الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




صلاة المسافر - الشيخ الأصفهاني

صلاة المسافر

الشيخ الأصفهاني


[ 1 ]

بحوث في الفقه صلاة المسافر

[ 2 ]

الكتاب: صلاة المسافر المؤلف: المحقق آية الله العظمى الشيخ محمد حسين الاصفهاني المحقق: لجنة التحقيق الموضوع: فقه اللغة: عربي عدد الاجزاء: جزء واحد عدد الصفحات: 186 الناشر: مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة الطبع: مطبعة مؤسسة النشر الاسلامي الطبعة: الثانية المطبوع: 2000 نسخة التاريخ: 1409 ه‍. ق

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين. وبعد، فهذه نبذة من القول فيما يتعلق بصلاة المسافر. والكلام تارة في شرائط القصر، وأخرى في أحكامه. فهنا مقامان: المقام الاول في شرائط القصر وهي مختلفة من حيث كون بعضها شرطا لحدوث القصر فقط كقصد المسافة، وبعضها شرطا لبقائه فقط كاستمرار القصد، وبعضها شرطا لحدوثه وبقائه معا كاباحة السفر. وليست هذه الشرائط المختلفة شرطا بالنسبة إلى الحكم الكلي المترتب على المسافر، فإن حدوثه في مقام تشريع الشريعة بكون المتعلق ذامصلحة خاصة، وبقائه ببقائه على ما هو عليه من المصلحة إلى أن ينتهي أمدها فينسخ، وإنما الاختلاف بالحدوث و البقاء بالاضافة إلى الاحكام الجزئية المنشعبة من ذلك الحكم الكلي المنوطة فعليتها بفعلية موضوعاتها المتقومة بشرائطها الخاصة المختلفة بالحدوث والبقاء. وبالجملة فللقصر شرائط خاصة تذكر في ضمن مسائل:

[ 4 ]

المسألة الاولى في الشرط الاول وهو قصد المسافة، كما عن غير واحد، أو المسافة بنفسها، بجعل القصد شرطا آخر كما عن آخرين، واما اعتبار المسافة، مع تعقيبه بشرط ثان وهو قصد المسافة كما في الشرايع (1)، والصحيح هو الاول، لوضوح أن المسافة لو كانت بنفسها شرطا، للزم تحققها بالتلبس بها في وجوب التقصير، مع أنه لاشبهة في عدم اعتبار فعلية التلبس بمقدار نفس المسافة في لزوم القصر حدوثا كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ولا يجدي ضم الاعتبار بمعنى التقدير أو الاحراز إلى المسافة، كما في الشرايع، فإنه إن كان مغنيا عن القصد كما سيأتي إن شاء الله تعالى كان إعتبار القصد بعده بجعله شرطا آخر لغوا، وإن كان يجب القصد بخصوصه كان متقوما بالاحراز فيلغوا اعتباره في قباله، فيلزم إما لغوية الشرط الاول، وإما لغوية الشرط الثاني. وحيث إن قصد المسافة ينحل إلى حيثيتين، لكل منهما آثار، وللمسافة تقدم طبيعي على قصدها، فنذكر المسافة بما لها من الآثار، ثم نعقبه بذكر القصد وآثاره. في تحقيق المسافة فنقول: اما المسافة ففيها امور ينبغي التنبيه عليها. [ الامر الاول ] في تحديد المسافة والاخبار فيه مختلفة، ففي بعضها إناطة الحكم بمسيرة يوم وبياض يوم (2)، وفي بعضها إناطته بثمانية فراسخ (3)، وفي بعضها بأحد الامرين من مسيرة يوم أو ثمانية فراسخ (4). ولذا ذهب إلى كل منها بعض الاصحاب فالشهيد الثاني إلى


(1) شرايع الاسلام: ص 39. (2 و 3 و 4) الوسائل: ج 5، ص 493 و 490 و 492.

[ 5 ]

الاول والاول إلى الثاني (2) وصاحب المدارك (3) إلى الثالث. ولابد في تنقيح المقام من تقديم مقدمة هي: إن المستفاد من الاخبار أن المراد بمسير اليوم ليس مطلقة كيفما اتفق، بل مسير معتدل لا ينفك عن قطع ثمانية فراسخ، ففي الفقيه: " لان ثمانية فراسخ مسير يوم للعامة والقوافل والاثقال " (4) وفي حسنة الكاهلي: " إن التقصير لم يوضع على البغلة السفواء (5) والدابة الناجية (6)، فانما وضع على سير القطار " (7). وفي صحيحة ابن الحجاج: " جرت السنة ببياض يوم، فقلت له عليه السلام: ان بياض اليوم يختلف فيسير الرجل خمسة عشر فرسخا في يوم، ويسير الاخر أربعة فراسخ وخمسة فراسخ في يوم، فقال (عليه السلام): اما انه ليس إلى ذلك ينظر، أما رأيت مسير هذه الاثقال بين مكة والمدينة؟ ثم أومى بيده أربعة وعشرون ميلا يكون ثمانية فراسخ " (8) وفي ذيل رواية العيون (9) والعلل (10) " وقد يختلف المسير فسير البقر إنما هو أربعة فراسخ وسير الفرس عشرون فرسخا، إنما جعل مسير يوم ثمانية فراسخ لان ثمانية فراسخ هو سير الجمال والقوافل وهو الغالب على المسير وهو أعظم المسير الذي


(1) روض الجنان، ص 383. (2) الدروس ص 50. (3) مدارك الاحكام في شرح شرايع الاسلام ذيل قوله: واما الشروط فستة ص 276. (4) الوسائل: ج 5 ص 490، الباب 1 من ابواب صلاة المسافر ح 1 الفقيه، ج 1، ص 290، باب 61 باب علة التقصير في السفر، الحديث 1. (5) سفا: يسفو، سفوا، اسرع في المشي (اقر الموارد). (6) الناجية: مؤنث الناجي، الناقة السريعة، تنجو بمن ركبها (أقرب الموارد). (7) الوسائل، ج 5، ص 491، الباب 1 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 3 مع اختلاف يسير القطار من الابل بالكسر: قطعة على نسق واحد (اقرب الموارد). (8) الوسائل، ج 5، ص 493، الباب 1 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 15 مع اختلاف يسير. (9) عيون اخبار الرضا، ج 2، ص 113، الباب 34، الحديث 1 مع اختلاف بين الفاظ الحديث. (10) علل الشرايع، ج 1، ص 266، الباب 182، الحديث 9 مع اختلاف بين الفاظ الحديث.

[ 6 ]

يسيره الجمالون والمكاريون " (1) وهذه الروايات صريحة في إرادة المسير بسير معتدل يوافق ثمانية فراسخ ولا يتخلف أحدهما عن الآخر، ومسير يوم أقل من ثمانية، ليس من السير المعتدل الذي هو موضوع الحكم، والسير السريع في بعض اليوم إذا كان ثمانية فراسخ هو مسير يوم بالسير المعتدل، فهو داخل في موضوع الحكم. فهذه الروايات قرينة على المراد من مسيرة يوم الظاهرة إطلاقا في جميع انحاء المسير كما فهمه الراوي، وقال: " إن بياض يوم يختلف ". وهذا غير تنزيل إطلاق مسير يوم على الغالب الموافق لثمانية، فيحكم بتعين الثمانية وافقت مسير يوم أم لا، فإن التنزيل على الغالب يوجب تيقنه لا تعينه، فيبقى الغير الغالب مسكوتا عنه ولا يوجب تعين الثمانية مطلقا، لان إطلاقها أيضا منزل على الغالب الموافق لمسير يوم، فالثمانية في بعض اليوم مسكوت عنها، فراجع ما أفاده الشيخ العلامة الانصاري (قدس سره) في بعض تحريراته في صلاة المسافر (2). وحيث عرفت موافقة مسير يوم لثمانية فراسخ بمقتضى النصوص. فاعلم أن الامر في هذين العنوانين يدور بين أمور، إما كونهما معرفين للشرط، وإما كونهما شرطا وملاكا للحكم، إما تعيينا واما تخييرا، واما كون أحدهما المعين شرطا والآخر معرفا له، لا مجال للاول، فانه إنما يعقل كونهما معرفين إذا كان ما يقبل أن يكون شرطا كما في خفاء الاذان وخفاء الجدران، بالنسبة إلى البعد المخصوص عن البلد في نظر الشارع، وأما السير، فهو اما متكمم بالكمية الزمانية الغير القارة، واما متكمم بالعرض بالكمية القارة المكانية المساحية، ومع قطع النظر عن الكمية الاتصالية من الوجهين لا يبقى إلا طبيعة السير المهملة اللامتعينة بأحد التعينين، وهي مع أنها ليست موضوع الحكم لا يعقل أن تكون إحدى الكميتين معرفة لها، بل منوعة لها، ولا سبيل إلى الثاني، لانه مع فرض الملازمة بين العنوانين كما عرفت، يغني شرطية


(1) الوسائل، ج 5، ص 491، الباب 1 من ابواب صلاة المسافر الحدديث 2. (2) كتاب الصلاة صفحة 389.

[ 7 ]

أحدهما عن الآخر ويلغو شرطية الآخر. كما إذا كان استقبال الجنوب شرطا فإنه يلغو شرطية إستدبار الشمال، وكما لا يعقل شرطيتهما معا تعيينا، كذلك لا يعقل شرطية كليهما تخييرا، فإن شرطية أحدهما إلى بدل إنما تعقل في مورد إنفكاك أحدهما عن الآخر لا في مورد تلازمهما، فينحصر الامر في الثالث وهو كون أحدهما المعين شرطا والآخر معرفا. وهذا وإن لم يكن له ثمرة عملية، إلا أن الظاهر شرطية مسير يوم ومعرفية " الثمانية فراسخ "، لتعذر معرفة موافقة المسير لما هو المعتبر من سير القطار بين الحرمين. فكذا جعلوا له معرفا يسهل تناوله ومعرفته. وإنما قلنا بأن الظاهر شرطية مسير يوم لقوله (عليه السلام): " جرت السنة ببياض يوم " (1). ولما في رواية الفقيه: " انما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك ولا أكثر، لان ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامة والقوافل والاثقال فوجب التقصير في مسيرة يوم الخ " (2). فإن ترتيب وجوب التقصير في مسيرة يوم يكشف عن أنه ليست حكمة وغاية محضة، بل واجب بالاصالة، وان وجوب التقصير في ثمانية فراسخ، لاجل وجوب التقصير في مسيرة يوم، بل الامر كذلك في قوله (عليه السلام): " إنما جعل مسير يوم ثمانية فراسخ " (3)، فانه كاشف عن أن العبرة بمسيرة يوم، وإنما عرفت بثمانية فراسخ لكذا والله أعلم. هذا كله في الاخبار المعينة لمسيرة يوم تارة، وللثمانية فراسخ أخرى وقد عرفت تلازمهما وأما الاخبار الظاهرة في التخيير كروايات: زرارة (4) ومحمد بن مسلم (5) وأبي أيوب (6) وأبي بصير (7)، فمقتضاها التقابل بين الامرين لمكان العطف بأو، وهو مناف لتلازمهما وتوافقهما الذي دلت عليه النصوص، وقد حملها الشيخ المحقق


(1) الوسائل، ج 5، ص 493، الباب 1 من ابواب صلاة المسافر الحديث 15. (2) الوسائل، ج 5، ص 490، الباب 1 من ابواب صلاة المسافر الحديث 1 من لا يحضره الفقيه، ج 1 ص 290، باب 61 باب علة التقصير في السفر، ح 1. (3) الوسائل، ج 5، ص 491، الباب 1 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 2. (7 4) الوسائل، ج 5، الباب 1 و 2 من ابواب صلاة المسافر.

[ 8 ]

الانصاري (1) (قدس سره) على التقابل بحسب علم المكلف، مع أنهما لو كانا متلازمين واقعا وعلمت الملازمة لكانا متلازمين علما لا متقابلين علما، فإن تقابلهما علما معناه إن العلم بأحدهما لا يجامع العلم بالآخر، أو أنه ينفك العلم بأحدهما عن العلم بالآخر. والظاهر أن التقابل بلحاظ السبق واللحوق علما، والسبق واللحوق متقابلان، ولا منافاة بين التلازم واقعا وعلما، والتقابل بين سبق العلم بأحدهما ولحوق العلم بالآخر كما في العلة والمعلول، فإنهما متلازمان واقعا وعلما، لكنه ربما ينتقل من العلة إلى المعلول، وربما ينتقل من المعلول إلى العلة، فالانسان بحسب مباديه العلمية ربما يعلم أنه ثمانية فراسخ فينقل العلم بالتلازم إلى أنه مقدار مسير يوم بالسير المعتدل، وربما بحسب تجربته مرارا يعلم أن المسافة مقدار مسير يوم بالسير المعتدل فينتقل إلى أنه ثمانية فراسخ مساحة، والغالب هو الاول، ولذا جعلت الثمانية حدا ومعرفا. والظاهر من قوله (عليه السلام): " بياض يوم أو بريدان " (2) وإن كان التخيير بين الامرين بنفسهما لكنه لما كان في مقام إستعلام المسافة الموجبة للقصر وتعريفها فلذا جعلنا التقابل بلحاظ السبق واللحوق علما، بل إذا جعلنا الشرط نفس إحراز مسيرة يوم لا القصد والارادة، أو نفس المسافة فوجوده الواقعي عين وجوده العلمي، وحينئذ فملازمة الموصوف بالمعرفية لابد وأن يكون إحراز ثمانية فراسخ، لاستحالة التلازم بين الوجود العلمي لشئ، والوجود الواقعي لشئ آخر، فتدبره فإنه حقيق به. الامر الثاني في شمول الثمانية فراسخ للامتداية والتلفيقية ومختصر القول فيه: إن ظاهر أخبار (البريدين) و (الثمانية فراسخ) هي الامتدادية حتى بملاحظة بعض ما ورد في التلفيق، كرواية سليمان بن حفص:


(1) كتاب صلاة، ص 389. (2) الوسائل، ج 5، ص 492. الباب 1 من ابواب صلاة المسافر الحديث 11.

[ 9 ]

" التقصير في الصلاة بريدان، أو بريد ذاهبا وجائيا " (1) فان لتقابل يقتضي كون البريدين إمتداديين لا جامعا بين الامرين، فإنه لا تقابل بين الكلي وفرده. مضافا إلى أن " الثمانية فراسخ " ظاهره في هذه المرتبة من العدد حقيقة بين المبدء والمقصد، ففرض المبدء تارة مبدا، وأخرى مقصدا، ولا يوجب أن يكون بينهما ثمانية فراسخ إلا بالاعتبار لا بالحقيقة، مثلا بين النجف وكربلاء إثنا عشر فرسخا سواء لوحظ المبدء من النجف أو من كربلاء، وفرض النجف تارة مبدءا واخرى منتهى لا يوجب أن يكون ما بين البلدين أربعة وعشرين فرسخا " وعليه فإذا أضيف إلى هذا العدد شئ فقيل: سر، أي بقدر عشرين فرسخا، كان ظاهرا في مطلوبية السير المضاف إلى هذا العدد حقيقية لا إليه ولو بالاعتبار، فكذا إذا جعل شرطا لحكم. لا يقال: إذا ذهب أربعا ورجع أربعا فقد سار حقيقة ثمانية فراسخ، وإن لم يصدق على ما بين المبدء والمقصد أنه ثمانية فراسخ، والعبرة بالسير المتكمم بهذه الكمية لا بنفس المساحة المكانية. لانا نقول: حقيقة السير وإن كان متكمما بهذه الكمية لكن المساحة الموجبة لهذه الكمية، ليست ثمانية بالذات، بل ثمانية بالعرض، لفرض كونها مقومة لثمانية قطع من قطعات السير، والمفروض ظهور الثمانية في هذا العدد بالذات لا بالعرض، فهو كما إذا قيل: إمسح شيئين فمسح شيئا مرتين، فإن تعدد المسح حقيقي وتعدد المقوم له إعتباري. مضافا إلى أن ظاهر قوله " يخرج في سفره.. الخ " (2) يراد به الخروج من بلده إلى غيره وهو السفر. ومن الواضح أن البعد عن الوطن مثلا لا يعقل أن يغيى بالقرب إلى وطنه، فمنتهى البعد هو منتهى ثمانية فراسخ وهو منتهى مسيرة يوم من بلده، فلاتعم الثمانية المنتهية إلى بلده فتدبر. ومما ذكرنا تبين أن ادلة إعتبار الثمانية لاإطلاق لها بحيث يشمل التلفيقية،


(1) الوسائل، ج 5، ص 495. الباب 2 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 4. (2) الوسائل، ج 5، ص 493، الباب 1 من ابواب صلاة المسافر الحديث 16.

[ 10 ]

وإنما التلفيق يستفاد من أخبار أخر، وهي كثيرة. ومجمل الكلام فيه: أن جملة من الصحاح صريحة في أن أدنى ما يقصر فيه بريد، وهي أربعة فراسخ. ففي صحيحة زرارة " التقصير في بريد، والبريد أربعة فراسخ " (1). وفي صحيحة أبي أيوب " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): أدنى ما يقصر فيه المسافر؟ قال (عليه السلام): بريد " (2). وفي صحيحة إسماعيل بن الفضل الهاشمي " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام): عن التقصير، فقال (عليه السلام): في أربعة فراسخ " (3) وفي صحيحة زيد الشحام " قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: يقصر الرجل في مسيرة إثني عشر ميلا " (4). إلى غير ذلك مما يؤدي هذا المعنى، ومنافاته لما سبق من إعتبار الثمانية رأسا واضحة، ولا استبعاد أن تكون الاربعة أدنى ما يوجب القصر، فهو تخفيف بعد التخفيف في اصل القصر الا أنه لا يعقل ان يكون الاكثر سببا للقصر على حد سببية الاقل المأخوذ لا بشرط، فلابد من حمل أخبار الاربعة على الرخصة وأخبار الثمانية على العزيمة. إلا أنه هناك طائفة من الاخبار شارحة لكلتا الطائفتين. منها: صحيحة معاوية بن وهب " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أدنى ما يقصر فيه المسافر الصلاة؟ فقال (عليه السلام): بريد ذاهبا وبريد جائيا " (5). ومنها: مصححة سليمان بن حفص " قال: قال الفقيه (عليه السلام): التقصير في الصلاة بريدان أو بريد ذاهبا وبريد جائيا " (6) الخبر. وغاية ما يستفاد منهما إلحاق الملفق بالامتدادي في الحكم.


(1) الوسائل، ج 5، ص 494، الباب 2 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1. (2) الوسائل، ج 5، ص 497 الباب 2 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 11. (3) الوسائل، ج 5، ص 495، الباب 2 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 5. (4) الوسائل، ج 5، ص 495، الباب 2 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 3 مع اختلاف يسير. (5) الوسائل، ج 5، ص 494، الباب 2 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 2. (6) الوسائل، ج 5، ص 495، الباب 2 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 4.

[ 11 ]

ومنها: صحيحة زرارة: " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التقصير، قال (عليه السلام): بريد ذاهب وبريد جائي " (1) " وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أتى ذبابا قصر. وذباب على بريد وإنما فعل ذلك لانه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ " (2). ومنها موثقة ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) " قال: سألته عن التقصير، قال (عليه السلام): في بريد، قلت بريد؟ قال (عليه السلام): إذا ذهب بريدا ورجع بريدا فقد شغل يومه " (3). ويظهر من هاتين الروايتين أن الثمانية الملفقة ليست موضوعا آخر للحكم على حد موضوعية الثمانية الامتدادية، بل الاعتبار في المسافة بالعنوان الجامع، فالثمانية الامتدادية والملفقة شرط بعنوان كونهما ثمانية فراسخ من دون خصوصية للامتدادية، كما أنه شرط أو معرف باعتبار جامع آخر وهي: " مسيرة يوم " فإن المراد " بشغل اليوم " إستيعابه بالسير فيكون الاعتبار بكونه بمقدار سير يوم من دون نظر إلى الامتداد. وحيث عرفت أن باب هذين التعليلين باب إدراج الصغرى تحت كبرى كلية، هو عنوان الشرط، تعرف قوة القول بالتلفيق كيفما اتفق ولو كان مسافة الذهاب أقل من أربعة مع تتميمها ثمانية بالاياب من طريق أبعد. فان توهم كون التعليل حكمة، مدفوع بأن التعليل بعنوان حصول الشرط، وهو العنوان الجامع بين الامتداد والتلفيق، ولا يعقل أن يكون عنوان الشرط حكمة للاشتراط. فحديث دوران الامر بين كونه حكمة وعلة ناقصة، أو علة تامة، غير صحيح هنا بالخصوص وإن أمكن في غيره. ولا يتوهم منه صحة التردد مرارا في حصول الثمانية التي هي شرط، لان ظاهر التعليل حصول الشرط بالذهاب من منزله والاياب إليه لا بذهابات وإيابات. ومارود من أن أدنى التقصير بريد فبالنظر إلى الغالب من اتحاد طريق الذهاب


(1 و 2) الوسائل، ج 5، ص 498، الباب 2 من ابواب صلاة المسافر الحديث 14 و 15 وذباب جبل قرب المدينة على نحو بريد. مجمع البحرين. (3) الوسائل، ج 5، ص 496، الباب 2 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 9.

[ 12 ]

والاياب، فإنه إذا كان أقل من بريد كان المجموع أقل من الثمانية. ولا يتوهم أن الجامع طبيعي البريدين المنطبق على الامتداديين والملفق منهما، بشهادة قوله (عليه السلام) في مقام التعليل -: " لانه إذا رجع كان سفره بريدين " (1) وسائر أنحاء التلفيق ليس من الملفق من بريدين، فإنه توهم فاسد لوضوح أن البريد معرف معروف لاربعة فراسخ لا أنه بعنوانه شرط، ولذا قال (عليه السلام): - في مقام التعليل: " لانه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ " فأوضح عنوان الجامع بقوله: " ثمانية فراسخ ". وما ذكرنا في هذا العنوان الجامع من إقتضاء اعتبار مطلق التلفيق جار في التعليل الآخر بقوله (عليه السلام): " إذا ذهب بريدا ورجع بريدا فقد شغل يومه " (2) بناء على إرادة شغل مقدار يوم ولو من أيام، فان الملفق بأي نحو كان، شاغل لمقدار يوم. هذا والاحوط الاقتصار على التلفيق من أربعة ذهابية وأربعة إيابية الملحوظتين لا بشرط من حيث الزيادة. (ادلة القول بعدم اعتبار الرجوع ليومه) الامر الثالث بعد صحة التلفيق هل يعتبر كون الرجوع ليومه أو لا يعتبر؟ فيه خلاف عظيم وأقوال كثيرة، وأنهاها بعض أعلام السادة (قدس سره) (3) إلى العشرة، والعمدة هو القول بالاثبات والنفي مطلقا. وما يمكن أن يقال في وجوب القصر على مريد الرجوع ولو لاليومه أمور: منها: إطلاقات أخبار التلفيق (4)، لوضوح كونها في مقام تحديد المسافة ولم يقيد فيها الرجوع المتمم للحد بكونه في يوم الذهاب. ويؤكده إدراج الملفق تحت عنوان


(1) الوسائل: ج 5، ص 498، الباب 2 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 15. (2) الوسائل: ج 5، ص 496، الباب 2 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 9 مع اختلاف يسير. (3) الظاهر مؤلف مفتاح الكرامة في ج 3، ص 503. (4) الوسائل: ج 5، ص 494 إلى 499، الباب 2 من ابواب صلاة المسافر.

[ 13 ]

جامع بينه وبين الامتدادي ولا يعقل مع وحدة الجامع وعدم اعتبار كون الفراسخ الامتدادية في يوم واحد أن يختلف هذا الجامع بالصدق على المتصل والمنفصل في الامتدادي وعدم الصدق، إلا على خصوص المتصل في التلفيقي. كما لا يعقل اختصاص التعليل بقوله (عليه السلام): " لانه إذا رجع كان سفره ثمانية فراسخ " (1) بخصوص الرجوع ليومه لان الرجوع يحقق الثمانية عقلا، سواء كان في يوم الذهاب أو في غيره. وأما التقابل بين بريدين وبريد ذاهبا وبريد جائيا فمن باب تقابل الفردين لجامع واحد لامن باب أن كل واحد منهما شرط مستقل ينوب أحدهما مناب الآخر. فلا تجب مساواة أحدهما للآخر في جميع الجهات، لصراحة التعليل باندراج الملفق تحت جامع ينطبق عليه وعلى الامتدادي. ومنه يتضح أن هذا المعنى أجنبي عن الحكومة والتنزيل حتى يتوهم أن تنزيل الملفق منزلة الامتدادي في الشرطية لا يقتضي الاشتراك في سائر الآثار وذلك لان معنى الحكومة الحكم على الملفق بعنوان أنه إمتدادي، فهو ملفق حقيقة، إمتدادي عنوانا، كتنزيل الظن منزلة العلم بعنوان أنه علم. ومن البين أنه ليس لسان التعليل أن الملفق مسافة إمتدادية عنوانا بل هو ثمانية فراسخ وهي الشرط، فتدبره جيدا. والانصاف قوة الاطلاقات فمنعها مكابرة. إلا أن الدعوى تقييدها بموثقة محمد بن مسلم (2)، بل هي من أقوى أدلة القائلين باعتبار الرجوع ليومه. ومورد الحاجة منها قال (عليه السلام): " إذا ذهب بريدا ورجع بريدا فقد شغل يومه ". بتقريب أن الظاهر من قوله (عليه السلام): " شغل يومه " هو فعلية الشغل، ولا يكون الرجوع المنضم إلى الذهاب شاغلا فعليا ليوم المسافر إلا إذا اتصل إيابه بذهابه وإلا لم يكن شاغلا بالفعل، بل بالامكان والتقدير.


(1) الوسائل: ج 5، ص 498، الباب 2 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 15. (2) الوسائل: ج 5، ص 496، الباب 2 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 9.

[ 14 ]

وتنقيح المقام: إن ظاهر الروايات المفسرة لمسيرة يوم بسير الاثقال بين مكة والمدينة (1)، وإن كان إشارة إلى مسير معتدل في يوم واحد تام، إلا أنه ليس مقتضاه تعين القصر على من سار سيرا معتدلا في يوم واحد تام، لوضوح اختلاف سير المسافرين بالسرعة والبطؤ والاعتدال، وبكونه في يوم أو أيام أو في ساعات من أيام. فلا محالة يكون السير المشار إليه مقياسا لانحاء السير المختلف في الكيفية والكمية الزمانية، ومقتضاه تقدير السير بنحو الاعتدال، وإن كان الواقع سريعا أو بطيئا، وتقدير اليوم الواحد التام وإن كان الواقع متكمما بساعات من أيام. إذا عرفت ذلك نقول: إن مقتضى قوله (عليه السلام): " إذا ذهب بريدا ورجع بريدا فقد شغل يومه " (2) وإن كان فعلية شاغلية السير الملفق ليوم واحد تام عند فعلية السير الملفق، إلا أن مقام التحديد وجعله ميزانا ومقياسا، يقتضي إرادة شاغلية السير الملفق لمقدار يوم واحد لا لنفسه، ولذا لاشبهة في أنه إذا ذهب بريدا ورجع بريدا في نصف يوم لسرعة سيره كان موجبا للقصر مع أنه غير شاغل ليوم واحد فعلا بل ليوم واحد تقديرا، وهو المراد بمقدار يوم لانفسه. مضافا إلى أن ظاهر هذا التعليل كظاهر التعليل الآخر من حيث إرادة اندراج الملفق تحت عنوان مسيرة يوم تارة، وعنوان ثمانية فراسخ أخرى، لاأنه موضوع آخر موجب للقصر حتى يقال لا يضر انفكاكه عن السير الامتدادي في أيام. ودعوى أن نفس الشغل المساوق للمشقة يقتضي تعين الرجوع ليومه فإنه الذي يظهر معه مشقة السير. مدفوعة بأن الشغل لا بمفهومه يقتضي المشقة ولا بلازمه، لان الشغل ينسب إلى الخير والشر، والامر الهين والشاق، ولا حاجة إلى الجواب بأنه حكمة لا يجب إطرادها، بل شغل اليوم بالسير يزيد على التلبس بالسير بخصوصية كون السير مانعا عن التلبس باضداده. وكما أن شغل يوم واحد تام بالسير يلازم عدم إمكان


(1) الوسائل، ج 5، ص 490، الباب 1 من ابواب صلاة المسافر الحديث 1. (2) الوسائل، ج 5، ص 496، الباب 2 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 9.

[ 15 ]

التلبس بأضداده في نفس ذلك اليوم، كذلك التلبس في نصفين من يومين يمنع عن التلبس بأضداده في مقدار يوم واحد. فالعمدة في الباب هو التصرف في اليوم بارادة مقداره دون نفسه، وإلا فقضية الفعلية في الشاغلية، أو اقتضاء الشغل بمفهومه أو بلازمه كما أطنب فيه الباحثون عن المسألة أجنبية عن المقصود، والله المسدد. ومنها: أخبار عرفات (1) وهي كثيرة مشتملة على تشديد بالغ على المتمين في هذا السفر، إلا أن جملة منها مشتملة إما صدرا أو ذيلا على ما يرد عليه بعض الاعتراضات، ويكفي في الباب بعض الروايات الخالية عن تلك المحاذير كصحيحة معاوية بن وهب (2) " إنه قال لابي عبد الله (عليه السلام): إن أهل مكة يتمون الصلاة بعرفات، فقال (عليه السلام): ويحهم أو ويلهم وأي سفر أشد منه لا تتم " (3) وفي نسخة أخرى لا تتموا. وموثقة معاوية بن عمار " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): في كم التقصير؟ فقال (عليه السلام): في بريد ألا ترى ان اهل مكة إذا خرجوا إلى عرفة كان عليهم التقصير " (4). وقد تضمن هذا الخبر الشريف للموضوع وحكمه، وأما ما في بعضها: " ويحهم كأنهم لم يحجوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقصروا " (5) فربما يعترض عليه بما محصله بتوضيح منى إن حجه (صلى الله عليه وآله) قبل الهجرة ليس مرتبطا بالمقام فان آية التقصير نزلت في المدينة، واول سفر قصر النبي (صلى الله عليه وآله) فيه سفره إلى ذي خشب وهو بريدان من المدينة فقصر وأفطر كما نص بكل ذلك الاخبار. وأما حجه بعد الهجرة فلم يحج (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا حجة الوداع، وقيل إنه ثبت بالاخبار ونص أهل السير والآثار أن خروجه لحجة الوداع كان يوم السابع والعشرين من ذي القعدة، وفي صحيحة معاوية بن عمار: " في أربع بقين من ذي


(1) الوسائل، ج 5، ص 499، الباب 3 من ابواب صلاة المسافر. (2) والصحيح " معاوية بن عمار ". (3) الوسائل، ج 5، ص 499، الباب 3 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1. (4) الوسائل، ج 5، ص 500، الباب 3 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 5. (5) الوسائل، ج 5، ص 500، الباب 3 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 6.

[ 16 ]

القعدة) (1) ودخل مكة في أربع من ذي الحجة بحيث لم يبق له (صلى الله عليه وآله وسلم) مجال للاقامة بها، فقصره (صلى الله عليه وآله) مستند إلى سفره من المدينة لا إلى سفره من مكة، قيل ولم يلزم انقطاع سفره بورود مكة لانه لم يبق له (صلى الله عليه وآله) ملك بها لان عقيلا باع داره (صلى الله عليه وآله وسلم) ولذا قال (صلى الله عليه وآله): - حين قيل له أتنزل دارك غدا؟ وهل ترك لنا عقيل دارا؟ (2) ويمكن اختيار الشق الثاني. ودفع الاشكال بأن المرور إلى الوطن كاف في انقطاع السفر ولم يشترط في الوطن الاصلي أن يكون للمتوطن ملك كما سيجئ إن شاء الله تعالى ومن البعيد جدا إعراضه (صلى الله عليه وآله) عن هذا الوطن العزيز مع كمال العلقة القلبية منه (صلى الله عليه وآله) به فتدبر. وبالجملة فمن المسلم بالاخبار والآثار أن المسافة من مكة إلى عرفات أربعة فراسخ، كما أنه من المسلم عدم الرجوع ليومه للسواد الاعظم مع الترتيب المنتظم للحاج من حيث الخروج يوم الترويد والبيتوتة بمعنى ليلة عرفة، والخروج في نهارها إلى عرفات، والبقاء فيها إلى الغروب والبيتوتة بمشعر الحرام، وإتيان جملة من المناسك يوم العيد، مع عدم تعين زيارة البيت في يوم العيد، فلا رجوع ليومه بوجه. فهذه الاخبار بعد التقييد باخبار التلفيق من أقوى الادلة على عدم اعتبار الرجوع ليومه ولا إعراض عنها. وتوضيح المقام: إن أخبار عرفات كالاخبار السابقة المتضمنة للبريد ظاهرة في أن أربعة فراسخ حد السفر، وكون المورد هنا مما له الرجوع لغير يومه، لا يقتضي إعتبار أصل الرجوع فالمائز بين هاتين الطائفتين أن هذه الطائفة يتعين في موردها الرجوع دون تلك الطائفة. فهذه الاخبار بنفسها معارضة لظاهر أخبار الثمانية الامتدادية، ولظاهر أخبار التلفيق، ولظاهر ما يدعى دلالته مما سيأتي إن شاء الله


(1) الوسائل، ج 8، ص 150، الباب 2 من ابواب أقسام الحج، الحديث 4. (2) كتاب أخبار مكة، الجزء الثاني، ص 162، وكذا في السير الحلبية.

[ 17 ]

تعالى على اعتبار الرجوع ليومه. ووجوه الجمع بينها وبين أخبار الثمانية الامتدادية، واخبار التلفيق ثلاثة: احدها: أن كلا من الثمانية والاربعة حد لتعين القصر، وشبهة التخيير بين الاقل والاكثر، وعدم تأثير للزائد مع تأثير الاقل، مدفوعة بأخذ الاقل بشرط لا بالنسبة إلى حد الاكثر، فالاربعة في ضمن الثمانية لا أثر لها حتى لا يبقى مجال لتأثير الاكثر بل الاربعة ال‍ " بشرط لا " يستحيل تحققها في ضمن الاكثر لتباين إعتباري بشرط لا وبشرط شئ، وعليه فماذا قصد الثمانية إمتدادية أو ملفقة تعين القصر عليه لهذا السبب بالخصوص، وإذا قصد ما دون الثمانية أي الاربعة بشرط عدم بلوغ الثمانية إيضا تعين عليه القصر. فلا تصرف في شئ من الظهورين. ثانيها: حمل أخبار الثمانية مطلقا على تعين القصر بنحو العزيمة، وأخبار عرفات على الرخصة، إذ ليس مقتضى التحديد بالثمانية إلا تعين القصر، ومفهومه إرتفاع تعين القصر بعدم بلوغ المسافة ثمانية فراسخ لا وجوب الاتمام تعيينا، فلا ينافي الرخصة في القصر بمقتضى هذه الاخبار، فلا تصرف إلا في أخبار (الاربعة فراسخ) برفع اليد عن تعين القصر، فيتخير في الاربعة بين القصر والاتمام، حيث لا يمكن الالتزام بتعينهما معا للشبهة السابقة. ثالثها: التخيير بين الاخذ بأخبار الثمانية وطرح أخبار الاربعة فيتم، والاخذ بأخبار الاربعة وطرح ما ينافيها فيقصر، نظرا إلى تكافؤهما، والبناء على التخير في الخبرين المتعارضين دون التساقط في مورد التعارض. والجواب أما عن الوجه الاول: فان التعليل بقوله (عليه السلام): " لانه إذا رجع كان سفره ثمانية فراسخ " (1). ظاهر في أن الثمانية الملفقة عين موضوع الحكم لا موضوع آخر، وظاهر قوله (عليه السلام): " فقد شغل يومه " (2) اي مقداره كذلك فيعلم أن الاقتصار على الاربعة لان رجوعه أيضا أربعة، والمجموع هو السبب الوحيد


(1) الوسائل: ج 5، ص 498، الباب 2 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 15. (2) الوسائل: ج 5، ص 496، الباب 2 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 9.

[ 18 ]

لتعين القصر، لا أن الاربعة مأخوذة بشرط لا وأنها سبب آخر. وأما عن الوجه الثاني: مضافا إلى ما عرفت، فهو مناف لهذا التشديد العظيم، " والطعن على عثمان، وامتناع أمير المؤمنين (عليه السلام) عن إتيان القصر أربعا بعد أن صلى عثمان الظهر أربعا حتى أن المحكي في الصحيح ان معاوية إعترف عند اصحابه بان السنة إتيان الصلاة قصرا وأن الاتمام خلاف ما سنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) " (1) فإرجاع هذه التشديدات إلى الالتزام بالاتمام لاإلى نفس الاتمام، في غاية الانحراف عن جادة الانصاف. وأما عن الوجه الثالث: فقد اتضح من شاهد الجمع المخرج لهما عن التعارض فلا تصل النوبة إلى التخير بين الخبرين. فتدبر جيدا. وأما إذا لوحظت نسبة أخبار عرفات بعد إرادة الاربعة ذهابا، والاربعة إيابا مع ما سيأتي إن شاء الله تعالى مما استدل به على تعين الاتمام مع عدم الرجوع ليومه، فربما يقال بأن المرجع بعد تكافؤهما، عمومات اخبار الثمانية الامتدادية، نظرا إلى ان مقتضى التحديد وجوب الاتمام مع عدم الثمانية الامتدادية والمتيقن في تخصيصها الثمانية الملفقة مع الرجوع ليومه، فيبقى غيره تحت عموم المفهوم، إلا أن الظاهر مع التكافؤ والتساقط الرجوع إلى إطلاقات أخبار التلفيق لابتلاء المقيد لها بالمعارض، فالاطلاقات على حالها. وأما بناء على عدم التساقط في الخبرين فهل يجب الجمع بينهما بالتصرف فيهما أو في أحدهما، فلا تصل النوبة إلى الترجيح أو التخيير مع إمكان الجمع نظرا إلى أن كلا من الدليلين نص في الجواز وظاهر في التعيين فيرفع اليد بنصوصية كل منهما عن ظاهر الآخر؟ أو أن الجمع الذي هو أولى من الطرح إذا لم يوجب التصرف في كلام المتعارضين؟ وتمام الكلام في محله. هذا كله في الوجه الثاني من وجوه الاستدلال. ومنها: الاخبار الخاصة الواردة في موارد مخصوصة، وأوضحها دلالة على المقصود


(1) الوسائل، ج 5، ص 500، الباب 3 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 9.

[ 19 ]

ما رواه البرقي في المحاسن (1)، والصدوق في العلل (2)، بل في الكافي (3) إلى حد التعليل الآتى عن إسحاق بن عمار قال: " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قوم خرجوا إلى سفر فلما انتهوا إلى الموضع الذي يجب فيه التقصير قصروا من الصلاة، فلما صاروا على فرسخين أو ثلاثة فراسخ أو أربعة فراسخ تخلف عنهم رجل لا يستقيم لهم سفرهم إلا به فاقاموا ينتظرون مجيئه إليهم، وهم لا يستقم لهم السفر إلا بمجيئه إليهم، فاقاموا على ذلك اياما لا يدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون، هل ينبغي لهم ان يتموا الصلاة أو يقيموا على تقصيرهم؟ قال (عليه السلام): إن كان بلغوا مسافة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم أقاموا أو انصرفوا، وإن كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة أقاموا أو انصرفوا فإذا مضوا فليقصروا. ثم قال (عليه السلام): هل تدري كيف صار هكذا؟ قلت: لا، قال (عليه السلام): لان التقصير في بريدين، ولا يكون التقصير في أقل من ذلك، فإذا كانوا ساروا بريدا وأرادوا أن ينصرفوا كانوا قد سافروا سفر التقصير، وإن كانوا قد ساروا أقل من ذلك لم يكن لهم إلا إتمام الصلاة " (4). وهذا الخبر صريح في الرجوع لغير يومه سؤالا وجوابا، وبملاحظة التعليل ظاهر في أن ضم الاياب إلى الذهاب هو الموجب لتعين القصر، وحيث إن قاطع الاربعة جازم بأن سفره ثمانية إما لرجوعه إلى بلده أو لمضيه إلى مقصده فلا يضره التردد بين الامرين مع انحفاظ الجامع في البين، وقد تقدم سابقا إن الذي يجب قصده هو الجامع المنطبق على الثمانية الامتدادية والتلفيقية والخصوصيات غير دخيلة فلا يجب قصدها، ولا يضر قصد خلافها من أول الامر، ولا التردد فيها في الاثناء. وأما رمي الخبر بضعف السند مع كونه مرويافي الكافي والمحاسن والعلل فاظنه من جهة محمد بن


(1) المحاسن، ص 213، كتاب العلل من المحاسن، الحديث 29 مع اختلاف يسير. (2) علل الشرايع ص 367 الحديث 1. مع اختلاف في بعض الفاظ الحديث. (3) الفروع من الكافي المجلد 3. ص 433. باب حد المسير الذي تقصر فيه الصلاة. الحديث 5 مع اختلاف يسير. (4) الوسائل، ج 5، ص 501، الباب 3 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 10.

[ 20 ]

أسلم الجبلي في السند، مع أنه ذكر الشيخ في فهرسته: (إبن الجبلي له كتاب أخبرنا به أبو عبد الله المفيد (رحمه الله)، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، ومحمد بن الحسن عن سعد، والحميري، ومحمد بن يحيى، وأحمد بن إدريس عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عنه) (1). ومنه يظهر قوته مع أن ضعفه إنما هو لرميه بالغلو، ومن الواضح أن الغلوفي الصدر الاول عند أرباب الحديث ليس من الغلو الموجب للفسق أو الكفر فإنهم يرون ان نفي السهو عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الغلو والله أعلم. ويقرب من الرواية المتقدمة صحيحة عمران بن محمد " قال قلت: لابي جعفر الثاني (عليه السلام): جعلت فداك إن لي ضيعة على خمسة عشر ميلا، خمسة فراسخ فربما خرجت إليها فأقيم فيها ثلاثة أيام أو خمسة أيام أو سبعة أيام فأتم الصلاة أم اقصر؟ قال (عليه السلام): قصر في الطريق وأتم في الضيعة " (2). وتقريب الدلالة أن الرجوع من الضيعة إلى منزله مفروض بملاحظة تحديد اقامته بما دون العشرة وكون الرجوع لغير يومه أيضا كذلك ولا ينافي هذه الفقرة إلا أمره (عليه السلام) بالاتمام في الضيعة فإنه لا محالة، بملاحظة كفاية الاربعة فما زاد في التقصير كما هو ظاهر جملة من الاخبار المحددة بالبريد، وإلا فينقطع سفره بالوصول إلى ضيعته. وأحسن توجيه لها حملها على التقية لعدم اشتراط الاستيطان عند العامة فلا ينقطع السفر بذلك واقعا والمفروض هو الرجوع لغير يومه فتدبر. وأيضا يقرب من الرواية المتقدمة صحيحة أبي ولاد بملاحظة تعليله (عليه السلام) بقوله: " لانك كنت مسافرا إلى أن تصير إلى منزلك ". (3) فانه إشارة إلى مناط السفر بقطع ثمانية فراسخ ولو ذهابا وإيابا، وهذا التعليل لا يعقل إناطته


(1) الفهرست ص 130. وبدل محمد بن علي بن الحسين عن ابيه، ابن بابويه عن ابيه. (2) الوسائل: ج 5، ص 523، الباب 14 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 14. مع اختلاف يسير. (3) الوسائل: ج 5، ص 504، الباب 5 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1.

[ 21 ]

بالرجوع ليومه. وأما سائر الروايات فدلالتها على عدم اعتبار الرجوع ليومه إنما هي بالاطلاق. هذا كله فيما استند إليه القائل بعدم اعتبار الرجوع ليومه. [ أدلة القول باعتبار الرجوع ليومه ] وأما ما استند إليه القائل باعتبار الرجوع فهي روايات: الاولى: موثقة محمد بن مسلم بملاحظة التعليل بقوله (عليه السلام): " فقد شغل يومه " (1). وقد تقدم تقريبه مع دفعه. الثانية: موثقة سماعة " قال: سألته عن المسافر في كم يوم يقصر الصلاة؟ فقال (عليه السلام): في مسيرة يوم وذلك بريدان وهما ثمانية فراسخ، ومن سافر قصر الصلاة وأفطر إلا أن يكون رجلا مشيعا لسلطان جائر أو خرج إلى صيد أو الى قرية له، يكون مسيرة يوم يبيت إلى أهله لا يقصر ولا يفطر " (2). وتقريبها: إن الظاهر من الاستثناء ثبوت الموجب للقصر من حيث المسافة في الموارد المستثناة، وباعتبار عروض المانع لا يجب القصر ولا يجوز الافطار ولا يكون كذلك في الفقرة الاخيرة إلا بفرض المسافة فيما أقل من الثمانية إمتدادا وإلا لو بلغت الثمانية الامتدادية وجب القصر والافطار في الطريق وانما ينقطع الحكم بالوصول إلى قريته ففرض القصر والافطار في الطريق لولا المانع لا يتحقق إلا بكون المسافة تلفيقية وهي في حد ذاتها يوجب القصر والافطار لكنه لوقوع المرور بالملك في أثنائها لا يجوز فيها القصر والافطار. إذا عرفت ذلك فنقول: ان تقييد مسيرة اليوم بقوله (عليه السلام): " يبيت إلى اهله ".


(1) الوسائل، ج 5، ص 496، الباب 2 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 9. (2) ذكر صدر الحديث في الوسائل، ج 5، ص 492، الباب 1 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 8. وذيله في الباب 8 الحديث 4.

[ 22 ]

يدل على اعتبار الرجوع ليومه الذي لازمه بيتونه إلى أهله ولو كفى الرجوع مطلقا لما كان وجه لتقييد " مسيرة اليوم " بحيثية البيتوتة في الاهل، وليس ذلك من باب الاستناد إلى مفهوم الوصف، بل من باب الاعتماد على مفهوم الحد في مقام تحديد المسافة الموجبة للقصر فعلا، ولعدم القصر فعلا. والجواب عنها ما مر مرارا من أن مقام التحديد مقام إعطاء المقياس والميزان وإرادة مقدار يوم، وليس ما في الرواية باقوى من قوله (عليه السلام): " جرت السنة ببياض يوم " (1) فانه لا يراد منه وقوع السير في النهار بحيث يعود ليلا إلى منزله في المسافة التلفيقية فكذا المراد هنا أن المسافة التلفيقية بمقدار بحيث إذا ذهب ورجع بات عند أهله، مع أن تمام النظر إلى أنه لا يقصر ولا يفطر لمروره بقريته في مسافته الملفقة لا في مقام الحكم بالقصر والافطار ليدقق النظر في قيود الكلام بملاحظة مقام التحديد. الثالثة: ما حكاه بعض علماء العامة حيث قال روي عن علي (عليه السلام): " إنه خرج إلى النخيلة فصلى بهم الظهر ركعتين ثم رجع من يومه " (2). نظرا إلى أنه لولا دخله في الحكم لما ذكره الراوي وإلا لكان بمنزلة، ثم أكل، أو شرب، أو نام. وهي بعد فرض كون مقصده النخيلة دون الانبار الذي أغار عليها عساكر الشام، ومع الغض عن كونها عامية لا حجية لها، مدفوعة بان ذكر الرجوع ليومه ليس لدخله في القصر، بل لما حكي في هذه القضية أنه (عليه السلام) لما غضب من تخاذل أصحابه خرج ماشيا إلى النخيلة فلحقه الاشراف وقالوا: نكفيك المؤونة، فرجع (عليه السلام) من يومه.


(1) الوسائل، ج 5، ص 493، الباب 1 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 15. (2) البحار، ج 89، ص 15، الباب 1 من ابواب القصر واسبابه واحكامه، ينقله عن الحسين بن مسعود في شرح السنة.

[ 23 ]

الرابعة: ما حكي عن الصدوق في المقنع (1) مرسلا، قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل أتى سوقا يتسوق وهي من منزله على أربع فراسخ فان هو أتاها على الدابة أتاها في بعض يوم، وإن ركب السفن لم يأتها في يوم، قال (عليه السلام): يتم الراكب الذي يرجع من يومه صومه، ويفطر صاحب السفن " (2). وحيث إن ظاهر صدوره مخالف إما للمشهور إذا أريد عدم الاكتفاء بالاربعة ذهابا والاربعة إيابا وإما مخالف للمجمع عليه إذا أريد كفاية التلفيق، واعتبار عدم الرجوع ليومه في القصر مع أنه إما يعتبر الرجوع ليومه في القصر أو لا يعتبر. والقول باعتبار عدمه فيه خلاف الاجماع فلذا حاول جماعة لدفع الاشكال بوجوه: منها: ماعن البحار (3) والوسائل (4) بتقريب أن مورد الخبر كما يفصح عنه الجواب خصوص الصوم، وفيه: يمكن الذهاب والاياب في يوم واحد قبل الزوال لقلة المسافة على الدابة، فالرجوع ليومه معتبر في إتمام الصوم بالنسبة إلى راكب الدابة دون صاحب السفينة المفروض فيه أنه لا يصل معها إلى السوق في يوم لبعد المسافة. ويندفع: بان فرض الذهاب أربعة والاياب أربعة على الدابة في نصف يوم فرض بعيد، خصوصا مع قضاء حاجته من السوق، مع أن المفروض في الخبر هو رجوعه ليومه لا رجوعه قبل الزوال من يومه. ومنها: ما في الوسائل (5) وهو حمله على الخروج بعد الزوال فإنه يجب عليه إتمام الصوم. وفيه: أولا: ان الخروج بعد الزوال لا يختص براكب الدابة، بل يجري في


(1) المقنع ص 17 باب تقصير المسافر في الصوم. إلا انه ذكر " على سبع " بدل " على أربع ". (2) الوسائل: ج 5، ص 503، الباب 3 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 13. (3) البحار: ج 89، ص 13. (4) الوسائل: ج 5، ص 502، الباب 3 من ابواب صلاة المسافر في ذيل حديث 13. (5) نفس المصدر السابق.

[ 24 ]

راكب السفينة ايضا. وثانيا: إن خروجه بعد الزوال ورجوعه ليومه، فيه الاستبعاد المتقدم، وخروجه بعد الزوال في يوم ورجوعه قبل الزوال في يوم آخر وإن كان معقولا وموجبا للصوم في كلا اليومين، إلا أنه غير مفروض في الجواب. ومنها: حمله على اعتبار الرجوع ليومه في المسافة التلفيقية بوجهين: أحدهما: بدعوى تقدير أداة النفي على قوله: " يرجع من يومه "، بقرينة أن السؤال عن المتسوق الذي لا يرجع من يومه، وحيث إن المقام بملاحظة القرينة المزبورة لا يلتبس النفي فيه بالاثبات صح حذف حرف النفي، كما في باب القسم، مثل قوله تعالى: " تالله تفتؤا تذكر يوسف " (1) اي لا تفتؤا بمعنى لا تزال، حيث إن القسم على الاثبات لابد من أن يكون مقرونا باللام والنون، فيقال: " تالله لافعلن " فمع عدم اللام والنون يعلم أن القسم على النفي، فلا مانع من حذف أداة النفي لعدم الالتباس. وفيه: إن كان عدم الالتباس كافيا في الحذف كلية صحت الدعوى المزبورة، إلا أنه غير معلوم إلا في مورد القسم فالتعدي إلى غيره مشكل جدا. ثانيهما: إبقاء قوله (عليه السلام): " يرجع من يومه " (2)، على حاله، والاكتفاء في عدم الرجوع من يومه بقرينة السؤال المتضمن للذهاب إلى السوق للتسوق المستلزم لعدم الرجوع في يوم ذهابه إليه عادة نظير أخبار عرفات المفروض فيها عدم الرجوع ليومه. وحينئذ فالمراد من قوله (عليه السلام): " يرجع من يومه " (3)، كقوله (عليه السلام) " بيت إلى أهله " (4) تحديد المسافة بكونها بحيث يمكنه الرجوع من يومه. وعليه فمعناه إن راكب الدابة الذي يتمكن من الرجوع ليومه ولا يرجع يتم صومه، فلا تصرف في شئ من أجزاء هذه الفقرة للدلالة على اعتبار


(1) يوسف: 85. (2 و 3) الوسائل: ج 5، ص 502، الباب 3 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 13. (4) الوسائل: ج 5، ص 492، الباب 8 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 4.

[ 25 ]

الرجوع ليومه، إلا في قوله (عليه السلام): " يرجع من يومه " (1)، بالتصرف الشايع في نظائر المقام بقرينة كونه في مقام تحديد المسافة، وإعطاء الميزان والمقياس الذي لا يراد منه فعلية البيتوتة، أو فعلية الرجوع من يومه. وأما صاحب السفينة فانما يجب عليه الافطار لبلوغ المسافة ثمانية إمتدادية لما في الانهار من الدورات والاعوجاجات الموجبة لبعد المسافة بالاضافة إلى البر، لا لما في حركة السفينة من البطوء بالاضافة إلى سير الدابة، وما في السؤال (2) من تحديد المسافة بأربعة فراسخ لما هو المعتاد في التحديدات من ملاحظة البعد بين البلد والمقصد بالنسبة إلى البر، إلا مع انحصار الطريق في البحر. ومنه يظهر إن دعوى كون المسافة من طريق الماء أربعة، وإنه لمكان بطؤ سير السفينة لا يتمكن من طي المسافة إلا في يوم أو أزيد وإن الموجب للقصر هو التلفيق بالرجوع لغير يومه وإن المسافة بحسب البر أقل من أربعة فلذا يجب الاتمام، وإن رجع ليومه. مدفوعة بما عرفت، مع أن التقييد بقوله (عليه السلام): " يرجع من يومه " (3) مما لا حاجة إليه إلا تنبيها على الحكم بالاولوية، بمعنى أنه يجب عليه الاتمام إذا رجع ليومه، فضلا عما إذا لم يرجع ليومه كما هو مفروض السؤال. وبالجملة فهذه الرواية بملاحظة ما ذكرنا أحسن ما في الباب، ولا ينبغي إدراجها في المؤول في قبال النص والظاهر لئلا يصح الاستدلال بها إذ لا تصرف فيها بموجب عقلي، لمنافاته لما هو المشهور، أو لما هو المجمع عليه، صونا للكلام حتى يعد من المؤول. إلا أنه لا يكافؤ ظهورها في اعتبار الرجوع ظهور أخبار عرفات في عدم اعتباره، ولا سنده من حيث إرساله للصحاح والموثقات الواردة في تلك الروايات والله أعلم.


(1 و 2) الوسائل، ج 5، ص 502، الباب 3 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 13. (3) نفس المصدر السابق.

[ 26 ]

الخامسة: ما رواه عما كما في التهذيب " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستة فراسخ، فياتي قرية فينزل فيها ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أو ستة لا يجوز ذلك، ثم ينزل في ذلك المنزل (الموضع) قال (عليه السلام): لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة " (1). بتقريب: إن موجب الاتمام إما عدم سير ثمانية إمتدادية وهو خلاف النصوص المصرحة بكفاية التلفيق وإما عدم الرجوع في يومه المفروض في الرواية الصريحة في النزول في القرية ولا أقل من يوم. ويندفع بان الجواب الذي هو كالتعليل لوجوب الاتمام لا يعقل ان يكون منوطا بعدم الرجوع ليومه، فان الملفق من فراسخ الذهاب والاياب، ثمانية وأزيد سواء رجع ليومه أولا، لما مر من إستحالة دوران كونه ثمانية مدار الرجوع ليومه فان الملفق ثمانية على أي حال، فلا يمكن تنزيل الجواب على عدم الرجوع ليومه. نعم ظاهره إن الخروج لاجل الحاجة فتمادى به السير إلى خمسة فراسخ أو ستة، فالمفقود في هذا الفرض قصد المسافة وهو المعتبر في التكليف بالقصر دون قطعها بمجرده، كما يؤكده وروايته الاخرى " عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يخرج في حاجة وهو لا يريد السفر فيمضي في ذلك يتمادي به المضي حيث يمضي به ثمانية فراسخ كيف يصنع في صلاته؟ قال (عليه السلام) يقصر الخ " (2) فالمورد في كليهما خال عن القصد، لكن حيث أن مسافة الذهاب أقل من ثمانية في الاول فلا يقصر في إيابه وحيث إنها ثمانية في الثاني فيقصر في إيابه. وبالجملة الموجب للاتمام ليس عدم كفاية التلفيق، ولا عدم الرجوع ليومه، بل عدم القصد.


(1) الوسائل: ج 5، ص 504، الباب 4 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 3. التهذيب، ج 4، ص 225، الباب 56 باب حكم من افطر.. الحديث 36. (2) الوسائل: ج 5، ص 503، الباب 4 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 2.

[ 27 ]

السادسة: ما رواه الشيخ ونسبه بعض الفحول إلى العيص بن القاسم وتبعه بعض المشايخ ولم يعلم له وجه باسناده عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " سألته عن التقصير في الصلاة فقلت له: إن لي ضيعه قريبة من الكوفة وهي بمنزلة القادسية من الكوفة فريما عرضت لي حاجة أنتفع بها أو يضربي القعود منها في رمضان فأكره الخروج إليها لاني لا أدري أصوم أو أفطر؟ فقال (عليه السلام): فاخرج وأتم الصلاة وصم فإني قد رأيت القادسية الخبر " (1). والقادسية على خمسة فراسخ تقريبا من الكوفة. ومع كفاية التلفيق كما هو المنصوص والمشهور لا موجب للصيام والاتمام وإلا عدم الرجوع ليومه كما هو المفروض في السؤال بحسب العادة. ويندفع بان الموجب هو المرور بالملك والمنزل كما سيجئ إن شاء الله تعالى ولذا أورد في موثقة ابن بكير بالاضافة إلى نفس القادسية الامر بالقصر " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القادسية أخرج إليها أتم أو أقصر؟ قال (عليه السلام) وكم هي؟ قلت: هي التي رأيت، قال (عليه السلام): قصر " (2) هذه جملة القول في أدلة العاملين باعتبار الرجوع ليومه، وقد عرفت حالها بالاضافة إلى نفسها وبالنسبة إلى أخبار عرفات ونحوها. وأما ما في كتاب الفقه (3) المنسوب إلى مولانا الرضا (عليه السلام) من التخيير بين القصر والاتمام مع عدم الرجوع ليومه كما هو المحكي عن المشهور بين المتقدمين، فيجاب عنه. أولا: بعدم معلومية النسبة إليه (سلام الله عليه). وثانيا: بأقوائية سائر ما ورد عنهم (سلام الله عليهم) سندا ودلالة فيرد علمه إليه (صلوات الله عليه).


(1) الوسائل، ج 5، ص 521، الباب 4 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 4 التهذيب، ج 1، ص 222 باب حكم المسافر والمريض في الصيام، الحديث 24. (2) الوسائل، ج 5، ص 496، الباب 2 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 7. (3) فقه الرضا، ص 161.

[ 28 ]

الامر الرابع كما لا فرق في المسافة بين الامتداد والتلفيق كذلك لا فرق فيها بين الاستقامة والاستدارة لاطلاق الادلة. نعم ينبغي التكلم في أمرين: أحدهما: تحقيق مناط البعد، هل هو خلط السير أو قطر الدايرة؟ وثانيهما: تحقيق الذهاب والاياب في الحركة المستديرة وإنهما يتبعان الوصول إلى المقصد والخروج عنه أو الوصول إلى النقطة المسامتة لمبدء الحركة وهو رأس القطر والتجاوز عنه. وقد ذكر شيخنا العلامة الانصاري (قدس سره) في كتاب الصلاة (1) صورا ثلاثة: احداها: ما إذا لم يقصد المسافر إلا طي المسافة المستديرة، فحكم بان مناط البعد هو قطر الدائره دون خط الحركة على محيط الدائرة وإن الحركة على أحد القوسين ذهابية وعلى الآخر إيابية. وثانيتها: ما إذا كان له مقصد على راس القطر، أو على نصف القوس، فحكم بأن مناط البعد هو خط الحركة دون قطر الدائرة، وإن الحركة إلى المقصد ذهابية، وإن الحركة بعد الخروج إيابية سواء كان في قوس الحركة الذهابية أو في القوس الآخر. وثالثتها: ما إذا كان له مقاصد متعددة فجعل خط الحركة مناط البعد دون القطر واستظهر أن الحركة إلى آخر المقاصد كلها ذهابية وإن كان قريبا من مبدء الحركة. وتحقيق المقام: اما في الصورة الاولى فنظر الشيخ (قدس سره) في جعل قطر الدائرة مناطا للبعد ليس توهم أن الحركة المستديرة يقتضي جعل قطرها مناطا، كيف وقد حكم بخلافه في الصورتين الاخيرتين، ولم يتوهم ولا يتوهم أحد أن أقصر


(1) في صلاة المسافر صفحة 412.

[ 29 ]

الخطوط هو مناط بين البلد والمقصد وهو هنا قطر الدائرة، كيف والكل ذهبوا إلى حصول المسافة بسلوك الطريق الابعد إذا كان طريقان للبلد، بل نظره (قدس سره) إلى أن الشخص ليس له في هذه الصورة مقصد يلاحظ بعده عن البلد، ولا منتهى الحركة مقصده لانه عين مبدء الحركة، فلا يعقل أن تكون حركته لا جل الكون في مبدء الحركة لحصوله قبل الحركة، بل نفس الحركة على وجه الاستدارة مقصودة، ففرضه المرور على قطر الدائرة وهو بعدها على وجه الاستدارة، فمروره الاول على القطر ذهاب، ومروره الثاني على ما يحاذي الاول إياب. ويندفع بان لزوم المقصد من قرية أو ضيعة ونحوهما بلا ملزم، بل المسافرة يتحقق بالحركة بمقدار ثمانية فراسخ وطبع الحركة يقتضي مامنه الحركة وما إليه الحركة، غاية الامر إن ما إليه الحركة في الحركة المستقيمة غير ما منه الحركة، وفي الحركة المستديرة متحد مع مامنه الحركة. نعم الفرض تارة يتعلق بالوصول إلى ما إليه الحركة كما في الحركة المستقيمة غالبا، وأخرى يتعلق بنفس الحركة المستديرة، كما إذا اراد مساحة الارض بنحو الاستدارة ليحدث فيها بستانا أو قرية محيطها كذا وكذا فرسخا وتفاوت الاغراض لا يوجب تفاوتا في ناحية الحركة المستقيمة والمستديرة، ولا فيما إذا كان على أحد قوسي المستديرة مقصد أولا. ومما ذكرنا يتبين إن مقدار الحركة المعتبرة شرعا يلاحظ دائما بالنسبة إلى نفس خط السير، مستقيما كان أو مستديرا، لا الى قطر الدائرة فيما إذا لم يقصد محلا مخصوصا على أطراف الخط المستدير. ويتفرع على سقوط قطر الدائرة عن كونه مناطا للبعد المعتبر في المسافة شرعا: إن الحركة في هذه الصورة كلها ذهابية إذ لم يقصد النقطة المسامتة لنقطة المبدء حتى يكون التجاوز عنها إيابا ورجوعا، بل قصد السير المنتهي إلى مبدء الحركة لفرض قصد الحركة إليه بنحو الاستدارة، فالحركة بين المبدء والمنتهى المقصودة بالذات ذهاب لاإياب له. وعليه فإذا كان مجموع محيط الدائرة تسعة فراسخ كانت المسافة المعتبرة متحققة بلا تلفيق حتى يعتبر فيها الرجوع ليومه على القول بله، وإن كان قطر

[ 30 ]

الدائرة ثلاثة فراسخ وهو ثلث المحيط. وأما الصورة الثانية: وهي ما إذا كان له مقصد على رأس قطر الدائرة فلا إشكال في أن خط السير هو مناط البعد من البلد إلى المقصد كما لااشكال في أن التجاوز عن رأس القطر رجوع وإياب. ففي المثال المتقدم يبتني على التلفيق والرجوع ليومه. إنما الاشكال في أن المقصد إذا كان في نصف القوس فهل يتمم بالباقي من القوس، حتى تكون الحركة على القوس كله حركة ذهابية فتتحقق المسافة المعتبرة بنحو التلفيق المسلم، أو تكون الحركة الذهابية مقصورة على الحركة إلى المقصد وهي أقل من أربعة فراسخ، فلا يتحقق التلفيق من أربعة ذهابية وأربعة إيابية؟. ومبنى المسألة على أن الاياب لا يتحقق إلا بالمرور على ما يحاذي خط الذهاب ليكون مرورا ثانيا، أو يتحقق بمجرد التجاوز عن المقصد باي وجه إتفق، وأما أن صورة السير بعد المقصد صورة الذهاب، ولذا يتوهم أن الوصول إلى رأس الدائرة والنقطة المسامتة لنقطة المبدأ مقصد ثان، فلا يجدي شيئا بعد سقوط قطر الدائرة عن كونه ملاكا للبعد من البلد، وبعد كون جميع أجزاء الحركة مقصودة، وجميع الوصولات إلى حدود المسافة مقصودة، إلا أنه أجنبي عن المقصد في قبال بلد الحركة وعن البعد الملحوظ بين المبدأ والمقصد. والتحقيق في المبنى هو الثاني، وهو أن الخروج عن المقصد بقصد السير إلى البلد رجوع إلى بلده، ولذا لو سار بخط مستقيم من بلده إلى مقصده ثم عاد من مقصده إلى بلده بنحو التربيع فان السير في الخط الفوقاني والتحتاني ليس مرورا على ما يحاذي خط الذهاب فلا بد من أن لا يكون إيابا، والالتزام به في الخط الفوقاني بجعله ذهابا إن أمكن. لكنه لا يمكن في الخط التحتاني فانه ذهاب محض إلى بلده، والذهاب إلى البلد بعد الذهاب منه رجوع وإياب جزما. وبالجملة الظاهر كما يحكم به العرف على ما أفاده الشيخ الاجل (1) (قدس


(1) كتاب الصلاة للشيخ الانصاري ص 413.

[ 31 ]

سره) إن الحركة من المقصد إلى المنزل رجوع إليه. ومنه يتبين حال الصورة الثالثة وأن الحركة من المنزل إلى مقاصد متعددة حركة ذهابية، وإن كان بعض المقاصد واقعا على طرف القوس التالي من قوسي الدائرة، وكون صورته الرجوع إلى المنزل لااعتبار به بعد سقوط قطر الدائرة عن الاعتبار، فلا عبرة بصورة الذهاب في الفرض المتقدم، كما لا عبرة بصورة الرجوع في هذا الفرض. لا يقال: إذا كان الذهاب والاياب قصديا أمكن دعوى أن السير إلى النقطة المسامتة لنقطة المبدأ بقصد الرجوع وبعنوانه وإن كان أمرا واقعيا، فلا مجال لجعله رجوعا مع كونه كسابقه من التوجه إلى النقطة المسامتة، وكذا الامر في التجاوز عن النقطة المسامتة فانه إنما يكون ذهابا إذا قصد عنوانه، وإلا فهو توجه إلى مبدأ الحركة وهو الرجوع. لانا نقول: ليس المناط في ما اخترناه قصدية الذهاب والاياب، بل ملاكه أن البعد المعتبر شرعا قد اعتبر بين المنزل والمقصد. فالحركة نحو المقصد ذهاب واقعا وإن لم يقصد عنوانه، والحركة منه والتوجه إلى المنزل تربيعا أو استدارة رجوع و إياب عن المقصد، وقد عرفت أنه لا فرق في المقصد بين أن يكون في طرف القوس الاول أو القوس الثاني. الامر الخامس إذا كان للبلد طريقان أحدهما أبعد يبلغ المسافة والآخر أقرب لا يبلغ المسافة، فلا إشكال على المشهور في جواز سلوك الابعد خلافا للقاضي (1) (رحمه الله) " فلم يجوزه نظرا إلى أنه كاللاهي بسفره " (2). وتوضيح المقام: إن اللهو تارة في قبال ما ليس فيه غرض عقلائي، وأخرى يراد


(1) المهذب: ج 1، ص 107 وظاهر عبارته في الجواهر التقصير مطلقا. جواهر الفقه المطبوع في ضمن الجوامع الفقهية ص 414. (2) كما نسبه إليه المدارك في ص 277.

[ 32 ]

به الباطل في قبال الحق، فإن أريد به الاول فلا واسطة بين الفرض العقلائي وغيره، فلا محالة ما كان فيه غرض عقلائي ليس بلهو، وما لم يكن فيه غرض عقلائي بل غرض شخصي فهو لهو، وإلا فالفعل الاختياري لا يصدر عن غير داع وغرض، وعليه فإذا فرض أن الاغراض العقلائية مترتبة على الرخصة في التقصير فلا محالة يرد محذور أخذ الرخصة في موضوع نفسها، فيرد إما الدور كما هو المشهور في نظائره، وإما محذور الخلف من تأخر المتقدمة بالطبع وتقدم المتأخر بالطبع كما هو التحقيق. فما أفاده بعض الاعلام (قدس سره): " من أن قد يتعلق غرض صحيح عقلائي بنفس الرخصة في قصر الصلاة وترك الصيام، كما ربما يتفق ذلك في شهر رمضان لمن يشق عليه الصيام أو يخاف من ضرره، أو يقصد التخلص من صوم يوم يظن كونه عيدا " فغير وجيه على هذا الوجه، إذ لا يندفع عنه المشقة والضرر وصوم العيد إلا إذا كان مرخصا في سفره. فكيف يعقل أن يناط بها الرخصة في سفره؟ وبالجملة السفر بهذه الاغراض وإن لم يكن لهوا إلا أن السفر بها لا يعقل أن يكون محكوما بالرخصة. وإن أريد به الثاني، فالسفر المحكوم بالاتمام الموصوف بكونه باطلا كالسفر للتنزه بالاصطياد في قبال التكسب به فالسفر الخالي عن مثله محكوم بالقصر ويترتب عليه تلك الاغراض الصحيحة وليس المراد بالحق أن يترتب عليه عنوان راجح، بل مجرد عدم كونه باطلا، فالسفر لمجرد الفرار عن الصوم ولولا بتلك العناوين المزبورة سفر غير لهوي، ويترتب عليه التقصير. والظاهر أن المراد باللهو كما يساعده الاخبار الآتية في محلها هو الباطل المقابل للحق، لا الخالي عن الغرض العقلائي. كيف وجملة من الاغراض المتداولة كالتصيد للتنزه من الاغراض العقلائية إلا أن المؤمن في شغل من ذلك كما في الخبر (1).


(1) مستدرك الوسائل ج 1، ص 502، الباب 7 ان من خرج إلى الصيد.. الحديث 1.

[ 33 ]

الامر السادس تثبت المسافة التي تكلمنا فيها بالعلم وبالبينة، على ما هو المعروف بل المجمع عليه، وإن كان يناقش في النص على حجيتها عموما في غير مورد النزاع، وحكم الحاكم مطلقا كما حكي عن ذخيرة المحقق السبزواري (1) (قدس سره) وقد صدقه صاحب الحدائق (2) (رحمه الله) في دعوى عدم ورود النص على الكلية، إلا أن رواية مسعدة بن صدقة المعروفة الواردة في الكافي والتهذيب، في ذيلها: " والاشياء كلها على هذا حتى يستبين أو تقوم به البينة " (3) مضافا إلى ورود الدليل على اعتبارها في موارد خاصة بحيث يستفاد منها المفروغية عن حجيتها في نفسها كما في ما ورد في الجبن الذي يحتمل فيه الميتة حيث قال (عليه السلام): " حتى يجيئك شاهدان يشهدان إن فيه الميتة " (4)، فان مورد السؤال وإن كان وهو الجبن إلا أن قوله (عليه السلام) في الجواب: " كل شئ لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان بان فيه ميتة " (5)، يراد منه يشهدان بحرمته موضوعا وإلا فلا يمكن أن يكون المراد من قوله (عليه السلام): " كل شئ لك حلال " (6) كل جبن لك حلال. وكذا ما ورد في باب العدالة بقوله (عليه السلام): " من لم تره بعينك يرتكب معصية ولم يشهد عليه شاهدان، فهو من أهل الستر والعدالة " (7) فان ظاهره المفروغية عن إعتبار شهادة الشاهدين لاأن الفسق ذا خصوصية مقتضية


(1) ذخيرة المعاد ص 407. (2) الحدائث، ج 11، ص 309. (3) الوسائل: ج 12، ص 60، الباب 4 من ابواب ما يكتسب به، الحديث 4. فروع الكافي، ج 5، ص 313، كتاب ال باب النوادر، الحديث 40، التهذيب ج 7، ص 226 كتاب التجارة، باب من الزيادات، الحديث 9. وفيها: " يستبين لك غير ذلك أو.. ". (4) الوسائل، ج 17، ص 91، الباب 61 من ابواب الاطعمة المباحة، الحديث 2. (5 و 6) نفس المصدر السابق. (7) الوسائل، ج 18، ص 292، الباب 41 من ابواب الشهادات الحديث 13 مع اختلاف يسير.

[ 34 ]

لاعتبار البينة عليه، وكذا مارود في باب ثبوت الهلال ولو في غير مورد حكم الحاكم كقوله (عليه السلام): " إذا رأيتم الهلال فافطروا أو تشهد عليه بينة عدل من المسلمين " (1) وفي آخر: " فإن شهد عندكم شاهدان مرضيان بانهما رأياه الخ " (2) نعم مثل قوله (عليه السلام): " لا اجيز في الهلال الا شهادة رجلين عدلين " (3) بحمل إرادة حكمه (عليه السلام) بالهلال بشهادة العدلين. إلى غير ذلك من الموارد التي يقف عليها المتتبع بحيث تطمئن النفس بالغاء خصوصيات الموارد هذا. وأما ثبوتها بإخبار عدل واحد، أو اخبار الثقة فمورد التأمل والاشكال لعموم آية النبأ (4) الواردة في الموضوع، ولسيرة العقلاء التي هي العمدة في حجية خبر الثقة. ومن الواضح ان العقلاء بحسب بنائهم العملي لا يفرقون بين الحكم والموضوع، ويؤكده إعتبار خبر الثقة في الموضوعات في موارد. منها: ما ورد في الاخبار بعزل الوكيل كقوله (عليه السلام): " والوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه " (5) الخبر. ومنها ما ورد في الاخبار بالوصية حيث قال الراوي: " فأتاني رجل مسلم صادق فقال... " (6) إلى آخر الخبر المروي في الوسائل في آخر كتاب الوصية. ومنها: مارود في باب إستبراء الامة عن أبي عبد الله (عليه السلام)، " في الرجل يشتري الامة من رجل فيقول: إني لم أطأها فقال (عليه السلام): إن وثق به فلا بأس أن يأتيها " (7) وفي آخر: " إن كان عندك أمينا فمسها " (8). ومن تقييد القبول بالوثاقة والامانة يعلم أنه بما هو خبر الثقة حجة، لا بما هو إخبار ذي


(1) الوسائل: ج 7، ص 191، الباب 5 من ابواب احكام شهر رمضان الحديث 11. (2) الوسائل: ج 7، ص 183، الباب 3 من ابواب احكام شهر رمضان، الحديث 7. (3) الوسائل: ج 7، ص 207، الباب 11 من ابواب احكام شهر رمضان، الحديث 1. (4) الحجرات: 6. (5) الوسائل: ج 13، ص 286، الباب 2 من ابواب احكام الوكالة، الحديث 1. (6) الوسائل: ج 13، ص 482، الباب 97 من ابواب احكام الوصايا، الحديث 1. (7) الوسائل: ج 13، ص 38 الباب 11 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 2. (8) الوسائل: ج 13، ص 39 الباب 11 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 3.

[ 35 ]

اليد، وإلا لما كان وجه للتقييد في الجواب. ومنها: ما ورد في باب الوقت باعتبار اذان الثقة (1) ولعل المتتبع يقف على غير هذه الموارد المسطورة أيضا هذا. وللمانع عن اعتباره في الموضوعات حصر الطريق في البينة في رواية الجبن ورواية مسعدة بن صدقة فيكون ردعا عن بناء العقلاء في الموضوعات وتقييد الاطلاق إنه البناء من حيث التعدد فيها. وربما يجاب عن الروايتين بأن الحصر في البينة لخصوصية المورد من حيث فرض اليد فيها، فلا يرفع اليد عنها إلا بالبينة لا بمطلق الحجة وهو في خبر الجبن لاستيلاء بايعه عليه، وفي رواية مسعدة بالاضافة إلى الثوب المشترى والمملوك المشترى، لاستيلاء بايعهما عليه وجيه، بخلاف الزوجة فانه لاإستيلاء لاحد عليها بحيث يكون إستيلاء ملكيا. وملك الانتفاع لو كان كافيا فهو للزوج والكلام في صحة الشراء وصحة التزويج مع الشك في كونها أخته من الرضاعة مثلا. لا يقال: كما أن ملك المشتري للثوب والمملوك مستند إلى إشترائه لا إلى يده، كذلك ملك البايع غير مفروض الاستناد إلى يده فلا مانع من الاخذ بالكلية. لانا نقول: لابد من كون ملك البايع مستندا إلى يده فانه لولا اليد لكان ملكه، إما بعلم المشتري والمفروض احتمال السرقة مثلا وإما بقيام البينة عند المشتري ومثلها لا يرفع اليد عنها بمجرد قيام البينة على خلافها، فيعلم من الاخذ بالبينة بمجرد قيامها على أنه سرقة، أن الملك مستند إلى اليد، فانها التي لا تقاوم البينة. وبالجملة فرفع اليد عن ذيل رواية مسعدة الحاصرة في العلم والبينة مشكل جدا إلا باستفادة الكلية من موارد إعتبار خبر الثقة المتقدمة ليكون مخصصا لتلك الكلية الحاصرة في العلم والبينة. وأما إدراج خبر الثقة في الاستبانة بجعلها أعم من العلم والعمي مع مقابلتها بالبينة التي هي طريق علمي فاشكل، فالاحتياط في المقام بالجمع لا يترك. واما ثبوت المسافة بالشياع الظني بإخبار جماعة يفيد الظن بالمسافة، فعن الشيخ


(1) الوسائل: ج 4، ص 618، الباب 3 باب جواز التعويل في دخول الوقت على أذان الثقة.

[ 36 ]

الاجل (قدس سره) في كتاب الصلاة: " ان الاظهر إعتبار الشياع هنا وإن احتمل منعه بناء على الاصل " (1) انتهى. وربما يقال بأن الظن الحاصل منه أقوى مما تفيده البينة، إلا أن الدليل على اعتبار الشياع مقصور على غير ما نحن فيه وهو قوله (عليه السلام): " خمسة أشياء يجب الاخذ فيها بظاهر الحكم، أو ظاهر الحال: الولايات والمناكح والذبايح والمواريث والشهادات " (2) الخبر، ولم يعلم أن حجية البينة شرعا لافادتها الظن حتى يتمسك بالاولوية، وقوله (قدس سره): " إعتبار الشياع هنا "، يشعر بخصوصية للمقام ولعله بملاحظة ان المسافات والاماكن يكفي فيها الشياع، كما ورد في باب المواقيت في الحج حيث قال (عليه السلام): " يجزيك إذا لم تعرف العقيق ان تسأل الناس والاعراب عن ذلك " (3) وكما ورد في السعي في وادي محسر حيث قال (عليه السلام): في جواب إبنه " لا أعرفه سل الناس " (4). والانصاف: إن الشياع المفيد للوثوق في أمثال هذه المقامات هو الطريق المتعارف لمعرفتها والاحتياط لا يترك. الامر السابع هل الشاك في المسافة يجب عليه الفحص حتى يتمكن من إجراء الاصل الذي يقتضيه المقام؟ أولا يجب عليه الفحص لكون الشبهة موضوعية؟ والمعروف فيها، جواز إجراء الاصل قبل الفحص، أو فرق بين الشبهة الموضوعية الوجوبية والتحريمية، كما يظهر من الشيخ الاجل (قدس سره) في كتاب الصلاة (5) بالفحص في الاولى دون الثانية. والعمدة في وجه المنع عن إجراء إلزامه


(1) كتاب الصلاة للشيخ الانصاري: ص 390. (2) الوسائل: ج 18، ص 290، الباب 41 من ابواب الشهادات، الحديث 3 مع اختلاف يسير. (3) الوسائل: ج 8، ص 228، الباب 5 من ابواب المواقيت حديث 1. (4) الوسائل: ج 10، ص 47، الباب 14 من ابواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1. (5) كتاب الصلاة للشيخ الانصاري: ص 390.

[ 37 ]

عقلا ونقلا قبل الفحص، الخدشة في الدليل العقلي. ودعوى الانصراف في الدليل النقلي. أما الاول: فبملاحظة أن وجود الحجة واقعا إذا كان بحيث يصل إذا تفحص عنه كاف في تمامية الحجة وقطع عذر العبد. فموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان غير محرز قبل الفحص لاحتمال البيان المصحح للعقوبة، والوجه في صلوحه لقطع العذر، إن الوصول الذي معه يكون مخالفة التكليف ظلما على المولى، فيستحق به العقوبة، هو وصوله العادي، وهو قهرا متقوم بمقدار من الفحص عادة، إذ ما كان له طريق متعارف لا يصل قهرا إلا بمقدار متعارف من الفحص وأما الثاني: فلما قيل من إنصراف لفظ الشك وعدم العلم عن مورد يمكن فيه تحصيل العلم بالفحص العادي، بل إذا أريد من العلم الحجة القاطعة للعذر، كان حال الدليل النقلي حال العقلي. والتحقيق: إن التكليف حقيقيا كان أو طريقيا متقوم بالوصول، وكونه بحيث إذا تفحص عنه لوصل، لا يحقق إلا إمكان الوصول، لا فعلية الوصول. فالتكليف الواقعي الذي عليه طريق واقعي لا يقبل الباعثية فعلا، وإنما يمكن باعثية التكليف بإمكان الفحص عن طريقه. وكذا التكليف الطريقي الذي لا أثر له إلا إيصال الواقع أو تنجيزه، فانه مع عدم وصوله فعلا كيف يكون إيصالا للواقع بالفرض أو منجزا له. نعم ربما يكون الطريق بحد يعد واصلا، نظير المرتكزات في النفس، فإنها وإن لم تكن معلومة تفصيلا بالفعل، بل إنما يتفصل بالتوجه والتأمل في ما في خزانة النفس لكنه لا يعد مثله جاهلا بالمسألة، بل غافلا عن علمه بها. فكذا من كانت عنده بينة يمكنه السؤال عنها فإن مثله لا يعد فاقدا للطريق، وهكذا في نظائره من الطرق المعلومة بأدنى توجه وفحص. وأما في غير ذلك مما يحتاج حقيقة إلى الفحص والبحث حتى يظفر بالطريق لو كان، فلا ملزم به مع عدم وصول الواقع بوصول طريقه حقيقة. ومنه يتضح أن إطلاق الادلة النقلية إنما ينصرف عن مثله لاعن ما يحتاج إلى فحص وبحث بالغ حقيقة وبقية الكلام في الاصول.

[ 38 ]

وأما الاستناد إلى العلم الاجمالي بأحد الامرين من القصر والاتمام في وجوب الفحص والمنع عن إجراء الاصل قبل الفحص، فغير معقول لتوقف تأثير العلم الاجمالي في التنجير على عدم إنحلاله باصل غير معارض فلا يعقل أن يمنع عن جريانه، فإن هذا المعنى متساوي النسبة إلى ما قبل الفحص وبعده لولا دليل آخر على عدم جريان الاصل قبل الفحص. كما أن الاستناد إلى أدلة الحرج فيما إذا كان الفحص حرجيا إنما يصح إذا كان وجوب الفحص شرعيا لا ما إذا كان عقليا، أو لقصور في دليل البراءة عقلا أو نقلا، فتدبر. الامر الثامن هل الشاك في المسافة مع عدم الطريق تكليفه الجمع بين القصر والاتمام للعلم الاجمالي؟ أو هناك أصل يقتضي تعين الاتمام فينحل العلم الاجمالي؟ لا شبهة في أن المسافة المشكوكة لا أصل فيها بحيث يعين بلوغها الثمانية أو عدم بلوغها كما أنه لا أصل يعين أن قصدها قصد المسافة الشرعية أولا، إلا أنه لا حاجة إلى شئ منها في نفي القصر وإثبات الاتمام حتى بعنوان الشك في رافعية القصد الموجود، وأنه مجرى الاصل كالشك في وجود الرافع، مع أن رفع الرافعية بالاصل لا يكون إلا بنحو العدم المحمولي وبنحو السالبة بانتفاء الموضوع الذي هو محل الكلام، ومورد النقض والابرام. بل التحقيق أن يقال: إن عمومات التكليف بالاتمام المخصصة بما عدا المسافر لا تخلو عن أحد وجوه ثلاثة: إما أن يكون التخصيص موجبا لاخراج عنوان المسافر منها من دون أن يوجب تعنون العام بعنوان وجودي أو عدمي كما عليه شيخنا الاستاذ (1) (قدس سره) ومجرد تردد المشكوك بين الداخل تحت العام الخارج عنه هو المانع عن الاستدلال به. وإما أن يكون التخصيص موجبا لتعنونه بعنوان


(1) في كتاب الصلاة من مصباح الفقيه ص 725 تحت عنوان الثالث يشترط في التقصير العلم بالمسافة.

[ 39 ]

عدمي، وهو من لم يكن مسافرا. وإما أن يكون موجبا لتعنونه بعنوان وجودي، وهو كونه حاضرا، الذي هو ضد عنوان المسافر وعلى أي حال فمقتضى الاصل هو الاتمام لليقين بعدم كونه مسافرا قبل قصد هذا المسافة المشكوكة والآن كما كان، ولليقين بكونه حاضرا قبل هذا القصد والآن كما كان، فيتعبد بحكمه وهو الاتمام. نعم بين العنوان العدمي والوجودي فرق، وهو إن التعبد بعدم كونه مسافرا، كما إنه تعبد بعدم موضوع القصر كذلك تعبد بما هو عنوان للعام، فكما ينفي به وجوب القصر كذلك يثبت به وجوب الاتمام تعبدا، بخلاف ما إذا كان العام معنونا بعنوان وجودي، فإن نفي موضوع القصر لا يوجب إثبات موضوع الاتمام إلا بناء على الاصل المثبت، فلابد من إثبات موضوع التمام بإجراء الاصل فيه. وأما نفي وجوب القصر بعد إجراء الاصل في موضوع الاتمام فلا حاجة فيه إلى إجراء الاصل الموضوعي، لان نفس وجوب الاتمام تعبدا يمنع عن فعلية ضده، فوجوب القصر فعلا محال بعد فرض المضادة شرعا بين وجوب الاتمام ووجوب القصر على مكلف واحد في وقت واحد. فلا حاجة إلى التعبد بنفيه، ولو بنفي موضوعه. وهذا المعنى غير جار في طرف التعبد بعدم وجوب القصر ليكون لازمه وجوب الاتمام فعلا، لان لازم كونهما متضادين عدم إجتماعهما لاعدم إرتفاعهما، والاجماع على الملازمة إنما هو بالاضافة إلى الواقع، وإنه لا يخلو الواقع عن أحد أمرين: وجوب القصر، أو وجوب الاتمام، ولا في مقام التعبد مع عدم وجوب ملاكه، ومع وجود ملاكه لا حاجة فيه إلى الاجماع على الملازمة، بل يجري الاصل الموضوعي في كليهما. فتدبره جيدا. ومن جميع ما ذكرنا تبين جريان الاصل على أي حال، فينحل العلم الاجمالي المقتضي للجمع. هذا تمام الكلام في بيان المسافة، وما يختص بها من الاحكام. [ في أحكام قصد المسافة ] وأما قصدها المتأخر عنها طبعا ولذا أخرنا البحث عنه. فتحقيق الحال فيما يتعلق به ببيان امور:

[ 40 ]

الامر الاول في أصل إعتبار القصد، في قبال مجرد سير ثمانية فراسخ من دون تعلق القصد الكلي بها أولا وإن صدرت جزئيات السير بالارادة وما يدل عليه صريحا مرسلة صفوان المنجبرة بعمل المشهور " قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل خرج من بغداد يريد أن يلحق رجلا على رأس ميل فلم يزل يتبعه حتى يبلغ النهروان، وهي أربعة فراسخ، أيفطر إذا أريد الرجوع ويقصر؟ قال (عليه السلام): لا يقصر ولا يفطر لانه خرج من منزله، وليس يريد السفر ثمانية فراسخ، إنما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق، فتمادى به السير إلى الموضع الذي بلغه، ولو أنه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا وجائيا الخبر " (1) وهو صريح في دخل قصد المسافة، وأنه مع عدمه لا تقصير وأنه حيث لم يقصد لا يقصر لا أنه حيث إنه لم يقطع المسافة لا يقصر لفرض قطع المسافة تلفيقا. ويمكن إستفادة إعتبار من موثقتي عمار المتقدمتين (2) في مسألة الرجوع ليومه كما قربناه هناك فراجع. وأما ما استند إليه العلامة الانصاري (قدس سره) في كتاب الصلاة (3) من رواية منتظر الرفقة (4) وصحيحة أبي ولاد (5) فمبني على إستفادة اعتبار القصد الذي هو شرط آخر فيدل بالملازمة على اعتبار حدوثه. وسيجي إن شاء الله تعالى الكلام فيهما. وأما ما عن العلامة (قدس سره) في التذكرة " من أن للمسافة التي هي شرط تأثيرا في العبادات فيعتبر فيها النية كما في العبادات " (6) فهو وجه اعتباري لا


(1) الوسائل: ج 5، ص 503، الباب 4 من ابواب صلاة المسافر. الحديث 1. مع اختلاف يسير. (2) صفحة 50 و 52 من الاستنساخ. (3) صفحة 392. (4) الوسائل: ج 5، ص 501، الباب 3 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 10. (5) الوسائل: ج 5، ص 504، الباب 5 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1. (6) تذكرة الفقهاء: ج 1، ص 188 في ذيل مسألة انتفاء القصد.

[ 41 ]

اعتبار به، لان شرائط الواجب لا يجب أن تكون عن قصد، كما في التستر في الصلاة والاستقبال فيها فضلا عن شرائط التكليف فتدبر. الامر الثاني هل المراد بقصد المسافة هو العزم والارادة الكلية التي تنبعث منها الارادات الجزئية، المحركة للعضلات نحو قطع المسافة، أو الاعم منه ومن الجزم بحصول قطع المسافة كالاسير الذي يعرف المقصد ولاقصد له؟ وظاهر شيخنا العلامة الانصاري (1) (قدس سره): عموم الفتوى باعتبار القصد، وإن إطلاق الحكم بالقصر على المكره محمول على غير مسلوب القصد. وظاهر بعض أعلام العصر (قدس سره) في مصباحه: " دعوى التسالم على القصر في الاسير الذي عرف المقصد، وعلم أنهم يسيرون به لا محالة، مع أنه لاقصد له على السير ولا على متابعتهم. ودعوى أنه قصد المسافة كقصد الاقامة، فإنه ليس المراد منه القصد الحقيقي " (2). وظاهر الفاضل النراقي (3) (قدس سره): الاجماع على القصر في الاسير المسلوب منه القصد مع معرفة المقصد والظاهر أن الحق في فتوى الجماعة مع الشيخ الاجل (قدس سره) فهذا العلامة (قدس سره) في التذكرة (4) صرح بعدم التقصير وإن عرف المقصد. قال (قدس سره): " الاسير في أيدي المشركين إن عرف المقصد وقصده ترخص وإن عزم على الحرب متى قدر على التخلص، لم يترخص ولو لم يعرف المقصد لم يترخص في الحال لعدم علمه بالمسافة، وإن ساروا به المسافة لم يقصر إلا في الرجوع ". انتهى. فانه (قدس سره) لم يكتف بمجرد معرفة المقصد، وأما كفاية اليقين بالاقامة من دون قصدها فسيأتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى.


(1) كتاب الصلاة: ص 391. (2) كتاب الصلاة من مصباح الفقيه: ص 733. (3) مستند الشيعة: ج 1، ص 563. (4) تذكرة الفقهاء: ج 1، ص 188 في ذيل مسألة انتفاء القصد.

[ 42 ]

وربما يستدل باطلاقات أدلة المسافة من أن التقصير " في بريدين أو بياض يوم " (1)، خرج منها ما إذا لم يكن جزم وعزم فانه المتقين وبقي الباقي تحتها، وكذلك ربما يستدل باطلاق قوله (عليه السلام): " الفريضة في السفر ركعتان " (2). ويندفع بانصرافها إلى ما هو المتعارف من قطع المسافة من قصد وعزم، مع أن الاولى غير مسوقة إلا لبيان تحديد المسافة المعتبرة، مع أن الاطلاقات غير متقيدة بمقيد لبي، أو مجمل دائر بين الاكثر والاقل ليؤخذ في تقييدها بالمتيقن، بل مقيدة بمثل " لا يريد " في مرسلة صفوان (3) الظاهر في الارادة التي هي غير العلم والجزم مفهوما مصداقا. فلا مجال للتمسك بالاطلاقات، ولا أظن كما قيل بالاجماع على وجوب القصر. فالمسألة من حيث ملاحظة أدلتها واضحة، إلا أنها من حيث دعوى التسالم والاجماع على طرفي النقيض مشكلة، والاحتياط بالجمع لا ينبغي تركه. ولا يخفى عليك أن موضوع المسألة هو الاسير الذي لا يتمكن من الهرب من أيدي المشركين مثلا كما قيده به بعض الاعلام (قدس سره) لان من يتمكن من الهرب منهم، ومن ترك المسير معهم فالمسير معهم بترك الهرب المقدور مقدور، فلا يمكن صدور أحدهما منه إلا بالاختيار. فالمسير إلى المقصد المعلوم لا محالة عن قصد، وإن لم يكن عن طيب طبعي كما في المكره. وحيث إن موضوع البحث هو مسلوب القصد الذي لا يكون قابلا للقصد، فيمكن المناقشة في إطلاق الفتاوى باعتبار القصد، فإنه لا معنى لاعتبار القصد إلا فيمن يتمكن منه ولم يقصد طي المسافة بتمامها، بل قصد السير شيئا فشيئا كما في طالب الآبق والغريم، فالاطلاق مسوق لاعتبار القصد الكلي في قبال قصد المسافة شيئا فشيئا. ومنه تنقدح الخدشة في الدليل المقيد، بتقريب أن عدم الارادة لوحظ في قبال الارادة بنحو العدم


(1) الوسائل: ج 5، ص 49، الباب 1 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 7. (2) الوسائل: ج 5، ص 529، الباب 16 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1 مع اختلاف يسير. (3) الوسائل: ج 5، ص 503، الباب 4 من ابواب صلاة المسافر الحديث 1.

[ 43 ]

والملكة، لا بنحو السلب والايجاب. فعدم إرادة ثمانية فراسخ ممن له القابلية للارادة في قبال ما فرضه السائل من إرادة طي المسافة شيئا فشيئا للحوق بصاحبه في الطريق. وعليه فكما أن إطلاقات الفتاوى مخدوشة كذلك دلالة المقيد على التقييد بقول مطلق. وقد عرفت حال إطلاقات القصر أيضا. فمقتضى الاصل هو الاتمام، كما أن الاحوط الجمع كما عرفت. الامر الثالث لا فرق في القصد الذي هو ملاك القصر بين كونه بالاستقلال وكونه بالتبع بانحاء التبعية الاختيارية والاكراهية والواجبة وغيرها، إذا المفروض تحقق القصد من التابع، كما يتحقق من المتبوع، وإنما الفرق بينهما في الغاية الموجبة للقصد، فما يوهم من كفاية قصد المتبوع عن قصد التابع في بعض الكلمات لابد من تأويله، إذ كل منهما مكلف بالقصر المشروط بالقصد. والتبعية ليست ملاكا شرعيا آخر للقصر، بل لا يعقل إنفكاك قصد المتابعة على اي تقدير عن قصد قطع المسافة كما سيجئ إن شاء الله تعالى. ثم إن التابع إذا علم قصد المتبوع للمسافة أو علم مقصده كفى كل منهما في قصده للمسافة الواقعية المحكوم على قاصدها بالقصر. وإن لم يعلم أحدهما وجهل القصد والمقصد فالمعروف أنه محكوم بالاتمام واقعا، معللين له بفقد الشرط وهو قصد المسافة الواقعية، أعني ما هو مسافة بالحمل الشايع. ويمكن أن يقال: إن معرفة القصد أو المقصد لا تخلو إما أن يكون لتعلق القصد بثمانية فراسخ بعنوانها، وإما أن يكون لتعلق القصد إجمالا بالثمانية بالحمل الشايع، فان كان الفرض هو الاول فاللازم عدم كفاية معرفة المقصد حتى في المتبوع فانها بمجردها لا تحقق قصد الثمانية بعنوانها مع أن الظاهر منهم كفاية قصدها الاجمالي، مع أنه لا موجب لجعل قطع المسافة من العناوين القصدية كعنوان التعظيم ونحوه، وإن كان الفرض هو الثاني فمعرفة المقصد لا موضوعية له، بل لتحقيق تعلق القصد

[ 44 ]

بالمسافة الواقعية. وعليه فحيث إن المفروض في التابع إناطة قصده بقصد متبوعه واقعا فإذا كانت المسافة مقصودة للمتبوع تفصيلا أو اجمالا كانت مقصودة للتابع إجمالا، والمفروض كفاية قصد المسافة الواقعية إجمالا في المتبوع فليكن كذلك في التابع لتعين الواقع وتعلق القصد به. وربما ينتقض بطالب الغريم وطالب الآبق كما في الجواهر (1). وتقريبه: إن طالب الغريم يقصد اللحوق به في محله. فإذا فرض أن الغريم في رأس ثمانية فراسخ مثلا واقعا فقد تعلق قصده بقطع ثمانية فراسخ واقعا مع أنه لاقصر نصا وفتوى. فيعلم منه عدم كفاية قصد المسافة الواقعية إجمالا بهذا النحو. ويندفع بأن الفارق بين ما نحن فيه وطالب الغريم هو أن الطالب للغريم ليس له قصد المسافة الواقعية منجزا وعلى أي تقدير بل من عزمه بطبعه أنه متى وجده رجع. ولذا لوعين مكانه تفصيلا لكنه عزم على الرجوع إذا صادفه في طريقه لم يكن عزمه على قطع المسافة منجزا. فكيف إذا تعين المقصد واقعا بخلاف ما نحن فيه فانه قاصد عين ما قصده متبوعه منجزا من دون تعليق وتقدير، غاية الامر أنه لم يعلم بما قصده وبمقصده فيكون كما إذا عين المقصد ولم يعلم أنه مسافة شرعية أم لا. فان قلت: أليس من المحتملات في حق المتبوع العزم على الرجوع في الاثناء منجزا أو معلقا، فلا محالة يكون التابع قاصدا للرجوع إذا رجع متبوعه، أو قصد رجوعه فيكون عزم التابع تقديريا، ولا يخرج العزم التقديري عن التقديرية بعدم حصول المعلق عليه واقعا، فحال قصد التابع حال قصد طالب الغريم والآبق؟ قلت: حيث إن المفروض تمحض قصد التابع في التبعية فلا يعقل استقلاله وتفرده بقصد أمر لم يقصده المتبوع. وعليه فمقتضى قصد التبعية إنه إذا كان المتبوع قاصدا للمسافة منجزا، كان التابع كذلك فيجب عليهما القصر واقعا. وإذا كان قاصدا لما دون المسافة أو للمسافة معلقا كان التابع كذلك، فلا يجب عليهما القصر


(1) الجواهر: ج 14، ص 239.

[ 45 ]

واقعا. فتفرد التابع بعزم تقديري أو تنجيزي خلف فتدبره جيدا. إلا أن ظاهر المشهور خلافه كما مر، ولم أظفر بمفت صريحا بكفاية القصد الاجمالي للتابع في القصر، وإن كان الظاهر من بعض الفروع من بعض أعلام السادة (قدس سره) (1) ذلك. ثم إنه يتفرع على ما ذكرنا من الكفاية وعدمها على المشهور أمور: منها: إنه بناء على عدم الكفاية، حكم التابع واقعا هو وجوب الاتمام واقعا لفقد شرط القصر واقعا، فلا موجب للاستخبار من المتبوع، فانه إنما يجب من حيث توقف إجراء الاصل على الفحص وحيث لا إستناد إلى الاصل فلا معنى للفحص بالاستخبار من المتبوع بخلاف ما إذا قلنا بالكفاية، فان إحتمال وجوب القصر واقعا باحتمال وجود شرطه واقعا قائم، فيجب الفحص حتى يتمكن من إجراء إصالة الاتمام ظاهرا. وعليه فما ذكره في الجواهر (1) وغيره في غيره من جريان الوجهين في الفحص عن الشبهة الموضوعية كما في مسألة الشك في مقدار المسافة المقصودة في غير محله، بعد اختياره صريحا لعدم كفاية القصد الاجمالي، وتصريحه بفقد شرط التقصير واقعا. [ و ] منها: إنه إذا لم يعلم التابع بقصد المتبوع وتبين في أثناء السير أنه قاصد للمسافة، فعلى الكفاية يحتسب مبدأ المسافة من مبدأ السير، وعلى عدمها يحتسب من حين معرفة القصد. ومنها: ما إذا اعتقد التابع أن المتبوع قاصد لما دون المسافة فقصده كذلك ثم تبين في الاثناء أنه قاصد للمسأفة. فمقتضى الكفاية إنه من باب الخطاء في التطبيق لتعلق قصده واقعا من حيث تمحضه في التبعية بعين ما قصده واقعا ومقتضى عدمها إن الاعتبار بقصد المسافة من حين تبين الخطاء. والعجب من بعض اعلام السادة (3) (قدس سره) مع حكمه باعتبار العلم


(1) الظاهر هو السيد في العروة في مسألة 20 من فضل صلاة المسافر. (2) الجواهر: ج 14، ص 239. (3) ربما يكون صاحب العروة في مسألة 17 و 20 من مسائل فصل صلاة المسافر.

[ 46 ]

بقصد المتبوع واقعا، حكم هنا بكفاية القصد الاجمالي في وجوب القصر واقعا. الامر الرابع هل العلم بمفارقة المتبوع أو الظن بها أو احتمالها يمنع عن قصد التابع لقطع المسافة بتمامها؟ وهذا العنوان الذي تفرد به بعض أعلام السادة (1) (قدس سره) في قبال الامر الآتي وهو العزم على المفارقة معلقا على أمر معلوم الحصول أو مظنونه أو مشكوكه المعنون في كلمات القوم يحتمل أحد أمرين: الاول: العلم بمفارقته للمتبوع إختيارا لموجب أقوى من موجب قطع المسافة بتمامها بناء على أن العلم ينفك عن العزم على المفارقة فعلا كما يظهر من صاحب الجواهر (2) في بعض كلماته في المقام. والثاني: العلم بمفارقة المتبوع قهرا. أما الاول: فمع العلم بالمفارقة عن عزم لموجب أقوى من موجب العزم على قطع المسافة بتمامها لا يعقل إنقداح العزم على قطع المسافة، لانه من المعلول بلا علة، لا من باب كون العزم اللاحق مناقضا للعزم السابق حتى يتخيل أنه من العلم بالناقض في المستقبل، أو يتخيل أنه مناقض لاستمرار القصد لا لاصله، بل العزم بالفعل لابد من تعلقه بقطع المسافة بتمامها، لا إلى حال حصول موجب المفارقة، ومع فرض أقوائية موجب المفارقة لا موجب بالفعل لمثل هذا الموضوع. ومنه يظهر حال الظن بالمفارقة واحتمالها، فان الموجب للمفارقة على الفرض أقوى، فمع احتماله لا يؤثر احتمال الموجب الاضعف للتأثير فضلا عما إذا كان الموجب للمفارقة مظنونا، فانه لو فرض هناك فعلان متضادان في عرض واحد وكان مصلحة أحدهما أقوى من مصلحة الآخر فلا محالة يؤثر احتمال ما فيه مصلحة أقوى دون ما فيه احتمال مصلحة أضعف، فضلا عما إذا كان الاقوى مظنونا (1) الظاهر صاحب العروة حيث ذكر حكم المفارقة والتعليق في مسألة 19 من مسائل صلاة المسافر . (2) الجواهر: ج 14، ص 237.

[ 47 ]

والاضعف موهوما. نعم ربما أمكن أن يقال: إن الموجب لقطع المسافة إن كان مظنونا وموجب المفارقة موهوما تتعارض قوة مقام الثبوت مع قوة مقام الاثبات، فلا يمكن الحكم بتا بترجيح أحد الامرين. وفي مثله فالاحوط الجمع بين القصر والاتمام. وأما الثاني: وهو العلم بالمفارقة قهرا، أو الظن بها، أو احتمالها، ففي صورة العلم بوجود المانع القهري عن قطع المسافة لا موجب للعزم على المسافرة بالتبع، لان موجبه إما التصديق العلمي أو الظني أو الاحتمالي، ومع عدمه بمراتبه لا يعقل انقداح العزم والقصد، وفي صورة الظن بوجود المانع ليس إلا التصديق الاحتمالي وهوكاف في الدعوة، فانه لا يجب أن يكون الداعي والباعث على العزم خصوص التصديق العلمي، بل الظن والاحتمال، بل الوهم كاف للدعوة، كما يظهر بمراجعة إقدامات العقلاء فإن احتمال الفائدة يدعوهم أحيانا كالعلم والظن بها، بل الفائدة الموهومة إذا كانت لها أهمية كافية في الباعثية. والفرق بين الصورتين من العلم بالمفارقة إن مقتضيات العزم على قطع المسافة بتمامها في هذه الصورة محفوظة، والتصديق بها بمراتبه كاف في الدعوة بخلاف الصورة المتقدمة، فان مقتضى العزم على طي المسافة على أي حال مغلوب لمقتضى العزم على المفارقة، فلا يجدي كفاية احتمال الفائدة في الدعوة مع احتمال فائدة أقوى في ضده. الامر الخامس هل العزم على المفارقة معلقا على أمر معلوم الحصول، أو مظنونه أو محتمله، أو موهومه يمنع عن تحقق العزم على المتابعة وقطع المسافة المعتبرة شرعا أم لا؟ وتحقيقه إن العزم التعليقي إن كان بمعنى حصول العزم بعد تحقق المعلق عليه المعلوم أو المظنون أو المحتمل فلا عزم أصلا على المفارقة فعلا في قبال العزم على المتابعة وقطع المسافة، فيدخل تحت العنوان المتقدم من العلم أو الظن بالمفارقة لفرض العلم أو الظن بحصول موجبها. وقد مر الكلام فيه. وإن كان بمعنى تعلق العزم الفعلي بالمفارقة عند العتق أو الطلاق فحينئذ لا فرق بين كون ذلك الامر

[ 48 ]

المعلق عليه معلوما أو مظنونا أو محتملا أو موهوما، لان العزم التعليقي بهذا المعنى لا يجامع العزم المنجز بالمتابعة وقطع المسافة بتمامها فيوجب تعليقية العزم على قطع المسافة جزما، والمفروض عدم كفاية العزم الغير المنجز في وجوب القصر وإلا لوجب على طالب الغريم الذي هو عازم على اللحوق بغريمه ولو بقطع مسافة أو مسافات. فالتفصيل بين مراتب المعلق عليه من حيث العلم بحصوله أو الظن به، أو احتماله لا يلائم التعليقية بهذا المعنى. وحيث إن الصحيح هي التعليقية بالمعنى الثاني ففي جميع الصور لا يجب القصر. نعم إذا قطع بعدم حصول المعلق عليه فلا معنى للعزم على المفارقة تعليقا من عاقل شاعر حتى ينافي العزم على المتابعة وقطع المسافة بتمامها. الامر السادس إذا سار لا بقصد المسافة المعتبرة، لا إمتداية ولا تلفيقية حتى بلغ ثمانية فراسخ فقصد المسافة، فهل يكفي ضم مقدار من الذهاب إلى الاياب؟ بل إذا حصل قصد المسافة قبل حصول الثمانية فهل له ضم ما بقي من الذهاب إلى الاياب، بحيث يكون مجموعهما ثمانية فراسخ أم لا؟ لا ريب في كونه من جزئيات مسألة التلفيق المطلق، ولو لم يكن الذهاب أربعة وقد تقدم قوته إلا أنه خلاف المشهور، بل ربما أدعى عليه، الاجماع، إلا أنه ربما يفصل بين ما إذا كان الرجوع بنفسه مسافة فله ضم مقدار من الذهاب، وما إذا لم يكن بنفسه مسافة فلا يضم، كما حكي عن المحدث الكاشاني (1) (رحمه الله)، ومال إليه في الحدائق (2). وما استند إليه المحدث المذكور: موثقتا عمار (3) مدعيا إن إحداهما مبينة للاخرى. أما الموثقة المبينة فهي هكذا: " قال عمار سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يخرج في حاجة وهو لا يريد السفر فيمضي في


(1) الوافي: ج 2، ص 27، باب حد المسير الذي يقصر فيه. (2) الحدائق: ج 11، ص 331. (3) الوسائل: ج 5، ص 503، الباب 4 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 2 و 3.

[ 49 ]

ذلك فيتمادى به المضي حتى يمضي ثمانية فراسخ كيف يصنع في صلاته؟ قال: يقصر ولا يتم الصلاة حتى يرجع إلى منزله " وظاهرها إن تكليفه بعد بلوغ الثمانية القصر من حينه إلى أن يرجع. لا من حين رجوعه، لعدم مناسبته لجعل الرجوع غاية، ولازمه القصر في ذلك الموضوع وفي ذهابه وفي إيابه. وأما الموثقه الاخرى فهي هكذا: " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ فياتي قرية فينزل فيها ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أو ستة فراسخ لا يجوز ذلك، ثم ينزل في ذلك الموضع، قال: (عليه السلام) لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة " (1). والرواية وإن تضمنت حكم سير الاول والثاني باتمام الصلاة فيها كما اعترف به المحدث، إلا أن من حيث تعليق كونه مسافرا على قطع ثمانية فراسخ يدعي أنه بقطعه هذه المسافة صار مسافرا بملاحظة ما في الموثقة المتقدمة الآمرة بالتقصير من حينه لا من حين الرجوع. والجواب عن الموثقة الاولى إن قطع المسافة التي تمادى به السير ليس بنفسه من موجبات القصر، بل من حيث إنه قاصد للرجوع، والمسافة ثمانية. وظاهر السؤال إنه تمادى به السير وانتهى إلى ذلك المحل، فما بعده مسافة الرجوع وهو سفر شرعي إبتدائي، يعتبر فيه كل ما يعتبر في المسافرة شرعا من الخروج عن حد الترخص، ومن عدم التلفيق بذهاب أقل من أربعه فراسخ فلا مجال للاطلاق أو جعل مبدأ التقصير حال بلوغ الثمانية، بل مبدأه الرجوع والاخذ فيه إلى أن يصل إلى منزله، فليس المراد من قوله: " حتى يرجع "، حتى يأخذ في الرجوع، حتى ينافيه جعله غاية، لوضوح أن الحكم ينتهي بحصول الغاية، بل المراد من الرجوع الوصول إلى المنزل، فلا يابى عن كون مبدأ الاخذ في العود. ومنه تبين حال الموثقة الثانية فان السؤال فيها حيث كان عن حال ما صدر من السير الاول والثاني، لامن تكليفه فعلا كما هو كذلك في الموثقة الاولى فلا محالة


(1) الوسائل: ج 5، ص 504، الباب 4 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 3.

[ 50 ]

يراد من الجواب أن ما صدر منه من السير مجموعا وإن كان أزيد من الثمانية، إلا أنه لا يجدي إلا مع قصدها من الاول المفقود في مفروض السوال. فتعليق المسافة الشرعية على قطع الثمانية يراد منه ذلك، لا أن قطع الثمانية خارجا يوجب صيرورته مسافرا فيما بعدها قهرا لقصد العود، فإذا صار مسافرا من حين قصده للعود قهرا لا مانع من ضم مقدار من الذهاب، فانه مسافر شرعاو تكليفه القصر. وفي كتاب الصلاة للشيخ الاجل (1) (قدس سره) حمل الامر بالاتمام على تكليفه الفعلى، غاية الامر أن إطلاقه مقيد بما إذا رجع إلى منزله، ولذا جعل الموثقة الاولى الآمرة بالتقصير فعلا معارضة للموثقة الثانية. وعليه فيبطل مبنى الاستدلال للتفصيل، لكنه خلاف الظاهر، وخلاف ما فهمه الاصحاب. [ في اعتبار استمرار القصر ] المسألة الثانية في الشرط الثاني من شرائط وجوب القصر وهو استمرار القصد على قطع المسافة المعتبرة. وتمام الكلام فيه برسم أمور: الامر الاول في الدليل على اعتباره، وقد تفرد الشيخ الاجل (قدس سره) في كتاب الصلاة (2) بالاستدلال بأمرين: أحدهما: ما لفظه: " لان الظاهر من أدلة تحديد المسافة وإن التقصير في بريدين أو ثمانية فراسخ وجوب التقصير في سفر مقدار سيره بريدان فيدل على التلبس بسفر مسافته بريدان، فكلما يتحقق وصف التلبس بالسفر الكذائي تحقق موضوع التقصير،


(1) كتاب الصلاة للشيخ الانصاري: ص 391. (2) كتاب الصلاة للشيخ الانصاري: 414.

[ 51 ]

والمفروض إنه مع زوال القصد ونية الرجوع أو التردد لا يصدق عليه أنه يتلبس بالسفر المقدر بالمقدار المذكور " أنتهت عبارته (قدس سره). وتقريبه إن قاطع المسافة متلبس في كل حين بذلك المقدار من السير لابسير ثمانية فراسخ إلا باعتبار قصده في كل حين لثمانية فراسخ فإذا لزم تلبسه في وجوب القصر من أول سفره إلى آخره لزم قصد الثمانية من أوله إلى آخره. ويندفع أولا: بإنه لا دلالة له على اعتبار أصل القصد فضلا عن استمراره، لان موضوع الحكم إذا كان سير ثمانية فراسخ فقط كانت الكمية المزبورة كما متصلا للمجموع، فليس له إلا تلبس واحد خارجا. ووجوب القصر على قاطع هذه المسافة في كل حين مراعى بحصول هذه الكمية خارجا من دون إعتبار قصد أصلا، ولزوم التلبس في كل حين أول الكلام حتى يستنتج منه لزوم القصد في كل حين. وثانيا: بعد فرض الفراغ عن أن السير المتكمم بالكمية المزبورة لا أثر له كما في طالب الغريم، وإن تلبسه بالسفر يدور مدار القصد، إلا أن المتيقن أن السير الخاص لابد أن يكون مقصودا من أول الامر، فالتلبس القصدي شرط في مبدئه لا في جميع أجزائه. ثانيهما: ما أفاده في موضع آخر وهو ما ذكره (عليه السلام) في ذيل رواية عمار: " لا يكون الرجل مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ " (1) والمعنى بقرينة السؤال حتى يسير مع القصد (2) ومن البين أن السؤال لم يكن إلا عن سير خمسة فراسخ بلا قصد الرجوع، وإلا لكانت الثمانية التلفيقية مقصودة والجواب لا يفيد أزيد من إعتبار قصد الثمانية من الاول في قبال عدمه من الاول كما في السؤال. فالجواب إذا حمل على أن السير لابد من أن يكون مقصودا بكمية خاصة لا يقتضي معية القصد للسير حتى يستفاد منه إستمرار القصد. واستدل غير واحد من الاصحاب بالتعليل الوارد في ذيل رواية إسحاق بن عمار


(1) الوسائل: ج 5، ص 504، الباب 4 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 3. (2) كتاب الصلاة للشيخ الانصاري: ص 392.

[ 52 ]

المروية في العلل والمحاسن وهو هكذا قال (عليه السلام): " أو تدري لم صار هكذا؟ قلت لا قال (عليه السلام): لان التقصير لا يكون إلا في بريدين، ولا يكون في أقل من ذلك، فلما كانوا ساروا بريدا وأرادوا أن ينصرفوا بريدا، كانوا قد ساروا سفر التقصير، وان كانوا قد ساروا أقل من ذلك لم يكن لهم إلا إتمام الصلاة " (1) الخبر. وهذا بمجرده لا يدل على اعتبار الاستمرار إذ كما أن القصد شرط كذلك سير أربعة فراسخ حتى يكون بالرجوع ثمانية. فمن الممكن أن يكون الفارق أن ما قطعه البالغ أربعة عن قصد إبتداء حيث كان يرجع أربعة فقد حصلت المسافة المعتبرة، وإلا فلا، كما هو ظاهر قوله (عليه السلام): " لان التقصير لا يكون إلا في بريدين " ومجرد ذكر الارادة في قوله (عليه السلام): " وأرادوا أن ينصرفوا " لا يدل على دخل الارادة المذكورة في وجوب القصر، فإنه من المتعارف في التعبير عن الافعال الاختيارية. نعم في فقرة أخرى بعد التعليل وهي " قلت: أليس قد بلغوا الخ " شهادة على إعتبار الاستمرار كما سيجئ إن شاء الله تعالى بيانه عن قريب. ومما ذكرنا يتبين الاشكال في التعليل الوارد في صحيحة أبي ولاد، هو: " لانك كنت مسافرا إلى ان تصير إلى منزلك " الخبر. أي برجوعك لا بقصد الرجوع، فما نسب إلى المحقق السبزواري (2) (قدس سره) في الذخيرة " من أن الحجة على إعتبار الاستمرار غير واضحة عندي ". وكذا ما نسب (3) إلى صاحب المدارك من أن الاصحاب لم يوردوا عليه دليلا، ليس منهما من باب الغفلة عن الخبرين أو عن دلالتهما وإن كان الحكم مشهورا بل أدعي عليه الاجماع.


(1) العلل: ج 2، ص 367، الباب 89، الحديث 1، المحاسن، ج 2، ص 312، الحديث 29. الوسائل ج 5، ص 510، الباب 3 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 11. (2) ذخيرة المعاد: ص 407. (3) الناسب هو صاحب الحدائق: بقوله في ج 11، ص 334: والعجب من جملة من الاصحاب ومنهم صاحب المدارك، حيث انهم ذكروا هذا الشرط ولم يوردوا عليه دليلا حتى قال الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد نقل ذلك عن الاصحاب. وحجتهم عندي غير واضحة.

[ 53 ]

الامر الثاني هل الاعتبار بالاستمرار على قصد المسافة الشخصية أو يعم النوعية؟ كالعدول من فرد إلى فرد، أو من نوع إلى نوع، ومجموع صوره أربعة: العدول من فرد من الامتدادي إلى فرد آخر منه، والعدول من فرد من التلفيقي إلى فرد آخر منه، والعدول من الامتدادي إلى التلفيقي، والعدول من التلفيقي إلى الامتدادي. وإطلاقات أدلة القصر في بريدين الظاهرة في خصوص الامتدادي تقتضي العدول من فرد منه إلى فرد آخر منه فقط. وإطلاقات أدلة التلفيق أيضا تقتضي العدول من فرد منه إلى فرد آخر منه فقط. ورواية إسحاق بن عمار (1) وصحيحة أبي ولاد (2) تقتضيان العدول من الامتدادي إلى التلفيقي فقط، فيبقى العدول من التلفيقي إلى الامتدادي بلا دليل. نعم في التعليل المسوغ للتلفيق دلالة عليه بقوله (عليه السلام): " وإنما فعل ذلك لانه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ " (3) فانه كما مرمن باب إدراج المورد تحت كبرى كلية، وهي إنه: كل من كان سفره ثمانية فراسخ بما هي ثمانية فراسخ يجب عليه القصر. فتعم جميع أنحاء العدول، وكذا التعليل المسوغ للعدول في رواية إسحاق بن عمار فان الظاهر منه إن العبرة في سفر التقصير بسير بريدين بما هو كذلك، فيعم جميع أنحاء العدول. ونسب إلى الروض " إختصاص إستمرار القصد بالمسافة الشخصية فلا يسوغ العدول من فرد إلى فرد، فضلا عن العدول من نوع إلى نوع " (4). وتقريبه: أنه إذا قصد فردا من المسافة فالجامع يكون مقصودا أيضا بالعرض، لوجود الكلي بوجود فرده، إلا أن الفرد واسطة في العروض، بل الجامع الماهوي، أي الواحد الجنسي، أو الواحد النوعي لا وجود له أصلا لا بالذات ولا بالعرض، بل


(1) الوسائل: ج 5، ص 510، الباب 3 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 11. (2) الوسائل: ج 5، ص 504، الباب 5 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1. (3) الوسائل: ج 5، ص 498، الباب 2 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 15. (4) روض الجنان: ص 385.

[ 54 ]

الموجود بالعرض حصة من الجامع موجودة بوجود فرده، ولذا قيل: إن إنسانية زيد مغايرة وجودا لانسانية عمرو. ومنه يتبين الخدشة في الاطلاقات المقيدة بالارادة الظاهرة في ما هو بالحمل الشايع إرادة، ولا تكون كذلك إلا إذا كانت موجودة بالذات وأما الموجود بالعرض فليس موجودا بالحقيقة بل بالعرض والعناية. ثم يستثنى مما ذكرنا ما إذا قصد الجامع إبتداء فانه موجود بالذات، كما إذا قصد قطع ثمانية فراسخ من دون تعيين بالفعل، وتعينه فيما بعد من باب تشخص ما قصده بالعناية. وينحصر حينئذ تعميم القصد إلى الموجود بالذات، والموجود بالعرض في الادلة المسوغة للعدول. والتعميم من حيث الحصة والجامع أيضا في ما ورد فيها من التعليل، فمن يناقش في تلك الادلة سندا أو دلالة، ويناقش في التعليل من أنه حكمة لا علة، فله الاقتصار على قصد المسافة الشخصية واستمراره، لكنك قد عرفت صحة الاستدلال بالتعليل. وعليه فليس معنى الاستمرار بقاء القصد الموجود فإنه فرع الوحدة، بل مجرد كون السير مقصودا ثانيا على حد كونه مقصودا اولا. الامر الثالث إذا تردد في الاثناء قبل بلوغ أربعة فراسخ، ثم عاد إلى الجزم على الذهاب قبل قطع المسافة في حال التردد، ففيه وجهان: والاوجه القصر، سواء كان ما بعد التردد بنفسه مسافة أم بضم ما قطعه قبل التردد وذلك لما سيجئ إن شاء الله تعالى من أن السفر العرفي لا يتعدد إلا بتخلل القاطع، وهو أحد الامور الآتية: من المرور إلى الوطن، أو الاقامة، أو التردد ثلاثين على المعروف، نظرا إلى أن الحضور في الوطن وما نزل منزلته ضد السفر وهو البروز إلى خارج الوطن المستلزم للبعد عن الوطن والتغرب والغيبوبة عنه. فما لم يحصل ما هو ضد السفر فهو على وحدته. غاية الامر أن الشارع اعتبر في مقام إيجاب القصر على المسافر عرفا أمورا: ككون المسافة ثمانية فراسخ، وقصدها من أول الامر، واستمراره. فمتى

[ 55 ]

تحققت هذه الشرائط حدث وجوب القصر وبقي على حاله، ومتى لم تتحقق فان لم يتحقق ما هو شرط حدوثه كقصد الثمانية لم يحدث الوجوب، وإن لم يبق بحصول العزم على الرجوع، أو التردد في ذهابه وإيابه إرتفع وجوب القصر، فيجب الاتمام حال العزم على الرجوع، وحال التردد مع انحفاظ وحدة السفر كما مر، وإذا عاد العزم على الذهاب تحقق شرط بقاء الحكم بالقصر لما مر سابقا من أن استمرار القصد المشروط به بقاء الحكم بالقصر ليس استمرارا حقيقيا، بل المقصود أن يكون قاصدا لما قصده أولا، وإلا فليس القصد في كل زمان شرطا لبقاء الحكم في زمان آخر حتى يكون وجوب القصر فيما بعد التردد فاقدا لشرطه، بل وجوب القصر في كل زمان مشروط بقصد الثمانية المقصودة أولا في ذلك الزمان لا قبله ولا بعده. والمفروض أنه بعد زوال التردد قاصد لقطع تلك الثمانية كما فيما لم يحصل له التردد وما ذكرنا ليس من باب شرطية قصد الثمانية في حال السير وعدم شرطيته في جميع أكوان المسافر، بل نقول لسانه شرط في جميع أكوان المسافر، إلا أنه شرط لبقاء الحكم في ذلك الزمان، ولذا يجب القصر على المسافر في حال سكونه إذا كان قاصدا لقطع ثمانية فراسخ، دون من لم يكن قاصدا بل مترددا، وشرطية العزم في الكون السابق للقصر في اللاحق لا دليل عليه أصلا. وعليه فلا مانع من ضم ما بعد التردد إلى ما قبله. وتوهم: أن وجوب الاتمام على المتردد إذا كان باقيا على سفره كان تخصيصا لدليل القصر على المسافر، وباصالة عدم التخصيص يستكشف عدم كونه مسافرا. مدفوع: أولا: بان كونه مسافرا عرفا مما لا شك فيه، وعدم كونه واجدا لشرط القصر أيضا لا شك فيه، ولا عموم ولا إطلاق بعد التقييد بالشرائط المعتبرة في وجوب القصر على المسافر عرفا بحيث يشمل حال التردد، حتى يكون إيجاب الاتمام على المتردد تخصيصا في دليل وجوب القصر. وثانيا: قد حقق في محله بأن أصالة عدم التخصيص لا يشخص إن زيدا الذي نهي عن إكرامه هو زيد الجاهل دون زيد العالم، فراجع باب العام والخاص من الاصول.

[ 56 ]

ومما ذكرنا تبين ان إطلاق قوله (عليه السلام): " فإذا مضوا قصروا (1) " في رواية منتظر الرفقة موافق للقاعدة فلا مانع من الاخذ به. كما أنه اتضح حال فرض آخر من فروض المسألة، وهو ما إذا قطع مقدارا من المسافة مترددا فإن ضم ما بعد زوال التردد إلى ما قبله إذا كان المجموع مسافة باسقاط ما تخلل بينهما لا مانع منه. نعم ضم ما في حال التردد غير صحيح إلا إذا كان يسيرا بحيث يعد عرفا أن قطع ثمانية فراسخ عن قصدها. الامر الرابع هل يجزي ما صلاه قصرا قبل التردد، وقبل بلوغ اربعة فراسخ أم يجب تداركها؟. المشهور هو الاول، ومرجع الامر إلى أن بقاء القصد إلى بلوغ أربعة فراسخ، أو نفس بلوغ أربعة فراسخ شرط متأخر لوجوب القصر من أول الامر أم لا. وما يمكن الاستناد إليه لما هو المشهور من الاجزاء أمران: أحدهما ما في ذيل رواية منتظر الرفقة بعد حكمه (عليه السلام) بالاتمام حال التردد قبل بلوغ أربعة فراسخ وهو هكذا: " قلت: أليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم الذي خرجوا منه؟ قال (عليه السلام): بلى إنما قصروا في ذلك الموضع لانهم لم يشكوا في مسيرهم وإن السير سيجد (2) بهم فلما جاءت العلة في مقامهم دون البريد صاروا هكذا ". (3) وتقريبه: ان السائل فهم التنافي بين وجوب الاتمام حال التردد ووجوب القصر واقعا قبله، لاشتراك الصورتين في كون السير أقل من بريد، وأفاد وجوب القصر ببيان ملزومه وهو البلوغ إلى حد الترخص، فقوله: " أليس قد بلغوا.. الخ " مقتضاه أليس بلغوا الموضع الذي يجوز فيه القصر مع أنه أقل من بريد، فكيف يجب


(1) الوسائل: ج 5، ص 501، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10 مع اختلاف يسير. (2) والجد بالسير: الاسراع فيه والاهتمام بشأنه، يقال جد يسيره إذا اجتهد فيه. مجمع البحرين. (3) الوسائل: ج 5، ص 501، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.

[ 57 ]

عليه الاتمام في مثله عند التردد؟ فأجاب " بقوله (عليه السلام): بلى " تقرير ما فهمه من لازم بلوغ حد الترخص وهو جواز القصر، إلا أنه بين الفارق بوجدان شرط القصر في ما قبل التردد، وهو العزم على المسير وعدم التردد في مسيره ثمانية فراسخ، بخلاف صورة التردد الذي هو ضد العزم، فما هو شرط بقاء القصر مفقود. وأما حمل السؤال على منافاة وجوب الاتمام لفعل القصر من المسافرين، وحمل الجواب على أنهم معذرون لا عتقادهم الامر به ولا أمر واقعا بملاحظة قوله (عليه السلام): " إنما قصروا الخ " - ففي غاية البعد، فإنه بلوغ حد الترخص الذي اقتصر عليه السائل ملزوم لجواز القصر لا لفعل القصر، وأي إرتباط لفعل المسافر بحكم الامام (عليه السلام) حتى يتوهم التنافي بينهما، بخلاف جواز القصر ووجوب الاتمام. وما معنى قوله (عليه السلام): بلى الصريح في تقرير لازم بلوغهم لحد الترخص، لا أنه نعم قصروا خارجا، أي مناسبة لكون المعتقد للامر ولا أمر معذورا بالامام (عليه السلام) المعد لتبليغ الاحكام. وبالجملة فهذه الفقرة سؤالا وجوابا ظاهرة فيما ذكرنا، وهي موافقة لقاعدة الاصل في شرطية شئ لشئ، من كونه شرطا مقارنا لا شرطا متأخرا. ولابد للقائل بعدم وجوب القصر واقعا على من يحصل منه التردد فيما بعد وهو في أقل من بريد من الالتزام بالشرط المتأخر الذي هو معركة للآراء إما بجعل العزم في الآن اللاحق شرطا لوجوب القصر في السابق، وإما بجعل بلوغ أربعة فراسخ خارجا شرطا لوجوبه من أول الامر. وأما ما عن الشيخ الاعظم (قدس سره) في كتاب الصلاة بقوله: " لان المتبادر من الادلة المفيدة لاناطة الحكم بهذا الموضوع الواقعي إناطة الحكم بتحقق الموضوع في إعتقاد المكلف المسبب عن عزمه " (1). إنتهى كلامه (قدس سره). فغرضه (قدس سره)، ان الشرط حيث إنه قصد الثمانية لا نفس الثمانية فوجودها في أفق القصد والوجدان لازم لا وجودها خارجا، لا أن العلم جزء الموضوع


(1) ص 415 بتغيير يسير وهو: بدل (لان)، (إلا أن).

[ 58 ]

ليقال ما الفرق بين هذا الموضوع وسائر الموضوعات؟ حيث إن ظاهرها إنها بما هي موضوعات لا بما هي معلومات. ثانيهما: صحيحة زرارة " قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده فدخل عليه الوقت وقد خرج من القرية على فرسخين فصلوا، وانصرف بعضهم في حاجة فلم يقض له الخروج، ما يصنع بالصلاة التي كان صلاها ركعتين؟ قال (عليه السلام): تمت صلاته ولا يعيد " (1) وتقريبها: أن المسؤول عن حاله غير من انصرف في حاجة، وإلا لم يقل: " وانصرف بعضهم " وقوله: " فلم يقض له الخروج " اي لم يقدر له. وفي الحدائق (2) فلم يطق الخروج بيان الحال الرجل المسؤول عن حكم صلاته لا أنه تفريع على قوله إنصرف بعضهم في حاجة فإنه لا مجال للتفريع بعد صراحة الانصراف في رجوعه فتكون الصحيحة نظير رواية منتظر الرفقة (3)، فإنه حيث إن بعضهم إنصرف إلى بلده، صار إنصرافه موجبا لتوقف رفقائه، ولم يتمكنوا من الخروج إلى سفرهم الذي قصدوه فحكم (عليه السلام) على الرجل الذي توقف عن عزمه بصحة صلاته التي صلاها قبل هذه الحالة. وربما يجعل هذه الفقرة متمما لقوله: " إنصرف بعضهم " وإن السؤال عن حال صلاة الرجل من حيث احتمال كون صلاته بجماعة مع الامام بفرض كونه المنصرف، أو بفرض كونه واسطة في الاتصال بالامام الغير المنصرف، وصحة صلاته جماعة مع من كانت صلاته فاسدة واقعا، أجنبية عما نحن فيه، إلا أنه هذا الاحتمال في غاية البعد. فالصحيحة كما فهمه كل من تعرض له من الاصحاب وهم أرباب الافهام المستقيمة والاذواق السليمة من أدلة الباب، والله أعلم بالصواب. وأما مستند القول بفساد الصلاة واقعا ووجوب تداركها فروايتان: إحداهما: رواية المروزي وهي هكذا " التقصير في الصلاة بريدان أو بريد


(1) الوسائل: ج 5، ص 541، الباب 23 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1. (2) لم نعثر عليه في الحدائق. (3) الوسائل: ج 5، ص 501، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.

[ 59 ]

ذاهبا وبريد جائيا، والبريد ستة أميال، وهو فرسخان، فالتقصير في أربعة فراسخ، فإذا خرج الرجل من منزله يريد إثنى عشر ميلا وذلك أربعة فراسخ ثم بلغ فرسخين وبنيته الرجوع، أو فرسخين آخرين قصر، وإن رجع عما نوى عند بلوغ فرسخين وأراد المقام فعليه التمام، وإن كان قصر ثم رجع عن نيته أعاد الصلاة " (1). وموضع الاستدلال هي الفقرة الاخيرة. لكن لا يخفى عليك أن الفراسخ والاميال المذكورة فيها هي الخراسانية، وهي ضعف الفرسخ والميل الشرعيتين، فالرجوع عن النية مفروض بعد بلوغ أربعة فراسخ شرعية، فلابد من حمل الرجوع عن النية على نية الاقامة دون التردد في الرجوع والذهاب، فإن قصد الثمانية محفوظ فيه وحكمه القصر كما صرح به قبلا في هذه الرواية. وعليه فإن كان التقصير بعد بلوغ الاربعة وقبل نية الاقامة خرج مورد الرواية عن مسألتنا هذه المبنية على شرطية إستمرار القصد إلى آخر المسافة لما سيأتي إن شاء الله تعالى ان الاقامة قاطعة للسفر، والاستمرار يلاحظ في السفر الواحد لا الاثنين فعدم استمرار القصد هنا سالبة بانتفاء الموضوع، فمورد الرواية مناسب للشرط الآتي وهو عدم قطع السفر بنية الاقامة، أو المرور إلى الوطن. نعم يشتركان في أمر آخر وهو عدم قطع المسافة المعتبرة واقعا هنا وهناك والمعروف في ألسنة الاصحاب ان قصد الثمانية شرط لاقطعها. فعدم صحة الصلاة هناك وهنا مبني على إشتراط قطع الثمانية خارجا بنحو الشرط المتأخر، ولا أظن أن يلتزم به القائل ببطلان القصر في الموردين. ثانيهما صحيحة أبي ولاد وموضع الاستشهاد هكذا: " وإن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريدا فإن عليك أن تقضي كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل أن تريم أي تبرح من مكانك ذلك لانك لم تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير حتى رجعت فوجب عليك قضاء ما قصرت " (2)


(1) الوسائل: ج 5، ص 465، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4. (2) الوسائل: ج 5، ص 504، الباب 5 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

[ 60 ]

الخبر. والرواية ظاهرة الدلالة في وجوب القضاء بل في فوريته وقوله (عليه السلام) " عليك " وقوله (عليه السلام) " وجب " وإن كانا ظاهرين في الوجوب، وقوله (عليه السلام) " تمت صلاته ولا يعيد " (1) في صحيحة زرارة نصا في عدمه، واللازم حمل الظاهر في الوجوب على الاستحباب، إلا أنه فرق بين مثل هذه ورواية المروزي (2)، فان قوله في الثانية " أعاد الصلاة " لا مانع من حمله على الاستحباب، بخلاف هذه الصحيحة فإنها معللة بعدم بلوغه الموضع الذي يجوز فيه القصر، أي عدم قطع البريد الذهابي، لا عدم بلوغ حد الترخص، فانه من البعيد عادة أن يسير يوما في الماء (3) ولا يجوز حد الترخص، فتكون الصحيحة بملاحظة تعليلها معارضا صريحا لصحيحة زرارة، بل للتعليل الوارد في رواية منتظر الرفقة (4)، بل لاطلاق أدلة اعتبار حد الترخص كقولهم (عليهم السلام) " إذا خفي الاذان فقصر " (5) من دون تقيد بقطع المسافة تماما أو استمرار القصد إلى إنتهاء المسافة نعم يمكن الجمع بين هذه الصحيحة المعللة وروايات إعتبار حد الترخص بجعله مبدءا لوجوب القصر إذا كان واقعا يقطع المسافة تماما أو ينتهي قصدها إليها، في قبال وجوب القصر من أول الامر مراعى بأحد الامرين فلا يلغوا الاشتراط بالتجاوز عن حد الترخص مع إعتبار قطع المسافة تماما وإنما ينافيه إذا كان قطع المسافة تماما مثلا - شرطا مقارنا، لا شرطا متأخرا. وأما التعليل الوارد في الصحيحة وتعليل رواية منتظر الرفقة فهما متنافيان لان مقتضى الاول عدم مشروعية القصر مع عدم قطع المسافة المعتبرة تماما واقعا ومقتضى الثاني مشروعيته مع عدم بلوغ المسافة بتمامها، ومع تعارض الصحيحتين


(1) الوسائل: ج 5، ص 541، الباب 23 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1. (2) الوسائل: ج 5، ص 495، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4. (3) ليس في خ ل. (4) الوسائل: ج 5، ص 501، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10. (5) الوسائل: ج 5، ص 506، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3 شرطية مفهومها ما ذكره في المتن.

[ 61 ]

تبقى إطلاقات أدلة اعتبار حد الترخص وجواز القصر على حالها من حيث إطلاقها سليمة. فان ما يمكن أن يكون مقيدا لها مبتلى بمعارض صريح، وطريق الاحتياط واضح. المسألة الثالثة [ في اعتبار عدم المرور بالوطن وما نزل منزلته ] في الشرط الثالث وهو أن لا يقصد المرور بالوطن أو الاقامة قبل بلوغ الثمانية. وهذا أمر آخر غير اعتبار استمرار قصد الثمانية إلى آخر المسافة وذلك لان مبنى هذا الشرط على أن المرور بالوطن قاطع للسفر وموجب لكون ما بعده سفرا آخر، واستمرار قصد الثمانية شرط في كل سفر، فمرجع هذه الشرط إلى اعتبار وحدة السفر وإن قصد الثمانية في السفر الواحد شرط، فلا يجدي قصد الثمانية في سفرين بحلول القاطع الموجب للاثنينية، فعدم استمرار القصد في السفرين من باب السالبة بانتفاء الموضوع. توضيحه: ان السفر كما أشرنا إليه سابقا هو عرفا البروز عن المنزل إلى المقصد ولازمه البعد عن المنزل والتغرب عنه فالمرور إليه والحضور فيه ضد السفر عرفا ولا محالة يكون قطع المسافة بعده سفرا آخر وقصد الثمانية يعتبر في كل سفر كسائر شرائط وجوب القصر و بهذه الملاحظة يكون المرور إلى الوطن قاطعا وبملاحظة شرطية وحدة السفر يكون عدمه شرطا لوجوب القصر فالقاصد للمرور إلى الوطن غير قاصد للمسافة المعتبرة في سفره وهذا المعنى في المرور إلى الوطن حقيقي وفي المرور إلى محل الاقامة تنزيلي. بيانه: أن جميع الاخبار الواردة في باب إقامة العشرة ووجوب الاتمام في تلك المدة غير مجدية لا عتبار قاطعية الاقامة بل حالها حال العزم على الرجوع أو التردد في الاثناء من حيث فقدان شرط بقاء القصد فيكون المرور إلى محل الاقامة من جزئيات عدم استمرار القصد في قطع تمام الثمانية فلابد من دليل يدل على اعتبار قاطعيتها وكون السفر سفرين.

[ 62 ]

والذي يمكن الاستدلال به على أنها قاطعة موضوعا إعتبارا وتنزيلا صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال (عليه السلام): " من قدم مكة قبل التروية بعشرة أيام وجب عليه إتمام الصلاة وهو بمنزلة أهل مكة، وفإذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير، فإذا زار البيت أتم الصلاة وعليه إتمام الصلاة، إذا رجع إلى منى حتى ينفر " (1). فإن مقتضى تفريع التقصير على الخروج من مكة كونه سفرا جديدا لا متمم السفر الاول الممتد من منزله إلى مكة ومن مكة إلى عرفات وإلا لم يكن معنى التنزيل المقيم منزلة أهل مكة لعدم دخل للاقامة في وجوب التقصير عند خروج المقيم إلى عرفات ولم يكن تعريضا بمن لا يرى الخروج من مكة بنفسه سفرا موجبا للقصر مع كونه بريدين ذهابا وإيابا. ومما ذكرنا يتضح فساد ما حكي عن الفاضل النراقي (2) (قدس سره) حيث أشكل على المرور بالوطن بان العرف لا يفرق بين المرور بالوطن وعدمه سيما إذا كان مارا من حواليه، وأشكل على المرور بحمل الاقامه بأن العرف لا يفرق بين الاقامة عشرة أيام والاقامة تسعة أيام ونصف في كون السفر واحدا غير متعدد في الاولى كالثانية. وجه وضوح الفساد أما في الأول: فهو أن السفر عن الوطن إذا كان ضد الحضور فيه فلا يعقل أن يكون مسافرا عرفا وبعيدا عن وطنه ومع ذلك يكون حاضرا فيه غير غائب ولا بعيد عنه. وأما في الثاني: فإنه لولا التنزيل لم يكن بينهما فرق في وحدة السفر عرفا وإن افترقا في الاتمام تارة وعدمه أخرى، إلا أن الفارق بينهما تنزيل المقيم منزلة المتوطن في كون سيره من محل إقامته سفرا جديدا كما عرفت إستفادته من الصحيحة. ثم إنه حيث إن المقام مقام بيان الشرائط الموجبة للقصر فالمراد أن يكون المكلف قاصدا لثمانية فراسخ في سفر واحد لا في سفرين فقاصد المرور إلى الوطن


(1) الوسائل: ج 5، ص 499، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3. (2) في المستند ج 7 صفحة 564.

[ 63 ]

وقاصد الاقامة غير قاصد لثمانية فراسخ في سفر واحد. ومنه تبين أن وجه الاقتصار على خصوص المرور إلى الوطن والاقامة في الاثناء مع أن التردد ثلاثين يوما عندهم من القواطع. حيث إنه لا يعقل قصد البقاء مترددا ثلاثين يوما فلا مجال لاستكشاف عدم قاطعيته بعدم ذكره هنا. نعم في إقامة الدليل على تنزيل المتردد منزلة المتوطن إشكال، لما عرفت في نظيره من أن أدلة وجوب الاتمام على المتردد كوجوبه على المقيم لا دلالة لها على قاطعية التردد للسفر موضوعا وإنما غايتها إرتفاع حكم القصر عنه وهو لازم أعم فلابد من دليل يدل على التنزيل كما ورد في باب الاقامة وإن المقيم بمنزلة أهل مكة وربما يستدل لهذا الامر برواية إسحاق بن عمار (1) " قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن أهل مكة إذا زاروا عليهم إتمام الصلاة؟ قال (عليه السلام): نعم والمقيم إلى شهر بمنزلتهم ". نظرا إلى أن أهل مكة حيث سافروا سفر التقصير فلذا سأل الراوي أنه عند زيارتهم للبيت هل ينقطع سفر هم فيجب عليهم الاتمام أم هم على سفر هم. والمقيم المتردد إلى شهر إذا كان بمنزلتهم كان ينقطع سفره باقامة شهر مترددا. والجواب ان فرض التردد إلى شهر في المقيم بمكة إما أن يكون قبل الخروج إلى منى وعرفات، أو بعد الخروج. لا مجال لفرضه قبل الخروج إذلا تردد لمن ورد مكة لاعمال الحج سواء اكان بشهر أو أقل. ففرض نية الخروج عن مكة قبل انقضاء الحج بعيد في الغاية. وفرض تردده بعد الخروج إلى عرفات شهرا لا يلائم فرض زيارة البيت بعد شهر إذ العادة على الزيارة في ايام العيد والتشريق أو بعد النفر من منى، بل لا يجوز تأخيرها عن آخر ذي الحجة لجميع أصناف الحاج. وأما فرض إقامته جزما قبل الخروج في التروية ليوافق ما ورد في باب المقيم عشرا من أنه إذا زار البيت أتم الصلاة فهو مع أن تحديده إلى شهر بلا موجب، يخرج عن مورد البحث وهي: " الاقامة مترددا ثلاثين يوما ".


(1) الوسائل: ج 5، ص 506، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6 مع اختلاف يسير.

[ 64 ]

فالانصاف إنه لادليل يعتمد عليه في قاطعية التردد. نعم المشهور على ذلك بل قيل لا خلاف معتد به في المسألة. ثم إن ما يتعلق بالوطن من الاقسام والاحكام وما يتعلق بالاقامة والتردد ثلاثين يوما من الشرائط والاحكام سيجئ إن شاء الله تعالى في البحث عن قواطع السفر تبعا لغير واحد من الاعلام. نعم ينبغي التعرض في المقام لامرين: أحدهما: أنه لو تردد في أول سفره بين قطع المسافة مستقيما أو مارا إلى وطنه أو مقيما في الاثناء. والمراد بالتردد أحد أمرين: الاول: تردده في الامرين من حيث وجود المقتضي لاحدهما المساوي للمقتضي في الآخر، ومن الواضح إن ذلك يوجب عدم انقداح العزم إلى أحد الامرين فلا عزم له على قطع المسافة مستقيما كما لا عزم له على المرور إلى الوطن أو الاقامة في الاثناء فلا ينبغي الاشكال في عدم وجوب القصر لعدم شرطه. الثاني: أن يكون عازما بحسب غرضه الباعث له على السفر إلى مقصده لكنه يحتمل المرور إلى وطنه ويحتمل عدمه لا حتمال وجود مقتض فيما بعد للمرور وعدمه وهنا كما يمكن احتمال المرور إلى الوطن أو احتمال الاقامة كذلك إحتمال بقائه قهرا مترددا بخلاف التردد بالمعنى الاول فانه يستحيل وجود مقتض فعلا لبقائه مترددا كما يستحيل عزمه على بقائه مترددا، وقد تقدم في مسألة مفارقة التابع عن متبوعه الفرق بين المفارقة الاختارية والقهرية وهنا كذلك لان الغرض الباعث على قطع ثمانية فراسخ وإن كان محفوظا سواء مر إلى وطنه أو أقام في الاثناء إلا أن باعثية على العزم على قطع ثمانية متصلة أي الثمانية في سفر واحد أضعف من باعثية الغرض المرتب على المرور بوطنه أو على الاقامة في الاثناء ولا يعقل تأثير الاضعف دون الاقوى فلا يعقل انقداح العزم المنجز على السير الخاص أي ثمانية فراسخ في سفر واحد بخلاف الاقامة القهرية أو المرور إلى الوطن قهرا فإن مقتضى العزم غير مزاحم بمقتضى المرور والاقامة من تلقاء شخص المسافر، بل مانع عن

[ 65 ]

ترتب المعزوم عليه على العزم وبقية الكلام في المسألة السابقة فراجع. ثانيهما: إذا قصد المرور بالوطن أو الاقامة في الاثناء ثم عدل عنهما وقصد المسافة مستقيما وكان مقدار المسافة المعتبرة ولو تلفيقا، قصر على المباني المتقدمة. وإذا قصد المسافة مستقيما ثم عدل وعزم على المرور أو الاقامة ثم عدل إلى قصد المسافة مستقيما، فينضم ما بعد قصد المسافة مستقيما إلى ما قبله سواءا كان العدول بعد قطع شئ من المسافة أولا، غاية الامر باسقاط ما تخلل من قطع المسافة بعزم المرور أو الاقامة كما تقدم الوجه فيهما في مسألة التردد أو العزم على الرجوع قبل أربعة فراسخ لان العزم على القاطع غير قاطع بل مانع عن ترتب حكم القصر لعدم استمرار قصد ثمانية فراسخ مسقيما فتدبر. المسألة الرابعة [ في كون السفر سائغا ] في الشرط الرابع لوجوب القصر وهو كون السفر سائغا مباحا فلو كان حراما أتم. وتنقيح المقام ببسط الكلام في أمور: الامر الاول إن ظاهر العنوان كما في الشرايع (1) وغيره يوهم دوران الامر قصرا وإتماما مدار إباحة السفر وحرمته مع أن السفر لغاية محرمة غير محرم، لما تقرر في محله من الفرق بين مقدمات الواجب ومقدمات الحرام، فان المطلوب في الواجب وهو لا يوجد إلا بوجود مقدماته جميعا والمطلوب في الحرام تركه وهو حاصل بترك مقدمته الاخيرة ولو مع إتيان جميع مقدمات وجوده إلا المقدمة الاخيرة فلا تحرم إلا المقدمة الاخيرة إلا أن يراد من العنوان أعم مما يكون حراما بنفسه أو حراما بغايته، فيكون


(1) الشرايع: ص 39.

[ 66 ]

الوصف (1) في الثاني بلحاظ متعلقه لا بلحاظ نفسه. ولابد من ذلك لان السفر لغاية محرمة منصوص سواءا كان السفر من قبل غايته حراما أم لا، بل ربما لا يكون غايته أيضا حراما كما في الصيد لهوا لا للقوت فإنه كما سيأتي إن شاء الله تعالى لا دليل على حرمة مطلق اللهو. نعم " المؤمن في شغل عن ذلك " (2)، كما في الخبر، بل سيجئ إن شاء الله تعالى أن مطلق مقدمية السفر للحرام لا يوجب القصر، بل فيما إذا كان غاية لسفره كما هو ظاهر النصوص. فلو سافر للزيارة مثلا مع القطع بانه ينال مالا حراما من ظالم بحيث لو لم يذهب لا يناله لكنه سافر للزيارة لا لهذه الغاية كان سفره موجبا للقصر وإن كان واقعا مقدمة للحرام. الامر الثاني إن السفر المبحوث عنه على أقسام، منها: ان يكون معنونا بعنوان محرم، وهو المراد من كونه محرما بنفسه، وإلا فالسفر بذاته وبطبعه لا حرمة له. ومنها: أن يكون مقدمة لغاية محرمة. ومنها: أن يكون ملازما للحرام. ومنها: أن يقع فيه الحرام إتفاقا ومن باب المقارنة. لا شبهة في سببية الاولين للتقصير، كما لاشبهة في عدم سببية الاخير. وإنما الكلام في موردين: أحدهما: في إقامة الدليل على سببية السفر المحرم بنفسه للقصر بتوهم أن النصوص المستفيضة في المقام موردها السفر لغاية محرمة وإنه لا دليل على سببية غيره كما نسب إلى بعض الاجلة (قدس سرهما). ثانيهما: في سببية السفر المستلزم للحرام وعدمها فيقصر. أما الاول: فربما يستدل له بالفحوى وهو إنما يصح إذا كان السفر لغاية محرمه، محرما بالتبع حتى يتوهم أنه إذا كان المحرم بالتبع موجبا للقصر فالمحرم بالاصالة أولى بذلك، وأما إذا لم يكن كذلك كما مر الوجه فيه فلا فحوى فإنه ليس ملاك سببية


(1) " الموضوع خ ل ". (2) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 502، الباب 7 ان من خرج إلى الصيد.. الحديث 1.

[ 67 ]

السفر لغاية محرمة حرمته حتى يكون المحرم بنفسه أولى، بل الملاك كونه ذاغاية محرمة. وما نحن فيه لا يساويه فضلا عن كونه أقوى ليكون أولى. نعم يمكن الاستدلال له برواية عمار بن مروان " قال: سمعته (عليه السلام) يقول: من سافر قصر وأفطر إلا أن يكون رجلا سفره إلى صيد أو في معصية الله، أو رسولا لمن يعصي الله أو في طلب عدو أو بشحناء أو سعاية أو ضرر على قوم من المسلمين " (1). بتقريب أنه ربما يقال المعصية في السفر وربما يقال السفر في المعصية. فالسفر على الاول مشتمل على المعصية وعلى الثاني المعصية مشتملة على السفر، ولا يكون إلا بانطباق عنوان محرم على السفر، فكأن السفر منطو في المعصية كما هو مقتضى ظرفية المعصية. وأما السفر لغاية محرمة فهو سفر للمعصية أو إلى معصية، وعلى فرض التوسع في الظرفية فالسفر المحرم أظهر أفراده. وأما عطف قوله (عليه السلام) " أو رسولا الخ "، فالعطف بما هو غير مناف لارادة السفر إلى المعصية من قوله (عليه السلام " أو في معصية الله " فإن عطف الخاص على العام أمر متعارف والعطف بأو الظاهر في المقابلة وإن كان مقتضيا لذلك، إذ لا تقابل بين الجامع وأفراده، إلا أنه يمكن أن تكون المقابلة باعتبار السفر إلى معصية الله بما هو حق لله تعالى، والسفر لما له مساس بحقوق المؤمنين والمسلمين واستدل له أيضا بقوله (عليه السلام) في موثقة سماعة " إلا أن يكون مشيعا لسلطان جائر " (2) حيث إن التشييع عنوان للسير عقيب المسافر لا غاية مترتبة عليه، وليس التشييع فعلا توليديا من السير ليكون للسير نحو من المقدمية، فإن كون شئ عقيب شئ وهو ملاك المشايعة والتشييع وإن كان لا يوصف به الافعال فإن الافعال بما هي حركات متقدرة بالزمان وإن كانت قابلة للسبق واللحوق الزمانيين لكنها غير قابلة للسبق واللحوق المكانيين فانهما من خواص الاجسام فانها التي يعرضها مقولة الكون الايني فيوصف


(1) الوسائل: ج 5، ص 509، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3. (2) الوسائل: ج 5، ص 510، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

[ 68 ]

بالسبق الرتبي الوضعي، إلا أن الافعال القائمة بالكائن في المكان توصف بكونها فيه بالعرض، فيوصف بالسبق الرتبي الوضعي بالعرض، فيوصف الفعل وهو السير ممن هو عقيب شخص آخر بكونه عقيب سيره وهو التشييع، وإلا فالسير ليس شرطا لوقوع شخص عقيب شخص، بل الامر بالعكس لا نتهاء كل ما بالعرض إلى ما بالذات. وأما الاستدلال بما ورد من التعليل لوجوب الاتمام في صيد اللهو بأن ذلك " سير باطل "، أو " مسير باطل " (1)، نظرا إلى أن السفر المحرم بذاته مسير باطل كالسفر لغاية محرمة، فيمكن منعه بانه ليس كل فعل محرم يوصف بأنه باطل، بل الفعل لغاية غير مرضية هو الموصوف بأنه باطل كالسفر لغاية التنزه بالتصيد. فالفعل الباطل مالا يترتب عليه الاثر المرغوب منه. وأما الثاني: وهو السفر المستلزم للحرام كالسفر المستلزم لترك أداء الدين الواجب، وسببية مثله للاتمام مبني على أحد أمرين: إما مقدمية فعل الضد لترك الضد. وإما شمول بعض العناوين للاعم مما كان بذاته حراما أو بغايته، أو مستلزما للحرام. أما مسألة المقدمية فيورد عليها: أولا: بمنع المقدمية خصوصا مقدمية فعل الضد لترك الضد فإن كون ترك شئ مقدمة شرطية لفعل شئ، وإن كان معقولا، إلا أن مقدمية فعل شئ ترك ضده فهي غير معقولة، لان الترك لا ينبعث عن الفعل ليكون الفعل مقدمة سببية، والترك لا يحتاج إلى فاعل وقابل ليعقل له مصحح فاعلية الفاعل ومتمم قابلية القابل وهو معنى الشرطية. وثانيا: بمنع الحرمة لما مرمن أن مقدمات الحرام ليست بمحرمة بل المقدمة الاخيرة منها. وثالثا: بمنع تأثير الحرمة التبعية، إذ لا عصيان في المقدمة، فلا يندرج تحت عنوان (1) الوسائل: ج 5، ص 512، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7.

[ 69 ]

السفر في معصية الله، ولكن العمدة نفي المقدمية رأسا. وإلا فقد عرفت أن صيرورة المقدمة محرمة غير لازمة لان موضوع الاتمام هو السفر لغاية محرمة، سواء اتصف السفر باصل الحرمة أم لا. لا يقال: منع مقدمية خصوص الفعل لترك الضد غير مجد هنا، إذ لنا أن نقول ان نفس السفر ضد للحضور الذي هو شرط أداء الدين على الفرض، فاداء الدين واجب، وترك السفر الذي هو ضد له بالعرض مقدمة له فهو واجب، وبابه حينئذ باب مقدمية ترك الضد لفعل ضده، لا مقدمية فعل الضد لترك ضده. لانا نقول: لا يوجب ذلك كون السفر لغاية محرمة إلا باعتبار أن فعل السفر مقدمة لترك أداء الدين المحرم حتى يندرج تحت عنوان السفر لغاية محرمة، وإلا فمجرد حرمة السفر عرضا لوجوب ترك لا ينتج كون السفر لغاية محرمة. نعم هذا التقريب يجدي في دفع الايراد الثاني فتدبر. مع انك قد عرفت سابقا إن مجرد المقدمية للحرام لا يوجب الاتمام، بل كما هو ظاهر النصوص إذا كان السفر لغاية محرمة فمجرد كون السفر مستلزما لترك الواجب لا بقصد ترك الواجب، بل بقصد الزيادة لا يوجب الاتمام. نعم ربما يستثنى من موارد الاستلزام مع عدم البناء على مقدمية الضد ما إذا كان السفر فرارا من أداء الدين فانه حينئذ يكون السفر مقدمة لترك الواجب، حيث لا يتمكن من ترك الواجب إلا بسفره. ويندفع بأن ذلك لا يوجب انقلاب ما ليس بمقدمة مقدمة، غاية الامر انه لا يمكن من ترك أداء الدين في الحضر حيث يجبر عليه ويستوفي منه الدين بخلاف ما إذا سافر فانه لا يمكن إجباره على الواجب الذي يكون تركه ملازما لسفره. وأما مجرد الفرار عن التكليف فالحكم بقبحه بلا وجه، إذ ليس الفرار عن الامتثال إلا ترك الواجب، كما أن عنوان التوصل بشئ إلى الحرام مع عدم المقدمية ليس من العناوين المحرمة نفسا حتى يوجب الاتمام من حيث حرمة نفس السفر. هذا كله في نفي المقدمية. وأما مسألة شمول بعض عناوين الادلة لمورد الاستلزام كعنوان " السفر

[ 70 ]

الباطل " و " المسير الباطل ". فمدفوعة بان قيام الباطل بشئ حلولا أو صدورا يوجب اتصاف ذلك الشئ بالباطل. وأما مع عدم القيام بنحو فالسفر ملازم للباطل لا أنه باطل. وأوضح منه عدم صدق السفر في المعصية فان ملازمة السفر للمعصية كمقارنته للمعصية فالمعصية في أثناء السفر لاأن السفر منطو في المعصية، ولذا لا أظن أن يقول أحد بكون السفر المقارن لمعصية في أثنائه موجبا للاتمام. الامر الثالث فيما وقع فيه النزاع في كونه حراما بنفسه أو بغايته أو لا؟. منها: الركوب على الدابة المغصوبة حتى قال في الجواهر (1): " بحرمة السفر ولو كان نعل الدابة مغصوبا " نظرا إلى أن هذا السير الشخصي حرام. والتحقيق ان هنا أمورا ثلاثة: أحدها: الاكوان النسبية القائمة بالمسافر وتلك الاكوان المتعاقبة هي المقومة للسفر وقطع المسافة. ثانيها: الاكوان النسبية القائمة بالدابة. وثالثها: ركوب الدابة والاولان من مقولة الاين، والاخير من مقولة الجدة، وهي هيئة إحاطة الراكب بالمركوب، والمقولات متبائنات وجودا وماهية. وببرهان اتحاد الايجاد والوجود بالذات مع اختلافهما بالاعتبار نقول: إنه لا يمكن أن يكون إيجاد الكون النسبي المتعاقب متحدا مع إيجاد الهيئة، ولا إيجاد فرد من مقولة مع فرد آخر منها. نعم ركوبه على الدابة المغصوبة مقدمة لسيره، فانه بركوبه يسير لا أنه بسيره يركب فالسير الخاص لا بنفسه معنون بعنوان الغصب، ولا هو مقدمة للغصب، بل الغصب مقدمة للسير. ومالا يجوز فيه القصر ما كان حراما بذاته أو بغايته، لا ما كان له مقدمة محرمة. ومنها: ما إذا نقل المغصوب من مكان إلى مكان بحمله في سفره، وقد عرفت أن


(1) الجواهر: ص 260.

[ 71 ]

لكل من الناقل والمنقول كونا نسبيا على التعاقب، فلا يعقل أن يكون نقله عين سيره للبرهان على إتحاد الايجاد والوجود بالذات فكون نقله تصرفا في المغصوب غير ضائر لان النقل والسير فعلان متقارنان، لا النقل مقدمة للسير، ولا السير مقدمة للنقل، وكل منهما مستقل بالارادة. ومنها: ما إذا مشى في أرض مغصوبة فتارة تكون الارض مغصوبة فقط دون الفضاء. وأخرى يكون الفضاء مغصوبا. أما الاول: فلا يوجب حرمة السفر لا لان السفر لابد من أن يكون بعنوانه حراما لا بعنوان آخر ينطبق عليه فانه بلا وجه، فان السفر بما هو مباح بذاته وإنما يحرم من حيث انطباق عنوان محرم عليه كعنوان الاباق، أو عنوان الفرار من الزحف، أو عنوان تشييع السلطان، ومنه عنوان الغصب، بل لان المشي على أرض مغصوبة وإن كان تصرفا في الغصب إلا أنه مقدمة للسفر لا عنوان له، لان السفر كما مر متقوم بالاكوان النسبية المتعاقبة والمشي على الارض كالركوب في السفينة في الماء، والركوب في الطيارة في الهواء مقدمة لحصول السير وهي الاكوان النسبية المضافة إلى المكان وهو البعد المجرد، وتلك الاكوان النسبية لا اتحاد لها مع المشي المحرم ولا متقومة به. وأما الثاني فهو موجب لحرمة السفر، لان تلك الاكوان النسبية متقومة بالنسبة إلى المكان بالمعنى المتقدمة، فالكون النسبي الواحد سفر في نفسه ومحرم، لكونه عين الكون في المكان المغصوب، فعدم الاتمام في المشي على الارض لابد من أن يحمل على مغصوبية الارض فقط. ومنها: ما إذا كان لا بسا للمغصوب في سفره أو حاملا له، فالاقوى أيضا القصر لان الكون النسبي المتعاقب القائم باللابس والحامل غير الكون النسبي القائم باللباس والمحمول، ويستحيل اتحاد فرد من مقولة مع فرد آخر، وليس الكون القائم باللابس والحامل مقدمة للكون النسبي القائم باللباس والمحمول حتى يكون السفر مقدمة للحرام، بل هما متقارنان. وإرادة السير الموجبة لتحققه توجب تحقق مقارنة الذي هو معه فالسفر مقارن للغصب لامعنون به، ولا مقدمة له.

[ 72 ]

والتحقيق: أن الاكوان النسبية المتعاقبة القائمة بالشخص هي حركاته الاينية التي لازمها البعد عن المنزل والقرب من المقصد وهي حقيقة السفر المتقومة بتلك الحركات في الاين. وحركات اللباس والمحمول تابعة لحركات اللابس والحامل. وليست التبعية إلا للمقدمية ولذا جعلت حركة اليد علة تامة لحركة المفتاح، فنفي المقدمية بلا وجه. نعم ليست حرمة المقدمة مناطا لوجوب القصر كما هي مناط عدم صحة الصلاة في اللباس المغصوب، لعدم اجتماع الحرمة والوجوب مطلقا بل الملاك كون السفر لغاية محرمة ومن الواضح إن سفر اللابس للمغصوب ليس الا لاجل تجارة أو زيارة لا لاجل تحريك المغصوب كي يكون السفر لغاية محرمة. فتدبره فانه حقيق به. الامر الرابع التابع للجائر يتصور على أقسام: منها: أن يكون سفره بقصد الاعانة له على جوره، كما في سفره إلى الحكومة في بلد. وهذا سفر لغاية محرمة يجب فيه الاتمام. ومنها: أن لا يكون سفر الحاكم إلى معصية، بل إلى زيارة، لكن التابع يتبعه بعنوان أنه من جنده وأعوانه وممتثلا لامره، فانه وان كان تقلد هذا المنصب حراما كحرمة تقلد الحاكم والسلطان لهذا المنصب الذي لا يليق به، لكنه بمجرده لا يوجب حرمة سفره إلا باعتبار أن نفس الحركة بعنوان تقوية شوكته حرام، فانه ليس بأقل من تشييع السلطان، ولا من قصد السلطان إعظاما له وإن لم يقصد نيل المظالم منه كما ورد كلا الامرين في الخبر. فالسفر حينئذ بنفسه حرام، لانطباق محرم عليه لا لكونه لغاية محرمة، وبه يفترق عن مجرد المعية لاحد في الطريق للحاكم، وعمن امتثل أمره بالسفر معه للزيارة لا من حيث كونه من جنده المقوين لشوكته. ومنها: ما إذا تبعه لكونه أجيرا له على الطبخ له أو سائر الاعمال المتعلقة بالحاكم بما هو إنسان بشري يحتاج إلى تلك الاعمال فان إجارته صحيحة والعمل

[ 73 ]

له جائز فالسفر معه لا لغاية محرمة، ولا هو محرم بانطباق عنوان محرم عليه. الامر الخامس الراجع من سفر المعصية إذا لم يتصف بعنوان محرم، أو لم يكن لغاية أخرى محرمة لا موجب للاتمام فيه. وهو من القضايا التي قياساتها معها ومجرد إطلاق سفر المعصية على الذهاب والاياب من باب المسامحة العرفية بعد وضوح أن مسوغ الاتمام منحصر في أحد الامرين لااعتبار به. والتفصيل بين التوبة فيقصر وعدمها فيتم كما عليه غير واحد ايضا بلا وجه. فان التوبة لا يوجب كون السابق ملحقا باللاحق ليكون المجموع سفرا مباحا، لا ستحالة انقلاب الشئ عما وقع عليه، وإنما التوبة ترفع أثر المعصية وهي العقوبة، كما أن ترك التوبة لا يوجب الحاق اللاحق بالسابق ليكون المجموع سفرا محرما، لان ترك التوبة وإن كان معصية بناءا على وجوبها شرعا لا عقلا، لكنه ليس عنوانا منطبقا على السفر، ولاغاية مقصودة من السفر، بل معصية مقارنة للسفر المباح، ولا يجري هنا حديث استلزام السفر لترك الواجب لعدم المضادة بين السفر والتوبة، كما كان بين السفر وترك أداء الدين. لكنه هذا كله إن كان الرجوع مسافة تامة، وإلا فالاتمام مستند إلى عدم قصد الثمانية لا إلى كون السفر معصية، كما أنه لا أثر للتوبة حتى تتحقق مسافة ملفقة. الامر السادس فيما إذا أنشأ سفرا مباحا ثم عدل إلى قصد المعصية أو أنشأ سفر المعصية ثم عدل إلى قصد الطاعة أو عدل عن الطاعة إلى المعصية ثم عدل إلى الطاعة، وبالعكس. وتنقيح المقام يتم برسم بماحث: الاول: إذا أنشأ سفرا لمباح ثم قصد غاية محرمة مثلا. والكلام فيه تارة: في بقائه على التقصير أو يتم حال قصد المعصية. واخرى: في أن إتمامه منوط بالتلبس

[ 74 ]

بالسير لغاية محرمة، أو يكفي مجرد قصد المعصية في الاتمام ولو قبل التلبس بالسير؟. أما الكلام في الاول: فغاية ما يمكن أن يقال في وجه بقائه على القصر: ان شرائط القصر قد وجدت بتمامها من دون نقص، وان الاتمام لا شرط له حتى يتوهم أنه كما وجد شرط وجوب القصر وجد شرط وجوب الاتمام، وهو حرمة السفر، بل وجوب الاتمام في موارده لانتفاء شرط وجوب القصر، فالعدول عن المعصية شأنه انه لا يحسب سفرا مسوغا للقصر ولا متمما لما يجب فيه القصر، والمفروض عدم الحاجة إلى كليهما، لان مسوغ القصر موجود وهو استجماع السفر المباح لجميع شرائط القصر فلا حاجة إلى مسوغ آخر في هذا الجزء، ولان المفروض بلوغ المسافة المباحة لحدها الشرعي وهي ثمانية فراسخ فلا جاحة إلى التتميم، واشتراط الاباحة في الثمانية لا بشرط الزيادة لا يوجب اشتراطها في الزيادة، فان معنى اللا بشرطية عدم دخل الزيادة وجودا وعدما فيما ثبت للثمانية، لا أن مقتضاها ثبوته للزيادة. فان معنى الاطلاق اللابشرطي القسمي رفض القيود، لا الجمع بين القيود. والجواب عنه: ان اشتراط الاباحة وعدم قصد غاية محرمة، إن كان في المسافة الخاصة التي قصدها شرط، بحيث يكون شرطا في شرط وجوب القصر فالامر كما أفاده المتوهم، وإن كان هو كسائر الشرائط شرطا في السفر العرفي من المنزل إلى المقصد بحيث كانت الشرائط كلها متساوية النسبة إلى الموضوع المترتب عليه وجوب القصر، فاللازم إباحة السفر العرفي بتمامه لا خصوص مقدار المسافة الخاصة المعتبرة شرعا، كما هو مقتضى الادلة، لان مقتضى إطلاق دليل القصر في السفر قبل ملاحظة تقييده بما اعتبره الشارع شرطا لترتب القصر هو موضوعية السفر العرفي، وكما أن الشارع اعتبر فيه أن يكون ثمانية فراسخ، وأن يكون مقصودة من أول الامر، وأن يستمر على قصده، وأن يتجاوز عن حد الترخص، كذلك اعتبر فيه أن يكون لا لغاية محرمة مثلا، فإذا انتفى شرط من هذه الشرائط، فان كان شرطا للحدوث كقصد المسافة التي لا تنقص عن ثمانية فراسخ، وكالتجاوز عن حد الترخص، لم يحدث وجوب القصر، وإن كان شرطا للبقاء فقط، كاستمرار

[ 75 ]

القصد، أو شرطا للحدوث والبقاء معا فلا محالة ينتفي المشروط بانتفائه. وما ذكرنا هي العمدة في دفع الاشكال، وإلا فمجرد خروج السفر الغير السائغ وتقييد أدلة وجوب القصر غير واف بدفع الاشكال. فان قلت: مجرد كون الشرط قيدا لسفره العرفي لا يجدي، لامكان كونه حيثية تعليلية لحدوث القصر، لا حيثية تقييدية لموضوعه حتى يدور بقاء الحكم مدار بقائه. وظاهر الادلة اعتباره في إنشاء السفر فلا يعم ما إذا كان في أثنائه. قلت: بعد تسليم أن الشرائط ماخوذة ومعتبرة في السفر العرفي، فظاهر دليل إباحه السفر العرفي إباحة السفر بما هو، لا بجزء من السفر العرفي، فالسفر في معصية الله ما اتصف بكونه في المعصية مادام كونه سفرا. وظهور الادلة في إنشاء السفر لا ينافي كون الاباحة شرطا لحدوثه وبقائه فلا ندعي أنه شرط لبقاء الحكم وحده حتى يقال إنه خلاف الظاهر، بل نقول شرط لحدوثه وبقائه. ولازم شرطية الاباحة لبقاء الحكم أنه إذا تبدلت المعصية إلى غيرها، أو من غير المعصية إليها لزم لكل منهما حكمه. هذا كله في عدم بقاء المسافر على القصر بعد تبدل الاباحة بالحرمة. وأما الثاني: وهو اعتبار التلبس بالسير بعد العدول إلى المعصية وعدم اعتباره. فمبنى المسألة على أن السفر متقوم بخصوص السير حتى لا يكون مجرد قصد المعصية محققا للتلبس بالسفر الحرام، أو أن السفر حالة مستمرة من المنزل إلى المقصد سواء كانت الحالة حالة السير أو حالة السكون. ومقتضى اعتبار قاطعية القواطع الثلاثة للسفر واقتضائها تعدد السفر بحصولها في الاثناء، هو اعتبار هيئة الاتصال والاستمرار في السفر، وإلا فتعدد السير بتخلل السكون مما لاشك فيه، حصل أحد القواطع أم لا. والتحقيق: أنه كذلك إذ السفر هو البروز من المنزل إلى المقصد والبعد عنه والتغرب عنه وهي حالة مستمرة إلى أن يحصل ما يجعله بروزا آخر من المنزل. وما نزل منزلته، فإذا اتصف بروزه في حال من الاحوال بعنوان حرام أو بقصد غاية محرمة كان في هذه الحالة متلبسا بالسفر المحرم، فيجب عليه الاتمام قبل التلبس بالسير. مضافا إلى أن وجوب القصر في حال السكون كما أن الغالب فعل الصلاة في

[ 76 ]

تلك الحال مع وضوح أن القصر حكم المسافر يشهد بانه في تلك الحال مسافر، وإلا لكان مقتضاه علية سيره المتقدم لوجوب القصر فيما بعده لا شرطية السفر بنحو الشرط المقارن، لوجوب القصر كما هو الاصل في الشرطية. ودعوى أن مجموع السير المتخلل بينه السكون هو الموجب للقصر، وإلا فحقيقة السفر متقومة بالسير، غير ضائرة بما نحن فيه، لان الفرض صدق السفر والمسافر عرفا أو حقيقة في حال السكون. واما استفادة اعتبار التلبس بالسير مما ورد بعنوان انه " سير باطل "، أو " مسير باطل " كما في أخبار سفر الصيد فمدفوعة بأنه نظير ما ورد أصل التقصير في السفر بانه " مسيرة يوم " أو " بريدين "، فان نفس السير لا شرطية له بل المراد أن يكون المقصود مسيرة يوم أو مسيرا غير باطل، فإذا قصد ثمانية فراسخ تحقق الشرط، كما انه إذا تحقق قصد مسير باطل تحقق ما اعتبر عدمه في وجوب التقصير، ومن البين ان قاصد السير الباطل يجب عليه الاتمام، لا السائر سيرا باطلا. مضافا إلى ما عرفت من أن وجوب الاتمام غير مشروط بشئ وإنما الشرائط لوجوب القصر، ومع انتفاء أحدها ينتفي وجوب القصر، ويجب الاتمام. وعليه فمع انتفاء قصد السير المباح لتبدله بقصد السير المحرم أو لغاية محرمة، ينتفي وجوب القصر في تلك الحالة فالاستدلال بقوله (عليه السلام): " إلا أن يكون رجلا سفره في صيد أو في معصية الله الخبر " (1) وباشباهه بدعوى أنه لم يتحقق منه سفر في معصية الله، مدفوع بأنه لا حاجة إلى حدوث سفر في معصية الله في وجوب الاتمام، بل إلى عدمه في وجوب القصر. فتدبر جيدا والله أعلم. المبحث الثاني: إذا أنشأ سفرا محرما أو لغاية محرمة ثم عدل إلى الطاعة، والثاني بمقدار المسافة ولو لمنفعة، وجب القصر لوجود جميع الشرائط الموجبة للقصر، ولا يجري فيه بعض ما توهم في عكسه إلا توهم ظهور الادلة في إنشاء السفر وإحداثه مباحا أو حراما في اقتضاء القصر والاتمام وقد تقدم دفعه.


(1) الوسائل: ج 5، ص 509، الباب 8 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 3.

[ 77 ]

نعم بناء على انتهاء سفر المعصية بزوال قصد المعصية وحدوث موجب القصر بمجرد قصد الطاعة، يبقى الكلام في اعتبار حد الترخص هنا ومع اعتباره يلغو حديث كفاية قصد الطاعة أو لزوم التلبس بالسفر، إذ مع اعتبار حد الترخص يكون التلبس لازما لا لاعتباره في تحقق السفر، بل في تحقق وجوب القصر وسيجئ إن شاء الله تعالى أن حد الترخص في السفر من المنزل وما نزل منزلته من الاقامة والتردد ثلاثين يوما لا في كل مبدأ لما يجب فيه القصر. وإطلاق قوله (عليه السلام) " فإذا مضوا قصروا " في خبر منتظر الرفقة (1) بعد حصول التردد الموجب للاتمام شاهد على عدم اعتبار حد الترخص في نظير المقام ما هو مبدأ وجوب التقصير. وبقية الكلام فيما بعد إن شاء الله تعالى. المبحث الثالث: فيما إذا أنشأ سفرا مباحا ثم قصد عنوانا محرما أو غاية محرمة ثم عدل إلى ما قصده أولا من الغاية المباحة مثلا ففي لزوم كون الباقي مسافة شرعية، أو كفاية كون السابق واللاحق المباحين باسقاط المتخلل في البين مسافة، أو كفاية كون المجموع مما سار بقصد الطاعة والمعصية مسافة وجوه، بل أقوال. وجه الاول: ما تقدم من توهم اعتبار استمرار القصد حقيقة بضميمة اعتبار إباحة المقصود المعتبر فيه الاستمرار. ووجه الثاني: ما تقدم من عدم الدليل على اعتبار استمرار القصد حقيقة، بل اللازم كون ثمانية فراسخ مقصودة، وقطعها عن قصدها إلى الآخر لبقاء السفر على وحدته بعدم تخلل أحد القواطع الثلاثة فراجع ما تقدم. ووجه الثالث: أن المجموع مسافة مقصودة، والاباحة والحرمة يوجبان تبعض المسافة في أحكامها من القصر والاتمام فما دامت هذه المسافة مباحة يحب القصر، وإذا حرمت وجب الاتمام وإذا كانت مباحة أيضا وجب القصر وقواه الفاضل النراقي (قدس سره) (2) ومال إليه بعض أجلة العصر (رحمه الله) (3) لولا مخافة


(1) الوسائل: ج 5، ص 501، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11. (2) مستند الشيعة: ج 1، ص 575. (3) الظاهر مصباح الفقيه ص 743.

[ 78 ]

الاجماع فراجع. وأوسط الاقوال هو الاوسط. واندفاع الوجه الاول واضح مما مر. ويندفع الوجه الاخير بأن اجتماع الشرائط في موجب القصر لازم ولا يكفي وجودها متفرقة فلا يجدي قصد الثمانية في كل جزء والاباحة في بعض الاجزاء، ومعنى شرطية الاباحة بقاء بحيث يدور وجوب القصر مدارها هو شرطيتها في كل ما يتقوم به المسافة المعتبرة في التقصير لا أنه شرط في بعض المسافة المحكومة بالقصر. وأما كفاية مجرد العدول ثانيا إلى قصد غاية مباحة أو مع التلبس بمقدار من السير المباح فحال ما نحن فيه حال مسألة العدول من قصد غاية مباحة إلى غاية محرمة كما تقدم الوجه فيه نفيا وإثباتا. وعن الشيخ الاجل (قدس سره) في كتاب الصلاة (1) " اعتبار التلبس هنا بجزء من السير المباح دون ما تقدم لتحقيق صدق أنه متلبس بالسفر المباح " وهو منه غريب بعد اختياره " ان جميع أكوان المسافر حالات سفرية وإن الوحدة محفوظة بعدم تخلل القاطع " (2) فان مقتضاه إنه بمجرد عدوله إلى غاية مباحة يصدق عليه إنه فعلا في حالة سفر مباح. نعم لو كان (قدس سره) ملتزما بعدم اعتبار التلبس بالسير في خصوص ما إذا عدل من الطاعة إلى المعصية دون عكسه لامكن إصلاح كلامه بوجه آخر وهو ما قدمنا من أن وجوب الاتمام غير مشروط بشئ إلا انتفاء موجب القصر. فالسفر المباح إذا انقضى بانقضاء السير المباح فقد لزم الاتمام بخلاف ما إذا عدل من المعصية إلى الطاعة (3) فان مجرد قصده لا يجعله مسافرا بسفر مباح فيتضح ما أفاده هنا من لزوم التلبس بالسير المباح لكنه مبنى آخر غير مبناه من كون جميع اكوان المسافر من سيره وسكونه حالات سفرية فراجع. ثم إنه بناء على ما تقدم من وحدة السفر وعدم تعدده إلا بتخلل أحد القواطع الثلاثة لا فرق في العدول بين تبدل الغاية المباحة وعكسها وبين بقاء تلك الغاية


(1) ص 433. (2) في صفحة 432. (3) " إلى الطاعة من المعصية خ ل ".

[ 79 ]

المباحة على حالها وحدوث غاية أخرى محرمة في أثناء السفر بقصد الغاية المباحة المحفوظة فان توهم أنه إنشاء سفر جديد، فلابد فيه من التلبس بمقدار من السير المغير لعنوان السفر المباح أيضا كما عن الشيخ الاجل (قدس سره) خلاف مبناه وخلف لما بنينا عليه وان كان (قدس سره) حكم بضعف الوجه الذي ذكره من عدم صدق التلبس بسفر المعصية إلا بعد التلبس بمقدار من السير في المعصية فراجع (1). ورواية السياري (2) الواردة في باب الصيد غير منافية لما ذكرنا كما سيأتي إن شاء الله تعالى. الامر السابع إذا كان للسفر غاية مباحة وغاية محرمة، فان كانت إحدى الغايتين مستقلة في الدعوة والاخرى تبعا محضا، كما إذا كانت الغاية الباعثة هي التجارة لكن من عزمه أن يرتكب بعض المعاصي هناك، أو كانت الغاية الباعثة هي السعاية على مؤمن لكن من عزمه أن يتجر بشئ هناك فالحكم للغاية الباعثة. وأما التابع الذي لا دعوة له أصلا لا مستقلا ولا مشتركا مع الغاية الباعثة فلا تأثير له في القصر ولا في الاتمام وإنما الكلام فيما إذا كان منهما في حد نفسه مستقلا في الدعوة بحيث لو كان وحده لاثر في قطع المسافة، ولو لم يكن لم يقطع المسافة أو كان كلاهما مشتركين في التأثير. والتحقيق: ان الحكم يدور مدار وجود الغاية المحرمة لما عرفت سابقا ان وجوب الاتمام غير مشروط بشئ، بل القصر مشروط، وبانتفاء أحد الشرائط يجب الاتمام والذي هو شرط وجوب القصر ليس كون الغاية مباحة، بل عدم كون السفر لغاية محرمة كما هو مقتضى تقييد الاطلاقات بان لا يكون السفر لغاية من الغايات المحرمة وحيث إن المفروض وجود الغاية المحرمة المؤثرة إما مستقلا أو مشتركا


(1) كتاب الصلاة للشيخ الانصاري: ص 433. (2) الوسائل: ج 5، ص 512، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر الحديث 6.

[ 80 ]

وعدم تأثير للغاية المباحة في صورة الاستقلال فضلا عن صورة الاشتراك فاللازم الحكم بالاتمام مطلقا من دون حاجة إلى بعض الاعتبارات والاستحسانات كما عن بعض أجلة العصر (رحمه الله). الامر الثامن إذا سافر من تنجز عليه وجوب صلاة الجمعة فالمعروف ان سفره حرام لكونه مفوتا للواجب المنجز، ومقتضى حرمة سفره وجوب الاتمام عليه وإن سفره كلا سفر ووجوب صلاة الجمعة عليه في مثل هذا السفر، فيلزم من كونه مفوتا للواجب عدم كونه مفوتا للواجب كما يلزم من حرمته عدم حرمته لعدم الموجب لها إلا تفويت الواجب والمفروض عدم التفويت. والكلام تارة في المبنى وهو لزوم التفويت بسفره حتى يحرم لكونه مفوتا، واخرى فيما رتب على هذا المبنى من المحذور المحال. أما الكلام في الاول: فهو ان السفر ضد الحضور الذي هو شرط للواجب فهو ضد للشرط بالذات وللمشروط بالعرض، ووجود الضد ملازم لعدم الشرط والمشروط لا مقدمة لهما، وكون هذا اللازم تارة يمكن تداركه كما في ترك أداء الدين مع المطالبة والمسافرة واخرى لا يمكن تداركه كما في فعل الجمعة حيث إنه يفوت مع السفر ولا يمكن تداركه، لا يخرج الاستلزام عن كونه كذلك، ولا يجعل غير المقدمة مقدمة، ولا يقاس باهراق ماء الوضوء، فانه إعدام لما يتقوم به الوضوء لا أنه ضد له وعليه فتفويت الجمعة حرام ملازم للسفر فالسفر مباح ولا يلزم منه محذور. وأما الكلام في الثاني: فمختصر القول فيه ان السفر الذي لا يجوز فيه فعل الجمعة هو السفر الذي يجوز فيه التقصير دون مجرد قطع ثمانية فراسخ خارجا، ومثل هذا السفر هو المفوت للجمعة الواجبة ومثل هذا التفويت هو المحرم. وما يترتب على شئ يستحيل أن يكون مانعا عنه لان فرض مانعيته فرع وجوده وفرض وجوده المترتب عليه وجود شئ فرع وجود ذلك الشئ فيكف يمكن أن يكون مانعا عن وجوده، فمثل هذه الحرمة المتأخرة عن جواز التقصير المأخوذ في السفر بمرتبتين لا

[ 81 ]

يعقل أن يكون مانعا عن جواز التقصير فيستحيل أن تعمه أدلة وجوب الاتمام في السفر الحرام وعليه فالسفر حرام وتفويت الجمعة حرام إلا أن مثل هذا السفر المحرم يجب فيه التقصير ولا يعقل أن يجب فيه الاتمام، فلا يلزم محذور لزوم عدم التفويت من وجوده، ولا محذور عدم الحرمة من وجودها. الامر التاسع إذا نذر الاتيان بصلاة تامة في يوم معين فله صور: الاولى: أن ينذر الصلاة التامة على النحو الواجب عليه من كونه مشروطا بالحضور حدوثا وبقاء فيتأكد وجوبها، وله تبديل الحضور بالمسافرة فلا يلزم منه حنث لنذره مع سفره، وإنما يحنث إذا كان حاضرا ولم يصل الصلاة التامة. الثانية: ان ينذر الصلاة التامة حضرا بحيث يكون الخاص منذورا له، فيحل نذره إلى نذر الاتمام وترك المسافة فيحنث بمجرد تبديل الحضور بالمسافرة وقطع المسافة الخاصة وتمكنه من إتمام صلاته المفروضة في السفر الحرام لا يجدي لان المفروض تقيدها بالنذر بخصوص الحضور المضاد للمسافرة العرفية، فلا يلزم منه المحذور المحال المتقدم. والثالثة: ان ينذر الاتمام المشروط بترك السفر الذي يجوز فيه التقصير في نفسه مع قطع النظر عن النذر، فيحنث بمجرد السفر الشرعي ولا يلزم منه محذور لان حنث نذره مستند إلى فوات الشرط بنفس السفر لا إلى حرمة الحنث الناشئة من قبل النذر. والرابعة: أن ينذر الاتمام المشروط بالحضور في قبال السفر الذي يجوز فيه القصر حتى بلحاظ النذر، وشرط مثله محال لعدم التمكن من السفر الذي يجوز فيه القصر حتى بلحاظ حكم النذور فتركه غير مقدور فلا يصح النذر في نفسه مع ان الحرمة المترتبة على النذر لا يعقل أن تؤخذ في موضوعه وفي هذه الصورة حيث لا ينعقد النذر لا يحرم السفر ولا حنث أصلا. ومما ذكرنا تبين إن المحذور المتقدم في المسألة المتقدمة غير جار في شئ من

[ 82 ]

فروض النذر وإن حرم السفر في الصورة الثانية والثالثة ووجب إتمام ما عدا المنذور فيه فما عن بعض اجلة العصر (رحمه الله) من إجراء حكم المسألة السابقة من حيث المحذور المحال في نذر الاتمام في يوم معين بلا وجه في تمام صور النذر كما عرفت. الامر العاشر هل المدار في حرمة الغاية أو نفس السفر، على الحرمة الواقعية أو على الاعم من الواقعية والظاهرية أو على الاعم من الواقعية والاعتقادية؟ وجوه، ويمكن أن يقال إن الحلية والحرمة وإن كانتا واقعيتين ولا اعتبار وبالحرمة الاعتقادية ولا الظاهرية المخالفة للواقع، إلا أن السفر لغاية محرمة، يكفي في موضعيته لوجوب الاتمام كون العلة الغائية ما اعتقده حراما. وتوضيحه: ان ترتب الغاية المحرمة على السفر واقعا ليس مناطا للاتمام ما لم يكن علة غائية له، فلو سافر للزيارة ونال مالا حراما بحيث لولا سفره لما ناله فان السفر محكوم بالقصر قطعا حتى مع الالتفات إذا لم يكن باعثا على سفره. كما أن عدم ترتب الغاية المحرمة ليس مناطا للقصر كما إذا سافر للسرقة فلم يظفر بالقافلة ليتمكن من السرقة فانه وإن لم يصدر منه هذه الغاية المحرمة، إلا أن العلة الغائية الباعثة على سفره. هذا حيث كان عنوان غاية محرمة يجب عليه الاتمام. والسر فيه ان الباعثية للغاية لا موطن لها إلا في افق النفس لا في الخارج فوجودها خارجا وعدمها على حد سواء فلا وجودها خارجا ملاك باعثيتها، ولا عدمها خارجا مضر بعليتها في أفق النفس وإذا كان كذلك فأي فرق بين أنحاء تخلف الغاية، فتارة لا مال ليسرقه، واخرى المال ماله فلا يتحقق السرقة. وكذا إذا سافر لنيل مال من ظالم فتارة لا يصادف الظالم لينال منه، واخرى لم يكن ظالما ليكون نيل المال من الظالم. وليست الغاية المحرمة بما هي محرمة مناط الحكم. بل نيل المال من الظالم والسعاية على مؤمن وسرقة مال الغير وأشباهها مناط الحكم. وكل هذه العناوين مقصودة ولها الباعثية له على السفر. فعدم صدور الحرام للتخلف باحد الوجوه معنى،

[ 83 ]

وعدم عليته الغائية معنى آخر. والكلام هنا في الثاني كما أن مورد البحث في باب التجري هو الاول، بل أمر العناوين المحرمة المنطبقة على سفره كذلك، فان ترتبها الواقعي وعدمه مناط حرمة السفر واقعا وعدمها، إلا أن مناط وجوب الاتمام قصد تلك العناوين بسفره، فلو سافر بعنوان تشييع الظالم فقد قصد عنوانا محرما بسفره، وإن تخلف عنه العنوان إما لعدم اللحوق بالظالم ليكون سيره عقيب سيره، أو لعدم كونه ظالما. فالمراد من السفر في معصية الله تعالى السفر بقصد أحد عناوين المعاصي. وأما ما قيل من صدق المعصية بمخالفة النهي الشرعي الظاهري فلا يتم إلا على الموضوعية. وأما على الطريقية فلابد من أن يكون الحكم المماثل المجعول مقصورا على صورة مصادفة الواقع. وأما ترتب العقاب على مخالفته كترتبه على التجري لاشتراكهما مع المعصية الحقيقية من حيث الخروج عن زي الرقية ورسم العبودية فهو أمر آخر غير كون السفر محرما أو معصية. فتدبر. وعلى هذا يقوي القول بوجوب الاتمام عند تخلف الغاية أو عنوان الحرام. والاحتياط لا يترك على أي حال. الامر الحادي عشر إذا سافر في شهر رمضان بقصد المعصية ثم عدل إلى قصد الطاعة فإن كان العدول قبل الزوال وجب الافطار لانه مسافر قبل الزوال بقصد الطاعة، وإن كان العدول بعد الزوال ففيه وجهان: كما عن بعض أجلة العصر (رحمه الله) -. أحدهما: الاتمام نظرا إلى أن سفره قبل العدول كلا سفرفهو من حين عدوله مسافر لا يمشي في المعصية فيجب عليه الاتمام كم أنشأ السفر المباح بعد الزوال. ثانيهما: الافطار نظرا إلى انه مسافر على الفرض قبل الزوال فما دام على المعصية يصوم وما دام على الطاعة يفطر، وإن أدلة السفر بعد الزوال لا تعمه لظهورها فيمن سافر بعد الزوال. والتحقيق ما مر منا مرارا من أن الاتمام غير مشروط بشئ، بل القصر. ومن

[ 84 ]

أن اجتماع الشرائط متفرقة في سفر واحد لاأثر له بل مجتمعة، وعليه فنقول: وجوب الافطار زيادة على وجوب القصر في الصلاة وجب الافطار ومع انتفاء بعضها لا يجب، وأما السفر بعد الزوال سواء كان واجدا لشرائط القصر أم لم يكن واجدا لها، فهو موجب الاتمام لانتفاء شرط الخروج قبل الزوال. فالعدول إذا كان بعد الزوال لا أثر له، حيث إن ابتداء السفر فيه أيضا لا أثر له. وأما ضم الخروج قبل الزوال إلى العدول بعد الزوال فهو لا يوجب استجماع السفر لشرائط الافطار، إذ حال حصول هذا الشرط لم يكن الشرط الآخر موجودا وحال العدول لا خروج قبل الزوال ليجب الافطار. ومنه تبين الخلل في كلا الوجهين المذكورين. وإذا سافر في شهر رمضان سفرا سائغا فعدل إلى المعصية، فان كان قبل الزوال وقبل الاتيان بمفطر وجب إتمام الصوم لا لانه كالمسافر الذي حضر قبل الزوال، لعدم الدليل على مثل هذا التنزيل بل لان جواز الافطار لمن سافر قبل الزوال مشروط بأن لا يكون لغاية محرمة حدوثا وبقاء، وانتفاء الشرط قبل الزوال يوجب انتفاء جواز الافطار. وليس وجوب الصوم في السفر مشروطا بكونه محرما حتى يقال إن ظاهر أدلته وجوب الصوم في السفر الذي مجموعه محرم لما مر آنفا. الامر الثاني عشر إذا سافر طلبا للصيد فهو على أنحاء ثلاثة: فتارة يطلب الصيد لهوا للتنزه، وأخرى لقوته وقوت عياله، وثالثة للتجارة وطلب زيادة المال لا للتكسب لقوت العيال. أما الاول: وهو طلب الصيد لهوا فهو بهذا العنوان منصوص كما في صحيحة زرارة (1) وغيرها. والبحث عن أنه داخل في السفر لغاية محرمة أم لا، أجنبي عما نحن فيه لانه بعنوان موجب للاتمام سواء كان هذا اللهو أو مطلق اللهو حراما أم لا. وإن كان ظاهر عنوان الشرايع (2) إدراجه في سفر المعصية حيث مثل له باتباع


(1) الوسائل: ج 5، ص 511، الباب 9 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1. (2) الشرايع: ص 32.

[ 85 ]

الجائر وصيد اللهو، بل ربما يستشعر ذلك من تعبير هم (عليهم السلام): " بانه مسير باطل " (1) و " سفرباطل " (2) و " مبتغى باطل " (3) إلا أن معاملة الخروج إلى الصيد للسفر في معصية الله كما في صحيحة حماد (4) وتغيير التعبير بقولهم (عليهم السلام): " مسير باطل " وتعليلهم (عليهم السلام) " بان المؤمن لفي شغل من ذلك، شغله طلب الآخرة عن الملاهي " (5). كل ذلك شاهد على عدم الحرمة والله العالم وبهذه الطائفة من الاخبار تقيد المطلقة الآمرة بالاتمام في سفر الصيد. وتوهم التفصيل من بعض الاخبار كخبر عبد الله بن سنان عن الرجل يتصيد فقال (عليه السلام): " إن كان يدور حوله فلا يقصر، وإن كان تجاوز الوقت فليقصر " (6). مدفوع بأنه من الاخبار المطلقة من حيث القصر في سفر الصيد لعدم تقيده باللهو. ومراده (عليه السلام): إن طالب الصيد إن كان يدور حول بلده فعليه الاتمام لعدم السفر، وإن كان تجاوز حد الترخص وجب عليه القصر لصدق الوقت والميقات على المحدود بحد زماني أو مكاني ومن الثاني مواقيت الحاج ومنه قوله تعالى " ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه " (7) فان الظاهر ارادة جبل الطور المعين للمكالمة. ومن الاول مواقيت الصلاة ومنه قوله تعالى " فتم ميقات ربه أربعين ليلة " (8). نعم يجب تقييد وجوب القصر بما إذا لم يكن للتنزه واللهو، وليس من الاخبار المشكلة التي يجب ردها إلى أهله كما عن بعض أجلة العصر (قدس سره)


(1) الوسائل: ج 5، ص 512، الباب 9 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 7. (2) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 502، الباب 7 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1. (3) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 502، الباب 7 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1. (4) الوسائل: ج 5، ص 509، الباب 8 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 2. (5) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 502، الباب 7 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1. (6) الوسائل: ج 5، ص 511، الباب 9 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 2. (7) الاعراف: 142. (8) الاعراف: 143.

[ 86 ]

نعم من الاخبار المشكلة رواية أبي بصير: " ليس على صاحب الصيد تقصير ثلاثة أيام وإذا جاوز الثلاثة لزمه " (1) وهو محمول على التقية من اولي الشوكة المتعادين للتنزه بالتصيد عن الثلاثة، وحيث إن غرضهم مجرد التنزه لاجمع الصيد فلا يتجاوز سفرهم غالبا عن الثلاثة، وحيث إن غرض المتكسب بطلب الصيد جمع الصيد لئلا يحتاج كل يوم إلى السفر، فلذا يتجاوز سفره لجمع الصيد عن الثلاثة والله أعلم. ومن الاخبار المنافية بظاهرها للاخبار المطلقة والمقيدة رواية السياري وفيها " صاحب الصيد يقصر مادام على الجادة وإذا عدل عن الجادة أتم، وإذا رجع إلى الجادة قصر " (2) فانه إن خرج لطلب القوت قصر سواء كان على الجادة أو ذهب عنها يمينا وشمالا وإن خرج لاهيا أتم سواء كان على الجادة أم لا، ولذا حملت الجادة على جادة الحق لا جادة الارض، بمعنى إن كان سفره سفر حق قصر وإذا عدل عن الحق إلى الباطل بطلب اللهو والتنزه أتم. والاولى حملها على من خرج لغاية أخرى مباحة وفي أثناء الطريق بدا له الذهاب في طلب الصيد الذي هو عادة اللهو، لان المفروض إن سفره لغاية أخرى. وعليه فإذا عدل عن الطريق للصيد لهوا أتم، وإذا رجع قصر. والمراد من الرجوع إلى الجادة الرجوع من ذهابه في طلب الصيد لا وصوله إلى الجادة لينافي ما مر من أن الراجع من سفر المعصية يقصر. كما أن المتعارف ممن يطلب الصيد للتنزه رجوعه مقارنا للعزم عليه لا لاشتراط القصر بالتلبس بالرجوع لينافي ما قو يناه من انقطاع الحكم بالاتمام بمجرد تبدل قصد المعصية بقصد الطاعة. وأما الثاني: وهو طلب الصيد لقوته وقوت عياله، فوجوب القصر في سفره منصوص في صحيح عمران عمران بن محمد بن عمران " قال (عليه السلام): إن خرج لقوته وقوت عياله فليفطر ويقصر " (3) وكذا في المنقول من كتاب زيد النرسي (4)


(1) الوسائل: ج 5، ص 511، الباب 9، من ابواب صلاة المسافر، الحديث 3. (2) الوسائل: ج 5، ص 512، الباب 9، من ابواب صلاة المسافر، الحديث 6. (3) الوسائل: ج 5، ص 512، الباب 9 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 5. (4) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 502، الباب 7 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1.

[ 87 ]

مضافا إلى خروجه عما حكم عليه بالاتمام من طلب الصيد يريد به لهو الدنيا. وأما الثالث: وهو طلب الصيد للتجارة وزيادة المال فهو محل الخلاف بين المتقدمين والمتأخرين، فالمتقدمون على التفصيل باتمام الصلاة والافطار، والمتأخرون على القصر والافطار، كما هو مقتضى الملازمة المتفق عليها نصا وفتوى. وما يمكن أن يكون مستندا للتفصيل ما أرسله الشيخ في المبسوط من أنه " روى أصحابنا إنه يتم الصلاة ويفطر الصوم " (1) وقد نص بذلك إبن إدريس الذي لا يعمل بخبر الواحد بقوله: " روى أصحابنا باجمعهم: أنه يتم الصلاة ويفطر الصوم " ثم قال: " وكل سفر، أوجب التقصير في الصوم وجب تقصير الصلاة فيه إلا هذه المسالة فحسب. للاجماع عليه " (2) وليس للمتأخرين إلا قاعدة الملازمة الكلية القابلة للتخصيص بمثل هذا المرسل المنجبر بشهرة القدماء مستندين إليه في مقام الفتوى، ولم يعلم من المتأخرين إعراض عنه بل مستندهم قاعدة الملازمة. وأما ما في الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا (سلام الله عليه) في باب صلاة السفر (3) من التفصيل بين الصلاة والصوم المذكور فهو معارض بما في باب الصوم حيث قال: وإن كان صيده للتجارة فعليه التمام في الصلاة والصوم " (4)، فيبعد أن يكون مستند القدماء في التفصيل هذا الكتاب مع ما فيه من الاضطراب كما أن صحيح عمران بن محمد بن عمران أيضا مناف للتفصيل وموافق لما في صوم الفقه الرضوي حيث قال: " قلت له الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين يقصر أو يتم قال (عليه السلام) إن خرج لقوته أو قوت عياله فليفطر ويقصر وإن خرج لطلب الفضول فلا ولا كرامة " (5) أي لا يقصر ولا يفطر بناء على إرادة فضول المال لمقابلته مع الفوت والحاجة، لكنه بهذا التعميم لم يقل به أحد فيمكن


(1) المبسوط: ج 1، ص 136، كتاب صلاة المسافر. (2) السرائر: كتاب الصلاة، باب صلاة المسافر، ص 73. (3) فقه الرضا: ص 162، باب صلاة المسافر. (4) فقه الرضا: ص 208، باب نوافل شهر رمضان ودخوله. (5) الوسائل: ج 5، ص 512، الباب 9 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 5.

[ 88 ]

إدراجه في ما أعرض عنه الاصحاب. وأما إذا أريد بالفضول ما لا ينبغي صدوره من المؤمن فهو مساوق لصيