف جامعة العلم وعاصمة الدين في اخريات العقد الثاني من عمره، بعد أن قضى حداثته وشطرا من شبابه في الكاظمية مشتغلا في مقدمات العلوم الدينية. وعند هجرته إلى النجف الاشرف حضر في الاصول والفقه على مربي العلماء والمدرس الاول والمجاهد الاكبر الشيخ محمد كاظم الخراساني المعروف (بالآخوند) قدس سره. واختص به إلى أن توفي نسة 1329 ه‍ فكان من مشاهير تلامذته وكانت مدة حضوره عليه 13 عاما كتب في خلالها جملة من حاشيته (1) على (كفاية الاصول) لاستاذه. ومن غريب ما ينقل عنه انه لم يترك درس استاذه في هذه المدة الا يومين يوم أصيب فيه رمد شديد عاقه عن الحضور ويوم آخر هطلت فيه الامطار بغزارة فظن أن ذلك سيعوق استاذه وتلاميذه عن الحضور فظهر بعد ذلك أن استاذه حضر وألقى درسه على شرذمة قليلة منهم. قال المرحوم الحجة الاوردبادي وهو أحد تلامذة المترجم له: إنتماء شيخنا المترجم له إلى استاذه هذا أكثر وأشهر لانه طالت مدته فدأب على التلمذة عليه ثلاثة عشر عاما فقها واصولا حتى قضى نحبه فاستقل شيخنا بالتدريس. وحضر استاذنا أيضا في الفقه واصوله قليلا على العلامة المحقق الشهير السيد محمد الاصفهاني المتوفى سنة 1261 ه‍. وبعد وفاة استاذه المحقق الآخوند استقل بالبحث والتدريس، وحضر عليه كثير من مشاهير علماء العصر الذين استقلوا بعده بالتدريس. وأنهى عدة دورات في الاصول وفقه المكاسب، وآخر دورة كاملة له في


(1) وبهذه المناسبة نسجل أسفنا على ما فات الطابعين للجزء الاول من هذه الحاشية إذ حذفوا حبا بالاقتصاد كل كلمة " مد ظله " وكلمة " قده " في حين انهما بميزان بين ماكتب في عهد استاذه وبين ما كتب بعده. والنسخة الخطية بقلم المؤلف تحتفظ بهذه المزية، وكذلك نسختي التي كتبتها لنفسي وطبع عليها الجزء الاول.

[ 7 ]

الاصول شرع بها في شوال سنة 1344 ه‍ وانهاها سنة 1359 ه‍. وهي أطول دورة له حقق فيها كثيرا من المباحث الغامضة، وكتب فيها جملة من التعليقات النافعة على حاشيته لا سيما على الجزء الاول المطبوع. ولا يستغنى بهذا المطبوع عن هذه التعليقات. كما كتب خلالها جملة من الرسائل الصغيرة في عدة مسائل منها (رسالة أخذ الاجرة على الواجبات) التي لم يكتب مثلها في هذا الموضوع استيفاء وتحقيقا. وقد توفقت بحمد الله تعالى للحضور عليه في هذه الدورة ابتداء من سنة 1345 ه‍. وبعد هذه الدورة شرع في دورة جديدة على اسلوب جديد اعتزم فيها تهذيب الاصول واختصاره وتنظيم أبوابه تنظيما فنيا لم يسبق إليه، فوضع في المبادئ ما كان يظن أنه من المسائل ووضع في المسائل ما كان يحرر في المبادئ كمسألة المشتق. وقسم الاصول إلى اربعة مباحث على غير المألوف فاماط اللثام عما كان يقع من الخلط بين المباحث. والمباحث الاربعة التي وضعها لابواب الاصول هي: المباحث اللفظية، ومباحث الملازمات العقلية، ومباحث الحجة ومباحث الاصول العملية. وقد شرع رحمه الله في تأليف كتاب مختصر مهذب على هذا الاسلوب في علم الاصول، فاستبشر أهل العلم بهذا العمل الجليل الذي كان منتظرا من مثله وكان امنية الجميع لولا أن المرض لم يمهله أن يتم تأليفه هذا بعد سنة من شروعه حتى فاجأته المنية (فجر الخامس من شهر ذي الحجة عام 1361 ه‍) مأسوفا على تلك الشعلة الالهية الوهاجة أن تنطفي في وقت الحاجة إليها، فاحبط ذلك المشروع الخطير الذي كان ينويه في تأليفه الجديد الذي لو قدر له أن يتم لوفر على طلاب العلم كثيرا من وقتهم ولفتح لهم أبوابا ملذة جديدة من البحث العالي والتفكير السمتقيم. وهذه احدى أفكاره الاصلاحية التي كانت تجول في خاطره وكان يحرق الارم لاجلها حينما يجد أن الوقت لم يحن لتنفيذها أو لابرازها على الاقل، وكثيرا ما كان يوحي الينا في خلواته بخواطره في سبيل اصلاح الحركة العلمية والوضع الديني السائد. ولم يكن الزمن يواتيه يومئذ أن ينهض بواحدة منها، حتى خسره العلم والدين عمادا لقبة الاسلام وعميدا لخزان الشريعة، وخازنا للفيض القدسي، وترجمانا للكلام النفسي وإماما للمسلمين، وهاديا للحق، ومصباحا للمهتدين إلى عين اليقين.

[ 8 ]

نعم انه قدس سره اتجه في حياته إلى كل مناحي المعارف، وكرس أيامه لنيل كل مكرمة، فكان في الفلسفة الحكيم العارف، وفي الاخلاق خزانة الاسرار الفائز بأسمى رتب الشهود، وفي الفقه والاصول الامام الحجة نسيج وحده وعلامة دهره، وفي الادبين الفارسي والعربي الفنان الماهر. منزلته العلمية كان قدس الله تعالى نفسه الزكية من زمرة النوابغ القلائل الذين يضن بهم الزمان إلا في فترات متباعدة ومن تلك الشخصيات اللامعة في تاريخ علمي الفقه والاصول. وإذا صح أن يقال في أحد انه جاء بما لم يجئ به الاوائل فهو هذه العمود لفجر الاسلام الصادق الذي انطفأ قبل شروق شمس نهاره لتراه كل عين. ما سلك طريقا في بحث مسألة إلا وتطاير فضول ما علق بها من الاوهام هباء، وما حبرت يراعته بحثا إلا وحيرت العقول كيف تذهب آراء الباحثين جفاء. لو قدر لهذا النابغة ولله في خلقه شؤون أن تثنى له الوسادة ليتربع على كرسي الرئاسة العامة وكانت منه قريبة، لقلب اسلوب البحث في الفقه والاصول رأسا على عقب، ولتغير مجرى تاريخهما بما يعجز عن تصويره البيان، ولعلم الناس أن في الثريا منالا تقربه النوابغ إليهم من حيث يحسون ويلمسون. ولذا كانت فاجعة العلم بموته فاجعة قطعت على البحث طريقه اللاحب إلى ساحة الحقائق الواسعة، وأخرت على شوطا بعيدا من السير كان يقطعه في زمن قريب لو قدر له طول عمره اكثر واني اتفاءل للجيل العلمي الآتي أن يبل هذا الشوط حينا يقدر لكنوز مؤلفات شيخنا المترجم له أن تدرس وتحقق من جديد، ليعلم الناس أن في هذه الكنوز الثمنية من الآراء الناضجة ما يعطي للعلم صبغته الجديدة التي يستحقها، ومن التحقيقات النفيسة ما ينسخ أكثر ما نسج عليه نسج عليه السابقون. وعسى آن يخال القارئ أن كلمتي هذه جرت على عادة الكتاب في مبالغاتهم عمن يترجمون لهم، ولكني اسجل كلمتي هذه على نفسي للجيل الآتي، ليشهد هو على صدق مقالتي، وهو الذي سيفهم ما أقوله، وما يدريني لعل الجيل الآتي سيراني

[ 9 ]

مقصرا في تعريف شخصية هذا العظيم ووصفه بما يستحق. ولكن ليتذكراني أنا الذي تفاءلت له بعرفان هذه الشخصية، وبشرته بأنه سيبني ابحاثه الآتية في الفقه والاصول على اساس نظرياته المحكمة وسيتخذ طريقته منهاجا لبحثه، فسبقت إلى فضيلة هذا التفاؤل العلمي. وما يضيرني أن يظن البعض بي الظنون، فيرميني بالغلو كما يرمى به كل تلاميذ هذا الاستاذ الذين لهم مثل هذا الاعتقاد، إلا انه ليعلم ان اول فتح هذا الفأل نشر هذا الكتاب (يعنى الكاتب حاشية المكاسب)، إذ يصبح في متناول كل باحث مفكر. وهل يلذ لمقتطف ثمار هذه الشجرة الطيبة أن يقتطف من غير هذه النبعة؟ وهل يطيب لمن عب من هذا الفرات السائغ أن يحتسي من غير وروده؟ اني اباهلك ايها القارئ ان كنت من ذوي العلم والبصيرة قال صاحبه المرحوم الحجة الشيخ محمد حرز الدين حول شخصية المترجم له: كان عالما محققا فيلسوفا ماهرا في علمي الكلام والحكمة وله الباع الطويل في الادب العربي والفارسي والتاريخ والعرفان وأجاد في شاعريته ونظم عدة قصائد وأراجيز ملؤها المعاني الجسيمة والابداع والرقة والانسجام وكان مدرسا بارعا في علمي الفقه والاصول وآخر أيامه صار مرجعا للتقليد رجع إليه بعض الخواص والتجار في بغداد وأفراد من بعض المدن العراقية وسمعت هكذا في طهران والشيخ من خلص أصحابنا في النجف وكان مدرسا قديرا أجاز كثيرا من أهل الفضل إجازة الاجتهاد (1). قال شيخنا البحاثة آغا بزرك الطهراني صاحب الذريعة: ولما توفي شيخنا الخراساني (الآخوند) برز بشكل خاص وحف به جمع من الطلاب واستقل بالتدريس في الفقه والاصول وكان جامعا متفننا شارك بالاضافة إلى ما ذكر في الكلام والتفسير والحكمة والتاريخ والعرفان والادب إلى ما هنالك من العلوم وكان متضلعا فيها وله في الادب العربي أشواطا بعيدة وكان له القدح المعلى في النظم والنثر


(1) معارف الرجال: ج 2 / 263.

[ 10 ]

امتاز ببراعة وسلاسة ودقة وانسجام واكثر نظمه أراجيز بالجملة فهو من نوابغ الدهر الذين امتازوا بالعبقرية وبالملكات والمؤهلات وغرقوا في المواهب كان محترم الجانب موقرا من قبل علماء عصره مرموقا في الجامعة النجفية اشتغل بالتدريس في الفقه والاصول والعلوم العقلية زمنا طويلا وكان مدرسه مجمع أهل الفضل والكمال وقد تخرج عليه جمع من أفاضل الطلاب كانت له قدم راسخة في الفقه وباع طويل في الاصول وآثاره في ذلك تدل على أنظاره العميقة وآرائه الناضجة لكنه غلبت عليه الشهرة في تدريس الفلسفة لاتقانه هذا الفن بل وتفوقه فيه على أهله من معاصريه استمر على نشر العلم ونهض بالاعباء الثقيلة فكان العلم المائل والمؤمل المقصود الذي تتهافت عليه الطلاب زرافات ووحدانا، وقديما قيل (والمنهل العذب كثير الزحام) (1). فلسفته تلمذ شيخنا المترجم له في الفلسفة على الفيلسوف الحكيم العارف المعروف في الاوساط العلمية ميرزا محمد باقر الاصطهباناتي، فاستبطن بفضل جده كل دقائقها، ودقق كل مستبطناتها، له في كل مسألة رأي محكم وفي كل بحث تحقيق فائق. وتظهر آراؤه وتحقيقاته الفلسفية على جميع آثاره ودروسه، حتى ليكاد المتلمذ عليه في الاصول خاصة يجد من نفسه انه ألم بأكثر الابحاث الفلسفية من حيث يدري ولا يدري. ومن قرأ حاشيته على الكفاية بالخصوص يجد كيف تطغى المصطلحات الفلسفية على تعبيره حتى ليظن احيانا انه يقرأ كتابا في الفلسفة. وهذا ظاهرة عجيبة في مؤلفاته تستوقف النظر وتدل على شدة تعلقه بهذا الفن ومبالغته في التمسك به. وقد طغت روحه الفلسفية حتى على أراجيزه في مدح النبي المختار وآله الاطهار عليهم جميعا الصلاة والسلام، بل أراجيزه هذه قطعة فلسفية رائعة أفرغها في ثوب من


نقباء البشر: ج 1 / 561 560.

[ 11 ]

الادب الرفيع. قد أوضحت رأي الفلاسفة المؤمنين في محمد وآل بيته نور الانوار وعلل الكائنات، على ما أشارت إليه الآيات القرآنية وصرحت به الاحاديث الصحيحة ومما قال في النبي المختار صلى الله عليه وآله: لقد تجلى مبدأ المبادي * من مصدر الوجود والايجاد من أمره الماضي على الاشياء * أو علمه الفعلى والقضائي رقيقة المشيئة الفعلية * أو الحقيقة المحمدية أو هو نفس النفس الرحماني * بصورة بديعة المعاني أو فيضه المقدس الاطلاقي * فاض على الانفس والآفاق إذ انه حقيقة المثاني * وعند أهل الحق حق ثان لا بل هو الحق فمن رآه * فقد رأى الحق فما أجلاه إذ مقتضى الفناء في الشهود * عينية الشاهد والمشهود إلى أن يقول: اصل الاصول فهو علة العلل * عقل العقول فهو اول الاول وقال في امير المؤمنين عليه السلام: وقلبه في قالب الوجود * حياة كل ممكن موجود ونسخة اللاهوت وجهه الحسن * لو رام لقياه الكليم قيل: لن غرته الغراء في الضياء * جلت عن التشبيه بالبيضاء وكيف وهو فالق الاصباح * في افق الارواح والاشباح وعلى هذا الاسلوب جري في جيمع اراجيزه البالغة 24 ارجوزة، فجاء اسلوبا فلسفيا علميا مبتكرا لم يمدح على غرارها النبي وآله عليهم الصلاة والسلام. وما ابدع ما مدح به إمامنا زين العابدين عليه السلام ذاكرا صحيفته السجادية (زبور آل محمد) فقال: ونفسه اللطيفه الزكية * صحيفة المكارم السنية بل هي ام الصحف المكرمة * جوامع الحكمة منها محكمة بل الحروف العاليات طرا * تحكي عن اسمه العلي قدرا

[ 12 ]

هو الكتاب الناطق الربوبي * ومخزن الاسرار والغيوب يفصح عن مقام سر الذات * يعرب عن حقائق الصفات إلى أن يقول: وحاله أبلغ من مقاله * جل عن الوصف لسان حاله فإنه معلم الضراعة * والاعتراف منه بإلاضاعة مقامه الكريم في اقصى الفنا * تراثه من جده حين دنا وأعلى آثاره الفلسفية وأغلاها ارجوزته في الحكمة والمعقول (تحفة الحكيم) التي هي آية من آيات الفن مع اسلوبها العالي السهل الممتنع، حعت اصول هذا الفن وطرائف هذا العلم بتحقيق كشف النقاب عن اسراره وأزاح الستار عن شبهاته، وان دلت على شئ فانما تدل على أن ناظمها من أعاظم فلاسفة الاسلام الذين لا يسمح بمثلهم الزمن إلا في فترات متباعدة، لولا أن شيخنا غلب عليه الفقه والاصول وانقطع إليها عن الظهور بالفلسفة. واليك بعض ابيات ارجوزته شاهدة على سلامة ذوقه، وقدرته على التصرف بالالفاظ السهلة الواضحة في أدق المعاني العملية، فقد قال في " اصالة الوجود ": يختص بالوجود طرد العدم * إذ ما سواه عدم أو عدمي وليس العلة للمعلول * مناط طرد العدم البديل وهو مدار الوحدة المعتبرة * في الحمل بل كانت به المغايرة ومركز التوحيد ذاتا وصفة * وفعلا أيضا عند أهل المعرفة وقال في مبحث (تعريف الوجود): الحد كالرسم على التحقيق * يوصف بالاسمى والحقيقي ولا يقال في جواب الشارحة * إلا حدود أو رسوم شارحة وقد كشف في هذين البيتين عن حقيقة (ما الشارحة)، تنبيها على ما علق في اذهان طلاب العلم من مرادفة التعريف اللفظي لشرح الاسم ومطلب، (ما الشارحة)، وان كان قد يراد من شرح الاسم التعريف اللفظي احيانا. ومنشأ هذا الاشتباه ما ذكره الحكيم السبزواري في شرحه لمنظومته من ترادف التعريف اللفظي

[ 13 ]

ومطلب ما الشارحة فأوقع الباحثين في هذا الاشتباه، وأوضحه شيخنا هنا وفي شرحه للكفاية في مبحث المطلق والمقيد. وقال في (الجعل والمجعول بالذات): الجعل للشئ بسيطا يعرف * وجعل شئ شيئا المؤلف وليس جعل الذات ذاتا يعقل * إذ ليست الذات لها التخلل كذاك لا يعقل جعل الذاتي * أو عرضى لازم للذات ولا كذاك العرض المفارق * فان امكان الثبوت فارق والحق مجعولية الوجود * بالذات لاماهية الموجود فتأمل في هذا البيان الجزل، والاسلوب السهل، والتعبير الرصين عن أدق معاني الفلسفة بغير تكلف وبلغة سليمة ناصعة. ومن انى متحت دلوك في هذا القليب تغترف الماء الزلال بل الدر الثمين. وما سقناه فانما هو غيض من فيض ذكرناه شاهدا على ما نقول. أدبه نشأ استاذنا ميالا لكل علم وفضيلة وكانت عبقريته تساعده على اتقان ما تصبو إليه نفسه، فلم يفته أن يتجه إلى ناحية الادب العربي، فيضرب فيه بسهم وافر، وساعدته نشأته العربية في محيطي الكاظمية والنجف الاشرف على أن يكون أديبا يقرض الشعر ويجيد النثر، وله في الشعر قصائد تدل على ذوق أدبي مستقيم، ولكنه لم يكن يحتفل بها فلذا لم يطلع علهيا إلا القليل من خواصه. وعسى أن تكون أتلفتها يد الاهمال نتيجة عدم عنايته بها. على أن له اليد الطولى في الادب الفارسي، فله ديوان منه في مدائح آل البيت ومجموعة في الغزل العرفاني الرمزي أودع فيها من المعاني الفلسفية ما يبهر المتأدبين. أوصافه كان رحمه الله تعالى مربوعا يميل إلى القصر، نحيف الجسم متماسكا، تعلو

[ 14 ]

عليه في أواخر ايامه النحافة والصفرة، صغير العمة على غير المألوف من عادة امثاله، كث اللحية، ساهم الطرف اكثر نظره إلى الارض، لا ينظر إلى محدثه إلا ملاحظة، يبدو للناظر مثقلا بالهموم والتفكير المتواصل، على انه حاضر النكتة المرحة حتى في اثناء درسه، انيس المحضر رقيق الحاشية، يجلب السرور إلى جليسه مع حشمة الناسك ووقار العالم، متواضعا حتى للصغير، خافض الصوت إلى حد الهمس أو يكاد وهذا ما كان من اكبر المشكلات على تلاميذه في درسه، وكم طالبه البعيد على مجلسه أن يرفع من صوته. فإذا استجاب لهم في كلمات عاد إلى سجيته أو عادته فتكثر الشكوى، ولكنه لا يزال هو هو في همسه وهم هم في شكواهم، ويزيد المشكلة تعقيدا بعد أنظاره الشريفة ودقه أبحاثه ونكاته العلمية. أما ما كان عليه من التهجد والعبادة فهذا ما يكشف عنه أنه كان عارفا الهيا متفانيا في مقام الشهود، منقطعا إلى حظيرة القدس. لا يلتذ إلا بالمناجاة الروحانية، ولا يأنس إلا بالوحدة والانقطاع إلى مقام المقربين. مؤلفاته كان لشيخنا أعلى الله مقامه قلم سيال ورغبة في التأليف والانتاج منقطعي النظر وكان من ميزاته أن يفرغ كل مؤلفاته لاول مرة في المبيضة التي يعدها للتأليف، لا على عادة أكثر المؤلفين في اتخاذ مسودة لها. فلم يكن يحتاج إلى إعادة النظر فيما يكتب وتعديله وتصحيحه وهذا دليل القريحة الوقادة التي لا تجارى، وقد أنتج طيلة حياته عدة مؤلفات قيمة هي مفخرة العلم والادب وإليك بعضها: 1 تعليقة على كفاية الاصول، وقد طبع منها الجزء الاول في إيران وأضاف علهيا بعد طبعها تعليقات نفيسة لا يستغنى عنها (وطبع الجزء الثاني بعد هذه الكلمة). 2 تعليقة ضافية على المكاسب (طبعت هذه الترجمة في مقدمتها). 3 تعليقة على رسالة القطع للشيخ الانصاري (قدس سره). 4 و 5 و 6 رسائل في الاجارة وصلاة الجماعة وصلاة المسافر وهو هذا المطبوع

[ 15 ]

سميناه بحوث في الفقه. 7 رسالة في الاجتهاد والتقليد والعدالة 8 رسالة في الطهارة. 9 رسالة في صلاة الجمعة. 10 رسالة في تحقيق الحق والحكم (أدرجت في أول البيع من حاشيته على المكاسب). 11 رسالة في أخذ الاجرة على الواجبات (طبعت في آخر حاشية المكاسب) 12 و 13 رسالتان في المشتق. 14 رسالة في قواعد التجاوز والفراغ وأصالة الصحة واليد. 15 رسالة في الصحيح والاعم. 16 رسالة في موضوع العلم. 17 رسالة في المعاد. 18 منظومة في الفلسفة العالية (تحفة الحكيم). 19 منظومة في 24 ارجوزة في مدح النبي والائمة عليهم السلام ومراثيهم. 20 مظومة في الصوم. 21 منظومة في الاعتكاف. 22 ديوان شعره الفارسي في الغزل العرفاني. 23 ديوان شعره الفارسي في مدائح آل البيت ومراثيهم. 24 رسائله العملية في الفقه عربية وفارسية. 25 رسالة في المشترك. 26 رسالة في الحروف علاقة تلاميذه به من الظواهر العجيبة التي تسترعي الانظار تفاني تلاميذه في حبه وشدة تعلقهم به وإعجابهم بشخصه الكريم إلى حد التقديس. ويعزى ذلك إلى أمرين: إلى

[ 16 ]

ما يرونه فيه من المواهب النادرة التي لم يجدوها في غيره ممن رأوا وسمعوا، وإلى ما كانوا يشاهدونه فيه مثالا للاب الرؤوف والاستاذ العطوف يحنو على الصغير والكبير ويحترم الجميع. ولقد كنت أرجو أن أؤدي بعض ما كان علي من واحب شكر فضله بترجمة ضافية، ولكن الفرصة لم تكن مؤايتة وقد اعجلت على هذه الكلمة العابرة فمعذرة إليك أيها الاستاذ العظيم إذ لم أستطع أن اوفي بعض ما علي من حقوقك وعهدي بك تغض النظر عن كل هفواتنا معك، فاجعل هذه من تلك. وارجومنه تعالى أن يساعدني على استلهام بعض روحاينتك لا تمكن في فرصة اخرى من التكفير عن هذه الخطيئة (1).


(1) هذا ما ذكره المرحوم الشيخ محمد رضا المظفر في مقدمته على رسالة الاجارة مع تصرف وإضافات منا.

[ 17 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتى الحمد لله والصلاة على محمد وآله، وبعد فهده نبذة مما يتعلق بصلاة الجماعة، وفيه فصول: فصل [ وجوب صلاة الجماعة ] الجماعة تارة واجبة بالذات كصلاة الجمعة، وصلاة العيدين مع اجتماع شرائطهما، واخرى واجبة بالعرض ولها موارد: منها: ما إذا تعلق بها النذر فإنها تجب بالعرض بعنوان وجوب الوفاء سواء كانت المنذورة واجبة بالذات أو مندوبة بالذات، والكلام فيها تارة من حيث صحتها إذا اتى بها من دون جماعة، واخرى من حيث الحنث لعدم بقاء المحل للوفاء بالنذر. أما الكلام في الصحة: فمحصله أن وجوب الوفاء بالنذر المنطبق على الصلاة جماعة وجوب نفسي لاشرطي حتى تتقيد الصلاة بشرط الجماعة من قبل النذر فلا تصح فرادى. نعم ربما أمكن الاشكال بناء على الاقتصار في وقوع الفعل عبادة على جعل أمره داعيا إلى متعلقه نظرا إلى أنه بعد تعلق النذر ووجوب الوفاء بالواجب أو

[ 18 ]

المستحب يتأكد الطلب لاستحالة اجتماع إرادتين أو بعثين في موضوع واحد فلا أمر إلا هذا الامر الاكيد، والمفروض عدم انبعاث الصلاة عنه لتعلقه بالجماعة ودعوى أن ذات الطلب موجودة في ضمن الطلب الاكيد فله اتيان الصلاة فرادى بداعي ذات الطلب المحقق. مدفوعة: بأن الاشتداد والحركة من حد إلى حد يصح في الارادة النفسانية القابلة للاشتداد، وأما البعث الاعتباري فلا، إذا الاشتداد إنما هو في بعض المقولات لافي كلها فضلا عن الاعتباريات والانتزاعيات، وعدم حركة الانشاء بداعي البعث في غاية الظهور إلا أن اعتبار البعث الاكيد من الاول معقول، كما أن استكشافه بملاحظة صدور الانشائين وعدم قبولهما للفعلية معا في موضوع واحد معقول، والمفروض عدم انبعاث الفعل عن الامر الاكيد بالاعتبار. إلا أن يقال: بأن اجتماع انشائين بداعي البعث في الفعل المنذور لامانع منه، وإنما الممنوع اجتماع بعثين فعليين فاتيان ذات الصلاة فرادى بداعي الانشاء المزبور الذي هو الفعلي من قبل المولى لامانع منه فتدبر. وأما إذا تعلق النذر بالايتمام في صلاته لا بالصلاة جماعة فلا إشكال في صحة الصلاة بداعي أمرها لتعدد موضوعي الامرين. وأما الكلام في الحنث وعدم بقاء المحل فمبني على مسألة جواز تبديل الامتثال بالامتثال، فان مبناه على عدم كون الفعل علة تامة لحصول الغرض وسقوط الامر بل في ما إذا اقتصر عليه وحينئذ فمجرد إتيان الصلاة فرادى لا يوجب عدم بقاء المحل، ولا يلازم الحنث، بل يجب عليه الاعادة امتثالا للامر بالوفاء، وتحصيلا لغرضه اللزومي، إلا إذا فرض تعلق نذره بإتيان أول وجود من صلاته جماعة فإنه لا يبقى محل للوفاء بنذره حينئذ كما هو غير خفي. منها: ما إذا عجز عن القراءة ومختصر القول فيه إنه على قسمين: احدهما: ما إذا كان عاجزا عن القراءة رأسا، فإن المعروف فيه الاجتزاء بما يحسنه أو بالذكر لوجوه: أحدها: إطلاق دليل البدلية وعدم تقييدها بعدم التمكن من الائتمام كقوله

[ 19 ]

(عليه السلام) في صحيحه ابن سنان (1): " لو أن رجلا دخل في الاسلام لا يحسن ان يقرء القرآن اجزأه ان يكبر ويسبح ويصلي " ومن البين أن الاجتزاء بذلك وبالقراءة الناقصة لا يكون إلا مع الوفاء بمصلحة الصلاة الواجدة للقراءة التامة، وإلا لزم الامر بالائتمام الوافي بمصلحة الصلاة التامة وزيادة. ثانيها: إطلاق دليل التخيير بين الصلاة فرادى والصلاة جماعة، سواء كان التخيير شرعيا أو عقليا، فإن من يدعي تعين الائتمام لا يدعي وجوبه ذاتا بل من باب تعين أحد فردي الواجب التخييري بتعذر فرده الآخر، فأصل التخيير مفروغ عنه وتسليم اصل التخيير هنا مساوق لعدم معقولية التعين بالعرض، بيانه ان موضوع التخيير بالذات بين الفرادى والجماعة بعد عدم معقولية الاهمال في الواقع وفي مقام الثبوت، اما الكلف الاعم من القادر على القراءة التامة ومن العاجز عنها أو خصوص القادر، فان كان الاول فلا معنى للتعين بالعجز إذ المفروض أن العاجز كالقادر موضوع التخيير، وان كان الموضوع خصوص القادر فلا تخيير للعاجز اصلا حتى يتعين الائتمام العرض ولا دليل على وجوبه العيني الذاتي، كما لم يدعه احد من الاصحاب، لانحصار وجوب الجماعة ذاتا في الجمعة والعيدين بشرائطهما. ثالثها: إطلاق دليل استحباب الجماعة وشموله لمن لا يحسن القراءة، ودعوى أن الاستحاب الذاتي لا ينافي الوجوب العرضي مدفوعة بما عرفت في التخيير الذاتي والتعين العرضي، فإما لا إستحباب في حقه بالذات، وإما لا وجوب بالعرض فتدبر جيدا. ثانيهما: ما إذا كان قادرا على القراءة التامة بالتعلم، لكنه قصر في التعلم المقدور عليه إلى أن ضاق الوقت، والمعروف هنا وجوب الائتمام نظرا إلى أنه مكلف بالصلاة عن قراءة تامة للقدرة عليها بالقدرة على التعلم، ولا يتنزل إلى بدلها وهي القارءة الناقصة إلا مع العجز عن المبدل، ومع التمكن من الائتمام لا عجز عن الصلاة التامة.


(1) الوسائل: ج 4، ص 735، الحديث 1، الباب 3 من ابواب القراءة في الصلاة.

[ 20 ]

وبعبارة اخرى: كان في حال القدرة على التعلم مأمورا بإيجاد طبيعة الصلاة التامة المخير فيها بين الفرادى عن قراءة تامة والجماعة، ومع تعذر احد الفردين يتعين الاخر عقلا. وفيه: أنه إن كان الغرض ان القدرة على الائتمام قدرة على القراءة التامة ومعها لا مجال للتنزل إلى القراءة الناقصة، فمن البين ان القدرة على الائتمام قدرة على الصلاة الفاقدة للقراءة رأسا، وقراءة الامام سواء كانت بدلا أو مسقطا ليست مقدورة للمأموم حتى تكون من افراد القراءة المأمور بها المكلف، لئلا يصدق معها العجز عن القراءة التامة. وان كان الغرض ان الائتمام عدل وبدل للصلاة المشتملة على القراءة التامة، ومع تعذرها يتعين الفرد الآخر كما هو الشأن في كل واجب تخييري شرعي أو عقلي - ففيه انه انما ينتج التعين إذا كانت الجماعة عدلا للصلاة المشتملة على القراءة التامة فقط، وأما إذا كانت الجماعة عدلا للصلاة فرادى بجميع مراتبها، فلم يتعذر الصلاة فرادى بل تعذرت صلاة المختار، والدليل على كونها عدلا في جميع المراتب إطلاق دليل البدل، وعدم تقيده بعدم التمكن من الائتمام، واطلاق دليل التخيير والاستحباب، ولو نوقش في شمول ما تقدم من قوله (عليه السلام) (1): " لا يحسن أن يقرء القرآن " للعاجز بالعرض واختصاصه بالعاجز بالذات، لكفى ساير ما يستدل به على بدلية الابدال مثل قوله (عليه السلام) (2): " الميسور لا يسقط بالمعسور " فانه غير متقيد بعدم التمكن من الائتمام، وليس الائتمام ميسورا من الصلاة المشتملة على قراءة تامة حتى لا تصل النوبة إلى البدل. واما دعوى اختصاص التخيير بالقادر وكذا الاستحباب فمدفوعه: بان لازمه الالتزام بوجوب الائتمام بالذات لا بالعرض على العاجز رأسا، وكذا دعوى اختصاصه بالقادر والعجز رأسا لا العاجز بعد القدرة فانها مدفوعة بان القدرة والعجز لا دخل لهما في استحباب الجماعة، ولا في كونهما افضل فردي الواجب


(1) الوسائل: ج 4 ص 735، الحديث 1، من الباب 3 من أبواب القراءة في الصلاة. (2) غوالي اللئالي: ج 4، ص 58.

[ 21 ]

التخييري، بل المراد من الاطلاق هو اللابشرط القسمي الذي مقتضاه رفض القيود لا الجمع بين القيود ومقتضى عدم دخل القدرة والعجز الذاتي ثبوت التخيير والاستحباب في جميع المراتب. وغاية ما يمكن أن يقال في مقام الاشكال هو ان الائتمام الذي هو عدل للفرادى في جيمع المراتب لا يتفاوت حاله من حيث اشتماله على تمام المصلحة القائمة بصلاة المختار، ومقتضى استحالة التخيير بين التام والناقص أن يكون جميع المراتب مشتملة على مصلحة صلاة المختار بتمامها، وعليه فما الموجوب لاستحقاق العقاب على تفويت القراءة التامة بترك التعلم إلى زمان امتناعه بضيق الوقت لان المفروض حصول غرض المولى بالقراءة الناقصة مع أن المعروف الحكم باستحقاق العقوبة في صورة التقصير في التعلم وهذا الاشكال نشأ من القول بالتخيير. وأما الاشكال من حيث جواز تبديل القدرة بالعجز وعدم الموجب لحفظ القدرة لكونها شرطا للتكليف، ولا يجب تحصيله ولا حفظه ومعه فلا موجب للعقوبة بعد عدم الملزم لحفظ القدرة. وجواز إدراج نفسه تحت عنوان العاجز نظير عنواني الحاضر والمسافر فهو إشكال جارفي كل ماله بدل اضطراري كالطهارة المائية والترابية. ويندفع الاشكال من جميع الوجوه بتقريب أن القراءة التامة بما هي مشتملة على المصحلة اللزومية من دون دخل للقدرة عليها ولو بالتعلم باطلاق المادة، وعدم تقييدها بالقدرة شرعا مولويا، والقراءة الناقصة لا تكون ذات مصلحة تامة إلا في فرض العجز عن القراءة التامة بملاحظة ترتبها على القراءة التامة نصا وفتوى فليست القدرة شرطا شرعا حتى لا يجب تحصيلها ولا حفظها إلا بدليل خاص، بل شرط عقلا كسائر الواجبات التي لا بدل لها وتفويتها المفوت للقراءة التامة باختياره من باب الامتناع بالاختيار الذي لاريب في عدم منافاته للعقاب وان كان منافيا للخطاب، فالعقاب حينئذ على مخالفة التكليف المحقق الذي لا بدل له في عرضه لفرض كون القراءة الناقصة مما لا مصلحة لها إلا في فرض العجز عن القرأة التامة، فليس باب القراءة التامة والناقصة كباب الاتمام والقصر على الحاضر والمسافر ليجوز له تبديل احد العنوانين بالآخر.

[ 22 ]

وتوهم أن لازم قيام القراءة التامة والناقصة بمصلحة واحدة وجود الجامع بينهما، ومقتضاه الامر به، ومقتضاه التخيير بينهما، فيعود المحذور. مدفوع بان الجامع حيث إنه منطبق على الفردين الطوليين فمقتضاه الامر بالفردين على الترتيب، لاعلى التخيير، وقد عرفت مقتضى الترتيب وانه لا يعقل مع عدم كون القراءة الناقصة ذات مصلحة إلا في فرض العجز أن يأمر المولى بها في عرض الامر بالقراءة التامة. وبالجملة فمصحح العقاب تفويت الواجب المنجز بسوء اختياره وعدم جواز التبديل لفرض عدم كون القدرة شرطا شرعا كشرطية العجز في وجوب القراءة الناقصة، واما استيفاء المصلحة التامة بالقراءة الناقصة فهو لايمنع عن العقاب المرتب على مخالفة التكليف المحقق. وأما شبهة صدق الفوت بالنسبة إلى القراءة التامة، فيجب القضاء في خارج الوقت، فمدفوعة بان فوت الفريضة بذاتها مع حصول ملاكها التام في الوقت لا يوجب القضاء في خارجه، وبقية الكلام في محله. ومن جميع ما ذكرنا تبين ان ترك التعلم إذا لم يكن عتقصير لا يوجب تعين الائتمام، بل وكذا إذا كان عن تقصير، لا يوجب تعين الائتمام، بل وكذا إذا كان عن تقصير، نعم لدفع العقاب في الاخير يتعين الائتمام. ومنها: ما إذا أمره احد والديه بإيقاع الفريضة جماعة، وهذا بناء على وجوب اطاعة الوالدين بعنوانها واضح، وأما إذا قلنا بان المسلم حرمة إيذائهما فلا تجب الجماعة مطلقا بل إذا إنطبق على تركها الايذاء، لا ما إذا لم ينطبق عليه كما إذا ترك الجماعة وصلى خفاء مع عدم علمهما به. فانه لا إيذاء، والايذاء على تقدير العلم لا اثر له، والكلام في صحة الصلاة فرادى مع الاثم بترك الجماعة كالكلام في نذر الجماعة. لا يقال: بناء على عدم سقوط الامر بمجرد الامتثال وان لم تكن الصلاة فرادى مفوتا للواجب بالنذر، أو بإطاعة أحد الوالدين، إلا أنه إذا صلى في آخر الوقت بحيث لا يتمكن من الائتمام بعده يسقط الامر ويكون من تفويت محل الواجب بأداء الصلاة فرادى فتحرم لا تصح حينئذ ومنه علم أنه لو قلنا بسقوط الامر من اول الامر كان تفويتا لموضوع الواجب مطلقا فلا يصح اصلا لا في أول الوقت ولا

[ 23 ]

في اخره. لانا نقول: حيث إن المفروض نذر الصلاة جماعة، أو أمر احد الابوين بها، فليس بابه باب تفويت محل الواجب بل فوات الواجب باتيان ضده، حيث إن الصلاة فرادى والصلاة جماعة عنوانان متنافيان لا يجتمعان في واحد وليس فعل إحديهما مقدمة لترك الاخرى. نعم لو تعلق النذر أو الامر بالائتمام في صلاته كان لعنوان تفويت المحل موقع ويترتب عليه ما ذكر. ومنها: ما إذا لم يدرك من الوقت ركعة تامة لكنه يدرك الركعة بادراك الامام راكعا وهذا مع إطلاق دليل (1) " من ادرك ركعة من الوقت " للركعة حقيقة وتنزيلا واضح، وأما مع عدم اطلاقه كما هو الظاهر، فلا يجدي تنزيل ادراك الامام راكعا منزلة ادراك الركعة فانه ناظر إلى آثار صلاة الجماعة من سقوط القراءة وغيرها لا التنزيل من حيث إدراك الوقت ايضا. إلا ان الاحوط الائتمام من دون نية الاداء والقضاء فان صلاته صحيحة إما أداء أو قضاء. ومثله من كان بطئ القراءة بحيث يفوت بقرائته الوقت فانه يجب عليه الائتمام بناء على ما ذكر.


(1) الوسائل: ج 3 ص 158، الحديث 4 و 5 من الباب 30 من أبواب المواقيت.

[ 24 ]

فصل في استحباب الجماعة في الفرائض ولا شبهة في استحبابها ذاتا في الفرائض اليومية الادائية، فان مشروعية الجماعة فيها من ضروريات الدين، وانما البحث في موارد: منها: استحبابها في اليومية القضائية، وجواز الائتمام من القاضي بالمؤدي منصوص في رواية العدول من الاداء إلى القضاء (1)، وفي رواية الصلاة المعادة جماعة بقوله (2) عليه السلام " واجعلها لما فات " وأما استحباب الجماعة في القضاء فليس فيه نص معتبر إلا ما ورد في حكاية نوم النبي صلى الله عليه وآله وقضاء صلاة الصبح جماعة (3) ومع ما فيه من الاشكال، يشكل به الاستدلال في هذا المجال ولا ملازمة بين جواز الائتمام في القضاء، والجماعة فيه، كما لا ملازمة بين جواز الجماعة في الآيات، وعدم جواز الائتمام من مصلي الآيات بمصلي اليومية، وكذا العكس، إلا أن المسألة غير خلافية، كما أن استحباب الجماعة في الآيات والاموات مما لا اشكال فيه نصا وفتوى، وسيجئ ان شاء الله تعالى حكم الائتمام فيها بمؤدي اليومية وبالعكس. ومنها: استحباب الجماعة والائتمام في صلاة الطواف، فان المحكمي عن غير واحد الاستحباب فيها، وفي غيرها من الفرائض.


(1) الوسائل: ج 3 ص 212 الحديث 2 من الباب 63 من ابواب المواقيت. (2) الوسائل: ج 5 ص 457 الحديث 1 من الباب 55 من ابواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 3 ص 207، الحديث 6، من الباب 61 من ابواب المواقيت.

[ 25 ]

وغاية ما يمكن الاستدلال به لمشروعية الجماعة في جميع الفرائض امور: أحدها: ما في صحيحة (1) زرارة والفضيل " قالا: قلنا له: الصلاة في جماعة فريضة هي؟ فقال: الصلاة فريضه وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها ولكنه سنة.. " الخبر. فان الظاهر اتحاد مورد النفي والاثبات، فيكون الاجتماع في الصلوات كلها سنة، كما انه ليس بمفروض في الصلوات كلها، سواء كان بنحو عموم السلب، أو سلب العموم، أما على الاول فواضح، وأما على الثاني فان البعض الذي لا يكون الاجتماع فيه مفروضا يكون الاجتماع فيه سنة وهو ما عدا الجمعة والعيدين بشرائطهما فانها التي يكون الاجتماع فيها مفروضا، ومنه تعرف ان الاولى حمله على سلب العموم، فتدبر. إلا ان الظاهر أن مورد السؤال هي اليومية، فانها التي ذهبت العامة إلى وجوب الجماعة فيها، إما عينا أو كفاية وهو المنشأ لسؤال مثل زرارة والفضيل، لعدم الالتزام بالجماعة في غيرها من المسلمين في صدر الاسلام إلى زمان السائل إلا ما هو معلوم عند هما من الجمعة والعيدين. ويؤكده ذيل الصحيحة فانه هكذا " ولكنه (2) سنة من رغب عنها وعن جماعة المؤمنين من غير علة فلا صلاة له " فان هذا التأكيد والتشديد ليس إلا في اليومية كما يتضح بالمراجعة إلى أخبار الحث على الجماعة إلا أن يقال ان مورد السؤال وان كان هي اليومية إلا أن الامام (عليه السلام) تفضل في مقام الجواب بالسلب والايجاب بنحو الكليه تعميما للفائدة وإلا لما كانت نكتة في قوله " في الصلوات كلها " إذ لا موجب لتوهم الوجوب في بعض الصلوات اليومية، والاستحباب في بعضها الاخر، حتى يجيب (عليه السلام) بان حكم الكل واحد في السلب والايجاب، فان العامة كما مر قائلون بالوجوب مطلقا إما عينا أو كفاية على اختلاف مذاهبهم، بل الاشهر بينهم ان الجماعة سنة مؤكدة، لا واجبة عينا أو كفاية، كما يظهر من تذكرة العلامة رحمه الله.


(1) الوسائل: ج 5 ص 371، الحديث 2، من الباب 1 من أبواب صلاة الجماعة. وفي المصدر (ولكنها ستة). (2) في المصدر السابق " ولكنها ستة من تركها رغبة عنها وعن جماعة المؤمنين.. ".

[ 26 ]

ثانيها: مثل ما في صحيحة (1) عبد الله بن سنان " الصلاة في جماعة تفضل على صلاة الفذ (أي الفرد) باربع وعشرين درجة " نظرا إلى انه لجعل استحباب الجماعة في الصلاة بما هي بجعل لازمه وهو الثواب المخصوص، وبه يندفع الايراد بان الاطلاق مسوق لحكم اخر، فانه مبني على ان المجعول هو الثواب على الجماعة المشروعة، واما إذا قلنا انه تشريع للجماعة ببيان ثوابها فلا موقع للايراد. ومنه تعرف انه بناء على هذا التقريب لا فرق بين ما إذا كانت العبارة الصلاة في جماعة أو كانت صلاة الجماعة كذا، بتخيل ان مشروعية الجماعة باضافة الصلاة إليها مفروغ عنها فالحكم في الثانية ثابت للجماعة المشروعة، فلا تثبت بها المشروعية بخلاف العبارة الاولى، مع ان مجرد الاضافة لا يوجب الفراغ عن المشروعية، ولذا يصح صلاة الجماعة في كذا غير جائزة، نعم ظاهر هذه الصحيحة كساير الاخبار انها في اليومية. ثالثها: اثبات استحباب الجماعة في الفرائض من باب التسامح في ادلة السنن، ولو بفتوى الفقيه كيف والمشهور استحبابها في الفرائض كلها، بل نسبته في المنتهى إلى علمائنا. أقول: بعد النباء على صدق البلوغ بفتوى الفقيه وثبوت الاستحباب شرعا باخبار من بلغ (2) اورد عليه بوجوه: أحدها: ان الجماعة ليست من الامور المستحبة شرعا بل هي مصداق للواجب وأفضل الفردين منه، فلا يمكن اثبات مشروعيتها بدليل التسامح المتكفل لاثبات الاستحباب وهو في الحقيقة بلا محصل إذا لم يرجع إلى الوجه الآتي، إذ لا تكون خصوصية الجماعة موجبة لكون الصلاة المتكيفة بها افضل الافراد إلا برجحان هذه الخصوصية ومطلوبيتها شرعا في الصلاة، وبها تكون افضل الافراد، وفردية ذات


(1) الوسائل: ج 5، ص 371، الحديث 1، من الباب 1 من ابواب صلاة الجماعة. وفي الصدر " الصلاة في جماعة تفضل على كل صلاة الفرد (الفذ) باربعة وعشرين درجة تكون خمسة وعشرين صلاة ". (2) الوسائل، ج 1 ص 59، أحاديث الباب 18 من ابواب مقدمة العبادات.

[ 27 ]

المتكيف بها لطبيعي الصلاة وجدانية. نعم إذا قلنا بان الصلاة فرادى والصلاة جماعة ماهيتان متباينتان وان المكلف مخير شرعا بين الصلاة فرادى والصلاة جماعة أمكن أن يقال: ان دليل التسامح لا يثبت الوجوب مطلقا تعيينيا كان أو تخييريا، إلا ان الظاهر ان الفرق بيهما باعتباري (لا بشرط) و (بشرط شئ) بمعنى أن التكليف اللزومي متعلق بطبيعي الصلاة لا بشرط من حيث قصد الائتمام وعدمه بمعنى رفض القيود لا الجمع بين القيود، والاستحباب متعلق باتيانها بكيفية خاصة فهو مخير عقلا بين فراد هذا الطبيعي اللابشرط، في اتيان فرد متخصص بالقصد المزبور والفرد الغير المتخصص به، ولعلنا سنتكلم فيه فيما بعد ان شاء الله تعالى. ثانيها ما عن العلامة الانصاري (قدس سره) في كتاب الصلاة (1) من ان ادلة التسامح لا تثبت بقيام الخبر الضعيف أو مطلق البلوغ ولو بفتوى الفقيه إلا الاستحباب دون غيره من الاحكام ومن المعلوم ان الجماعة لها احكام مخالفة للاصل، من سقوط القراءة، ووجوب المتابعة، ورجوع كل من الامام والمأموم إلى الآخر في مورد الشك وهذه الاحكام لا تثبت بالخبر الضعيف فلا تثبت الجماعة التي لها هذه الاحكام ثم افاد ما محصله بعد النقض والابرام ان اثبات هذه الاحكام بقيام الخبر الضعيف وعدمه به مبني على ان هذه الاحكام في طول الاستحباب ومترتبة عليه، أو هي والاستحباب حكمان واردان في عرض واحد على الجماعة، ويكون بينهما التلازم ولا ينفك احدهما عن الآخر إجماعا. فان قلنا بالاول فالخبر الضعيف يفيد الاستحباب فقط وحيث إنه تمام موضوع تلك الاثار فتترتب تلك الاثار عليه قهرا، وان قلنا بالثاني فالخبر الضعيف كما يثبت الاستحباب لا بدمن ان يثبت تلك الاحكام لعدم امكان الانفكاك بالاجماع، وحيث لا يمكن اثبات تلك الاثار بالخبر الضعيف فلا يمكن اثبات مالا ينفك عنها، هذا ملخص ما افيد بتوضيح مني. والجواب: بعد الفراغ عن ان الخبر الضعيف بادلة التسامح لا يكون حجة كالخبر


(1) كتاب الصلاة: ص 312، الطبعة الحجرية.

[ 28 ]

الصحيح بحيث يثبت الاستحباب الواقعي الذي هو مدلول الخبر الضعيف، بل يثبت الاستحباب بعنوان انه بلغه الثواب على عمل فهو بالاضافة إلى الاستحباب الثابت كالخبر الصحيح بناء على الموضوعية والسببية نقول: إن تلك الاحكام المخالفة للاصل، إما هي مترتبة على الجماعة المستحبة بذاتها واقعا، أو على المستحبة ولو بعنوان بلوغ الثواب عليه. فان قلنا بالاول فالخبر الضعيف لا يثبت الاستحاب الواقعي لذات الجماعة بل يثبت استحبابا لا ترتب للاحكام عليه، وإن قلنا بالثاني كان الخبر الضعيف محققا لموضوع تلك الاثار حقيقة لا تعبدا، ومنه تعرف الحال فيما إذا كانت تلك الاحكام ملازمة شرعا لخصوص المستحب الواقعي بعنوانه أو للاعم منه، فان كان الاول فلا يثبت الملازم بالخبر الضعيف حتى يستتبع تلك الاحكام بدليل الملازمة، لامن حيث إن تلك الاحكام لا تنفك عن الاستحباب، فانه هنا من باب السالبة بانتفاء الموضوع، وان كان الثاني فان قلنا بان دليل الملزوم دليل على لازمه و أن دليل احد المتلازمين دليل على الآخر امكن أن يتخيل ان الخبر الضعيف حيث لا يصلح ان يكون مثبتا لتلك الاحكام فلا يصلح ان يكون مثبتا لما لا تنفك تلك الاحكام عنه، واما ان قلنا بان الدليل على الملزوم حجة عليه فقط واثبات اللازم بدليل الملازمة إذ مفاده ثبوت اللازم عند تحقق ملزومه، والمفروض تحققه لما فرضناه من ان الملزوم أو الملازم هو الاعم من المستحب الواقعي بذاته أو المستحب الموضوعي بعنوان البلوغ فلا إشكال. ومما ذكرنا تبين ان المدار نفيا واثباتا على ضيق دائرة الموضوع أو الملازم وسعتهما دون الترتتب والتلازم. ثم إن الظاهر أن تلك الاحكام مترتبة على الجماعة المنعقدة شرعا لا على الهيئة الاجتماعية عرفا مع قطع النظر عن مشروعيتها، كما ان الظاهر ترتب تلك الاحكام على الجماعة المشروعة بعنوانها لا الاعم منه ومما بلغ عليه الثواب والمرجع عند الشك في ترتب تلك الاحكام المخالفة للاصل على خصوص المستحب بذاته، أو على الاعم منه ومن المتسحب بعنوان البلوغ إلى عمومات ادلة تلك الاحكام لرجوع الشك إلى سعة دائرة المخصص لتلك العمومات وضيقها، لا في المصداق حتى لا يمكن الرجوع إلى العام فتدبر.

[ 29 ]

ثالثها: ان اشتغال الذمة بالصلاة ثابتة ولا يقين بالفراغ، والامتثال باتيان هذا الفرد المشكوك حال من حيث مشروعية الجماعة فيه وعدمه، ويندفع بان ادلة التسامح كافية في المشروعية في قبال أصالة عدم المشروعية، فلا اشكال في اليقين بالفراغ لولا محذور اخركما تقدم في الوجه الثاني فهو العمدة في المقام. ومنها: الجماعة في الصلاة التي يؤتى بها من باب الاحتياط، ولها اربع صور الاولى: ما إذا صلى بعنوان الاحتياط اللزومى مقتديا بمن يصلي اليومية، ولا ينبغى الاشكال فانه على فرض الحاجة إليها واقعا جماعة في فريضة يومية، وعلى تقدير عدم الحاجة لاصلاة ولا جماعة ولا يضر حينئذ عدم ترتب اثار الجماعة من سقوط القراءة ووجوب المتابعة، والرجوع في مورد الشك إذ مع الحاجة كل الاثار مترتبة، ومع عدمها لاضير في عدم سقوط القراءة وغيره. نعم في رجوع الامام إلى المأموم اشكال حيث لم يحرزانها جماعة واقعا لاحتمال اللغوية. الثانية: هذا الفرض نفسه مع كون الاحتياط غير لزومي ولا يضر بالجماعة بعد كون الفريضة محتاجا إليها واقعا. الثالثة: من يصلي الاحتياط مقتديا بمن يصلي الاحتياط، فان كان منشأ الاعادة واحدا بحيث كان صحة صلاتهما وفسادهما متلازمين واقعا فلا إشكال، إذ على تقدير الحاجة فصلاة كليهما جماعة صحيحة، وإلا كانتا لغوا. وأما إذا لم يكن المنشأ واحدا فلا يقين للمأموم بانعقاد صلاته جماعة على تقدير الحاجة، إذ من المحتمل لغوية صلاة الامام فلا تصح صلاته إلا بفرض الاتيان بوظائف المنفرد، وهو خلف في المقام المبني على انعقاده جماعة يترتب عليها احكامها. الرابعة: اقتداء من يصلي اليومية بمن يصلي الاحتياط، ولا يقين بالفراغ إلا على تقدير الحاجة وهو غير محرز للمأموم، نعم إذا اعتقد المأموم حاجة الامام وان لم يعتقدها الامام أو أتى بوظائف المنفرد صحت صلاة المأموم، إلا انهما خلف كما لا يخفى. هذا ما تقتضيه حال تلك الصور من حيث الاحتياط، واما إذا كانت بعنوان المعادة سواء قلنا باستحباب المعادة، أو باستحباب الاعادة شرعا فجميع تلك الصور الاربع صحيحة على أي تقدير، وتترتب علهيا اثار الجماعة كلا. أما إذا

[ 30 ]

قلنا باستحاب الاعادة واستقرار الامتثال على المعادة، ففي غاية الوضوح، فانها على تقدير الحاجة صلاة صحيحة جماعة، وعلى تقدير عدمها بيده قرار الامتثال على الثانية، فهي على أي تقدير مصداق الصلاة الواجبة، فيقصد المصلي امتثال هذا الامر جماعة سواء كانت صلاته السابقة صالحة للاقتصار علهيا أولا واما إذا قلنا بسقوط الامر اللزومي واستحباب المعادة فالجماعة فيها جائزة بل افضل، فالمصلي يقصد امتثال هذا الامر الشخصي سواء كان هو أمره اللزومي أو أمره الندبي، فعلى أي تقدير تقع الصلاة صحيحة من حيث الجماعة واثارها. نعم إذا كان المحتاط هو الامام فلا بدهنا من قصد الامامة لتقع صلاته بعوان المعادة منه، بخلاف ما إذا لم تكن صلاة الامام احتياطية فانه تصح صلاة المأموم، سواء كان من قصد الامام الامامة أم لا. ومنها: الجماعة في ركعات الاحتياط فان قلنا بانصراف اطلاقات الجماعة في الفرائض إلى اليومية، أو الفرائض النفسية التي تطلب لذاتها لا لرعاية غيرها وتدارك نقصها، فلا إشكال حينئذ في عدم الجماعة فيها بجميع وجوهها من اقتداء المحتاط بالمحتاط، أو من يصلي اليومية بالمحتاط وبالعكس. وأما ما عن (1) العلامة الانصاري (قدس سره) من عدم صدق عنوان الفريضة بمادتها على مطلق الواجب، كنفس عنوان الواجب القابل للصدق على النفسي وغيره فلا شاهد له، بل إطلاق الفريضة بعنوانها على الواجب الغيري شايع في لسان الاخبار، كما في الخبر (2) " الوضوء فريضة " وإطلاق هذه المادة في غير هذه فمما لا إشكال فيه، كما يتضح للمراجع إلى موارده. نعم بناء على الجزئية الحقيقية لا ينبغي الاشكال في الاقتداء بمن يصلي ركعات الاحتياط ممن لا يصليها، دون العكس، إلا إذا كان مقتديا بتلك الصلاة من اولها، وان لم نقل بالانصراف، فان علم المأموم بحاجة الامام إليها فلا اشكال في صحة الاقتداء بمصليها، لانها إما


(1) كتاب الصلاة: ص 313، الطبعة الحجرية. (2) الوسائل: ج 1، ص 256، الحديث 2 من الباب 1 من ابواب الوضوء.

[ 31 ]

صلاة مستقلة، أو جزء حقيقه من الصلاة، وان لم يعلم بحاجة الامام فلا محذور فيه إلا إحتمال كونها نافلة مع عدم الحاجة إليها واقعا. وشمول دليل المنع عن النافلة لمثل هذه الصلاة الواجبة بوجوب طريقي ظاهرا لا أنها ناقلة على تقدير بل بحكم النافلة من حيث احتسابها لمصليها لا ذهابها هدرا في غايه الاشكال. وأما إذا اقتدى في صلاة الاحتياط بمن يصلي اليومية أو الاحتياط، فمع قطع النظر عن اشكال الجماعة في النافلة، يرد محذور الاقتداء في أثناء الصلاة الانفرادية بناء على الجزئية، ويندفع هذا المحذور أيضا بناء على الاستقلالية، وعلى فرعاية الاحتياط في جميع هذه الصور بترك الجماعة مما لا ينبغي تركها والله اعلم.

[ 32 ]

فصل في عدم مشروعية الجماعة في النافلة إلا ما استثني كالاستسقاء، وهو المشهور، بل ادعى عليه الاجماع، وبه روايات معتبرة باستناد الاصحاب إليها، وفي قبالها روايات اخر، فبعضها يدل على جواز جماعة الرجل مع اهله في بيته في نافلة شهر رمضان، كما في صحيحة عبد الرحمن (1) " صل بأهلك في رمضان الفريضة والنافلة فاني أفعله " وبعضها يدل عى جواز جماعة النساء في النافلة، كصحيحة الحلبي (2) وصحيحة سليمان بن خالد (3) وصحيحة هشام بن سالم (4)، وفي الاخيرة منها " عن المرأة تؤم النساء، قال: تؤمهن في النافلة وأما المكتوبة فلا " ومقتضى قاعدة الجمع تخصيص أخبار المنع بهذه الصحاح، إلا أن الروايات الواردة في الفرق بين المكتوبة والنافلة موافقه للعامة، لاتفاقهم على منع إمامتهن في الفريضة تحريما أو كراهة وجوازها في النافلة، وأما صحيحة عبد الرحمن فلا مجال لحملها على التقية. نعم هي معارضة للاخبار الناهية عن خصوص الجماعة في نافلة شهر رمضان، فان المنع عن مثلها مسلم وان لم يكن المنع عن الجماعة في مطلق النافلة كذلك فينبغي رد علمه إلى أهله في مثل هذه الصحيحة فانها اخص حتى بالاضافة إلى اخبار المنع عن الجماعة في نافلة شهر رضمان، إلا أن الناظر في تلك الاخبار يرى أن الممنوع هي الجماعة في نافلة شهر رمضان بما هي جماعة، لا بما هي جماعة الرجال في المساجد ليحمل اخبار المنع على ذلك وخبر


(1 و 2 و 3) الوسائل: ج 5 ص 408، الحديث 13 و 9 و 12 من الباب 20 من ابواب صلاة الجماعة. (4) الوسائل: ج 5 ص 406، الحديث 1 من الباب 20 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 33 ]

الجواز على خصوص جماعة الرجل مع أهله في بيته والله اعلم. وأما صلاة الغدير، فهي وان كانت مروية واستحبابها بلا اشكال، إلا أن اتيانها في جماعة لا رواية بها إلا ما أرسله أبو الصلاح على ما حكاه العلامة في التذكرة (1) قال (قدس سره): وروي أبو الصلاح هنا استحباب الجماعة ولا مجال لاثبات استحباب الجماعة فيها مع عدم حجية المرسل حتى يكون مخصصا لعدم مشروعية الجماعة في النافلة، إلا بادلة التسامح في أدلة السنن. واعترض عليه في الجواهر (2) " بانا وان قلنا بالتسامح في دليل المستحب لكن حيث لا يعارضه ما يقتضي الحرمة ". وتوضيح دفعه بان الكلام تارة في ملاحظة دليل التسامح مع ما يدل على عدم المشروعية الراجع إلى عدم استحبابه واقعا، واخرى في ملاحظته مع ما يدل على حرمته. اما الاول، فنقول: غاية ما تدل الحجة على عدم الاستحباب، انه غير مستحب واقعا كساير المستحبات الواقعية، ولا منافاة بين عدم استحباب فعل واقعا واستحبابه الموضوعي بسبب بلوغ الثواب كما هو مفاد قوله (عليه السلام) (3): " كان له اجر ذلك وان كان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقله " ودليل حجية الخبر القائم على عدم استحبابه وان كان يقتضي إلغاء احتمال خلافه، فيرتفع به موضوع دليل التسامح، إلا أن احتمال خلاف عدم الاستحباب واقعا هو استحبابه واقعا من دليل التسامح يثبت استحبابه الموضوعي المتقوم بنفس الاحتمال الوجداني، إذ ليس مرجع إلغاء احتمال الخلاف إلا إلى إلغاء المحتمل والتعبد بعدمه. نعم، إن كانت الحجة على عدم الاستحباب قطعية الدلالة والسند لم يكن مجال لاعمال دليل التسامح حيث إنه ليس معها احتمال الاستحباب وجدانا فلا


(1) تذكرة الفقهاء: ج 1 ص 73، الطبعة الحجرية. (2) جواهر الكلام: ج 13، ص 144، طبعة الآخوندي. (3) الوسائل: ج 1، ص 59، الحديث 1، من الباب 18 من ابواب مقدمة العبادات.

[ 34 ]

موضوع له. وأما الثاني فنقول: لسان أدلة عدم مشروعية النافلة جماعة مختلف فبعضها لا يستفاد منها إلا عدم المشروعية كقوله (عليه السلام) (1): " لا جماعة في نافلة " فانه يتكفل عدم موضوعيتها في مرحلة التشريع، كما هو الحق في نظائره، لا الحرمة وبعضها يدل على حرمتها تشريعا كقوله (2) (عليه السلام) " النافلة في جماعة بدعة " وقوله (عليه السلام) في اخره: " قليل في سنة خير من كثير في بدعة " وبعضها يدل بظاهره على الحرمة الذاتية كقوله (3) (عليه السلام): " ولا يصلي التطوع في جماعة " (4) و " لا يجوز ان يصلي التطوع في جماعة " (5) و " لا تجتمعوا إلا في الفريضة " بتقريب أن النهي تعلق بالصلاة بعنوانها لا بما هي معنونة بعنوان التشريع، إلا أن المراجع إلى الاخبار يجد أن هذه النواهي محفوفة صدرا أو ذيلا بما يدل على كونها محرمة لكونها بدعة ومن المعلوم ان عنوان التشريع مقابل لعنوان الاتيان بداعي الثواب بسبب بلوغه أو احتماله، فلا موضوع للتشريع وهذا هو الفارق بين الحرمة التشريعية والذاتية، فان الموضوع في الثانية لا يرتفع بالرجاء والتماس الثواب. نعم لو كان الخبر عن الحرمة الذاتية ضعيفا لما كان مانعا عن التسامح في دليل الاستحباب، لان احتمال العقاب مدفوع بالبراءة عقلا ونقلا فيبقى ما دل على الاستحباب بلا مانع، والخبر عن العقاب غير مشمول لادلة التسامح كما حقق كل ذلك في محله. ومما ذكرنا تعرف عدم الفرق بين التشريع العام والتشريع الخاص، كما ذهب إلى الفرق شيخنا العلامة الانصاري (قدس سره) في رسالة التسامح نظرا إلى ان


(1) الوسائل: ج 5 ص 182، الحديث 6 من الباب 7 من ابواب نافلة شهر رمضان. (2) الوسائل: ج 5 ص 191، الحديث 1 من الباب 10 من ابواب نافلة شهر رمضان. (3): ج 5 ص 407، الحديث 5 من الباب 20 من ابواب صلاة الجماعة. (4) الوسائل: ج 5 ص 407، الحديث 6 من الباب 20 من ابواب صلاة الجماعة. (5) الوسائل: ج 5 ص 193، الحديث 4 من الباب 10 من ابواب نافلة شهر رمضان وفي الصدر "... والله لقد امرت الناس ان لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة... ".

[ 35 ]

مثل دليل (1) " لاتطوع في وقت الفريضة " يدل على ان امتثال مطلقات اوامر هذه العبادات لا يتحقق بدون ذلك، أو مع ذلك المانع والخبر الضعيف لاتبين الماهيات التوقيفية. والجواب: ان غاية ما يقتضيه تقييد تلك المطلقات بالحجة المعتبرة، أن ذلك العمل بدونه لا يكون مشمولا لتلك المطلقات ونتيجتها عدم استحبابها شرعا واقعا، فان كانت تلك الحجة قطعية سندا، ودلالة كان ذلك العمل خارجا عن موضوع ادلة التسامح، لعدم الاحتمال ورجاء الثواب وإلا فالموضوع باق، وقد عرفت عدم المنافاة بين عدم الاستحباب الواقعي والاستحباب الموضوعي المتقوم بالرجاء المحفوظ على الفرض، وقد عرفت ان التمسك بادلة التسامح لا مانع منه لا من حيث عدم المشروعية ولا من حيث الحرمة التشريعية. نعم يبقى ما قدمناه من الاشكال من أن ادلة التسامح لا تثبت إلا الاستحباب ولا تثبت بها الاحكام الثابتة للجماعة المخالفة للاصل كالقراءة الواجبة بوجوب شرطي في كل فريضه أو نافلة، فان سقوطها في هذا المستحب بعنوان البلوغ لا يثبت باخبار من بلغ فراجع ما قدمناه.


(1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 195، الباب 46، الحديث 3، وفي المصدر ".. انه لا تصلي نافلة في وقت فريضة.. ".

[ 36 ]

فصل في شرائط الجماعة وهي أمور أحدها: العدد وأقله اثنان، وهو مع انه اجماعي فهو شرط عقلي للائتمام والاقتداء الذي لا يعقل إلا مع التعدد والاثنينية، كما لا يعقل ترتب اثارها من تحمل القراءة ووجوب المتابعة، والرجوع في حال الشك فهي بجميع آثارها الشرعية متقومة بالتعدد والاثنينية، فما ينسب إلى ابن بابويه من أن الواحد جماعة فهي اجنبية عن الجماعة المبحوث عنها، ولعله ينظر إلى ما ورد (1) من أن " المؤمن وحده جماعة " وما في باب الاذان والاقامة (2)، من أنه " إذا كان وحده فأذن وأقام صلى خلفه صفان من الملائكه " وشبه ذلك من التأويلات الموجبة لخروج هذه الجماعة عن الجماعة المبحوث عنها، وأما الاكتفاء بغير البالغ فمبني على شرعية عباداته وشمول الاطلاقات له حتى مع عدم شرعية عباداته غير معلوم. ثانيها: نية الائتمام والاقتداء من المأموم واعتبارها واضح بعد وضوح ان مجرد الاجتماع في الصلاة ليس من الجماعة، كوضوح ان مجرد مقارنة فعله لفعل غيره لغرض من الاغراض ليس من الجماعة، كوضوح ان نية المتابعة العملية ليس من الجماعة، بل المتابعة العملية من واجبات الجماعة فهي غيرها وقصدها غير قصد الجماعة، بل تمام حقيقة الائتمام والاقتداء متقومة بالقصد والنية، فإذا بنى على


الوسائل: ج 5 ص 379، الحديث 2 من الباب 4 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 4، ص 619، أحاديث الباب 4.

[ 37 ]

ربط صلاته بصلاة الامام فقد نوى الائتمام، وتنعقد به الجماعة فيترتب عليها اثارها. ومنه تعرف ان نية الائتمام في انعقاد الجماعة بهذا المعنى ايضا عقلي لا يكاد يتحقق إلا بالنباء على الربط المزبور، نعم اصل اعتبار هذا المعنى القصدي في ترتب الاثار شرعي، ونفس مشروعية الجماعة كافية في اعتبار هذا البناء المتقوم به الاقتداء والائتمام فلا حاجه إلى الاستدلال لاعتبار نية الاقتداء بقوله (1) (عليه السلام): " لكل امرء ما نوى " لتبادر ترتب الاجر والثواب على المنوي بنيته لا تحقق اصله بنيته، كما هو المقصود هنا ولا بقوله (عليه السلام) (2): " إنما جعل الامام ليؤتم به " فان مورده المتابعة العملية التي هي من واجبات الجماعة المنعقدة شرعا، ولذا رتب عليه بانه " إذا كبر فكبروا.. الخ ". فان قلت: الاقتداء والائتمام من المعاني الاضافية التي لا تستقل بالتحصل. بل لابد من أن يكون بلحاظ أمر من الامور، وليس الملحوظ هنا إلا صلاة الامام، فيرجع الامر إلى قصد متابعة الامام في افعاله الصلاتية، وليس ربط صلاته بصلاة الامام إلا ربط المتابعة. قلت: ليس الغرض أن حقيقه الاقتداء والائتمام غير حقيقة المتابعة، بل الغرض أن المتابعة العملية في كل فعل منبعث عن ارادة جزئية ليست حقيقة الجماعة المقابلة للفرادى، فانها من واجبات الصلاة، والتخلف عنها في الجملة لا يضر بالجماعة، وأن العدول مغائر لترك المتابعة العملية، بل البناء على المتابعة كليا في أول الصلاة في قبال الصلاة منفردا هي الجماعة حدوثا، وفي قبال العدول بقاء فالمتابعة الجزئية العملية كالوفاء بالنسبة إلى العقد فعدم الوفاء لا يضر بالعقد وانما المنافي له حله فالعدول هنا كالحل في العقد والمتابعة العملية كالوفاء بالعقد هذا في اعتبار نية الائتمام من المأموم.


(1) الوسائل: ج 1، ص 34، الحديث 7 من الباب 5 من ابواب مقدمة العبادات. (2) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 495، الحديث 1، من الباب 39. وفي المصدر ".. انما جعل الامام اماما ليؤتم به فإذا كبر فكبر ".

[ 38 ]

وأما نية الامامة من الامام فغير معتبرة في ما عدا الجمعة والعيدين مما لا ينعقد إلا جماعة إذ بمجرد نية الائتمام على الوجه المشروع يكون الناوي مأموما ومن ائتم به إماما، ولو كان الامام شرع في الصلاة بنية الانفراد فان الامامة والمأمومية متضائفتان فلا تنفك إحداهما عن الاخرى، فتحقق المأمومية ملازمة لتحقق الامامة قهرا فيترتب على صلاتهما حكم الجماعة شرعا. بل يمكن أن يقال: لا يعقل نية الامامة من الامام لما عرفت من تضائف عنوان الامام والمأموم فمع وجود الصلاة من الامام يمكن تحقق المتضائفين بنية المأموم فيكون إماما عند تحقق المأمومية قهرا، بخلاف نية الامامة من الامام فانها طبعا متقدمة على صلاة المأموم فلا يعقل عنوان الامامة مع عدم عنوان المأمومية. وقصد الامامة على تقدير لحوق المأموم لا يوجب تحقق عنوان الامامة إلا عند لحوقه لان المتضائفين متكافئان في القوة والفعلية، فلا يعقل الامامة فعلا والمأمومية تقديرا. وأما الاشكال بأن الامامة ليست فعلا اخيتاريا للامام فلا يعقل تعلق القصد بها. فان كان بالنظر إلى انه لا تتعلق الارادة التكوينية إلا بالحركات العضلاتية فنية الاقتداء كذلك، ولا يراد من النية في امثال المقام إلا البناء كما في نية الاقامة عشرة ايام، ونية العدول، وإن كان بالنظر إلى أن الامامة في الصلاة متقومة بصلاة المأموم، وهي خارجة عن قدرة الامام، فنية الاقتداء في صلاته بصلاة الامام كذلك، وإنما الفرق ان الامامة والمأمومية متضائفان، وتحققهما بعد وجود ذات المضائف من طرف بايجاد طرف معقول كما في نية الاقتداء مع وجود الصلاة من الامام بخلاف إيجاد الطرف قبل طرفه، فانه لا يحقق عنوان التضائف وإلا فإرادة الامامة على تقدير لحوق المأموم معقولة عند المستشكل، وإنما لا يجدي في فعلية المضائفين، وعليه فالمقدار الممكن من الامام فيما يعتبر فيه الجماعة كالجمعة والمعادة، هو أن يصلي لان يصلي غيره بصلاته بنحو الداعي مع الوثوق بلحوقه له، في قبال ان يصلي لنفسه منفراد، وأما مجرد الوثوق بلحوق المأموم فهو غير مجد في ما يعتبر فيه الجماعة كما عن بعض الاعلام (رحمه الله) فان الوثوق باللحوق لا ينافي نية الصلاة منفراد مع ان الجمعة لا تنعقد من الامام والمأموم إلا جماعة في قبال الفرادى، بل

[ 39 ]

الوثوق يصحح دخوله في الصلاة بداعي صلاة الغير بصلاته. ومما ذكرنا من أن الجمعة لا تنعقد إلا جماعة من الامام والمأموم، تعرف وجه اعتبار نية الامامة من الامام بالمقدار الميسور المزبور، فان ماهية الجمعة متقومة بالجماعة فلا يجوز الاقتداء في صلاة الجمعة بمن يصلي منفردا دون غيرها من الصلوات فانها تنعقد فرادى وجماعة من الامام والمأموم. ثم إنه تبين مما ذكرنا ان نية الائتمام ليست من الشرائط بل من المقومات للجماعة فلا تنقعد بدونها لا انها باطلة بدونها شرعا، وعليه فلو تابع الامام عملا من دون نية الائتمام من أول العمل فلا موجب لبطلان صلاته في نفسه إذا لم يخل بوظائف المنفرد، لما مر وسيجئ إن شاء الله تعالى، ان صلاة الجماعة ليست ماهية مغايرة لما هية الصلاة فرادى حتى يلزم من بطلانها جماعة بطلان الصلاة، هكذا ذكره الشيخ اللاعظم (قدس سره) في صلاته، (1) إلا الظاهر عدم ابتناء المسألة على كون الجماعة منوعة لطبيعي الصلاة، فانه إنما يجدي فيما إذا قصد الجماعة وأخل ببعض شرائط صحتها، والمفروض هنا عدم نية الاقتداء والائتمام المقومة للجماعة وانما تابع في صلاته لصلاة الامام فقط، فهو بحسب القظد منفرد، إذ لا نعني بالمنفرد إلا من يصلي لا بنية الاقتداء، فلم تنعقد هذه الصلاة من الاول إلا فرادى، ومجرد المتابعة في حركات الامام ليست جماعة باطلة بل اجنبية عن حقيقة الجماعة، ولا معنى لقصد الجماعة مع عدم قصد الاقتداء حتى يجدي التنويع المزبور، نظرا إلى أن ما قصده لم يقع وما يقابله لم يقصد، لعدم امكان قصد المتقابلين، فما قصده من المقارنة المحضة بين افعاله وافعال الامام ليس قصدا للجماعة حتى يكون قاصدا لحقيقة مبائنة لحقيقة الفرادى. نعم إذا أمكن قصد الجماعة بعنوانها من الجاهل بما يقتضيه حقيقة الجماعة أمكن تصحيح كلامه زيد في علو مقامه. فان قلت: بناء للقول بكون الفرادى والجماعة حقيقتين متبائنتين وأن الجماعة منوعة وكذا الفرادى، على كون كل منهما ذات خصوصية مبائنة للاخرى، فنحن


كتاب الصلاة للشيخ الانصاري قدس سره ص 306 .

[ 40 ]

سلمنا ان هذا المصلي لم يقصد الجماعة بل قصد مجرد المقارنة الاجنبية عن حقيقة الجماعة، إلا انه لم يقصد النوع الاخر المتخصص بخصوصية الانفراد. قلت: لا يتوقف التباين والاختلاف في الحقيقة على كون المنوع لكل منهما خصوصية ثبوتية، بل كما يكون الاختلاف بذلك كذلك إذا كانت حقيقة الفرادى متقومة بعدم قصد الجماعة، كالجماد بالاضافة إلى الشجر، فان الاول متخصص بعدم القوة النباتية، فهو منفصل من حيث الجمادية بفصل عدمي، فليكن الفرادى بالاضافة إلى الجماعة كذلك، فصلاة الجماعة متقومة بقصد الاقتداء، وصلاة الفرادى متقومة بعدم قصد الاقتداء، في قبال كون الفرادى هي الطبيعة اللابشرط، والجماعة هي الطبيعة بشرط شئ وعليه فإذا فرض عدم قصد الجماعة، فالصلاة الموجودة صلاة مقرونة بعدم قصد الائتمام، فلا مناص بناء على هذا المبنى عما ذكرنا من أن الجاهل بحقيقة الجماعة يقصد تلك الطبيعة الخاصة بمجرد مقارنة فعله لفعل الامام، فصلاته مقرونة بقصد الجماعة فإذا لم تقع صحيحة بطلت الصلاة رأسا لعدم حصول المقوم لصلاة الفرادى، وهو القيد العدمي فتدببره جيدا. وهنا مسائل متعلقة بنية الاقتداء الاولى يعتبر وحدة الامام وتفصيل القول في ذلك بعد وضوح ان الاقتداء من الامور المتعلقة بشخص موجود، وليس كالملك الاعتباري المتعلق بالكلي مالكا ومملوكا ان الموجود إذا كان متعددا، فاما ان يلاحظ احدهما المردد، أو هما معا، أو كل منهما مستقلا، أو احدهما المعين، أما احدهما المردد المصداقي، فقد ذكرنا في محله ان المردد بالحمل الشايع لا ثبوت له ذاتا ووجودا ماهية وهوية، وما لا ثبوت له بنحو من انحاء الثبوت يستحيل ان يكون مشخصا لكل صفة تعلقية سواء كانت حقيقية أو اعتبارية، وهذا هو الوجه في الاستحالة، لا حاجة العرض إلى الموضوع، حتى لا تعم الامور الاعتبارية ولا غيره من الوجوه التي ذكرناها، وما يرد عليها في محلها.

[ 41 ]

وأما هما معا فهو واحد بالاعتبار، ولا وحدة له إلا في افق الاعتبار، فلا يتعلق به إلا واحد بالاعتبار فلا يعقل تعلق اقتداء واحد حقيقي في الخارج بما لا تحقق له إلا في افق الاعتبار. وأما كل منهما مستقلا، فان اريد تعلق اقتداء واحد بكل منهما مستقلا، فهو محال لان الاضافات تتشخص باطرافها فيستحيل تعدد الطرف ووحدة الاضافة، وان اريد اقتدائين بكل منهما فذات الصلاة وان كانت واحدة لكن لها تعلقان بائنين، وهذا لا محذور عقلي فيه، إلا ان الاطلاقات لا يعمها. وتوهم اختلاف المتضائفين في الوحدة والتعدد مدفوع بان المقتدي بكل منهما متعدد، وذات المتقدى واحد كوحدة ذات الاب وتعدد الابوة بتعدد البنوة، وحيث عرفت لزوم قصد الائتمام بواحد معين يقع الكلام فيها يتعين به، ولا ريب في ان المقدار الذي يقتضيه طبع الاقتداء تعينه في كونه طرفا، فما لا تعين له ذهنا وخارجا لا يعقل صيروته طرفا للاقتداء الذي هو امر تعلقي، ويكفي تعينه بأحد انحاء التعين، فالمتعين خارجا بالاشارة الحسية كهذا الامام الحاضر، يصح الاقتداء به، وان جهل اسمه ووصفه، كما أن المتعين في ذهنه باسمه، أو وصفه الموجب لتميزه واقعا عمن عداه، وان لم يتميز عنده خارجا بحيث لا يمكنه الاشاره الحسية إليه ايضا يصح الاقتداء به، ولا موجب للقصر على الاول بل المتعين واقعا بنحو الاشارة، أي يصلي مقتديا بمن يعينه من الامامين الحاضرين ايضا لا مانع منه، فان من يعينه فيما بعد له التعين فعلا في الواقع وفي علم الله تعالى وان لم يعلم به المصلي فعلا، إلا ان دعوى عدم شمول الاطلاقات لمثله غير بعيدة. الثانية في الموارد التي يحكم فيها ببطلان الجماعة وصحة الصلاة انفرادا، إذا لم يخل المصلي بوظائف المنفرد، انما هو مع الجهل وأما إذا كان عن عمد تشريعا. فتفصيل القول فيه: ان التشريع تارة يكون في اصل الامر، واخرى في وجه من وجوه الامر المحقق، وثالثة بالتشريع في مرحلة كالامتثال، وهي على أنحاء:

[ 42 ]

أحدها: في تطبيق المأمور به على المأتي به، كما في ما إذا كان المأمور به هو القصر فيأتي بالاتمام تشريعا في التطبيق، بمناسبة انها قصر وزيادة مكملة، ثانيها: في جعل الصلاة معنونة بعنوان الجماعة، فيأتي بالصلاة جماعة بداعي الامر بالصلاة. وثالثها: في جعل الصلاة المأتي بها بداعي الامر بعنوان الجماعه والفرق بين الاخيرين انه تارة يصلي مقتديا بداع الامر، واخرى يصلي بداعي امرها مقتديا فيها، فنقول: اما التشريع في الامر فالعمل باطل لامن حيث انطباق عنوان مبغوض على العمل، بل حيث لا أمر حقيقة فلا عبادة حقيقة، وأما التشريع في وجه الامر كما إذا كان امر بالصلاة فبنى على انه بعنوان الايجاب بالعمل منبعث عن الامر المحقق، وان بنى على انه ايجاب فليس إلا الاثم، القلبي وأما القسم الاول من التشريع في مقام العمل، فالعمل باطل من حيث عدم موافقة المأتي به للمأمور به، وان لم يكن معنونا بعنوان مبغوض، وأما القسم الثاني فالمفروض توجيه العمل بوجه مبغوض، فلا يصلح للتقرب به، وأما القسم الثالث منه فالمفروض توجيه العمل المأتي به بداعي أمره بوجه مبغوض فلا يعقل ان يمنع هذا لوجه عن التقرب به كيف وهو مترتب على المتقرب به، ومبنى هذين الوجهين ان المستحب هي الصلاة جماعة، أو الائتمام في الصلاة، فعلى الاول يكون التشريع في الجماعة عبارة عن البناء عن ان الصلاة بعنوان الجماعة، فتتوجه الصلاة بوجه التشريع المبغوض، فلا يمكن التقرب به، وعلى الثاني يتقرب بامتثال الامر بالصلاة حقيقة، ويكون مشرعا في الائتمام المأمور به بامر ندبي، فتشريعه يضر بإئتمامه لا بصلاته. والظاهر ان الامر على طبق الاول دون الثاني. فان قلت: انما يقبح التشريع حيث إنه تصرف في سلطان المولى، فان تشريع الحكم من شؤونه، فلا تشريع إلا في مرحلة الامر، فان الامتثال ليس من شؤون المولى حتى يتصور التشريع فيه. قلت: قد ذكرنا في محله ان الامتثال إيجاد مباشري من العبد، وايجاد تسبيبي من المولى بأمره، والتشريع في مرحلة الامتثال بملاحظة انه يأتي بالعمل بعنوان انه

[ 43 ]

إيجاد تسبيبي منه، والغرض من التقسيم المزبور ليس نفي الانتساب إلى أمره تعالى ولو بهذه العناية، بل الغرض ان التشريع قد يتمحض في ناحية الامر، فلا ينطبق على العمل عنوان مبغوض، وقد ينطبق على العمل عنوان مبغوض. الثالثة إذا شك في نية الائتمام فالمعروف انه يبنى على العدم، وقيل: بعدم الالتفات لقاعدة التجاوز عن المحل إذا كان عليه اثار الاقتداء، وقيل: بل مطلقا. وما يمكن ان يقال في مقام الاشكال على اجراء قاعدة التجاوز، ان مبناها على ان قاصد الصلاة مثلا تنبعث من إرادته الكلية المتعلقة بالصلاة ذات الاجزاء والشرائط، ارادت جزئية في محالها ينبعث منها الاجزاء والشرائط كل في محله، وترك جزء أو شرط في محله بعدم إرادته لا يكون إلا لعروض غفلة في الاثناء عن ذلك القصد الكلي، وهو على خلاف الطبع والعادة وألغاه الشرع، وهذا وجه أمارية القاعدة، ولاجله اقتصروا على صورة عروض الغفلة في الاثناء دون الغفلة من أول العمل، وعليه فقصد الجماعة من أول الصلاة هنا غير محرز حتى يكون مجال للقاعدة، لما مرمن ان نية الاقتداء مقومة للجماعة، فالشك في نية الاقتداء شك في قصد الجماعة. ويندفع بما حققناه في البحث عن القاعدة من ان مبنى الا مارية على اوسع من ذلك، وان من كان بصدد اتيان الصلاة فالعادة المتسمرة جارية على اتيان كل جزء وشرط في محله بالارادات الارتكازية المنبعثة عن العادة المستمرة، وان لم يكن قصد تفصيلي في أول العمل، لينافي احتمال عروض الغفلة في أول العمل، ففي ما نحن فيه إذا قام بصدد صلاة الجماعة، وشك في انه حال الاشتغال بالصلاة نوى الائتمام، يحكم عليه بالنية لتجاوز محلها، فلا بد من إحراز هذا المعنى لا إحراز قصد الجماعة من اول العمل، فإحراز هذا المعنى كإحراز كونه بصدد أصل الصلاة، سواء كان مع الاحراز المزبور عليه آثار الاقتداء من الانصات ونحوه ام لم يكن، كما انه إذا لم يحرز هذا المعنى، فمجرد كونه على وضع المصلين جماعة لا يجدي شيئا إذا لم يوجب الاطمينان بدخوله

[ 44 ]

بعنوان الجماعة فتدبر جيدا. وعن بعض اجلة العصر (1) (رحمة الله عليه) الاشكافي حكومة القاعدة على الاستصحاب، بما محصله: ان مفاد القاعدة البناء على الوجود في قبال الاستصحاب، المقتضى لتداركه باتيانه ان كان المحل باقيا، أو الحكم ببطلانه، ان كان جزء ركنيا فات محله، ومن المعلوم ان اصل الصلاة حيث دخل فيها بوجه صحيح جماعة كانت أو فرادى، فلا يعقل ان يقتضي الاستصحاب بطلانه، لتوقف التدارك على استيناف الصلاة، وإذا لم يكن الاستصحاب مقتضيا لتداركه بابطاله لا معنى لان تحكم عليه القاعدة المقتضية لعدم تداركه. ويندفع: بان التعبد بالوجود تختلف اثاره كالتعبد بالعدم، فإذا اقتضى التعبد بعدم انعقاد الجماعة بعدم قصدها، عدم سقوط القراءة مثلا، كان مقتضي التعبد بالوجود سقوط القراءة للتعبد بانقعاد الجماعة بوجود النية في محلها تعبدا. مضافا إلى ان الاستصحاب يقتضي التعبد بعدم الجزء الركني في الجماعة، فيقتضي التعبد ببطلان الجماعة، لا ببطلان الصلاة حتى ينافي القطع بصحتها، فلا مانع من التعبد بصحتها جماعة بالتعبد بنية الجماعة، ولا ينبغي الريب في جريان القاعدة في صلاة الجماعة إذا شك في اتيان ما يجب فيها بعد التجاوز عن محله، وعدم اختصاصها بخصوص اجزاء طبيعة الصلاة. الرابعة لا يجوز الاقتداء بالمأموم، لانصراف اطلاقات الجماعة عنه، لا لا جتماع المتضائفين في واحد، فانهما بجهتين مختلفتين، ولا لان المأموم لا قراءة له فيكف يتحمل قراءة من يأتم به، لاخصيته من المدعي لامكان فرض المؤتم به مسبوقا لا يترك قراءة نفسه، ولا يجدي كون من يأتم به مسبوقا، إذا لا دليل على كفاية قراءة الامام في الاخيرتين عن قراءة المأموم في الاوليين ولا ينتقض بجواز الاقتداء ببعض


(1) كتاب الصلاة للحائري (رحمه الله) ج 2 ص 10.

[ 45 ]

المأمومين إذا حدث بالامام حادث، لتمحضه في الامامة وصلاحية قرائته للبدلية عن قراءة المأموم. الخامسة في صور الاشتباه في نية الاقتداء وظهور الخطأ منها: ما ذكره الشيخ الاعظم (قدس سره) في كتاب الصلاة (1) وهو ما إذا نوى الائتمام بشخص فبان انه غير إمام بل مأموم، أو انه لا يصلي قائلا ان وجود الامام ركن للجماعة فتنتفي بانتفائه الجماعة، مع ان رواية (2) الائتمام بمن بان كونه يهوديا لا يصلي حقيقة، شاهدة على ان وجود الامام واقعا ليس بركن، بل وجوده الاحرازي كاف في انقعاد الجماعة والصورة المحضة ليست فارقة فانها غير كافية في انعقاد الجماعة شرعا. إلا ان المسألة كما افاده (فس سره) لا إشكال فيها، وسيجئ إن شاء الله تعالى تحقيق حال الرواية. ومنها: ما إذا قصد الاقتداء بزيد، واعتقد حضوره فقط لاأنه هو هذا الحاضر، فانكشف عدم حضوره، فانه يحكم ببطلان الائتمام لا لتخلف المقصود فانه لم يكن فيه عنوان التطبيق على احد، حيت ينكشف خطؤه، وانما يحكم به لفقد الشرط وهو حضور الامام، وقد مر في باب التعيين ان المراد منه، مجرد الاشارة إليه ذهنا، أو حسا، والاشارة الذهنية إلى زيد المعين باسمه، ووصفه موجودة، وان لم يتعين من حيث التطبيق المقوم للاشارة الحسية الخارجية، فالبطلان هنا غير مستند إلى عدم التعين، بل إلى فقد حضور المعين. ومنها: ما إذا قصد الاقتداء بزيد واعتقد انه هذا الحاضر، فان المعروف بطلان الاقتداء، حيث إنه تخلف المقصود عمن اعتقد انطباقه عليه، فمن قصد الاقتداء به لم يكن، ومن كان وهو عمر ومثلا لم يقصد الاقتداء به.


(1) كتاب الصلاة: ج 1، ص 310، الطبعة الحجرية. (2) الوسائل: ج 5، ص 435، الحديث 1 و 2، من الباب 37 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 46 ]

ومنها: ما إذا قصد الاقتداء بهذا الحاضر، واعتقد انه زيد، فقد حكموا فيه بصحة الاقتداء، لان المقصود به الاقتداء لم يتخلف وانما تخلف الاعتقاد، ففي كل مورد تخلف المقصود بالاقتداء لا يصح الاقتداء، وفي كل مورد تخلف اعتقاد عنوان من العناوين في المقتدى يصح الاقتداء إذا لم يكن عنوانا معتبرا شرعا كالحضور في الصورة الثانية من الصور الاربع. وعن شيخنا الاعظم (قدس سره) في بعض تحريراته (1) في الجماعة تساوي الصورتين في الصحة، وهو الصحيح لان قصد الاقتداء بزيد، وان كان قصدا إلى المتعين باسمه، لكنه غير متعين في مقام القصد بذاته وهويته، بل متردد بين الذوات الخارجية الحاضرة في الجماعة، وباعتقاد كونه هذا الحاضر يخرج عن اللاتعين إلى التعين، لا أن هناك قصدا اخرا، إما تبعا وإما عرضا، فان الاقتداء الشخصي لا إثنينية له حتى يتصور ارادة اصلية وارادة تبعية، كما في الواجب ومقدمته، والنسبة العرضية لا اثر لها شرعا، لانه لا حقيقة لها، وانما ينسب القصد إلى شئ بالذات والحقيقة والى عناوينه بالعرض والمحاز والمفروض تخلف ما بالذات والحقيقة، بل العمدة في وجه الصحة ما عرفت، من تعين المقصود بعد كونه غير متعين من حيث الهوية والذات تطبيقا، فالاقتداء بهذا الحاضر مقصود بالحقيقة فلا يخلف للمقصود، وان تخلف ما اوجب تعين الامتعين. والجزئي الحقيقي غير قابل للتقييد حتى يقال: بانه قصد الاقتداء بالحاضر بما هو زيد، ولا بما هو حاضر، وقصد الاقتداء به عل تقدير كونه زيدا يوجب عدم قصد الفعلي المنجز بالاقتداء، وهو لازم في انعقاد الجماعة فلا لترتيب اثارها عليها، مع انه في فرض اعتقاد كون زيد هو هذا الحاضر، لا معنى لتقديرية قصد الاقتداء. وربما يستدل بفحوى الرواية (2) الدالة على صحة الصلاة خلف من بان كونه يهوديا. نظرا إلى انه مع عدم الامام إذا صحت الجماعة فمع وجود الامام وتخلف


(1) كتاب الصلاة ج 1، ص 307، الطبعة الحجرية. (2) الوسائل: ج 5، ص 435 الحديث 1، من الباب 37 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 47 ]

عنوان عنه صحت الجماعة بالاولوية ويندفع: بانه في صورة نية الاقتداء بزيد، واعتقاد انه هو هذا الحاضر، لاإمام نوى الاقتداء به، ووجود إمام لم ينو الاقتداء به لا يجدي، وكان وجوده كعدمه، فهما من هذه الجهة متساويان، كما ان وجه البطلان في مورد الرواية عدم إمام صالح للامامة، مع نية الاقتداء به حقيقة، ووجه البطلان في ما نحن فيه عدم نية الاقتداء بالامام الحاضر، فكل منهما فاقد لشرط من شرائط الجماعة، وقيام الدليل على صحة احدهما لا يوجب صحة الآخر. ثم ان المعروف بين المتأخرين تقييد صحة الجماعة في الصورة الاخيرة التي افتوا بصحتها بما إذا كان الامام الحاضر عادلا وفيه بحث من وجهين. الاول: ان قصد الاقتداء إذا تعلق ابتداء بهذا الامام الحاضر، فلا بد من إحراز عدالته بما هو لا بما هو زيد، وإلا لكان قاصدا للاقتداء بزيد بما هو، وهو مورد حكمهم بالبطلان مطلقا، ومع إحراز عدالة الامام الحاضر لا معنى للتريد بين كون عمرو عادلا واقعا، أولا، إلا بناء على شرطية العدالة الواقعية، بخلاف الصورة السابقة، فان من احرز عدالته وهو زيد لم ينكشف خلافه بل المفروض تخلف المقصود بالذات عندهم، ومنه تعرف انه لا مجال لهذا التشقيق إلا في الصورة السابقة التي صححناها، فان إحراز عدالة الامام يتبع إحراز عدالة زيد، والمفروض انه عمرو لم يحرز عدالته. الثاني: ان اكتفينا في إحراز عدالة الامام الحاضر بإحرازها من طريق اعتقاد انه زيد، فلا فرق بين أنحاء تخلف الاحراز وعدمه، وان لم نكتف بذلك فمن أحرز عدالته وهو زيد لم يكن موجودا، ومن كان موجودا لم نحرز عدالته إلا على احتمال كفاية العدالة الواقعية، ولو مع عدم إحرازها، ولا اظن ان يقولوا به، وإلا لصحت الجماعة ممن اعتقد فسق الامام جاهلا بلزوم عدالة الامام، بحيث تمشى منه قصد القربة وكان الامام عادلا واقعا. ومما ذكرنا تبين انه لا حاجة إلى التقييد بعدالة عمرو واقعا. واما دعوى انه لا دليل على المعذورية إلا في صورة انكشاف عدم الصفة لا عدم الموصوف فيدفها

[ 48 ]

الرواية (1) المشار إليها، فان اليهودي لا صلاة له فلا موصوف واقعا، ومع ذلك حكم الامام (عليه السلام) بصحة الصلاة بمجرد إحراز وجود إمام صالح للامامة. السادسة المعروف في كتب الفتاوى انه إذا صلى إثنان ونوى كل منهما الامامة لصاحبه صحت صلاتهما، وإذا نوى كل منهما الائتمام بصاحبه بطلت صلاتهما، والكلام تارة في الصحة جماعة وبطلانها، واخرى في صحة اصل الصلاة وبطلانها. اما الصحة والبطلان جماعة، فمختصر القول فيهما: ان وجه بطلان ما نوى فيها الامامة، انه لا جماعة الا بإمام ومأموم وحيث لا مأموم فلا جماعة، ووجه بطلان ما نوى بها الائتمام كما عن بعض الاعلام (2) عدم الامام، ولابد من إرجاعه إلى أن نية الائتمام المفروضة في كل منهما تخرجه عن صلاحية الامامة شرعا، وإلا فذات الامامة موجودة، وعدم تعين الامامة في احدهما بالخصوص لتساوي نسبتها اليهما غير ضائر، لامكان كون كل منهما إماما ومأموما باعتبارين، فلا مانع عقلا من انعقاد الجماعة المتقومة بالامام والمأموم، ولا تندرج هذه المسألة في العنوان المتقدم سابقا، وهو عدم جواز الاقتداء بالمأموم، فان كون كل منهما مأموما فرع انعقاد الجماعة، فلا يعقل ان يكون مانعا من انعقادها، كما ان انفراد كل منهما قهرا لا يصحح الائتمام، فانه فرع بطلان الجماعة فلا يعقل ان يكون مصححا له، بل الوجه اعتبار عدم نية الائتمام شرعا في الامام. وأما الاستناد في بطلان صلاتهما جماعة إلى عدم القراءة منهما والامام متحمل لقراءة المأموم، فيكف تنعقد الجماعة مع عدم القراءة فمندفع بانه اخص من المدعى، لصحة الجماعة مع ترك الامام للقراءة سهوا، أو لقراءة كل منهما لعدم سماع القراءة.


(1) الوسائل: ج 5، ص 435، الحديث 1، من الباب 37 من ابواب صلاة الجماعة. (2) كتاب الصلاة الحائري (رحمه الله): ج 2، ص 21.

[ 49 ]

نعم يمكن أن يقال: إن الجماعة متقومة بنية الاقتداء بمن احرز انه صالح للامامة وان لم يكن الامام موجودا واقعا، فضلا عما إذا كان فاقدا لشرط من شرائط الامامة، كما هو مقتضى الرواية (1) المشار إليها مرارا، إلا أنها معارضة برواية السكوني (2) الواردة في خصوص هذين الفرعين كما سيأتي ان شاء الله تعالى. وأما الصحة والفساد من حيث اصل الصلاة، فمقتضى بطلان الجماعة وعدم كون الجماعة والفرداى نوعين متبائنين بل الصلاة جماعة متقومة بنية الائتمام دون الفرادى فانه لا يتقوم بقصد الانفراد، ولا قصد الائتمام من موانع الصلاة هو صحة الصلاة مع عدم الاخلال بوظيفة المنفرد، وبطلانها مع الاخلال بها، والاخلال في صورة قصد الامامة يتصور برجوع احدهما إلى الآخر في مورد الشك، وفي صورة نية الائتمام بذلك، وبترك القراءة ورواية السكوني (3) الدالة على صحة صلاتهما في الاولى وبطلانها في الثانية منزلة على الغالب، فان فرض الشك والرجوع نادر جدا دون ترك القراءة فانه غالبي. ولا يخفى عليك ان عدم الاخلال بترك القراءة كلية من دون اختصاص بالمقام، ولا بالنظر إلى الرواية (4) يتصور على أنحاء: منها: ما إذا كان الامام في الركعتين الاخيرتين فانه لا يتحمل القراءة على المأموم فلو قرء المأموم لم يكن إخلال منه بوظيفة المنفرد. ومنها: ما إذا لم يسمع المأموم قراءة الامام، وقلنا: بوجوب القراءة على المأموم فقرء المأموم. ومنها: ما إذا لم يسمع وقلنا: باستحباب القراءة. وقد أشكل بعضهم في هذه الصورة قائلا ان المستحب لا يجزي عن الواجب وأجاب عنه العلامة الانصاري (قدس سره) في بعض تحريراته في صلاة الجماعة (5) بان المكلف مخير بين القراءة وايكال أمرها إلى الامام، غاية الامر


(1) الوسائل: ج 5، ص 435، الحديث 1، من الباب 37 من ابواب صلاة الجماعة. (2 و 3 و 4) الوسائل: ج 5، ص 420، الحديث 1، من الباب 29 من ابواب صلاة الجماعة. (5) كتاب الصلاة ج 1، ص 308، الطبعة الحجرية.

[ 50 ]

يستحب له اختيار الفرد الاول فالقراءة المأتي بها احد فردي الواجب، لا انها مستحبة حتى لا تغني عن الواجب. ويندفع: بان التخيير ان كان شرعيا بحيث يكون ايكال امر القراءة إلى الامام بدلا وعدلا للقراءة أو جزء للصلاة الواجبة المخير بين اتيانها مشتملة على القراءة أو على ايكال امر القراءة إلى الامام تم ما افيد، ولا دليل على التخيير الشرعي، وأما بناء على التخيير العقلي بين أفراد الصلاة فلا جامع بين القراءة والايكال إلى الامام حتى يكون الجامع جزء لطبيعي الصلاة، فينطبق على كل من القراءة والايكال، وأما جعل القراءة التي هي جزء الصلاة اعم من قراءة المأموم، وقراءة الامام، فأوضح منعا إذ لا يعقل التكليف بالقراءة إلا ما كان من افعاله الاختيارية، دون ما كان من افعال الغير، بل يندفع أصل الاشكال بان استحباب القراءة في الجماعة ليس استحبابا جديدا بحيث تكون القراءة من مكملات الجماعة كالقنوت بالاضافة إلى اصل الصلاة فضلا عن أن يكون مستحبا في الصلاة بعنوان ظرفية الصلاة له، بل تلك القراءة الواجبة في طبيعة الصلاة سقط حدها الزومي في الجماعة، وبقي على رجحانها، وهو المراد من كون السقوط رخصة لا عزيمة، فمن يقرأ في الجماعة يأتي بتلك القراءة الواجبة في اصل الصلاة الباقية على رجحانها فعلا، ومنه تعرف ان بابه باب الخطاء في التطبيق لا باب كفاية المستحب عن الواجب، فانه فيما كان واجب ومستحب كنافلة الفجر مع فريضتها، لا أن هذا الذي اعتقد رجحانه لزعم انعقاد الجماعة واجب عليه واقعا، وأما مع الاخلال بوظيفة المنفرد كرجوعه عند الشك إلى صاحبه، أو كزيادة ركوع للمتابعة، فلا إشكال في بطلان الصلاة، لانهما من اثار الجماعة الغير المتحققة. واما الاخلال بالقراءة فاقتضاؤه لبطلان الصلاة محل نظر بيانه: ان المستند لذلك إما هي القاعدة المستفادة من قوله (عليه السلام) (1) " لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب " وإما هي


(1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 274، (الطبعة الحجرية) الحديث 5، من الباب 1 من ابواب القراءة في الصلاة.

[ 51 ]

الرواية الواردة في خصوص المقام وأما عموم " لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب " فهو كما اعترف به الشيخ الاعظم (قدس سره) في باب الجماعة (1) في خصوص المسألة مخصص بقوله (عليه السلام) (2): " لا تعاد الصلاة " وإن استدركه بدعوى انصرافه إلى صورة السهو عما عدا الخمسة مع أمره بالتأمل، كما أنه مال إلى بطلان الصلاة بالاخلال بالقراءة في نظير المسألة في موضع آخر من باب الجماعة، نظرا إلى ان ما ورد في عدم الاخلال بترك القراءة إذا لم يكن عن عمد، لا يقدح في الحكم ببطلان صلاة من ترك القراءة باعتقاد الجماعة، ولعل نظره الشريف (قدس سره اللطيف) إلى ان المنفرد إذا اعتقد الاتيان بالقراءة، وهو واقعا غير آت بها لم يتعمد ترك القراءة فيكون كالنسيان، بخلاف المعتقد للجماعة، فانه يتعمد ترك القراءة [ إيكالا إلى قراءة الامام ] (3) ومنه تعرف الفرق بينها وبين ترك القراءة من المأموم المسبوق باعتقاد أن الامام في الاوليين، حيث إن حكم المسبوق حكم المنفرد في وجوب القراءة عليه فهو غير متعمد في ترك القراءة ايكالا إلى الامام، بل إيكاله عن جهل يكون الامام في محل لا موقوع للايكال إليه. ولا يخفى عليك ان عمدة ما في الباب حديث " لا تعاد " والمدعى شموله لكل اخلال بما عدا الخمسة ان كان لعذر، سواء كان عن سهو أو نسيان أو اعتقاد مخالف للواقع. وتمام الكلام في مباحث الخلل، إلا ان مجمل ما يتعلق بالمقام هو ان جزئية الاجزاء وشرطية الشرائط واقعا وان كانت تقتضي انتفاء الكل بانتفاء جزء منه، وانتفاء المشروط بانتفاء شرط منه، سواء كان عن عذر أولا، إلا انه يمكن ان تكون الخسمة المستثناة وحدها مشتملة على اصل مصلحة الصلاة، لا بمرتبتها القوية القائمة بالخمسة وغيرها من الاجزاء والشرائط، وإذا كان كذلك كان الاتيان بالخمسة وافيا بمصلحة لزومية لا يبقى مجال لا ستيفاء قوتها وحدها، فلا محالة يسقط


(1) كتاب الصلاة ج 1، ص 308 309. (2) الوسائل: ج 4، ص 1241، الحديث 4، من الباب 1 من ابواب قواطع الصلاة. (3) لا توجد هذه الجملة في النسخة الاصلية.

[ 52 ]

الامر بالصلاة فيكون قوله (عليه السلام): " لا تعاد " كقوله (1) (عليه السلام): " تمت صلاته " في الجهر والاخفات وكقوله (عليه السلام) (2) " لا يعيد " في الاتمام في موضع القصر، غاية الامر إن كان الاقتصار على الخمسة عن غير عذر استحق العقاب على ترك الكل، وإن كان عن عذر لم يستحق. بل عن بعض الاعلام (3) في المقام تعقل الامر ايضا بدعوى أن هناك امرا بالخمسة وأمرا اخر بالمشتمل على الخسمة وغيرها، تنظيرا بما إذا نذر فعل الصلاة الواجبة بمستحباتها فان هناك امرا لزوميا بالواجب من الاجزاء والشرائط وامرا بها وبغيرها من المستحبات الصلاتية، وكما أنه مع اتيان اصل الواجب لا يبقى مجال لا متثال الامر بالوفاء بالنذر، كذلك هنا لا يبقى مجال لامتثال الامر بالاكثر مع امتثال الامر بالاقل، فيكون عاصيا لاحد الامرين ومطيعا للاخر. وهذه الدعوى لا تتم إلا بتقريب ارتباط للاكثر بالاقل، وإلا لوجب عليه بعد اتيان الاقل امتثال الامر بالاكثر، فانهما أمران لكل منهما اقتضاء الامتثال، وانما لا يبقى مجال لامتثال الامر بالوفاء بالنذر، حيث إن متعلقه اتيان الواجب بنحو خاص، ومع اتيان ذات الواجب لا يبقى مجال للوفاء فالارتباط المتصور هنا، اما بتقييد الامر بالخمسة، بأدلة سائر الاجزاء والشرائط، فلا محالة لا امتثال اصلا إلا باتيان الاكثر، واما باعتبار ما عدى الخمسة من قبيل الواجب في الخمسة، ومع الاتيان بالواجب لا يبقى مجال للواجب في الواجب، ولعل ادلة الاجزاء والشرائط تأبى عن هذا الاحتمال لظهورها كما فهمه الاصحاب في الجزئية والشرطية، لا أنها واجبات مستقلة في ضمن واجب اخر، وعليه فلا داعي إلى الالتزام بأمرين. بل كما ذكرنا تبعا لشيخنا العلامة الاستاذ (قدس سره) في مقام معقولية صحة الصلاة مع ترك ما عدى الخمسة عن عمد، يمكن الحكم بتمامية الصلاة من حيث


(1) الوسائل: ج 4، 766، الحديث 1، من الباب 26 من ابواب القراءة في الصلاة. (2) الوسائل: ج 5، ص 530، احاديث الباب 17 من ابواب صلاة المسافر. (3) لاحظ كتاب الصلاة: ج 2 (تقريرات الآملي لبحث المحقق النائيني) ص 407 406.

[ 53 ]

اشتمال المأتي به على اصل المصلحة اللزومية مع التحفظ على الجزئية والشرطية بالاضافة إلى الكل القائم به المصلحة القوية اللزومية، ومنه تعرف ان شمول " لا تعاد " للاخلال بما عدا الخمسة بجميع أنحائه لا مانع عنه عقلا، إلا أنه مع ذلك فالطبع السليم يأبى عن توجه التكليف بالكل وعدم الاعادة بالاخلال بما يتقوم به الكل، أو بالمشروط وعدم الاعادة بالاخلال بشرطه فيرى المنافاة بينهما، وهذه المنافاة المتحققة بمناسبة الحكم والموضوع مختصة بصورة توجه التكليف والمعذورية في الاخلال به، وأما إذا لم يجد تكليفا متوجها إليه سواء كان عن غفلة، أو عن التفات، واعتقاد بعدم توجه تكليف إليه سواء كان منشؤه الاعتقاد بالاتيان به، أو الاعتقاد بسقوطه عنه لكونه في الجماعة، أو لاعتقاد كون الامام في الاوليين، فلا منافاة في نظره ولا موجب لتقييد " لا تعاد " بأزيد من ذلك. ودعوى أن المأموم في ما نحن فيه يرى التكليف متوجها إليه إلا أنه في عهدة الامام أو أن قراءة الامام مسقطة له من التمويهات (1)، بل حكم الجماعة بسقوط القراءة عن المأموم. كدعوى أن عموم " لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب " (2) لم يخصص بالجماعة، فان قراءة الامام قائمة مقام قراءة المأموم، فانه يستحيل أن تكون قراءة الامام مقومة للصلاة المكلف بها المأموم، حتى يكون للمكلف نحوان من القراءة، فتارة بمباشرته واخر بلسان الامام، فالاقوى شموله " لا تعاد " لمطلق الاخلال عن عذر، وبقية الكلام في محله، فتدبر، هذا كله من حيث القاعدة. وأما بالنظر إلى الرواية الواردة في خصوص المقام، بعد انجبار ضعفها باستناد الاصحاب في الحكم ببطلان الصلاة رأسا لا جماعة فقط، ولذا قال (عليه السلام) (3): " وليستأنفا " فالرواية ظاهرة في ان وجه البطلان في صورة نية الائتمام من كليهما، ترك القراءة الذي هو لازم غالبي للجماعة، دون زيادة الركن،


(1) موه عليه الامر (والخبر: زوره عليه وزخرفه ولبسه أو بلغه خلاف ما هو. " المنجد ص 780 ". (2) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 274، الطبعة الحجرية، الحديث 5 من الباب 1 من ابواب القراءة في الصلاة. (3) الوسائل: ج 5، ص 420، الحديث 1، من الباب 29 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 54 ]

فانها نادرة، ودون الرجوع في صورة الشك لندرته، واختصاص البطلان بالشاك دون الحافظ مع أنه (عليه السلام) حكم ببطلان صلاة كليهما كوضوح عدم استناد البطلان إلى تباين الجماعة والفرادي من حيث الحقيقة، وإلا لكان صورة نية الامامة من كليهما كذلك،. ولا يعارضها حديث " لا تعاد " مع فرض عمومه لاخصيتها منه. وأما معارضتها لمثل رواية الصلاة خلف من بان انه يهودي (1) بتقريب اشتراكهما في الصحة والفساد جماعة وفرادى، لانا إن اكتفينا في وجود الامام بوجوده العنواني الاحرازي ففي كليهما موجود، وإن قلنا بلزوم وجوده الواقعي ففي كليهما مفقود، إذ لا إمام هنا بفرض نية الائتمام منه، ولا إمام هناك لفرض كونه يهوديا، بل لا صلاة منه اصلا. وأما اشتراكهما في الصحة والبطلان فرادى فلترك القراءة منهما في الموردين. فمدفوعة بأن ظاهر تلك الرواية، صحة الصلاة جماعة، وظاهر هذه الرواية بطلانها فرادى، كما اشرنا إليه، فيعلم منهما ان وجود الامام عنوانا وإحرازا كاف في صحة الجماعة، إلا إذا نوى الاقتداء، وحيث بطل ما نحن فيه من حيث الجماعة بطل من حيث الفرادى للاخلال بالقراءة فلا يعارضها إلا حديث " لا تعاد " وقد عرفت أخصيتها منه فتدبر جيدا. تتميم ما ذكرناه من أول المسألة إلى آخرها حكم نية الائتمام من كل منهما واقعا وأما بلحاظ التداعي، والتنازع وعدم تصديق كل منهما للآخر. فان قلنا: بأن الرواية متكفلة لحكم التنازع كما استظهره الشيخ الاعظم (2) (قدس سره) من ظاهر قول الراوي (3) " في رجلين اختلفا " الخبر فالرواية بعد فرض انجبارها حجة على حجية قول كل منهما على صاحبه، سواء كان من باب الاخبار، أو من باب الاقرار، فيكون مخصصا لما دل على اعتبار البينة في


(1) الوسائل: ج 5، ص 435، الحديث 1، من الباب 37 من ابواب صلاة الجماعة. (2) كتاب الصلاة: ج 1، ص 309، الطبعة الحجرية. (3) الوسائل: ج 5، ص 420، الحديث 1 من الباب 29 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 55 ]

الموضوعات، على الاول، ولما دل على نفوذ الاقرار على النفس دون الغير على الثاني. وإن قلنا: بأن الرواية لا نظر لها إلى التشاجر والتكاذب إذ ليس فيها إلا أنه " قال احدهما لصاحبه: كنت امامك فقال صاحبه له مثله " وانه " قال احدهما لصاحبه: كنت أئتم بك وقال الآخر مثله " ولا انكار لاحدهما على الاخر فيما أخبر به. ونكتة التعبير بالاختلاف، أن طبع الجماعة متقوم بامام ومأموم، لا بامامين ولا بمأمومين فانهما خلاف طبع الجماعة، وعليه فالرواية ساكتة عن حكم التنازع والتكاذب، فلابد من الاخذ بما تقتضيه القواعد، فان قلنا بحجية خير الثقه في الموضوعات إما مطلقا، أو في أمثال المقام فلا إشكال في بطلان الجماعة وحجية خبر الثقة مطلقا وإن كانت مقتضى آية النبأ (1) بل موردها الموضوع وسيرة العقلاء، إذ لا فرق عندهم بين الحكم والموضوع إلا انها مقيدة بمثل رواية مسعدة (2) ورواية الجبن (3) واشباههما الدالة على اعتبار التعدد ولوفي غير مورد القضاء، فتكون الاخبار الخاصة الدالة على كفاية خبر الواحد كما في إخبار (4) البايع باستبراء الامة وخبر الثقة (5) بقول (6) الوكيل واشباههما، مختصة بمواردها، إلا أن ادلة اعتبار البينة مختصة طبعا بصورة إمكان إقامة البينة، ومالا يعرف إلا من قبل المخبر غير مشمول لها، فلا مخصص بالاضافة إليه لعمومات ادلة اعتبار الثقة. ومنه تعرف أن الرواية (7) على فرض ورودها مورد التنازع موافقة للقاعدة لا بتنائها على حجية قوله كل منهما على صاحبه في مالا يعرف إلا من قبله، وحملها


(1) الحجرات: 49. (2) الوسائل: ج 12، ص 60، الحديث 4 من الباب 4 من ابواب ما يكتسب به. (3) الوسائل: ج 17، ص 91، الحديث 2، من الباب 61 من ابواب الاطعمة الباحة. (4) الوسائل: ج 13، ص 38، الحديث 2، من الباب 11 من ابواب بيع الحيوان. (5) الوسائل: ج 13، ص 286، الحديث 1، من الباب 2 من كتاب الوكالة. (6) هكذا في النسخ والصحيح " بعزل الوكيل ". (7) الوسائل: ج 5، ص 420، الحديث 1، من الباب 29 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 56 ]

على صورة التكاذب بمعنى قطع كل منهما بكذب صاحبه، في غاية البعد في مثل الامور القصدية التي لا طريق إلى اثباتها ونفيها إلا من قبل المخبر بها. وأما إن لم نقل بحجية الخبر حتى في أمثال المقام، فظاهر غير واحد من الاعلام بناء كل منهما على صحة عمله بقاعدة الشك بعد الفراغ، وربما أمكن الاشكال بما ذكروه في محله من أن مجرى قاعدة الفراغ ما إذا لم يكن صورة العمل محفوظة وكان الشك في موافقة المأتي به للمأمور به، لا ما إذا كانت صورة العمل محفوظة وكان الشك في موافقة المأمور به للمأتي به، مثلا إذا أتى بالصلاة، وشك في اتيان السورة مثلا مع العلم بجزئية السورة للصلاة، فانه شك في موافقة المأتي به للمأمور به مع عدم إحراز صورة العمل من حيث الاتيان بالسورة فهو مجرى قاعدة الفراغ، بخلاف ما إذا أحرز أنه صلى بلا سورة غفلة، وكان شكه في مطابقة فتوى مجتهده لعمله المحرز، فان قاعدة الفراغ لا تتكفل تعيين الحكم، وكذا إذا صلى إلى جهة من الجهات غفلة ثم شك في أن صلاته كانت إلى القبلة، فيحكم بوقوعها إلى القبلة بقاعدة الفراغ، بخلاف ما إذا صلى إلى جهة خاصة معينة في نظره محرزا لها انها قبلة بقيام البينة عليه ثم تبين فسق الشاهدين، فانه لا تثبت كون هذه الجهة المعينة قبلة بقاعدة الفراغ، ولا ان المأمور به وهي الصلاة إلى القبلة منطبقة على صلاته إلى هذه الجهة الخاصة، وعليه ففيما نحن فيه إذا صلى جماعة وشك في انه نوى الاقتداء بالامام، أو بالمأموم، صح التمسك بقاعدة الفراغ والحكم بأنه اقتدى بالامام دون المأموم، وأما إذا نوى الاقتداء بهذا الشخص المعين ثم شك انه كان ناويا للائتمام به ام لا، فان قاعدة الفراغ لا تثبت انه لم ينو الائتمام، وإن الصلاة مع الامام منطبقة على الصلاة مع هذا الشخص ويندفع بأن المسلم خروجه عن تحت قاعدة الفراغ، ما إذا تمحض الشك في تعيين الحكم، كما إذا صلى بلا سورة وشك في أن فتوى المفتي ماذا؟ وأما غيره فلا موجب لخروجه، وأما عدم تعيين كون الجهة الخاصة قبلة بقاعدة الفراغ، فهو مشترك بينه وبين جميع موارد قاعدة الفراغ، فلا يثبت بها كون الشخص متطهرا إذا شك في صدور صلاته عن طهارة، ولا كون الثوب المعين طاهرا إذا شك في صحه صلاته الواقعة فيه وهكذا، فلا عبرة بانحفاظ

[ 57 ]

صورة العمل وعدمه، ولا بموافقة المأتي به للمأمور به وعكسها، بل بما إذا تمحض الشك في تعيين الحكم حتى يكون العمل بلحاظه تارة محكوما بالصحة واخرى بالفساد وعدمه. وبالجملة فالتمسك بقاعدة الفراغ فيما نحن فيه كما عليه غير واحد من الاعلام خال عن شوب الابهام. مضافا إلى أن مقتضى استصحاب عدم نية الائتمام من صاحبه جواز الاقتداء به، وصحة الصلاة جماعة معه كما إذا اراد الاقتداء به وشك في انه منفرد أو مأموم، فان عدم الائتمام على طبق الاصل ويصح معه الاقتداء به، وهذا بخلاف ما إذا نوى إلامامة لصاحبه وشك في انه نوى الامامة أولا؟ فان عدم نية الامامة من صاحبه لا يجدي في انعقاد الجماعة بل لابد من نية الائتمام منه وعدمها على طبق الاصل. ومن جميع ما ذكرناه تبين حكم الشك فيما أضمراه، أما الشك في ما أضمره صاحبه فقد عرفت حاله من حيث الاصل، ومن حيث قاعدة الفراغ، وأما الشك في ما أضمره في نفسه فمقتضى الاصل كما تقدم عدم نية الائتمام إلا إذا أحرز من نفسه انه قام بصدد الاقتداء، وكان شكه في عروض الغفلة عن نية الائتمام بالامام فيحكم بصحة صلاته جماعة بقاعدة الفراغ كما تقدم. السابعة في العدول من نية الائتمام بإمام إلى الائتمام بإمام آخر اختيارا أو اضطرارا، لا شبهة في الجواز في صورة الاضطرار كما يستفاد من الاخبار الواردة في هذا المضمار فان موردها موت الامام (1) والحدث (2) أو الرعاف (3) أو الالتفات إلى حدث سابق (4) وغيره من موجبات عدم امكان إبقاء الجماعة بحيث يفهم منها عدم خصوصية للموجبات المنصوصة، وأما اختيارا فالمشهور على عدم الجواز وعن العلامة


(1) الوسائل: ج 5، ص 440، الحديث 1، من الباب 43 من ابواب صلاة الجماعة. (2 و 3 و 4) الوسائل: ج 5، ص 474، الحديث 2، من الباب 72 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 58 ]

في التذكرة (1) التصريح بجوازه والمحكي عن الشهيد في الذكرى التفصيل بين العدول إلى الافضل فيجوز والى غيره فلا يجوز. ومجمل القول في ذلك ان مقتضى عمومات وجوب القراءة، وعمل الشك من دون رجوع إلى غيره، وفساد العبادة بالزيادة في الركوع بطلان الصلاة مع فقد ما اعتبر فيها بتلك العمومات، واطلاقات باب الجماعة منصرفة عن الاجتماع في الصلاة بإمامين عرضا أو طولا، وعليه فلا مجال لاستصحاب أحكام الجماعة إذا أئتم بامام اخر اختيارا، واستصحاب بقاع الجماعة حتى يجب التعبد بأحكامها الثابتة بدليل المخصص لا مجال له لا لان تعدد السبب يقتضي تعدد المسبب فيتعدد الجماعة بتجدد الائتمام، فان المسبب يتعدد برهانا بتعدد مقتضيه لا بتعدد الغاية أو تعدد الشرط حدوثا وبقاء كنية الائتمام التي هي شرط في انعقاد الجماعة، بل لان الجماعة القابلة للبقاء وجدانا، أو تعبدا هو الربط المعنوي الاعتباري بين صلاة الامام وصلاة المأموم، ومن البين ان الاضافات تتشخص بتشخص أطرافها، فالربط بين صلاة المأموم وصلاة زيد الامام حقيقة غير الربط بينها وبين صلاة البكر الامام، ولا مجال للتعبد ببقاء ما يقطع بعدم بقائه، وانما الشك في حدوث ربط آخر بينة الاقتداء بإمام اخر، فلا مجال للاستصحاب إلا على القول بجريانه في الكلي بين الفرد المقطوع الارتفاع والفرد المشكوك الحدوث، وهو خلاف مختار المحققين في محله. نعم ربما يستفاد من صحيحة على بن جعفر (2) ما يفيد الجواز وهي هكذا " عن إمام أحدث وانصرف ولم يقدم احدا ما حال القوم قال (عليه السلام): لا صلاة لهم إلا بإمام فليتقدم بعضهم فليتم بهم ما بقي منها وقد تمت صلاتهم " وتقريب الاستفادة ان غاية ما اقتضاه حدث الامام إنقطاع المأموم عنه وعدم إمكان البقاء معه في الجماعة لا انه مسوغ للائتمام بإمام اخر، وانما المسوغ إدراك فضيلة


(1) تذكرة الفقهاء: ج 1، ص 174، الطبعة الحجرية، الفرع ب من فروع الشرط السادس من صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5، ص 474، الحديث 1، من الباب 72 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 59 ]

الجماعة في بقية صلاته ولذا قال الامام (عليه السلام) " لاصلاة لهم إلا بإمام " فإن المراد ليس ايجاب الجماعة وبطلان بقائهم على الانفراد، كما نص به في صحيحة زرارة (1) فالمراد ان إدراك فضيلة الجماعة في بقية الصلاة لا يكون إلا بالائتمام بإمام اخر، ولذا فرع عليه بقوله: " فلتقدم بعضهم " فيستحب الائتمام في بقية الصلاة لادراك فضيلة الجماعة، فهو العلة وان كان مورد إدراك هذه الفضيلة المطلوب إدراكها انقطاع المأموم عن إمامه، فالانفراد للضرورة، لا أن الائتمام بإمام اخر للضرورة، بل لادراك الفضيلة المطلوبة. لا يقال: إدراك الفضيلة لم لا يتمكن من ادراكها إلا بالاقتداء بإمام اخر، كما في موارد هذه الاخبار، دون من كان مدركا للفضيلة لكونه مقتديا بإمام لم يعرض عليه عارض، فلا يسوغ العدول بالاختيار. لانا نقول: أولا: إن إمكان إدراك الفضيلة ببقائه على الائتمام بإمامه ليس عدمه دخيلا في فضيلة الائتمام بإمام اخر، وفضيلة الجماعة مطلوبة في نفسها فيتخير بين بقائه على الائتمام به، أو الائتمام بغيره. وثانيا: فان فضيلة الجماعة كما أنها مطلوبة، كذلك زيادة الفضيلة مطلوبة، فإذا فرض حضور الافضل من إمامه ساغ له لادراك زيادة الفضيلة رفع اليد عن اتمامه وتجديد الائتمام بالافضل، ولعله وجه تفصيل الشهيد (قدس سره) بين العدول إلى الافضل وغيره. نعم الانصاف ان رفع اليد عن العمومات بمثل هذه الاستفادة مشكل، فلا ينبغي ترك الاحتياط بترك العدول بالاختيار. الثامنة في العدول من الانفراد إلى الائتمام والمشهور ايضا عدم جوازه، ونسب إلى الشيخ جوازه (2) مستدلا بالاجماع


الوسائل: ج 5، ص 433، الحديث 2، من الباب 36 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الخلاف: ج 1، ص 552، مسألة 293، طبعة (مؤسسة النشر الاسلامي) (التابع لجماعة المدرسين بقم المشرفة).

[ 60 ]

والاخبار. واستدل له الشيخ المحقق الانصاري (1) (قدس سره) في أواخر باب الجماعة بوجوه: أحدها: عمومات استحباب الجماعة (وفيه) ما مر من انصراف المطلقات إلى ما هو المتعارف من الابتداء بالائتمام في الجماعة ثانيها: الاخبار الواردة في استخلاف الامام، نظرا إلى ان المأموم يصير منفردا بمجرد موت الامام مثلا فنية الاقتداء بالامام الثاني عدول من الانفراد إلى الجماعة. واورد عليه: بأن الجماعة والفرداى وصفان للصلاة، وهي عبارة عن الافعال الخاصة دون الاكوان المتخللة بينها، ولم يفرض في تلك الاخبار الانفراد في فعل من تلك الافعال والائتمام في الباقي ليكون دليلا على العدول من الانفراد إلى الائتمام، وعدم الائتمام في الكون المتخلل من باب السالبة بانتفاء الموضوع، والانفراد بمعنى عدم نية الائتمام من باب العدم بالاضافة إلى الملكة فلا يعقل فرضه إلا في الافعال الصلاتية، والمراد من الانفراد القهري بموت الامام، عدم التمكن شرعا بل عقلا من الائتمام - في ما ياءتى به من افعال الصلاة - بالامام السابق، فهو عند اتيانه للفعل منفرد بالضرورة غير مجتمع مع إمامه، فالانفراد القهري ايضا بلحاظ الفعل الصلاتي، لا بلحاظ الكون المتخلل، ومجرد مجامعة الانفراد القهري مع الائتمام بالامام الثاني في ما انفرد عن السابق لا يحق العدول المبحوث عنه، لان البحث في جواز الائتمام في فعل مع الانفراد في فعل سابق عليه لا الانفراد المقارن للائتمام بالامام اللاحق. ومنه يظهر اندفاع توهم الاولوية نظرا إلى ان الانفراد المقارن إذا لم يمنع عن الائتمام، فالانفراد السابق مانع متقدم فهو اولى بعدم المانعية. وجه الاندفاع: انه لم يقع جزء منه منفردا حتى يمنع عن الائتمام في جزء اخر ولا مساواة فضلا عن الاولوية.


(1) كتاب الصلاة: ج 1، ص 388، (الطبعة الحجرية).

[ 61 ]

ثالثها: إطلاق أخبار الاستخلاف (1) لما إذا اتى بجزء بعد موت الامام منفردا. لا يقال: كيف يكون لها إطلاق وهي متكفلة لاتمام الباقي جماعة بالترغيب في الائتمام بإمام اخر حتى في التسليم كما في صحيحة زرارة. لانا نقول: الترغيب في الائتمام يقتضي الاهتمام بشأنه لئلا يفوته بفوات الائتمام في بعض الافعال في بقيتها، وبالجملة لا مانع من إطلاقها لما إذا اتى بفعل من أفعال الصلاة لا بقصد الائتمام، فلا يفوت به استحباب الائتمام بإمام اخر. رابعها: ما استفيد من أخبار المسألة بلحاظ ما هو كالعلة لاستحباب الائتمام بإمام اخر، وتفريع تقديم بعض المأمومين على ذلك، وهو إدراك فضيلة الجماعة بالائتمام، ومقتضى إطلاق التعليل شمول اتيان ما سبق منه لصورة الجماعة والانفراد، فيعلم منه ان الائتمام في الباقي مطلوب سواء كان مسبوقا بالائتمام أو بالانفراد، وخصوصية المورد وأخصية المعلول لا توجب اختصاص العلة وتقيدها بموردها. خامسها: ان الجماعة صفة مشتركة بين الامام والمأموم، فإذا جاز العدول من الانفراد إلى الامامة للامام اتفاقا، جاز للمأموم العدول من الانفراد إلى الائتمام، ولكن قد اشرنا سابقا إلى ان الجماعة التي يترتب عليها الآثار غير منوطة بقصد الامام للامامة بل بقصد المأموم بالائتمام ولو لم يلتفت الامام إلى اقتداء احد به، أو التفت ولم يقصد إمامته له، وقصد الامامة منه لا يجدي إلا في استحقاق الثواب المترتب على الجماعة، أو على الامامة لاحد، فليس له عدول يترتب عليه الآثار المترقبة من الجماعة، وهكذا لا معنى لعدوله من الجماعة إلى الانفراد فان بقاء المأموم على جماعته منوط ببقاء نية الائتمام لا ببقاء نية الامام. ويمكن ان يستدل للمسألة بما سيأتي إن شاء الله تعالى في المسألة الآتية من الرواية المروية (2) في كتاب الامام والمأموم فان مطلوبية الجماعة في كل فعل من


(1) الوسائل: ج 5، ص 440، الباب 43 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 1، ص 487، (الطبعة الحجرية) الحديث 3، من الباب 1 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 62 ]

أفعال الصلاة مستقلة كما تسوغ العدول من الجماعة إلى الانفراد كذلك من الانفراد إلى الجماعة. التاسعة في العدول من الجماعة إلى الانفراد إما اضطرارا أو لعذر فلا شبهة في جوازه، وأما اختيارا فالمشهور بل ادعي عليه الاجماع جوازه أيضا ونسب عدمه وبطلان الصلاة به إلى الشيخ (قدس سره) (1) وتبعه غير واحد من المتأخرين. وقد استدل لجوازه بوجوه. أحدها: ما في الجواهر (2) من استصحاب بقاء جواز الانفراد. وفيه ان جواز الصلاة فرادى مما لا شبهة فيه وجواز الانفراد في الصلاة لا يقين به وجواز الانفراد في الصلاة قبل الشروع فيها غير معقول. ثانيها: ما عن المحقق الانصاري (3) (قدس سره) من استصحاب صحة الجماعة، وعدم بطلانها بمجرد العدول، وتقريبه ان الافعال الصادرة منه بعنوان الجماعة إذا كانت صحيحة لم يكن إخلال منه باصل الصلاة، وان لم تكن صحيحة بذلك العنوان كان الاخلال بوظائف المنفرد موجبا لبطلان الصلاة رأسا، فصحة الصلاة وبطلانها يدور مدار صحة الجماعة وبطلانها، وإلا فليس قصد الانفراد من موانع اصل الصلاة، ولا من قواطعها. ويمكن الخدشة فيه بما يتوقف على مقدمة، وهي ان استحباب الجماعة يتصور على وجوه: (احدها) ان يكون الائتمام في مجموع افعال الصلاة مستحبا واحدا، فيكون الائتمام في كل فعل مقوما للمطلوب، بحيث لو لم ينو الائتمام في فعل منها لم يتحقق الجماعة المستحبة رأسا، فيكون وقوع كل فعل نوى فيه الائتمام مطلوبا مراعى باتيان الباقي


(1) المبسوط: ج 1، ص 57 (طبعة المكتبة المرتضوية). (2) جواهر الكلام: ج 14، ص 25. (3) كتاب الصلاة: ج 1، ص 387، (الطبعة الحجرية).

[ 63 ]

عن نية الاقتداء، حتى يتحقق المستحب الوجداني. (ثانيها): ان يكون الائتمام في كل فعل مستحبا مستقلا، فهناك بعدد افعال الصلاة المنوية فيها الجماعة مستحبات متعددة مستقلة، كما يستظهر من بعض الاخبار (1). (ثالثها): ان يكون الائتمام في كل فعل مستحبا متقيدا باتيان سائر الافعال كذلك، وعليه فيكون وقوع الجزء الاول مطلوبا متقيدا بوقوع الجزء الثاني مطلوبا، والجزء الثاني ايضا لا يقع على صفة المطلوبية إلا مع وقوع الجزء الاول كذلك، ولاجله لا يجوز العدول من الائتمام إلى الانفراد، ولا العدول من (2) الائتمام إلى الانفراد، وتوهم الدور مدفوع بانه انما يلزم الدور إذا توقف نية الائتمام في كل من السابق واللاحق على النية في الآخر، أو إذا توقف تأثير النية في كل منها على تأثير النية في الآخر، بخلاف ما إذا توقف تأثير نية الائتمام في الجزء السابق في انعقاد الجماعة على نية الائتمام في الجزء اللاحق، وتأثير النية في الجزء اللاحق في بقاء الجماعة على نية الائتمام في الجزء السابق، وإذا عرفت أنحاء الاستحباب تعرف انه إذا دار الامر بين كون المجموع مستحبا وحدانيا أو مستحبات متعددة مستقلة، أو مرتبطة، فلا يقين بوقوع الجزء السابق على صفة المطلوبية حتى يستصحب بقاؤها لئلا يلزم بطلان الصلاة بسبب الاخلال بوظائف المنفرد فيما سبق، لاحتمال كونه مراعى بوقوع مجموع الافعال بنية الاقتداء، وإذا دار الامر بين كونه مستحبات متقيدة أو غير متقيدة، فمر جع الشك إلى انقلاب الصحيح فاسدا بعدم تعقيبه في الجزء اللاحق بنية الائتمام، كالشك في بقاء صحة الاجزاء السابقة في الصلاة، ومع عدم تنقيح المبني لا مجال لاستصحاب صحة الجماعة. ثالثها: ما (3) اشتهر بين الخاصة والعامة من ان المتسحب لا يجب بالشروع،


(1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 488، (الطبعة الحجرية) الحديث 6 من الباب 1 من ابواب صلاة الجماعة. (2) هكذا في النسخ والصحيح " ولا العدول من الانفراد إلى الائدمام ". (3) اي ثالث وجوه الاستدلال على جواز العدول من الجماعة إلى الانفراد اختيارا.

[ 64 ]

ومجرد إمكان الوجوب كما في الحج، أو في الاعتكاف في اليوم الثالث لايمنع مع عدم الدليل على الوجوب، فتجري البراءة عنه. وفيه: ان الوجوب المنفي إن اريد منه الوجوب التكليفي، فنفيه لا يقتضي إلا رفع اليد عن الجماعة المستحبة وهو بنفسه لا يقتضي إلا جواز إبطال المستحب، كما في إبطال النافلة أو الصوم المندوب كما هو مورد هذه الكلية، وهو لا يجدي في المقام بل يضربه، فان ارتفاع الجماعة مع الاخلال بوظائف المنفرد يستلزم بطلان الصلاة مع ان الفرض هنا بقاء الجماعة فيما قبل الانفراد. لا يقال: بعموم حرمة الابطال، وأصالة عدم التخصيص يحكم بعدم كون رفع اليد عن الجماعة ابطالا لها فيها قبل الانفراد، كما يقال: بان زيدا المحكوم بعدم الاكرام عند تردده بين كونه زيدا العالم، أو زيدا الجاهل، يستكشف بأصالة عدم التخصيص في اكرم العلماء أنه زياد الجاهل. لانا نقول: مع عدم صحة هذا المبنى كما حرر في الاصول، ان بطلان الصلاة بترك القراءة وهي وظيفة المنفرد لا يرفع اليد عن الجماعة، فرفع اليد عن الجماعة يكشف عن عدم وقوع ما قبل الانفراد على صفة المطلوبية لاحتمال مطلوبية المجموع، فلا يتعين ان يكون مصداقا لابطال الصلاة حتى يكون جوازه كاشفا عن عدم كونه إبطالا فيجتمع جواز رفع اليد عن الجماعة، مع عموم حرمة إبطال الصلاة الواجبة وبطلان الصلاة بالاخلال بوظائف المنفرد، وان اريد من الوجوب المنفي الوجوب الشرطي إذ لو كان الجماعة المستحبة متقومة بالايتمام في مجموع الافعال لكان بقاء الائتمام مما لابد منه في وقوع الصلاة جماعه مستحبة فمن الواضح كما اشرنا إليه مرارا ان المرجع مع اجمال دليل المخصص من حيث شموله للائتمام في بعض الافعال هي عمومات ادلة القراءة وزيادة الركوع وعمل الشك فلا مجال لرفع الشرطية بأدلة البراءة بل إذا دار أمر الجماعة المستحبة بين كون الائتمام في مجموع الافعال هي الجماعة المشروعة، أو كون الائتمام في كل فعل مشروعا، فإطلاق دليل المخصص المثبت لاحاكم خاصة مرتبة على الجماعة المستحبة لا يعقل أن يكون متكفلا لتحقيق موضوعه فتدبر.

[ 65 ]

رابعها: ما ذكره الشهيد الثاني (قدس سره) نقلا من كتاب الامام والمأموم للشيخ ابي محمد جعفر بن أحمد القمي بسنده المتصل إلى أبي سعيد الخدري (1) " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اتاني جبرائيل (إلى أن قال): يا محمد تكبيرة يدركها المؤمن مع الامام خير له من ستين ألف حجة وعمرة، وخير له من الدنيا وما فيها سبعين ألف مرة، وركعة يصليها المؤمن مع الامام خير له من مأه ألف دينار يتصدق بها على المساكين، وسجدة يسجدها المؤمن مع الامام في جماعة خير له من عتق مائة رقبة " الخبر. وتقريب الاستدلال ان ظاهر ترتيب الثواب على فعل، جعله مستحبا من باب جعل الملزوم بجعل لازمه، وظاهر الفقرات المزبورة ان كل ثواب خاص لنفس الاقتداء في ذلك الجزء، فاحتمال توزيع ثواب المجموع على الاجزاء خلاف الظاهر، مع ان سياقه آب عن عنوان التوزيع، لتفاوت أنواع المثوبات الخاصة فلا مخصص لنوع من الثواب الخاص على فعل مخصوص، بل ينبغي اشتراك الكل في كل الانواع كما هو مقتضي التوزيع، فظهور الرواية في استحباب الجماعة في كل فعل من أفعال الصلاة مما لا ينبغي انكاره، وإطلاقها يدل على عدم تقيد تلك المستحبات بعضها ببعض، وعليه فطبع الاستحباب يقتضي جواز فعل المستحب وتركه فله ان يقتدي في التكبيرة وينفرد في القراءة مثلا. خامسها: ماوراه الشيخ في الصحيح (2) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " في الرجل يصلي خلف إمام فيسلم قبل الامام قال: لا بأس " بضميمة عدم القول بالتفصيل بين التسليم وغيره، بل ربما يدعى إطلاق التسليم قبل الامام من حيث الانفراد قبل التسليم، وحمله على التسليم نسيانا خلاف الظاهر، كما أن حمله على ترك المتابعة عملا مع بقاء القدرة ايضا كذلك، مع وجوب المتابعة إما تكليفيا أو


(1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 487 (الطبعة الحجرية)، الحديث 3 من الباب 1 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5، ص 465، الحديث 4، من الباب 64 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 66 ]

شرطيا. هذا مضافا إلى موراد العذر المرخص فيها للانفراد، وموراد مفارقة الامام عن المأموم، والمأموم عن الامام قهرا، كما في ائتمام الحاضر بالمسافر وبالعكس، فان جعل الجماعة فيها مستحبة في كل فعل أو غير متقيدة بالآخر، وجعل المجموع مستحبا واحدا، أو متقيدا، في غيرها في غاية البعد، للوثوق العادي بان كيفية تشريع الجماعة على نحو واحد، لا أنها متفاوتة بتفاوت الموارد خصصوصا مع التوسعة في الضرورة الداعية إلى الانفراد، فانه قلما ينفرد بالاخيتار إلا لغرض من الاغراض العقلائية، ولو مثل عدم الصبر عند إطالة الامام في التشهد، كما في الخبر (1) فتدبر. فروع الاول: بعد القول بجواز الانفراد اختيارا، أو لعذر هل له ان ينوي من أول الامر الائتمام في بعض الافعال والانفراد في الاخر، أوله نية الائتمام مع علمه بطرو العذر أم لا؟ ولا يخفى ان جملة مما استدل به للانفراد لا يأتي في نية الائتمام من الاول، كما في استصحاب الصحة وعدم وجوب المستحب بعد الشروع، فانه لا فعل ولا شروع قبل النية، بل ما ورد في العذر لا يجدي في النية فان العذر الطارئ في الاثناء يصلح لان يكون مسوغا للانفراد، ولا يصلح ان يكون مسوغا لنية الائتمام حيث لا عذر حال النية، ولاجله تجد في كلمات المعاصرين ومن تقدمهم عدم الاشكال في الانفراد اختيارا، والاشكال في نية الائتمام في بعض الافعال، إلا انه لا اثر لهذا الاشكال في كلمات أرباب الكتب الفقهية، بل لم يتعرضوا إلا للبحث عن الانفراد اختيارا، والسرفيه ان النية تابعة للمنوي فان كان الائتمام في بعض الافعال مشروعا ومستحبا فنيته من اول الامر نية أمر مشروع، وليست نية الاقتداء معتبرة شرعا حتى يتوهم عدم الاطلاق لدليها بل الاقتداء قصدي عقلا، وهذا الامر القصدي مستحب شرعا، ولا يعتبر عقلا إلا في مقدار الاقتداء فالاقتداء في الكل يعتبر فيه النية هكذا، والاقتداء في البعض يعتبر فيه النية بحسبه.


(1) الوسائل: ج 5، ص 464، الحديث 2 و 3، من الباب 64 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 67 ]

لا يقال: لا إطلاق لدليل جواز الانفراد في الاثناء، لما إذا كما نية الائتمام في البعض من أول الامر، إذ الغالب فيمن يعرض له داع في الاثناء، أو عذر فيه انه ناو للاقتداء في تمام الصلاة من أول الامر، ومعه يشكل الاستدلال بإطلاق الدليل الوارد مورد الغالب. لانا نقول: نية الاقتداء في تمام الافعال أجنبية عن جواز الانفراد، وإنما هي مرتبطة باحد امور ثلاثة، إما بنفس الجماعة، أو باستحباب الجماعة، أو باحكام الجماعة المستحبة، والمفروض ان الاقتداء في بعض الافعال مصداق للجماعة، وانه لاحقيقة للجماعة إلا الاجتماع مع الامام في الصلاة، فان كان الاقتداء في الكل كان جماعة في الكل، وإلا ففي البعض، كما ان المفروض الفراغ عن استحباب الائتمام في البعض، فان الاستحباب غير متعلق بالمجموع بما هو، ولا بكل واحد مقيدا بالآخر، وعليه فكل ما يتمسك به لدفع تقيد الائتمام في البعض بالائتمام في الآخر يدفع به تقيد استحبابه بنية الائتمام في الاخر، فلم يبق إلا تخيل تقيد الاحكام بنية الائتمام في الكل من أول الامر، مع أنها أحكام للجماعة المستحبة المفروغ عن موضوعها تماما، فلا مانع حينئذ من التمسك بإطلاق ادلة الاحكام، وانما لا يصح التمسك بها فيما إذا كان الشك راجعا إلى موضوعها إما من حيث تحقق الجماعة وإما من حيث استحبابها. الثاني: إذا ائتم بالامام حال التكبيرة وانفرد بعدها وجبت عليه القراءة بلا خلاف ولا إشكال، إذ ليس حدوث الائتمام علة لضمان الامام لقراءته بل بقاؤه على ائتمامه شرط في الضمان، كما هو ظاهر أخبارها ومنها (1) " سأله رجل عن القراءة خلف الامام قال: لا ان الامام ضامن للقراءة " وفي اخر (2) " انه يجزيك قراءته " فمن لا يجوز له القراءة هو الذي يضمن الامام قراءته، وليس إلا المؤتم به وخلفه وحال قراءته، ولا ينافيه سقوط القراءة عمن اقتدى به بعد القراءة، أو حال


(1) الوسائل: ج 5، ص 421، الحديث 1، من الباب 30 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5، ص 424، الحديث 15، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 68 ]

الركوع كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وإذا انفرد عنه بعد تمام القراءة فالمشهور على عدم استيناف القراءة إلا ان المحكي (1) عن الشهيد (قدس سره) في الذكري انه استوجه الاستيناف، وهو بظاهره مناف لاطلاق دليل ضمان الامام لقراءة من خلفه، وعدم تقيده بشئ، والظاهر ان المسألة مبنية على مسألة اخرى، وهي أن الركوع اخر ما يتحقق به الائتمام، أو اخر ما يتقوم به الائتمام، فلا يتم الائتمام المقصود من أول التكبيرة إلا بإدراك الركوع بحيث لو لم يركع بركوع الامام لم ينعقد ائتمامه من الاول، ومنه تبين انه مع هذا الاحتمال لا مجال للتمسك بإطلاق دليل الضمان، لانه مع عدم الركوع لا صلاة له واقعا خلف الامام، ليعمه ضمان الامام لقرائة من خلفه. وسيجئ ان شاء الله تعالى ان المراد بأخبار تلك المسألة ليس اناطة أصل الاقتداء بإدراك الركوع، بل الركوع آخر ما يدرك به الركعة، وأماما حكي عن الشهيد (قدس سره) في وجه الاستيناف من انه في محل القراءة وقد نوى الانفراد، فمرجعه إلى عدم المانع عن التكليف بالقراءة حيث إنه بعد لم يركع ليفوت به محل القراءة، ومن المعلوم أنه بمجرد عدم المانع لا يحكم بالمقتضي إلا مع وجود ما يقتضيه، وعمومات ادلة القراءة مخصصة بدليل ضمان الامام لقراءة المأموم، إلا مع الخدشة فيه بمثل ما ذكرنا. واما إذا انفرد في أثناء القراءة فعن جماعة الاجتزاء بقراءة الباقي، وعن غير واحد استيناف القراءة كلا، ولعل وجه استيناف الكل ان القراءة فعل واحد فلابد من ان تقع جماعة أو فرادى، والامام ضامن للقراءة إذا ائتم به المأموم في هذا الفعل الواحد، والمفروض عدمه فيه، ومع الشك فأصالة عدم سقوط القراءة محكمة، ووجه الاجتزاء بالباقي ان الظاهر من اخبار ضمان الامام لقراءة المأموم ترتب الضمان على عدم جواز القراءة، فما لا يجوز قراءته خلف الامام يكون الامام ضامنا له، ولا يجوز قراءة البعض لقوله (عليه السلام) (2): " لاتقرء شيئا من القرآن "


حكاه في الحدائق الناضرة: ج 11، ص 240. (2) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 3، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة .

[ 69 ]

ومن الواضح ان عدم جواز قراءة المأموم مادام على الائتمام غير مقيد بشئ فكذا ضمان الامام لقراءته. بقي شئ ينبغي التنبيه عليه وهو أن دليل جواز الانفراد اختيارا إذا كان مثل رواية (1) كتاب الامام والمأموم، الدالة على استحباب الجماعة في كل فعل مستقلا فربما يتخيل انه لا يعم خصوص القراءة نظرا إلى ان استحباب الاتيان بالتكبيرة مؤتما فيها بالامام يقتضي على حسب طبع الاستحباب جواز تركه واتيانه فرادى، وكذا الركوع له ان يركع بركوع الامام وله ان يركع لا بركوعه، وكذا السجدة والتشهد، والتسليم، ومثله غير جار في القراءة إذ ليس له اتيان القراءة بنية الائتمام فله الانفراد فيها والالتزام بان الائتمام بلحاظ مجموع الافعال خلف، نعم معنى الانفراد في القراءة أنه له ان يقرء لا بعنوان الجماعة، وله ان يترك القراءة وهذا لا يوافق استفادة جواز الانفراد من استحباب الفعل جماعة، ولعله لاجله لم يتعرض للقراءة في رواية كتاب الامام والمأموم بل تعرض للتكبيرة، ثم الركوع والسجود، فالاشكال من حيث مقامي الاثبات والثبوت المبنيين على استحباب الجماعة في كل فعل. ويمكن أن يقال: ان معية المأموم مع الامام على أنحاء، فتارة يكون مع الامام في التكبيرة بأن يكبر الامام فيكبر المأموم، وكذا إذا ركع بركوع الامام، وسجد بسجوده، واخرى معية المأموم مع الامام باعتبار أصل الصلاة كالمأموم المسبوق فانه يقرء والامام يسبح فلا معية له في التسبيح، ولا الامام له المعية معه في القراءة، وكذا المتخلف عن الامام بركن فانه لا تبطل الجماعة فهو في الركوع والامام في السجود وثالثة يكون معيته في قراءة الامام القائمة وبالاصالة وبالماموم بعنوان البدلية فهو مع الامام في هذه القراءة الشخصية بعناية ان قراءته وعليه فله المعية في هذه القراءة وله القراءة أصالة لا بعنايه البدلية، فيختلف المستحب باختلاف أنحاء الجماعة والمعية مع الامام، فله ترك هذا المستحب بالانفراد.


(1) مستدرك الوسائل: ج 1، 487، (الطبعة الحجرية) الحديث 3، من الباب 1 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 70 ]

الثالث: إذا أدرك الامام راكعا جاز له الائتمام به لما سيجئ إن شاء الله تعالى، وجاز له الانفراد بعد الائتمام قبل ان يرفع الامام رأسه لما دل على جواز الانفراد في جميع احوال الصلاة ومنها الركوع، ولا يلزمه كونه مؤتما ومنفردا في فعل واحد فان الركوع المتحقق من المأموم وقع جماعة والجزء الذي بعده يقع فرادى، نعم من يستشكل في الانفراد في أثناء القراءة من حيث انه فعل واحد فلابد من الائتمام إلى الفراغ عن القراءة وتبطل جماعته في القراءة إذا انفرد قبل فراغ الامام ولذا يجب عليه استيناف القراءة فله ان يستشكل في الركوع ايضا فليس له العدول قبل ان ينتهي إلى رفع رأس الامام عنه، فاثر بطلان جماعة مع عدم إمكان تدارك القراءة لزيادة الركن إذا قرء وركع ثانيا بطلان صلاته رأسا لان انعقاد جماعته بادراك الركوع الذي أبطلها بانفراده فيه، بخلاف ما إذا انعقد جماعته بإدراك القراءة مثلا فان بطلان جماعته في الركوع يوجب صيرورته فرادى بعد انعقاد الجماعة، ولعل ذلك وجه الاحتياط بترك الانفراد فيه عن فقيه عصره في عروته (1). نعم مقتضى إطلاق دليل إدراك الجماعة بإدراك الامام راكعا انعقاد جماعته بنفس ركوعه مع ركوع الامام من دون تقيده برفع رأسه مع الامام فتدبر. الرابع: إذا انفرد عن الامام بعد القراءة فأتم صلاته ولحقه في صلاة اخرى، إما قبل الركوع لاطالة الامام بالقنوت مثلا، وإما حال الركوع لاطالته للركوع جاز كلا الامرين لجواز الانفراد في جميع أحوال الصلاة، وجواز الائتمام قبل الركوع وحال الركوع. واجتماع الامرين في صلاتين بالنسبة إلى فعل واحد من الامام لا مانع منه إلا توهم احد الامرين اما دعوى انصراف ادلة الائتمام إلى ما لم ينفرد عنه في صلاة اخرى، واما دعوى ان الامام لا يتحمل قراءتين في قراءة واحدة. ودعوى الانصراف بلا موجب إلا ندرة الوجود، ودعوى عدم تحمل الامام لقراءتين في قراءة واحدة غير مسموعة مع تحمله لقراءات عرضية عن مأمومين متعددين في قراءة واحدة،


(1) العروة الوثقى: ج 1، ص 269، (طبعة الآخوندي)، المسألة 18، من الفصل 45 في صلاة الجماعة.

[ 71 ]

والقراءتان الطوليتان من مأموم واحد لا دليل على عدم تحمل الامام لهما مع إطلاق " الامام ضامن ". مع إمكان ان يقال: إن حديث " ضمان الامام " وبدلية قراءته عن قراءة المأموم انما هو بالنسبة إلى من ائتم به في حال القراءة، واما الموئتم به بعدها، أو في حال الركوع فالقراءة ساقطة عن المأموم، لا أن قراءة الامام بدل عن قراءة المأموم، لعدم المقتضي للبدلية، ولوجود المانع، أما عدم المقتضي فلما مرمن أن ضمان الامام بحسب دليله مقصور على من كان خلفه ولا يجوز له القراءة لاعن المأموم في جميع الاحوال، وأما وجود المانع فلانه لاريب في أن المأموم المسبوق إذا لحق الامام في ركوع الركعة الثالثة يسقط عنه القراءة بنفس دليل جواز الائتمام به في هذه الحال، ولا معنى لان يكون الامام ضامنا بقراءته عن المأموم، إذ لا قراءة له في هذه الحال وقرائته في الركعة الاولى لو كانت بدلا عن قراءة المسبوق لزم القول به في الركعة الرابعة أيضا، مع أنه لا شبهة في أنه يجب عليه القراءة، فهو كاشف عن أن القراءة ساقطة حيث لا يتمكن منها، لا أنها مضمونة على الامام، ولعل احد الوجهين المتقدمين منشأ ما ذكره فقيه عصره في عروته (1) " انه يجوز ولكنه خلاف الاحتياط ". الخامس: إذا نوى الانفراد في أثناء الصلاة فتارة يأتي بفعل من أفعال الصلاة فرادى، واخرى ينوي الانفراد في الكون المتخلل فقط، فان كان من قبيل الاولى فتجديد نية الائتمام بعده داخل فيما قدمناه من جواز العدول من الفرادى إلى الجماعة، بل لعل ما نحن فيه من حيث سبق الجماعة منه أولى بالجواز، وقد مر أن الجواز غير خال عن الوجه وإن كان الاحوط خلافه. وإن كان من قبيل الثانية فلا موجب لبطلان الجماعة المانع عن الائتمام، إلا اعتبار استمرار النية، وحيث إن أصل اعتبار نية الاقتداء عقلي لتقومه بها فلا موجب إلا لوقوع الفعل الموصوف بالجماعة في قبال الموصوف بالفرادى عن نية مقومة للاقتداء المصححة لوقوع الفعل جماعة ووجودها وعدمها في الكون المتخلل بين الافعال على حد سواء، والنية بهذا


(1) العروة الوثقى: ج 1، ص 269، (طبعة الآخوندي)، المسألة 19، من الفصل 45.

[ 72 ]

المعنى مستمرة في أفعال الصلاة حيث لم يقع فعل منه من دون نية الاقتداء. وأما الاشكال في جواز التجديد هنا وتسليم الجواز فيما إذا تردد بين الانفراد وعدمه فلا وجه له إذ مع التردد كما ليس له نية الانفراد ليس له نية الائتمام، والعبرة في الجماعة بنية الائتمام، كما أن العبرة في وقوع الصلاة فرادى بعدم نية الائتمام، لا بنية الانفراد، فإذا كان عدم نية الائتمام في الكون المتخلل مضرا باستمرار النية كان عدمها الذي هو لازم التردد ايضا مضرا به، فالتجديد مطلقا جائز سواء عزم على الانفراد أو تردد فيه، ومنه تعرف أن الاصل فيما إذا شك في الانفراد وعدمه هو البناء على بقاء نية الائتمام لا البناء على عدم الانفراد والعدول إذا لا اثر إلا لنية الائتمام وعدمها لا لنية الائتمام ونية الانفراد. العاشرة هل الجماعة المستحبة تعبدية أو توصلية والكلام تارة في بطلان أصل الصلاة بالاخلال بنية القربة في الجماعة للاخلال بنية القربة في أصل الصلاة، واخرى في بطلان الجماعة فتبطل الصلاة بسبب الاخلال بوظائف المنفرد. أما الاول: فمختصر القول فيه أن حقيقة الجماعة ان كانت مجرد الاقتداء بالامام فيكون فعلا جنانيا مقارنا لافعال الصلاة فعدم صدور هذا الفعل الجناني بقصد امتثال أمره الندبي أجنبي عن صدور الافعال الصلاتية بقصد امتثال أمرها الوجوبي، وان كانت من خصوصيات الصلاة بان تكون الصلاة تارة جماعة واخرى فرادى كالصلاة المتخصصة بكونها في المسجد ولا في المسجد، فان كان الامر بالصلاة متعلقا بطبيعي الصلاة اي بصرف وجودها فتطبيقها على أفرادها بحكم العقل، فأصل الصلاة بداعي الامر بها إلا أن تطبيقها على هذا الفرد لا لداعي الامر بل لغرض اخر كالصلاة في المجسد لا لكونها أفضل الفردين بل لانه يقيه من الخر أو البرد، والصلاة جماعة لا لانها أفضل الفردين بل لسهولة أمر القراءة عليه مثلا. وان كان الامر بالصلاة متعلقا بافرادها على نحو التخيير الشرعي، فربما

[ 73 ]

يتخيل أن الامر متعلق بالصلاة جماعة على حد تعلقه بغيرها تخييرا شرعيا فلا بد من انبعاثه من الامر من دون دخالة لغيره في إيجاده، إلا انه قد ذكرنا في محله أن أفراد الصلاة هي تلك الافعال الخاصة المحفوفة بخصوصيات خارجة عن حقيقة الصلاة، لكنها بذواتها وحصصها الملازمة لتلك الخصوصيات لا بما لها من الخصوصيات أفراد لطبيعي الصلاة، فزيد مثلا فرد الانسان بنفسه وبدنه لابكمه وكيفه ووضعه فانها أفراد طبائع اخر، ويستحيل ان يكون فرد طبيعه مناطا لفردية شئ اخر لطبيعة اخرى وعليه فيمكن اتيان ذات الفرد بداعي الامر وتخصيصه ببعض مالا دخل له في فرديته بداع اخر فافهم وتدبر. وأما الرياء فله جهتان (الاولى) شبهة دخله في الدعوة، ومن هذه الحيثية حاله حال الضمائم المباحة، وقد عرفت حاله (والثانية) كونه عنوانا منطبقا على الفعل ومع انطباق العنوان المحرم على الصلاة جماعة مثلا لا يمكن التقرب بالمبعد، والظاهر ان المصلي جماعة لا يرائي بفعله الجناني، فانه غير قابل لا رائته للناس بل يرى فعله الخارجي، وهي الصلاة مع الامام للناس، والمفروض ان عنوان الرياء المنطبق على هذا الفعل الخاص عنوان محرم وبقية الكلام في محله. وأما الثاني: وهو العمدة في المقام فمحصل الكلام فيه أن البحث تارة في أن الجماعة تعبدية أو توصلية، واخرى فيما إذا شك فيه ولم يتعين أحد الامرين، والبحث فيه ايضا تارة في وقوع الجماعة مصداقا للمستحب ولو لم يقصد بها امتثال أمرها الندبي، واخرى فترتب أحكام الجماعة، من ضمان الامام لقراءة المأموم، ومن اغتفار زيادة الركن، ومن رجوع كل من الامام والمأموم إلى الاخر في مورد الشك، أما البحث في أصل تعبدية الجماعة وتوصليتها فظاهر بعض أعاظم العصر (1) (قدس سره) ان تعبديتها مفروغ عنها حيث قال في جملة كلام له: " لان الجماعة من العبادات التي لا يتحقق بدون قصد القربة " والمحكي عن الروضة (2)


(1) مصباح الفقيه للهمداني (رحمه الله): كتاب الصلاة، ص 656. (2) الروضة البهية: ج 1، ص 382، (طبعة جامعة النجف).

[ 74 ]

(في الامام إذا لحقه مأموم انه ينوي الامامة بقلبة متقربا " وظاهر غير واحد ممن لم يعتبر قصد الامامة للامام انه لا ينعقد قصدها إلا قربيا حيث ذكروا أنه لا يعتبر قصد الامامة إلا لاستحقاق الثواب فيعلم منه انه لا يكون بلا قصد القربة، وإلا فقصد الامامة غير قصد امتثال الامر الندبي بالجماعة المشتركة بين الامام والمأموم، واستحقاق الثواب منوط بقصد القربة لا بقصد الامامة محضا، ومع هذا كله فالكلام في الدليل على اعتبار قصد القربة في الجماعة المستحبة، ولا يخفى عليك ان ملاك التعبدية ملازمة الغرض الباعث على الامر به للقرب، فإذا علم ان سنخ الغرض لا يحصل بلا تقرب فهو وإلا حكم بالتوصلية كما حقق في محله إلا إذا قام دليل على اعتبار قصد القربة في مورد مخصوص والغرض الذي اشير إليه في الروايات هنا مما لا ينافي التوصلية، ففي العيون والعلل عن الفضل بن شاذان (1) عن الرضا عليه السلام قال (عليه السلام): " إنما جعلت الجماعة لئلا يكون الاخلاص والتوحيد والاسلام والعبادة لله إلا ظاهرا مكشوفا مشهورا، لان في إظهاره حجة على اهل المشرق والمغرب لله وحده وليكون المنافق والمستخف مؤديا لما أقربه يظهر الاسلام والمراقبة وليكون شهادات الناس بالاسلام بعضهم لبعض جائزة ممكنة مع ما فيه من المساعدة على البر والتقوى والزجر عن كثير من معاصي الله عزوجل " ومن الواضح ان هذه الاثار تترتب عليه نفس الاجتماع في الصلاة التي هي عبادة، وإن لم يكن الاجتماع عبادة. نعم المثوبات الخاصة المترتبة على الجماعة بما هي من دون تقييد بالقربة مع وضوح عدم ترتبها إلا على القربى تكشف عن أن موضوعها متقيد واقعا بالقربية، إلا أن غالب التوصليات التي لاشك في توصليتها رتبت عليه مثوبات خاصة من دون تقييد فيعلم منه أنها كذلك إذا اتى بها بقصد امتثال أمرها الوجوبي أو الندبي بحكم العقل الحاكم بعدم ترتب الثواب إلا على المضاف إلى المولى من طريق دعوة الامر أو غيرها. وأما استكشاف التعبدية من تعبدية الجماعة في صلاة الجمعة ولا فرق بين


(1) الوسائل: ج 5، ص 372، الحديث 9، من الباب 1 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 75 ]

الجماعة فيها وفي غيرها إلا بالوجوب والاستحباب فيمكن منعه (أولا) بأن الامر بصلاة الجمعة المتقومة بالجماعة واحد فهذه الصلاة الخاصة مأمور بها بأمر وجوبي تعبدي، بخلاف الجماعة في غيرها فانها مأمور بها بأمر اخر غير الامر بأصل الصلاة، فلا منافاة بين أن يكون الامر بأصل الصلاة تعبديا والامر بالجماعة توصليا (وثانيا) أن التعبدية في الجمعة أيضا محل النظر فان غاية ما ثبت فيها وجوب الجماعة شرطيا وأنها لا تنعقد إلا جماعة ولا منافاة بين أن يكون الامر بالجمعة بما هي ركعتان تعبديا وأن يكون مشروطا بشرائط منها الجماعة، ولا يجب أن يكون الشرائط تعبدية إذا كان المشروط تعبديا، كما في شرائط الصلاة إلا إذا كانت العبادة شرطا كالوضوء. وأما البحث في حكم الشك في تعبدية الجماعة، فمختصر القول فيه: ان الجماعة من هذه الجهة كسائر الواجبات والمستحبات فيحكم عليها بعدم التعبدية للشك في شرطية قصد القربة لوقوعها مصداقا للمستحب، إلا أنها تفارق غيرها من حيث إن أحكام الجماعة مخالفة للاصل ودفع شرطية القربة لا يثبت ضمان الامام ولا سائر الاحكام، بل مقتضى الاصل عدم ثبوت تلك الاحكام، بل مقتضى عمومات أدلة القراءة والشكوك وغيرهما ثبوت هذه الاحكام العامة إلا إذا ثبت مخصص، ولا إطلاق لدليل المخصص لغرض الشك في أن موضوعه المستحب التعبدي أو ذات المستحب. نعم ربما يتخيل إن استحباب الجماعة إن كان مأخوذا في موضوع أحكامها الاخر لم يكن مجال للاطلاق إذ إطلاق دليل الحكم لا يعين موضوعه وأما ان كان الاستحباب وسائر أحكام الجماعة واردين على الجماعة في عرض واحد فلا مانع من التمسك بالاطلاق، لان ما هو متعلق للحكم الاستحبابي موضوع لسائر الاحكام. والتحقيق: إن الموضوع إن كان مجرد الاجتماع العرفي مع الامام في الصلاة كان للتخيل المزبور مجال، وأما إذا كان الاجتماع الخاص في نظر الشارع فانه المشروط بالشرائط المذكورة في باب انعقاد الجماعة شرعا، دون الاجتماع العرفي الذي لا يشترط فيه شئ، فلا مجال للتخيل المزبور لان الجماعة المعتبرة شرعا هي

[ 76 ]

المستحبة، وهي المحكومة بسقوط القراءة ونحوه، ومع الشك في إناطة انعقاد الجماعة شرعا بدون قصد القربة لا مجال للتمسك باطلاق دليل سقوط القراءة ونحوه، ومنه تعرف ان الامر كذلك بناء على احتمال ثالث وهو ورود الحكم الاستحبابي على الجماعة المحكومة بسقوط القراءة فانه يتخيل ايضا ان الحكم الاستحبابي حيث لم يؤخذ في موضوع تلك الاحكام الخاصة بالجماعة فلا مانع من التمسك باطلاق ادلتها، وقد عرفت أنه يصح التمسك بالاطلاق إذا كان موضوعه الاجتماع العرفي لا الجماعة شرعا المنوطة بشرائط خاصة، وباعتبارها يقال: انعقدت الجماعة أولم تنعقد، وصحت الجماعة أو لم تصح، وهو المنشأ لعدم صدق الامامة ليترتب عليها ما ترتب من قولهم عليهم السلام (1) " لا تقرء خلف الامام " (2) أو " لاشك للامام مع حفظ المأموم " لا ان الاستحباب مأخوذ في موضوع تلك الاحكام ليكون هذا الاحتمال أقرب الاحتمالات الثلاثة المتقدمة، بل احتمال عرضيه التكليف الندبي والتكاليف الوضعية أقرب واخف مؤنة من غيره. ومن ما ذكرنا تبين انه على جميع الاحتمالات لا مجال للتمسك بالاطلاق في نفي شرطية القربة لترتب تلك الاحكام، كما أن اثبات تلك الاحكام بمجرد نفي الشرطية بمثل حديث الرفع غير صحيح لانه كسائر الاصول الشرعية في عدم حجية المثبت منها. نعم يمكن اثبات تلك الاحكام بوجه اخر، وهو ان الملازمة بين وقوع الجماعة مستحبة وسقوط القراءة وسائر الاثار إجماعية، فإذا كانت الملازمة مقصورة على الواقعي من الاستحباب وسائر الاحكام لم يجد البراءة عن الشرطية، إذ ليس مقتضاها إلا وقوع الجماعة مصداقا للمستحب ظاهرا بنفي شرطية القربة، وليس هو طرف الملازمة على الفرض وأما إذا كان طرف الملازمة أعم من الواقع والظاهر فإثبات الاستحباب الظاهري يكفي في ترتب تلك الاثار للملازمة الاجماعية، لا لاقتضاء البراءة، ولا لاقتضاء الاطلاق، ولا اظن ان يشك في اعمية طرف


(1) الوسائل: ج 5، ص 424، الحديث 12، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5، ص 338، الحديث 3، من الباب 24 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 77 ]

الملازمة، ولذا لا شبهة في ترتب تلك الاثار على استصحاب بقاء الجماعة المقتضي للتعبد ببقاء استحبابها عند القائل باخذ الاستحباب في موضوع تلك الاحكام فان قلت: البراءة عن الشرطية ليس اثرها إلا نفي الشرطية، لا استحباب المجرد عن الشرط المشكوك ظاهرا. قلت: على فرض تسليمه مع عدم صحته في نفسه، ان قيود الواجب وقيود المستحب كما حققناه في محله ليست ما خوذة في الواجب والمستحب بحيث يرد الوجوب والاستحباب على المتقيد، بل التقييدان في رتبة لاحقة فكيون تقييدا للواجب مثلا فالواجب متقيد لا المتقيد واجب، وعليه فذات الجماعة مستحبة واقعا، وان كان وقوعها امتثالا للاستحباب متقيدا بقيد فلا حاجة إلى إثبات الاستحباب ظاهرا بدليل البراءة عن التقيد بالقربة لكون ذات المتقيد مستحبا واقعا وتقيده منفي ظاهرا فافهم جيدا. الشرط الثالث يشترط في إدراك الركعة جماعة ابتداء إدراك المأموم لركوع الامام وتنقيح المقام برسم امور: أحدها: ان مجرد إدراك الامام راكعا كاف في إدراك الجماعة في تلك الركعة كما هو المشهور، أو لابد من إدراك تكبيرة الركوع ايضا، والمراد بها محلها حال القيام المتصل بالركوع إذ ربما لا يكبر الامام للركوع، كما نسب إلى الشيخ (رحمه الله) أو لابد من إدراك المأموم ذكرا من ركوع الامام كما حكي (1) عن التذكرة ونهاية الاحكام ومنشأ الخلاف اختلاف أخبار الباب ومستند المشهور الاخبار الكثيرة الواردة في موارد متفرقة، منها صحيحة الحلبي " إذا أدركت الامام وقد ركع فكبرت وركعت قبل أن يرفع رأسه فقد أدركت الركعة، وإن رفع الامام رأسه قبل


(1) لاحظ جواهر الكلام: ج 13، ص 149، (طبعة الآخوندي). (2) الوسائل: ج 5، ص 442، الحديث 2، من الباب 45 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 78 ]

أن تركع فقد فاتتك الركعة " وهي نص في كفاية مجرد إدراك الركوع ومستند الشيخ ما عن محمد بن مسلم في الصحيح (1) " لا تعتد بالركعة التي لم تشهد تكبيرها مع الامام " وعنه أيضا (2) " إذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل معه في تلك الركعة " إلى غير ذلك ما يساويهما في الدلاله أو دونهما فيه ولا مجال لحمل الاولى على الثانية بالاطلاق والتقييد، فانه انما يمكن الحمل المزبور، إذا قيل تدرك الركعة بإدراك الركوع فيقيد الركوع بما إذا أدرك تكبيرته ايضا، وأما في المقام فالمفروض ان المأموم أدرك الامام وقد ركع فلا يعقل له إطلاق حتى يقيد، فلا بدمن التصرف في ظهور الثانية في عدم الاعتداد مع عدم إدراك التكبيرة، فان الظاهر لا يقاوم النص والتصرف المذكور في كلامهم حمل النهي على الارشاد إلى اقلية الثواب كما هو المتعارف في النهي المتعلق بالعبادة وتقريبه بأحد الوجهين اما على ما ذكره الشيخ الاعظم (قدس سره) في كتاب الصلاة (3) حيث قال: " والحاصل ان الانفراد ببعض الصلاة أو بجميعها أفضل من إدراك جميعها جماعة على ذلك الوجه المنهي " واورد عليه بان مرجعه إلى عدم استحباب الجماعة في تلك الركعة، وهو مناف لاستحبابها الثابت بالاخبار التي استدل بها للمشهور، فكيف يكون جمعا بينهما، إلا أنه انما يرد إذا قيل بمساواة الجماعة في هذه الركعة، مع الانفراد في اخرها بركعة، وأما كونه اقل ثوابا من الانفراد مع عدم كون الجماعة منقصة له فمقتضاه كونه فاقدا لثواب طبيعي الصلاة بمقدار إذ ليست صلاة المنفرد ذات خصوصية زائدة على الطبيعة ليكون نقصان الثواب مستندا إلى فقد تلك الخصوصية. وأما الحمل على الارشاد إلى كون إدراك الركوع بلا تكبيرة أقل ثوابا من إدراكها مع التكبيرة، فالنهي على التقريب الاول، في قبال الانتظار للركعة الثانية حتى يشهد تكبيرة الركوع، وان استلزم الانفراد في اخر الصلاة، وعلى التقريب الثاني في قبال الاهتمام بأمر الجماعة بإدراك تكبيرة الركوع، وعدم الاقتصار على


(1) الوسائل: ج 5، ص 441، الحديث 3، من الباب 44 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5، ص 441، الحديث 4، من الباب 44 من ابواب صلاة الجماعة. (3) كتاب الصلاة: ج 1، ص 318، (الطبعة الحجرية).

[ 79 ]

إدراك الركوع. وهذا التقريب وان كان خاليا من المحذور الوارد على الاول إلا انه ربما لا يناسبه مورد بعضها كقوله (عليه السلام) (1) " إذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل معهم في تلك الركعة " فان لازمه الترغيب في ترك المستحب رأسا، إذ لم يفرض في مورده جماعة اخرى بحيث يمكن ادراك التكبيرة فيها، حتى يكون ترغيبا في ترك المستحب إلى ما هو منه أحب. ويمكن حمل أخبار المشهور على إدراك الركعة بإدراك الركوع، وحمل هذه الاخبار على عدم إدراك فضيلة الجماعة وثوابها المقرر لها، ولا منافاة بين عدم الاعداد بإدراك الركوع فقط في إدراك الفضيلة المقررة للجماعة في الركعة، وبين إدراك نفس الركعة والاعتداد بها، ولا ينافي وقوعها مستحبة عدم إدراك الفضيلة المقررة لها شرعا، فيكون حالها حال سائر المستحبات، ولا ريب في ان اتيان المستحب بما هو لا يقتضي إلا اصل الثواب لاطاعة أمر المولى وجوبيا كان أو ندبيا كما أن إدراك الفضيلة ينفك عن إدراك الركعة فيما سيأتي إن شاء الله تعالى من إدراك الامام في السجود، فكما يمكن إدراك الفضيلة دون الركعة يمكن إدراك الركعة دون الفضيلة فقوله (عليه السلام) (2): " لا تعتد " اي في مقام إدراك فضيلة الركعة وقوله (عليه السلام) (3): " فقد أدركت الركعة " اي في مقام اصل المستحب المرتب عليه أحكام خاصة من سقوط القراءة ونحوه، وهو المهم في المقام. إلا أن هذا الوجه ايضا لا يخلو عن محذور، فإن الارشاد إلى عدم إدراك فضيلة الركعة ليس إخبارا محضا حتى لا يكون بين الاعتداد بالركوع في إدراك اصل الركعة، وعدم الاعتداد به في إدراك فضيلتها المقررة منافاة، بل يتضمن الترغيب في الخير الذي ارشد إليه والمنع عن الشر الذي ارشد إليه ولا معنى للترغيب في ترك المستحب لعدم كون ذا فضيلة زائدة على طبعة.


(1) الوسائل: ج 5، ص 441، الحديث 4، من الباب 44 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5، ص 441، الحديث 3، من الباب 44 من ابواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 5، ص 442، الحديث 2، من الباب 45 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 80 ]

وأما ما حكي عن الشهيد في الذكرى من حمل التكبيرة على نفس الركوع فتتوافق جميع الاخبار فهو بعيد جدا، وإن اريد منها الركوع في بعض الاخبار كما في صحيح الحلبي قال (عليه السلام) (1): " إذا أدركت الامام وهو راكع فكبرت قبل أن يرفع الامام رأسه فقد أدركت الركعة وإن رفع رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة " فان التكبيرة بشهادة الشرطية الثانية يراد منها الركوع، إلا أن سائر الاخبار آبية عن ارادة الركوع من التكبيرة كقوله (عليه السلام) (2): " إذا أدركت التكبيرة قبل أن يركع الامام " فانه لا معنى لادراك الركوع قبل نفسه وكقوله (عليه السلام) (3): " إذا لم تدرك تكبيرة الركوع " الخ. فانه لا معنى لاضافة الشئ إلى نفسه، ومنه يظهر عدم إرادته منها في قوله (عليه السلام) (4): " لا تعتد بالركعة التي لم تشهد تكبيرها " بتوهم ان المراد من الركعة، ما هو المتعارف منها من أول القراءة إلى اخر السجدتين، فلا مانع من إرادة الركوع من التكبيرة فيكون المحصل ان إدراك تمام الركعة بإدراك ركوعها، ويندفع بان التكبيرة لا إضافة لها إلى الركعة بذلك المعنى حتى يراد منها بملازمتها مع الركوع نفس الركوع بل لها الاضافة إلى الركوع، فمرجع الضمير حينئذ هي الركعة في قبال السجدة، ومحصله ان الركوع الذي هو مناط الادراك هو الركوع الذي أدرك تكبيرته لا مطلقا هذا. وحكي عن المحدث الكاشاني (رحمه الله) تبعا للشيخ (قدس سره) في التهذيب (5) " من حمل إدراك التكبيرة على مجرد سماعها وإن دخل في الصلاة بعد ركوع الامام، وحيث إن الامام ربما لا يكبر فيراد منها محلها " ومحصل الجمع حينئذ ان المأموم إذا أدرك الامام حال التكبيرة وفي محلها فله أن يدخل في الصلاة ولو بعد ركوع الامام، وإذالم يدركه فليس له الدخول في الجماعة بعد ركوع الامام.


الوسائل: ج 5، ص 442، الحديث 2، من الباب 45 من ابواب الصلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5، ص 440، الحديث 1، من الباب 44 من ابواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 5، ص 441، الحديث 4، من الباب 44 من ابواب صلاة الجماعة. (4) الوسائل: ج 5، ص 441، الحديث 3، من الباب 44 من ابواب صلاة الجماعة. (5) التهذيب: ج 3، ص 44، (طبعة الآخوندي).

[ 81 ]

وعليه فما احتمله بعض أجلة العصر (رحمه الله) قائلا انه لم أره في كلام أحد من الاصحاب، هو محصل ما ذكره المحدث الكاشاني (رحمه الله) تبعا لشيخ الطائفة (قدس سره) بعد حمل كلامهما على ما ذكرنا مما لابد منه الذي يبعد غفلتهما عنه إلا ان ظاهر الشيخ الاجل (قدس سره) في كتاب الصلاة (1) الجمود على سماع التكبير ولذا قال (قدس سره): " هذا القول بعيد إذ الامام قد لا يأتي بالتكبيرة فلا يكون ضابطا لادراك الجماعة " إلا أن هذا الحمل بعد تصحيحه بما ذكرنا لا يجدي في الجمع بين الاخبار من الطرفين، فان شهود التكبير وإدراكه وان كان يجامع عدم الدخول في الصلاة قبل الركوع، إلا ان شهود التكبير مع الامام كما في رواية محمد بن مسلم (2) المتقدمة لا يراد منه إلا الدخول في الجماعة حال تكبير الامام، فشهود التكبير من الامام معنى، وشهوده مع الامام معنى اخر، كما ان روايات إطالة الامام لركوعه حتى يلحقه المأموم ظاهرة في عدم إدراكهم بعدم حضورهم قبل الركوع للتكبير. وبالجملة فروايات الطرفين آبية عن هذا الحمل. والانصاف أنه لابد من معاملة التعارض مع الطائفتين لعدم الجمع المقبول والترجيح للاخبار الناصة في كفاية إدراك الامام راكعا لكثرتها وشهرتها رواية وفتوى والله أعلم بحقائق أحكامه وأما ما نسب (3) إلى التذكرة، ونهاية الاحكام، من اعتبار إدراك ذكر الركوع سواء اريد ذكر الامام في ركوعه، أو ذكر المأموم فلا مستند له إلا التوقيع الرفيع عن الحجة (عجل الله فرجه) (4) وهو: (عن الرجل يلحق الامام فيركع معه ويحتسب بتلك الركعة فان بعض اصحابنا قال: " انه ان لم يسمع تكبير الامام فليس له ان يعتد بتلك الركعة، فأجاب (عجل الله فرجه) إذا لحق مع الامام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتد بتلك الركعة وإن لم يسمع تكبيرة الامام " والمظنون إرادة


(1) كتاب الصلاة: ج 1، ص 282، (الطبعة الحجرية). (2) الوسائل: ج 5، ص 441، الحديث 3، من الباب 44 من ابواب صلاة الجماعة. (3) لاحظ جواهر الكلام: ج 13، ص 149، (طبعة الآخوندي). (4) الوسائل: ج 5، ص 442، الحديث 5، من الباب 45 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 82 ]

مقدار التسبيحة، وإلا فربما يدرك المأموم تمام ركوع الامام وان نسي الامام ذكر الركوع، أو نسي المأموم ذكر ركوعه ولا شبهة في احتسابه مع عدم إدراك الذكر، وعليه فإذا اريد مقدار تسبيحة واحدة فهو مساوق غالبا لمسمى الركوع مع ركوع الامام، ويكون محصل الجواب ان إدراك مسمى الركوع بمقدار تسبيحة كاف في احتسابه ركعة، وان لم يسمع تكبير الامام، لا أن الغرض نفي اعتبار سماع التكبيرة، وإثبات اعتبار إدراك التسبيحة، وحيث إن الجواب مسوق لنفي اعتبار التكبيرة المسئول عنه، فلا وجه لتقييد إطلاقات كفاية إدراك مجرد الركوع، لا لان الاطلاقات في مقام التحديد فلا يقبل التحديد، فان تقييد المطلقات الواردة في مقام التحديد شرعا غير عزيز، وربما يوجه إطلاقات دوران فوات الركعة مدار رفع الرأس وعدم بعدم الرفع بجعل عدم الرفع كفاية عن عدم اتمام الذكر، فيوافق ما دل على اعتبار إدراك التسبيحة، غاية الامر ان مقتضى كفاية عدم اتمام الذكر، عدم لزوم اعتبار تمامه، فيحمل التوقيع على استحباب اعتبار تمامه، لخروجهما عن مسألة الاطلاق والتقييد النصوصية عدم اتمام الذكر في عدم اعتبار تمامه بنفسه، لا باطلاقه. إلا أن هذا التوجيه خلاف الظاهر وليس رفع اليد عنه لموجب عرفا. ثانيها: هل المعتبر في الركوع اللازم إدراكه في إدراك الركعة هو الركوع المستقر عليه، أو مطلق الركوع بأية مرتبة منه وان كان المأموم في الهوي والامام في الرفع فاجتمعا في مرتبة من مراتب الركوع و حيث إن المناط في الادراك تارة كون الامام راكعا واخرى عدم رفع رأسه، فاللازم تحقيق حالهما معا، فنقول: أما الركوع فجميع مراتب الانحناء هويا ونهوضا قابل لان يقصد به الركوع، إلا أنه مما لا ينبغي الريب في أن كل انحناء يسمى ركوعا عرفا ليس مناط الحكم هنا، ولو لم يكن بعنوانه بل بعنوان تناول شئ من الارض وعليه فالركوع المعتبر إدراكه قصدي، ولا يشك في أن الامام من حيث شروعه في الرفع تارك لما قصد به عنوان الركوع، فكيف يكون اجتماع المأموم في مثله اجتماعا مع الامام في ركوعه، ولا ينافي ذلك إمكان تجدد قصد الركوع بعد شروعه في الرفع للحوق بعض المأمومين بتوهم انه لو لم يكن بعد في ركوعه للزم تعدد الركوع بتجدد القصد، وزيادة الركوع مبطلة. وجه عدم المنافاة:

[ 83 ]

ان الركوع وإن كان قصديا إلا أنه ليس تمام حقيقة القصد بل القصد محقق بعنوانه، والامام من أول وصوله في الهوي إلى مرتبة الركوع إلى اخر نهوضه إلى تلك المرتبة له انحناء واحد ذو مراتب، فله أن يقصد بأية مرتبة منه عنوان الركوع، وتخلل العدم بين القصدين غير تخلل العدم بين المقصودين حتى يستلزم زيادة الركوع. هذا حال عنوان الركوع وأما عنوان الرفع فقد يتخيل أن المراد منه رفع الرأس كاملا، وهو مساوق لخروجه عن حد مطلق الركوع، إلا أنه من الواضح أن الاخبار ليس في مقام التحديد بحدين بل بحد واحد فيراد من رفع الرأس هو ترك الركوع الذي أتى به بعنوان الوظيفة. ثالثها: قد عرفت أنه لا ريب في شرطية إدراك الركوع اجمالا إلا انه محتملة لوجوه: أحدها: ان يكون شرطا لانعقاد الجماعة من الاول، بحيث لو دخل مع الامام في الجماعة وأدرك التكبير والقراءة وفاته الركوع معه، كشف عن عدم انعقاد الجماعة بالتكبيرة، فيجب عليه استيناف القراءة لئلا يلزم الاخلال بوظيفة المنفرد وعليه بنينا سابقا حكم الشهيد (قدس سره) باستئناف القراءة إذا قصد الانفراد بعد قراءة الامام إلا أنه لم أجد القول به صريحا من احد من الاصحاب، وان ذكره بعنوان الاحتمال في الجواهر (1) مع دفعه. ثانيها: أن يكون شرطا لادراك الركعة بحيث لو فاته الركوع مع انعقاد الجماعة قبله لزمه الانفراد، أو انتظار الركعة الثانية من الامام، لتكون ركعة اولى له إذا لم بلزم منه محذور من تطويل الامام للسجود، وهذا ايضا لم أحد القول به صريحا إلا أنه عن الشيخ الاعظم (قدس سره) في بعض تحريراته (2) في صلاة الجماعة احتماله وقال: " وربما ينسب ما ذكرنا إلى بعض المعاصرين ولم نتحققه " انتهى. ثالثها: وهو المعروف أنه شرط لادراك الركعة إذا لم يدرك الامام قبله، فهو


(1) جواهر الكلام: ج 14، ص 28 27. (2) كتاب الصلاة: ج 1، ص 322، (الطبعة الحجرية).

[ 84 ]

اخر ما يدرك به الركعة بحيث لو لم يدرك الامام اصلا ختى في ركوعه ليس له الركوع لنفسه، واللحوق بالامام في سجوده، نعم اللحوق في السجود يوجب إدراك فضيلة الركعة لا إدراك الركعة كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ولا مستند في المقام إلا الاخبار المتقدمة وكلها في مورد إدراك الامام راكعا لا إدراكه قبله، فلا يمكن استناده شرطية إدراك الركوع لانعقاد الجماعة، أو لاحتساب الركعة حتى مع إدراكها قبلا بل يستفاد عدم شرطيته لاحد الامرين من الاخبار الواردة في باب صلاة الجمعة كرواية عبد الرحمن بن الحجاج (1) " في رجل صلى في جماعة يوم الجمعة فلما ركع الامام ألجأه الناس إلى جدار أو إلى اسطوانة فلم يقدر على ان يركع ثم يقوم في الصف ولا يسجد حتى رفع القوم رؤسهم أيركع ثم يسجد ويلحق بالصف وقد قام القوم ام كيف يصنع؟ فقال: يركع ويسجد لا بأس بذلك " بل في روايته الاخرى (2) " عن الرجل يصلي مع إمام يقتدي به فركع الامام وسهى الرجل وهو خلفه لم يركع حتى رفع الامام رأسه وانحط للسجود أيركع ويلحق بالامام والقوم في سجودهم أم كيف يصنع؟ قال: يركع ثم ينحط ويتم صلاته معهم ولا شئ عليه " والروايتان ظاهرتان في عدم شرطية إدراك الركوع في احتساب الركعة مع إدراك الامام قبلا، وعليه فلا مجال للرجوع إلى أصالة عدم ترتب أحكام الجماعة، أو الرجوع إلى عمومات القراءة ونحوها. رابعها: ما ذكرنا من دوران احتساب الركعة مدار إدراك الركوع مع الامام، أو إدراك ما قبله وانتفائه بانتفاء كلا الامرين، هل يختص بابتداء الجماعة والركعة الاولى، أو يجري في الاثناء في سائر الركعات، فإذا بقي في سجود الركعة الاولى إلى أن قام الامام إلى الثانية وقرء وركع ورفع رأسه، لم يكن للمأموم القيام والركوع واللحوق بالامام في سجوده بناء على التعميم، وله ذلك بناء على الاختصاص، فيه وجهان، المنسوب إلى المشهور هو الاختصاص ونسب إلى كاشف اللثام وغيره


(1) الوسائل: ج 5، ص 32، الحديث 1، من الباب 17 من ابواب صلاة الجمعة وآدابها. (2) الوسائل: ج 5، ص 464، الحديث 1، من الباب 64 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 85 ]

التعميم، واختاره بعض أعلام العصر (رحمه الله) في تعليقاته على العروة، وتردد فيه اخرون، ولا يخفى أن مدرك إدراك الركعة بإدراك الركوع مع عدم إدراك ما قبله هي الاخبار المتقدمة في البحث المتقدم، وهي مختصة بأول انعقاد الجماعة من حيث المورد، ومدرك إدراكها بإدراك ما قبل الركوع فقط هو صحيح عبد الرحمن (1) الوارد في صلاة الجمعة، وهو ايضا مختص بالركعة الاولى موردا، ومدرك عدم إدراكها بفوات الامرين ما تقدم في الاخبار المتقدمة " من أنه إذا رفع الامام رأسه فقد فاتته الركعة " (2) وهي ايضا مختصة بالركعة الاولى في ابتداء الجماعة، فعلم أن مدرك الاحتساب نفيا واثباتا مختص بابتداء الجماعة، فلابد إما من استفادة الموردية من الاخبار المتقدمة دون الخصوصية، وإما رعاية ما تقتضيه الاصول والقواعد في طرفي الاثبات والنفي. فنقول: حيث إنه لا كلام في انعقاد الجماعة ولا في عدم ما يوجب بطلانها فلا مجال للتمسك بأصالة عدم ترتب أحكام الجماعة، فضلا عن استصحاب بقاء الجماعة للتعبد ببقاء أحكامها. وإنما الكلام في احتسابه ركعة من الجماعة وعدم الاحتساب ولازم عدمه انتظار الركعة الثالثة للامام ليكون ركعة ثانية له أو قصد الانفراد، من البين أن الاحتساب يحتاج إلى دليل، لان الركعة عبارة من أول القراءة إلى اخر السجدتين، غاية الامر قام الدليل في الركعة الاولى ان ادراك ما قبل الركوع، أو إدراك خصوص الركوع يوجب إدراك الركعة فالحكم بحسب القاعدة في سائر الركعات عدم احتساب الركعة إلا بإدراكها من أولها إلى اخرها مع الامام، فالحكم بعدم الاحتساب مع عدم إدراك كلا الامرين يوافق الركعة الاولى لا لشمول النص بل للقاعدة، وأما الاحتساب باحد الامرين فهو غير مشمول للنص ولا موافق للقاعدة نعم ما قدمناه في البحث المتقدم آنفا من رواية اخرى لعبد الرحمن (3) يمكن التمسك بإطلاقها لعدم إدراك الركوع مع إدراك ما قبله في سائر الركعات، وإذا


(1) الوسائل: ج 5، ص 32، الحديث 1، من الباب 17 من ابواب صلاة الجمعة وآدابها. (2) الوسائل: ج 5، ص 442، الحديث 2، من الباب 45 من ابواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 5، ص 32، الحديث 1، من الباب 17 من ابواب صلاة الجمعة وآدابها.

[ 86 ]

ثبت إدراك الركعة بإدراك ما قبل الركوع فقط فإدراكها بإدراك الركوع الذي يتقوم به الركعة حتى سميت باسمه بالفحوى، بل ظاهر المشهور كما يتضح بمراجعة كلماتهم في باب صلاة الجمعة إدراك الركعة بإدراك ركوع الامام في الثانية ففي القواعد (1) " ولو سجد ولحق الامام قبل الركوع أو راكعا في الثانية تابعه " وذكر كاشف اللثام (2) " ان إدراك الركعتين بإدراك الامام قبل الركوع في الثانية إتفاقي وبإدراكه راكعا فيه خلاف " وعقبه في مفتاح الكرامة (3) " بان الخلاف ضعيف ". وأما فوات الركعة الثانية بفوات كلا الامرين، فالمشهور أنه كالركعة الاولى نعم ربما يظهر من جامع المقاصد (4) أن المزحوم عن السجود في الاولى إذا سجد بعد الامام ولحق الامام في الثانية بعد رفع رأسه من ركوعها، له أن يتابعه في سجودها بعد ركوعه لنفسه، نظرا إلى شمول صحيحة عبد الرحمن (5)، لان استواءه في الصف أعم من كونه قبل الركوع أو بعده. ونسبه إلى الشهيد في الذكرى، واحتمله في الجواهر (6) بل قواه في اثناء كلام له، وان كان في الاستظهار من الصحيحة نظر. لان الظاهر من المراد من القيام في الصحيحة واللحوق بالامام فيه هو القيام عن السجود للركعة الثانية لا الاعم منه ومن القيام بعد الركوع. ومما ذكرنا يظهر ما في كلام شيخنا (7) العلامة الانصاري (قدس سره) فان الظاهر منه اختصاص إدراك الركعة بإدراك الركوع، إذا لم يدرك الامام قبله بالركعة الاولى عند المشهور، وجعل التعميم خلاف النص والفتوى، فان كونه خلاف النص وان كان صحيحا في الجملة، إلا أنه خلاف الفتوى، منظور فيه بل موافق لفتوى المشهور في جميع ما ثبت في الركعة الاولى، كما يتضح مما ذكروه في


(1 و 2 و 3) مفتاح الكرامة: ج 3، ص 160 (متنا وشرحا). (4) جامع المقاصد: ج 1، ص 138، (الطبعة الحجرية). (5) الوسائل: ج 5، ص 32، الحديث 1، من الباب 17 من ابواب صلاة الجمعة وآدابها. (6) جواهر الكلام: ج 13، ص 206، وج 14، ص 22. (7) كتاب الصلاة ج 1 ص 322 (الطبعة الحجرية).

[ 87 ]

باب صلاة الجمعة من دون اختصاص بها، فان وجوب الجماعة في الجمعة أجنبي عن هذه الاحكام فان الظاهر أنها أحكام الجماعة بما هي جماعة والله أعلم. خامسها: ما ذكروه من إدراك الركعة ولو في الاولى بإدراك أحد الامرين من إدراك الامام فيما قبل الركوع، أو في الركوع هل هو مخصوص بإدراك الامام في التكبيرة، أو في أثناء القراءة فقط، أو بزيادة إدراكه ولو في القنوت، أو يعم ما إذا أدركه بعد القراءة وقبل الركوع؟ ظاهر غير واحد هو الاول، ولعله لان الظاهر من قوله في صحيحة عبد الرحمن (1) " في رجل صلى في جماعة " ومن قوله في روايته الاخرى (2) " يصلي مع إمام يقتدي به " هو إدراك الامام في فعل من أفعال الصلاة، والكون المتخلل بين تمام القراءة والركوع ليس من أفعال الصلاة فإدراكه كالعدم. ويمكن الخدشة فيه بما إذا أدركه في القيام المتصل بالركوع، فانه فعل صلاتي ركني إلا بدعوى انصراف " يصلي " عن مثله. وأما الخدشة فيه بأن اللازم إدراك بدل القراءة، أو مستقطها ولم يدرك أحد الامرين حيث إنه لم يدرك القراءة ليكون بدلا عن قراءته ولا " أدرك الركوع " حتى يكون إدراكه مسقطا للقراءة عنه بناء على ما قدمناه من أنه من أدرك الركوع لا قراءة عليه لالبدلية قراءة الامام بل لسقوطها عنه بالركوع. فمندفعة بأن نفس الترخيص في الاقتداء وفي الركوع مع الامام، كاشف عن سقوط القراءة عنه لا أن الركوع مسقط لها ليقال لابدل لقراءته ولا مسقط. كما أن الخدشة المتقدمة مندفعة بأن إدراك القيام المتصل بالركوع ليس بمقارنة تكبيرته له وإلا لكفى في إدراك الركوع أيضا بل بالقيام مقارنا لقيامه، ولا يعقل انفكاكه عن الركوع وإلا لم يكن من القيام الركني، وإدراك مثل هذا القيام إدراك الركوع أيضا، لا أنه من إدراك ما قبل الركوع فقط فتدبر جيدا ولعله من هذا القبيل تكبيرة الركوع فانه مع التخلل بينها وبين الركوع مع الامام بزحام، أو سهو يستحب إعادتها


(1) الوسائل: ج 5، ص 32، الحديث 1، من الباب 17 من ابواب صلاة الجمعة وآدابها. (2) الوسائل: ج 5، ص 464، الحديث 1، من الباب 64 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 88 ]

ليكون الركوع عن التكبيرة فتدبر. سادسها: إذا كبر وركع باعتقاد كون الامام في الركوع، فانكشف كون الامام رافعا فالمعروف بطلان صلاته رأسا أما بطلان جماعته فلعدم مصادفته لركوع الامام، وحيث بطلت جماعته بطلت الصلاة للاخلال بوظيفة المنفرد، وهي القراءة، ولا يتمكن في القراءة مع عدم ركوع بعدها لنقص الركن، ولا مع اتيانه لزيادة الركن بوقوع الاول في غير محله، وحيث إن بطلان اصل صلاته مستند إلى بطلان جماعته فاللازم تحقيق حاله من حيث الجماعة. فنقول: قد مر مرارا ان إدراك الركوع ليس شرطا لانعقاد الجماعة، كما مر أن عدم إدراك الركوع ليس مبطلا للجماعة بعد انعقادها صحيحة، وإنما يوجب فوات الركعة وعدم إمكان احتسابها، فلا موجب للبطلان إلا زيادة الركن، وحيث إنها مغتفرة في الجماعة فلذا ربما يستشكل في بطلان الجماعة فاللازم تحقيق حال الزيادة المغتفرة في الجماعة وانها تعم مثل هذه الزيادة أولا، وملخص القول فيه: ان الروايات الدالة على أن المأموم إذا رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الامام يجب عليه العود إلى الركوع، أو السجود مع الامام بعنوان المتابعة، أجنبية عما نحن فيه، لتمحض المعاد من الركوع أو السجود في الزيادة وحيث إنها بعنوان المتابعة الواجبة فلا تكون مبطلة للصلاة، بخلاف ما نحن فيه فانه غير مسبوق بركوع مع الامام حتى يتمحض ما فعله في الزيادة، بل ما اتى به هو ركوعه الصلاتي الاصلي. وأما رواية ابن فضال (1) الدالة على أنه إذا ركع المأموم قبل الامام باعتقاد ركوعه وبعد تبين خلافه عاد إلى القيام ثم ركع مع الامام فحكم (عليه السلام) عليه بصحة صلاته فهي مما يمكن الاستشهاد بها لمورد البحث بناء على أن الركوع مع الامام هو ركوعه الاصلي وأن ما تقدم منه من الركوع قبل الامام هو الزائد، فان مثله إذا كانت زيادة مغتفرة من حيث عدم مصادفه مع ركوع الامام كان ركوع المأموم هنا ايضا مع عدم مصادفته لركوع الامام زيادة مغتفرة، فيجب عليه الصبر


(1) الوسائل: ج 5، ص 447، الحديث 4، من الباب 48 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 89 ]

إلى الركعة الثانية من دون احتساب ما أداه ركعة لنصوصية الاخبار بفواتها مع رفع الامام رأسه إلا أن المبنى المزبور، كما سيجئ إن شاء الله تعالى محل النظر. والمحقق عند المحققين ان ما اتى به هو ركوعه الاصلي، وأن ما يعيده مع الامام بعنوان المتابعة المحضة هي الزيادة المغتفرة، إذ لم يفت منه عند ركوعه الواقع في محله مع إدراك الامام قبله إلا المتابعة، وهي واجبة نفسيا لا شرطيا حتى يبطل الركوع بعدم كونه مع ركوع الامام. وبالجملة لا دليل على اغتفار مطلق الزيادة بل غاية ما ثبت اغتفار ما تمحض في عنوان المتابعة، وما نحن فيه ليس منه جزما، فبطلان الجماعة بعد انعقادها صحيحة مستند إلى الزيادة الركنية الغير المغتفرة في الجماعة. نعم بعد بطلان جماعته لا موجب لبطلان اصل صلاته، إلا الاخلال بوظيفة المنفرد، وهي القراءة التي لا يتمكن من تداركها لفوات محلها بالركوع، ويمكن المناقشة فيه بما أسلفناه في بعض المباحث المتقدمة، من شمول " لا تعاد " (1) لما تركه لعذر، فكما أنه إذا اعتقد المنفرد باتيان القراءة فركع عن غير قراءة واقعا يعمه " لا تعاد "، كذلك إذا ركع باعتقاد سقوط القراءة عنه باعتقاد إدراك الامام في ركوعه فلا ينبغي ترك الاحتياط بالاتمام، ثم الاعادة. سابعها: إذا كبر وركع وشك في إدراك ركوع الامام، فله صور (الاولى): إذا شك وهو في الركوع ان الامام باق على ركوعه أو رافع رأسه من الركوع؟ ومقتضى الاصل الاولي، وعدم إدراك الركعة بركوعه، وعدم اللحوق بالامام، إلا أن الشك في الادراك حيث إنه مسبب عن الشك في بقاء الامام على ركوعه وعدمه، فلا مجال للرجوع إلى الاصل في المسبب بعد جريان الاصل في السبب. وصحة الاصل في السبب وعدمها تدور مدار كون الشرط المنوط به إدارك نفس ركوع الامام والمأموم في زمان واحد فالشرط المركب قد احرز أحد جزئيه بالوجدان والآخر بالاصل، أو كون الشرط هو ركوع المأموم حال ركوع الامام كما يستفاد من بعض الاخبار، أو ركوع المأموم قبل أن يرفع الامام رأسه بحيث يكون الحالية، أو القبلية حيثية تقييدية


(1) الوسائل: ج 5، ص 770، الحديث 5، من الباب 29 من ابواب القراءة في صلاة.

[ 90 ]

لركوع المأموم، فكان الشرط صفة الحالية والقبلية فالاصل بالاضافة اليهما مثبت، وتوهم صحة التعبد بالامر الانتزاعي بالتعبد بمنشئة مدفوع بانه يصح فيما إذا كان ترتبه شرعيا كترتب الملكية على العقد، وإلا فلا فرق في الاصول المثبتة بين ان يكون اللازم أمرا له ما بإزاء أوله منشأ الانتزاع. وغاية ما قيل في تقريب إجزاء الاصل ما أفاده بعض أعاظم العصر (قدس سره) في بعض تحريراته في صلاة الجماعة، من أن زمان ركوع الامام موصوف بالقبلية على زمان رفع رأسه، ويشك في بقائه على صفة القبلية، أو يشك في بقاء صفه القبلية إلى زمان ركوع المأموم، فيحرز نفس الشرط بالاصل، وأيده بما إذا نذر صلاة ركعتين قبل مجئ زيد فانه لا ينبغي الاشكال في لزومه عليه عند الشك في مجيئه باستصحاب عدم مجيئه، وبانهم ذكروا أنه يجوز الدخول في الجماعة إذا وجد الامام راكعا وأنه يجوز ان يكبر ويركع مع الشك في أنه يدرك الامام في الركوع استنادا إلى بقاء استصحاب الامام راكعا إلى ان يركع المأموم، فان الركوع الصحيح الذي يجوز الدخول لادراكه، هو الركوع المقارن لركوع الامام فان كان هذا غير قابل للاحراز بالاستصحاب فلا معنى لجواز الدخول لادراك مثله وان كان أوسع من ذلك وعدم لزوم إحراز المقارنة بل يكفي إحراز القبلية على الوجه المزبور، فلا معنى لمنع جريان الاستصحاب لصحة ركوعه مع الشك في بقاء الامام راكعا، فإما أن لا يجري الاستصحاب في المقامين، وإما أن يجري فيهما، وإلا فاي معنى لجواز الدخول فيما لا يحكم بصحته بعد الدخول، هذا ملخص ما افيد. قلت: لاريب في أن تلك القطعة من الزمان الذي هو ظرف ركوع الامام موصوف بالقبلية على زمان رفع رأسه، فان كان الشك في بقاء تلك القطعة على تلك الصفة إلى زمان الركوع من المأموم فهو لا يثبت ان هذا الزمان المشكوك هو من تلك القطعة إلا بالملازمة العقلية كما في استصحاب بقاء النهار فانه لا يثبت ان هذا الزمان المشكوك من النهار، وكفاية الاستصحاب فيه لاجل تعليق وجوب الصوم على بقاء النهار لا على حال تشخيص هذا الجزء المشكوك، بخلاف ما نحن فيه فان بقاء صفة القبلية بنحو مفاد كان التامة غير مجد بل لابد من وقوع الركوع في زمان

[ 91 ]

موصوف بكونه قبل زمان رفع الرأس بنحو كان الناقصة، وهو لا يثبت ببقاء القبلية، وان اريد اثبات القبلية بنحو كان الناقصة لكون الدقيقة السابقة كانت موصوفة بالقبلية ويشك في بقاء الزمان المتصل بها على تلك الصفة ففيه ان المتيقن ثبوت القبلية له هي الدقيقة السابقة وتلك الصفة لابقاء لها إلا ببقاء موصوفها والدقيقة التي بعدها يشك في اصل اتصافها بصفة القبلية إلا بنحو استصحاب الكلي فيما إذا ارتفع فرد واحتمل قيام فرد اخر مقامه. وأما ما افيد من التأييد ففي مسألة النذر يتبع قصد الناذر، فان قصد صلاة ركعتين ما لم يجئ زيد كفى فيه استصحاب عدم مجيئه، وان قصد صلاة ركعتين في الزمان الموصوف بكونه قبل مجئ زيد، فلا يكفي فيه استصحاب عدم مجئ زيد، وفي مسألة استصحاب بقاء الركوع لجواز الدخول مع عدم كونه مسلما، سيجئ الكلام فيها إن شاء الله تعالى من أنه يجدي تارة ولا يجدي اخرى، هذا. والحق أن ما ورد في الروايات من أنه ان ركع قبل أن يرفع الامام رأسه فقد أدرك الركعة ليس إلا في مقام تحديد موضوع الشرط، وهو ركوع الامام لاعنوانا للشرط حتى يلزم إحراز عنوان القبلية، فالغرض أن يكون ركوع المأموم مع ركوع الامام في زمان واحد لا أن يكون ركوعه في زمان موصوف بالقبلية بما هي، ومنه يتضح حال عنوان الحال والمعية فالعبرة بمنشأ انتزاعهما لا بالامر الانتزاعي، هذا حكم الصورة الاولى. وأما الصورة الثانية: فهي ما إذا كان زمان رفع رأس الامام معلوما، وكان زمان ركوع المأموم مشكوكا فالاصل يجري في خصوص الركوع فيبنى على عدمه إلى زمان الرفع المعلوم، ويجدي على أي تقدير فانه وإن لم يثبت عدم في زمان موصوف بالقبلية على رفع الرأس، إلا أن نقيض الوجود الرابط رفعه لا العدم الرابط وليست الشرطية الثانية في الروايات مسوقة لترتب عدم إدراك الركعة على وقوع الركوع في زمان موصوف بالبعدية على رفع الرأس حتى لا يقال لا يثبت بالاصل المزبور، فانه إنما يكون كذلك إذا كانت الشرطية شرطية مستقلة مع أنها بيان لمقتضى الاولى كمالا يخفى.

[ 92 ]

وأما الصورة الثالثة: فهي ما إذا لم يكن زمان الركوع من المأموم وزمان رفع الرأس من الامام معلومين، والمعروف فيهما تعارض الاصلين أعني أصالة عدم الركوع إلى زمان رفع الرأس وأصالة عدم رفع الرأس إلى زمان الركوع ومع تساقطهما يحكم بأصالة عدم إدراك الركعة إلا أن الشك في هاتين الصورتين حادث بعد العمل فالمرجع أصالة صحة الركوع، غاية الامر أنه مع العلم بالغفلة من أول الامر يبني على كون أصالة الصحة اصلا تعبديا، ومع احتمال عروض الغفلة يبني على أماريتها. ثامنها: في ما يعتبر في جواز الدخول في الركوع ولا يخفى أن جواز الاقتداء غير منوط بإدراك ركوع الامام لما مر مرارا أن إدراك الركوع ملاك إدراك الركعة لا مناط انقعاد الجماعة وصحة الاقتداء، وحينئذ يصح الائتما ولو مع الجزم بعدم إدراك الركوع، وأما الركوع بركوع الامام فهو محل الكلام من حيث دوران الجواز مدار الجزم أو الاطمينان أو يصح مع الاحتمال، إما استنادا إلى الاستصحاب كما عن غير واحد، أو بعنوان الرجاء كما عن بعضهم. أما الاستصحاب فمنشا الاشكال فيه ان القصد إلى الركوع المقارن لركوع الامام لا يتأتى منه إلا مع الجزم بتحقق الركوع من الامام، لان المقارنة التي هو صفة ركوع المأموم غير مقدورة للمأموم لتقوم مثلها بفعل الامام فمع تحققه منه يكون إيجاد الركوع مقدورا، ومع عدمه يكون الركوع المقارن غير مقدور للمأموم، ويستحيل توجه القصد إلى غير المقدور والاستصحاب لا يحقق الركوع فلا تتحقق المقدورية المنوطة بتحققه من الامام لتقوم المقصود به. ولذا أجاب عنه الشيخ الاعظم (قدس سره) في بعض تحيراته (1) بان مقدورية الركوع المقارن منوطة بإحراز الركوع من الامام لا بتحققه واقعا وكما يكفي الاحراز الوجداني يكفي الاحراز التعبدي، فتارة بقصد الركوع المقارن حقيقة لركوع الامام، واخرى يقصد الركوع المقارن لركوع الامام شرعا. ويمكن المناقشة فيه على مسلكه (قدس سره): حيث بنى على عدم كفاية استصحاب بقاء الامام على ركوعه بل لابد من إحراز الحالية أو القبلية على رفع


(1) كتاب الصلاة: ج 1، ص 320.

[ 93 ]

الرأس، فما لم يحرز هذا المعنى لا يتوجه القصد إلى الركوع الصحيح، وإحراز أصل ركوعه لا يجدي في توجه القصد إلى الركوع الخاص، كما يمكن أن يقال: إن الحاجة إلى الاستصحاب ليس لاحراز الركوع المقارن حتى يتوجه عليه ما ذكر من الاشكال، ودفعه والمناقشة فيه، بل لان هذا الركوع ليس أمره دائرا بين إدراك الركعة به، وعدمه بل دائر بين كونه صحيحا يدرك به الركعة، وكونه زيادة مبطلة للجماعة المنعقدة صحيحة، والاستصحاب لنفي صيرورته زيادة مبطلة ليجوز مع احتمالها لركوع، وكونه زيادة وعدم كونه زيادة غير منوط بوصف القبلية والبعدية، ونحوها ولا منافاة بين عدم الحكم بصحته من حيث إدراك الركعة والحكم بعدم كونه زيادة، فان التفكيك بين المتلازمين واقعا بإجراء الاصول غير عزيز. ومنه تبين الجواب عما أورده بعض الاعاظم (1) (قدس سره) من عدم الفرق بين مورد الحكم وصحة الركوع، ومورد جواز الدخول فان كان الاستصحاب جاريا في الثاني جرى في الاول، وإلا فلا يجري في شئ منها. وأما حديث الرجاء فمختصر القول فيه: ان وصف المقارنة واشباهها قد يتخذ بنحو الغاية الداعية، وقد يتخذ بنحو التوصيف والعنوانية للركوع المقصود، فان كان بنحو الداعي، فكما ان الداعي ربما يكون جزميا كذلك ربما يكون ظنيا، وربما يكون احتماليا، كما حقق في محله، وان كان بنحو التوصيف والعنوانية فهو مقوم لصفة الارادة بنحو فناء العنوان في المعنون، وحينئذ لا يعقل أن يكون مقوما إلا مع ثبوته الجزمي حتى يعقل فناء العنوان المقوم فيه، فهذا وجه اعتبار الجزم به لا مسألة توقف القصد على مقدوريته، أو الجزم بحصول الامر الغير الاختياري تحقيقا لمقدورية المقصود. ومما ذكرنا تعرف أن مورد الرجاء ومحلة هو الشق الاول، وهو الذي يكفيه مجرد الاحتمال من دون حاجة إلى الاستصحاب، بخلاف الشق الثاني فانه مما لابد فيه من الاحراز وجدانا أو شرعا. نعم موقع الرجاء ما إذا دار أمره بين الوجود والعدم فإذ كان الامر المحتمل ثابتا واقعا كان امتثالا وإطاعة له، وإلا


(1) مصباح الفقيه للهمداني (رحمه الله): كتاب الصلاة، ص 628 627.

[ 94 ]

فلا، وكما (1) فيما نحن فيه إذا اريد مجرد احتساب المأتي به ركعة وعدمه فإذا قارن ركوعه ركوع الامام فقد أدرك الركعة وإلا فلا، وأما إذا دار الامر بين كونه ركوعا صحيحا يدرك به الركعة أو زيادة مبطلة للجماعة بعد انقعادها فالرجاء أجنبي عن هذا المقصود فإنه نظير رد السلام رجاء عند احتمال وجوبه فانه على تقدير عدمه كلام ادمي مبطل للصلاة، فلابد من الرد على وجه لا تبطل به الصلاة على اي تقدير، حينئذ فلابد من إجراء الاصل دفعا لاحتمال الزيادة، وحيث إنه لا يثبت المقارنة فلا يكفي لقصد الركوع المقارن إلا أن قصد الركوع بنحو التوصيف والعنوانية غير بل يكفى فيه الدعوة، إذا لم يعلم من ادلة اعتبار المقارنة في الركوع كونها قصدية بقصد الركوع المقارن بل لابد من كون المأتي به مقارنا لركوع الامام، واحتماله عند الدخول كاف في الرجاء فإذا وقع مقارنا كان ركوعا مدركا للركعة، وإذا وقع بعد الرفع كانت زيادة مبطلة للجماعة كما قدمناه، وان لم يعلم حاله لا يحتسب ركعة بناء على عدم كفاية الاصل، لكنه لا يحكم عليه ببطلان جماعته بل له الانتظار أو الانفراد كما تقدم. لكنك قد عرفت جريان الاستصحاب فيحكم بصحة الجماعة واحتساب الركعة واللحوق بالامام في بقية أفعاله. تاسعها: بعد ما عرفت من أن إدراك ركوع الامام مناط الاحتساب ركعة، لا ملاك انعقاد الصلاة جماعة، نعرف أن جواز الدخول في الجماعة بافتتاحها بالتكبيرة لا يتوقف على دليل اخر، انما الكلام في جواز الانتظار إلى الركعة الاخرى، أو الانفراد ثم الاتمام، أو العدول إلى النافلة ثم اتمامها واللحوق بالامام، أو قطعها واللحوق به. وربما يشكل الاول: بمنافاته للقدوة. فان اريد بها أصل الجماعة فالاتنظار بما هو ليس من قواطعها بعد انعقادها فان حقيقتها ربط صلاته بصلاة الامام، وما لم يعدل عنه فالربط الاعتباري على حاله، والمتابعة العملية في موردها واجبة نفسيا لا شرطيا حتى يختل بعدم المتابعة الذي هو لازم الانتظار، وإن اريد بها منافاته


هكذا في النسخة الاصلية والصحيح " وكذا فيما نحن فيه " .

[ 95 ]

للمتابعة العملية التي هي بالنسبة إلى الربط الاعتباري كالوفاء بالعقد ففيه (أولا) انها واجبة نفسيا لاشرطيا فلا تبطل الجماعة بعدمها (وثانيا) بأن الركعة التي لم يدرك ركوعها مع الامام ولا يحتسب من ركعات صلاته ليس مورد المتابعة اللازمة، إذ ليست المتابعة الواجبة نفسيا إلا عدم التخلف عن الامام في أفعاله الصلاتية، والسجود في هذه الركعة ليس من واجبات صلاته حتى يحب عليه عدم التخلف فيه عن الامام، واستحباب محض المتابعة ولو في غير ما هو من أفعاله الصلاتية أمر اخر غير منافاته للقدوة. مضافا إلى ما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبا من دلالة بعض الاخبار على الانتظار. وأما الثاني: وهو الانفراد والاتمام، فلا يحتاج إلى دليل اخر غير دليل جواز الانفراد في جميع الاحوال، سواء كان في حال الاختيار، أو الاضطرار سواء كان من قصده ذلك حال نية الاقتداء أم لا، وقد تقدم الكلام في كل ذلك مفصلا. وأما العدول إلى النافلة بعد نية الانفراد. فربما يشكل أيضا بقصور دليل جواز العدول إلى النافلة، لان المتيقن من مورده جواز العدول لمن يصلي فرادى فيجد الجماعة فيجوز العدول طلبا لفضيلة الجماعة، ولا يعم من كانت صلاته جماعة فانفرد، وسيجئ إن شاء الله تعالى في محله جواز العدول مطلقا لمريد الجماعة، وان انفرد عن الجماعة. عاشرها: لا خلاف على ما في الحدائق (1) في جواز الدخول في الجماعة في جميع الاحوال، سواء كان الامام في السجود، أو في التشهد، وسواء كان السجود في الركعة الاولى، أو الاخيرة، أو غيرهما وسواء كان الامام في التشهد الاول أو الثاني واختصاص مورد بعض الاخبار ببعضها غير ضائر، وبعد إطلاق بعضها، الاحر، وسنبين إن شاء الله تعالى إن التخصيص لنكتة هناك انما الكلام في موارد. منها: ان التكبيرة المذكورة في الاخبار، هل هي تكبيرة الافتتاح حتى يتكلم في مانعية زيادة السجدة، أو التشهد وعدمها، وعلى فرض المانعية يحتاج إلى تكبير


(1) الحدائق الناضرة: ج 11، ص 252.

[ 96 ]

مستأنف، أو أنها ليست بتكبيرة الافتتاح بل تكبير مستحب لادراك فضيلة الجماعة بالمتابعة في السجود، أو التشهد، أو هي التكبيرة المستحبة للهوي إلى السجود في المتابعة في السجود، وحنيئذ فلا مجال لعنوان الزيادة سجودا كان، أو تشهدا، ويستأنف التكبيرة حيث لا صلاة بلا افتتاح بالتكبيرة. ولا يخفى عليك ان مساق الاخبار الواردة في إدراك فضيلة الجماعة مساق واحد، وصريح بعض أخبارها انها تكبيرة الافتتاح، كما في موثقة عمار (1) حيث قال: (عليه السلام): " يفتتح الصلاة " الخ، وفي موثقته الاخرى (2) حيث قال (عليه السلام): " فإذا سلم الامام قام الرجل فأتم صلاته " حيث لااتمام إلا بعد انعقاد الصلاة، ولا انعقاد إلا بتكبيرة الافتتاح، وكما في رواية معاوية بن شريح (3) من وجهين أحدهما انه أدرك الجماعة ولا إدراك للجماعة إلا بالتكبيرة لااقول: إن قوله (عليه السلام) " من أدرك الامام " عبارة عن التكبير معه كما عن غير واحد بل أقول: إن الحكم عليه بانه مدرك للجماعة لبيان انه له الدخول في الجماعة حقيقة بافتتاح الصلاة بالتكبيرة. ثاينهما: قوله (4) " أدرك الجماعة وليس عليه أذان ولا إقامة، ومن أدركه وقد سلم فعليه الاذان والاقامة " فانه في غاية الظهور، أن الداخل معه في التشهد داخل في صلاه الجماعة حقيقة، ولا أذان ولا إقامة على مصلي الجماعة، وأنه بعد السلام منفرد فعليه الاذان والاقامة، فالحكم بسقوط الاذان والاقامة تارة وثبوتهما اخرى، بلحاظ صلاة الجماعة والانفراد لابلحاظ الورود على الجماعة، فانه لا يوجب الفرق بين ما قبل السلام وما بعده، فهو لبيان لازم الجماعة والفرادي طبعا، وان كان يسقطان بنظر اخر من حيث الورود على الجماعة فتدبر. هذا كله مع أن الحكم بالسجود مع الامام والتشهد معه ليس إلا بعنوان المتابعة العملية ولا متابعة لمن لا ارتباط لصلاته بصلاة الامام. بل المراجع إلى الاخبار يكاد يقطع بأن التكبير


(1 و 2 و 3) الوسائل: ج 5، ص 449، الحديث 4 و 3 و 6، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة. (4) الوسائل: ج 5، ص 450، الحديث 6، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة.

[ 97 ]

المحقق للدخول في الصلاة أمر مفروغ عنه، ولذا لم يذكر بعنوانه في جملة منها، بل اكتفى عنه بعنوان إدراك الصلاة مع الامام، كما في صحيحة محمد بن مسلم (1) حيث قال " قلت له: متى يدرك الصلاة مع الامام قال: إذا أدرك الامام وهو في السجدة الاخيرة " فانه لا ينبغي الريب في أن الصلاة مع الامام لا يصدق على إدراك الامام في السجدة إلا بانعقاد الجماعة المتوقف على تكبيرة الافتتاح، ومما يشهد لمفروغية التكبيرة الافتتاحية قوله (عليه السلام): في رواية البصري (2) " إذا وجدت الامام ساجدا فالبث مكانك حتى يرفع رأسه، وان كان قاعدا قعدت، وان كان قائما قمت " فان العقود كالقيام، فكما ان التكبيرة مفروغ عنها في القيام المحسوب من ركعات صلاته، كذلك العقود مع الامام. هذا بعض الكلام في ان التكبيرة هنا كما في سائر الموارد للافتتاح دون غيره، ولا منافي لما استظهرناه من الاخبار، إلا ما ذكره الصدوق (قدس سره) في الفقيه (3) " عن عبد الله بن المغيرة قال: كان منصور بن حازم يقول: إذا أتيت الامام وهو جالس قد صلى ركعتين فكبر ثم اجلس، فإذا قمت فكبر " فان التكبير المأمور به ثانيا ليس إلا تكبيرة الافتتاح، فإما يراد من الاولى مجرد الاستحباب مقدمة لمتابعة الامام صورة، وإما يكون الجلوس من حيث كونه زيادة عمدية مبطلة للتكبيرة الافتتاحية الاولى فيحتاج إلى استيناف تكبيرة الافتتاح، وبه يجمع بينها وبين موثقة عمار (4) المتضمنة لافتتاح الصلاة بالتكبيرة فيما إذا أدرك الامام جالسا بعد الركعتين، حيث قال (عليه السلام): " ولا يقعد مع الامام حتى يقوم " فان مقتضى الجمع بينهما، جواز القعود واستيناف التكبيرة، ومع عدم القعود لااستيناف بل يكتفي بالتكبيرة الاولى. والذي يهون الخطب، ان هذه الرواية مقطوعة لانتتهي إلى المعصوم، وكون


(1) الوسائل: ج 5، ص 448، الحديث 1، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5، ص 449، الحديث 5، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة. (3) من لا يحضره الفقيه: ج 1، ص 260، ح 94، في الجماعة وفضلها (طبعة الآخوندي). (4) الوسائل: ج 5، ص 448، الحديث 4، من الباب 48 من أبواب صلاة الجماعة.

[ 98 ]

منصور بن حاز من اجل ثقاة الاصحاب، ولا يقول إلا عن تثبت وسماع، لا يوجب إلا الخبر الحدسي، وما هو حجة ما رواه الثقة عن الامام (عليه السلام) لا ما يحدس بروايته عن الامام (عليه السلام) مع احتمال ان يكون التكبير للقيام من التشهد والانتقال من حال إلى حال فيوافق ما في التوقيع الشريف المشهور في باب الدعاء عند القيام، من أن بعض الروايات دل على استحباب التكبيرة عند الانتقال من حال إلى حال، وأما ما في رواية معلى بن خنيس (1) من قوله (عليه السلام): " فاسجد معه ولا تعتد بها " وقوله (عليه السلام) في رواية معاوية بن شريح (2) " سجد معه ولم يعتد بها " فالظاهر عدم الاعتداد بالسجدة التي أتى بها بعنوان المتابعة، حيث إن مناط إدراك الركعة إدراك الركوع مع الامام السجود معه، وليس للتكبيرة فيما سبق الذكر حتى يرجع عدم الاعتداد إليها. ومنها: ان السجود أو الجلوس للتشهد أو نفس التشهد زيادة في الصلاة أم لا، وعلى تقدير كونها زيادة هل هي زيادة مغتفرة في الجماعة أم لا؟ اما السجود فحيث إن الاتيان به ليس بعنوان انه من واجبات الصلاة فلا معنى لكونه زيادة في الصلاة، ومنه علم حال الجلوس والتشهد ولو قلنا بان دائرة الزيادة أوسع من ذلك نظرا إلى قوله (عليه السلام) (3): في السجود للعزيمة " إن السجود زيادة في المكتوبة " فإسراؤه إلى الجلوس والتشهد بلا وجه، مع ان التشهد كما هو المروي (4) في المأموم المسبوق بركة فلا مانع من المتابعة فيه، لانه حيث يوءتى به بعنوان المتابعة بركة، إلا أن المذكور في روايات الباب نفس الجلوس مع الامام وليس فيها ذكر التشهد من المأموم. ثم على تقدير كون المذكورات زيادة في نفسها إلا أنها حيث كانت بعنوان المتابعة فهي مغتفرة في الجماعة. ودعوى أنه لا دليل على هذه الكلية، وانما الدليل في مورد رفع الرأس عن


(1 و 2) الوسائل: ج 5، ص 449، الحديث 2 و 6، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 4، ص 779، الحديث 1، من الباب 40 من أبواب القراءة في الصلاة. (4) الوسائل: ج 5، ص 467، الحديث 1، من الباب 66 من أبواب صلاة الجماعة.

[ 99 ]

الركوع، أو السجود سهوا مدفوعة: بانه كما يستفاد من الامر بالعود ان الركوع والسجود زيادة مغتفرة، كذلك يستفاد من الامر بالسجود مع الامام، والامر بالجلوس في التشهد معه انهما من الزيادة المغتفرة ودعوى ان الامر بالسجود للمتابعة لا يكشف عن اغتفار الزيادة إذ لا مانع من بطلان الصلاة بها إلا حرمة قطع الصلاة بعد انعقادها، وحيث إن الدليل هنا أخص مما دل على حرمة القطع فنلتزم بعدم الحرمة التكليفية مع ترتب اثره الوضعي مدفوعة: بان الظاهر من أخبار الباب إدراك فضيلة الجماعة بعقد الصلاة ومع المبطل يكون المأتي به كالعدم فيؤل الامر إلى إدراك فضيله صلاة الجماعة بغير الصلاة. مضافا إلى ان السجدة الاولى وان وقعت بعنوان المتابعة، والابطال فرع تحققها فلا يمنع عن تحققها. إلا ان السجدة الثانية تقع بعد بطلان الصلاة بالسجدة الاولى التي هي زيادة عمدية على الفرض، فلا معنى لاتيانها بعنوان المتابعة العملية في الصلاة. ثم إنك قد عرفت أن أخبار الجلوس للتشهد غير متعرضة إلا لنفس الجلوس الذي هو من واجبات التشهد دون التشهد، إلا أنه كما في المأموم المسبوق يستحب فيه بعنوان المتابعة لكونه في نفسه بركة فلا يكون زيادة عمدية لكن هل يستحب المتابعة في السلام، كما يظهر من بعض الاعلام (رحمه الله) في تعليقته على العروة أم لا؟ فانه وان لم يكن زيادة لكنه كلام آدمي فاغتفار الزيادة لا يوجب اغتفار الكلام الآدمي ولا يخرج الكلام الآدمي عن كونه كلاما باتيانه بعنوان المتابعة. نعم إذا دل الدليل على استحباب المتابعة فيه يستكشف منه عدم كونه قاطعا في مثل هذه الحال والله اعلم بحقيقة الحال. ومنها: ان الاخبار كما تضمنت الامر بالسجود كذلك النهي عنه، وكما تضمنت الامر بالجلوس كذلك النهي عنه، أما المتابعة في السجود ففي رواية معلى بن خنيس (1) ورواية معاوية بن شريح (2) الامر بالسجود مع الامام، وفي رواية


(1 و 2) الوسائل: ج 5، ص 449، الحديث 2 و 6، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة.

[ 100 ]

البصري خلافه، حيث أمر باللبث مكانه حتى يرفع الامام رأسه فإما يقعد فيتابعه في القعود، وإما يقوم فيتابعه في القيام، مع أن استعلام حال الامام من حيث القعود والقيام يجامع المتابعة في السجود ولا يتوقف على اللبث مع عدم السجود معه كما هو واضح، فيدل بالالتزام على عدم جواز السجود مع الامام، إلا انه لا ينبغي الريب في تقديم روايتي الجواز لانهما نص فيه فيقدم على الظاهر في عدمه، مع انه لا ظهور إلا على " مسألة الضد " مع أن الامر باللبث للارشاد لا للوجوب النفسي، فلا ينافي ثبوت فائدة اللبث في غيره ايضا. هذا وأما الجلوس بمتابعة الامام فمقتضى رواية معاوية بن شريح (2) ورواية البصري (3) وموثقه عمار (4) الامر بالجلوس ومقتضى موثقة عمار الاخرى (5) النهي عن القعود مع الامام وتعارضهما تعارض النص والظاهر فليحمل النهي على نفي اللزوم في مقام توهمه كالامر في مقام توهم الحظر، خصوصا بملاحظة أن مورد النهي هو التشهد الاول فلا يفوت إدراك فضيلة الجماعة بعدم المتابعة بالجلوس، بخلاف التشهد الاخير وأما صحيحة محمد بن مسلم (6) حيث " قال: متى يكون يدرك الصلاة مع الامام قال: (عليه السلام): إذا أدرك الامام وهو في السجدة الاخيرة من صلاته " فان ظاهرها انها اخرما تدرك حيث لا شبهة في الادراك قبلها، فهي ايضا من تعارض النص والظاهر، خصوصا مع ان ظهورها بالمفهوم وتحمل على انها اخر المرتبة الكاملة من الادراك فان السجود من أعظم أركان الصلاة وأجزائها والله اعلم. ومن جميع ما ذكرنا تبين ان تفصيل المشهور بين إدراك الامام في التشهد الاخير فلا يستأنف التكبير، وإدراك الامام في غيره فيستأنف مخدوش: بما فصلنا القول فيه لان منشأ الاستيناف ان كان عدم المقتضي لا نعقاد الصلاة، فقد عرفت دلالة الروايات من وجوه على انعقادها، وان كان وجود المانع والمبطل بعد انعقادها وهي الزيادة العمدية، فقد عرفت عدم اختصاصه بالسجود مع الامام و اغتفار


(1 و 2 و 3 و 4 و 5 و 6) الوسائل: ج 5، ص 448 449، الحديث 5 و 6 و 5 و 4 و 3 و 1، من الباب 49 من أبواب صلاة الجماعة.

[ 101 ]

الزيادة وعدمه في الكل على حد سواء، فلا يصغى إلى دعوى ان الروايات الظاهرة في انعقاد الصلاة منحصرة في موثقتي عمار وإحداهما مخصوصة بالمتابعة في التشهد الاخير، والثانية وهي قوله (عليه السلام): " يفتتح الصلاة " غير مشتملة على زيادة عمدية اصلا يحتاج حتى إلى استيناف التكبيرة. حادي عشرها: المعروف في الكتب تبعا للنص، أنه إذا دخل المسجد وخاف فوات الركوع بركوع الامام ان مشى إليه، فله أن يكبر ويركع وهو في مكانه ويمشي إليه في الركوع، أو عند القيام وتنقيح الكلام برسم امور في المقام. منها: ان مورد النص هل هو حيثية الانفراد عن الصف فخوف الفوات مسوغ لهذا المكروه فيكون استثناء عن الاقتداء منفردا عن الصف في قبال قيامه في الصف، أو حيثية البعد عن الامام وعمن يتصل به، فيكون استثناء عن عدم صحة الاقتداء مع البعد بما لا يتخطى عن الامام، فعلى الاول يجب مراعاة جميع شرائط الجماعة، دون الثاني فانه محل البحث كما ستعرفه ان شاء الله تعالى، وحيث إن مدرك الفتوى ومورد الاستفادة هي نصوص الباب فلا بدمن التيمن بذكرها فمن النصوص صحيح محمد بن مسلم (1) " عن احدهما (علهيما السلام) انه سئل عن الرجل يدخل المسجد فيخاف ان تفوته الركعة فقال (عليه السلام): يركع قبل ان يبلغ القوم، ويمشي وهو راكع حتى يبلغهم " ومن النصوص صحيح (2) عبد الرحمن بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله (عليه السلام) " قال: (عليه السلام): إذا دخلت المسجد والامام راكع فظننت أنك إن مشيت إليه رفع رأسه قبل أن تدركه فكبر واركع فإذا رفع رأسه فاسجد مكانك فإذا قام فالحق بالصف وإن جلس فاجلس مكانك فإذا قام فالحق بالصف " ومن النصوص ما عن اسحاق بن عمار (3) " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أدخل المسجد وقد ركع الامام فأركع بركوعه وأنا وحدي وأسجد فإذا رفعت رأسي فاي شئ أصنع قال (عليه


(1 و 2) الوسائل: ج 5، ص 443، الحديث 1 و 3، من الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 5، ص 444، الحديث 6، من الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة.

[ 102 ]

السلام): قم فاذهب إليهم فان كانوا قياما فقم معهم وان كانوا جلوسا فاجلس معهم " أما الخبر الاخير فربما يستفاد من قول السائل " فأركع بركوعه وأنا وحدي " ان الباعث على السؤال حيثية انفراده عن الصف، لابعده عن الامام ويوافقه الجواب بالذهاب إليهم قياما كونا أو جلوسا بعد اتيان الركوع والسجود منفردا، ويوافقه في هذا المضمون ما في الخير الاولى من قوله (عليه السلام): " قبل ان يبلغ القوم " وقوله (عليه السلام) " حتى يبلغهم " حيث يشعر بان وجه السؤال الانفراد عن القوم وكذا الخبر الثاني حيث تضمن الالحاق بالصف، فكان الغرض الباعث على السؤال انفراده عن الصف. ويمكن ان يقال: ان الانفراد عن الصف تارة في قبال كونه معهم، واخرى في قبال عدم الاتصال بالامام ولذا عبر في الخبر الثاني بقوله (عليه السلام): " فظنت انك ان مشيت إليه رفع رأسه " فالمشي إلى القوم من حيث إنه مشي إلى من يتصل بالامام، لا من حيث إنه صف يسد خلله وفرجه، ويساعده الامر الظاهر في الوجوب بالمشي والذهاب فانه يناسب رفع البعد المانع عن الاقتداء لا مجرد كونه في الصف الذي هو مستحب وخلافه مكروه. ويؤيده تفريع الخوف والظن على الدخول في المسجد حال ركوع الامام، فانه بعيد عادة عن الامام وبعده المانع في غير هذه الحال هو الباعث على السؤال، أو التعرض لحكمه ابتداء من الامام كما في الخبر الثاني، وأما تخيل الظهور في البعد المانع من حيث الامر بالالتحاق بالصف في القيام الاول وان لم يلتحق ففي القيام الثاني نظرا إلى أنه كاشف عن البعد بما لا يتخطي فمندفع بان الرواية غير متعرضة لقيامين، بل المراد ان الامام بعد سجوده إما أن يقوم أو يجلس فإن قام التحق به، وإن جلس فالمأموم يجلس مكانه ويلتحق به عند قيامه فلا قيام الامرة ولا الالتحاق إلا فيه، فتدبر. وحيث عرفت أن الاظهر ورود النصوص مورد البعد عن الامام، تعرف انه ليس بين هذه النصوص وما دل على مانعية البعد ما لا يتخطى عموم من وجه بل نسبة العموم والخصوص حيث لا موجب للسؤال عن البعد الغير المانع، أو عن مطلقه الشامل لغير المانع فضلا عن التعرض لحكمه ابتداء من الامام (عليه السلام) كما في

[ 103 ]

الخبر الثاني، ولا موجب للمشي إلى الامام حتى يخاف معه فوت الركعة حتى تكون فضيلة إدراك الركعة مسوغة للتكبير في مكانه لانه سائغ بنفسه، ومنه تعرف انه لو فرض لنصوص الباب إطلاق لا يعامل مع نصوص الطرفين معاملة العامين من وجه بل لابد من تقديم إطلاق هذا الباب، وإلا لكان موجبا لالغاء العام في ما نحن فيه رأسا فان البعد الغير المانع يسوغ معه التكبير وهو في محله، ولا مجال معه لخوف فوات الركعة، فلو قلنا بمانعية البعد بما لا يتخطى مع خوف فوات الركعة، كان مرجعه إلى أن خوف فوات الركعة الذي هو عنوان عموم الباب لغو بلا أثر نظير ما ذكرنا في محله من عدم صحة معاملة العموم من وجه بين عموم ما دل على " نجاسة البول والخرء مما لا يؤكل " (1) وعموم مادل (2) على " أن كل ما يطير فلا بأس ببوله وخرئه " فان طهارة فضلة ما يؤكل لحمه من الطيور ليست من حيث كونه طيرا بل من حيث كونه مما يؤكل لحمه فلو أخرجنا مما لا يؤكل لحمه من الطيور من تحت هذا العموم كان مرجعه إلى الغاء عنوان هذا العام ولغوية أخذ عنوان الطير رأسا، هذا بناء على ما استظهرناه من النصوص من كونها واردة مورد البعد عن الامام. وأما إذا قيل: بانها واردة مورد الانفراد عن الصف، وان كراهته بمقتضى هذه الاخبار مقصورة على صورة الاختيار فعدم إطلاقها لصورة البعد المانع سؤالا وجوابا واضح، إذ لا يوصف الانفراد عن الصف بالكراهة إلا بعد انعقاد الجماعة فلابد من استجماعها لجميع الشرائط. ومنها: عدم البعد بما لا يتخطى، فلا معنى للسؤال عن كراهة الانفراد الاعم مما إذا كان مع البعد المانع وعدمه فضلا عن التعرض لحكم الانفراد ابتداء من الامام بنحو العموم. ومما ذكرنا تعرف حال الاطلاق من غير جهة البعد بناء على ما استظهرناه من النصوص فان الحكم الاتبدائي والجواب عن السؤال كلاهما مسوق لعدم مانعية البعد فلا إطلاق لها من حيث الحائل، أو علو الامام، أو غير ذلك وليس شئ منها لا زما عاديا ولو غالبيا للبعد المانع حتى يكون الترخيص فيه


(1) الوسائل: ج 2، ص 1008، الحديث 2، من الباب 8 من أبواب النجاسات. (2) الوسائل: ج 2، ص 1013، الحديث 1، من الباب 10 من أبواب النجاسات.

[ 104 ]

ترخيصا فيها. هذا إذا اريد إطلاق عدم ما نعية البعد من حيث كونه مع الحائل ونحوه، وعدمه، وأما إذا اريد إطلاق خوف فوات الركعة ولو برفع الحائل، فالامر أوضح لظهور النصوص في أن خوف الفوات بملاحظة المشي الي الامام، دون شئ اخر فدعوى الاطلاق على هذا الوجه بلا وجه اصلا، فان الخبر الاول وان كان السؤال فيه مقصورا على خوف فوات الركعة من دون بيان لمنشئه، إلا ان الجواب فيه صريح في ان منشأه المشي إلى الامام قبل التكبير كما هو صريح الخبر الثاني. وكون الخوف مسوغا لعدم الاعتناء بالبعد لا يقتضي بوجه عدم الاعتناء بالحائل فانه قياس محض. ثم إنه إذا قلنا: بأن مورد النصوص حيثية البعد المانع في صورة الاختيار فعدم الكراهة في الانفراد في مثل خوف الفوات خارج عن النصوص، لكنه يمكن دعواه بالفحوى فان خوف الفوات إذا كان مسوغا لعقد الجماعة مع فقد شرط صحتها في غير هذه الحال، فلا محالة يسوغ عقد الجماعة بلا كراهة مع فقد شرط كمالها، فتدبر وأما جواز المشي للمنفرد فمنصوص عليه في محله كما سييجئ ان شاء الله تعالى، ولا يمكن اثباته بالفحوى إذا كان المشي في نفسه غير جائز لان المشي الغير الجائز إذا جاز لادراك شرط صحة الجماعة بقاء لا موجب لجوازه لادراك شرط الكمال بقاء كما لا يخفى، فتدبر. ومنها: أن الترخيص في المشي بل الامر به بمقتضى صحيحة محمد بن مسلم (1) في حال الركوع، وبمقتضى صحيحة عبد الرحمن (2) في حال القيام عن السجود، وكذا في رواية إسحاق بن عمار (3). نعم رواية إسحاق بن عمارتتضمن لزوم القيام والمشي إلى القوم سواء كانوا قائمين أو جالسين، بخلاف صحيحة عبد الرحمن فانها ظاهرة في لزوم الجلوس مكانه إلى أن يقوم الامام ومقتضى القاعدة بعد زوال خوف فوات الركعة بانعقاد الجماعة وإدراك الركعة بالتكبير والركوع وجوب رفع


(1 و 2) الوسائل: ج 5، ص 443، الحديث 1 و 3، من الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 5، ص 444، الحديث 6، من الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة.

[ 105 ]

المانع عن الاقتداء بقاء في أول أزمنة الامكان فان كان المشي في حال الصلاة في نفسه جائزا لعدم الدليل على مانعية الفعل الكثير، أو مثل هذا الفعل ولذا جاز لرفع المكروه، كما في مادل على جواز المشي لرفع كراهة الانفراد عن الصف، وما ورد في مشي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاته لازالة النخامة في المسجد (1) ولم يعهد الترخيص في محرم لدفع المكروه فلا إشكال في وجوب المشي لرفع المانع من حين الركوع إلى ان يرتفع المانع. وان قلنا: بان المشي في نفسه غير جائز وانما جاز هنا لرفع المانع فلا شبهة ايضا في ان المشى الركوعى، أو القيامى لا خصوصية له، بمعنى أن اللازم من المشي ليس متكيفا بكيفية خاصة بل المشي حيث إنه مقدمة لرفع المانع واجب كما هو صريح قوله (عليه السلام): " حتى يبلغهم " (2) فان الغاية المطلوبة هو بلوغ القوم واللحوق بهم فيجب الشى لهذه الغاية اللازمة بمجرد التمكن منها في اي حال كان فصحيحة محمد بن مسلم (3) اوفق بالقاعدة من غيرها، وليس دلالة صحيحة عبد الرحمن (4) على عدم وجوب المشي في الركوع إلا بالسكوت، وعدم التعرض فلا تعارض ما يدل على وجوبه بل لو لوحظ جواز المشي وعدمه كانتا من النص والظاهر وإذا جاز المشي وجب مقدمه لرفع المانع بقاء. وأما قوله (عليه السلام): في صحيحة عبد الرحمن (5) " فاسجد مكانك " فلعدم إمكان المشي عادة في السجود إلا بتكلف شديد. وأما رواية إسحاق بن عمار (6)، فالركوع والسجود في مكانه مفروغ عنهما في كلام السائل وإنما سأل عن تكليفه بعدهما حيث قال: " إذا رفعت رأسي فاي شئ أصنع " فلا دلالة لها على عدم وجوب المشي حال الركوع، أو عدم جوازه، وعليه فليحمل صحيحة عبد الرحمن على عدم رفع المانع بالركوع فينحصر في المشي حال القيام، كما يمكن حمل الصحيحتين على التخيير بين الامرين تسهيلا على المكلف والله اعلم. وأما التعارض بين صحيحة عبد الرحمن ورواية إسحاق بن عمار من حيث


(1) الوسائل: ج 4، ص 1283، الحديث 1، من الباب 36 من أبواب قواطع الصلاة. (2 و 3 و 4 و 5) الوسائل: ج 5، ص 443، الحديث 1 و 3 من الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة. (6) الوسائل: ج 5، ص 444، الحديث 6، من الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة.

[ 106 ]

دلالة الاولى على الجلوس مكانه ودلالة الثانية على القيام والمشي ثم الجلوس، فالثانية أوفق بالقاعدة فان التبعية للامام في الجلوس لا تزاحم مانعية البعد عن الامام لان المتابعة العملية ليست واجبة بوجوب شرطي حتى يقال: لا ترجيح لشرط على شرط، بل بوجب نفسي فالمتابعة فرع صحة الجماعة بقاء، فلا تعقل المزاحمة مع المانع بل تجب المتابعة في الجلوس بعد رفع المانع بالقيام والمشي إلى الامام، إلا أن الصحيحة نص في جواز الجلوس وترك المشي بالقيام إلى الامام، والرواية ظاهرة في وجوب القيام والمشي فيقدم النص على الظاهر وتحمل الرواية على استحباب القيام والمشى، فلا ينافي جواز الجلوس، كما يمكن الحمل على التخيير برفع اليد عن ظهور كل منهما في تعيين متعلقه. ومنها: هل يجب الاقتصار على المشي في الركوع والقيام على غير حال الذكر والقراءة رعاية للطمأنينة الواجبة فيهما، أو يجوز له المشي ولو في تلك الحال، وحيث إن الطمأنينة شرط في اصل الصلاة والبعد بما لا يتخطى مانع عن الجماعة، فعدمه شرط فيها، فمقتضى القاعدة رعاية الطمأنينة، إذ لا معنى لمزاحمة شرط الجماعة لشرط اصل الصلاة، مع أنه لا جماعة إلا في الصلاة المستجمعة لجميع الشرائط والاجزاء فليس اعتبار هما في عرض واحد ليعقل المزاحمة إلا أن مقتضى اطلاق دليل جواز المشي في الركوع والقيام عدم شرطية الطمأنينة في مثل هذه الحال، ولا يرد عليه ما اوردناه سابقا، من عدم إطلاق دليل عدم مانعية البعد مع خوف فوات الركعة لصورة وجود مانع اخر، وذلك لان الغالب كون الركوع بمقدار الذكر فالترخيص في المشي حال الركوع ترخيص في ملازمه الغالبي. نعم ركوع الركعة الاولى من الامام غالبا أزيد من الذكر إلا أن كونه كذلك حتى في الصدر الاول غير معلوم، ولعله لما ذكرنا يقال: بأن هذه الاخبار في الدلالة على عدم لزوم الطمأنينة أظهر مما دل على اعتبارها، وان كان بينهما عموم من وجه، فتدبر جيدا. ومنه يعلم الفرق بين مثل الطمأنينة ومثل الاستدبار فان الاطلاق لا يعم الثاني لعدم الملازمة الغلبية فيه، بل ورد في باب الانفراد عن الصف انه لا ينحرف عن القبلة بل يمشي منحرفا إلى أحد

[ 107 ]

جانبيه، فراجع وتدبر. ومنها: ان البعد الذي لامانعية له هنا مطلق البعد، ولو كان كثيرا جدا أم لا؟ ظاهر الاخبار بلحاظ مواردها هو البعد الذي يرتفع بمجرد المشي في الركوع المنزل على المتعارف، أو القيام للقراءة المنزل على المتعارف فلا يعم البعد الكثير، وإن كان الكثير والقليل في المانعية على حد سواء، وتخيل شموله للكثير وتوزيعه على الركوع والقيام الاول والثاني، واستفادته من صحيحة عبد الرحمن (1) قد تقدم منعه، وأنه لاتتمضمن الصحيحة إلا للمشي في قيام واحد. وأما دعوى منافاته لصدق القدوة فمدفوعة: بأن المراد ان كان منافاته للقدوة شرعا، فهو أول الكلام من حيث كون البعد الكثير مانعا كما في غير هذه الحال أولا. وإن كان منافاته للقدوة عرفا، فلا اعتبار بها شرعا مع أن الاقتداء لا يتقوم إلا بقصد ربط صلاته بصلاة الامام ولا يتقوم هذا المعنى بالقرب والبعد، مع أن البعد عمن اقتدى به ولو كان كثيرا غير ضائر واتصاله بالمتصل بالامام شرط شرعا لا مقوم للقدوة عرفا. والاجتماع المكاني غير مقوم للاقتداء لاعقلا، ولا شرعا، ولا عرفا، وقد عرفت أن الاتصال شرط شرعا لان المأموم لا يقتدي إلا بالامام لا بالمتصل بالامام. وبالجملة: فلا مانع من البعد الكثير نعم لا مقتضى لجوازه لقصور الاطلاقات المسوغة للبعد، وان كان ظاهر الشيخ الاجل (قدس سره) في بعض تحريراته في الجماعة (2) جوازه حيث قال: " وأحوط منه أن لا يدخل مع البعد الخارج عن العادة ايضا كما حكي عن الفاضل المقداد وبعض اخر فان ترك المستحبات احتياطا على الفرائض أمر مرغوب عقلا ونقلا وان كان ذلك الاحتياط أيضا مستحبا " انتهى. ومنها: ان المسوغ لعقد الجماعة هو الظن بالفوت، كما هو ظاهر صحيحة


(1) الوسائل: ج 5، ص 443، الحديث 3، من الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة. (2) كتاب الصلاة: ج 1، ص 376 (الطبعة الحجرية).

[ 108 ]

عبد الرحمن (1)، أو الخوف كما هو مقتضى صحيحة محمد بن مسلم (2) وإرجاع الظن إلى الخوف للملازمة العادية بين الظن والخوف، فالعبرة بالخوف أو إرجاع الخوف إلى الظن للملازمة الغالبية بين الخوف والظن، أو تقييد الخوف بالظن والمعاملة مع الخبرين معاملة المطلق والمقيد، وجوه إلا ان كل ذلك إذا كان المسوغ منحصرا في واحد يتردد أمره بينهما حتى يتوجه الوجوه المذكورة مع انه ليس كذلك، إذ لا شبهة في أنه مع القطع بعدم اللحوق وفوت الركعة، له الدخول في الصلاة وهو بمكانه، فلا موجب لتوهم وحدة الملاك المسوغ حتى ينزل أحد الامرين على الاخر، أو نلتزم بالتقييد، بل له الدخول سواء علم بالفوات، أو ظن، أو احتمل احتمالا عقلائيا ينبعث منه خوف الفوت، والله العالم. ومنها: انه هل الواجب هو المشي الظاهر في التخطي بالخطوات أو جر رجليه على الارض، ولا يخفى أن لزوم الجر لا تقتضيه القاعدة، نظرا إلى أن المشي فعل كثير لا مسوغ له إلا رفع المانع وهو يتأتى بالجر فلا يتعين المشي، وذلك لان المشي بعنوانه إذا لم يكن ممنوعا عنه بل هو إذا كان ممنوعا فباعتبار كونه فعلا كثيرا باستمرار الخطوات واستمرار جر الرجلين كذلك ومع التوزيع كما ان الجر ليس فعلا كثيرا، كذلك التخطي الذي يوزع على الركوع والقيام فالعمدة ورود المرسلة التي أرسلها الصدوق في الفقيه (3) حيث قال (رحمه الله): وروي " أنه يمشي في الصلاة يجر رجليه ولا يتخطى " فانها ان كانت حجة كانت مقدمة على الروايات المتكفلة للمشي، لا لانها بالاضافة إلى تلك الروايات كالمقيد بالاضافة إلى المطلق لان التخطي والجر متبائنان، وظاهر المشي هو التخطي فلا موقع للحمل المزبور، بل ظاهر المرسلة حيث ذكر فيها الامر بالمشي المتعقب بذكر الجر كونها بمنزلة الشارح لتلك الروايات الظاهرة في التخطي، فلا تعارض، ولا إطلاق وتقييد في البين، ولولا هذه الحيثية لكان مقتضى تقديم النص على الظاهر جواز التخطي،


(1 و 2) الوسائل: ج 5، ص 443، الحديث 3 و 1، من الباب 46 من أبواب صلاة الجماعة. (3) الفقيه: ج 1، ص 254، الحديث 58، من الباب 56 الجماعة وفضلها (طبعة الآخوندي).

[ 109 ]

وحمل الامر (1) بالجر على الاستحباب والنهي عن التخطي على الكراهة. وهذا هو الوجه في ذهاب (2) إلى استحباب الجر، فالعمدة الخدشه في حجية المرسلة وإلا فمع فرض الحجية لا ينبغي الاشكال في تقديم المرسلة للحكومة، ومقتضاها وجوب الجر لا استحبابه. ومنها: ان ظاهر الروايات اعتبار الدخول في المسجد فيتوهم الاختصاص بالدخول في المسجد ونحوه، كما انه يتوهم خصوصية المسجد فيجب الاقتصار عليه، والظاهر انه لم يذكر المسجد إلا لان الجماعة في تلك الازمان لم تنعقد إلا في المسجد، والدخول لا اختصاص له بالحضور في بناء من مسجد، أو دار، كما في قوله تعالى (3) " وادخلوا الارض المقدسة " مضافا إلى أن الظاهر ان المسوغ لعقد الجماعة خوف فوات الركعة لا خوف فوات فضيلة المسجد في الركعة، فالمسجدية وعنوان الدخول على فرض اختصاصه بالكون في بناء، أجنبي عن هذا الملاك، والله أعمل. الشرط الرابع ان لا يكون بين الامام والمأموم حائل بحيث يمنع عن المشاهدة، وقبل الخوض فيه ينبغي تقديم مقدمة تتضمن حكم الشك في شرطية شئ للجماعة حتى يرجع إليه مع عدم إحراز الاطلاق، فنقول: لا ريب في أن المرجع في باب الجماعة مع عدم الاطلاق في أدلة الاحكام، المخالفة للعمومات إلى عموم (4) " لاصلاة إلا بفاتحة التكاب " أو إلى عموم (5) " من زاد في صلاته " أو الشاك حكمه كذا ولا يرجع إلى البراءة شرعا عن قراءة الفاتحة مثلا عند الشك الدليل على وجوبها،


(1) من لا يحضره الفقيه: ج 1، ص 254، الحديث، (طبعة الآخوندي). (2) هكذا في النسخة الاصلية ولعل الصحيح " في ذهاب [ جمع ] أو [ بعضهم ] إلى.. ". (3) المائدة: 5. (4) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 274، الحديث 5، من الباب 1 من أبواب القراءة في الصلاة (الطبعة الحجرية). (5) الوسائل: ج 5، ص 332، الحديث 2، من الباب 19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

[ 110 ]

هذا هو الحكم الكلي في العام المخصص بالمجمل المردد بين الاكثر والاقل، وهل في باب الجماعة خصوصية من حيث التمسك باطلاق دليل المخصص، أو من حيث رفع شرطية شئ بالبراءة أم لا؟ أما من حيث الاطلاق فمبني على ان الجماعة المترتبة عليها أحكام تكليفية ووضعية، هل هي الربط القصدي من المصلي لصلاته بصلاة الامام بشرائط خاصة به شرعا، أو ربط اعتباري من الشارع على طبق الربط القصدي عند اجتماع ما يراه الشارع شرطا فان مجموع هذه الامور محقق لذلك الربط الاعتباري المعبر عنه بالجماعة الواقعية الشرعية، فلا يعقل التمسك بإطلاق دليل الحكم على تلك الجماعة، إذ دليل الحكم لا يتكفل تعيين موضوعه إطلاقا وتقييدا بل لابد في كل مطلق إحراز ذات المطلق، ودفع ما يرد عليه من القيود بإطلاق دليله، وذات المطلق هنا نفس الاعتبار الذي لا يحرز إلا بعد إحراز مجموع ما يتحقق عنده الاعتبار الخاص، وليست القيود واردة على الجماعة، بل مقومة لمحققها، بخلاف ما إذا كانت الجماعة مجرد ربط المصلي صلاته بصلاة الامام مع الشرائط فان ذات الربط محرز والشرائط قيود واردة عليه لا محققة له، فيمكن التمسك بإطلاق دليل المخصص ونفي ما يشك في قيديته ولا موجب للالتزام بأمر اعتباري من الشارع، ولا يقاس باعتبار الشارع في باب المعاملات على طبق الاعتبار من العرف فانه حيث كان عنوانه إمضاء المعاملة، لم يكن معنى له إلا اعتبار الملكية بالعقد على طبق اعتبار العرف لها، ولا حاجة هنا إلا إلى جعل أحكام تكليفية ووضعية فيما إذا اقتدى المأموم بإمام بضميمة قيود اعتبرها الشارع لثأثير ذلك الاجتماع في الغرض المترقب منه، لا في تحقق الاعتبار مقدمة لجعل تلك الاحكام نعم ظاهر قوله عليه السلام في صحيحة زرارة الاتية حيث قال (1) (عليه السلام): " إن صلى قوم وبينهم وبين الامام ما لا يتخطى فليس ذلك الامام لهم بإمام " وبعده أيضا " فليس تلك لهم بصلاة " فان الظاهر نفي الحقيقة ونفي الامامة يسلتزم نفي المأمومية للتضايف، ويستلزم نفي الجماعة وكذلك نفي الصلاتية الراجع


(1) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 2، من الباب 62 من أبواب صلاة الجماعة.

[ 111 ]

إلى نفي الجماعة في الصلاة، مع ان الاقتداء، والربط القصدي من المصلي موجود حقيقة، إلا أن هذا التركيب لشيوع وروده في نفي الصحة، وفي نفي الاثار المترقبة من الشئ لا يبقى له ظهور في نفي الحقيقة حتى يستكشف منه ثبوت حقيقة لها شرعا، وأما جواز العدول اختيارا وعدم جوازه، فليس وضعيا كالفسخ في العقد، حتى يستكشف من إنحلال الربط (1) عدم انحلاله شرعا، اعتبار الارتباط شرعا بل تكليفي محض، فإذا نوى الانفراد ينفرد قهرا سواء جاز له ذلك شرعا أولا. واستيناف القراءة ولو كان الانفراد بعد اتمام القراءة من الامام، ليس لبطلان الارتباط من الاول شرعا لفرض بقاء الارتباط القصدي إلى حال الانفراد، ويستحيل انقلاب ما وقع عما هو عليه، بل القول به لاناطه سقوط القراءة عنه ببقائه على قصد الائتمام إلى ان يفوت محل القراءة هذا تمام الكلام من حيث إمكان التمسك بإطلاق دليل المخصص. وأما من حيث نفي قيدية ما شك في شرطيته بحديث الرفع وشبهه في قبال عموم (2) " لاصلاة إلا بالفاتحة " وسائر العمومات فعن شيخنا العلامة الانصاري (قدس سره) في بعض تحريراته (3) في الجماعة " التفصيل بين ترتب السقوط على وقوع الجماعة مصداقا للمستحب شرعا وكون الاحكام الوضعية المخالفة للعمومات في طول الحكم التكليفي بالاستحباب فيجدي البراءة وكونهما في عرض واحد واردين على ذات الجماعة فلا مجال للبراءة وبيانه بتوضيح امور: منها: ان معنى ترتب الاحكام الوضعية للجماعة على استحبابها، ترتبها على وقوع الصلاة مصداقا للمستحب لا على نفس استحبابها كيف والاستحباب محفوظ مع عدم ترتب تلك الآثار إذا صلى فرادى فلا يتوهم انه لا شك في ثبوت الاستحباب


(1) هكذا في النسخة الاصلية، والصحيح " وعدم ". (2) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 274، الحديث 5، من الباب 1 من ابواب القراءة في الصلاة. (3) كتاب الصلاة: ج 1، ص 347، (الطبعة الحجرية).

[ 112 ]

فلا شك في ترتب الاثار فما معنى إجراء البراءة بل وقوع الصلاة مصداقا للمستحب مع عدم الشرط المشكوك حاله مشكوك. ومنها: ان الاقتداء المتقوم بربط صلاته بصلاة الامام، والمستحب شرعا وما يسمى بالشرط قيد للمستحب، لا أن التقيد به مستحب وإلا لم يكن القيود شرائط بل مقومات لذات الواجب ففرض الشرطية فرض ورود القيد على المستحب، لكنه حيث كان ترتب الغرض على المستحب منوطا بامور خاصة فلذا يتقيد بها المستحب فما لم يقترن ذات المستحب بتلك القيود لا يترتب عليه الغرض، فلا يقع الاقتداء مصداقا فعليا للمستحب لبقاء الامر الاستحبابي على حاله لعدم حصول الغرض المترقب منه المنبعث عنه الامر الاستحبابي. ومنها: ان المستحب الذي يترتب عليه تلك الآثار من سقوط القراءة وغيره، أعم من المستحب واقعا وظاهرا كما اعترف به الشيخ الاجل (قدس سره) في طي كلامه هنا وهو واضح ايضا. ومنها: ان استحباب الجماعة بما هو لا ينافي وجوب القراءة فلا تعارض بين دليل الاستحباب وعموم (1) " لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب " حتى إذا شككنا في وقوع الاقتداء مصداقا للمستحب وجب الرجوع إلى عموم " لاصلاة " الخ. إذا عرفت هذه الامور تعرف أنه متى شك في قيدية شئ لوقوع الاقتداء مصداقا للمستحب وامتثالا للامر الاستحبابي لا يجب فيه الرجوع إلى عموم " لاصلاة " إذ ليس هو بالاضافة إلى العموم المزبور من موارد المخصص المردد بين الاقل والاكثر، والفروض ان الاستحباب ثابت لذات الاقتداء لاأن المقيد مستحب حتى يتوهم ان البراءة عن المقيد المشكوك بحديث الرفع لا يثبت استحباب المجرد عنه، وحيث إن المفروض ترتب سقوط القراءة على وقوع الاقتداء مصداقا للمستحب، ولو بنفي قيده ظاهرا فيتحقق به موضوع تلك الاحكام قهرا، ومع تحقق موضوع المخصص لا مجال للرجوع إلى العموم، وهذا بخلاف ما إذا كان


(1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 274، الحديث 5، من الباب 1 من ابواب القراءة في الصلاة.

[ 113 ]

الحكمان في عرض واحد واردين على ذات الاقتداء فان رفع القيدية عن وقوعه مصداقا للمستحب لا يجدي، حيث إنه على الفرض ليس موضوعا لسقوط القراءة، ورفع القيدية عن سقوط القراءة مع وجود الدليل العام على ثبوتها لا معنى له هذا ما لزم بيانه في توضيح كلامه زيد في علو مقامه لكنك قد عرفت سابقا من الاجماع على الملازمة بين وقوع الجماعة مستحبة وترتب الاحكام. فنفس دليل الملازمة يكفي في قبال عموم " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " وغيره من العمومات بعد نفي القيدية عن وقوعه مصداقا للمستحب بدليل البراءة ومنه يتضح انه لنا نفي القيد المشكوك بدليل البراءة على أي حال غاية الامر انه تارة بلا ضميمة الملازمة، وأخرى معها، وحيث عرفت إمكان التمسك بإطلاق أدلة الشرائط وإمكان إجراء البراءة إن لم يكن إطلاق، فنقول: تنقيح هذا الشرط برسم أمور: الاول: انه هل اللازم عدم الحائل بين المأموم والامام، أو المأموم من جانب الامام، ولا يجدى عدم الحائل بين المأموم وبين من يتصل بواسطته بالامام، أو يكفى عدم الحائل من أحد الجانبين من الاتصال بالامام، ومدرك اعتبار عدم الحائل صحيحة زرارة (1) وهي " قال (عليه السلام): ان صلى قوم وبينهم وبين الامام مالايتخطى فليس ذلك الامام لهم بإمام وأي صف كان أهله يصلون بصلاة الامام وبينهم وبين الصف الذي يتقدمهم قدر مالا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة فان كان بيهم سترة، أو جدار فليس ذلك لهم بصلاة إلا من كان حيال الباب (قال) وهذه المقاصير لم تكن في زمن احد من الناس وإنما أحدثها الجبارون وليس لم صلى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة " الخبر. والخلاف والاشكال نشاء من استثناء " من كان بحيال الباب " وقصر الصحة عليه فيدل على عدم كفاية مشاهدة الواسطة في الاتصال من احد الجانبين، ولا يخفى ان محتملات المستثنى


(1) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 2، من الباب 62 من ابواب صلاة الجماعة، اورد ذيله في: ج 5، ص 460، الحديث 1، من الباب 59 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 114 ]

منه إما الصف بما هو صف، أو أهله بنحو المجموع وأما أشخاص أهل اصف، فان كان المراد هو الاولان أي الصف بما هو، أو اهله بنحو المجموع، فمقتضى التحفظ على اتصال الاستتثناء كون المستثنى ايضا كذلك، وعليه فالخارج من عموم الصف الذي كان بينه وبين الصف المتقدم جدار مثلا هو الصف الذي بحيال الباب، إلا أنه يبعده ظهور الموصول في الشخص لا في المجموع فضلا عن الصف بما هو صف فانه لا يعبر ب‍ " من " عما لا يعقل. وإن كان الاخير وهو كون المستثنى منه، أشخاص أهل الصف كما هو الظاهر فالمستثنى أيضا هو شخص الواقف بحيال الباب إلا أنه يبعده انقطاع الاستثناء إذ ليس على الفرض بينه وبين من يتقدمه حائل فهو خارج موضوعا، فلكل من الوجهين موافقة للظهور من وجه، ومخالفة له من وجه آخر. وتقوية الوجه الاول باستفادة اعتبار مانعية الحائل بالاضافة إلى الهيئة الاجتماعية من كل صف بالنسبة إلى الصف المتقدم، فإذا كان بعض المأمومين بلا مانع فالمجموع بما هو مجموع بلا مانع. مخدوشة أولا: بان الظاهر من هذا الشرط كسائر شرائط الصلاة والجماعة، كونه شرطا بالنسبة إلى كل واحد من المصلين. وثانيا: بانه لا يجدي في حفظ ظهور الموصول في الشخص، وهو العمدة في المقام، بل يمكن أن يقال: مع جعل المستثنى منه الصفوف والتحفظ على ظهور الموصول بقصر الصحة على خصوص " الواقف بحيال الباب " بتقريب أن مانعية الحائل وان كانت ليست بالنسبة إلى آحاد المأمومين إلا أنه حيث كان عنوان الدليل هو الصف وأهله كان آحاد أهل الصف مقوما له وداخلا في السمتثنى منه بالتبع، فإخراج من يتقوم به الصف وأهله ليس موجبا لا نقطاع الاستثناء لدخول المستثنى في المستثنى منه بالتبع من حيث تقوم الداخل به. نعم هنا مقريات هي بمنزلة القرينة على ان المراد مانعية الحائل بين المأموم ومن ينوط به صحة جماعته إماما كان، أو مأموما يتصل به بالامام وهي امور منها: ان مسألة مانعية الحائل كمانعية البعد عن الامام، فان الصحيحة متكفلة

[ 115 ]

لهما على سياق واحد، ومن المعلوم ان القرب بما لا يتخطى إلى الامام غير متصور إلا لواحد، أو اثنين، أو ثلاثة ممن خلفه، وأما سائر أهل الصف الاول فبعدهم عنه بما لا يتخطى في غاية الوضوح، وصحة صلاتهم مع اتصالهم بالمتصل بالامام بلا كلام ولا مدرك للصحة والفساد من هذه الحيثية إلا هذه الصحيحة فلا يراد من قوله (1) (عليه السلام): " بينهم وبين الامام " ومن قوله (عليه السلام): " بينهم وبين الصف الذي يتقدمهم إلا الامام ومن يتصل به والصف الذي يتصل به " فمناط القرب والبعد هو من به يصح الاقتداء إماما كان، أو مأموما متقدما كان أو على أحد جانبيه، ولا يمكن أن يراد مقدار مالا يتخطى عرضا بالاضافة إلى الامام، أو الصف المتقدم فان النسبة من حيث العرض محفوظة في جميع آحاد الصف، وإنما لا يمكن إرادته لان هذا التقدير محفوظ مع تركب الصف من قطعات منفصلة كل قطعة عن الاخرى بما لا يتخطى، ولا يمكن القول بصحته. ولعل من يقول بان القرب والبعد يلاحظان بالنسبه إلى المجموع، وان الصف المتقدم إذا كان عشرة، والصف المتأخر مائة كان الثاني متصلا بالاول بما لا يتخطى يؤل أمره إلى ما ذكرنا، ولا أظنه يلتزم به. ومنها: ان المدار إذا كان على مشاهدة خصوص المتقدم إماما كان أو صفا من دون اعتبار بمشاهدة من يتصل بسببه بالامام ولو من أحد جانبيه يلزم صحة صلاة من يشاهد الامام، أو الصف المتقدم عليه بكثير، وكان بينه وبين من يتصل به حائل، فان من يتصل به لا يعتبر عدم الحيلولة بينهما، ومن يشاهده غير متصل به، ولا يقول بصحته أحد مع وجدان القرب ممن يتصل به ووجدان المشاهدة لمن يتقدمه، فلا وجه لبطلان صلاته، إلا أن المعتبر مشاهدة من يتصل به إماما كان أو مأموما في أمامه أو في أحد جانبيه فمشاهدة من لا يتصل غير مقيدة، والا تصال بمن لا يشاهده غير مجد، ولا يمكن دعوى لزوم مشاهدة من يتصل به من جانب القدام، فان لازمه بطلان صلاة من يتصل به من أحد الجانبين مع عدم الحيلولة بينه وبين


(1) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 2، من الباب 62 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 116 ]

المتصل به، ولا بينه وبين قدامه ممن لا يتصل به، فيعلم منه ان العبرة بمشاهدة من يتصل به من أي طرف كان، ولا مدرك للصحة والبطلان في هذه الفروض إلا هذه الصحيحة. ومنها: ما افاده الشيخ الاجل (1) (قدس سره) في باب الجماعة من استفادة الصحة من قصر البطلان في ذيل الصحيحة على الصلاة خلف المقصورة بتقريب: ان المأموم حيث إنه مواجه للقبلة فهو مواجه للمقصورة والمقصورة قدامه، فلا يراد من الصلاة خلف المقصورة إلا الصلاة خلف حائط الجانبين من المقصورة، فان المصلي في جناحي المقصورة لا يشاهد الامام ولا أحد المأمومين المشاهدين له، وهو مبني على أن يكون للمقصورة باب في داخل المسجد، وإلا فلو انحصر في الباب الخارج كانت الصلاة بحيالها صلاة خلفها حقيقة. مع إمكان دعوى: ان وجه المقصورة إلى داخلها والخارج خلفها فالمصلي دائما خلف المقصورة، إلا إذا كان واقفا في داخل بابها فانه حينئذ مواجه لوجه المقصورة، وأما كون المقصورة قدامه فهو غير مناف لكون المصلي خلف حائطها فانه مواجه لخلفها لا لوجهها، كما ان الامام قدام المأموم ومع ذلك فهو خلف الامام، هذا. وبالجملة: فيما ذكرناه أولا: كفاية في كون المراد من الصف المتقدم هو من ينوط جماعته بالاتصال به لا بما هو متقدم، وإنما اقتصر على المتقدم لانه المتعارف الغالب، والمتأخر لا يجب ان يكون في أحد جانبيه أحد، وإلا فلا خصوصية للمتقدم بما هو متقدم، وحينئذ لابد من الالتزام با نقطاع الاستثناء ويكون قصر الصحة على الواقف بحيال الباب بالاضافة إلى الواقف في جناحيه لا بالنسبة إلى جانبي الواقف ولا مانع من صرف الظهور بالقرينة. الثاني: هل المراد بالحائل المعبر عنه في الصحيحة (2) " بالسترة والجدار " مطلق الساتر، أو الساتر المطلق، بيانه: ان السترة إذا اريد منها المعنى الوصفي اعني الساتر،


(1) كتاب الصلاة: ج 1، ص 326، (الطبعة الحجرية). (2) الوسائل: ج 5، ص 460، الحديث 1، من الباب 59 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 117 ]

فالظاهر منه ما هو الساتر بقول مطلق فما لا يكون ساترا في بعض أحوال الصلاة كالحائل القصير، أو المشبك الذي لا يمنع عن المشاهدة، أو الحائل من الزجاج الذي لا يمنع عن الرؤية خارجة عن مدلول الرواية، ولا يعقل إطلاق الساتر الوصفي من حيث الستر وعدمه لعدم انحفاظ ذات المطلق معه بخلاف ما إذا اريد من السترة ذات ما يتستر به المعبر عنه بالفارسية " پرده " فانه كالجدار قابل للاطلاق من حيث كونه قصيرا لا يمنع عن المشاهدة أو مشبكا مثلا. وربما يقال: بتعين الثاني نظرا إلى عدم صحة المقابلة بين السترة والجدار كما يقتضيه العطف " بأو " فانه يقتضي المقابلة، مع انه لا مقابلة بين الكلي وفرده مع لزوم التنافي بين مقتضاهما، فان مقتضى إطلاق الساتر الوصفي خروج الامثلة المتقدمة، ومقتضى إطلاق الجدار دخولها بخلاف ما إذا اريد من السترة المعنى الاسمي فانه مقابل للجدار حقيقة وإطلاقهما على نهج واحد فيندرج السترة والجدار تحت جامع يناسب إطلاقهما لاتحت جامع الساتر حتى لا يكون فرق بين إرادة المعنى الوصفي والمعنى الاسمي من السترة. وتوضيح المقام ان وجوه اعتبار مانعية الحائل أربعة. أحدها: اعتبار ما نعية ما لا يتخطى طولا نظرا إلى تفريع الحائل على مانعية مالا يتخطى، فيدخل فيه الطويل والقصير والمشبك والزجاج. ثانيها: اعتبار مانعيته عن المشاهدة لا عن الاستطراق، فمثل الزجاج والمشكبك لا يمنع عن المشاهدة مطلقا. ثالثها: اعتبار مانعيته من حيث الاجتماع عرفا، فان من كان بينه وبين غيره حائل أياما كان غيره مجتمع معه عرفا، والجماعة متقومة بالاجتماع، وانما لا يمنع عن اجتماع المرأة مع الرجل لان بناء اجتماع الاجنبية مع الاجنبي على ان يكون بينهما سترة ولذا يمنع الحائل عن اجتماع المرأة مع المرأة. رابعها: اعتبار مانعية التسرة والجدار وما يشبههما تعبدا فمتى صدق انه بينهما سترة، أو جدار، أو اسطوانة، أو شجر يحول بينهما يحكم بفساد الجماعة من دون نظر إلى حيثية المنع عن المشاهدة.

[ 118 ]

أما الوجه الاول: فمدفوع: بان الظاهر مما (1) " لا يتخطى بين الامام والمأموم " بعده عنه من حيث المسافة كما هو صريح ذيل الرواية في مقام تحديد ما لا يتخطى بقدر مسقط جسد الانسان إذا سجد في مقام تواصل الصفوف وعدم تباعدها وانفصالها. وأما الوجه الثاني: فقد أفاد الوحيد البهبهاني (قدس سره) في حاشيته على المدارك (2) ان حكاية الرؤية والمشاهدة لاأصل لها أصلا، وأنه ليس في الاخبار عين ولا أثر منها، فجعل السترة والجدار مقيدا بعدم المشاهدة بلا موجب وأما الوجه الثالث: فهو وان كان مناسبا لاعتبار القرب وعدم التباعد بما لا يتخطى، لمنافاة البعد للاجتماع مع الامام فكذا الحائل إلا انه من المناسبات التي لاوثوق بدوران الحكم مدارها حتى يحكم بصحة الصلاة مع صدق الاجتماع وعدمها مع عدمه. وحينئذ يتوجه الوجه الرابع: فلابد من الحكم بمانعية كل ما صدق عليه انه سترة، أو جدار بشرط أن لا يكون بحيث ينصرف عنه لفظ السترة، والجدار كما إذا كان مقدار شبر مثلا. ويمكن تقوية قوله المشهور بدوران الصحة والبطلان مدار المشاهدة وعدمها بان السترة وان لم يكن بمعنى الساتر وكان بمعنى ما يتستر به كما هو معناه لغة، إلا أن المبدء لابد من تحققه في صدقها كما في نظائره، فالمفتاح وهو ما يفتح به إذا حدث فيه نقص يسقط عن كونه معدا للفتح بل هو قطعة من الحديد، وكذلك السترة إذا كانت بحيث لا يمنع عن المشاهدة، لكثرة الخرق والثقب أو لكونها مشبكة فهي ليست مما اعد للتستربها بل قطعة من الكرباس مثلا. وحيث ان الجدار ليس مانعا مستقلا، ومقابلته للسترة باعتبار ان السترة مما اعد للتستربها دون الجدار، فانه ليس مما اعد للتستر به وان كان ساترا، فيعتبر حينئذ في الجدار ما يعتبر في السترة وهو كونه


(1) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 1، من الباب 62 من ابواب صلاة الجماعة. (2) مدارك الاحكام: ج 1، تعليقة ص 229 و 230 (الطبعة الحجرية).

[ 119 ]

بحيث يمنع عن المشاهدة، وبهذه الملاحظة لا معنى لدعوى إطلاق السترة والجدار لما لايمنع عن المشاهدة، وان الجامع المناسب لهما ما كان بحيث يمنع عن المشاهدة، ولعله منشأ تعبيرات القوم عن هذا الشرط، بعدم ما يمنع عن المشاهدة مع عدم ورود عنوان المشاهدة في الاخبار نعم الظاهر ان الشباك المتعارف خارج على جميع الاحتمالات الثلاثة الاخيرة حتى بناء على التعبد لعدم صدق السترة والجدار عليه. الثالث: الحائل المفروغ عن مانعيته هل هو مانع إذا كان في جميع أحوال الصلاة، أو إذا كان في حال منها حدوثا أو بقاء كان مانعا أيضا. ربما يقال: بان الصلاة اسم للمجموع لا لكل فعل من أفعالها فإذا كان الحائل مانعا عن المجموع فلا محالة إذا كان بعض أفعالها بلا حائل كان المجموع بلا مانع، ومنه يتبين أنه لو كان عدم الحائل شرطا كان الحكم كذلك لان المفروض صدق عدم الحائل في المجموع. نعم إذا كان مشاهدة الامام شرطا للمجموع كان بمنزلة كونها شرطا للجميع فمع عدم المشاهدة في حال يصدق عدم اقتران المجموع بالمشاهدة. بل عن الشيخ الاجل (قدس سره) في بعض تحريراته في الجماعة (1) استظهاره من الصحيحة قائلا: " لان قوله (عليه السلام) (2): فليس تلك لهم بصلاة إشارة إلى الصلاة التي صليت مع الستر والحائل، وهى ظاهرة في المجموع والحكم ببطلان الصلاة التى صليت تمامها مع الحائل لا يستلزم الحكم ببطلان أبعاضها إذا وقعت كذلك، أو ببطلان الكل إذا وقع البعض كذلك ". أقول: إن كان عدم الحائل من اعتبارات المصلي كما هو ظاهر الصحيحة فالمأموم مادام مأموما لابد أن لا يكون بينه وبين الامام حائل سواء كانت الصلاة عبارة عن مجموع الافعال، أولا، وإن كان من اعتبارات الصلاة بأن لا يكون كل


(1) كتاب الصلاة: ج 1، ص 285، (الطبعة الحجرية). (2) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 2، من الباب 62 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 120 ]

فعل من أفعالها مع الحائل، فحال هذا المانع في باب الجماعة كحال الشروط والموانع في باب أصل الصلاة، مع أنه لا إشكال عندهم في أن لبس " ما لا يؤكل " مثلا مانع عن الصلاة من غير فرق بين أفعالها والسرفيه ان حيثية المجموعية الاعتبارية لاجزء الصلاة ولا شرطها، وإنما تكون آلة لملاحظة الاجزاء بالاسر فمرجعه إلى مشروطية هذه الاجزاء بالاسر بشئ وجوديا كان أو عدميا، أو إلى مانعية وجود شئ عن هذه الاجزاء بالاسر لا بوصف المجموعية. وأما ما استظهره (قدس سره) من الصحيحة فليست الصلاة المشار إلهيا إلا موردا، وإلا فالغرض اعتبار مانعية الحائل عن انعقاد الجماعة، ولذا لا يجوز الدخول فيها مع الحائل مع أنه لم يتحقق الحائل عن المجموع، خصوصا بناء على أن كل فعل من أفعال الصلاة يستحب الجماعة فيه فكل فعل موصوف بالجماعة والمفروض أن الحائل مانع عن الجماعة، لاعن الصلاة حتى يقال إنها اسم للمجموع فتدبر. ومنه يظهر حال زوال الحائل في الاثناء أو تجدد الحائل في الاثناء. وما عن الشيخ الاجل (قدس سره) أيضا ان منصرف اللفظ هو الدخول مع الحائل فأصالة صحة الجماعة سليمة إذا طرء الحائل مدفوع: فانه انصراف بدوى جار في غالب الشروط والموانع، وإنما لا يجوز الدخول معه في الصلاة لكونه مانعا عن الصلاة لا لكونه مانعا عن أول فعل من أفعالها، فلا فرق بين ما إذا كان وزال وما إذا لم يكن فوجد. الرابع: ظاهر دليل هذا الشرط كسائر أدلة الشرائط والموانع انه شرط واقعي لا علمي وحيث إنه من شرائط الجماعة فلا تبطل بفقده إلا الجماعة فاحتمال بطلان أصل الصلاة استنادا إلى ظاهر قوله (عليه السلام) (1): " ليس لمن صلى خلف المقاصير صلاة " كما عن الشيخ الاجل (قدس سره) ضعيف فان الصحيحة في مقام اعتبار عدم الحائل في صلاة الجماعه فقوله (2): " ليس تلك الصلاة بصلاة " كقوله (عليه السلام) (3): " ليس ذلك الامام لهم بإمام " بل هو ظاهر قوله


(1 و 2) الوسائل: ج 5، ص 460، الحديث 1، من الباب 59 من ابواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 2، من الباب 62 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 121 ]

(عليه السلام): في المقاصير وليس لمن صلى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة، فان الظاهر بطلان الصلاة بعنوان الاقتداء لا في نفسها، فلا حاجة إلى تنزيل إطلاق الصحيحة على غلبة ترك القراءة. نعم ان اخل بوظائف المنفرد من ترك القراءة أو زيادة الركوع بعنوان التبعية ونحوهما بطلت الصلاة رأسا على إشكال تقدم منا لشمول حديث (1) " لا تعاد " للترك عن عذر، ولكون الزيادة حقيقة في الصلاة متقومة باتيان الشئ بعنوان أنه من الصلاة، وعنوان التبعية يمنع عن تحقق الزيادة الحقيقية فراجع ما قدمناه. كما أن احتمال تصحيح الجماعة فيما إذا نسي الحائل، أو جهل به بحديث " لا تعاد " لعدم كون هذا الشرط من الخمسة المستثناة ضعيف لظهور الحديث في أن الملحوظ فيه طبيعة الصلاة من حيث أجزائها وشرائطها، لا الاعم منها ومن شرائط الجماعة، أو صلاة اخرى، فتدبر. الخامس: ذكر فقيه عصره في عروته (2) " إذا كان الحائل مما لا يمنع عن المشاهدة حال القيام ولكن يمنع عنها حال الركوع، أو الجلوس، هل يجوز معه الدخول في الصلاة؟ فيه وجهان: والاحوط كونه مانعا من الاول، وكذا العكس لصدق وجود الحائل بينه وبين الامام " اقول إذا بنينا على أن المراد من الحائل ما يكون ساترا بقول مطلق، فالحائل القصير لايمنع سواء زال أولم يزل، وإذا بنينا على أن الحائل القصير كالطويل، ومطلقا الساتر لا الساتر المطلق مانع، فهذا المانع من أول الامر موجود. وقد مر أن استمرار الحائل غير لازم فلا خصوصية موجبة لذكر هذا الفرع وإبداء الوجهين فيه، ولعل الخصوصية انه إذا كانت المشاهدة شرطا في جميع أحوال الصلاة فهي حاصلة هنا إذ حال القيام لا يمنع عن المشاهدة، والمفروض زواله حال الركوع فالشرط موجود في جميع أحوال الصلاة إلا أن الامر ليس كذلك إذ لا دليل على شرطية المشاهدة بل الدليل على اعتبار عدم الحائل ولو في بعض أحوال الصلاة والمفروض أن الحائل هنا كذلك، فمن أول الصلاة يصدق أنه بين


(1) الوسائل: ج 4، ص 770، الحديث 5، من الباب 29 من ابواب القراءة. (2) العروة الوثقى: ج 1، ص 272، فصل 46 (طبعة الآخوندي).

[ 122 ]

المأموم والامام حائل كذائي بحيث يمنع عن المشاهدة في بعض الاحوال. فالصحة والبطلان يدوران مدار المتحيث بهذه الحيثية لامدار نفس حيثية المشاهدة وجودا وعدما. وأما ما أفاده من حكم عكس الفرع المزبور، فلا يتصور فيه الخصوصية المذكورة، فانه وإن أمكن وجود حائل يمنع عن المشاهدة حال القيام فقط دون حال الركوع والجلوس لارتفاعه من الارض، إلا أنه ليس كالفرع المزبور بحيث يصدق عليه المشاهدة في جميع أحوال الصلاة كما لا يخفى، ومع عدم هذه الخصوصية لا موجب لايراده بعد عدم الفرق بين الحائل الطويل والقصير وعدم لزوم استمرار الحائل. الشرط الخامس عدم التباعد بين المأموم والامام أو الواسطة في الاتصال بما يكون كثيرا في العادة كما عن المشهور، أو بما لا يتخطى كما في صحيحة (1) زرارة المتقدمة في الحائل، وتنقيح المقام برسم أمور: أحدها: في المراد مما لا يتخطى وفي حكمه من الوجوب، أو الاستحباب أما الكلام في موضوعه: فالمراد من الخطوة التي توجب الزيادة عليها بطلان الصلاة مثلا، إما الخطوة المتعارفة، أو ما لا يمكن طيها، ولو بما تملاه الفرج، وعلى اي حال إما ان يلاحظ تلك الخطوة بين موقف السابق وموقف اللاحق مثلا، وإما ان يلاحظ بين موقف المتقدم ومسجد المتأخر، ولا ريب في خروج الخطوه المتعارفة بين الموقفين فان محل الاقتداء في المتعارف يتوقف على أزيد من ذلك، فينحصر الامر في ما عداه، وهي ثلاثة: إما الخطوة المتعارفة بين المسجد والموقف، وأما الخطوة الغير المتعارفة بين المسجد والموقف، وإما الخطوة الغير المتعارفة بين الموقفين، وظاهر ذيل الصحيحة (2) ما يوافق الخطوة الغير المتعارفة، حيث فسرها الامام بقدر " مسقط جسد الانسان إذا سجد " وهو المقدار الذي لابد من إشغاله حال كون


(1 و 2) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 2 و 1، من الباب 62 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 123 ]

المصلي ساجدا، فالخطوة وان كانت ظاهرة في المتعارف إلا أنه بعد تفسير الامام (عليه السلام) لاشبهة في أن الاعتبار بغير المتعارفة المنطبقة على مسقط الساجد، ولا يخفى أن هذه الفقرة من الصحيحة كما تعين المراد من الخطوة، كذلك هذا المضمون يعين المبدء والمنتهى فانه ظاهر في محل حاجة المصلي ولا يكون ذلك إلا بين الموقفين. وأما حكمه: فظاهر صدر الصحيحة (1) نفي صحة الصلاة بقوله: " فليس تلك لهم بصلاة ". وكذلك من حيث الاقتران بالحائل الذي لاريب في بطلان الصلاة معه، مضافا إلى تفريع عدم الحائل على الاتصال، فإنه كما أشرنا إليه سابقا، أنه يعتبر مشاهدة من يتصل به إلى الامام، فلو لم يكن الاتصال بهذا المقدر لازما لزم تفريع الواجب على المستحب، فتدبر. وظاهر ذيل الصحيحة (2) حيث قال (عليه السلام): " وينبغي ان تكون الصفوف تامة متواصلة بعضها إلى بعض لا يكون بين الصفين ما لا يتخطى يكون قدر ذلك مسقط جسد الانسان إذا سجد " كما في رواية الفقيه هو استحباب الاتصال بهذا المقدار، لظهور ينبغي في الاستحباب حتى قال الشيخ الاجل (قدس سره): أن قوله: " لا ينبغي " أظهر في الاستحباب من نفي الصلاة في نفي الصحة ويؤكده الاقتران بما لاشك في استحبابه، هو تمامية الصف بعدم الخلل والفرج فيها، خصوصا بعد توصيف الصفوف بالتواصل بعد توصيفها بالتمامية، فالصدر والذيل متكافئان في الظهور من حيث ظهور هما في حد ذاتهما وظهورهما من حيث قرينة السياق. ويزيد الذيل على الصدر بقرائن خارجية: منها: ما في موثقة عمار (3) " قلت: فان بينه وبينهن حائطا أو طريقا فقال: لا بأس " فانه لا يكاد يمكن اتصال مسجد المتأخر مع موقف المتقدم مع الفصل


(1 و 2) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 2 و 1 من الباب 62 من ابواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 5، ص 461، الحديث 1، من الباب 60 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 124 ]

بالطريق الذي بحسب العادة يزيد على الخطوة المعتادة، بل إذا لوحظ ترك الاستفصال عن حال الطريق لزمه تجويز أزيد من مسقط جسد الانسان بكثير منها: ما ورد في صحيحة زرارة (1) المتقدم من الحكم بصحة صلاة الواقف بحيال الباب، فانه بحسب المتعارف لا يتصل مسجد الواقف بحيال الباب بموقف المصلي في المسجد وكون الحكم بالصحة بلحاظ المشاهدة دون القرب لا يجدي بعد التلازم العادي بين الامرين. ومنها: رواية عبد الله بن سنان (2) " عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: أقل ما يكون بينك وبين القبلة مربض عنز، وأكثر ما يكون مربض فرس " فان المراد من القبلة الامام في جهة قبلة المصلي ومربض العنز هو مقدار محل الساجد ومربض الفرس يزيد عليه بأكثر من الخطوة الغير المتعارفة. ومما ذكرنا تبين أنه لولا الذيل لزم ايضا حمل الصدر إما على الاستحباب، أو على ملاحظة الخطوة بين المسجد والموقف لان هذه الروايات كالنص في عدم اعتبار اتصال المسجد بالموقف فينبغي أحد التصرفين في الصدر، وبلحاظ ظهور الذيل يتعين التصرف الاول لظهور الصحيحة في إتحاد الموضوع في الصدر، والذيل. ويؤكد الاستحباب ايضا ان القرب المعتبر لااختصاص له بالمتأخر بالاضافة إلى المتقدم فقط بل يعتبر في مطلق من يتصل بواسطته بالامام فيلزم الالتزام بتساوي مناكب المأمومين في صف واحد إذا كان مناط اتصال المأموم قربه من أحد جانبيه، ولا يقول أحد بلزومه، ولا يكون الفصل بمقدار خطوة متعارفة مانعا قطعا وإلا كان التوالي واجبا شرعا ولا يقول أحد بشرطية تمامية الصف وعدم الفصل بين المأمومين. نعم ربما أمكن دعوى تعدد الموضوع في الصدر والذيل بتقريب: ان الظاهر من قوله (3) (عليه السلام): " ان صلى قوم وبينهم " الخ وقوله (4) (عليه السلام):


(1) الوسائل: ج 5، ص 460، الحديث 1، من الباب 59 من ابواب صلاة الجماعة. (2 و 3 و 4) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 3 و 2، من الباب 62 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 125 ]

" اي صف كان اهله يصلون " الخ هو اعتبار عدم التباعد بما لا يتخطى بين المصلي بما هو مصل، ومن جملة حالاته حال السجود لا بين المصلي بما هو قائم فلا محالة يكون مدار أمر الخطوة على المسافة بين المسجد وموقف المتقدم وظاهر قوله (1) (عليه السلام): " ان تكون الصفوف تامة متواصلة بعضها إلى بعض " اعتبار تمامية الصف بما هو صف وتقاربه من صف آخر، والصف صف باعتبار الخط الطولي بين مواقف أهله يقال اصطف القوم اي قاموا صفا واحدا، وعليه فلا منافاة بين استحباب تفاوت الصفين بما لابد منه للمصلي إذا سجد، ولزوم عدم الزيادة على الخطوة بين مسجده وموقف المتقدم، وحينئذ إذا قلنا: بأن الخطوة المذكورة هي المعتبرة أخيرا كما هو الظاهر نقول: بأن الخطوة الغير المتعارفة بين المسجد والموقف غير ضائرة، وإلا اقتصرنا في خصوص الصدر بالخلوة المتعارفة. ويؤيد هذه الدعوى: ان الحكم لو كان صدرا وذيلا استحبابيا لم يكن وجه لقوله " وينبغي " إلى الآخر بعد بيان الاستحباب بأبلغ وجه بلسان نفي الصلاة في مقام كمالها، فالتكرار والتنزل من الاقوى إلى الاضعف ليس له وجه وجيه. ثانيها: إن قلنا: بتمامية دلالة الصحيحة بالتقريب الاخير على ما نعية البعد بما لا يتخطى فهو المطلوب وإلا فلابد من الالتزام بمقالة المشهور، للاتفاق على أن البعد بمقدار مانع شرعا ولا تعين له شرعا، فالمرجع صدق القدوة والاجتماع عرفا ولا يصدقان مع البعد الكثير، فما لم يكن كثيرا منافيا للقدوة والاجتماع عرفا لا مانعية له شرعا. أقول: أما القدوة فقد مر مرارا أنها غير متقومة عقلا إلا بالعدد، وقصد الائتمام، ومرجعه إلى ربط صلاته بصلاة الامام، ولا يتقوم هذا المعنى بغيرهما عقلا. وأما الاجتماع على الصلاة فهي قابلة للتفاوت بلحاظ مراتب القرب والبعد عمن يجتمع معه على الصلاة إلا انه نجد مع صدق الاجتماع عرفا وشرعا عدم صحة الجماعة ببعض مراتب البعد، كما وقع في من دخل المسجد وخاف فوات الركعة إذا


(1) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 1، من الباب 62 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 126 ]

لحق الامام أو الصف، فانه أمر بالتكبير وترك القراءة والركوع بركوع الامام ثم المشي إليه في الركوع أو القيام. فمنه يعلم ان الجماعة حقيقة عرفا وشرعا تنقعد ومع ذلك يجب عليه رفع المانع بالمشي إلى الامام أو الصف، فكيف يمكن الالتزام بدوران الصحة والبطلان من حيث القرب والبعد مدار صدق الاجتماع عرفا وعدمه، خصوصا مع عدم الاطلاق حتى يصح كلما صدق الاجتماع عرفا فان قوله (1) (عليه السلام): " والاجتماع في الصلوات كلها ليس بمفروض وانما هو سنة " في مقام نفي الوجوب وإثبات الاستحباب، ومع الشك فالامر كما تقدم ومع ذلك فالاحوط ما في الصحيحة (2) من عدم التجاوز عما يتخطى من بين المسجد والموقف، كما ان الاحوط ملاحظة الخطوة المتعارفة، والله أعلم. ثالثها: قد تقدم في الحائل انه لا فرق بين حدوثه وتجدده في الاثناء، ولا بين استمراره إلى آخر الجماعة وعدمه، وهذا الشرط كذلك إذا استندنا إلى الصحيحة فان إطلاقها من حيث البعد كإطلاقها من حيث الحائل نقضا وإبراما. نعم إن استندنا في هذا الشرط إلى الاجماع على مانعية البعد، فربما يتوجه القول باختصاصه بحال الدخول في الصلاة، فلا يعم تجدده في الاثناء، حيث لا إطلاق في الدليل اللبي. ولعله لاجله مال غير واحد من الاكابر إلى الاختصاص. ويرتبط بما نحن فيه أمران: الاول: ان من يتصل المأموم به إلى الامام لابد من إحرامه، وإلا كان حائلا وموجبا للبعد عن الامام أو عمن يصح الاتصال به أو يكفي تهيؤه للاحرام، وربما يتخيل التفصيل بين الحائل والبعد، نظرا إلى إنصراف السترة عن الانسان، خصوصا مع اعتبار عدم السترة بين الصفين في الصحيحة (3) وليس هو إلا الساتر الخارجي دون المأموم، بخلاف البعد بما لا يتخطى عمن يصح الاتصال به فانه


(1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 488، الحديث 1، من الباب 2 من ابواب صلاة الجماعة (الطبعة الحجرية). (2) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 2، من الباب 62 من ابواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 5، ص 460، الحديث 1، من الباب 59 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 127 ]

صادق سواء كان المحل فارغا أو مشغولا بغير المصلي. إلا أن الظاهر من إطلاق السترة عدم الاختصاص بل يعم كل حجر وشجر وحيوان وانسان، ومورد الصحيحة وإن كان السترة والجدار بين الصفين، إلا انا قد بنينا على أن المدار على الحائل المانع مطلقا سواء كان من أحد جانبيه أو من قدامه ممن يتصل بواسطته بالامام وانه من باب المثال لكون الغالب ان الاتصال من طرف القدام. وبإزاء هذا التفصيل عكسه وهو عدم مانعية المأموم من حيث البعد دون الحائل، نظرا إلى أن المنصوص في الصحيحة " تقارب الصفين " وهو يصدق على الصف المتهيئ للصلاة من غير اعتبار دخوله في الصلاة كما عن الوحيد (قدس سره) في حاشية المدراك (2) بل قال (قدس سره): " بل لا يمكن أخذ القيد فيه " اي قيد دخول الصف في الصلاة. ولعله بتوهم ان الدخول في الصلاة متوقف على الاتصال فلو توقف الاتصال في الصلاة على الدخول في الصلاة لزم الدور، وهو كذلك لو كان الاتصال شرطا في الطرفين، والكلام في شرطية اتصال الصف الثاني بالصف الاول بعد دخوله في الصلاة لااتصال الداخل ودخول المتصل. والظاهر انه لافرق بين الحائل والبعد بملا حظة الصحيحة (3)، وأنه كل ما لوحظ فيه الحيلولة بينه وبين المأموم كان هو الملحوظ في مقام القرب والبعد، فان كان الصف بما هو فلا يضر عدم دخولهم في الصلاة من حيث الحيلولة والبعد، إذ كما ان المأموم المصلي لا يكون حائلا لغيره ولا موجبا للبعد، وإلا لغي تشريع الجماعة كذلك المأموم المريد للصلاة المقوم للصف لا يمكن موجبا للحيلولة والبعد، وإن كان المراد صف المصلين بما هم مصلون حقيقة فلا محالة يكون غير المصلي حقيقة حائلا وموجبا للبعد، إلا أن المنساق من الصحيحة إلى الذهن اعتبار مانعية البعد بين المأموم والامام في حال الصلاة منهما، وكذا مانعية البعد بين


(1) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 1، من الباب 62 من ابواب صلاة الجماعة. (2) مدارك الاحكام: ج 1، تعليقة ص 231 (الطبعة الحجرية). (3) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 1 من الباب 62 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 128 ]

المصلي والمصلي من طرف القدام، وكذا الامر في الحائل لا مانعية العبد بين المأموم المصلي وذات الامام، أو ذات من هو في القدام، حديث التهيؤ والاشراف لا يجدي شيئا إذ قرب زوال المانع وبعده غير فارق ولذا لو كان هناك ساتر قريب الزوال لم يكن مجديا في جواز الدخول في الصلاة بل لابد من القول إما بجواز الدخول لمريد الجماعة أو المنع إلا بعد دخوله في الصلاة. نعم من يتشبث بسيرة المسلمين في الاعصار والامصار، وانهم ما كانوا يلاحظون التدرج في الاحرام للصلاة وانه لو كان لشاع وذاع لعموم البلوى وكثرة الحاجة، كما عن الوحيد (قدس سره) له أن يقتصر على صورة التهيؤ والاشراف أخذا بالمتيقن، وأما قوله (عليه السلام): " فإذا كبر الامام فكبروا " فهو في مقام التبعية وعدم التقدم فلهم التكبير بشرائطه لا مطلقا ولو مع الحائل والبعد. الثاني: إذا انتهت صلاة بعض المأمومين ممن هو واسطة الاتصال بالامام فهل تبطل قدوة المنفصل عنه أولا؟ وبعد الانفصال له تجديد الاقتداء بوجه أم لا؟ أما الاول: فقد مر أنه لا يعتبر وجود المانع في الابتداء بل يكفي حدوثه في الاثناء واما الثاني: فقد مر أنه لا يعتبر استمرار المانع فلا يجدي زواله بعد حدوثه. نعم يمكن أن يقال: بأن المانع ان كان في زمان قصير جدا نظير ما إذا كان الحائل يلقيه الريح أحيانا بلا ثبات له لا يعد من الحائل بين الامام والمأموم، فإذا جدد المنفرد صلاته فورا لم يكن انفراده الآني حائلا ولا مبعدا، ومع الشك يكفي استصحباب بقاء الجماعة. وأما الثاني: فيمكن أن يقال إن مقتضى الصحيحة (1) وإن كان ما ذكر لكنه لنا استفادة جواز تجديد الاقتداء من طائفتين من الاخبار. الاولى: ما دل على جواز الاقتداء عند خوف فوات الركعة، فإذا كان إحداث الجماعة لادراك فضيلتها جائزا كان إبقاؤها بالاولوية فله إبقاء القدوة بالمشي إلى


(1) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 1 من الباب 62 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 129 ]

موقع الاتصال. إلا أن هذه الطائفة بجدي للبعد عن الامام، دون الحائل ولذا قلنا في محله: إنه ليس له الاقتداء مع وجود الحائل عند خوف فوات الركعة بالاشتغال بازالته، أو بالمشي إلى ما وارء الحائل، والعمدة في مواقع انفراد المصلين أو لزوم البعد لالزوم الحيلولة بقيامهم للصلاة منفردا. الثانية: ما دل على تجديد النية بالاقتداء بإمام آخر ان عرض للامام مانع. إلا ان قياس المأموم الذي عرض له عارض، بالامام الذي عرض له عارض ولو بقصده الانفراد أو بتمامية صلاته من حيث كونها قصرا بلا جامع، فلعل الحكم من خصوصيات الامام لا مطلق ما كان شرطا للجماعة من وجود الامام أو الاتصال بمن يتصل به حتى يكون له المشي إلى من يتصل، أو تجديد الاقتداء بعد قيام المأموم المنفرد إلى الصلاة جماعة ولو بتهيئه وإشرافه على الصلاة والمسألة لا تخلو عن إشكال إلا ان الصحة بالتجديد قوية جدا. ولا مجال هنا لا ستصحاب الجماعة بعد فرض الانفراد القهري، وفرض التجديد. الشرط السادس أن لا يكون موقف الامام أعلى من موقف المأموم، واستند فيه إلى امور: منها: صحيحة زراة (1) المتضمنة لعدم جواز البعد عن الامام بما لا يتخطى بارادة البعد طولا أو الاعم من الطول والعرض. وفيه: ما تقدم من أنها ظاهرة في بعد المسافة عرضا، خصوصا بملاحظة ذيلها فراجع، مع أن لازمه عدم غلو المأموم على الامام أيضا بهذا المقدار طولا، إذ كما أنه يصدق البعد إذا كان الامام عاليا، كذلك إذا كان المأموم عاليا، بل هو في طرف المأموم أوضح كما في البعد العرضي، فان بعد المأموم عن الامام مانع من صحة صلاة المأموم جماعة، لامن صحة صلاة الامام ولازمه ان يكون في طرف الطول كذلك بمعنى لحاظ عدم بعد المأموم طولا عن الامام، فتدبر.


(1) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 2، من الباب 62 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 130 ]

ومنها: موثقة عمار (1) الواردة في ائتمام النساء في دارهن حيث قال (عليه السلام): " نعم إن كان الامام أسفل منهن " إلا أنه لازمها عدم جواز التساوي ولزوم كونه اسفل، مع أن الشرط عدم العلو المجامع مع السفل ومع التساوي فلابد من التصرف في الظهور بجمله على عدم العلو. ومنها: صحيحة صفوان (2) المتضمنة للزوم التساوي في الموقف حيث قال (عليه السلام): " يكون مكانهم مستويا " مع أن التساوي غير لازم نصا وفتوى ومنها: موثقة عمار أيضا (3) المروية في الكافي والفقيه والتهذيب " عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يصلي بقوم وهم في موضع أسفل من موضعه الذي يصلي فيه فقال: ان كان الامام على شبه الدكان أو على موضع أرفع من موضعهم لم تجز صلاتهم، وان كان أربع منهم بقدر اصبع أو أكثر أو أقل إذا كان الارتفاع ببطن مسيل وان كان أرضا مبسوطة وكان في موضع منها ارتفاع فقام الامام في الموضع المرتفع وقام من خلفه أسفل منه والارض مبسوطة إلا أنهم في موضع منحدر فلا باس به " وصدر الموثقة تدل على مانعية علو موقف الامام وذيله على عدم مانعيته في العلو الانحداري، إلا أنه بينهما فقرة أو جبت الاشكال في الرواية وهي قوله (عليه السلام): " وإن كان أرفع منهم (إلى قوله عليه السلام) وإن كان أرضا مبسوطة " فانها ان كانت متمة (4) للشرطية الاولى بجعل أداة الشرط وصلية فلازمه ان الارتفاع بأقل من إصبع مانع ولا يقول به أحد، وان كانت مقدمة للشرطية الاخيرة فلازمه قصر الجواز في العلو الانحدارى على ما ذكره في مقدمة الشرطية وهو إصبع أو أكثر وإنما يقال إصبع أو أكثر إذا لم تصل الكثرة إلى إصبعين كما هو المتعارف إذا نسب الاكثرية إلى حد مخصوص، فإذا قيل شبر أو أكثر لايراد منه عشرة أشبار وإلا لناسب أن يحدد بعشرة أشبار، بل المراد ما يزيد على الشبر ولا يصل إلى حد آخر، ومنه تعرف أن صدر الرواية وذيلها في نفسهما بلا


(1 و 2 و 3) الوسائل: ج 5، ص 463، الحديث 2 و 3 و 1، من الباب 63 من ابواب صلاة الجماعة. (4) هكذا في النسخة الاصلية والظاهر " متممة للشرطية ".

[ 131 ]

إشكال، إلا أن هذه الفقرة ضائرة باحدى الشرطيتين، إما الاولى وإما الاخيرة خصوصا مع ملاحظة ما ذكر من اختلاف النسخ في قوله: " بطن مسيل " ففي بعضها " قطع مسيل " أو " قطع سبيل " أو " مقدار يسير " أو " قدر شبر ". والذي يتوجه في نظري بناء على ما نقلناه هنا وهي النسخة المعروفة أن الشرطية المتوسطة التي لا جزاء لها وصلية، والمراد ان الارتفاع على قسمين إما إرتفاع دفعي أو تدريجي، والارتفاع الدفعي، إما ارتفاع صناعي كالدكان وسار الابنية المرتفعة، وإما ارتفاع طبيعي كالارتفاع الحاصل في بطن المسيل فإن تواتر السيول يحدث ارتفاعا وانخفاضا في الارض فحكم (عليه السلام) بمانعية الارتفاع الدفعي بكلا قسميه وما ذكره (عليه السلام) في الشرطية الاخيرة من العلو التدريجي الذي يعرف بالحساب وأخذ النسبة فحكم فيها بعدم مانعية الارتفاع، وإنما خص العلو الانحداري بالجواز في خصوص الارض المبسوطة المكررة في هذه الشرطية، لان الارض الغير المبسوطة كما في الجبل فالغالب فيه ان علوها تسنيمي لاتسريحي، وحال الارتفاع التسنيمي حال الارتفاع الدفعي لانهما في نظر العرف يعدان من العلو، بخلاف الانحداري التسريحي فانه بحسب النظر لا يعد علوا وإنما يعد علوا بالحساب والتدقيق بأخذ النسبة، وعلى هذا لا إشكال في الموثقة ولا تهافت. نعم ينبغي طرح الاقل من الاصبح لعدم العمل به، وهو غير عزيز في الروايات، وطرح جزء منها لا يمنع من العمل بالآخر، وعليه فالتعدي عن طول الاصبع في جواز علو الامام على المأموم مشكل وإن حكي عن العلامة في التذكرة (1) جواز علوه بشبر إلا أنا لم يجد له مستندا إلا ما في بعض نسخ الموثقة " إذا كان الارتفاع بقدر شبر " ومن الواضح عدم إمكان الاعتماد عليه مع هذا الاضطراب الشديد في متن الرواية خصوصا التقدير بشبر بعد قوله (عليه السلام): " بقدر إصبع أو أكثر أو أقل " فإن الحكم بالبطلان مع الارتفاع بإصبع والتقدير بالارتفاع بشبر لا يجتمعان. نعم من لا يعتمد على هذه الموثقة ويتمسك في اعتبار عدم العلو إما بسائر الاخبار، أو بالاجماع


(1) التذكرة: ج 1، ص 174، الشرط الخامس (الطبعة الحجرية).

[ 132 ]

على أصله فلا محالة من رجوعه إلى العلو في نظر العرف، وربما يتوجه حينئذ عدم مانعية العلو بشبر وما دونه لعدم كونه علوا في نظر هم. وعلى أي حال لا يترك الاحتياط في مثله والله أعلم. بقي الكلام في معارضة موثقة عمار (1) المتضمنة لاسفلية موقف الامام مع صحيحة صفوان (2) المتضمنة لاعتبار التساوي فان التساوي ضد الاسفلية، ولا يمكن حمل التساوي على الاستحباب مع لزوم الاسفلية، فلابد في حمل التساوي على الاستحباب من التصرف في ظاهر الاسفلية بإرادة عدم علو الامام المجامع مع التساوي، ولا دليل على هذا لتصرف إلا الاجماع على جواز التساوي، هذا. وأما علو المأموم فهو بعد الاجماع موثقة عمار المتضمنة لاسفلية الامام المقتضية لعلو المأموم باعتبار التضايف، وموثقته الاخرى (3) " إن كان رجل فوق بيت دكانا كان أو غيره وكان الامام يصلي على الارض أسفل منه جاز للرجل أن يصلي خلفه ويقتدي بصلاته وإن كان أرفع منه بشئ كثير " والرواية وإن كانت صريحة فيما إذا كان العلو بمقدار كثير، إلا أنه لا يبعد تقييده بما إذا لم يكن مفرطا بحيث ينافي صدق الاجتماع على الصلاة والله أعلم. الشرط السابع أن لا يتقدم المأموم على الامام في الموقف والوجه في مانعية تقدم المأموم أمور: أحدها: ما عن الشيخ (4) الاجل (قدس سره) في باب الجماعة من النبوي (5) المشهور " إنما جعل الامام إماما ليؤتم به " فان الظاهر أن الائتمام لا يحصل بالتقدم، وكذا عن غيره. وهو لا يخلو عن خدشة إذ التقدم تارة في مرحلة الاقتداء وربط صلاته بصلاة


(1 و 2 و 3) الوسائل: ج 5، ص 463، الحديث 2 و 3 و 1، من الباب 63 من ابواب صلاة الجماعة. (4) كتاب الصلاة: ج 1، ص 353، (الطبعة الحجرية). (5) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 495، الحديث 1، من الباب 39 من ابواب صلاة الجماعة الطبعة الحجرية.

[ 133 ]

الامام. وهذا المعنى لا يمكن مع عدم الصلاة من الامام حال الربط، واخرى في مرحلة العمل وهي المتابعة العملية ومع عدم العمل من الامام لا معنى للمتابعة بعنوانها، وثالثة في مرحلة الوقوف للجماعة خارجا ولا شئ يقتضي عدم تقدم المأموم، والرواية ظاهرة بقرينة التفريع حيث قال: " فإذا كبر فكبروا " في إرادة التأخر في العمل والمتابعة العملية لا التأخر في الموقف. ثانيها: ما في التوقيع الرفيع المروي في التهذيب (1) في جواب السؤال عن الصلاة عند قبر الامام (عليه السلام) حيث قال أرواحنا فداه: " وأما الصلاة فانها خلف القبر يجعله الامام ولا يجوز أن يصلي بين يديه لان الامام لا يتقدم ويصلي عن يمينه وشماله " ورواه في الاحتجاج (2) بوجه آخر وهو " وأما الصلاة فانها خلفه يجعله الامام ولا يجوز ان يصلى بين يديه ولا عن يمينه ولا عن شماله لان الامام لا يتقدم عليه ولا يساوي " وتقريب الاستدلال انه (عليه السلام) جعل القبر الشريف بمنزلة إمام الجماعة، ورتب على هذه الصغرى كبرى عدم جواز التقدم على إمام الجماعة، ورتب على هاتين المقدمتين عدم جواز الصلاة قدام القبر ولا يخفى أن تنزيل القبر منزلة الامام يقتضي تنزيل المصلي منزلة المأموم لمكان التضايف، فما أفاده الشيخ الاجل من ان تنزيل القبر منزلة الامام لا يقتضي أن لا تجوز الصلاة بين يديه منفردا مدفوع بما عرفت من أن تنزيل القبر منزلة الامام يستلزم تنزيل المصلي منفردا منزلة المصلي جماعة للتضايف. ويمكن أن يراد أن القبر حيث إنه محل الامام، ولا فرق بين حياته ومماته فالادب يقتضى أن لا يصلى قدامه بجعل الامام خلفه، فإن الامام متقدم على الرعية بجميع أنحاء التقدم في جميع الافعال وبهذه الملاحظة أيضا لا يساوي لعدم مساواة الرعية للامام بل الرعية لها التبعية المحضة بجميع شؤون التبعية، وهذا اخف مؤنة وأقرب إلى الاعتبار من تنزيل القبر منزلة إمام الجماعة والله أعلم.


(1) الوسائل: ج 3، ص 454، الحديث 1، من الباب 26 من ابواب مكان المصلي. (2) الوسائل: ج 3، ص 455، الحديث 2، من الباب 26 من ابواب مكان المصلي.

[ 134 ]

ثالثها: ما ورد في قضيه صلاة العراة جماعة حيث قال (1) (عليه السلام): " يتقدمهم الامام بركبتيه ويصلي بهم جلوسا وهو جالس " لظهور الجملة الخبرية في الوجوب من دون معارض بالخصوص حتى يحمل على الاستحباب، وأما جواز التساوي في الموقف وعدمه فمبني على أن الشرط عدم تقدم المأموم على الامام، أو تقدم الامام على المأموم فان كان عدم التقدم شرطا فهو حاصل بتساوي المأموم وبتأخره، وإن كان التقدم شرطا فهو مقابل للمساواة ولا يجتمع المتقابلان، وظاهر النبوي (2) بناء على كونه ناظرا إلى الموقف تأخر المأموم عن الامام، كما أن صريح ما ورد في العراة (3) تقدم الامام على المأموم، وهما متوافقان على شرطية التقدم، وظاهر التوقيع الرفيع (4) شرطية عدم التقدم، إلا أنه حيث روي بطريقين، وفي أحد هما " لايتقدم عليه ولا يساوي " الظاهر في شرطية تقدم الامام، فلا يمكن اثبات شرطية عدم التقدم به، ومما ذكرنا تعرف أن المدار على ما ورد في قضية العراة، من لزوم تقدم الامام فيقيد به إطلاق ما ورد في جواز صلاة المأموم عن يمين الباب (5) حيث لا تقييد فيه بتأخره عنه في الجملة، ولو فرض هناك إطلاق آخر كان حاله حال ما ذكر من لزوم التقييد ولا يتصرف في ظهور (يتقدم بركبتيه) بحمله على الاستحباب بسبب الاطلاقات، كما هو الحال في كل مطلق ومقيد كما حقق في محله. وأما ما ورد (6) من صحه صلاة المتداعيين للامامة فلا دلالة له على جواز التساوي لا من حيث الحكم ولا من حيث الموضوع، أما الاول فلان الصحة المفروضة في الرواية صحة صلاتهما فرادى واقعا، لا صحة صلاتهما جماعة، حتى يدل على جواز التساوي، وأما الثاني فدلالته من حيث إنه مع تقدم أحدهما وتأخر


(1) الوسائل: ج 3، ص 328، الحديث 1، من الباب 51 من ابواب لباس المصلي. (2) الوسائل: ج 5، ص 473، الحديث 10، من الباب 70 من ابواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 3، ص 328، الحديث 1، من الباب 51 من ابواب لباس المصلي. (4) الوسائل: ج 3، ص 454، الحديث 1، من الباب 26 من ابواب مكان المصلي. (5) هكذا في النسخة الاصلية والظاهر " عن يمين الامام ". (6) الوسائل: ج 5، ص 420، الحديث 1، من الباب 29 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 135 ]

الآخر لا يمكن التداعي في الامامة بخلاف ما إذا كانا متساويين وجاز التساوي ويندفع بأن اعتقاد كل من الواقف بجنب الآخر، انه متقدم عليه بمقدار يسير يخرجه عن المحاذاة الحقيقية ممكن، وليس من الامام (عليه السلام) تقرير على هذه الدعوى حتى يجوز التساوي، بل بيان لحكم التداعي المعقول على بعض الوجوه وينبغي التنبيه على أمرين: الاول: أن تقدم الامام على المأموم شرط في جميع أحوال الصلاة على حد شرطية عدم الحائل، وعدم البعد، ونظائرهما، إلا أن الكلام في ما به يحصل التقدم فهل هو التقدم بجميع أجزائه أيضا، أو يختلف باختلاف حالات المصلي، ففي القيام بتقدم عقب الامام على عقب المأموم، وفي الركوع بذلك، وفي السجود بتقدم رؤس أصابع الرجلين، وفي التشهد بتقدم موضع الاليتين، أو يوكل التقدم إلى العرف حيث لاتعيين فيه من الشارع، والاوجه هو الاخير، كما أن الظاهر من رواية العراة وأنه يتقدم الامام بركبتيه، ان المناط في تقدم جالس على جالس تقدمه بركبتيه من دون خصوصية للجلوس بدلا عن القيام، فلابد من مراعاته حال التشهد، وإن كان الامام ضعيف الجثة وكانت اليتاه متقدمتين على اليتي المأموم، ومن إطلاقه يعلم أنه مع انحفاظ تقدم الركبة لا عبرة بتقدم الرأس في الركوع والسجود أو تقدم أصابع الرجلين وعدمه. الثاني: في حكم الصلاة جماعة بنحو الاستدارة حول الكعبة، ومجموع ما ذكر مانعا أمور ثلاثة. أحدها: حيلولة جرم الكعبة بين الامام وما يقابله من قوس الدائرة. ثانيها: تقدم جملة ممن يقوم على خط الدائرة على الامام. ثالثها: أقربية من يقوم محاذيا لضلع الكعبة إليها من الامام. ويندفع الاول: بما تقرر سابقا ان المناط عدم الحائل بين المأموم وبين من يتصل به المتصل بالامام وكل من يقوم على الدائرة إمام لا يكون بينه وبين الامام حائل أو بينه وبين المتصل بالامام. والثاني: بما ملخصه ان التقدم والتأخر بحسب المكان ملاكه الاقربية إلى موضع

[ 136 ]

خاص، فالامام أقرب إلى المحراب من المأموم، والمأموم أبعد منه إليه، والامر فيها (1) بالنسبة إلى الباب بالعكس فالمأموم أقرب إليه والامام أبعد وتقدم الامام على المأموم لابد من أن يلاحظ إما إلى جهة الكعبة كما في البعيد، أو إلى نفس الكعبة كما في الصلاة حول الكعبة، وإلا فلا معنى للتقدم والتأخر المكانيين الاضافيين، ولافرق بين الجهة وعين الكعبة في هذه الجهة فان التقدم والتأخر في البعيد بلحاظ انه أقرب إلى الجهة المنتهية إلى ما يحاذي الكعبة، ومن الواضح عدم أقربية أحد من المأمومين إلى الكعبة من الامام في الدائرة وتقدم جملة منهم بحسب الخط المستقيم الممتدمن موقف الامام على الامام إنما هو بلحاظ هذا الفرض لا بلحاظ ما ينبغي ملاحظته في التقدم والتأخر، فان استقامة الخط في الموقف ليست من الشرائط وإنما يضر عدمها في غير ما حول الكعبة لان لازمه التوجه إلى غير القبلة مع ان التوجه إليها شرط وهذا الشرط مع الاستدارة حول الكعبة محفوظ لا خلل فيه. وأما الثالث: فهو أخص من المدعى لامكان قيام الامام محاذيا لزاوية من أضلاع الكعبة فلا يتقدم عليه أحد ممن هو على الدائرة، بل إذا فرضنا تقدم الامإم وتشكيل الدائرة خلفه لا يضر محاذاة بعض المأمومين لضلع الكعبة كما هو المتعارف في الصلاة حول الكعبة. فالانصاف ان المسألة بحسب القواعد صافية عن الاشكال. ويؤكده: ان الصلاة جماعة في عام الفتح في المسجد من النبي (صلى الله عليه وآله) مع عشرة آلاف أو أكثر لا يمكن أن يكون بنحو الخط المستقيم، ولم نظفر إلى الآن بانكار أحد المعصومين (سلام الله عليهم) السيرة المستمرة بين المسلمين إلى الآن ولو إلى خواص أصحابهم، كما هو الشأن في انكار سائر المنكرات الشائعة، والله أعلم. هذا كله إذا كان الشرط كما هو ظاهر ادلة تقدم الامام، أو عدم تقدم المأموم. وأما إذا كان الشرط كون المأموم خلف الامام، أو عن يمينه وشماله في فرض


(1) هكذا في النسخة الاصلية والظاهر " فيهما " بدل " فيها ".

[ 137 ]

استقبالهما فالشرط غير حاصل في الاستدارة، لان المأموم ربما يكون مقابلا للامام لا خلفه أو أحد جانبيه، إلا أن الظاهر أن ورود الخلف واليمين والشمال في فرض الاستقبال مورد الغالب من الصلاة بنحو الخط المستقيم دون الاستدارة، فلا عبرة بها بل إمام بتقدم الامام أو بعدم تقدم المأموم كما هو ظاهر أدلة الاشتراط.

[ 138 ]

فصل في أحكام الجماعة وفيها مسائل: المسألة الاولى في حكم القراءة خلف الامام المرضى والبحث تارة في حكم القراءة في الاولتين من الاخفاتية، واخرى في الاولتين من الجهرية، وثالثة في الاخيرتين من الاخفاتية، ورابعة في الاخيرتين من الجهرية فهنا مباحث أربعة: المبحث الاول: في القراءة في الاولتين من الاخفاتية وفيها أقوال أربعة: الاول: حرمتها. والثاني: كراهتها، وهما قولان معروفان. والثالث: استحبابها، كما نسب إلى القاضي. والرابع: إباحتها. أما القول بالحرمة: فسمتنده الاخبار العامة والخاصة فمن الاخبار العامة ماروي عن أمير المؤمنين (1) (عليه السلام) " من قرء خلف إمام يأتم به فمات بعث على غير الفطرة " ومنها صحيحة الحلبي (2) " قال: إذا صليت خلف إمام تأتم به فلا تقرء خلفه سمعت قرائته أو لم تسمع إلا أن تكون صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع فاقرء " فالمستثنى خصوص الصلاة الجهرية مع عدم سماع القراءة وحكم الباقي وهي الصلاة الاخفاتية مطلقا والصلاة الجهرية مع سماع القراءة هي الحرمة ولا


(1) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 4، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5، ص 421، الحديث 1، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 139 ]

يمكن ان يكون موردها خصوص الجهرية إذ لا معنى للحكم بالحرمة سواء سمع القراءة أولم يسمع ثم استثناء صورة عدم سماع القراءة والسماع غير مختص بالجهرية بل يمكن السماع في الاخفاتية إذا كان المأموم قريبا من الامام، ومن الاخبار الخاصة بالاخفاتية صحيحة ابن سنان (1) قال (عليه السلام): " ان كنت خلف الامام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة حتى يفرغ وكان الرجل مأمونا على القرآن فلا تقرء خلفه في الاولتين " الخبر. ومنها صحيحة عبد الرحمن (2) " عن الصلاة خلف الامام اقرء خلفه؟ فقال (السلام): أما الصلاة التي لا يجهر فيها بالقراءة فان ذلك جعل إليه فلا تقرء خلفه " الخبر. وأما القول بالكراهة: فسمتنده صحيحة علي بن يقطين (3) " عن الركعتين اللتين يصمت فيهما الامام اقرء فيهما بالحمد وهو إمام يقتدى به قال (عليه السلام): ان قرأت فلا بأس وان سكت فلا باس " فانها نص في جواز الفعل فيقدم على المطلقات بالتقييد بما عدى الاخفاتية، وعلى الظاهر في الحرمة في خصوص الاخفاتية من باب تقديم النص على الظاهر، واحتمال إرادة الاخيرتين من الرباعية مطلقا في غاية الضعف فان مورد السؤال خصوصا من مثل علي بن يقطين ما يضمنه الامام، ولذا عقبه بقوله: " وهو إمام يقتدى به " ومنشأ سؤاله ان ضمانه مخصوص بالجهرية فكأن سماعه بمنزلة قراءته، أو يعم الاخفاتية، ولا منشأ لاحتمال إرادة الاخيرتين الا قول الراوى " أقرء فيهما باالحمد " فان الاقتصار دال على أن مورد سؤاله أيضا ما يجب فيه الاقتصار على الحمد. ويندفع هذا الاحتمال بجوابه (عليه السلام) " إن قرأت فلا بأس وان سكت فلا باس " مع ان اللازم مع عدم القراءة الاتيان بالتسبيح، فيعلم منه ان مورد السؤال ما يكون أمره دائرا بين القراءة وتركها، وهذه الصحيحة هي التي ينبغي الاعتماد عليها في المقام دون رواية


(1) الوسائل: ج 5، ص 423، الحديث 9، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 5، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 5، ص 424، الحديث 13، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 140 ]

المرافقي وصحيحة سليمان بن خالد. أما الاولى فهي هكذا (1) " انه سئل عن القراءة خلف الامام قال: إذا كنت خلف الامام تولاه وتثق به فانه يجزيك قراءته وان أحببت أن تقرء فيما يخافت فيه فإذا جهر فانصت قال الله تعالى: " وأنصتوا لعلكم ترحمون " (2) فانه بقوله إن أجبت أن تقرأ فاقرء فيما يخافت فيه بحملة على الصلاة الاخفاتية، مع ان موردها الجهرية، غاية الامر انه تارة يخفت في قراءته فلا يسمعها المأموم، واخرى يجهر بها فيسمعها المأموم، واتحاد المورد ظاهر من تفريع قوله: " فإذا جهر فانصت " فلا دخل له بالقراءة في الصلاة الاخفاتية، وهذا الجهر والاخفات على حد قوله تعالى " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها " (3) لا يراد منه الجهرية والا خفاتية لعدم الواسطة بينهما. ولا حاجة في رد التمسك بها إلى الحمل على الاخيرتين مع وضوح بطلانه بتفريع الجهل حيث لا جهل في الاخيرتين. وأما الثانية: فهي هكذا (4) " يقرء الرجل في الاولى والعصر خلف الامام وهو لا يعلم انه يقرء قال: لا ينبغي له أن يقرء يكله إلى الامام " فان قوله: " لا ينبغي " وإن كان ظاهرا في الكراهة، إلا انه ليس بأظهر من النو اهي في الحرمة فيرجع مع تساوي الظهورين في مورد الاخفاتية إلى العمومات مثل قوله (5) " من قرأ خلف إمام يأتم به فمات بعث على غير الفطرة " ونظائره من الاخبار العامة. وأما دعوى احتمال إرادة الركعتين الاخيرتين بقرينة قوله " وهو لا يعلم انه يقرأ " كما عن بعض تحريرات (6) الشيخ الاجل (قدس سره) في هذه المسألة، فبعيدة جدا، لقوله (عليه السلام): (يكله إلى الامام) مع أنه لا ضمان إلا في


(1) الوسائل: ج 5، ص 424، الحديث 15، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الاعراف: 204. (3) الاسراء: 110. (4) الوسائل: ج 5، ص 423، الحديث 8، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة. (5) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 4، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة. (6) كتاب الصلاة: ج 1، ص 296، (الطبعة الحجرية).

[ 141 ]

الاولتين، والمراد من قوله: " لا يعلم أنه يقرء " انه لا يسمع لما ارتكز في ذهنه من القراءة مع عدم السماع في الجهرية فصار منشأ لسؤاله. وبالجملة فمقتضى صحيحة علي بن يقطين صرف النواهي عن ظهورها في الحرمة إلى أحد أمرين إما حملها على عدم الوجوب في مقام توهمه كالاذن في مقام توهم الحظر، أو حملها على الكراهة ولا معين للثاني بل ظاهر قوله (عليه السلام): " يجزيك أو يكله إلى الامام " نفي الوجوب فقط والاكتفاء بقراءة الامام. لا يقال: في الحمل على الكراهة حفظ ظاهر النهي في الجملة، فلا يرفع اليد عنه بلا معارض له لاختصاص المعارض بطرف الحرمة. لانا نقول: حيث إن الكراهة في القراءة وهي عبادة والمفروض إتيانها من الصلاة بمعنى كون غيرها وهو الايكال إلى الامام أرجح منها فلا ينحفظ الظهور في أصل طلب الترك، بل لابد من أن يكون إرشادا إلى أرجحية الغير منها، ولا فرق بين الارشاد إلى نفي الوجوب والارشاد إلى أرجحية غيرها بل قد عرفت ما يتعين به الاول. نعم قوله (عليه السلام): " لا ينبغي " المسلم ظهوره في الكراهة لا معارض لها بعد سقوط معارضها الخصوصي بصحيحة علي بن يقطين التي هي نص في الجواز في الاخفاتية فيصح الالتزام بالكراهة في العبادة بمثله. وأما القول باستحباب القراءة: كما نسب إلى القاضي فإثباته مشكل، إذ الكلام في كونها من مستحبات الجماعة، ومجرد جواز القراءة لبقاء أصل رجحانها بعد نفي الوجوب فانه لا يمكن إتيان العبادة بلا رجحان وإلا لكان تشريعا محرما لا عبادة جائزة، أو مكروهة لا يكون دليلا على كونها من مستحبات الجماعة، كما يكون على القول بالكراهة مع وقوعها عبادة من مكروهات الجماعة، ولا دلالة لقوله (1): " وإن أحببت أن تقرء فاقرء فيما يخافت فيه " نظرا إلى الامر الذي أقل مرتبته الاستحباب لما مرمن أن مورد هذه الرواية الجهرية دون الاخفاتية، مع بعد هذا اللسان عن الاستحباب المبني على الترغيب فيه لا إيكال الامر إلى محبة


(1) الوسائل: ج 5، ص 424، الحديث 15، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 142 ]

المكلف. وأما القول بالاباحة: فدليله الصحيحة المتقدمة المقدمة على ادلة الحرمة، وقد عرفت أن المراد من الاباحة الترخيص في القراءة التي لها رجحان في نفسها بعد سقوط حده اللزومي من دون لحوق خصوصية موجبة لارحجية الغير ولا موجبة لارجحيته من الغير، فتدبر. المبحث الثاني: في الاولتين من الصلاة الجهرية، وفيها قولان معروفان: أحدهما: الكراهة كما نسب إلى المشهور، والثاني: حرمتها كما عن غير واحد، ومورد البحث ما إذا سمع القراءة ولو أصل الصوت العبر عنه بالهمهمة واما إذا لم يسمع القراءة أصلا ففيها كما قيل أقوال: وجوب القراءة، واستحبابها، والجواز المطلق. فالكلام في موردين: الاول: في حكم القراءة مع سماع القراءة. ومستند القول بالحرمة مضافا إلى الادلة العام، أخبار خاصة في الجهرية المفصلة بين السماع وعدمه، والخبر الذي ليس فيه ما يوجب الخدشة في دلالته على الحرمة ما في الصحيح أو الحسن (1) عن قتيبة " إذا كنت خلف إمام ترضى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرء أنت لنفسك وإن كنت تسمع الهمهمة فلا تقرء " وما في الفقيه (2) عن عبيدالله بن زرارة " إن سمع الهمهمة فلا يقرء " وأما سائر الاخبار الخاصة بالجهرية فهي محوفة ببعض الخصوصيات المانعة عن الاستدلال، وليس في قبال هذين الخبرين خبر يدل على الجواز كالمسألة المتقدمة، فلا وجه لرفع اليد عن ظهورهما في الحرمة، وإن كانت سائر الاخبار قاصرة عن إفادة الحرمة، ومجرد احتمال ورود النهي مورد توهم الوجوب لا يكون صارفا لظهوره. وأما مستند القول بالكراهة: كما هو المشهور، فظهور بعض الاخبار في عدم الحرمة لا مجرد عدم دلالتها على حرمة القراءة فمنها صحيحة إبن الحجاج (3) " عن


(1) الوسائل: ج 5، ص 423، الحديث 7، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 2، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 5، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 143 ]

الصلاة خلف الامام قال: أما الصلاة التي لا يجهر فيها بالقراءة فان ذلك جعل إليه فلا تقرء خلفه وأما الصلاة التي يجهر فيها فإنما امر بالجهر لينصت من خلفه فان سمعت فانصت وإن لم تسمع فاقرء " وتقريب الاستدلال بوجهين: أحدهما: من حيث التعبير عن ترك القراءة بالانصات نظرا إلى أن مورد السؤال هي القراءة فعلا وتركا فالامر بالانصات في صورة سماع القراءة أمر بترك القراءة لاقتضاء المورد. أو لان الانصات متوقف على ترك القراءة فإذا كان الانصات واجبا كان ترك القراءة واجبا، وإذا كان مستحبا كان ترك القراءة كذلك، وحيث كان الانصات نصا وفتوى وسيرة مستحبا فترك القراءة مستحب، وهو لا يخلو عن مناقشة لان القراءة ليست ضدا للانصات بل تجتمع معه كاجتماع التسبيح معه كما في حسنة زرارة (1) وعلى فرض التضاد فقد حقق في محله عدم المقدمية لترك الضد، وأما اقتضاء المورد ومقابلة صورة سماع القراءة بصورة عدمه فمدفوع بانه يكفي في ذلك استحباب القراءة في صورة عدم السماع وعدمه في صورة السماع مع زياده استحباب الانصات. ثانيهما: ان ظاهر قوله (عليه السلام): " وإنما امر بالجهر لينصت من خلفه " هو كون الغاية من أمر الامام بإجهار صوته فالقراءة هو الانصات لوضوح أن علة أصل الجهر المقوم لصلاة الجهرية ليس هو الانصات المختص بصلاة الجماعة، ومن الواضح أن إجهار الامام مستحب لا شك فيه أصلا فالانصات المذكور في مقام ترك القراءة، مستحب لاستحالة التوصل بأمر مستحب إلى أمر لازم ولا يعقل الندب إلى فعل مع جواز تركه تحصيلا لما لابد من حصوله فيكون نظير إيجاب الانذار لايجاب التحذر في باب حجية الخبر، فكما يستكشف الوجوب من كون التحذر غاية للانذار الواجب كذلك هنا. وبالجملة فرق بين ترتب فعل الواجب على مستحب، ترتب الحكم على موضوعه، وترتب فعل على فعل، ترتب الغاية على ذي الغاية. ومفاد قوله (2) (عليه


(1 و 2) الوسائل: ج 5، ص 423 و 424، الحديث 6 و 15، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 144 ]

السلام): " فإذا جهر فانصت " من قبيل الاول، وقوله (1) (عليه السلام): هنا " إنما امر بالجهر لينصت من خلفه " من قبيل الثاني، والفرق بين التقريبين ان مبنى الاول على استكشاف استحباب ترك القراءة من استحباب الانصات كما عن الشيخ الاجل (قدس سره) في بعض تحريراته (2)، ومبنى الثاني على استكشاف رجحان ترك القراءة من استحباب إجهار الامام، فالاول مبني على استحباب الانصات، والثاني، مبنى عليه استحباب الانصات. ومنها: رواية المرافقي (3) " انه سئل عن القراءة خلف الامام فقال: إذا كنت خلف الامام تتولاه وتثق به فانه يجزيك قراءته وإن أحببت أن تقرء فاقرء فيما يخافت فيه فإذا جهر فانصت " الخبر فان قوله (عليه السلام): في مقسم الصورتين " فانه يجزيك " لا يفيد إلا عدم الحاجة لى القراءة لقيام الامام بهذه الوظيفة، ولا يدل على حرمة القراءة أو كراهتها بوجه والمقابلة بين الصورتين باستحباب القراءة في صورة عدم السماع واستحباب الانصات في صورة السماع، فلا تدل المقابلة إلا على عدم رجحان القراءة فلا دلالة للمقسم ولا لحكمي القسمين على الحرمة، ولا على الكراهة، بل باعتبار الملازمة بين الانصات وترك القراءة لا يفيد أزيد من استحباب ترك القراءة. فتدبر. ومنها: رواية (4) علي بن جعفر (عليه السلام) وفي آخرها " هل له أن يقرء من خلفه؟ قال: لا، ولكن لينصت لقراءته " فان سياق الحكمين واحد، فكما أن المراد من الامر بالانصات هو الاستحباب كذلك المراد من النهي هو التنزيه لا التحريم، فهذه الاخبار قرينة على أن المراد من النهي عن القراءة أحد امرين، أما مجرد رفع الوجوب إما لرسوخ وجوب القراءة في الصلاة في الاذهان، أو لبناء العامة عليها كما قيل، وإما الكراهة. لكنك قد عرفت في المبحث السابق أن المراد ليست الكراهة


(1) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 5، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة. (2) كتاب الصلاة: ج 1، ص 296، (الطبعة الحجرية). (3) الوسائل: ج 5، ص 424، الحديث 15، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة. (4) الوسائل: ج 5، ص 425، الحديث 16، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 145 ]

المصطلحة إذ لا مجال لها في العبادات فلا محالة هو للارشاد إلى مرجوحية القراءة وأرجحية غيرها، ولا معين للاحتمال الثاني لان استفادة هذا المعنى، إما من نفس النهي وقد عرفت عدم إمكانها، وإما من الامر بالانصات في مقام السؤال عن حال القراءة، وإثباته مشكل لان الانصات إن كان بمعنى السكوت المطلق كان الامر به استحبابا أمرا بترك القراءة فنقيضه وهي القراءة مرجوحة قطعا، لكنه ليس كذلك بل الانصات اما هو الاصغاء إلى قراءة الامام مثلا كما عليه الفقهاء ويؤيده بعض الاخبار كالرواية الاخيرة (1) هنا حيث لا موقع للاستدارك بالامر بالسكوت عن القراءة مع النهي عنها قبلا، وكما في حسنة زرارة (2) الآمرة بالانصات والتسبيح في نفسه، المراد منه الخفي الذي لا يشغله سماعه عن سماع قراءة الامام، وإما هو السكوت مستمعا لكلام الغير، لا مطلق الاستماع، ولا مطلق السكوت، كما عليه اهل اللغة ولايقال: في مقام الامر بالسكوت انصت بل في مقام السكوت مصغيا لكلامه، وعليه فان اريد بالانصات الاصغاء فهو يجتمع مع القراءة كما يجتمع مع التسبيح والدعاء، فهو لاضد للقراءة ولا نقيض لها حتى يقتضي رجحان الاصغاء مرجوحية القراءة، وإن اريد به السكوت عن إصغاء فالقراءة ليست نقيضا له بل نقيض مجموع الامرين مجموع النقيضين، ولازمه مرجوحية القراءة لا عن إصغاء لا القراءة مع الاصغاء ولا السكوت مع عدم الاصغاء ولا يمكن الالتزام بكراهة القراءة مع الاصغاء وإلا لزم الالتزام بكراهة السكوت بلا إصغاء أيضا، نعم من الجواب عن السؤال عن حكم القراءة يظهر أن الوظيفة في صورة السماع هو الانصات دون القراءة وهذا دليل على عدم استحباب القراءة لاعلى كراهتها في الجماعة كما هو المشهور. المورد الثاني: في حكم القراءة مع عدم سماع القراءة والهمهمة. وفيه أقوال أربعة: الحرمة، والوجوب والاستحباب والاباحة.


(1) الوسائل: ج 5، ص 425، الحديث 16، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5، ص 423، الحديث 6، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 146 ]

أما مدرك القول بالحرمة فليس إلا بعض المعومات كقوله (عليه السلام) (1): " من قرء خلف إمام يأتم به فمات بعث على غير الفطرة " وتخصيصه بما دل على الامر بالقراءة مع عدم السماع كما ستعرفه إن شاء الله تعالى لازم، فالقول بالحرمة ضعيف جدا. نعم يمكن استفادتها في المورد بالخصوص من صحيحة ابن سنان (2) المستدل بها لحكم القراءة في الاخفاتية وهي هكذا " إن كنت خلف الامام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة حتى يفرغ وكان الرجل مأمونا على القرآن فلا تقرء خلفه " الخبر. فان قوله: " حتى يفرغ " لا موقع له إلا في الجهرية بمعنى أن الامام لا يجهر بالقراءة حتى يفرغ منها فلم يسمع المأموم شيئا من القراءة لا ان الصلاة إخفاتية حتى يفرغ. وحينئذ فظاهر النهي دليل حرمة القراءة في الجهرية في صورة عدم سماع القراءة، وعلى اي حال فما سيأتي إن شاء الله تعالى مما هو نص في الجواز مقدم عليه كما أنه لخصوصية مورده مخصص للعمومات الناهية عن القراءة. وأما مدرك الوجوب: فظاهر الامر بها في صورة عدم السماع وجوبها كما في مصححة إبن قتيبة (3) " إذا كانت خلف إمام ترضى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرء انت لنفسك " الخبر. وفي صحيحة إبن الحجاج (4) " وان لم تسمع فاقرء " إلى غيرذلك، ولابد من رفع اليد من ظهورها في الوجوب بما يدل على جواز ترك القراءة كصحيحة علي بن يقطين (5) حيث قال (عليه السلام): " لا بأس ان صمت وان قرء " فانها نص في جواز الترك، وهو المدرك للقول بالاباحة في قبال كونها من مستحبات الجماعة. ويندفع بأن الصحيحة ظاهرة في الاباحة الخاصة ونص في الجواز المجامع مع الاستحباب بل الكراهة وقوله (عليه السلام): " اقرء " ظاهر في الوجوب ونص في طلب الفعل المجامع مع الوجوب والاستحباب، فيرفع


(1) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 4، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5، ص 424، الحديث 14، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 5، ص 423، الحديث 7، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة. (4) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 5، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة. (5) الوسائل: ج 5، ص 424، الحديث 11، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 147 ]

اليد عن ظهوره في الوجوب بنصوصيته في جواز الترك المطلق، كما ترفع اليد عن ظهورها في الاباحة الخاصة بنصوصية قوله (عليه السلام): " اقرء " في أصل طلب الفعل الذي أدنى مرتبته الندب، فالقول بالاستحباب هو الموافق للقواعد. فروع أحدها: بناء على القول بالحرمة في الجهرية، أو مطلقا هل تبطل الصلاة مطلقا، أو جماعة بفعلها، أو لا وحيث إن مورد البحث هي القراءة بما أنها من الصلاة، فكونها تشريعا مما لاشبهة فيه وحيئنذ يقع الكلام في كونه عنوانا للعمل حتى لا يمكن التقرب بالعمل أم لا، وقد تقدم الكلام فيه سابقا، إلا أن المسألة هنا لانبتني على ذلك لتعلق النهي بنفس القراءة بما هي لا بما هي تشريع، وان كان تشريعا فلا يمكن التقرب بالمبغوض، فيندرج تحت الزيادة العمدية في الصلاة فتبطل أصل الصلاة بها وإن قلنا بحرمة القراءة ولو، لا بعنوان أنها من الصلاة فعدم وقوعها قريبة لا توجب إلا بطلان نفسها لا بطلان الصلاة، لعدم كونها زيادة في الصلاة. وأما إبطال الصلاة بها من حيث كونها كلاما، فمدفوع بما تقرر في محله من أن حرمة القراءة أو الذكر، أو الدعاء، لا يوجب خروجها عن تحت عناوينها، والظاهر من الكلام المبطل كلام الآدميين وبقية الكلام في محله. ثانيها: هل المراد بعدم السماع عدمه من حيث العارض من بعد، أو مزاحمة الاصوات، أو قصور في صوت الامام، أو يعم ما إذا كان المأموم أصم وقوله: " لا يسمع " وان كان ظاهرا في العدم المقابل للملكة، لا السلب في قبال الايجاب بملاحظة أن مورد عدم السماع عين مورد السماع كما هو ظاهر روايات الباب، إلا أن مقتضى إطلاقات الفتاوى وتصريح العلامة (ره) في التذكرة (1) وغيرها عموم عدم السماع وشموله لما إذا كان عن صمم. ثالثها: هل القراءة في صورة عدم السماع منوطة بمطلق عدم السماع، أو بعدمه


(1) تذكرة الفقهاء: ج 1، ص 184، (الطبعة الحجرية).

[ 148 ]

المطلق، فيدور مدار السماع وعدمه في الاول ومدار سماع القراءة وعدمه رأسا في الثاني. ويؤيد الاول: أن ترك القراءة للسماع لمكان لزوم الانصات أو استحبابه ولا ريب في أنه لا يدور مدار سماع القراءة تماما بل يحب أو يستحب الانصات للقراءة متى سمعها. ويؤيد الثاني: إن سماع الهمهمة يوجب ترك القراءة مع أن الغالب في الهمهمة سماع الصوت تارة وعدمه اخرى، فيعلم منه أن مدار القراءة عل عدم سماع القراءة رأسا، ولا يبعد أو لوية الثاني إذ بعد ضم الهمهمة إلى سماع القراءة يعلم أن مدار ترك القراءة ليس على السماع المستحب فيه الانصات حتى يستكشف من عدم الانصات القراءة لنفسه، بل على الاعم منه ومما لا إنصات فيه، وحينئذ فالظاهر من سماع القراءة سماع هذه التي هي في عهدة الامام مع سماعه، وهو هذا الفعل الوحداني وعدم السماع هو عدمه المطلق لا مطلق عدمه والاحتياط بالقراءة مع عدم السماع أحيانا لا ينبغي تركه. ثم إنه على تقدير القول بالقراءة مع عدم السماع مطلقا لامع العدم المطلق إذا سمع لم يقرء وإذا لم يسمع قرء من حيث لم يسمع أو من حيث ترك القراءة، الظاهر هو الثاني لان القراءة في الصلاة الجهرية ليست في عهدة الامام بل في عهدة المصلي غايه الامر أنه ممنوع عن القراءة لاهمية الانصات عند سماعه فما دام المانع لم يقرء وإذا ارتفع اتى بما في عهدته وإذا سمع القراءة من أولها إلى آخرها سقطت عنه القراءة لا أنها في عهدة الامام أو أن سماعها بمنزلة قراءة نفسه والله أعلم. المبحث الثالث: في حكم القراءة في الاخيرتين من الجهرية والاقوال فيها مختلفة، والمهم القول بسقوط القراءة والتسبيح معا والقول بالتخيير مع مرجوحية القراءة وان كانت افضل في الفرادى. ومدرك القول بالسقوط مطلقا في قبال الاخبار الدالة على التخيير في باب القراءة أمور: منها: صحيحة زرارة (1) الواردة في الجهرية المتضمنة لسقوط القراءة مع سماعها،


(1) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 3، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 149 ]

والدالة على أن الاخيرتين تبع للاولتين قال (عليه السلام): " إذا كنت خلف إمام فلا تقرأن شيئا في الاوليين وأنصت لقراءته ولا تقرأن شيئا في الاخيرتين فإن الله عز وجل يقول للمؤمنين " وإذا قرء القرآن " يعني في الفريضة خلف الامام " فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون " والاخيرتان تبع للاوليين، وجه الدلالة أن مقتضى اتحاد الحكم مرجوحية القراءة ورجحان التسبيح في الاخيرتين كما في الاوليين فيحوز ترك القراءة بل يترجح لزوما، أو استحبابا ويجوز ترك التسبيح كما في كل مستحب. ويندفع: بأنه لا دلالة للصحيحة على التبعية المطلقة في جيمع أحكام الاولتين بل ظاهر في خصوص ترك القراءة فانه علل المنع عن القراءة في الاولتين، بالامر بالانصات، ثم منع عن القراءة في الا خيرتين مع عدم المقتضي للانصات فيهما بانهما تابعتان للاولتين فهي ساكتة عن حكم التسبيح الذي هو أحد فردي الواجب التخييري في الاخيرتين. ومنها: أن هذه الصحيحة (1) وما يشبهها مخصصة لادلة التخيير فيحكم بسقوط كلا الامرين. ويندفع: بان الحكم التخييري لو كان وجوبا واحدا متعلقا بالمردد فلا محالة يسقط هذا الواحد بسقوط ما يتقوم به المردد ويستحيل بقاؤه مع تغير متعلقه إلا أنه قد ذكرنا في محله استحالة تعلق أية صفة حقيقية كانت أو اعتبارية بالمردد بل كيفية الايجاب التخييري إيجاب كل واحد منهما مع تجويز ترك كل منهما إلى البدل فتحريم القراءة مثلا إسقاط لوجوبها ولبدليتها للتسبيح فلا يجوز ترك التسبيح معينا. ومنها: ان النهي عن القراءة في الاوليين لكونها في ضمان الامام، ومقتضى النهي عن القراءة في الاخيرتين في صحيحة زرارة (2) المتقدمة أن يكون كذلك ولو قلنا قصر التبعية على خصوص ترك القراءة، وإذا كان القراءة التي هي أحد فردي التخيير في عهدة الامام فلا محالة يسقط الفرد الآخر وإلا لزم تعينهما لفرض ان


(1 و 2) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 3، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 150 ]

أحدهما فعهده الامام والآخر في عهدة المأموم. ويندفع: بأنه لم يعلم ان وجه المنع ذلك بل لرعاية الانصات كما هو ظاهر الصحيحة، فلا تبعية إلا في أصل سقوط القراءة، وهو غير مناف لتعين الفرد الآخر، مع أنه أخص من المدعي فان كون القراءة في الاولتين في ضمان الامام لكون قراءته بدلا عن قراءته، فالتبعية تقتضي بدلية قراءة الامام عن قراءة المأموم في الاخيرتين لا مطلقا ولو لم يقرأ الامام في الاخيرتين. ومنه يتضح الجواب: عن عمومات ضمان الامام للقراءة نظرا إلى اقتضائها سقوط التسبيح بسقوط القراءة التي هي في ضمان الامام، وجه الوضوح: ما عرفت: من انه أخص من المدعي، مع أن الانسان يكاد يقطع بأن المراد من أخبار ضمان القراءة هي القراءة في الاولتين التي هي وظيفة المكلف على أي حال، كما يتضح بالمراجعة إليها. ومنها: صحيحة علي بن يقطين (1) في الركعتين اللتين يصمت فيهما الامام حيث قال (عليه السلام): " إن قرأت فلا بأس، وإن سكت فلا بأس " بناءا على حرمة القراءة في الاولتين من الاخفاتية، فإن مورد السؤال ينحصر في الاخيرتين، والتخيير بين القراءة والسكوت المطلق كما ينفي تعين القراءة كذلك تعين التسبيح ولو بالعرض، لكنك قد عرفت فيما تقدم: ان مورد السؤال هي الركعتان الاولتان من الاخفاتية، ولذا قوبل فيها القراءة بالسكوت المطلق. ومن جميع ما ذكرنا تبين: ان سقوط كلا الامرين لا وجه وجيه له. وأما مدرك القول بالتخيير بين القراءة والتسبيح مع مرجوحية القراءة بالنسبة إلى التسبيح في خصوص الجماعة وإن كانا متساويين في حد ذاتهما أو كانت القراءة أفضل: فهو صحيحة زرارة (2) المتقدمة المانعة عن القراءة في الاخيرتين من الجهرية، وهي مورد الخبر بعنوان التبعية للاولتين، والمفروض: الحكم بكراهة القراءة


(1) الوسائل: ج 5، ص 424، الحديث 13، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 3، من الباب 21 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 151 ]

في الاولتين، كما قربناه، فاللازم الترخيص في القراءة مع المرجوحية وهو القدر المتيقن من التبعية المنصوصة في الخبر من حيث المورد ومن حيث الحكم مضافا إلى أن صحيحته الآخر قرينة على إرادة مطلق المرجوحيه من النهي عن القراءة لتضمنه المنع عن القراءة في الاخيرتين بالنسبة إلى الامام مع دعوى الاجماع على عدم حرمتها عليه، مع أنه مقتضى الجمع بين الروايات المتضمنة لحكم الامام. ومنه تبين: مدرك القول بحرمة القراءة وتعين التسبيح، فانه ليس إلا النهي عن القراءة في الاخيرتين، إما مطلقا أو في خصوص الجهرية، فإن هذه النواهي أخص من أخبار تخيير المصلي بين القراءة والتسبيح. لورودها في خصوص الجماعة التي لها أحكام مخصوصة. ويندفع بعضها: بما مر، ومثل رواية جميل بن دراج (1)، ورواية معاوية بن عمار (2) الآمرة للامام بالقراءة وللمأموم بالتسبيح كالثانية، أو للامام بالقراءة ونهي المأموم عن القراءة كالاولى: بان الامر بالتسبيح كالا مر بالقراءة والنهي عنها كالامر بها، مع وضوح عدم تعين القراءة على الامام، فلا يتعين التسبيح على المأموم، بل هو أفضل الفردين في الجماعة كما هو كذلك في غيرها على ما هو الظاهر من أخبارها. نعم، بناءا على ما ذكرناه سابقا في صحيحة ابن سنان (3) ان موردها الجهرية، فقوله (عليه السلام) في آخرها: " ويجزيك التسبيح في الاخيرتين " كما يستفاد منه انه هناك شئ آخر يجتزي به، كذلك يستفاد منه: ان موقع التسبيح موقع الاجزاء والاجتزاء، فيؤمي إلى أرجحية القراءة، خصوصا إذا كان السؤال بعده بقوله: أي شئ تقول انت؟ قال (عليه السلام): " اقرأ فاتحة الكتاب " سؤالا عن حكم نفسه، ويكون " اقرأ " أمرا بالقراءة، لا سؤالا عما يفعله الامام (عليه السلام) وإخبارا بان عمله على القراءة وإن كان الظاهر هو الثاني.


(1) لم أعثر برواية عن جميل بن دراج بهذا المضمون. (2) الوسائل: ج 5، ص 426، الحديث 5، من الباب 32 من ابواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 5، ص 423، الحديث 9، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 152 ]

المبحث الرابع: في حكم الاخيرتين من الاخفاتية وفيهما أقوال كالسابقة، ومدرك القول بحرمة القراءة ما تقدم من الاطلاقات العامة والخاصة بالاخيرتين، كما في صحيحة زرارة (1) بقوله (عليه السلام): " لاتقرأن شيئا في الركعيتن الاخيرتين من الاربع ركعات المفروضات " وتبعية الاخيرتين للاولتين بعد القول بحرمة القراءة فيهما. والجواب عن الكل واضح مما تقدم، فإن الاطلاقات العامة منصرفة إلى القراءة في الاولتين التي هي وظيفة كل مكلف لولا الجماعة، والاطلاقات الخاصة مدفوعة بما عرفت آنفا، والتبعية في مورد الجهرية مع أنا لا نقول بحرمة القراءة في الاولتين للجمع بين أخبرهما ومدرك القول بالجواز مع مرجوحية القراءة: ما مر من عدم المقتضي للحرمة ووجود المانع، وهو خبران: أحدهما: ما تقدم آنفا، وهي صحيحة ابن سنان (2)، وفي آخرها: " يجزيك التسبيح في الاخيرتين " لدلالتها على كفاية القراءة أيضا خصوصا بعد تخصيص المنع عن القراءة في هذه الصحيحة بالاولتين إلا أنك قد عرفت قوة احتمال ورودها في الجهرية، فهي دليل المبحث السابق، فلو كان هناك مقتض للحرمة لم تكن هذه الصحيحة حجة على خلافه، وخصوصا بملاحظة إشعار الاجزاء، بوجود بدل جائز للتسبيح، أو بتخصيص المنع بالاولتين والسكوت عن حكم القراءة في الاخيرتين، فان كله لا يقاوم الحجة على الحرمة. ثانيهما: رواية سالم أبي خديجة (3)، وهي كما في الوسائل والحدائق هكذا: " إذا كنت إمام قوم فعليك ان تقرأ في الركعتين الاولتين وعلى الذين خلفك أن يقولوا: سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر، وهم قيام، وإذا كان في الركعتين الاخيرتين فعلى الذين خلفك أن يقرؤا فاتحة الكتاب، وعلى الامام أن يسبح مثل ما يسبح القوم في الركعتين الاخيرتين " وموردها: هي الاخفاتية بشهادة أمر المأموم


(1) الوسائل: ج 5، ص 422، الحديث 3 من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5، ص 423، الحديث 9، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 5، ص 426، الحديث 6، من الباب 32 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 153 ]

بالتسبيح دون الانصات، وظاهرها وإن كان وجوب القراءة على المأموم معينا، إلا أنه لا قائل به فيراد منه: إما الاستحباب أو مجرد رفع الحظر في موقع توهمه، فالجواز قدر متيقن على أي تقدير، إلا أن الرواية مجملة. ويحتمل منه: بيان حكم المأموم المسبوق، ويؤيده تغيير السياق بقوله (عليه السلام): " وإذا كان في الركعتين الاخيرتين " أي الاقتداء، ويشهد له قوله (عليه السلام): " مثل ما يسبح القوم في الركعتين الاخيرتين " فانه لا محمل له إلا الأخيرتين من المأموم المسبوق، وإلا لزم التناقض في الكلام، إذ في فرض عدم سبق المأموم تكليفه بمقتضى أول الكلام القراءة وبمقتضى آخره التسبيح. وما عن الشيخ الاجل (قدس سره) في بعض تحريراته من ضبط الاخيرتين هكذا " الاخيرتين " قائلا: بانه تثنية الاخرى لا تثنية الاخيرة حتى يتلائم الصدر والذيل، فلا شاهد له، إذ المضبوط في كتب الحديث كما ذكرنا، ولا يمكن أن تكون الاخيرتان تثنية للاخرى. ومما ذكرنا: تبين: ان العمدة في المسألة عدم المقتضي للحرمة، وإلا فإقامة الدليل على الجواز في خصوص مورد البحث مشكلة. ومما ذكرنا يتضح: مدرك القول بتعين التسبيح هنا والتخيير في الجهرية، فان الاطلاقات الخاصة الناهية عن القراءة هنا لا مقيد لها، بخلاف الجهرية فان التبعية في الاخيرتين من الجهرية للاولتين منها بعد عدم القول بحرمة القراءة في الاولتين يقتضي كراهة القراءة فيقيد بها لاخصيتها مادل باطلاقه على الحرمة في الاخيرتين. ثم انه بعد القول بجواز القراءة، فلا يصلح الخبران المتقدمان لاثبات مرجوحية القراءة، بل رواية أبي خديجة مقتضية لرجحانها بعد رفع اليد عن الوجوب. نعم، الروايات المانعة عن القراءة: فما كان منها إطلاقه منصرفا عن القراءة في الاخيرتين، فلا دلالة له على المنع بوجه حتى يحمل على الكراهة، وما كان منها يصرف النهي فهى إلى الكراهة: كرواية جميل بن دراج بقرينة السياق وكون القراءة على الامام راجحة لا واجبة، فهو شاهد لكراهة القراءة على المأموم بخلاف رواية معاوية بن عمار، فانها لا دلالة لها إلا على رجحان التسبيح، لاعلى مرجوحية

[ 154 ]

القراءة فروع أحدها: لا ينبغي الاشكال في استحباب التسبيح في الاولتين من الاخفاتية، لصحيحة الازدي (1) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): " إني لاكره للمؤمن أن يصلي خلف الامام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة فيقوم كأنه حمار " قال: قلت: جعلت فداك، فماذا يصنع؟ قال (عليه السلام): " يسبح " ولاريب في أن موردها الاخفاتية لا عدم إجهار الامام بالقراءة، لانه مأمور فيها بالقراءة إما وجوبا أو استحبابا، فموردها مالا قراءة عليه بوجه، ولذا يقوم المأموم ساكتا. نعم، إذا سمع قراءه الامام الاخفاتية لقربه منه كان حاله حال ما إذا سمع في الجهرية كما سيجئ إن شاء الله تعالى، ولا تقتضي هذه الصحيحة التعميم في الاخفاتية لصورة السماع وعدمه، إذ فرض التشبيه بالحمار فرض عدم السماع وإلا كان سكوته والاصغاء راجحا. ثانيها: في استحباب التسبيح في الاولتين من الجهرية والظاهر رجحانه إذا لم يكن منافيا للانصات الواحب أو المستحب، كما في حسنة زرارة (2): " إذا كنت خلف إمام تأتم به فأنصت وسبح في نفسك " فإن المراد من التسبيح في نفسه هو التسبيح الخفي الذي لا يمنع المسبح عن الاصغاء لقراءة الامام، لوضوح أنه إذا لم يكن خفيا كان سماع تسبيحه مانعا عن الاصغاء إلى قراءة الامام. وأما حمله على الذكر القلبي مع عدم تبادره منه فغير وجيه، لانه أشد منعا من التسبيح الجلي لاقتضائه كمال التوجه إلى ما في النفس ومورد هذه الرواية خصوص الجهرية، لتضمنها الامر بالانصات، فما في كلام الشيخ الاجل (قدس سره) من التمسك بإطلاقها غفلة أو سهو من القلم. والله أعلم.


(1) الوسائل: ج 5، ص 425، الحديث 1، من الباب 32 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5، ص 426، الحديث 4 من الباب 32 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 155 ]

وبهذه الرواية يقيد إطلاق رواية حميد بن المثنى العجلي (1) قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فسأله حفص الكلبي فقال: " كنت خلف إمام وهو يجهر بالقراءة فأدعو وأتعوذ " قال: " نعم فادع " فانه ينبغي حملها على ما إذا لم يمنع الدعاء عن الاصغاء. ومما ذكرنا يتضح: حال ما إذا سمع المأموم قراءة الامام في الاخفاتية، فان مناط الانصات هو سماع القراءة، لا خصوص الاجهار بها وعنوان الاجهار المأخوذ في هذه الرواية وغيرها لان الغالب في الاخفاتية عدم السماع وإلا فملاك استحباب الانصات سماع القرآن، كما هو ظاهر القرآن والله أعلم. ثالثها: إذا سمع ما يشك في كونه صوت الامام أو صوت غيره، فان قلنا بوجوب القراءة عليه مع عدم سماع قراءة الامام وبحرمتها مع سماعها، فيدور الامر بين المحذورين وحكمه التخيير بين الفعل والترك عقلا، وكذا إذا قلنا بالكراهة والاستحباب في صورتي عدم السماع والسماع، وأما إذا قلنا بوجوب القراءة مع عدم السماع، واستحباب تركها مع السماع، فالظاهر جواز القراءة وتركها لعدم تعلق العلم الاجمالي بحكم إلزامي على أي تقدير حتى يتنجز به الحكم والاحوط في هذه الصورة اختيار القراءة. رابعها: هل يعتبر القيام حال قراءة الامام، أو الطمأنينة فيه في تلك الحال، فان كان القيام من واجبات الصلاة بنفسه وإن كان شرطا أيضا للتكبيرة وللقراءة وللركوع عنه فلا إشكال في وجوب رعايته، لان الامام ضامن لخصوص القراءة لا لسائر واجبات الصلاة، كا هو مفاد بعض الاخبار، وإن لم يكن كذلك بل كان شرطا ركنيا للتكبيرة وللركوع عنه، وشرطا غير ركني للقراءة فلا يجب القيام حال القراءة ولا الطمأنينة حيث لا يجب عليه المشروط به فكيف يحب شرطه لا أن القيام تبعا للقراءة في ضمان الامام حتى يقال: لا دليل إلا على الضمان للقراءة دون غيرها. ومنه علم حال الطمأنينة، وينسب إلى المشهور ان القيام بنفسه من واجبات الصلاة، ولم أتحقق النسبة. وظني أن المراد أنه من واجبات القراءة وإن لم


(1) الوسائل: ج 5، ص 425، الحديث 2، من الباب 32 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 156 ]

يكن شرطا، عليه فحاله حال صورة الشرطية إذ لا تجب عليه القراءة حتى يجب فيها القيام. وسبجئ إن شاء الله تعالى بعض الكلام فيه في مسألة المتابعة العملية للامام فتدبر. المسألة الثانية فيما يتعلق بمتابعة المأموم للامام وفيه مباحث: المبحث الاول في حكم المتابعة العملية في الافعال وتنقيح الكلام فيه برسم أمور: منها: المراد بالمتابعة هل هو مجرد عدم تقدم المأموم على الامام في فعل من أفعال الصلاة، أو خصوص تأخره عنه في الجملة ربما يقال: كما في الحدائق (1) بأن مقتضى المتابعة لغة وعرفا هو التأخر، وعدم دوران الامر مدار هذا المفهوم نظرا إلى عدم ورود في النصوص بل في كلمات الاصحاب غير ضائر بعد كون الائتمام مأخوذا فيه التبعية كما عن الشيخ الاجل (قدس سره) وتبعه عليه غيره لكونه بمعنى الاقتداء واتخاذ الشخص إماما لنفسه، فيفعل مثل فعله. والمظنون ان هذه التبعية المنساقة إلى الذهن ليست إلا لمكان الترتب الطبعي المستفاد من المتابعة والتقدم والتأخر بالطبع لا يأبى عن التقارن في الوجود بل عن الاتحاد في الوجود، فلا موجب لاعتبار التأخر في الوجود من حيث اقتضاء مفهوم الاقتداء، أو المتابعة. وأما استفادة اعتبار التأخر في الوجود من حيث اقتضاء مفهوم الاقتداء، أو المتابعة. وأما استفادة اعتبار التأخر في المتابعة من النبوي لقوله صلى الله عليه وآله (2): " فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا " فإن كان بالنظر إلى دلالة الفاء، فالفاء الجزائية لا تفيد إلا الترتيب لا التعقيب الزماني، وإن كان بالنظر إلى ان الشرط هو


(1) الحدائق الناضرة: ج 11، ص 138. (2) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 496، الحديث 3، من الباب 39 من ابواب الصلاة الجماعة (الطبعة الحجرية).

[ 157 ]

الركوع المحقق. ففيه ان الركوع المقارن ركوع محقق مقارن لركوع محقق والتحقق غير المضي، ولا أظن أنه يلتزم بلزوم المضي، وإلا لزم الالتزام باعتبار ركوع المأموم بعد مضي ركوع الامام، وتحقق حدوثه ومضيه غير التحقق المنسوب إلى الركوع الذي هو فعل وحداني من أفعال الصلاة. فلا يراد من تحقق الركوع مضيه بل هو نفس وجوده ومقارنة ركوع المأموم لوجود الركوع من الامام ومعيتهما في الوجود لا تنافي كون الشرط هو وجود الركوع. ومنها: في حكم المتابعة العملية، والمشهور على وجوبها والمستند بعد الاجماع هو النبوي (1) المتلقى بالقبول في كلام الاصحاب كالمحقق في المعتبر وكالعلامة في كتبه وغيرهما وهو " إنما جعل الامام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا " وفي بعض طرقه إسقاط " فإذا كبر فكبروا " وظاهر غير واحد الاستدلال بنفس قوله: " ليؤتم به " لا بما فرع عليه. وتوضيح المرام أن محتملات هذه الفقرة ثلاثة: أحدها: أن المراد قصد الائتمام حيث لا إمامة ولا مأمومية إلا به فجعل الامامة يقتضي الائتمام به المتقوم بقصده فيكون غائيته بملاحظة أن مقتضاه نظير قولك: " إنما أمرت بالصلاة لتصلي " فإن لام الغاية بملاحظة أن فعل الصلاة باقتضاء من الامر، وبه استدل الشيخ (2) الاجل (قدس سره) على اعتبار نية الاقتداء في الجماعة وعليه فتكون هذه الفقرة اجنبية عن المتابعة العلمية فلابد من استفادة حكمها من قوله: " فإذا كبر فكبروا " وتفريعه بملاحظة أن مقتضى الالتزام بشئ هو الجري العملي على طبقه. ثانيها: ان يراد منه العمل على طبق الالتزام المستفاد من جعله إماما بان لا يتأخر عنه، فإذا كبر اإما كبر المأموم لانه التزم بمتابعته، فالامر بالتكبير بعد تكبير الامام في قبال المع عن التأخر عنه.


(1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 496، الحديث 3، من الباب 39 من ابواب صلاة الجماعة (الطبعة الحجرية). (2) كتاب الصلاة ج 1، ص 382 (الطبعة الحجرية).

[ 158 ]

ثالثها: ان يراد منه ذلك لكن في قبال المنع عن التقدم على الامام، فمعناه لا تكبر قبل ان يكبر بل إذا كبر فكبر، والمرتبط بالمقام هذا الوجه الثالث، وهو أظهر من الاول، إلا أن أظهريته من الوجه الثاني محل التأمل، وان كان ظاهر الشيخ (1) الاجل (قدس سره) انه لو اريد المنع من التقدم لقال كبر إذا كبر الامام لا " إذا كبر الامام فكبر " فهو ظاهر في الوجه الثاني وأنه في مقام المنع عن التخلف عن الامام. ويؤكده أن ظاهر الشرطية وترتب الجزاء على الشرط الذي هو مدلول مطابقي للقضية هو لزوم كونه معه أو بعده، وأما عدم كونه قبله فهو لازم ترتب الجزاء على الشرط فهو مدلول التزامي عقلي للشرطية كما أن مقتضى الجري العملي على الالتزام بشئ هو اتيانه بعد تحققه، وأما عدم لزومه قبلا عن حرمة إتيانه قبلا فهو لازم عقلي لعدم الشرط لا ان القضية مسوقة لاجله. مضافا إلى أنه على أحد الوجهين يمكن المنع عن دلالة النبوي على الوجوب لان قوله: " إذا ركع فاركعوا " صغرى للكبرى المتقدمة وهي قوله: " ليؤتم به " ويتابعه عملا فلا يقتضي إلا ما يقتضيه قوله: " ليؤتم به " وحيث إنه غاية لقوله: " وإنما جعل الامام إماما " وليس معناه إلا قصد الاقتداء به وربط صلاته بصلاته، فلا محالة تكون حاله له لان غاية الشئ لا يزيد حكمها على حكم ذي الغاية، ولا شبهة في استحباب الاقتداء فينتج استحباب الجري على وفقه. وأما الاجماع المدعي على الوجوب فلا يمكن أن يكون كاشفا عن مدرك تعبدي مع وجود ما يصلح أن كون مدركا، وهو هذا النبوي الذي استند إليه من يتقوم به الاجماع حتى قيل إن ضعفه منجبر باستناد المشهور إليه فلم يبق إلا استفادة من استند إليه وجوب المتابعة وفهمهم ليس بحجة. ومنها: ان وجوب المتابعة العملية في الجماعة هل هو نفسي لا يترتب عليه سوى الاثم شئ من فساد الجماعة فضلا عن فساد الصلاة، أو شرطي يترتب عليه بطلان الجماعة؟ بل ربما قيل ببطلان أصل الصلاة ولو لم يخل بوظائف المنفرد كما


(1) كتاب الصلاة: ج 1، ص 343 وص 382، (الطبعة الحجرية).

[ 159 ]

سيظهر إن شاء الله تعالى وجهه. وقبل الخوض في ذلك ينبغي بيان ان حقيقة الجماعة متقومة بالمتابعة العملية كما ربما يستظهر من تقوم مفهوم الائتمام والاقتداء بها، أو الائتمام المحقق للجماعة أمر والمتابعة العملية امر آخر، ونسبتها إليه نسبة الوفاء إلى العقد ذهب بعض أعلام (1) العصر (قدس سره) إلى الاول واستنتج من ذلك شرطية المتابعة فبطل القدوة في ذلك الفعل الذي لم يتابع فيه دون سابقه ولا حقه، وعمدة مستنده في ذلك ما أشرنا إليه من ان المتابعة العملية ماخوذة في مفهوم الاقتداء والائتمام. ونظيره ما عن الشيخ الاجل (2) (قدس سره) من أن " جميع ما يعتبر شرطا في الجماعة خارج عن حقيقتها إلا المتابعة فانها مأخوذة في مفهومها " ولو صح ما ذكر لكان الامر اعظم من الوجوب الشرطي لان مقتضاه المقومية وتقوم الاقتداء بالمتابعة العملية دون الشرطية المبنية على مغايرة الشرط لمشروطه. ويندفع: أولا: بان الاقتداء والائتمام وإن كان متقوما بالمتابعة وكون أحدهما إماما والآخر مأموما، إلا ان الملحوظ في أصل انعقاد الجماعة، مجرد ربط صلاته بصلاة الامام وكونه تابعا له في الصلاة ولذا لا شبهة في أنه تنعقد الجماعة إذا أدركه في الركوع مثلا فكبر ناويا بهذا الاقتداء، فانه لا تبعية له في التكبيرة وليس الامام حال صدور التكبير منه إماما له ولا هذا المكبر فعلا مأموما له، فليست الامامة والمأمومية إلا فعلا ولا معنى له فعلا إلا " ربط صلاته بصلاته " وإن كان أحدهما في ركوع الصلاة والآخر في تكبيرتها، فلهما المعية في الصلاة وهو القدر الجامع بين تمام أنحاء الاقتداء. بل لو تأملت جيدا لوجدت الامر كذلك في جل الموارد، فان المأموم إذا كبر بعد تكبيرة الامام بلا فصل لا يكون أيضا مقتديا إلا في الصلاة لا في التكبيرة لان الامامة والمأمومية متضائفتان وهما معنيان غير مستقلين بالتحصل بل لابد من الاضافة إلى أمر وليس وهو إلا الصلاة دون التكبيرة لان المتضائفين


(1) مصباح الفقيه للهمداني (رحمه الله): كتاب الصلاة، ص 648. (2) كتاب الصلاة: ج 1، ص 298، وفيه " خارج عن مفهومها "، (الطبعة الحجرية).

[ 160 ]

متكافئان في الفعلية والقوة فلا يعقل أن تكون المأمومية بالقوة والامامة بالفعل فالامام لم يكن إماما له في التبكيرة بل إمام له فعلا في الصلاة فلزوم المتابعة في خصوص كل فعل بعدم التقدم عليه لابد وأن يكون بدليل آخر غير ما تقتضيه حقيقة المتابعة العملية. وثانيا: ان حقيقة الجماعة إذا كانت نفس المتابعة العملية في خصوصيات الافعال الصلاتية من التكبيرة والركوع والسجود وغيرها فاعتبار الجماعة المترتبة عليها الاحكام التكليفية والوضعية بأحد وجوه ثلاثة، إما باعتبار المتابعة العملية في جميع الاجزاء بالاسر نظير تعلق الوجوب الواحد بها. واما باعتبارها في المجموع في قبال الجميع، ومرجعه إلى عدم خلو المجموع عن المتابعة لا عدم خلو الجميع. وإما باعتبارها في كل فعل بالاستقلال بحيث يكون هناك بعدد أفعال الصلاة جماعة مستحبة. فإن كان الاعتبار على الوجه الاول: فاللازم بطلان الجماعة بذاتها وعدم تحققها بعدم المتابعة في فعل واحد، فلا معنى لبطلان القدوة في خصوص ما لم يتابع فيه. وإن كان على الوجه الثاني: فاللازم صحة الصلاة تماما جماعة بالمتاعبة في نعل، فلا معنى لبطلان القدوة في خصوص ما لم يتابع وصحتها في سابقه ولا حقه، بل تصح الجماعة في الجميع. وإن كان على الوجه الثالث: صح الالتزام ببطلان القدوة فيما لم يتابع والصحة في سابقه ولا حقه، فانها على الفرض جماعات فبطلان بعضها لا ينافي صحة بقية الجماعات، ولا يلتزم به هذا القائل بل يقول: بان الائتمام قد يلاحظ بالنسبة إلى مجموع الصلاة على الاجمال وقد يلاحظ بالنسبة إلى كل فعل على سبييل التدريج، وعلى الاول لا يبطل الائتمام مع المتابعة العملية في معظم الافعال ومع عدم الاعراض عن الائتمام وعلى الثاني يحكم ببطلان القدوة في خصوص ما لم يتابع فيه مع ان الاعتبارات متقابلة كما عرفت ولا يمكن الجمع بينهما مع أنه لو لم يكن للجماعة حيثية إلا نفس المتابعة العملية في كل فعل فلا مجال للعدول والانفراد بل مرجعه إلى

[ 161 ]

فعل مستحب وترك مستحب آخر فتدبر جيدا فانه حقيق به. وأما الكلام من حيث كون الوجوب شرطيا أو نفسيا، فنقول: أما مدرك الشرطية فأمران: أحدهما: ظهور الاوامر في العبادات ظهورا ثانويا في الارشاد إلى الجزئية والشرطية، وظهور نواهيها في الارشاد إلى المانعية، وهو غير مسلم، إنما المسلم هو أن الاوامر المتعلقة بالاجزاء والشرائط إرشادية لا للحكم المولوي لعدم قيام مصلحة مستقلة بها حتى يكون لها امر مولوي مستقل. ولا يقاس ما نحن فيه بمسألة البعد والحائل إذ ليست استفادة الشرطية والمانعية من الامر والنهي بل لقوله (1) (عليه السلام): " فليس تلك الصلاة لهم بصلاة ". ثانيهما: ما عن الشيخ الاجل (2) (قدس سره) من استفادة الشرطية من النبوي المتقدم نظرا إلى أن قوله (3) (عليه السلام): " فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا " يدل على ان المأموم غير مأذون شرعا في التكبير والركوع إلا بعد تكبير الامام وركوعه، فما اتى به مقدما على الامام غير مأمور به وما امر به غير مأتي به، فان اقتصر عليه كان نقيصة في الصلاة، وإن اتى به ثانيا كان زيادة فيه، ومقتضاه بطلان أصل الصلاة فضلا عن الجماعة، لتقيد التكبير الصلاتي والركوع الصلاتي في فرض الجماعة بكونهما بعد تكبير الامام وركوعه. ويندفع: بعد وضوح أن تكبير الامام ليس من قبيل شرط الوجوب بل لو كان لكان من قبيل شرط الوجود ان هذا المعنى من خصوصيات الجماعة فلا دخل له بالتكبير من المصلي بما هو مكلف بأصل الصلاة حتى يكون مقيدا للتكبير الصلاتي مثلا فما أتى به من حيث الامر بطبيعي الصلاة مطابق للمأمور به فلا نقيصة من حيث الصلاة. وأما كونه مقيدا للامر الندبي بالجماعة حتى ينتج بطلان الجماعة


(1) الوسائل: ج 5، ص 462، الحديث 2، من الباب 62 من ابواب صلاة الجماعة. (2) كتاب الصلاة: ج 1، ص 344 343. (الطبعة الحجرية). (3) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 496، الحديث 3، من الباب 39 من ابواب صلاة الجماعة (الطبعة الحجرية).

[ 162 ]

بما هي فمدفوع: بان ظاهر الامر للمأموم بالتكبير بعد تكبير الامام بما هما مأموم وإمام، وإن كان عدم مطابقة المأتي به للمأمور به إلا انه متفرع على وجوب المتابعة بقوله (1): " إنما جعل الامام إماما ليؤتم به " ووجوب المتابعة لا يقتضي بوجه تقيد المستحب بالمتابعة حتى إذا لم يتابع كان المأتي به غير المأمور به، بل ما اتى به مطابق للمأمور به من حيث الصلاة ومن حيث الجماعة وغير مطابق للامر بالمتابعة فقط، ومقتضى موافقته للمأمور به من حيث الصلاة ومن حيث الجماعة صحتها مطلقا فتدبر. ومما ذكرنا تبين أن الاقوى وجوب المتابعة نفسيا لا شرطيا إلا أنه مع ذلك ربما يتخيل اقتضاؤه لبطلان الجماعة بل الصلاة عند ترك المتابعة لاحد وجوه: وهي إما ان ترك المتابعة بالتقدم على الامام مقدمة لضد التقدم على الامام وهو المعية أو التأخر وترك التقدم واجب فالتقدم حرام. ويندفع: أولا: بأن ترك الضد ملازم لوجود الضد الآخر لا مقدمة. وثانيا: ان هذه الحرمة الغيرية لا يترتب عليها فساد العبادة، كما بين كلا الامرين في الاصول. وثالثا: ان الصلاة غير متحدة في الوجود مع التقدم المحرم حتى يحرم الجزء فتفسد العبادة بفساد جزئها، وليس ملازمة الوصف موجبة لسراية الحرمة إلى الموصوف الملازمة له. وإما ان ترك المتابعة متحد الوجود عرفا مع فعل التكبيرة مقدما على الامام فيحرم الجزء فيفسد العبادة. ويندفع: بان العناوين العدمية يستحيل انتزاعها عن الامور الوجودية، وإلا لزم الخلف لان الامور الوجودية حيثية ذاتها حيثية طرد العدم فكيف تكون مظابقا للعدم. وإما لتعلق النهي ابتداء بنفس التكبير المقدم على تكبير الامام فيفسد الجزء


(1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 496، الحديث 3، من الباب 39 من ابواب صلاة الجماعة (الطبعة الحجرية).

[ 163 ]

فيفسد الكل. ويندفع: بانه لا نهي عنه إلا في التكبيرة بقوله (1) (عليه السلام: " لا يكبر إلا مع الامام فإذا كبر قبله أعاد التكبير " وسيجئ إن شاء الله تعالى خصوصية للتكبيرة في هذا الباب ولو لم نقل بوجوب المتابعة العلمية رأسا. وأما حديث التشريع، فتارة يتكلم فيه على الوجوب الشرطي، وأخرى على الوجوب النفسي. أما على الاول: فمرجع التشريع إلى التشريع في تطبيق المأمور به بالامر الندبي المتعلق بالركوع الغير المقدم على ركوع الامام على الركوع المقدم، فيقع الركوع المأتي به تشريعا. وكما تبطل الجماعة لفرض الشرطية تبطل الصلاة لفرض حرمة المأتي به تشريعا فان اقتصر عليه كان من النقيصة في الصلاة وان تداركه بركوع آخر كان من الزيادة فيها. وأما على الثاني: فلا موقع للتشريع لا في الصلاة ولا في الجماعة، لان الركوع المأتي به جزء لطبيعي الصلاة، وجزء لحصة الجماعة بلا تقييد لا في الصلاة ولا في الجماعة، فلا معنى للتشريع في أحد الامرين. نعم يمكن فرض التشريع في تطبيق المتابعة المأمور بها نفسيا، على ما اتى به، وحيث إن الواجب نفس المتابعة اي عدم تقديم الركوع على ركوع الامام لاأن الواجب الركوع الغير المقدم، فلا يضر التشريع بوقوع الركوع مصداقا للامر الوجوبي بالصلاة ولا للامر الندبي بالجماعة، بل سبقه تشريعا لا يقع مصداقا للمتابعة الواجبة واقعا فيستحق الاثم بترك متابعته والاثم بتشريعه. وقد تقدم بعض الكلام في التشريع في أوائل مباحث الجماعة ما يندفع به بعض الايرادات الموردة على التشريع على القول بشرطية المتابعة للجماعة، فراجع. [ المبحث ] الثاني هل الاقوال كالافعال في وجوب المتابعة نفسيا أو شرطيا، أو لا؟ والكلام تارة في ما عدا التكبير، واخرى فيها.


(1) الوسائل: ج 2، ص 792، الحديث 1، من الباب 16 من ابواب صلاة الجنازة.

[ 164 ]

أما الكلام في غير التكبيرة من الاقوال: فمستند القول بالوجوب عموم النبوي المتقدم (1) وهو قوله (عليه السلام): " إنما جعل الامام ليؤتم به " بملاحظة حذف المتعلق فيعم كل ما كان من الصلاة التي قد اقتدى فيها بالامام. ويجاب عنه بان النبوي ضعيف السند ولا جابر له إلا عمل المشهور، والاستناد إليه في حكمهم بوجوب المتابعة إليه، في الافعال دون الاقوال، فلا جابر له في الاقوال وهو انما يصح إذا كان استناد المشهور إليه كاشفا عن صدور مضمونه والمضمون الذي عليه عملهم هو المتابعة في الافعال فقط، وأما إذا كان كاشفا عن صدور البنوي فلا معنى لكونه حجة موثوقا بصدورها تارة دون اخرى. واجيب أيضا كما عن الشيخ الاجل (2) (قدس سره) بان مورد المتابعة الواجبة هو ما يتعين على الامام والمأموم فيجب أن يكون المأموم تابعا فيه للامام، لا مالا يتعين على المأموم ما يختاره الامام، إذ مع عدم وجوبه على المأموم معينا لا معنى لوجوب المتابعة فيه وأذكار الركوع والسجود والقراءة والتسبيح في الاخيرتين كذلك، ولا تصح دعوى إرادة الجامع بين التسبيحة الكبرى والصغرى في الركوع والسجود، والجامع بين القراءة والتسبيح في الاخيرتين، لان المتابعة إنما يجب فيما يجب شرعا لا فيما ينتزع من الواجب شرعا، والجامع الانتزاعي كذلك. نعم هو اخص من المدعى، للاشتراك في التشهد وفي التسليم إلا بدعوى التخيير. بين ما يتأدى به الشهادتان ويتأدي به التسليم من " السلام علينا وعلى عباده الصحالين " ومن " السلام عليكم ". وبالجملة مدرك القول بوجوب المتابعة العملية في الافعال هو الاجماع فقط، ولا إجماع في الاقوال بل المشهور على عدم وجوبها فيها. وأما المناقشة في دلالة النبوي بما قدمناه من أن غاية المستحب مستحبة فلو تمت لدلت على عدم وجوب المتابعة في الافعال أيضا، مع إمكان دفعها بان تشريع الاقتداء إن كان مقدمة لا ستيفاء مصلحة المتابعة العملية كان التسبيب إليها بنحو


(1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 496، الحديث 3، من الباب 39 من ابواب صلاة الجماعة (الطبعة الحجرية). (2) كتاب الصلاة: ج 1، ص 348، (الطبعة الحجرية).

[ 165 ]

الاستحباب كاشفا عن ان التسبيب إلى تحصيل المتابعة بنحو الاستحباب ايضا، إذ لا معنى للتسبيب بنحو غير لزومي، للتوصل إلى التسبيب اللزومي، وأما إذا كان الائتمام محققا لا تصاف المتابعة بالمصلحة فلا تنافي بين كون مصلحة المقدمة غير لزومية، وكرن مصلحة ما يتوصل بها إليه لزومية. كالعفد بالاضافة إلى الوفاء بالعقد، فانه ليس العمل موصوفا بعنوان ذي مصلحة إلا عند تحقق العقد، فليس العقد مقدمة لايجاد أمر ذي مصلحة، والمتابعة كذلك لا مصلحة لها إلا في فرض الاقتداء، فلا منافاة بين كون مصلحة الاقتداء غير لزومية ومصلحة المتابعة بعد تحقق الاقتداء لزومية، فالاقتضاء المفهوم من قوله (1) (عليه السلام): " إنما جعل الامام إماما ليؤتم به " من قبيل اقتضاء الموضوع للحكم لا من قبيل اقتضاء الغاية لذي الغاية، فتدبر جيدا. هذا بعض الكلام في ما عدى التكبيرة من الاقوال. وأما التكبيرة فعدم التقدم فيها على الامام لا باقتضاء وجوب المتابعة بل باقتضاء نفس الائتمام والاقتداء توضيحه: ان حقيقة الاقتداء متقومة يربط صلاته بصلاة الامام، وحيث إن الامامة والمأمومية متضائفان وهما متكافئان في القوة والفعلية، فلا يعقل انعقاد صلاة المأموم جماعة قبل انعقاد صلاة الامام سواء وحبت المتابعة العملية في صلاة الجماعة أم لا. نعم ينطبق على انعقاد الصلاتين معا المتابعة العملية المقارنة لانعقاد الجماعة، لا ان هذا العنوان مقوم لمعية انعقاد صلاة الامام والمأموم، ومما ذكرنا تبين أنه كمالا تصح التكبيرة بعنوان الجماعة قبل تكبيرة الامام كذلك لا يصح الفراغ قبل فراغ الامام عن التكبيرة إذ لا تنعقد الصلاة بمجرد الشروع في التكبيرة بل بتمامها الذي هو فعل واحد من أفعال الصلاة فيكون انعقاد صلاة المأموم قبل انعقاد صلاة الامام منافيا لتضائف الامامة والمأمومية في الصلاة. ومنه يتقدح الاشكال في عدم جواز الشروع قبل شروع الامام فان جزء التكبيرة لا حكم له وإنما الاعتبار بانعقاد الصلاة بانعقاد التكبيرة وهو بالفراغ


(1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 496، الحديث 3، من الباب 39 من ابواب صلاة الجماعة (الطبعة الحجرية).

[ 166 ]

عنها، فلو شرع المأموم في التكبيرة قبل شروع الامام لكنه فرغ عنها بعد فراغ الامام عنها لم يلزم انعقاد صلاته قل انعقاد صلاة الامام حتى يكون منافيا لتضائف عنواني الامامة والمأمومية. وأما التسليم: فلا موجب لا ختصاصه بالمتابعة من بين سائر الاقوال إلا أمران: أحدهما: انه من حيث كونه مخرجا وانصرافا عن الصلاة معدود من الافعال كالتكبيرة من حيث كونها دخولا، وموجبا لا نعقاد الصلاة. ثانيهما: ما تقدم قريبا من حيث كونه من المشترك بين الامام والمأموم معينا، فلا موجب لعد شمول النبوي له. ويندفع الاول: بأن الافعال المقابلة للاقوال هي معقد الاجماع أو المتيقن منه وإلا فما من قول إلا وهو قابل لانطباق عنوان فعل عليه، وليس بعنوان الخروج والانصراف جزء من الصلاة بل بعنوان التسليم، ولم يكن موجب الاختصاص في التكبيرة كونها فعلا بعنوان أنه دخول في الصلاة بل بالبرهان المخصوص بها وفراغ المأموم من الصلاة بنفس التسليم بعنوان الاقتداء الملحوظ فيه أصل الصلاة كما مر لا ينافي تضائف الامامة والمأمومية. ويندفع الثاني: بعد تسليمه، ان العمدة في المتابعة هو الاحماع الذي لا يعم مورد النزاع لا النبوي حتى يستلزم إلحاق التسليم بل التشهد بالتكبيرة. والله أعلم. ومما ذكرنا من ان الاقتداء بلحاظ طبيعة الصلاة لا بلحاظ ما تجب فيه المتابعة تعرف ان بقاء القدوة مع التسليم قبل الامام لا ينافي عدم قصد الانفراد في صورة تعمد ترك المتابعة فان ترك المتابعة عمدا غير ترك الاقتداء. فتوهم انه في صورة تعمد التسليم قاصد للانفراد بلا وجه. كما ان الاشكال في عدم درك فضيلة الجماعة بتمامها، أيضا بلا وجه، لان المفروض وقوع صلاته من أولها إلى آخرها عن اقتداء، وليست المتابعة شرطا في أصل الصلاة، ولا في الجماعة ولا في فضيلة الجماعة. نعم هي في الافعال ذات مصلحة لزومية في الجماعة فتفوت تلك المصلحة بفواتها ويأثم بتركها حيث انها واجبة، بخلاف الاقوال التي لا دليل على وجوب المتابعة فيها فانه لا تفوت بفواتها مصلحة فضلا عن فضيلة الجماعة. نعم لو كانت

[ 167 ]

المتابعة في الاقوال من مستحبات الجماعة ومكملاتها تفوت بفواتها المرتبة العليا من فضيلة الجماعة دون أصلها. ومما ذكرنا يتضح حال المتابعة في مستحبات الصلاة حيث لا تجب تلك الافعال حتى تجب المتابعة فيها، وليس وجوب المتابعة مشروطا باتيانها حتى لا ينافي وجوب المتابعة استحباب الفعل وعلى تقدير استحباب المتابعة في المستحب من الافعال، لا تفوت بفواتها إلا كمال فضيلة الجماعة لا أصلها. وأولى بذلك الافعال التي هي من مقدمات الافعال الصلاتية كالنهوض للقيام، أو الهوي للسجود بل للركوع فان وجوب المتابعة فيها مع عدم وجوبها شرعا بلا موجب أصلا، بل لا موجب لاستحباب المتابعة فيها بعنوان المتابعة في المستحب. فرع إذا أحرم قبل الامام عمدا، أو سهوا لا تنعقد الجماعة حيث لاصلاة للامام حتى يرتبط بها صلاة المأموم من دون نظر إلى وجوب المتابعة وعدمه، وأما انعقاد صلاته فرادى بعد عمد تباين الجماعة والفرادي في الحقيقة فلا إشكال فيه إلا من حيث التشريع، وهو في صورة العمد فقط، من حيث قصد الجماعة وتطبيق المأمور به بالامر الندبي على المأتي به لما مر من أن الجماعة المأمور بها متقومة بربط صلاته بصلاة الامام، وحيث إنه لا صلاة للامام فلا يكون المأتي به موافقا للمأمور به، فاتيانه بعنوان أن مأمور به وموافق له تشريع منطبق على الفعل فلا يمكن التقرب به فلا يقع نفس الفعل عبادة. ومما ذكرنا ومما مرمنا سابقا تعرف عدم جريان هذا البيان في التسليم مع تعمد ترك المتابعة فيه بالتقديم فلا تشريع فيه من حيث أصل الصلاة ومن حيث الجماعة فتدبر جيدا. وهذا كله بناء على وجوب المتابعة نفسيا، إما في الاقوال كلية أو في خصوص التسليم، وأما بناء على الوجوب الشرطي فمقتضاه بطلان الجماعة بنفس تقديم التسليم وبطلان الصلاة بعنوان التشريع، وأما من حيث كونه كلاما آدميا فلا أثر له إلا من حيث عدم إمكان التدارك بسلام آخر بعد تسليم الامام، لا

[ 168 ]

من حيث فساد أصل الصلاة مع قطع النظر عن التشريع إذ لولا الشتريع لا مانع من وقوعه جزء من أصل الصلاة، وليس الفرض انه بسبب التشريع المحرم يصير كلاما آدميا إذ الشئ لا ينقلب عما هو عليه بحرمته بل هو كلام آدمي في نفسه جعل جزء مخرجا للصلاة فإذا حرم ولم يمكن وقوعه مصداقا للمطلوب يتمحض كونه كلاما آدميا، وحيث إنه لم يخرج به عن الصلاة فهو واقع في الصلاة ولا يمكن تدارك القاطع. تتميم قد عرفت سابقا ان الاصل جار في نفي شرطية ما يشك في شرطيته، ففي مثل المتابعة في الاقوال تنفي الوجوب النفسي والشرطي بالاصل حيث لا علم بثبوت أصله وأما في الافعال حيث إن أصله معلوم فمع عدم الاخلال بوظائف المنفرد يتمحض الشك في الوجوب النفسي فتجري البراءة عنه. ومع الاخلال بها هل يجب رعاية العمل الاجمالي فليس له التعمد بترك المتابعة لتنجز الوجوب النفسي على تقدير ثبوته واقعا أو حاله حال ما إذا لم يخل بوظائف المنفرد من حيث عدم الاثم؟ الظاهر هو الثاني لعدم الاثر للعمل الاجمالي مع عموم (1) " لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب " المقتضي لبطلان الصلاة فيتمحض الشك في الوجوب النفسي ولامانع من إجراء الاصل فيه لعدم أصل معارض فتدبر. المبحث الثالث [ حكم سبق الامام في رفع الرأس من الركوع أو السجود ] إذا سبق الامام في رفع الرأس من الركوع أو السجود فهل يجب العود مطلقا، أو


(1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 274، الحديث 5، من الباب 1 من ابواب القراءة في الصلاة (الطبعة الحجرية).

[ 169 ]

لا يجب بل لا يجوز مطلقا، أو يفصل بين العمد والسهو فلا يجب بل لا يجوز العود في العمد دون السهو فيجب العود المنسوب إلى المشهور هو الاخير، ومستند المشهور هو الجمع بين ما دل على عدم الجواز بحمله على صورة العمد وما دل على الوجوب على صورة السهو بشهادة الخبر الوارد الذي يختص بصورة السهو، ولا يخلو الجمع به عن إشكال بيانه: ان مادل على المنع عن العود هي موثقة غياث بن إبراهيم (1) " عن الرجل يرفع رأسه من الركوع قبل الامام أيعود قال: لا " وما دل على وجوب العود صحيحة ابن يقطين (2) " قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يركع مع إمام يقتدي به ثم يرفع رأسه قبل الامام قال: (عليه السلام) يعيد ركوعه معه " ومثلها رواية الفضيل (3) في السجود وأما ما يستشهد به للجمع فهي موثقة ابن فضال (4) " قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام) في الرجل يكون خلف إمام يأتم به فيركع المأموم قبل أن يركع الامام وهو يظن أن الامام قد ركع فلما رآه لم يركع رفع رأسه ثم أعاد الركوع مع الامام أيفسد ذلك صلاته أم يجوز له الركعة؟ فكتب يتم صلاته ولا يفسد ما صنع صلاته " وهذه الرواية بعد عدم الفرق بين الظن والسهو وإلغاء الفرق بين الركوع سهوا، أو رفع الرأس سهوا بمنزلة الخبر الدال على أن رفع الرأس سهوا موجب للعود فيحمل مادل على عدمه على غير صورة السهو لانه أخص منه. ووجه الاشكال ان قوله (عليه السلام): " لا " في موثقة غياث (5)، إما في مورد عدم وجوب الاعادة، كما هو الظاهر من قوله: في السؤال " أيعود " أي عليه العود أم لا؟ وإما في مورد عدم جواز الاعادة بجعل السؤال عن الجواز. فعلى الاول: لا معارضة بينه وبين موثقة ابن فضال لان غاية ما تدل عليه هذه الموثقة الثانية عدم مفسدية الاعادة لا وجوب الاعادة، فتبقى معارضة مادل على الوجوب مع موثقة غياث النافية للوجوب على حاله من دون موجب لتخصيص


(1) الوسائل: ج 5، ص 448، الحديث 6، من الباب 48 من ابواب صلاة الجماعة. (2 و 3 و 4) الوسائل: ج 5، ص 447، الحديث 3 و 1 و 4، من الباب 48 من ابواب صلاة الجماعة. (5) الوسائل: ج 5، ص 448، الحديث 6، من الباب 48 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 170 ]

الموجب بالسهو والنافي بالعمد. وعلى الثاني: فالمعارضة بين الموثقتين ظاهرة إلا أن الجمع بين الموثقة المانعة عن العود والصحيحة الموجبة له بدعوى أن الموثقة أخص بعد تخصيصها بالموثقه الاخيرة مبني على القول بانقلاب النسبة وهو خلاف التحقيق المحقق في محله. إلا أن يقال: إنه غير مبني عليه بل على أن تقديم الصحيحة يوجب طرح الموثقة بالكلية لعدم المورد لها بعد إخراج صورتي العمد والسهو، ومورد عدم الانقلاب فيما إذا لم يلزم منه مثل هذا المحذور، فتدبر. لكن العمدة ان موثقة غياث ظاهرة في عدم الوجوب لا في عدم الجواز، فلا يجدي في الجمع موثقة ابن فضال (1) لعدم دلالتها على الوجوب ولا على عدمه. فلذا يترجح جمع آخر وهو: حمل مادل على وجوب العود مطلقا على الاستحباب المجامع مع عدم الوجوب، لانه ظاهر في عدم جواز الترك المتقوم به الوجوب، والنافي له نص في جواز الترك ومقتضى تقديم النص على الظاهر مع التحفظ على أصل الاقتضاء الطلبي الذي لا معارض له هو الحكم باستحباب العود مطلقا وعدم وجوبه مطلقا، ولا يجري هذا الوجه بناء على دلالة الموثقة على عدم الجواز لان رفع اليد عن ظهور النهي والامر في الحرمة والوجوب لا يرفع التعارض لمنافاة الاستحباب مع الكراهة أيضا. وحمل الامر على الاذن في الفعل لكونه في مقام توهم الحظر من أجل لزوم الزيادة، وحمل النهي على نفي الوجوب من حيث توهم وجوب المتابعة، خلف كما لا يخفى وجهه. وربما يقال: في تصحيح فتوى المشهور بالتفصيل بين العمد والسهو، بان مقتضى القاعدة عدم جواز العود لانه زيادة عمدية، ولا دليل على اغتفارها إلا في صورة العذر من ظن، أو سهو كما هو مقتضى موثقة (2) ابن فضال، وهو من حيث جواز العود في العذر وعدمه في العمد وجيه، إلا أنه من حيث وجوب العود في صورة السهو، فهو محتاج إلى دليل. والاستناد إلى مادل على وجوب العود غير وجيه مع وجود المعارض، وقبل الجمع بينهما وحمل أخبار المنع على العمد وأخبار الوجوب على


(1 و 2) الوسائل: ج 5، ص 447، الحديث 4، من الباب 48 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 171 ]

صورة السهو مع تساويهما في الاطلاق، والانصراف بلا وجه، إلا أن يقال: إن نفس اغتفار الزيادة بموثقه (1) ابن فضال كاشف عن وجوب المتابعة في صورة رفع الرأس سهوا، فيتم مسلك المشهور، وذلك لان الزيادة حيث كانت مشتملة على مفسده لزومية مضادة لمصحلة الصلاة فلذا كانت مانعة قد اعتبر عدمها في الصلاة، فإذا كانت المتابعة واجبة كشفت عن مصلحة لزومية أقوى من مفسدة الزيادة. بخلاف ما إذا استحبت الاعادة والمتابعة فإن المصلحة الغير اللزومية لا تزاحم المفسدة اللزومية فلا يعقل اغتفار الزيادة. واحتمال كون الزيادة لا بعنوان المتابعة ذات مفسدة لا مطلق الزيادة يدفعه: ظهور أخبار الزيادة في أنها بما هي زيادة الركوع مثلا من موانع الصلاة ومنه تعرف الخدشة في الجمع بين الاخبار بحملها على استحباب العود مطلقا، فان هذا الجمع إنما يصح إذا تمحض في عنوان تقديم النص على الظاهر، لا فيما إذا لزم منه محذور الزيادة التي لا يعقل اغتفارها مع استحباب المتابعة بالاعادة، والله العالم. فروع أحدها: بناء على وجوب العود في صورة رفع الرأس عن عذر تصح الصلاة مع ترك المتابعة وإن أثم به، أو تبطل الصلاة رأسا، أو جماعة؟ ولا يخفى أن مقتضى كون وجوب العود للمتابعة نفسيا، هو الاول. وأما الاحتمالان الآخران فمبني على أحد امور: منها: استظهار الشرطية من خصوص الامر بالعود وحينئذ يطالب بالفارق بير هذا الامر والامر بالمتابعة عموما. ومنها: اقتضاء عنوان الاعادة المأمور بها لخلل في المأتي به ومقتضاه بطلان الصلاة مع الاقتصار عليه ولا اقل من بطلان الجماعة نظرا إلى كشف عنوان إعادة المأتي به عن كونه غير موافق للامر الندبي بالجماعة، فهو بما هو صادر عن المأموم بما


(1) الوسائل: ج 5، ص 447، الحديث 4، من الباب 48 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 172 ]

هو مأموم باطل لا بما هو مصل، لكنه لا يساعده مقام الثبوت، إذ لا خلل جزما في المأتي به من حيث أجزاء الصلاة وشرائطها ومن حيث شرائط الجماعة على الفرض فيحمل الاعادة على مجرد فعله ثانيا للمتابعة في الركوع بقاء. ومنها: أن الامر بالعود أمر بالالغاء والابدال وهو لا ينافي وقوع الاول صحيحا من حيث أصل الصلاة ومن حيث الجماعة، إلا أن الالغاء تارة لتحصيل أفضل الافراد كما في الصلاة المعادة على وجه، واخرى لتحصيل المتابعة الواجبة بقاء مع وحدة الركوع الصلاتي وعدم تعدده. ويندفع: بان الالغاء والابدال إنما يصح إذا كان البدل وافيا بما اتى به وزيادة وكيف يكون الركوع الثاني المشتمل على المتابعة بقاء ولو لحظة اتم من المأتي به المشتمل على المتابعة مدة مع أنه لا ينتج فساد الصلاة رأسا أو جماعة مع عدم الالغاء والابدال وحمله على الارشاد إلى لغويه المأتي به يساوق الامر بالاعادة لخلل في المأتي به، وهو بلا وجه، كما عرفت. ثانيها: هل يجل الذكر في الركوع الثاني أم لا فان قلنا: بانه لمجرد المتابعة لا يحب الذكر لانه ليس من مقومات الركوع بل من واجباته وما يجب فيه بحسب دليله هو الركوع الذي هو من مقومات طبيعة الصلاة دون الركوع الذي هو لمجرد المتابعة، ودليل المتابعة لاختصاصه بالافعال دون الاقوال لا يقتضي اتيانه بهذا العنوان، ولا دلالة للامر بالعود والاعادة على اتيان الركوع بشؤونه وواجباته. نعم إذا قلنا بوجوب العود لبطلان الاول، أو لالغاء الاول وابداله فلا ريب في وجوب الذكر لا ستقرار الامتثال على الثاني فهو الركوع الصلاتي، فيحب فيه كل ما يحب فيه من الذكر والطمأنية. ثالثها: إذا ترك الذكر في الركوع الاول عمدا بطلت صلاته، وأما إذا تركه سهوا مع رفع الرأس سهوا فلا موجب لبطلانه مع فوات محله على ما اخترناه من أن الركوع الثاني لمجرد المتابعة، وأما إذا قلنا ببطلان الاول أو بالغاء الاول وجب الذكر في الركوع الثاني مع الاتيان به في الاول فضلا عما إذا لم يأت به. نعم بناء على صحة الاول وعدم إلغائه واحتمال كون الثاني متمما للاول واعتباره اعتبار بقاء الركوع الاول لا أنه ركوع آخر حيث إنه لا تعدد في الركوع، فالمحل حينئذ باق ومع

[ 173 ]

بقاء المحل يحب تدارك المنسي، إلا أن اعتبار كونه تتمة للركوع الاول لا لمجرد المتابعة لا دليل عليه. واستصحاب بقاء المحل لا وجه له لكونه من القسم الثالث من استصحاب الكلي وهو زوال فرد وحدوث فرد آخر مقارن لزواله. ويمكن أن يقال: إنه لا شبهة في أن الركوع الثاني للمتابعة بقاء لا حدوثا إذا لا ركوع آخر من الامام حتى يجب المتابعة فيه حدوثا، وإذا كان اعتبار المتابعة فيه من حيث البقاء فهو مستلزم لاعتبار بقاء الركوع الاول بالغاء رفع الرأس وجعله كالعدم، وعليه فالمحل في اعتبار الشرع باق فيجب فيه تدارك المنسي. إلا ان يقال: ان غاية ما يقتضيه اعتبار بقاء المتابعة هو بقاء الركوع من حيث كونه محلا للمتابعة، لا مطلقا حتى يرتب عليه آثار محل المنسي أيضا، ومع ذلك فالاحتياط بالتدارك مما لا ينبغي تركه، لانه نقص لم يعلم اغتفاره لاحتمال بقاء محله، ولا وجه للتمسك " بلا تعاد " (1) لان شموله لما نحن فيه مشكوك حيث لا تعاد مع فوات المحل لا مطلقا. مضافا إلى شبهة شموله لما في أثناء الصلاة. نعم لا يجب الاحتياط بإعادة الصلاة مع التدارك فانه مع عدم بقاء المحل واقعا والمنسي مرفوع قطعا فلا يدور الامر بين بطلان الصلاة ووجوب التدارك، فتدبر. رابعها: لا ريب في جواز العود مع العلم الوجداني أو الاطمينان ببقاء الامام راكعا، وأما مع الشك فيشكل العود للدوران بين وجوبه وحرمته لكونه زيادة غير مغتفرة، وليس من موارد التخير لامكان التخلص بقصد الانفراد، فليس أحد الامرين مما لابد منه حتى يتخير عقلا بين الفعل والترك، وقد مر سابقا ان مورد الرجاء ما إذا دار الامر بين وقوعه امتثالا للامر وعدمه، لابينه وبين الزيادة المحرمة المبطلة للصلاة، فتدبر. ومنه تعرف أنه إذا عاد بوجه سائغ فلم يدرك الامام في الركوع لم يكن ركوعه امتثالا للامر بالمتابعة حيث لم يكن مقدورا له واقعا، ولا دليل على اغتفار الزيادة إذا كانت بقصد المتابعة فقط، فان المتابعة وإن كانت قصدية إلا أنها ليست مجرد


(1) الوسائل: ج 4، ص 770، الحديث 5، من الباب 29 من ابواب القراءة في الصلاة.

[ 174 ]

القصد. خامسها: إذا رفع رأسه فرأى الامام في السجدة فتخيل أنها الاولى فسجد للمتابعة فبان أنها الثانية وكذا إذا تخيل أنها الثانية فسجد لها فبان أنها الاولى حسبت متابعة على الثاني، ومن الصلاة على الاول. وهو مبني على إدراجه تحت عنوان الخطأ في التطبيق بدعوى انه قاصد لا متثال الامر المتوجه إليه فعلا، وإن زعم تارة أنه الامر بالمتابعة واخرى انه الامر بالسجدة الثانية، ولولا ذلك لاشكل الامر في الفرع الاول نظرا إلى أن الاولية والثانوية وإن لم تكن مقومة للمأمور به إلا أن قصد السجود الصلاتي وامتثال أمره لازم، فان كان السجود الذي يؤتى به بعنوان المتابعة من باب إعادة السجدة، أو إلغاء المأتي به، أو كونها متممة للاولى، وكان قصد السجود الصلاتي محفوظا، أما مع القول بتمحض المأتي به ثانيا في المتابعة وأنه ليس من السجود الصلاتي وأنه سجود زائد في الجماعة بعنوان المتابعة فالقصد إلى ما هو جزء الصلاة وإلى امتثال أمره غير محقق فكيف يقع من الصلاة. نعم يمكن دفع الاشكال عن الفرع الثاني بان قصد المتابعة غير لازم، وقصد الركوع الصلاتي مثلا غير ضائر بل المتابعة اللازمة كما تجب فيما هو متمخض في المتابعة كذلك في الركوع الصلاتي فتدبر. المبحث الرابع فيما إذا ركع أو سجد قبل الامام والحكم في هذه السمألة كالحكم في المسألة المتقدمة على المشهور من عدم جواز العود مع العمد ووجوبه مع العذر، والحكم بلحاظ النص في هذه المسألة أو ضح من سابقتها، لورود الاطلاقات الموجبة للعود والمانعة عنه في المسألة السابقة، كما أن المخصص للعود بصورة العذر مختص بهذه المسألة، فلقائل: أن يجمع بين الاطلاقات في المسألة السابقة بحمل المانع على عدم الوجوب والمثبت على الاستحباب دون هذه المسألة. إلا بعدم القول بالفصل بين المسألتين وجعل المخصص الوارد هنا كالوارد هناك. وبالجملة مقتضى القاعدة عدم جواز العود للزوم الزيادة ولا دليل على

[ 175 ]

اغتفارها إلا في صورة العذر هنا نعم وجوب العود مع العذر مما لا تدل عليه الموثقة (1) التي هي دليل خصوص هذه المسألة إلا بالتقريب المتقدم في آخر المبحث السابق. نعم بناء على عدم القول باتحاد المسألتين في الحكم، يشكل إجراء الحكم في صورة السبق إلى السجود لاختصاص الموثقة بالسبق إلى الركوع، فلا دليل على اغتفار الزيادة بالعود إلى السجود بعد صحة السجود المأتي به، لفرض عدم شرطية المتابعة للجماعة فضلا عن أصل الصلاة. إلا أن يستظهر من النبوي (2) وجوب متابعة الامام في أفعاله وإن لم تجب على المأموم فيكون دليل وجوب العود دليلا على اغتفار الزيادة فيكون نظير الجلوس للتشهد في المأموم المسبوق فانه يجب عليه المتابعة وإن لم يجب الجلوس على المأموم. إلا أن الاستظهار المزبور من النبوي محل النظر بل الظاهر ان ربط صلاته بصلاة الامام يقتضي أن تكون أفعال صلاته تبعا لافعال الامام فيأتي بركوعه مع ركوع الامام، وأما الجلوس للتشهد فلم يعلم انه يجب من حيث كونه من واجبات التشهد بل من حيث متابعة الامام في القيام فلابد أن لا يقوم قبل الامام. وينبغي التنبيه على امور: منها: ان هذا الحكم مختص بما إذا لم يكن السبق إلى الركوع في حال قراءة الامام أو يعم حال القراءة؟ والكلام تارة فيما إذا كان السبق عن عمد، واخرى في ما كان عن عذر. أما إذا كان عن عمد: فربما يقال: ببطلان الصلاة في صورة العمد نظرا إلى أنه لا يتمكن من تدارك ما فاته للزوم الزيادة، ويندفع: بانه لا قراءة عليه حتى يكون تاركا لها عمدا، ولا يجب عليه القيام حال القراءة لما مر من أن القيام إما شرط حال القراءة أو واجب فيها، وحيث لا يجب عليه القراءة فلا مشروط حيت يتوقف


(1) الوسائل: ج 5، ص 448، الحديث 6، من الباب 48 من ابواب صلاة الجماعة. (2) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 496، الحديث 3، من الباب 39 من ابواب صلاة الجماعة (الطبعة الحجرية).

[ 176 ]

على شرطه، ولا واجب كي يعتبر فيه شئ. وأما ضمان الامام للقراءة فهو ليس من آثار المتابعة بل من آثار الجماعة فما دامت الجماعة باقية ولم ينقلب إلى الانفراد يسقط القراءة، ومنه تبين الفرق بينما نحن فيه ومسألة قصد الانفراد في أثناء القراءة وتوهم أنه ما لم يفرغ عن القراءة لا تسقط القراءة عن المأموم فركوعه قبل سقوط القراءة عنه كركوعه قبل تمام القراءة في الفرادى حيث لا أمر له بالركوع إلا بعد القراءة أو مسقطها فالبطلان على هذا مستند إلى وقوع الركوع في غير محله، لا إلى ترك القيام، ولا إلى عدم الاتيان بالمسقط إذ لا مسقط عليه بل يسقط القراءة عنه بقراءة الامام. مدفوع: بأن ترتب الركوع على القراءة في طبيعة الصلاة مسلم وأما ترتبه على سقوط القراءة بقراءة الامام فلا دليل عليه، فالركوع من المأموم حيث إنه غير مترتب على القراءة إذ لا قراءة عليه ولا على مسقطها إذا لا دليل عليه يقع في محله جزما. ومما ذكرنا تعرف ما في بعض العبارات من أنه ترك القراءة وترك بدلها أو أنه ترك القراءة وترك المسقط لما عرفت أن البدل والمسقط ليس من أفعاله حتى يقال: بأنه تركهما وأن البطلان مستند إلى تركه فاحسن وجوه العبارة ما عن بعض الاعلام (رحمه الله) من أن مرتبة الركوع بعد القراءة وسقوطها فيكون البطلان مستندا إلى عدم وقوع الركوع في محله لا إلى ترك شئ من أفعال الصلاة وقد عرفت ما فيه وعليه فليس في مورد تعمد السبق إلا الاثم بترك المتابعة في الركوع، فتدبر. وأما إذا كان السبق إلى الركوع عن عذر: فالكلام فيه من حيث البطلان بمجرد السبق ما مر، إلا أنه يقع الكلام في أنه يجب العود عليه لا لمجرد المتابعة في الركوع بل لادراك قراءة الامام أم لا؟ ولا ينبغي الريب في عدمه إذا قلنا: بعدم البطلان في صورة العمد لعدم، فوات شئ منه سوى المتابعة. وأما على القول بالبطلان فربما يقال: بان المتروك سهوا مرفوع إذا لم يبق محله، وبعد لزوم العود بعود المحل فيجب التدارك لعدم فوات المحل بمجرد الركوع سهواهنا. ويندفع: بانه ان كان لزوم العود من باب الغاء الركوع الاول واستقرار الامتثال على الركوع الثاني بطلت الصلاة بعدم العود، سواء كان السبق قبل إكمال القراءة أو بعدها وان كان لمجرد المتابعة

[ 177 ]

لا للغوية الاول فلا تبطل الصلاة بعدم تدارك المنسي لان الركوع الثاني ليس من الركوع الصلاتي حتى إذا عاد عاد محل القراءة وبدلها. ولا يقاس هذه المسألة بمسألة رفع الرأس فان الركوع الثاني قابل لان يكون متمما للاول في تلك المسألة فهو من حيث كونه من متممات الاول يجب فيه تدارك ما فاته في الاول كالذ كر مثلا، بخلاف هذه المسألة فانه ليس فيه اعتبار المتممية إذ لم يقع الركوع الاول مع الامام حتى يكون الثاني متابعة للامام بقاء كما قربناه. ومنها: أنه بناء على وقوع الركوع الاول عمدا كان أولا في محله وجب فيه كل ما يجب في الركوع الصلاتي من ذكر، أو طمأنينة ولا يجب شئ منها في الركوع المتمحض في المتابعة لعدم الموجب كما تقدم كما لا يجب تدارك المنسي في الاول كما مر. ومنها: إذا سبق الامام إلى القيام، ففيه تفصيل: فان كان إلى القيام حال القراءة فقد مر فيما تقدم من أن القيام إما شرط للقراءة أو واجب فيها وحيث لا مشروط ولا واجب عليه فلا يكون شرطا ولا واجبا حتى تجب فيه المتابعة، أو يكون لسبقه عمدا أو سهوا أثر فلا يضر بقاؤه على حاله إلى ان يلحقه الامام، ولومن حيث الاثم في العمد، كما لا مانع من عوده وهدمه للقيام من حيث الزيادة العمدية، حيث إنه من الافعال العادية لامن الافعال الصلاتية إلا بناء على ما قدمناه من احتمال وجوب المتابعة فيما يجب على الامام فحينئذ حاله حال السبق إلى الركوع مثلا، لكنك قد عرفت ضعفه. وأما إن كان السبق إلى القيام في الاخيرتين، أو كان السبق إلى القيام بعد الركوع، فحاله حال السبق إلى سائر واجبات الصلاة عليه وعلى الامام لفرض وجوبه عليه سواء كان شرطا أو واجبا في واجب كما في الاخيرتين أو كان واجبا مستقلا، وان كان محله بعد الركوع. وأما احتمال وجوب القيام مطلقا مستقلا. فضعيف جدا ولذا لو تمكن من القيام بمقدار القراءة لا مع القراءة وجب عليه القراءة جالسا ولا تجب بعدها أو قبلها القيام بمقدار القراءة ولو كان واجبا بنفسه من دون ارتباط بالقراءة للزم فعله

[ 178 ]

ولو، لامع القراءة. بل يمكن أن يقال: إن القيام في الاخيرتين وإن كان واجبا، إلا أنه حيث إنه واجب في واجب أو شرط فيه فمجرد القيام عمدا لايمنع عن الهدم ومتابعة الامام في القيام، إذ لا يقع امتثالا للامر إلا بعد مقارنته للتسبيح في الاخيرتين حتى يقع الواجب في الواجب أو يتحقق الشرط المقارن للواجب فلا يتحقق الزيادة العمدية في واجبات الصلاة بالعود إلى القيام مع الامام، فتدبر ومما ذكرنا يتضح حال السبق إلى الجلوس للتشهد فإنه كالقيام في الاخيرتين حرفا بحرف. نعم احتمال وجوبه مستقلا، وموهوم جدا. وأما الجلوس مع الامام للتشهد سهوا في غير محله، فليس من أجل المتابعة حتى فيما لا يجب على الامام واقعا بل من حيث عدم لزوم السبق إلى القيام، وعليه فله إطالة السجود حتى يقوم الامام كما لا يخفى وجهه. المبحث الخامس التأخر عن الامام في الافعال الصلاتية التأخر عن الامام في الافعال الصلاتية بمقدار غير ضائر، بل قد تقدم دعوى لزومه في المتابعة والاقتداء، وإنما الكلام تارة في لزوم تعقيب التكبير للتكبير والركوع للركوع وهكذا بلا فصل معتد به، واخر في أن التأخر الفاحش يبطل الجماعة أم لا؟. أما لزوم التعقيب فلا مدرك له إلا النبوي (1) المتقدم في أوائل المسألة بناء على الاحتمال الثاني من محتملاته الثلاثة هناك فيكون الامر بالركوع إذا ركع الامام أمرا باتيانه متعاقبا فيكون منعا عن التأخير لا منعا من التقديم. وقد عرفت سابقا أنه أظهر من سائر المحتملات فراجع، وأما التأخر الفاحش فان اعتبرنا في تحقق الجماعة الاجتماع العرفي، فالتاخر الفاحش يمنع عن صدق اجتماع الامام والمأموم، فإذا كان الامام في آخر صلاته والمأموم في أولها كان المأموم في نظر


(1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 496، الحديث 3، من الباب 39 من ابواب صلاة الجماعة (الطبعة الحجرية).

[ 179 ]

العرف كالمنفرد في صلاته. وإن لم نعتبر الاجتماع العرفي وكان المدار على صدق الائتمام والاقتداء، فقد عرفت سابقا أن الائتمام متقوم بربط صلاته بصلاة الامام والمتابعة بجميع معانيها من أحكام الجماعة، لا من مقوماتها. ولو كان التخلف عن الامام في ركن أو أزيد منافيا للقدوة لم يكن فرق بين التعمد والعذر مع ورود صحيحة عبد الرحمن (1) في صورة السهو عن الركوع مع الامام، بأنه يركع ويلحق الامام في السجود وفي روايته الاخرى (2) الواردة في الجمعة " إن المأموم إذا لم يتمكن من الركوع والسجود معا مع الامام لاجل الزحام يركع ويسجد ويلحق به في الركعة الثانية " نعم لا دلالة لهما على جواز التخلف حتى في ركن واحد، لورود هما في صورة العذر عن المتابعة، وسيجئ إن شاء الله تعالى في المسألة الآتية بعض ما يناسب المقام فانتظر. المسألة الثالثة في أحكام المأموم المسبوق وفيها مباحث: الاول: لا خلاف في أن وظيفة المأموم المسبوق هي القراءة في الاولتين له، لا متابعة الامام في التسبيح وتخصيص الركعتين الاخيرتين بالقراءة، كما عن أبي حنيفة، ونسب إلى أبي علي منا، والاخبار بما ذكرنا مستفيضة بل فيها التعريض على العامة بقولهم (3) عليهم السلام: " هذا يقلب صلاته فيجعل أولها آخرها " وليس ذلك مقتضى وجوب المتابعة حتى في الاقوال وفيما يجب على الامام دون المأموم فانه فيما لا يستلزم ترك ما يجب على المأموم. وما رواه العامة (4) عن النبي صلى الله عليه وآله من أنه " قال صلى الله عليه وآله: ما أدركتم فصلوا وما فاتكم


(1) الوسائل: ج 5، ص 34، الحديث 4، من الباب 17 من ابواب صلاة الجمعة وآدابها. (2) الوسائل: ج 5، ص 32، الحديث 1، من الباب 17 من ابواب صلاة الجمعة وآدابها. (3) الوسائل: ج 5، ص 446، الحديث 7، من الباب 47 من ابواب صلاة الجماعة. (4) سنن ابي داود: ج 1، ص 156، باب السعي إلى الصلاة (الرقم 572).

[ 180 ]

فاقضوا " بعد ما ورد عن اهل بيت الوحي سلام الله عليهم محمول على الترغيب في عقد الجماعة والامر بالصلاة جماعة مع عدم إدراك الامام من أولها وفعل ما فاتكم معه فان القضاء في لسان الشرع مجرد الفعل ويناسب المصطلح عليه أيضا حيث إن القراءة فاتته مع الامام فيأتي بها لنفسه. الثاني: هذه الوظيفة وهي القراءة في الاولتين بنحو الوجوب، كما هو المعروف لا بنحو الاستحباب كما حكي عن العلامة (قدس سره) في المنتهى، والالتزام بعدم الوجوب إما لعدم المقتضي، وإما لوجود المانع. أما عدم المقتضي مع ظهور الصيغة بطبعها في الوجوب لكون الامر في صحيحة عبد الرحمن في سياق بعظن المستحبات والمكروهات لامن حيث استعمال الصيغة في الجامع، حتى يقال إنه لا موجب له لتعدد الامر، إلا أن قرينة السياق ضعيفة لا يرفع بها اليد عن الامر الظاهر في الوجوب، خصوصا بملاحظة سائر الاخبار الخالية عن هذه القرينة، فإن قرينة السياق تمنع عن الظهور فالامر لا اقتضاء، لاأنه يقتضي العدم حتى يعارض سائر الاخبار الخالية عن قرينة السياق وفيها الصحيح عن زرارة (1) واشتمالها على القراءة في نفسه يراد بها الاخفات في القراءة، لا حديث النفس إذ لا قراءة مع حديث النفس، فحفظ عنوان القراءة في جميع الاخبار يقتضي إرادة الاخفات بها لا عدمها إلا في النفس، الراجع إلى فرضها وتصورها، فتدبر. وأما وجود المانع: فلتوهم دلالة ضمان الامام للقراءة حتى للمسبوق مع أن أخباره ظاهرة في ضمان الامام لقراءة المؤتم بالامام حال القراءة وسقوطه عن المؤتم في الركوع حتى في الاخيرتين لفوات محل القراءة بدليل خاص، وقدم تقدم بعض الكلام فيه. الثالث: لو لم يمهله عن قراءة السورة تسقط عنه السورة لا لاقتضاء دليل وجوب المتابعة لما مر منا من أن وجوب المتابعة من أحكام الجماعة وهي هيئة مستحبة في


(1) الوسائل: ج 5، ص 426، الحديث 4، من الباب 32 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 181 ]

الصلاة المستجمعة لجميع الاجزاء والشرائط، فلا يقتضي سقوط ما يتفرع على ثبوته، بل لصحيحة زرارة (1) " فان لم يدرك السورة تامة أجزأته أم الكتاب " وهل سقوط السورة منوط بعدم التمكن منها رأسا بحيث لو تمكن من بعضها لم يسقط البعض أو إذا لم يتمكن من تمامها سقط رأسا، وظاهر قوله (عليه السلام): " لم يدرك السورة تامة أجزأته ام الكتاب " إن المدار على التمكن من سورة كاملة لا أن المراد عدم التمكن من تمام أجزائها حتى إذا أدرك بعضها لم يصدق عدم إدراك تمام أجزائها، فإنه الظاهر ورود سلب التمكن على الواحد الملحوظ فيه الاجزاء بنحو المجموع، لا عموم السلب فمن أدرك بعض السورة يصدق عليه أنه لم يدرك سورة كاملة بل بعضها. وعن بعض أعلام العصر (قدس سره) تأييد الوجه الاول بما ذكره من ذيل موثقة عمار (3) وهو هكذا " وبقرء خلفه في الركعتين يقرء في الاولى الحمد وما أدرك من سورة الجمعة ويركع مع الامام وفي الثانية الحمد وما أدرك من سورة المنافقين " إلا أن وجوب السورة التامة يقتضي اختيار سورة قصيرة يدرك معها الركوع لا اختيار سورة طويلة والاقتصار على بعضها لا دراك الركوع، ولا يمكن حمله على توهم الادراك مع قصر زمان التسبيحات الاربع وطول مدة قراءة الفاتحة وسورة الجمعة، ومع ذلك فالاحوط إتمام السورة واللحوق بالامام في الركوع. الرابع: إذا لم يمهله لقراءة الفاتحة كاملة هل يجوز له الاقتصار على بعضها واللحوق بالامام في الركوع، أو يجب إتمامها واللحوق به ولو في السجود، مقتضى القاعدة هو الثاني لوجوب الفاتحة وعدم اشتراط انعقاد الجماعة بإدراك الركوع إذا أدرك الامام قبله، وعدم كون التخلف بهذا المقدار لعذر مضرا بالجماعة، وسقوط القراءة عند إدراك الامام راكعا لفوات محلها لدليل، لا يلازم سقوطها في محلها مع إمكان الاتيان بها وعدم لزوم محذور منه.


(1) الوسائل: ج 5، ص 445، الحديث 4، من الباب 47 من ابواب صلاة الجماعة. (2) مصباح الفقيه الهمداني (رحمه الله): كتاب الصلاة، ص 698، الفرع الاول. (3) الوسائل: ج 5، ص 44، الحديث 2، من الباب 29 من ابواب صلاة الجمعة.

[ 182 ]

وقيل: بالاول لصحيحة معاوية بن وهب (1) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يدرك آخر صلاة الامام وهو أول صلاة الرجل فلا يمهله حتى يقرء فيقضي القراءة في آخر صلاته؟ قال: نعم) نظرا إلى أن قوله (عليه السلام): " نعم " تقرير لامرين أحدهما ترك القراءة، وثانيهما قضاؤها فيما بقي من الاخيرتين من صلاة المأموم لئلا تخلو صلاته عن قراءة الفاتحة فيكون اختيار القراءة حينئذ أرجح من التسبيحات، وعدم القول بالامر الثاني لا يقتضي عدم القول بالاول، فتدل الصحيحة على جواز ترك القراءة مع عدم إمهال الامام، ولاخصيتها مما دل على لزوم القراءة مطلقا يكون مقدمة عليه حتى على ما يظهر منه لزوم الفاتحة، كصحيحة زرارة (2) بناء على استفادة تعين الفاتحة من قوله (عليه السلام): " أجزأته أم الكتاب " فانه يحمل على ما إذا أمهله الامام لقرائتها ولا مجال لحملها على التقية، إذ ما أفتى به أبو حنيفة هو التسبيح في الاولتين والقراءة في الاخيرتين، لا ترك القراءة في الاولتين لعدم الامهال. بل تعين القراءة في الاخيرتين، كالاولتين في المسبوق مدلول بعض الروايات. نعم ما أرسله (3) في الدعائم مما يوافق الصحيحة في ترك القراءة مع عدم الامهال، فلا أظن أنه غير هذه الصحيحة كما يظهر بالتتبع في روايات الدعائم، فإنها مأخوذة من غيرها لا في قبالها، وعليه فالقول بسقوط الفاتحة مع عدم الامهال لا يخلو عن قوة ولعل المتتبع في روايات باب الجماعة يطمئن بأهمية المتابعة وحفظ هيئة الجماعة، والله أعلم. الخامس: المراد بعدم الامهال هل هو عدم إدراك الركوع ولو آخره، أو فوات الركوع من أوله، والظاهر من قوله: " لا يمهله الامام حتى يقرء " أنه لا يمهله بركوعه، فحيث إنه ركع قبل إتمام القراءة ما أمهله لا تمامها لا أنه حيث إنه يرفع رأسه قبل تمام القراءة ما أمهله لا تمامها، فان المشهود للمأموم ركوعه قبل الاتمام لا عدم


(1): ج 5، ص 446، الحديث 5، من الباب 47 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5، ص 445 الحديث 4، من الباب 47 من ابواب صلاة الجماعة. (3) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 495، الحديث 1، من الباب 38 من ابواب صلاة الجماعة (الطبعة الحجرية).

[ 183 ]

امتداد ركوعه حتى يتم القراءة، وهو مقتضي أهمية المتابعة حدوثا وبقاء، وحفظ هيئة الجماعة، بل الامر كذلك في صحيحة زرارة (1) فان قوله (عليه السلام): " فان لم يدرك السورة تامة أجزأته أم الكتاب " ظاهرة عدم الادراك لمكان ركوع الامام قبل تمام السورة، فانه المشهود للمأموم لا عدم امتداد ركوعه فإنه ربما يعلم وربما لا يعلم والاحتياط باتمام القراءة واللحوق بالامام ولو في آخر ركوعه لا ينبغي تركه. السادس: لا يخفى أن حكم الدخول مع الامام في الاخيرتين ما مر من ترك السورة، أو مع الفاتحة مع عدم إمهال الامام فالدخول مع علمه بعدم الامهال دخول في موضوع حكمه ترك القراءة كلا أو بعضها لا أنه تفويت للقراءة الواجبة. وإطلاقات الاخبار من حيث الدخول سواء علم بإمهال الامام أم لا كافية في المقام. وبالجملة فالدخول في ركعة هي في معرض الامهال وعدمه مفروض في الاخبار، ولا موجب لحملها على صورة العلم بالامهال فانكشف خلافه. السابع: إذا اعتقد إمهال الامام فقرء فلم يدرك الركوع، لا تبطل صلاته جماعة فضلا عن أصلها أما جماعة فلان المتابعة في الركوع واجبة نفسا لا شرطيا، والمفروض ان تركها لمسوغ عقلي وهو العلم بالامهال وإدراك الركوع وأما أصلا فلعدم الاخلال بشئ من أجزاء الصلاة وشرائطها. ومنه علم أنه لو تعمد القراءة وترك المتابعة في الركوع لم تبطل صلاته وإن أثم بترك المتابعة بل ظاهر قوله (عليه السلام: " فإن لم يدرك سورة تامة أجزأته أم الكتاب " هو مجرد الاجتزاء لالزوم الترك حتى تحرم القراءة ليكون دليلا على بطلان أصل الصلاة، لا من حيث ترك المتابعة بل من حيث القراءة المحرمة مع أن اقتضاء حرمة الزائد على ما يدرك به الركوع لبطلان الصلاة مع الاتيان بجميع ما يتعبر فيها من الاجزاء والشرائط ممنوع. الثامن: المشهور وجوب الاخفات في القراءة وإن كانت الصلاة جهرية لما في صحيحة زرارة (1) " قرء في كل ركعة أدرك خلف الامام في نفسه " وفي إحدى


(1) الوسائل: ج 5، ص 445، الحديث 4، من الباب 47 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 184 ]

مرسلتي الدعائم (1) " اقرء لنفسك " وفي الاخرى " قرء فيما بينه وبين نفسه " وظاهرها الوجوب بلا معارض له إلا بالعموم والخصوص، ومن اختلاف التعبير عن الاخفات بهذه العناوين الثلاثة يعلم أنه لا فرق بين قوله: " في نفسه " وقوله: " لنفسه " بتوهم ان الثاني كناية عن مجرد القراءة في قبال الاكتفاء بقراءة الامام في باب قراءة غير المسبوق وجوبا، أو استحبابا فيما إذا لم يسمع قراءة الامام، فان إيجاب القراءة عليه، أو استحبابها كاف في طلب القراءة منه وعدم الاكتفاء بقراءة الامام، ولا معنى للقراءة للغير إلا إسماعه وفي قباله القراءة لنفسه فيساوق القراءة بينه وبين نفسه، ومن المتعارف في جواب من يطلب الجهر من القاري أنه أقرء لنفسي لا لك. وهل يجب الاخفات في البسملة لانها من الفاتحة المأمور بإخفاتها؟ أو يستحب الجهر للعمومات الدالة على طلب الجهر بها في جيمع الصلوات الجهرية والاخفاتية؟ غاية الامر وجوبه في الجهرية واستحبابها في الاخفاتية، إلا أنها مع فرض عدم شمولها للاخفاتية بالعرض لا معارضه بينها وبين ما يدل على لزوم الاخفات في القراءة ومع فرض الشمول معارضة له بالعموم والخصوص فلا يترك الاحتياط بالاخفات في البسملة. إلا أن يقال: إن المنساق من الجهر بالقراءة والاخفات بها مع شيوع استحباب الجهر بالبسملة في جميع الصلوات، هو الجهر والاخفات في ما عدى البسملة، والمفروض ان صلاة المأموم جهرية بالذات، فيجب الجهر بجميع أجزاء القراءة والمتيقن من الاخفات في هذه الجهرية بالذات ما عدا البسملة فيجب الجهر بالبسملة، وحيث إن الوجوب لا قائل به فيحكم بمجرد رجحان الجهر بها، ولكن إثبات ما ذكر مشكل. التاسع: القراءة في المأموم المسبوق باقتضاء أصل وجوب الصلاة لا باقتضاء الجماعة فيها، إلا أن وجوب الاخفات فيها كوجوب الجهر والاخفات في أصل


(1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 495، الحديث 1، من الباب 38 من ابواب صلاة الجماعة (الطبعة الحجرية).

[ 185 ]

الصلاة في مواضعهما يحتمل أن يكون من قبيل الشرط للقراءة أو أن يكون من قبيل الواجب في الواجب، فلو تعمد ترك الجهر مثلا في مورده فات محله بخلاف ما إذا كان شرطا فانه ما لم يركع تجب القراءة جهرا، وحيث إن مقتضى النص والفتوى بطلان الصلاة بتعمد ترك الجهر مثلا في محله كشف ذلك عن كونه شرطا وما هو شرط في القراءة في الجهرية وأصل الصلاة هو الجهر، وإنما يجب الاخفات في المسبوق لعروض الجماعة فهو من شرائط القراءة في الجماعة فتبطل الجماعة بفقده وتنقلب فرادى قهرا كما في سائر موارد شرائط الجماعة، وعدم عده من شرائط الجماعة غير مناف لشرطيته، فانهم ذكروا ابتداء شرائط انعقاد الجماعة لا ما يتمحض في كونه شرطا لبقائها، واما شمول اخبار عدم بطلان القراءة في صورة الجهل، فيدور مدار استظهار الاطلاق من قوله (1): " جهر بالقراءة فيما لا ينبغي الاجهار فيه " لقراءة المسبوق، ولا مانع منه مع كونه من الافراد الشائعة، وتمام الكلام من هذه الجهة في محله. وأما النسيان: فهو مشمول لقوله (عليه السلام) (2) " لا تعاد " إلا بالنظر إلى ما ذكرنا سابقا من أنه ناظر إلى ترك ما يعتبر في أصل الصلاة جزء أو شرطا، لا الاعم منه ومما يعتبر في الجماعة. العاشر: قد عرفت فيما مر عدم وجوب المتابعة في الاقوال وفي كل ما لا يجب على المأموم من الافعال، وفي المستحبات قولا أو فعلا فضلا عن المقدمات، وعليه فالمأموم المسبوق لا يجب عليه المتابعة للامام في القنوت إذا كانت ثانية الامام، واولى المأموم من وجهين ولا في أصل التشهد بالشهادتين، ولا في الجلوس للتشهد، إلا أنه يستحب المتابعة في كل ما ذكر للروايات، أما في القنوت فلموثقة عبد الرحمن (3) " عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يدخل الركعة الاخيرة من الغداة مع الامام فقنت الامام أيقنت معه؟ قال (عليه السلام): نعم ويجزيه من القنوت لنفسه " فعلم منها استحباب المتابعة مع عدم كونه مستحبا في حقه حيث إنه في


(1) الوسائل: ج 4، ص 766، الحديث 1، من الباب 26 من ابواب القراءة في الصلاة. (2) الوسائل: ج 4، ص 770، الحديث 5، من الباب 29 من ابواب القراءة في الصلاة. (3) الوسائل: ج 4، ص 915، الحديث 1، من الباب 17 من ابواب القنوت.

[ 186 ]

الركعة الاولى من صلاته، لكنه يتبين من آخرها أنه غير متمحض في المتابعة بحيث يبقى عليه ما يستحب في حقه في الثانية بل فيه مصلحة القنوت في محله بحيث يجزي عنه، وعليه فلا يستحب له القنوت إلا إذا ترك المتابعة فيه عمدا أو سهوا فان المستحب الاصلي على حاله من دون استيفاء لمصلحته، فتدبر. وأما التشهد من حيث التلفظ بالشهادتين فلموثقة الحسين بن المختار (1) " قال: سئل عن رجل فاتته ركعة من المغرب مع الامام وأدرك الثنتين فهي الاولى له والثانية للقوم يتشهد فيها قال: نعم، قلت: والثانية أيضا قال نعم قلت: كلهن؟ قال: نعم فإنما هو بركة " وفي رواية (2) اخرى ايضا " وإنما التشهد بركة ". وأما استحباب التسبيح بالخصوص، بدلا عن التشهد فغير منصوص وجعله أحوط، لعله بملاحظة عدم كونه ذكرا ودعاء بالنسبة إلى الشهادة بالرسالة، وهو مدفوع بالنص عى أنه بركة، بل لعل هذه العبارة من الامام (عليه السلام) لدفع مثل هذا التوهم. وأما الجلوس للتشهد مع الامام فالكلام تارة في اصله واخرى في كيفيته، ويدل على استحباب أصله، ما تقدم مما دل على استحباب التشهد، فان الظاهر ان ما هو المتعارف من التشهد جالسا هو الراجح، مضافا إلى التصريح به في رواية علي بن جعفر (3) حيث قال (عليه السلام): " يقعد فيهن جميعا " بل الظاهر من سائر الروايات أن الجلوس مفروغ عنه، وإنما يسأل عن اتيان التشهد، وأما كيفيته فقد ورد في صحيحة الحبلي (4) وصحيحة عبد الرحمن (5) انه يتجافي ولا يتمكن من القعود كما في الثانية ".. يتجافى وأقعى إقعاء ولم يجلس متمكنا ". كما في الاولى، ولا معارض لهما لا من حيث التجافي، ولا من حيث عدم التمكن من القعود فيراد من الجلوس في بعض الروايات ما يقابل القيام، لا ما يساوق التمكن ووضع إليتيه على الارض، ولا يخفى أن ترك القيام قبل قيام الامام بعد التشهد


(1 و 2) الوسائل: ج 5، ص 467، الحديث 1 و 2، من الباب 66 من ابواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 5، ص 468، الحديث 4، من الباب 66 من ابواب صلاة الجماعة. (4 و 5) الوسائل ج 5، ص 468، الحديث 1 و 2، من الباب 67 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 187 ]

واجب. فالجلوس للتشهد بعنوان المتابعة ليس بواجب، بل له أن يبقى ساجدا إلى أن يقوم الامام، فالجلوس بمقتضى هذه الاخبار أفضل فردي الواجب التخييري. نعم الاحوط أن لا يترك التجافي في فرض متابعة الامام في الجلوس لظاهر النهي من التمكن مع عدم المعارض له. الحادي عشر: المعروف نصا وفتوى ان الامام لا يتحمل عن المأموم إلا القراءة في غير المسبوق فيجب عليه ما عدا القراءة من أفعال الصلاة، ولا دليل على سقوط شئ في المسبوق إلا القراءة مع عدم إمهال الامام على الوجه المتقدم مفصلا، فلا يقاس بها التسبيحات الاربعة إذا لم يمهله الامام. نعم من يجوز الاقتصار على المرة يجب عليه الاقتصار عليها واللحوق بالامام، وأما سقوطها رأسا فلا دليل عليه، واللحوق بالامام في الركوع، أو السجود لاإشكال فيه، فان التخلف عن الامام لعذر في ركن أو ركنين جائز لما تقدم من نصوصه فلا وجه للاشكال في اللحوق بالامام في السجود، ولا إشكال في كون إتيان الواجب عليه في الصلاة عذرا مسوغا للتخلف، وقد مر مرارا ان وجوب المتابعة لا يقتضي سقوط ما وجب على المأموم في صلاته وإنما خرجت القراءة بالدليل ولو فرض اختيار القراءة في الاخيرتين لا دليل على سقوطها في الاخيرتين مع عدم إمهال الامام، لاختصاص دليل السقوط بالاولتين فلا مجال لتوهم ان أحد فردي الواجب التخييري إذا جاز تركه مع عدم إمهال الامام جاز ترك الآخر، وإلا لكان الواجب تعيينيا لا تخييريا، فتدبر. الثاني عشر: إذا حضر الجماعة ولم يدر أن الامام في الاولتين حتى تكون القراءة في عهدة الامام، أو في الاخيرتين حتى تكون القراءة في عهدة نفسه فأصالة عدم وصول الامام إلى الاخيرتين، لا يثبت أنه في الاولتين حتى يسقط عنه القراءة ولا مجال للتسمك بعموم (1) " لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب " أو عموم (2) " يقرء " في


(1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 274، الحديث 5، من الباب 1 من ابواب القراءة في الصلاة (الطبعة الحجرية). (2) الوسائل: ج 5، ص 446، الحديث 8، من الباب 47 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 188 ]

المسبوق لكون الشبهة مصداقية بعد تخصيص الاول وعدم إحراز عنوان الثاني. وتوهم العلم الاجمالي بوجوب القراءة عليه، أو اللحوق بالامام لا محصل له. ودعوى العلم بأنه تجب عليه القراءة أو إيكال الامر إلى الامام مدفوعة: بما تقدم من أنه لا معنى للايكال بحيث يكون فعلا يجب على المأموم، وليس المقام من الدوران بين المحذورين لوجوب القراءة أو حرمتها، حيث لا محذور في عدم الاقتداء أو الانفراد بعد تحققه، فلا مجال إلا لاصالة عدم سقوط القراءة فيحب عليه القراءة. ولا مجال لاصالة البراءة عن وجوبها بعد جريان أصالة عدم السقوط نعم الاحوط أن يقرء بنية القربة المطلقة. المسألة الرابعة [ حكم المصلي في النافلة إذا أقيمت الجماعة ] إذا اقيمت الجماعة، والانسان في نافلة، أو فريضة، فاستحباب القطع في الاولى مع فوات الجماعة باتمامها، واستحباب العدول إلى النافلة في الثانية ثم قطعها، أو جواز قطعها ابتداء يستدعي التكلم فيه في مقامين: المقام الاول: في حكم قطع النافلة، فنقول: معنى قطع الفريضة أو النافلة هو رفع اليد عنها وتبديل امتثال الامر بها باتيان فرد آخر، وهذا أمر غير استحباب النافلة بجميع أجزائها ووجوب القريضة بجميع أجزائها فوجوب التمام، غير وجوب الاتمام، ومنه تعرف أن وجوب الاتمام غير مناف لاستحباب التمام، كما أنه تعرف منه أنه حكم آخر يحتاج إلى دليل، وعليه فإن قلنا: باختصاص دليل وجوب الاتمام وحرمة القطع بالفريضة لانه الاجماع وهو في الفريضة، فجواز قطع النافلة لا يحتاج إلى دليل. نعم استحبابه في المورد يحتاج لى دليل، وإن قلنا: بحرمة القطع مطلقا كما يستدل له " بتحريمها التكبير وتحليلها التسليم " (1) فجواز القطع يحتاج إلى الدليل وحينئذ فأهمية الجماعة من النافلة لا يجدي في الجواز لان وجوب الاتمام لا


(1) الوسائل: ج 4، ص 715، الحديث 10، من الباب 1 من ابواب تكبيرة الاحرام.

[ 189 ]

دخل له باستحباب التمام، حتى يقال: بأهمية الجماعة المستحبة من النافلة بما هي مستحبة، ولا مجال لدعوى الاولوية إلا بعد الالتزام بجواز قطع الفريضة ابتداء في المورد، وسييجئ إن شاء الله تعالى الاشكال فيه، وليس مجرد العدول قطعا ولذا ليس أدلة العدول في موارده من باب تخصيص دليل حرمة قطع الفريضة. وربما يستدل لجواز قطعها بل لا ستحبابه بصحيحة عمر بن يزيد (1) أنه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرواية التي رووها " انه لا يتطوع في وقت الفريضة ماحد هذا الوقت " قال: (عليه السلام) " إذا أخذ المقيم في الاقامة، فقال له: إن الناس يختلفون في الاقامة فقال: المقيم الذي يصلي معه " بناء على عمومها للابتداء والاستدامة مع أن ظاهر لا يتطوع النهي عن إحداثها. مضافا إلى أن غايته كراهة الاتمام دون استحباب القطع شرعا، فالمعدة في جواز القطع الخدشة في حرمته، وأمر الاستحباب هين، ولعل المشهور أيضا لا يدعون أزيد من مرجوحية الاتمام، والله أعلم. المقام الثاني: في العدول من الفريضة إلى النافلة، والمستند فيه صحيحة سليمان بن خالد (2) " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل دخل المسجد فافتتح الصلاة فبينما هو قائم يصلي إذ أذن المؤذن وأقام الصلاة قال فليصل ركعتين ثم ليستأنف الصلاة مع الامام ولتكن الركعتان تطوعا " وموثقة سماعة (3) " قال سألته عن رجل كان يصلي فخرج الامام وقد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة قال إن كان إماما عدلا فليصل اخرى وينصرف ويجعلهما تطوعا وليدخل مع الامام في صلاته كما هو " الخبر، ولا إشكال في دلالتهما من حيث العدول ورفع اليد عن الفريضة المشتغل بها. وإنما الكلام في جهات أخر. منها: شمولهما لمطلق الفريضة حتى الثنائية وعدم شمولهما لها نظرا إلى أن إتمام الثنائية كإتمام النافلة ركعيتن لا يخاف معه فوات الجماعة فلم يكن وجه للعدول


(1) الوسائل: ج 3، ص 166، الحديث 9، من الباب 35 من ابواب المواقيت. (2 و 3) الوسائل: ج 5، ص 458، الحديث 1 و 2، من الباب 56 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 190 ]

بخلاف الرباعية والثلاثية، ويندفع بأن العدول لفظ الفريضة حتى يصليها جماعة لا لحفظ الجماعة حتى يصلي صلاة اخرى بها جماعة ولهذه الغاية لا فرق بين الثنائية وغيرها. ومنها: أنه هل له العدول إلى النافلة ثم قطعها بناء على أن حكم النافلة جواز قطعها أو لابد من إتمامها ركعتين؟ ظاهر قوله: (عليه السلام) (1) " فليصل اخرى وينصرف) هو إضافة ركعة اخرى إلى الركعة التي قصد بها الفريضة ابتداء وعليه فظاهره لزوم الاتمام فالجائز من العدول هذا الفرد الخاص لا أن جواز العدول مشروط بالاتمام، حتى يقال لا معنى لجواز العدول بعد إتمام العمل، وقد عرفت سابقا ان لزوم الاتمام لا ينافي استحباب التمام. لا يقال: الامر بإضافة ركعة اخرى استحبابي ومقتضى طبع الاستحباب جواز تركه المساوق لجواز قطعه. لانا نقول: ما يقابل الاضافة بقاؤه على حاله من إتمام الفريضة فله إتمامها نافلة، وله تركه وإتمام الفريضة، فلا يدل على رفع اليد عنهما معا فتدبر. ومنها: هل للمصلي قطع الفريضة لا دراك الجماعة فيما إذا لم يجد العدول إلى النافلة لفرض فوتها بإتمامها ركعتين أم لا؟ ولا ينبغي الريب في عدم شمول الاخبار بمدلوها للقطع إلا بتقريب المتوهم من كون الغرض الاصلي من العدول حفظ الفريضة مع حفظ الجماعة، فكما لا يجدي حفظ الجماعة مع حفظ الفريضة كما إذا كانت ثنائية لا يفوت معها الجماعة، كذلك لا يجدي حفظ الفريضة مع عدم حفظ الجماعة كما إذا فاتته الجماعة بإتمامها ركعتين نافلة كانت أو فريضة، ومع استفادة هذه الغاية من الروايات يمكن دعوى تجويز القطع ابتداء من دون عدول إلى النافلة. ويندفع: بأن الغاية من حفظ الفريضة وإن كانت إيقاعها جماعة فيكون حفظ الجماعة أيضا ملحوظا، إلا أن التخصيص بخصوص العدول لعله من باب حفظ الجماعة مع عدم محذور قطع الفريضة وعليه فصورة عدم التمكن من


(1) المصدر السابق.

[ 191 ]

إتمامها نافلة خارجة عن الغاية المقصودة كما هي خارجة عن مدلول الرواية، ومنه يتضح انه مع عدم التمكن من إتمامها نافلة لا يعقل العدول وإلا لكان الامر امرا بغير المقدور، وإن قلنا بجواز عدم الاتمام نافلة فانه لا ينافي الامر بركعتين تطوعا وبالجملة فقطع الفريضة إذا كان محرما حتى في هذه الحال لا يمكن إثبات جوازه بهذه الرواية. نعم بعد جواز قطعها لبعض الضرورات التي لا تجب رعايتها يمكن الاشكال في حرمته في مثل هذه الضرورة الدينية المهمة، وهو من باب قصور المقتضي ثبوتا وإثباتا، وإلا فلا يعقل مزاحمة المصلحة الغير اللزومية للمفسدة اللازم دفعها فتدبر جيدا. المسألة الخامسة [ جواز إتيان المأموم بالتكبيرات الافتتاحية قبل شروع الامام ] لا ريب في جواز إتيان المأموم بالتكبيرات الست الافتتاحية قبل شروع الامام في تلك الست، أو في تكبيرة الاحرام، إلا إذا بنى المأموم اجتهادا أو تقليدا على تعين التكبيرة الاولى للاحرام، وإن ما عداها مستحبة فحينئذ لا يجوز له الشروع إلا بعد تكبير الامام للاحرام. وأما بناء على ما قواه غير واحد من المحققين: إن التكبيرات أفراد الواجب التخييري، بمعنى حصول الافتتاح والاحرام إما بتكبيرة واحدة، أو، بالثلاث، أو بالخمس، أو بالسبع كما هو ظاهر أخبارها، بل ربما يقال باقتضاء مقام الثبوت أيضا لذلك حيث لا يعقل افتتاح عمل بعد افتتاحه، فلابد أن يكون الافتتاح الواحد بإحدى تلك المراتب، فحينئذ لا يجوز الشروع فيها بجميع مراتبها لانها توجب انعقاد صلاته قبل انعقاد صلاة الامام، إلا أنه يمكن دفع هذه الشبهة أيضا بما قدمناه من جواز شروع المأموم في تكبيرة الاحرام قبل شروع الامام إذا كان فراغه بعد فراغه إذ من الواضح أن مجرد الشروع لا يوجب انعقاد الصلاة حيث إن الانعقاد باتيان أول فعل منها لا بجزء من أول فعل منها. ويشهد له أنه يجوز له رفع اليد عن التكبيرة بعد التلفظ بلفظ الجلالة فقط، فكذا حال سائر المراتب من حيث كون الثلاث فعلا واحدا، وكذا الخمس، والسبع. ومما ذكرنا

[ 192 ]

تبين أن الاحتياط في المسألة مع تشتت الاقوال من حيث الاستحباب والوجوب التخييري ومن حيث احتمال تعين الاولى لا يقتضي في الجماعة التكبيرات بقصد وقوع ما يتعين للاحرام واقعا بل تأخير الشروع في الكل عن تكبير الامام للاحرام، فتدبر جيدا. المسألة السادسة [ في اختلاف الامام والمأموم إجتهادا أو تقليدا ] إذا كان الامام والمأموم مختلفين اجتهادا أو تقليدا فهل يجوز الاقتداء في مورد الاختلاف في العمل أم لا؟. ولا ينبغي الاشكال فيما إذا كان صلاة الامام صحيحة بحيث لم يكن لها تدارك إعادة وقضاء، فالصحيح منه لا الصحيح عنده مما يجوز الاقتداء به، وعليه فان كانت الادلة المعتبرة شرعا اعتبرت من حيث الطريقية المحضة، فلا محالة يكون صلاة الامام فاسدة بنظر المأموم لقيام الحجة عنده على أن الصلاة الواقعية غيرها، ولا فرق بين علمه الوجداني ببطلان صلاة وقيام الحجة على بطلانها، وان كانت في نظر الامام صحيحة إلا أن نظره يوجب معذورية نفسه لا سقوط التدارك عنه حتى يصح للمأموم الاقتداء به فيها. وإن اعتبرت من حيث الموضوعية فصلاة الامام صحيحة في نظر المأموم ايضا غاية الامر إنها صحيحة منه لا أنها صحيحة عنده فقط وهو مبني على صحة الموضوعية ثبوتا والدليل عليها إثباتا. ولا مانع من الموضوعية ثبوتا إلا توهم التصويب المجمع على بطلانه نظرا إلى أن مصلحة الواقع إمام متقيدة بعدم قيام الامارة المخالفة للواقع فلا حكم واقعا، وإما تكون مصلحة الواقع مزاحمة في التأثير بمصلحة الامارة فلا حكم أيضا واقعا، وإما تكون مصلحة الواقع غير مضادة لمصلحة الامارة بل مصلحة الامارة مغايرة لمصلحة الواقع فقط. ولازمه إيجابهما معا مع انه لا تجب صلاتان في وقت واحد. ويندفع بالالتزام بمصلحة بدلية في الامارة فالحكم الواقعي محفوظ، ومقتضى استيفاء مصلحة الواقع ببدله عدم وجوب صلاتين في

[ 193 ]

وقت واحد إذ لا يعقل بقاء الامر بعد استيفاء ملاكه فهو من سقوط الحكم بالاطاعة ولا يلزم منه الايجاب التخييري، إذ لا يعقل فعليتهما معا حتى يعقل التعيينية والتخييرية، بل يستحيل الانشاء التخييري بعد عدم معقولية فعليتهما، لان المفروض ان الحكم الظاهري في ظرف عدم وصول الحكم الواقعي فكيف يعقل فلعيتهما حتى يعقل التعيينية والتخييرية. هذا بعض الكلام في معقولية الموضوعية ثبوتا، وأما إثباتا فيكفيه الاجماع المدعى في باب العبادات من أنه لاتدارك لها إعادة وقضاء بتبدل الرأي، أو بالعدول من مجتهد إلى مجتهد وهو بنفسه دليل على معقولية الموضوعية، وإلا لم يعقل بقاء المصلحة اللزومية وعدم الامر بتداركها إعادة، أو قضاء. ومنه يعلم أنه لا ينبغي الاشكال في الكلية المدعاة أولا. نعم ربما أمكن الاشكال من وجه آخر وهو أن اللازم الاقتداء في الصلاة الصحيحة التي لاتدارك لها لافي كل ما لاتدارك له من حيث الاشتمال على مصلحة الصلاة. ويندفع: بان المصلحة البدلية ان كانت في عنوان منطبق على الصلاة كان للاشكال وجه وأما إن كانت في الصلاة المتخصصة بخصوصية الاستناد إلى الامارة الشرعية فهي صلاة ذات مصلحة لاعنوان آخر ذو مصلحة والصحيح من الشقين هو الثاني لان عنوان تصديق العادل مثلا ذومصلحة واحدة، ومصالح العبادات متفاوتة فكيف يعقل بدلية تلك المصلحة الواحدة عن مصالح متبائنة، بخلاف ما إذا كانت المصالح المتعددة الواقع على أن الواقع غيرها غاية الامر أن المأموم يرى الامام مع قيام الحجة عنده معذورا في مخالفة الواقع، ولا دليل على جواز الاقتداء بمن هو معذور في مخالفة الواقع، بل غاية سعته جواز الاقتداء بمن يكون صلاته صحيحة منه بحيث لا تدارك لها فكون الحكمين الطريقيين في عرض واحد لا يصحح الاقتداء، وقيام الحجة على كونه مخالفا للواقع كاف لا حاجة معه إلى العلم بمخالفته للواقع، لان مقتضى حجية الحجة عند من قامت لديه ترتيب الاثر عليه ما لم ينكشف الخلاف ومقتضاها أن الصلاة الواقعية غيرها فلابد من أن يعامل معها معاملة غير الواقع، من آثارها عدم المتبائنة مشروطة بسنخ واحد كاشتراط

[ 194 ]

جملة من العبادات بالطهارة مع تبائن مصالحها، فتدبر جيدا. ومما ذكرنا تبين أن جواز الاقتداء مع الاختلاف في الرأي مبني على الموضوعية، وعدمه على الطريقية المحضة لا ان كلا منهما له حكم ظاهري في عرض واحد فليس لاحدهما الحكم ببطلان صلاة الآخر فان المراد من الحكم الظاهري إن كان هو الحكم الحقيقي المبني على الموضوعية فصلاة الامام صحيحة منه حتى في نظر المأموم، وإنما لا يصح من المأموم لعدم اندارجه في الموضوع المندرج فيه الامام، وإن كان هو الحكم الطريقي فصلاة الامام باطلة في نظر المأموم لقيام الحجة الناظرة إلى الاقتداء بمن يأتي بغير الواقع. وينبغي التنبيه على امور الاول: أن ما ذكرنا فيما إذا كان الامام يستند في عمله إلى رأيه الحاصل له بمقدمات صحيحة فهو مورد الحكم الظاهري، وأما إذا كان مستندا إلى عمله من باب الاتفاق مع خطأه في نظر المأموم، فلا يجوز الاقتداء به لانه في الحقيقة لا أمر له شرعا، بل توهم الامر ويجب عليه الاعادة والقضاء بعد التفاته اتفاقا، فالميزان في جواز الاقتداء وعدمه الاستناد إلى الحجة الشرعية وعدمه لا قيام العلم عند المأموم أو قيام الحجة بتوهم عدم جواز الاقتداء على الاول دون الثاني. الثاني: ربما يستثنى من كلية جواز الاقتداء بمن يصلي صلاة صحيحة بحسب تكليفه ما إذا كانت القراءة مورد الاختلاف كما إذا كان الامام لا يرى وجوب السورة والمأموم يرى وجوبه، أو الامام لا يرى لزوم المد والادغام في مورد والمأموم يرى لزومهما، نظرا إلى أن قراءة المأموم المشتملة على سورة و على المد والادغام لم يخرج الامام عن عهدتهما بخلاف جلسة الاستراحة مثلا فانها ليست في ضمان الامام حتى إذا تركها يخل تركها بصلاة المأموم الآتي بها. وقد تقدم وسيأتي إن شاء الله تعالى انا لا نتعقل من ضمان الامام لقراءة المأموم إلا سقوطها عنه إذا اقتدى بصلاة صحيحة من الامام، إذ الواجب على المصلي ليس مباشرة القراءة أو إيكالها إلى الامام حتى لا يمكن إيكالها إلى من لا يأتي بها كما يجب على مباشرها بل تجب عليه القراءة بالمباشرة في صورة الانفراد ولا يجب عليه في الجماعة لا جتزاء الشارع

[ 195 ]

بقراءة الامام عن قراءة المأموم فلذا لم يوجبها عليه، وسيجئ إن شاء الله تعالى تتمة الكلام في شرائط الامام الثالث: مقتضى الكلية المتقدمة ان المأموم إذا علم ببطلان صلاة الامام بحيث لابد له من تداركها، كما إذا اعتقد انه غير متطهر من الحدث، أو أنه تارك للركن ونحوهما، فلا يجوز الاقتداء به، ومنه يعلم أنه لو لم يكن كذلك كما إذا رأى نجاسة في بدنه، أو ثوبه وهو جاهل بها، أو ترك ما لا يضر بصلاته إذا كان عن عذر فالاقتداء به لا مانع منه. نعم إذا علم بأنه علم بها ونسيها فالاقتداء به غير جائز لبطلان صلاته للفرق الثابت بالنص، وإذا شك في أن الامام جاهل حتى تصح صلاته أو ناس حتى لا تصح، فإجراء أصالة الصحة في عمله مبني على أن الاعتماد في الاصل المزبور على ظهور حال المسلم فلا مجال للاصل إذ المسلم لا يتعمد، لا أنه لا يغفل، ولا ينسى وإذا كان مقتضى الاصل المزبور تعبد الشارع بصحة عمله واقعا كما هو المعروف بل الصحيح فالاصل له مجال ومقتضى الاحتياط واضح. الرابع: إذا رأى في بدن الامام أو ثوبه ما هو نجس عند المأموم وغير نجس عند الامام فهو مندرج تحت الكبرى المتقدمة الدائرة مدار الطريقية والموضوعية من حيث صحة صلاة الامام بنظر المأموم أيضا وعدمها، وعليه فلا فرق بين كون الامام عالما بوجود ما ليس بنجس عنده أو جاهلا أو ناسيا فان الفرق فيها كان بنظره نجسا. ومنه يتضح حال ما إذا شك المأموم في أن ذلك الشئ نجس عند الامام أو غير نجس، فانه إن لم يكن نجسا عنده فصلاته صحيحة منه، وإن كان نجسا فصلاته تارة يحكم بصحتها كما في صورة جهله بوجوده واخرى بفسادها كما في صورة النسيان، إلا أنه غير محرز انه نجس عنده حتى يحكم بفسادها في هذه الصورة فصلاته محكومة بالصحة فتدبر. المسألة السابعة إذا تبين بعد الصلاة كفر الامام، أو فسقه، أو كونه محدثا فهل يحكم بصحة صلاته جماعة؟، أو فرادى؟ أم لا؟.

[ 196 ]

أما صحة صلاته جماعة مع فقد شرائط الجماعة فضلا عن شرائط صحة اصل الصلاة مع قطع النظر عن أخبار المسألة فلا ينبغي الاشكال في عدمها لفرض انتفاء الشرط، وأما صحة صلاته فرادى فهي كسائر موارد بطلان الجماعة إنما يحكم بصحتها فرادى بعد عدم اختلاف الجماعة والفرادي في الحقيقة إذا لم يكن إخلال منه بوظائف المنفرد. نعم إخلاله بخصوص القراءة إنما يضر إذا لم نقل بشمول " لا تعاد " (1) لمثله حيث إن الترك عن عذر مسوغ شرعي لا ستناده في الاقتداء به وترك القراءة إلى اصول جارية في حق الامام. بل ربما يقال: إن كثرة الاوامر الواردة في الحث والترغيب إلى الجماعة المشروطة بشرائط في الامام بحيث لا يعلم الواقع فيها إلا الله كاشفة عن كفاية إحراز تلك الشروط بالظواهر والاصول فتصح جماعة أيضا، ويترتب عليها جميع آثارها. نعم يمكن الخدشة فيه بأن انكشاف الخلاف في تلك الشروط إن كان غالبيا أمكن الاعتماد على تلك الاستفادة فإن لازمه إلقاء المكلف كثيرا في كلفة الاعادة والقضاء، وأما إذا كان انكشاف الخلاف اتفاقيا فلا محذور في الترغيب لخلوه عن المحذور. وأما الكلام بحسب أخبار الباب فالبحث فيها في مقامين أحدهما: في دلالتها على صحتها جماعة أم على مطلق صحة الصلاة ربما أمكن استفادة صحتها جماعة من امور: منها: ان ظاهر الاسئلة والاجوبة ان السؤال عن حال هذه الصلاة الواقعة جماعة صحة وفسادا بحيث لم يكن في ذهن أحد منهم انقلابها فرادى فقوله: " أتجوز صلاتهم " وقوله (عليه السلام): " تمت صلاتهم " إشارة إلى هذه الصلاة الخاصة. ومنها: تعليل الصحة بان الامام ليس عليه الضمان وتقريبه: أن الضمان يستعمل في موردين:


(1) الوسائل: ج 4، ص 770، الحديث 5، من الباب 29 من ابواب القراءة في الصلاة.

[ 197 ]

أحدهما: مارود (1) في باب ضمان الامام للقراءة دون غيرها من الواجبات ومقتضاه ان الامام يتحمل القراءة عن المأموم دون غيرها فيجب على المأموم الاتيان بها، وهذا المعنى أجنبي عن المقام لان المفروض إتيان المأموم بجميع ما عليه فلا معنى لتعليل الصحة بان الامام لا يتحمل تلك الافعال وثانيهما: الضمان المنسوب إلى العامة وهو ان الاصل في جميع الافعال هو الامام والمأموم في أفعاله تابع محض فإذا فسد الاصل فسد التابع، وهذا هو الضمان المنفي في هذه الرواية. وهذا المعنى إنما يصح علة لصحة صلاة المأموم جماعة ولو لم يكن هناك حقيقة الجماعة كان الضمان منفيا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع لا كما هو ظاهره من السالبة بانتفاء المحمول. ومن العدم المقابل للملكة، لا من السلب المقابل للايجاب، ومنه تعرف ان نفي الضمان بهذا المعنى لا ينافي ثبوت الضمان بالمعنى الآخر في القراءة وهذا المعنى المعروف من العامة هو المراد مما رواه في دعائم الاسلام (2) من قول الامير (عليه السلام) لعمر: " بل عليك وعليهم الاعادة لان القوم بإمامهم يركعون ويسجدون فإذا فسد صلاة الامام فسد صلاة المأمومين ". ومنها: ما ورد في خبرين (3) " وليس عليه أن يعلمهم فان الصلاة إذا انعقدت فرادى من أول الامر فلاموهم للزوم إعلام الامام فانه كإخبار زيد عمروا ان صلاته باطلة لكونه جنبا، بخلاف ما إذا كانت منعقدة جماعة فان الاعلام له مجال بتوهم فساد الجماعة لفساد صلاة الامام لفقد شرط الصلاة أو شرط إمامته فتدل على أن الصلاة منعقدة جماعة ولا يجب الاعلام لصحتها، ويترتب على الوجهين ان الصلاة لو صحت من المأموم جماعة ترتبت عليها آثار الجماعة من سقوط القراءة واغتفار زيادة الركن للمتابعة، ورجوع المأموم إلى الامام في مورد الشك، ولو صحت فرادى لم تكن لها دلالة على ترتب تلك الآثار إلا من حيث إطلاق الحكم بصحتها لامن


(1) الوسائل: ج 5، ص 421، الحديث 1، من الباب 30 من ابواب صلاة الجماعة. (2) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 494، الحديث 2، من الباب 32 من ابواب صلاة الجماعة (الطبعة الحجرية). (3) الوسائل: ج 5، ص 433، الحديث 1، من الباب 36 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 198 ]

حيث تحقق عنوان موضوعها، وحينئذ ربما أمكن الاشكال في إطلاقها لان المسلم منه هو ترك القراءة فانه لازم غالبي للجماعة فلا يعقل الحكم بصحتها مع ترك القراءة غالبا إلا إذا كانت ساقطة، بخلاف زيادة الركن للمتابعة أو الرجوع في مورد الشك فانهما اتفاقيان فلا مانع من انصراف الاطلاق عنهما بل يترتب على الوجهين ثمرة في نفس القراءة أيضا فانه إذا تبين له بطلان صلاة الامام بعد الفراغ عن قراءته وقبل الركوع فانه على تقدير الصحة جماعة لا قراءة عليه، بخلاف التقدير الآخر فان محل القراءة باق من دون مسقط لها، بل تظهر الثمرة أيضا فيما لا ينعقد إلا جماعة كالجمعة والمعادة فانه على تقدير فساد صلاة الامام تبطل أصل صلاة المأموم لتقوم صحتها بالجماعة والمفروض بطلانها، فتدبر. نعم ظاهر كلمات الاصحاب انعقادها جماعة وصحتها كذلك ولذا يقول العلامة: في التذكرة (1) معللا للصحة " بأنه لم يفرط في الائتمام " ويقول غير واحد: بأصالة الاجزاء وبان الظن بالعدالة والاسلام كاف وبأنه ينفرد وينوي الانفراد إذا تبين له في الاثناء فكل ذلك كاشف ان بناء القائلين بالصحة على صحتها جماعة وإن كان في أدلتهم مجال الاشكال هذا كله في المقام الاول. ثانيهما: إن ظاهر غير واحد من الروايات وفيها الصحيح عدم وجوب الاعادة على المأمومين، وان أعلمهم الامام بانه على غير طهر وليس في قبالها إلا بعض الاخبار الضعيفة سندا ودلالة لتضمنها مالا نقول به في النبي (صلى الله عليه وآله) والامام (عليه السلام) نعم تعارضها صحيحة معاوية بن وهب (2) " قال: قلت: لابي عبد الله (عليه السلام) أيضمن الامام صلاة الفريضة فإن هؤلاء يقولون إنه يضمن فقال لا يضمن أي شئ يضمن إلا ان يصلي بهم جنبا أو على غير طهر " فإنها بصدرها يوافق قوله (عليه السلام) في أنه ليس على الامام ضمان إلا أنها بالاستثناء يدل على ضمانه لصلاة المأموم إذا صلى بهم على غير طهارة من الحدث ومورد الخبر المعلل بقوله (عليه


(1) تذكرة الفقهاء: ج 1، ص 181، (الطبعة الحجرية). (2) الوسائل: ج 5، ص 434، الحديث 6، من الباب 36 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 199 ]

السلام): " فإنه ليس على الامام ضمان " أيضا هو الصلاة على غير وضوء، ومقتضى الجمع الدلالي حمل الاعادة على الاستحباب. وأما حمل الضمان على ان الامام متعهد لان لا يصلي بهم على غير طهر فيكون آثما في إقدامه على الامامة فهو غير مختص بهذا الشرط. وينبغي التنبيه على أمور: الاول: ان الظاهر عدم الفرق بين ما إذا تبين اختلال صلاة الامام بعد الفراغ، وتبينه في الاثناء في صحة ما مضى من صلاته لا للاولوية فانها ظنية بل لصحيحة زرارة (1) " قال: سألته (عليه السلام) عن رجل صلى بقوم ركعتين ثم أخبرهم انه على غير وضوء قال: يتم القوم صلاتهم فانه ليس على الامام ضمان " وليس في قبالها إلا ما أرسله في الذكرى من رواية حماد عن الحلبي " يستقبلون صلاتهم " وذكر في الحدائق (2) انه لم يظفر به في جوامع الاخبار كالوسائل والبحار. إلا ان في مفتاح الكرامة انه موجود في السرائر، وفي كلام السيد علم الهدى كما في المنتهى. وعلى أي حال فهو من قبيل الظاهر بالنسبة إلى الاظهر، أو النص فيحمل على استحباب استقبال الصلاة. الثاني: المنصوص في أخبار الباب من موجبات فساد صلاة الامام أربعة. الكفر: كما في رواية ابن ابي عمير (3) وفقد الطهارة الحدثية: كما في غير واحد (4) من الاخبار. وفقدان نية أصل الصلاة: كما في صحيحة زرارة، فقد الاستقبال: كما في إمامة الاعمى (6). وأما فقد سائر الشرائط فغير منصوص بالخصوص، نعم بناء على الاخذ بعموم العلة في قوله (عليه السلام): " فانه ليس


(1) الوسائل: ج 5، ص 433، الحديث 2، من الباب 36 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الحدائق الناظرة: ج 11، ص 234، طبعة الآخوندي). (3) الوسائل: ج 5، ص 435، الحديث 1، من الباب 37 من ابواب صلاة الجماعة. (4) الوسائل: ج 5، ص 433، احاديث الباب 36 من ابواب صلاة الجماعة. (5) الوسائل: ج 5، ص 437، الحديث 1، من الباب 39 من ابواب صلاة الجماعة. (6) الوسائل: ج 5، ص 436، الحديث 2، من الباب 38 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 200 ]

على الامام ضمان " يمكن التعدي إلى غير الموارد المنصوصة، إلا أنه لا يمكن التعدي إلى الشرط الذي يوجب بطلان الجماعة ولا يوجب بطلان صلاة الامام في نفسه ككونه فاسقا، أو كونه امرأة، أو كونه ممن لا يحسن القراءة وأشباهها فضلا عن فقد شرائط أصل الجماعة كعدم البعد، وعدم الحائل، وأشباههما فان كل ذلك أجنبي عن عدم ضمان الامام وان بطلان صلاته لا يستلزم بطلان صلاة المأموم. نعم مثل الفسق يمكن إلحاقه بالكفر لا بلحاظ عموم العلة بل بالاولوية القطعية فان الكفر أعظم مراتب الفسق. وربما يتمسك بالاولوية كما عن شيخنا العلامة الانصاري (قدس سره) (1) في بعض تحريراته في المقام بتقريب " ان فقد الطهارة يوجب فساد صلاته وفساد الجماعة لاعتبارها فيها فما لا يوجب إلا فساد الجماعة لا عتبارها في الامام فقط أولى، بالجملة فالمفقود في الاول شرط الصلاة وشرط الجماعة معا والمفقود في الثاني شرط الجماعة فقط ". ويندفع: بانه ان قلنا بصحة صلاة المأموم جماعة لا أولوية إذ اعتبار الطهارة في الامام يتبع: اعتبار طهارته في صلاته والجماعة ارتباط صلاة صحيحة بصلاة صحيحة بخلاف ما إذا كان في الجماعة استقلالا فعدم كون الاول مضرا بالجماعة لا يقتضي عدم كون الثاني مضرا إذ لا أولوية لعدم ما يعتبر في الشئ بذاته وبالاستقلال بالاضافة إلى ما يعتبر فيه بالعرض والتبع. نعم بناء على انعقاد صلاة المأموم فرادى وجه للا ولوية لان عدم انعقاد الجماعة إذا لم يكن مضرا بصلاة المأموم مع فساد صلاة الامام فمع صحة صلاة الامام أولى بان لا يكون مضرا فإذا لم يكن الاخلال بالقراءة في الاول مضرا بصلاة المأموم لم يكن الاخلال بها من المأموم مضرا بصلاته، إلا أن الظاهر من الاخبار ان فساد صلاة الامام لا يوجب فساد صلاة المأموم لا أن عدم انعقاد الجماعة لا يضر بصلاة المأموم في صورة فساد صلاة الامام حتى يقال فمع صحة صلاته بالاولوية، فليس الحكم معلقا على عدم انعقاد


(1) كتاب الصلاة: ج 1، ص 276، (الطبعة الحجرية).

[ 201 ]

الجماعة بل على فساد صلاة الامام، فتدبر جيدا. وربما يتمسك أيضا كما عن بعض تحريراته (1) (قدس سره) لتصحيح التعدي إلى غير الموارد المنصوصة بأمرين آخرين. أحدهما مارود في الامام المخالف بانه بمنزلة الجدار فلا فرق بين كون الامام مخالفا وبين عدم (2) رأسا فلو قلنا بصحة الصلاة خلف المخالف واقعا دون عدم الامام واقعا كان مرجعه إلى كون وجود المخالف مصححا للصلاة مع أن المفروض ان وجوده كعدمه ويترتب عليه التعدي إلى مثل الاقتداء بمن يراه إنسانا فتبين انه جدار. ويندفع: بان مقتضى الجمع بين ما دل على بطلان الصلاة خلف المخالف لكونه كالجدار، وما دل على صحة الصلاة خلف من أحرز إيمانه فتبين أنه مخالف، ان وجوده الاحرازي العنواني كاف في صحة الجماعة، وإذا اكتفينا بالوجود الاحرازي في الايمان لا يلزمنا الاكتفاء بوجود الامام عنوانا، أو بذكوريته بعنوانها المحرز، فان الاكتفاء على خلاف الدليل الدال على شرطيته بوجوده الواقعي يحتاج إلى دليل خاص، أو عام فالتنزيل الواقعي منزلة الجدار محفوظ ومع ذلك يتفاوت الامر في صورة الاحراز. ثانيهما: مارود في صحة صلاة المأموم مع عدم نية الامام لاصل الصلاه فإذا حكم الشارع بصحة الجماعة مع عدم الصلاة رأسا من الامام كان الحكم بالصحة أولى مع تحقق أصل الصلاة. والجواب: ما عرفت من ان وجوده الاحرازي بظاهر حال المصلي انها منوية له إذا كان كافيا بالدليل لم يلزم منه كفاية شئ آخر بوجوده الاحرازي، فتدبر. والاحوط عدم التعدي من مورد التعليل بعدم الضمان، بل عدم التعدي من الموارد المنصوصة إلا في مثل الفسق الثابت فيه الاولوية القطعية.


(1) كتاب الصلاة: ج 1، ص 279، (الطبعة الحجرية). (2) في النسخة الاصلية، وفي كتاب الصلاة ". عدم الامام أصلا.. ".

[ 202 ]

وأما التمسك بعموم (1) " لا تعاد " فان كان للاخلال بالقراءة عن عذر فانها ليست من الخمسة فقد قدمنا الكلام فيه ورجحنا جانبه، وان كان لعدم شرطيته للجماعة أو لاصل الصلاة فلا وجه له (أما الاول) فلان الخبر مسوق لترك شئ من أفعال الصلاة وشرائطها لا لشرائط الجماعة من حيث الامام أو من حيث نفس الجماعة (وأما الثاني) فلان الخبر مسوق لعدم الاعادة بفقد شئ ثابت الجزئية، أو الشرطية لا لدفع شئ يشك في شرطيته في الصلاة فإذا شك في أن اختلال أحد شروط الجماعة مطلقا يوجب بطلان صلاة الامام شرعا بحيث يكون أحد شروط الصلاة فلا مجال للاستدلال " بلا تعاد " والظاهر من بعض أعاظم (2) العصر (قدس سره) في مصباحه جواز التمسك به، وهو مخالف لما عليه الاصحاب حيث لم يتمسك أحد به في الشبهة الحكمية، وخلاف ظاهر الخبر أيضا حيث إن الظاهر ان ما يضر فقده بالصلاة عن تعمد لا يضر فقده عن نسيان، أو عن مطلق العذر، والله أعلم. الثالث: في حكم إعلام الامام ببطلان صلاته بعد الفراغ، أو في الاثناء، أما حكم الاعلام بعد الفراغ مع فرض صحة صلاة المأموم فلا موجب لوجوبه حيث لم يفت من المأموم شئ بل بنأء على صحتها جماعة فلم يفت منه فضيلة الجماعة مضافا إلى التصريح بعدم لزومه، بل التصريح بانه موضوع عنه في صحيحة زرارة (3) بل يمكن أن يقال: إنه لا موجب للزومه مع بطلان صلاة المأموم أيضا في صورة جهل الامام بفساد صلاته إذ لا تفويت منه للمصلحة اللزومية بل فاتت عليه لجهله وفاتت على المأموم لمخالفة الاصول والظواهر المستند إليها للواقع، وإعلامه حينئذ مقدمة للتدارك ولا يجب عليه تدارك ما فات على الغير حتى تجب مقدمته. بل يمكن أن يقال: بانه لا يجب عليه الاعلام إذا علم بفقد الشرط قبل الصلاة بل غايته حرمة الاقدام على الصلاة لكونه تشريعا سواء كان هناك مأموم أولا،


(1) الوسائل: ج 4، ص 770، الحديث 5، من الباب 29 من ابواب القراءة في الصلاة. (2) مصباح الفقيه للهمداني (رحمه الله) كتاب الصلاة، ص 691. (3) الوسائل: ج 5، ص 434، الحديث 5، من الباب 36 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 203 ]

وتفويت المصلحة اللزومية على المكلف انما يقبح على الشارع لاقتضاء قاعدة اللطف لايصال العباد إلى مصالحهم ودفعهم عن مفاسدهم فيقبح منه التفويت التشريعي لا التكويني، وكذلك يقبح على النبي لان النبي مبعوث لهذه الغاية قيقبح منه لهذه الجهة، بل يقبح على الامام مع بسط يده وعدم المانع لهذه الغاية، ويحب على العالم إرشاد الجاهل بالاحكام دون الموضوعات شرعا وما نحن فيه ليس من كل ذلك في شئ فلا معنى لتحريم التفويت مع أنه ربما لا يكون خارجا تقويت منه كما إذا اقتدى به المأموم من غير التفات من الامام وعدم إعداد لنفسه للامامة هذا حال الاعلام بعد الفراغ. وأما إعلامه في الاثناء إذا تبين له فقد الشرط فلا موجب له كما عرفت، بل يحب قطع صلاته لان إتمامه تشريع محرم وهو غير الاعلام بل ربما لا يلازم الاعلام العملي كما إذا كان الالتفات إلى فقد الشرط حال تشهده فان رفع اليد في نفسه لا دلالة له على فساد صلاته بل يجامع الفراغ لحاجة مضي فيها. ولا يخفى ان صحيحة معاوية بن وهب (1) المتقدم ذكرها أيضا لا يقتضي إلا عدم الصلاة بهم جنبا بناء على تفسير الضمان بالمعنى التكليفي فان حرمة الصلاة بهم لا يقتضي إلا عدم الصلاة بهم من أول الامر وقطعها في الاثناء وكلا الامرين أجنبي عن الاعلام. كما أن أخبار الاستخلاف (2) والاستنابة لا دلالة لها إلا على جوازها وهو يساوق الاعلام العملي لا على وجوب الاستخلاف ليكون دليلا على وجوب الاعلام عملا. المسألة الثامنة [ إذا نسي الامام أحد واجبات الصلاة ] إذا نسي الامام أحد واجبات الصلاة سواء كان ركنا أو غير ركن ولم يعلم به


(1) الوسائل: ج 5، ص 434، الحديث 6، من الباب 36 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5، ص 439، احاديث الباب 41، 42 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 204 ]

المأموم، إلا بعد الفراغ صحت صلاة المأموم، إذا لم يشاركه في المنسي، فان لم يكن المنسي من الاركان صحت صلاته جماعة لصحة صلاة الامام وإن كان المنسي ركنا صحت صلاة المأموم فرادى واقعا. نعم إن كان الركن المنسي من الركعة الثانية صحت الصلاة بلا إشكال لصحة الجماعة إلى حال النسيان فلم يلزم إخلال المنفرد بالقراءة التي هي وظيفة المنفرد وإن كان من الركعة الاولى كان صحة الصلاة فرادى مع الاخلال بالقراءة في الركعة الثانية مبنية على شمول " لا تعاد " (1) للاخلال بالقراءة بغير النسيان من الاعذار أيضا، إلا أنه بناء على ما تقدم من التعليل بقوله (2) (عليه السلام): " فانه ليس على الامام ضمان " تعميم الحكم لكل ما يوجب بطلان صلاة الامام فانه يلازم صحة صلاته ولو مع الاخلال بالقراءة أما على صحتها جماعة فواضح، وأما على صحتها فرادى فلاطلاق دليل الصحة المعللة بالعلة العامة فلا يتوهم أن الرواية متكفلة لعدم البطلان من حيث بطلان صلاة الامام لا من حيثية اخرى كالاخلال بوظيفة المنفرد فان الاخلال بهذه الوظيفة لازم غالبي لا يمكن صرف الاطلاق عنه. هذا كله مع عدم علم المأموم بإخلال الامام بواجب نسيانا، أما مع علمه به فلا يجب إعلام الامام ليتداركه إذ لا موجب للزوم الاعلام فإن الامام في المقام كغيره لا يجب على أحد إعلامه بخلل في صلاته. نعم وجوبه الشرطي بمعنى اللابدية من إعلامه عند إرادة تتميم الصلاة جماعة مع توقفه على التدارك كما إذا كان المنسي ركنا لا مانع منه فيجب عليه التنبيه بهذه المعنى، وكذا لو كان المنسي قراءة والامام بعد لم يدخل في الركوع فان الاجتزاء بصلاته يتوقف على قراءة الامام وإلا لم يسقط عنه القراءة. وهل له الانفراد في هاتين الصورتين بترك التنبيه وقصد الانفراد؟ فهو مبني على ما قدمناه من جواز الانفراد اختيارا لا لعذر، فإن قلنا به فله الانفراد، وإلا ليس له الانفراد إذ لا عذر له في بقائه على الائتمام مع تنبه الامام بتنبيهه. نعم إذا لم يمكن التنبيه أو


(1) الوسائل: ج 4، ص 770، الحديث 5، من الباب 29 من ابواب القراءة في الصلاة. (2) الوسائل: ج 5، ص 433، الحديث 2، من الباب 36 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 205 ]

التنبه كان الانفراد جائزا بلا إشكال. المسألة التاسعة في حكم الاقتداء بمن يرى نفسه مجتهدا ويعمل برأيه مع أنه غير مجتهد في نظر المأموم، أو الاقتداء بمن يقلد من ليس أهلا للتقليد مع كون عمله على طبق رأيه. والكلام في بطلان الاقتداء تارة من حيث خروج الامام عن العدالة، واخرى من حيث كون عمله غير صحيح منه والجماعة ارتباط صلاه صحيحة بصلاة صحيحة. أما الكلام من حيث العدالة: فهو في القاصر غير محقق لانه غير ملتفت إلى أن الاجتهاد والعمل بالرأي يتوقف على أمر هو فاقده، وكذلك حال المقلد الغافل عن لزوم إحراز ما يعتبر فيمن يقلده حتى يكون بسبب العمل برأيه أو العمل برأي مجتهده فاسقا، وإلا فمن الواضح أن اعتقاد الاجتهاد، أو اعتقاد أهلية المفتي ليس من المعاصي حتى يكون فاسقا. وأما الكلام في صحة عمل المجتهد القاصر، أو المقلد القاصر فهو ما ذكروه في محله من أن مطابقة عمله للواقع أو لرأي الاعلم، أو من يجب تقليده كافية في صحة عمله، فإذا فرض أن عملهما مطابق في نظر المأموم لاحد الامرين فلا مانع من الاقتداء به في هذه الصورة. ومنه تبين أنه في فرض القصور لا اختلال في الجماعة من حيث العدالة ومن حيث صحة العمل وأما الجاهل المقصر من المعتقد للاجتهاد أو اهلية المفتي فمن حيث عمله مع فرض تحقق نية القربة منه لغفلته حين العمل كالجاهل القاصر يصح تارة ولا يصح اخرى. وأما من حيث العدالة فمع فرض الالتفات إلى تحصيل مقدمات دخيلة في الاجتهاد، أو إحراز امور في العمل برأي المفتي مع ذلك لم تحصل تلك المقدمات أو لم يحرز تلك الامور إلى أن غفل وصلى على طبق رأيه أو رأي المفتي فكونه فاسقا بترك تحصيل المقدمات، أو إحراز تلك الامور في غاية الاشكال. نعم بترك ما تنجز عليه من التكاليف الواقعية يمكن الحكم بفسقه، إلا أن تحقق هذه الامور خصوصا ترك تحصيل المقدمات التي يراها

[ 206 ]

دخيلة في نظره نادر الوقوع بل الغالب أنه لا يراها دخيلة بل مضرة بالاستنباط وإن كان غيره من ارباب النظر يراه دخيلا إلا أنه لا يراه من أهل النظر، وبالجملة فالحكم بالتفسيق في غاية الاشكال. وأما الحكم بصحة عمله من باب أصالة الصحة: فيدور مدار الاستناد فيها إلى ظهور الحال فلا مجال له هنا بعد فرض بطلان اجتهاده وتقليده، أو الاستناد إلى التعبد بالصحة واقعا لامكان المصادفة للواقع أو لما هو بمنزلته فلا مانع من الحكم بصحة عمله. المسألة العاشرة: إذا اعتقد الامام دخول الوقت والمأموم غير معتقد لدخوله فإن كان دخوله في الصلاة لابتحر واستناد إلى الحجة فلا تصح صلاته وإن دخل الوقت في أثنائه، فلا يجوز الاقتداء به مطلقا لما مر من أن الجماعة ارتباط صلاة صحيحة بصلاة صحيحة. وإن كان دخوله استنادا إلى الحجة ومع ذلك لم يدخل في أثنائه، فصلاته باطلة واقعا ولذا يجب عليه التدارك بعد انكشاف الخلاف. وإن كان دخوله عن استناد إلى الحجة ودخل في أثنائه الوقت فصلاته صحيحة من الاول بحكم الشارع فيكون تنزيل ما قبل الوقت منزلة الوقت كتنزيل ما بعد الوقت منزلة الوقت في من أدرك ركعة من اخر الوقت، إلا أنه مع ذلك ليس لمن يعتقد عدم دخول الوقت أن يقتدي من أول صلاته لانه لا يرى نفسه مامورا بالصلاة. نعم يصح الاقتداء في موردين (أحدهما) الاقتداء به بعد دخول الوقت في أثنائه (وثانيهما) الاقتداء به من الاول لا أنه تنقلب صحيحة بعد ما انعقدت فاسدة، وما في العروة من صحة الاقتداء في هذا الفرض الاخير مبني على أحد الامرين المتقدمين من الاقتداء بعد دخول الوقت، أو الاقتداء في القضاء.

[ 207 ]

فصل في شرائط إمام الجماعة وهي أمور: منها: العقل: فانه لا تكليف على المجنون في حال جنونه بوجه لا وجوبا ولا ندبا، وأما في حال إفاقته فلا مانع منه وبقاؤه على حاله كبقائه على سائر الشرائط للصلاة وللامام فانه غير مناف لاعتبار الجزم وتوجه القصد الجدي نحو الاقتداء المتقوم بالامام العاقل فان القصد إلى الائتمام بالعاقل وجدانا وإلى الائتمام بالعاقل شرعا للتعبد ببقائه على حد سواء كما نبهنا على نظيره في مبحث إدراك ركوع الامام مع الشك في بقائه فراجع. ومنها: البلوغ: ومدرك اعتباره من الاخبار خبر إسحاق بن عمار (1) " عن جعفر عن ابيه ان عليا (عليه السلام) كان يقول: لا بأس أن يؤذن الصبي قبل أن يحتلم ولا يؤم فإن أم جازت صلاته وفسدت صلاة من خلفه " وضعف الرواية منجبر بعمل المشهور وهو مبني على استنادهم في هذه الفتوى إليه لا إلى الوجوه الضعيفة الاعتبارية الموجودة في كلماتهم، وهو يدل على شرعية عباداته لا تمرينيتها وعلى عدم صحة الائتمام به. وفي قباله روايات منها (2) " عن علي (عليه السلام) قال: لا بأس أن يؤذن


(1) الوسائل: ج 5، ص 398، الحديث 7، من الباب 14 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5، ص 398، الحديث 8، من الباب 14 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 208 ]

الغلام الذي لم يحتلم وأن يؤم ". ومنها (1) " عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا بأس بالغلام الذي لم يبلغ الحلم أن يؤم القوم وأن يؤذن " ومنها موثقة سماعة (2) " عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يجوز صدقة الغلام وعتقه ويؤم الناس إذا كان له عشر سنين " ومقتضى الجماع الدلالي صحه الجماعة لكون المجوز نصا والنافي ظاهرا قابلا للحمل على الكراهة، وقد عمل بالموثقة جماعة في باب العتق والصدقة، وإن كان الخبران الاولان ضعيفي السند ولا جابر لهما هكذا قيل. إلا أن الخبر الثاني مروي في الكافي (3) بسند صحيح على الاصح من توثيق إبراهيم بن هاشم والراوي غياث بن إبراهيم وإن كان بتريا إلا أنه ثقة، والراوي عنه في هذا الخبر عبد الله بن المغيرة وهو من أصحاب الاجماع فالرواية في غاية الاعتبار، وحكي عن الشيخ (قدس سره) تجويز إمامة الصبي المميز المراهق العاقل بل يظهر منه وجود الخلاف في المسألة، وقواه المحقق الاردبيلي لولا مخافة الاجماع المدعي من العلامة (قدس سره) في المنتهى إلا أن الاحتياط حسن على كل حال. ومنها طهارة المولد: بأن لا يعرف بكونه من الزنا وفيه أخبار متعددة، لكن في بعضها ضم من يكره الاقتداء به كالابرض إلا أن بعضها الآخر خال عن هذا المحذور، ولا منافاة بين مادل بظاهره على عدم جواز الاقتداء وما دل بظاهره على استعمال النهي في الجامع بين التحريم والكراهة، لكن الخبر الخالي عن المحذور ضعيف وبعنوان أنه لا ينبغي ان يؤم الناس والاحتياط مطلوب. ومنها: الذكورة: إذا كان في المأمومين رجل ومدرك الاعتبار أخبار ضعاف منجبرة باستناد المشهور إليها، والاستدلال بها في كتبهم، وعن الحدائق (4) الاستدلال لاعتبارها بحرمة محاذاة الرجل للمرأة ومحاذاتها له أو تقدمها عليه بما لا يتخطى شرط في الجماعة وتفصيل القول فيه أن محاذاه المرأة للرجل في الصلاة إن كانت من الموانع الشرعية باستفادة المانعية من النهي عن المحاذاة فالصلاة باطلة فلا


(1 و 2) الوسائل: ج 5، ص 397، الحديث 3 و 5، من الباب 14 من ابواب صلاة الجماعة. (3) فروع الكافي: ج 3، ص 376، الحديث 6 (طبعة الآخوندي). (4) الحدائق الناضرة: ج 11، ص 196، (طبعة الآخوندي).

[ 209 ]

يعقل عروض هيئة الجماعة المستحبة عليها. ووجه استحالة اجتماع الشرطية للجماعة والمانعية لاصل الصلاة مختلف، فإن اعتبر الشرطية كالمانعية بنحو العموم غاية الامر ان العموم في الثانية شمولي وفي الاولى بدلي فالمانع جعل اعتبارين متنافيين لمحاذاة المرأة للرجل فكما لا يعقل جعل الشرطية والمانعية معا لاصل الصلاة كذلك لا يعقل جعل المانعية لها في أصل الصلاة وجعل الشرطية لها في الجماعة العارضة على الصلاة المتوقفة عليها، غاية الامر ان الشرطية والمانعية في الاول متنافيتان بالذات وفي الثاني متنافيتان بالعرض. وان اعتبر الشرطية لصرف، وجود المحاذاة لا لمصاديقها فمحذوره ان تطبيق صرف وجود الشرط على المانع يلزم من وجوده عدمه وان كان بالواسطة كما هو واضح. وان كانت المحاذاة محرمة فقط في الصلاة فمرجع اعتبار الشرطية ان كان إلى شرطية كل محاذاة بنحو التخيير الشرعي فلازمه جعل الحرام في الصلاة شرطا في الجماعة ولازمه الرخصة في الحرام فان أدنى مراتب ما يترتب على الشرطية انه مرخص في إيجاده تحصيلا للجماعة المستحبة. وإن كان المرجع إلى شرطية صرف وجود المحاذاة فليس جعل الشرطية منافيا لجعل الحرمة. نعم تطبيق المكلف لصرف وجود الشرط على الحرام لازم المقام، وليس الشرط عباديا حتى لا يمكن التقرب المبعد بل يتحقق شرط الجماعة بمجرد وجود المحاذاة ولو لم يقصد به التقرب بإيجاد الشرط بل هذا المعنى جار في أصل الصلاة أيضا فان الصلاة المأمور بها إذا لو حظت بنحو التخيير الشرعي بين أفرادها البدلية ومنها الصلاة الملازمة لها لزم جعل الحكمين المتنافيين للمتلازمين وإذا لوحظت بنحو صرف الوجود الذي لازمه التخيير عقلا فليس من الشارع جعل المنافي وتطبيق صرف وجود الصلاة على ما يلازم الحرام لامانع منه. وتوهم النهي عن الصلاة المحاذية لصلاة المرأة فيندرج تحت مسألة النهي عن العبادة التي لا شبهة في اقتضائه الفساد. مدفوع: بان المحاذاة ليست من خصوصيات الصلاة بل تقوم بذات المصلي كقيام الصلاة به فهو من المنهي لوضعه الغير المتحد معه في الوجود فلا يلزم التقرب بالمبعد ومن جميع ما ذكرنا اتضح عدم اقتضاء المحاذاة لبطلان الجماعة إلا على بعض

[ 210 ]

الوجوه الغير الصحيحة. وأوضح منه إذا قلنا بكراهة المحاذاة بل بكراهة الصلاة من المحاذي فانها كسائر العبادات المكروهة التي تقع صحيحة مع كراهتها، فتدبر. وأما إمامة المرأة لمثلها فالاخبار فيها مختلفة فمن جملة منها يظهر أن جوازها مفروغ عنه ويسأل عن خصوصيات متعلقة بصلاتها، وبعضها الآخر وفيه الصحيح جواز إمامتها لمثلها. وفي بعضها التصريح بإمامتها لمثلها في المكتوبة. وفي قبال هذه الاخبار أخبار صحاح مفصلة بين المكتوبة والنافلة بالمنع عن إمامتها في الاولى والترخيص في الثانية، فإن حملنا المكتوبة والنافلة على الجماعة الواجبة كالجمعة والجماعة المستحبة كسائر الفرائض إذا اقيمت جماعة لم تكن معارضة لشئ من تلك الاخبار إذ المرأة في الجمعة لا تعد من العدد، إلا ان الظاهر أن " المكتوبة والنافلة " وصف للصلاة لا للجماعة كما يتضح بالمراجعة إلى موارد استعمالهما في الاخبار وهذه الاخبار المعارضة حيث إنها أخص من مطلقات جواز إمامة المراة لمثلها لابد من تخصيصها به لكنها معارضة بالتبائن لما دل على الجواز في المكتوبة، والجمع الدلالي وإن كان يقتضي حمل المنع على الكراهة المصطلحة في باب العبادة إلا أن الاوجه حمل التفصيل على التقية فإن مذهب العامة حرمة إمامتها أو كراهتها في المكتوبة وجوازها في النافلة. ومنها: أن لا يكون قاعدا للقائمين: ومدركه بعض الاخبار الضعيفة سندا ودلالة إلا أن العمل عليها وإلا فمقتضى القاعدة جواز الاقتداء بكل صلاة صحيحة لا تدارك لها إعادة وقضاء وصلاة القاعد كذلك، وارتباط صلاة كاملة بصلاة ناقصة لا يوجب سريان نقصها من حيث العمل أو من حيث المصلحة إليها بل صلاة المأموم القائم مشتملة على مصلحة أصل الصلاة وفضيلة الجماعة من دون نقص والامام غير ضامن لشئ إلا القراءة فلو كانت شبهة لكانت في إمامة من لا يحسن القراءة لمن يحسها، وعليه فجواز إمامة المتيمم للمتوضي على طبق القاعدة لا أن صحتها بواسطة التعبد.

[ 211 ]

وأما الاستدلال بما ورد في إمامة المتيمم (1) بقوله (عليه السلام): " لان الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " لاثبات إمامة المضطر للمختار مطلقا فمبني على إرادة هذا المعنى وهو ان الله جعل التراب مبيحا للدخول في الصلاة كما جعل الماء مبيحا فيعم كل مورد يجوز للامام الدخول معه في الصلاة، وإلا فلو قلنا بأن التراب كالماء في كونه طهورا بعنوانه فلا يمكن التعدي إلى مالا ينطبق عنوان المبدل عليه بخلاف القاعد والقائم فانه لا تنزيل للقاعد منزلة القائم بعنوانه ومجرد البدلية لا يوجب الاندارج تحت عنوان الشرط مثلا. ومن قبيل الطهارة، إمامة القائم المستند للقائم المستقل فان عنوان الشرط محفوظ فيها. ومنه ما ورد في جماعة العراة من أن الامام يؤمي إلى الركوع والسجود والمأمومون يركعون ويسجدون فإن عنوان الركوع والسجود محفوظ فيها. ومنه يتضح أنه لا وجه للاشكال في إمامة القائم المستند للقائم المستقل بناء على عموم التعليل وعدم مناط المنقح في عدم جواز إمامة القاعد للقائم حتى يقال بعدم جواز إمامة القائم المستند للقائم المستقل أو عدم جواز إمامة كل مضطر للمختار إلا ما خرج بل مقتضى القاعدة كما عرفت جواز إمامة كل مضطر تصح صلاته حقيقة للمختار إلا ما خرج. وتوهم وجوب متابعة المأموم للامام فإذا راعى متابعته فسدت صلاته لكونه مختارا، وإذا ترك المتابعة فسدت الصلاة على الوجوب الشرطي وكان آثما على الوجوب النفسي ومقتضى أمر الشارع بالمتابعة والترغيب في الجماعة اختصاصه بغير ما يلزم منه إما محذور الفساد أو محذور الاثم. مدفوع: بما مر مرارا من أن مورد وجوب المتابعة ما يجب على الامام والمأموم معا لا ما يجب على أحدهما فقط. وتخيل تقوم الجماعة بالمتابعة تقدم بطلانه في مبحث وجوب المتابعة. هذا كله في إمامة القاعد للقائم. وأما إمامته لمثله فجوازها منصوص في جماعة العراة لا أنه بمقتضى القاعدة كما سيأتي إن شاء الله تعالى


(1) الوسائل: ج 5، ص 401، الحديث 1، من الباب 17 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 212 ]

ومنها: أن لا يكون الامام ممن لا يحسن القراءة: لا مدرك صحيح له إلا انصراف قوله (عليه السلام) (1): " تجزيك قراءته " وقوله (عليه السلام) (2): " لا بأس بإمامة العبد إذا كان قاريا " إلى القراءة الحقيقية الصحيحة بقول مطلق لا الصحيحة من خصوص الامام. وكذا ما ورد في بعض أخبار القراءة (3) " وكان الامام مأمونا على القرآن إذ الظاهر من كونه مأمونا عليه أداؤه على ما ينبغي لا مأمونا على أصل القراءة في قبال تركها فانه فاسق بتعمد ترك القراءة في الصلاة بل ربما يستدل بأصل اقتضاء ضمان الامام للقراءة بتقريب أن قراءة المأموم الواجبة عليه هي القراءة التامة ومثلها لا يمكن أن يكون في ضمان من لا يتمكن من الخروج عن عهدته فيكف يكون ضامنا له. بل ربما يوجه بوجه آخر بأن المأموم يجب عليه القراءة مباشرة أو يكل أمر قراءته إلى الامام، وكيف يعقل أن يكلها إلى من لا يتمكن منها. والعمدة دعوى الانصراف وإلا فقد عرفت سابقا أن الايكال إلى الامام لا معنى له وان ضمان الامام لقراءة المأموم مرجعه إلى سقوط القراءة لا اشتغال ذمة الامام بقراءات المأمومين الذي مقتضاه تعدد القراءة منه خروجا عن عهدة ضمان كل واحد واحد من المأمومين فهذا التعبير من الامام (عليه السلام) لتقريب عدم فقدان الصلاة للقراءة فهو نظير لسان الحكومة فلا يكون تخصيصا لعموم " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " (4) بحسب اللسان والعنوان وإن كان كذلك واقعا ولبا. وثم إن هذا الشرط هل هو شرط الضمان وسقوط القراءة الصحيحة عن المأموم، أو شرط الامام الضامن فإن كان الاول لم يكن مانع عن اقتداء من لا يحسن بمن لا يحسن إذ ليس على المأموم قراءة لا يتمكن منها الامام ليكون منافيا لكونه في


(1) الوسائل: ج 5، ص 424، الحديث 15، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5، ص 401، الحديث 5، من الباب 16 من ابواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 5، ص 423، الحديث 9، من الباب 31 من ابواب صلاة الجماعة. (4) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 274، الحديث 5، من الباب 1 من ابواب القراءة في الصلاة (الطبعة الحجرية).

[ 213 ]

عهدته. وإن كان الثاني فلابد من كون الامام محسنا للقراءة لكل من اقتدى به نظير كونه عادلا وطاهر المولد وأشباه ذلك. فان استندنا في حكم المسألة إلى عنوان الضمان للقراءة تعين الاول وان استندنا إلى قوله: " وكان مأمونا على القرآن " (1) وقوله: " لا بأس بإمامة العبد إذا كان قاريا " (2) تعين الثاني. وقد عرفت خروج اقتداء القاعد بالقاعد بالنص، ويتفرع عليه أيضا عدم كفاية قراءة المأموم المحسن في اقتدائه بغير المحسن، كما يتفرع عليه أيضا عدم صحة الاقتداء به في الركعتين الاخيرتين الخارجتين عن مورد ضمان الامام. ويتفرع عليه عدم صحة إمامة الاخرس لمثله فضلا عن غيره. وأما لزوم اقتداء غير المحسن للقراءة لم يحسنها وعدم كفاية قراءته عن نفسه فقد تقدم مفصلا في أوائل البحث عن الجماعة. ومنها: الايمان الاخص من الاسلام: وهو موضع الوفاق والاخبار (3) به مستفيضة إلا أن الذي ينبغي البحث عنه هي القراءة خلف الامام الغير المرضي، وتمام الكلام فيها برسم مباحث: الاول: عدم انعقاد الجماعة معه في مورد التقية لاخبار كثيرة منها حسنة زرارة (4) " قال: سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الصلاة خلف المخالفين فقال (عليه السلام): ماهم عندي إلا بمنزلة الجدر " فإنه في غاية الظهور في عدم انعقاد الجماعة إذ لاجماعة إلا بإمام والجدار لا يصلح للامامة. ومنها ما في الصحيح (5) عن علي بن سعيد " قال (عليه السلام): اقرء لنفسك كأنك وحدك " اي ليس لك إمان تقتدي به. ومنها ما في صحيح الحلبي (6) " إذا صليت خلف إمام لا تقتدي به فاقرء خلفه سمعت قراءته أولم تسمع " فإن القراءة حتى مع سماع قراءة الامام من اللوازم الخاصة لعدم انعقاد الجماعة. ومنها ما في رواية ابي


(1) المصدر السابق. (2) الوسائل: ج 5، ص 401، الحديث 5، من الباب 16 من ابواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 5، ص 388، احاديث الباب 10 من ابواب صلاة الجماعة. (4) المصدر السابق: الحديث 1. (5 و 6) الوسائل: ج 5، ص 429، الحديث 7 و 9، من الباب 33 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 214 ]

الربيع (1) " لو قبل التطوع لقبلت الفريضة " بعد قول السائل: " اصلي خلفه وأجعله تطوعا " فانه يعلم منه المفروغية عن عدم الجماعة معهم في الفريضة. وفي قبال هذه الروايات رواية زرارة (2) " عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: لا بأس ان تصلي خلف الناصب ولا تقرء خلفه فيما يجهر فيه فإن قراءته تجزيك إذا سمعتها " فان مجرد سقوط القراءة وإن لم يكن لازما خاصا للجماعة إلا أن إجزاء قراءة الامام عن قراءة المأموم من اللوازم الخاصة للجماعة الصحيحة وإلا فلا معنى لتحمل الامام قراءة المأموم وإجزاء قراءته عن قراءته مع عدم كونه إماما له حقيقة. وقريب منها صحيحة معاوية بن وهب (3) " عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يؤم القوم وأنت لا ترضى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فقال: إذا سمعت كتاب الله يتلى فأنصت له قلت له: فإنه يشهد علي بالشرك فقال إن عصى فأطع الله فرددت عليه فابى أن يرخص لي قلت له: أصلي إذن في بيتي ثم أخرج إليه فقال: انت وذاك " وتقريبه ان الانصات بمعنى الاصغاء وإن كان يجامع القراءة إخفاتا فلا يعارض ما دل على لزوم القراءة إلا أن تخصيص السؤال بخصوص الجهرية دال على أن غرضه الصلاة جماعة حقيقة لا صورة فانها التي لا قراءة فيها بل يجب السكوت فينتج ان جماعة الصلاة الجهرية التي لازمها الخاص ترك القراءة والاصغاء خلف المخالف صحيحة وقوله (عليه السلام) في آخرها: " انت وذاك " يدل على الرخصة في ترك القراءة في الجهرية، أو الصلاة فرادى في بيته ثم الجماعة الصورية، بل يستفاد انعقادها جماعة في شدة التقية من رواية (4) علي بن سعد البصري " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إني نازل في بني عدي ومؤذنهم وإمامهم وجميع اهل المسجد عثمانية يتبرؤن منكم ومن شيعتكم وانا نازل فيهم فما ترى في الصلاة خلف الامام قال: صل خلفه قال: وقال


(1) الوسائل: ج 5، ص 384، الحديث 5، من الباب 6 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5، ص 431، الحديث 5، من الباب 34 من ابواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 5، ص 430، الحديث 2، من الباب 34 من ابواب صلاة الجماعة. (4) الوسائل: ج 5، ص 429، الحديث 7، من الباب 33 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 215 ]

احتسب بما تسمع ولو قدمت البصرة لقد سألك الفضيل بن يسار واخبرته بما افتيتك فتأخذ بقول الفضيل وتدع قولي قال علي: فقدمت البصرة واخبرت فضيلا بما قال فقال هو أعلم بما قال لكني قد سمعته وسمعت أباه يقولان لا تعتد بالصلاة خلف الناصب واقرء لنفسك كأنك وحدك " ودلالتها على انعقاد الجماعة من وجيهين: (أحدهما) من حيث الامر باحتساب ما يسمع فانه من خواص الجماعة الصحيحة (وثانيهما) من حث المقابلة بين قول أبي عبد الله (عليه السلام): وقول الفضيل حيث روي عدم الاعتداد فانه بمعنى عدم احتسابه جماعة لاعدم احتسابه صلاة فيعلم منه ان قول ابي عبد الله (عليه السلام): الاعتداد بكونه جماعة في شدة التقية حيث كان في الجماعة الناصبة ولا يتمكن من القراءة بوجه فلما خرج عنهم أمر بواسطة الفضيل بالصلاة خلفهم مع القراءة فالصلاة في الثانية حقيقية والجماعة صورية، وفي الاولى كلتاهما حقيقية. فتدبر جيدا. والانصاف ان ظهور هذه الاخبار في الانعقاد جماعة حقيقة مما لا ينبغي إنكاره لكنه على خلاف كلمة الاصحاب إذ لم أجد من يذهب إليه فلا بد من التصرف فيها بحملها على سقوط القراءة وهو أيضا خلاف المشهور إلا ان يحمل على مورد لا يتمكن منها بوجه حتى مثل حديث النفس الذي لا يسمعه من كان قريبا منه لشدة المراقبة من المخالفين له وسقوط القراءة ليس بمثابة انعقاد الجماعة لوجود نظيره فيمن أدرك الامام راكعا كما سيجئ إن شاء الله تعالى. الثاني: كما لا تنعقد الجماعة معهم في الفريضة ابتداء كذلك في المعادة والروايات فيها في بدو النظر متعارضة ففي جملة منها انعقادها في المعادة منها ما في الفقيه (1) " عن عبد الله بن سنان عنه (عليه السلام) إنه قال: ما من عبد يصلي في الوقت ويفرغ ثم يأتيهم ويصلي معهم وهو على وضوء إلا كتب الله له خمسا وعشرين درجة قال: وقال له أيضا إن على بابي مسجدا يكون فيه قوم مخالفون معاندون وهم يمسون في الصلاة فانا اصلي العصر ثم اخرج فاصلي معهم فقال


(1) من لا يحضره الفقيه: ج 1، ص 265، الحديث 120 (طبعة الآخوندي).

[ 216 ]

(عليه السلام): اما ترضى ان يحسب لك باربع وعشرين صلاة " فان المترائي منها احتسابها صلاة تطوعا ولذا قيدها بالوضوء ولو كانت صورة صلاة لما لزم ان يكون مع الوضوء. وفي قبالها أخبار أظهر منها دلالة على انها صورة صلاة كما هي صورة جماعة غاية الامر ان هذه الصورة بملاحظة ما يترتب عليها من المصالح أعظم ثوابا من صلاته الحقيقية فرادى بل جماعة أيضا. منها رواية عبيد بن زرارة (1) " عن ابي عبد الله (عليه السلام): قال: قلت له: إني ادخل المسجد وقد صليت فاصلي معهم فلا أحتسب بتلك الصلاة قال: لا بأس وأما انا فاصلي معهم واريهم اني اسجد وما اسجد " ومنها عن ناصح المؤذن (2) " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): اني اصلي في البيت وأخرج إليهم قال: اجعلها نافلة ولا تكبر فتدخل معهم في الصلاة فان مفتاح الصلاة التكبير " وهي صريحة في عدم كونه صلاة أصلا لا جماعة ولا معادة ولا غيرها فالمراد من النافلة مطلق الذكر ولذا قال في رواية (3) اخرى " أفأصلي خلفه وأجعلها تطوعا قال (عليه السلام): لو قبل التطوع لقبلت الفريضة ولكن اجعلها سبحة " اي ذكرا وتقديسا، والتقييد بالوضوء في بعض الاخبار إما لحفظ احترام صورة الصلاة، أو لاجل ان يكون الذكر عن طهارة. الثالث: في ان الصلاة مع المخالف هل هي كما انها صورة جماعة كذلك صورة صلاة فلا تنعقد فرادى كما لا تنعقد جماعة أو تنعقد فرادى؟ ولا ينبغي الريب بملاحظة غير واحد من الاخبار انها تنعقد فرادى فان قوله (4) (عليه السلام): " اقرا لنفسك كأنك وحدك " مع بطلان الصلاة لا معنى له بل صريح في انه صلاة بلا إمام فلذا يجب فيها القراءة فكل أوامر القراءة بمراتبها دالة على صحة العمل، وما ورد من النهي عن الصلاة خلف المخالف لا يدل إلا على عدم انعقادها جماعة. نعم يعارضها صريحا خبر ابي الربيع (5) في حديث " إنه سأل عن الامام إذا (1 و 2) الوسائل: ج 5، ص 385، الحديث 7 و 8، من الباب 6 من ابواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 5، ص 384، الحديث 5، من الباب 6 من ابواب صلاة الجماعة. (4) الوسائل: ج 5، ص 429، الحديث 7، من الباب 33 من ابواب صلاة الجماعة. (5) الوسائل: ج 5، ص 384، الحديث 5، من الباب 6 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 217 ]

لم يكن أثق به اصلي خلفه واقرء فقال: لاصل قبله أو بعده " فانه مع التصريح بالقراءة خلفه منعه عن الصلاة وأمره بالصلاة قبل الجماعة أو بعدها فتدل على عدم انعقادها أصلا. إلا أنه معارض بما هو اصح منه سندا وأوضح منه دلالة وهي صحيحة معاوية بن وهب (1) المتقدمة فإنها مشتملة على المعاملة معها معاملة الصلاة الصحيحة بعد التنزل عن دلالتها على انعقادها جماعة فلما أصر الراوي وطلب منه الصلاة في بيته ثم الصلاة معهم قال أنت وذاك. ونتيجته الرخصة في الصلاة معهم ابتداء، أو الصلاة في بيته ثم الصلاة صورة معهم، فلابد من حمل النهي على الكراهة لان الصحيحة نص في الرخصة، أوحمله على مراتب التقية فربما يقتضي إيقاع صلاته معهم لمراقبتهم له وربما ليس الامر بتلك المثابة فله أحد الامرين. فتدبر. الرابع: بناء على انعقادها فرادى لابد فيها من القراءة كما قضت به النصوص الكثيرة وفي قبالها ما تقدم من رواية زرارة (2) من قوله (عليه السلام): " ولا تقرء " وصحيحة معاوية بن وهب (3) لا من حيث إن الانصات بمعنى السكوت ليقال إنه بمعنى الاصغاء المجامع مع القراءة لئلا ينافي ما دل على القراءة بل لما تقدم تقريبه من اقتضاء خصوصية السؤال والجواب، وإن قلنا بأن الانصات بمعنى الاصغاء وقوله (عليه السلام) في خبر علي بن سعد (4): " واحتسب ما تسمع " والجمع الدلالي وإن كان يقتضي حمل النهي إما على الكراهة، أو أنه في مقام دفع توهم الوجوب، نظير الامر في مقام دفع توهم الحظر، وحمل أوامر القراءة بناء على الوجه الاول على مجرد توهم الحظر باعتبار أنها جماعة صورة وعلى الاستحباب بناء على الوجه الثاني وإلا فلا يمكن الجمع بين الكراهة والاستحباب في موضوع القراءة إلا ان سقوط القراءة وعدم لزومها فضلا عن كراهتها على خلاف كلمة الاصحاب كما نبه عليه في


(1) الوسائل: ج 5، ص 430، الحديث 2، من الباب 34 من ابواب صلاة الجماعة. (2) الوسائل: ج 5، ص 431، الحديث 5، من الباب 34 من ابواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 5، ص 430، الحديث 2، من الباب 34 من ابواب صلاة الجماعة. (4) الوسائل: ج 5، ص 429، الحديث 7، من الباب 33 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 218 ]

الحدائق. والظاهر كما استظهرناه سابقا ان الامر بترك القراءة والنهي عنها في فرض انعقادها جماعة فلا ينافي الامر اللزومي بالقراءة في مورد انعقاد الصلاة فرادى كما هو صريح موارد الامر بالقراءة إلا بعد التنزل وحمل تلك الاخبار على إرادة سقوط القراءة فقط تبقى المعارضة بينها وبين أوامر القراءة ولا مناص عن الالتزام بظاهر تلك النواهي بحمل مواردها على شدة التقية لمراقبة المخالفين بحيث لا يتمكن من القراءة ولو إخفاتا، وحمل الاوامر على مورد التمكن وعدم شدة التقية وفي نفس صحيح (1) علي بن سعد شهادة على هذا التفصيل بعد التنزل المزبور، فتدبر. ولا مانع من سقوط القراءة رأسا مع عدم التمكن بعد ورود نظيره في الاخبار المتضمنة لادراك الامام راكعا وإن كان وجه عدم التمكن من القراءة مختلفا. الخامس: لا ريب نصا وفتوى في لزوم القراءة بخصوصياتها مع التمكن حتى الجهر في الجهرية، كما إذا فرض كون الامام أصم ولا مأموم له غيره وأما مع عدم التمكن فالجهر ساقط بحسب النصوص إلا أن الاخفات حيث إنه له مراتب فاللازم مراعاة أول مرتبة الاخفات بحيث يسمع نفسه، وبعدها بحيث يسمع من وضع اذنه على فمه، وبعدها ما هو " مثل حديث النفس " كما في الخبر (2)، وأما حمله على حديث النفس الراجع إلى تصورها وإيجادها في نفسه المعدود من الافعال النفسية فقد قدمنا سابقا انه مبائن لموضوع القراءة. نعم يمكن ان يقال: بانه كالاخرس بالعرض الذي تكليفه حديث النفس بالالفاظ، وحيث إنه يتمكن من ما هو قراءة الغير القادر على التلفظ خارجا وإن كان وجه عدم القدرة مختلفا إلا أنه حيث كان خارجا عن حقيقة القراءة يحتاج إلى دليل يتكفل تنزيل وجوده النفسي منزلة وجوده الخارجي، وهذا المعنى لا يفهم من الامر بالقراءة ولو مثل حديث النفس، بل الظاهر أن مساقه مساق قوله (3) (عليه السلام): " وإن لم تسمع نفسك فلا


(1) المصدر السابق. (2) الوسائل: ج 5، ص 428، الحديث 4، من الباب 33 من ابواب صلاة الجماعة. (3) الوسائل: ج 5، ص 427، الحديث 1، من الباب 33 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 219 ]

بأس " وأما من حيث الكم فلابد من الاتيان بالحمد والسورة ومع عدم التمكن من السورة يقتصر على الحمد كما في رواية البزنطي (1) ومع عدم التمكن منن الحمد أيضا يركع بلا قراءة كما في رواية أحمد بن عائذ (2) ومع إدراك الامام راكعا يركع بركوعه بلا قراءة والظاهر في كل هذه المراتب مراعاة التمكن بحيث لا يحل بالتقية ولذا قال (3) (عليه السلام) " أفرغ قبل ان يفرغ فانك في حصار فان فرغ قبلك فاقطع القراءة واركع معه " ومنه يعلم ان القول باتمام القراءة في الركوع لا وجه له. وتوهم: ان القراءة واجبة مشروطة بالقيام وسقوط الشرط للتقية وهو لزوم ركوعه معه فانه المخل تركه بالتقية لا يوجب سقوط القراءة. مدفوع: بأن محل القراءة قبل الركوع وبالركوع الذي امر به يفوت محله لا أنه فقط يفوت شرطه وملاحظة الترتيب يقتضي ان يركع ثانيا عن قيام وهو غير معذور مع التقية وإن أمكن عدم قصد الركوع بانحنائه لئلا يلزم زيادة الركوع، ولا يقاس بما ورد من إتمام التشهد قائما فان القيام إذا قارن القراءة والتسبيح كان من باب الواجب في الواجب أو شرط الواجب لا مطلقا وليس في إدامته القراءة والتسبيح محذور الركوع عن قيام وعدم كفاية إبقاء الركوع. السادس: بعدما عرفت ان الصلاة مع المخالف في مورد التقية تقع صحيحة يجري البحث في إجزائها عن الصلاة التامة التي كلف بها عامة المكلفين فلا إعادة لها ولا قضاء أو أنها صحيحة بمعنى موافقتها لامرها الفعلي الداخل في الاوامر الاضطرارية وكلي القول في الاوامر الاضطرارية مع قطع النظر عن أخبار المسألة هو أنه ربما يقال: إن البدل ان كان مشتملا على مصلحة المبدل فلا موجب للاعادة لان الامر بالصلاة التامة لا يبقى مع حصول ملاكه، وان لم يكن مشتملا على مصلحة المبدل فلا أمر مع أن المفروض وجوده في موقع الاضطرار متعلقا بهذا الفاقد لجزء أو شرط. وقد أجبنا عنه في محله بأنه مبني على وحدة المصلحة ذاتا ومرتبة ومن


(1) الوسائل: ج 5، ص 428، الحديث 6، من الباب 33 من ابواب صلاة الجماعة. (2) التهذيب: ج 3، ص 37، الحديث 43، من باب احكام الجماعة (طبعة الآخوندي). (3) الوسائل: ج 5، ص 430، الحديث 1، من الباب 34 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 220 ]

الممكن كون المصلحة اللزومية متعددة أو ذات مراتب شديدة وضعيفة بحيث يمكن استيفاء المصلحة الاخرى القائمة بالمبدل أو استيفاء المرتبة العليا القائمة به بالاعادة مع انبعاث الامر بالبدل عن إحدى المصلحتين أو عن المرتبة الضعيفة. ومقتضى هذا الواجه المحتمل بحسب مقام الثبوت هو التخيير بين إتيان المبدل بعد ارتفاع العذر أو إتيان البدل حال العذر وإتيان المبدل بعد ارتفاعه تحصيلا لتمام المصلحة، وليس ظهور الامر بالبدل في التعييني ملازما للاجزاء، إذ القائل بالاجزاء كالقائل بعدمه يقول بالتخيير بين إتيان المبدل حال ارتفاع العذر وإتيان البدل في حال العذر بل لابد في استكشاف الاجزاء من إطلاق الامر بالبدل من حيث ضم الضميمة في قبال العطف بالواو لا الاطلاق في قبال العطف بأو والمراد هو الاطلاق المقامي لا الاطلاق الكلامي لاستحالة تقييد مفاد الهيئة باتيان المبدل فكذا إطلاقه وتقييد مفاد المادة مع استقلال كل منهما بالامر خلف، وبقية الكلام في محله. وأما بالنظر إلى اخبار المسألة فلا ينبغي الاشكال في الاجزاء لما في رواية اسحاق بن عمار (1) " اعتد بها فانها من أفضل ركعاتك " وفي رواية أحمد بن عائذ (2) " أتجزيني ذلك؟ قال: نعم " وفي رواية ابن ابي نصر (3) " أيجزيني ذلك؟ قال: نعم يجزيك الحمد وحدها " ولا يمكن حمل الاجزاء على الاجزاء بالنسبة إلى الامر الاضطراري الذي هو عقلي إذ المفروض عدم التمكن من غيره حتى يكون الاجزاء بالنسبة إلى أمره في مورد التقية بل كل هذه العبارات في مقام السؤال عن أداء فريضة الوقت التي هي على كل مكلف فيسأل عن إجزاء ما أتى به عما هو تكليفه لولا التقية ويدل عليه صحيحة معاوية بن وهب (4) حيث قال (عليه السلام): " انت وذاك " فانه (عليه السلام) في مقام التسوية بين أداء الفريضة مع المخالف كما امره أولا وبين أداء الفريضة في البيت ثم الصلاة صورة مع المخالف،


(1) الوسائل: ج 5، ص 431، الحديث 4، من الباب 34 من ابواب صلاة الجماعة. (2) التهذيب: ج 3، ص 37، الحديث 43، من باب احكام الجماعة (طبعة الآخوندي). (3) الوسائل: ج 5، ص 428، الحديث 6، من الباب 33 من ابواب صلاة الجماعة. (4) الوسائل: ج 5، ص 430، الحديث 2، من الباب 34 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 221 ]

ومقتضى التسوية ان حال الصلاة مع المخالف ابتداء حال الصلاة في البيت. وفتدبر جيدا. وأما استكشاف الاجزاء من أمره (عليه السلام) بالقراءة فمدفوع بانه يجدي لصحة الصلاة وانه ليس أمرا بالعمل الباطل كالامر بالبدل فانه قد عرفت ان صحة البدل غير مساوقة للاجزاء عن المبدل فلا تغفل. السابع: حيث إن الاجزاء فرع تحقق الامر الاضطرراي فلابد من إثبات أمرين: (أحدهما) كون العذر في حال العمل كافيا في توجه الامر فلا يضره ارتفاع العذر في الوقت (وثانيهما) ان عدم المندوحة قبل العمل ليس شرطا للامر الاضطراري وإلا فمع التمكن من الصلاه التامة قبل الابتلاء بالتقية تجب عليه الصلاة التامة. وهذان الامران وان كان لابد من إحرازهما في سائر المقامات، فربما تتفاوت الموارد من حيث إطلاق دليل العمل المضطر إليه وعدمه إلا أن صحيحة معاوية بن وهب (1) كما تفي بالاجزاء تفي بعدم اعتبار عدم المندوحة قبل الصلاة مع المخالف، وتفي بكفاية العذر في حال العمل من دون لزوم استيعاب العذر لتمام الوقت فانه (عليه السلام) أمره بالصلاة مع المخالف مع تمكنه من الصلاة في بيته كما هو مفروض السائل بل أبى (عليه السلام) ان يرخصه في تركها، ومن الواضح ان مقتضى أمره (عليه السلام) أولا ومقتضى ترخيصه ثانيا بالصلاة في بيته ثم الصلاة مع المخالف انهما على حد سواء، فيعلم ان مجرد العذر في حال العمل كاف ولا يجب استمرار التقية إلى آخر الوقت. وأما ما عن ابي جعفر الثاني (عليه السلام) في المكاتبة (2) حيث قال: (عليه السلام): " لا تصل خلف من يمسح على الخفين فان جامعك وإياهم موضع لا تجد بدا من الصلاة معهم فأذن لنفسك وأقم " الخبر. فلا يدل على اعتبار عدم المندوحة قبل العمل فان اللابدية المفروضة فيه هي


(1) المصدر السابق. (2) الوسائل: ج 5، ص 427، الحديث 2، من الباب 33 من ابواب صلاة الجماعة. واليك نص المكاتبة: " عن ابراهيم بن شيبه قال: كتبت إلى ابي جعفر الثاني عليه السلام أسأله عن الصلاة خلف من يتولى امير المؤمنين عليه السلام وهو يرى المسح على الخفين، أو خلف من يحرم وهو يمسح فكتب عليه السلام ان جامعك واياهم موضع فلم تجد بدأ من الصلاة فاذن لنفسك.. ".

[ 222 ]

اللابدية من الصلاة معهم لا اللابدية المطلقة فإن من يمكنه الصلاة في بيتة وكان لابد من الصلاة معهم فهو مشمول للخبر ومقتضى قوله (عليه السلام): " فاذن لنفسك وأقم " انعقاد الصلاة فرادى لا أنها صورة صلاة بل صورة جماعة وأما خبر أبي الربيع (1) المتقدم ذكره فليس دليلا لاعتبار عدم المندوحة واعتبار استيعاب العذر، بل دليل على عدم صحة الصلاة مع المخالف مطلقا، ولا تنعقد فرادى أيضا وقد عرفت الجواب عنه. الثامن: الموانع كالاجزاء والشرائط في دخول التقية فيها فكما ترتفع الجزئية والشرطية بالتقية كذلك ترتفع المانعية بالتقية فان الامر بالصلاة معهم مع بنائهم العملي على التكتف مثلا وعدم اختصاص أوامر التقية بزمان دون زمان بعد البناء على أن الصلاة تقع صحيحة بل مجزية عن الواقع يستكشف عدم المانعية وإلا لكان أمرا بصورة الصلاة فما معنى " إقرء لنفسك ". نعم لولا هذه الاخبار في الصلاة معهم كان استكشاف عدم المانعية من مجرد الامر محل النظر إذ غاية ما يمكن أن يقال فيه إن الامر بالصلاة متكتفا أمر بإيجاد العمل الباطل والامر بها إذا عرضت التقية في الاثناء أمر بابطال العمل وكلاهما غير صحيح، فلابد من عدم كون التكتف عند التقية مانعا حتى لا يلزم أحد المحذورين. ويندفع بأنه مبني على تعلق الامر بأشخاص الصلاة في أشخاص الاوقات حتى يقال في هذا الجزء من الوقت لا معنى للامر بهذه الصلاة الشخصية ولا للامر بها ثم الامر بإبطالها، وأما لو قلنا بأن المأمور به صرف وجود الصلاة المشتملة على الاجزاء والشرائط الخالية عن الموانع وظرفها بين الحدين من الزوال والغروب بملاحظة صرف الوقت لا كل آن آن فلا يلزم المحذوران لان صرف وجود الطبيعة الخاصة في صرف الوقت مقدور فلا أمر ولو تخييرا بهذه الصلاة الخاصة في هذا الآن المخصوص فيكون لزوم التكتف في هذه الصلاة الشخصية في هذا الزمان الخاص أمرا بصورة صلاة دفعا للضرر مع بقاء الامر بالصلاة التامة في مابين الحدين بنحو الحركة التوسطية دون القطعية على


(1) الوسائل: ج 5، ص 384، الحديث 5، من الباب 6 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 223 ]

حاله. نعم مع ضيق الوقت وعدم سقوط الصلاة بحال يستكشف عدم المانعية إذ لا فرد لصرف وجود الطبيعة إلا هذه الصلاة المشتملة على المانع. فتدبر. تتميم ينبغي التعرض لنبذة من أحكام التقية: منها: ان شأن التقية في مورد ترك جزء أو شرط أو ايجاد مانع كالتكتف في الصلاة أو التلفظ بآمين هل مجرد الرفع أو يثبت البدلية؟ بحيث يكون ترك الجزء والشرط أو فعل المانع معتبرا في الصلاة فلو خالف وأتى بالجزء أو الشرط أو ترك المانع كان إخلالا بما اعتبر في الصلاه. ومما يشهد للاثبات ان ترك المسح على الخفين في مورد التقية بالمسح على البشرة مبطل للوضوء نظرا إلى أن المسح على البشرة الذي هو جزء الوضوء العبادي ممنوع عنه فلا يمكن التقرب به، فيدور الامر بين ترك المسح رأسا فالوضوء ناقص أو المسح على الخف ولولا جزئيته لما وجب بالخصوص، وكذا الامر في غسل الرجلين في مورد التقية فان المسح ممنوع عنه وبلا مسح وبلا غسل وضوء ناقص فيعلم منه حرمة الغسل في هذه الحال. واجيب عنهما بأن المسح على البشرة ينحل إلى أصل المسح وقيد مباشره البشرة فالساقط بالتقية قيد البشرة و أصله باق على وجوبه ومسح موضع آخر لا يتأدى به التقية فيكون ممنوعا عنه أيضا فينحصر قهرا في السمح على الخف وكذا في الغسل فان إيصال أصل النداوة لازم وعدم بلوغه حد الغسل شرط فيسقط هذا الشرط ويبقى أصل ايصال النداوة على حاله. ولا يخفى ما فيهما من التكلف لان ظاهر الرواية كون المسح على الخف للتقية كالمسح عليه لضرورة اخرى كخوف البرد على رجليه حيث قال (1) (عليه السلام): " إلا من عدو تتقيه أو ثلج!؟ تخافه على رجليك " فانه لا شبهة في انه لولا


(1) الوسائل: ج 1، ص 322، الحديث 5، من الباب 38 من ابواب الوضوء.

[ 224 ]

خصوصية المسح على الخف لما تعين المسح الخاص وليس مثل مورد التقية بحيث لاتتأدى التقية إلا به. ومنه تعرف حال الصلاة إلى غير الجهة التي يراها قبلة للتقية، أو قبل المغرب شرعا لبناء المخالف على أنه بمجرد استتار القرص فانه بعد فرض صحة الصلاة وعدم تأدي التقية إلا بالصلاة على الوجه الذي يصليها المخالف لا مناص له إلا الصلاة كذلك والصلاة على الوجه الواقعي منهي عنها لكونه خلاف التقية. نعم هذا الوجه لا يجري في مثل التكتف وقول " آمين " فان تركهما في مورد التقية ليس فيه إلا فعل الحرام في الصلاة لا وقوع فعل من الصلاة بلا قربة لمنافاتها للنهي، فلا موجب لان يقال: إن الامر بالتكتف يوجب شرطيته في الصلاة كما انه بين الصلاة إلى غير الجهة التي يصلي إليها المخالف وبين ترك الصلاة معهم قبل الوقت والاقتداء بهم في الاثناء بعد دخول الوقت فرق من حيث ان تلك الصلاة الواقعة إلى القبلة منهي عنها فلا يمكن التقرب بها، بخلاف الصلاة معهم في الاثناء فان حرمة ترك الاقتداء بهم من الاول لا يوجب حرمة الاقتداء بهم في الاثناء. ومنه تعرف أن اقتضاء التقية للرفع والاثبات معا لا كلية له بل تتفاوت بتفاوت المقامات فكلما اعتبر أمر وجودي في العبادة لا بنحو الظرفية لا يمكن التعدي عنه وكلما اعتبر أمر وجودي في العبادة بنحو الظرفية كالتكتف والتامين فلا يضر تركه بالصلاة وكلما اعتبر أمر وجودي في العبادة لكنه بحيث لا يسري حرمة تركه إلى العبادة كما عرفت في الصلاة قبل الوقت فلا يضر تركه بالعبادة في المثال ولا أرى ثمرة لكون الخصوصية الثابتة في التقية إنما اعتبرت من حيث إنها لا تتأدى التقية إلا بها أو اعتبرت بعنوان البدلية عن الواقع إلا في نية الجزئية في المأمورية فيعتبر على الثاني دون الاول. ومنها: أنه هل المرفوع بالتقية مطلق الوجوب النفسي والغيري والمنع النفسي والغيري حتى يكون العمل الفاقد للجزء أو الشرط، أو الواجد للمنانع صحيحا مجزيا عن الواقع، أو ليس الرفع على الاطلاق بل لابد من ملاحظة أن المتروك أو الممنوع عنه جزء أو شرط أو مانع مطلقا بحسب مقام الثبوت لا مطلقا بحسب مقام الاثبات

[ 225 ]

فقط بحيث يمكن تقييده بعذر من الاعذار، مثلا فاقد الطهورين لا أمر له بالصلاة فإذا اضطر إلى الصلاة معهم بلا طهارة فقد اضطر إلى صورة صلاة إذ التقية لا تحدث أمرا بالصلاة لمن لا يتمكن من استعمال أحد الطهورين، أو كان فاقدا لهما بالكلية، ومنه إذا اضطر إلى التوضئ بالنبيذ، أو بماء متنجس يراه المخالف طاهرا فان وجودهما كالعدم عند الشارع ولا يسوغه عذر اصلا بل فرضه التيمم معها إذا تمكن من استعمال التراب وإلا سقط الامر بالصلاة، بخلاف ما إذا اضطر للتقية إلى الصلاة مع النجاسة الخبثية في بدنه، أو لباسه فان الخلو عنها ليس شرطا مطلقا بحسب مقام الثبوت ولا يسقط الامر معها ويسوغه العذر حتى ضيق الوقت مع تعمد عدم التطهير، ومثله المسح على الخفين فانه يسوغه خوف البرد، ومثل الصلاة إلى غير القبلة فانه يسوغها الجهل بها، وأما الصلاة قبل الوقت مع وقوعها كلا في خارجه فلا يسوغها شئ بخلاف ما إذا دخل الوقت في أثنائها فإذا اضطر إلى الثاني صحت صلاته كالمتعارف من صلاة المغرب عند العامة دون الاول فان التقية لا تحدث أما بالصلاة قبل الوقت بالكلية. وبالجملة فالوقت في الجملة شرط مطلق فلا يفيد الاضطرار في أصله. ومنه تعرف حال الافطار عند استتار القرص للتقية فان الوقت بتمامه ليس شرطا مطلقا ثبوتا ولذا لا قضاء على من أفطر قبل المغرب بالظن المعتبر به كما هو فتوى المشهور ومقتضى غير واحد من النصوص. ومما ذكرنا تبين الفرق بين الوضوء بالماء المتنجس أو النبيذ، وبين مسح الحشفة بالحائط كما يصنعه العامة فانهما وان اشتركا في عدم رفع الحدث بالاولين وعدم رفع الخبث بالاخير لكنهما يفترقان في عدم صحة الصلاة مع الاولين لعدم الامر بها وصحتها مع الاخير ولو مع التعمد في مثل ضيق الوقت لبقاء الامر بالصلاة فيعلم ان الطهارة عن الحدث شرط مطلق والطهارة عن الخبث ليست كذلك فالامر بالوضوء بالنبيذ والصلاة معه تقية أمر صوري لدفع الضرر، بخلاف الامر بمسح الحشفة بالحائط والصلاة معه فانه أمر حقيقي بالصلاة معه. ومنه علم أنه لا فرق في الامر بالتقية بعنوان العموم أو الخصوص بل الفرق من الحيثية التي ذكرناها فالطهارة بالنبيذ لا يسوغها أمر خاص ولا عام والصلاة مع مسح الحشفة يسوغها

[ 226 ]

الامر العام كما يسوغ المسح على الخف بالامر الخاص فتدبر جيدا. وليعلم ان الفرض ان ما لا يكون جزء مطلقا، أو شرطا مطلقا ثبوتا قابل لان يرتفع بالتقية، فكما ان المسح الخاص وهو المسح على البشرة ليس جزء مطلقا لسقوطه في البرد، فكذا في التقية، كذلك أصل المسح ليس جزء مطلقا كما في الاقطع فيرتفع بالتقية ويبدل بغسل الرجلين لعدم تأدي التقية إلا به فلا يلزم ان يكون غسل الرجل سائغا في مورد آخر غير التقية حتى يقال بعدمه ويتخير في أمره كما عن شيخنا العلامة الانصاري (قدس سره) في رسالة التقية. ومنها: أن التقية جارية في الاسباب والعقود والايقاعات على حد جريانها في العبادات أم لا، ولا يخفى عليك ان أوامر التقية بعنوانها بملاحظة مصلحتها العامة وهي دفع الضرر الشخصي أو النوعي، أو دفع الوصمة عن المذهب أو عن رئيس المذهب لا يقتضي إلا إيجاب ذاك العمل بصورته التي تتأدى بها التقية، وأما رفع الجزئية، أو الشرطية، أو المانعية فضلا عن إثبات أثر شرعي فإنما يعلم من خصوصية المورد مثلا صحة الصلاة في مورد التقية للامر بالقراءة فضلا عن إجزائها عن الواقع تقتضي ارتفاع جزئية جزء اقتضت تركه التقية كترك السورة، أو القراءة مطلقا، أو شرطية شرط اقتضت التقية تركه كالجهر في الجهرية، أو مانعية مانع اقتضت إيجاده كالتكتف والتأمين، وكذا الامر في الوضوء بمسح الخف، أو غسل الرجل فان فرض صحته وصحة الصلاة معه يقتضي عدم جزئية المسح على البشرة في حال التقية. نعم في الوضوء بحث أخر يناسب البحث عن الاسباب وهو أن الوضوء في مورد التقية وصحته وصحة الغاية المترتبة عليه يؤثر في الطهارة كالوضوء التام، أو صحته وصحة غايته لا يقتضي أزيد من إباحة الدخول به في الغاية المقصودة فيكون على الثاني كالتيمم على المشهور، وعلى الاول كالتيمم على قول آخر موافق لظاهر دليل التنزيل وإمكان الطهارة الموقتة لكونها اعتبارية لا واقعية كوضوء ذي الجبيرة على وجه. والتحقيق ان ظاهر الادلة ان الوضوء الذي يترقب منه الطهارة هو المأمور به في

[ 227 ]

حال التقية على وجه خاص وإمكان الطهارة الموقتة يجدي في مثل التيمم الذي ينقضه وجدان الماء لا في ما نحن في الذي لا دليل على انتقاضه بزوال التقية. وأما التنظير بالاقطع الذي تجدد له رجل بقدرة الله تعالى حيث لا يتوهم انتقاض طهارته بتجدد الرجل، فمندفع بان الاقطع تكليفه الواقعي هو الوضوء بلا مسح لا كالوضوء في حال التقية فان تكليفه الواقعي هو الوضوء مع المسح على البشرة وإنما ارتفع هذا الجزء لعروض التقية وتمام الكلام من هذه الجهة في محله. وأما العقود والايقاعات: فتارة تكون التقية في اصل إيجادها واخرى في إيجادها بأسبابها. أما الاول: فمقتضى الادلة الخاصة فضلا عن اقتضاء المصلحة العامة المتقدمة عدم ترتب الاثر حيث قال (1) (عليه السلام): " ما صنعتم من شئ أو حلفتم عليه من يمين في تقية فأنتم منه في سعة " ومقتضى كونه منه في سعة عدم الوقوع في ضيق الوفاء والكفارة مثلا. وأما الثاني: فربما يتوهم ان حاله حال العبادات فكما يقال: ان خصوصية قيد البشرة في المسح ساقطة للتقية كذلك خصوصية السبب الخاص في الطلاق مثلا مرفوعة في التقية فيقع قوله: " انت برية وخلية " مؤثرا للتمكن من اللفظ وعدم التمكن من خصوصية انت طالق ولا ينافيه كون المبتلى بالتقية في سعة بل نفوذه على مريد الطلان حقيقة مع عدم التمكن من لفظ خاص يوافق التوسعة وخلافه ضيق عليه ويندفع: بما ذكرنا في العبادات ان ما كان جزء مطلقا أو شرطا مطلقا بحسب مقام الثبوت بحيث لا يسوغه عذر من الاعذار فلا يرتفع بالتقية، فإذا فرض ان الطلاق لا يقع إلا بصيغة " انت طالق " سواء تمكن منها أولم يتمكن فالتقية غير مجدية في جعل لفظ آخر مكانها سببا فيكون كإشهاد العدلين في الطلاق فان عدم التمكن منه لعدم حضورهما في بلد المطلق لا يسوغ وقوعه عند غير العادل فكذلك لا يسوغه التقية وكذا وقوع الطلاق ثلاثا، بقوله: " انت طالق ثلاثا " لا يسوغه عذر


(1) الوسائل: ج 16، ص 134، الحديث 3، من الباب 12 من ابواب كتاب الايمان.

[ 228 ]

من الاعذار فلا يسوغه التقية وعليه فلا يجدي عموم الجواز للتكليفي والوضعي في قوله (1) (عليه السلام): " التقية في كل شئ جائزة " فان صلاحية التقية للواقعية غير صلاحية موردها للارتفاع فكما لا تحدث التقية أمرا في مورد لا أمر له كذلك لا تحدث سببا فيما لا سبب له، فتدبر جيدا. ومنها: ان مورد التقية بالمعنى الاخص حيث إنها من المخالف بما هو مخالف له في المذهب هي الامور المذهبية فيختص بموارد اختلاف العامة مع الخاصة في التكليفات والوضعيات، وأما الموضوعات بما هي فليست مورد التقية بالمعنى الاخص فإذا اعتقد المخالف ان هذا المايع ماء واعتقد المؤمن انه خمر فليس مورد الاتقاء منه بشربه، بخلاف النبيذ الذي يعتقده المخالف انه حلال طاهر فانه مورد التقية. ومنه اعتقاد المخالف ان استتار القرص مغرب شرعا فالصلاة معه والافطار عنده مورد التقية بالمعنى الاخص، بل منه أيضا اعتقاد المخالف ان هذا اليوم يوم عرفة فيجب فيه الوقوف، لرجوعه إلى امر مذهبي وهو حكم الحاكم ثبوت الهلال الذي مقتضاه ان هذا اليوم هو التاسع من ذي الحجة. نعم بناء على مسلك من يقول بان أوامر التقية لا يقتضي إلا رفع التكليف أو الوضع دون الاثبات ليس اليوم المذكور يوم التساع شرعا ولو تنزيلا بل ينحل الوقوف في وادي عرفات في يوم التاسع إلى أصل الوقوف فها وخصوصية اليوم المعين، وتسقط الخصوصية بدليل التقية ويبقى أصل الوقوف وإنما تجب رعاية هذا اليوم حيث لا تتأدى التقية إلا به لالبدليته عن يوم التاسع واقعا، كما ان الفرق بين القطع بالخلاف وعدمه مبني على موضوعية حكم الحاكم عندهم فلا يضره القطع بخلافه وعدم الموضوعية فيقتصر على صورة عدم انكشاف الخلاف حتى عندهم. وبقية الكلام في محله. ومنها: ان المسوغ للتقية كما يقتضيه عنوانها لحوق ضرر يتقي ويتوقى منه سواء كان ضررا على الشخص أو على النوع، أو وصمة على المذهب، وعلى الامام


(1) الوسائل: ج 11، ص 468، الحديث 2، من الباب 25 من ابواب الامر والنهي وما يناسبهما. واليك نص الحديث " التقية في كل شئ يضطر إليه ابن ادم فقد أحله الله له ".

[ 229 ]

ورئيس المذهب. وأما لمجرد التحبب بالموافقة معهم من دون لحوق ضرر وشبهه من تركها؟ فتسويغ التقية بحيث يترتب عليها آثارها مشكل جدا، والاخبار الواردة في الصلاة معهم لمجرد إظهار الموافقة فموردها هي صورة الصلاة بأداء الفريضة في بيته ثم الحضور معهم، وأما الصلاة معهم ابتداء بحيث تنعقد فرادى لمجرد التحبب وإظهار الموافقة فلا دليل تطمئن النفس إليه. نعم في رواية (1): " انه ليس منا من لم يجعل التقية شعاره ودثاره مع من يأمنه ليكون سجية له مع من يحذره " فيعلم منها لزوم التعود بالتقية حذرا من الوقوع في خلافها في مورد الحاجة، إلا ان ترتيب الاثر على كل تقية يحتاج إلى دليل لما عرفت ان التقية لمجرد التحبب إليهم بالصلاة في غالب أخبارها لا يترتب عليه أثر بل هي صورة الصلاة لا جماعة ولافرادى حقيقة. ومنها: ان التقية التي هي موضوع الآثار هل التقية بالمعنى الاخص وهي التقية من المخالف في الامور المذهبية، أو بالمعنى الاعم وهي التقية من غير المخالف غير المخالف أيضا من الكفار، أو ظلمة الشيعة، أو من المخالف في غير الامر المذهبي؟ ولا يخفى عليك ان التقية بمفهومها وان كانت لا تقتضي إلا الخوف الباعث على الاتقاء مما يخاف منه على نفسه، أو على نوعه، أو على دينه سواء كان حمل من الغير على موردها فيساوق الاكراه، أو لا؟ إلا ان غالب أخبار التقية موردها المخالف دون غيره وفيما يمتاز به المخالف عن المؤمن دون غيره، ومطلقاتها منصرفة إلى المخالف لكن لا يبعد ان يقال: إن التقية بما هي تقية من لوازم الايمان في كل ملة ونحلة عن المخالف للحق في تلك الملة فالمخالف لمذهبنا لا خصوصية له إلا من حيث غلبة الابتلاء به في الامور المذهبية لا أن حكم التقية مقصور على التقية من المخالف، وأحسن ما يمكن الاستشهاد به لهذا المعنى رواية مسعدة بن صدقة (2) وفي آخرها " وتفسير ما يتقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله فكل شئ يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدى إلى الفساد في الدين فانه جائز "


(1) الوسائل: ج 11، ص 466، الحديث 28، من الباب 24 من ابواب الامر والنهي وما يناسبهما. (2) الوسائل: ج 11، ص 469، الحديث 6، من الباب 25 من ابواب الامر والنهي وما يناسبهما.

[ 230 ]

ومع ذلك فالاعتماد عليها في ترتب الآثار الثابتة في التقية بالمعنى الاخص مشكل جدا، إلا ان يلتزم برفع جميع الآثار التكليفية والوضعية في الاكراه والاضطرار بحديث الرفع وأشباهه فحينئذ فالتقية بالمعنى الاعم من أفرادهما، ورفع الآثار الوضعية المترتبة على الطلاق والعتق واليمين منصوص في المتفرقات من الاخبار والظاهر جريانه في كل العقود والايقاعات إلا ان ترك جزء أو شرط أو إيجاد مانع في الصلاة والوضوء وسائر العبادات بمجرد إلاكراه، أو التقية من غير المخالف، أو منه في غير ما يتدين به، فرفع آثارها مشكل. وبالجملة فالتقية بالمعنى الاعم تشارك الاخص في رفع التكليفية والوضعية في العقود والايقاعات وفي عدم اقتضاء إثبات السببية في أسبابها التي تتادى بها التقية كما مر. وتفترقان في مثل الوضوء والصلاة وسائر العبادات لقيام الدليل على رافعية التقية للجزئية والشرطية والمانعية في العبادات، ولا دليل على الرافعية في التقية بالمعنى الاعم بل حالها حال الاكراه والاضطرار، فكما إذا اكره على ترك جزء في الصلاة، أو اضطر إلى ترك جزء منها لا يحمل الغير عليه بل لضرورة داعية إليه فلا ترتفع جزئية الجزء بل مرجعه إلى الاكراه، أو الاضطرار إلى إبطال الصلاة. فكذلك إذا كان المسوغ لتركه خوف من ظالم فيتركه اتقاء شره وبهذه الخصوصية يقابل مطلق الاضطرار كما ان مقابلة الاضطرار للاكراه مع اشتمال الاكراه على الاضطرار بحمل الغير عليه وعدمه نعم ربما أمكن استفادة كفاية مطلق الضرورة من الرواية المتكفلة للرخصة في المسح على الخفين بقوله (عليه السلام) (1): " إلا من عدو تتقيه أو ثلج تخاف على رجليك " لا من إطلاق العدو إذ المنصرف منه بمناسبة المقام هو المخالف المجوز للمسح على الخقين بل من الرخصة فيه لاجل الخوف على رجليه فان الثلج لا خصوصية له بل الظاهر ان عدم التمكن من المسح على البشرة هو المسوغ أو باعتبار أن الخوف على الرجل إذا كان مسوغا فالخوف على النفس بالاولوية والله أعلم. ومنها: قد عرفت عدم اعتبار عدم المندوحة في الصلاة لصحيحة (2) معاوية بن


(1) الوسائل: ج 1، ص 322، الحديث 5، من الباب 38 من ابواب الوضوء. (2) الوسائل: ج 5، ص 430، الحديث 2، من الباب 34 من ابواب صلاة الجماعة.

[ 231 ]

وهب، وكذا لا يعتبر في الوضوء لما في خبر (1) صفوان " عن أبي الحسن (عليه السلام) في غسل اليدين قلت له: يرد الشعر قال (عليه السلام): ان كان عنده آخر فعل " بلا تقييد بالتأخير، أو الاعادة. بل يمكن الاستدلال بعموم التعليل في موثقة سماعة (2) حيث قال (عليه السلام): " وان لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو ويصلي ركعة اخرى ويجلس قدر ما يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد ان محمدا عبده ورسوله ثم يتم صلاته معه على ما استطاع فان التقية واسعة وليس إلا وصاحبه مأجور عليها إن شاء الله " فإن عموم التعليل يقتضي ان غير الصلاة كالصلاة في التوسعة من حيث الصحة على ما استطاع من

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية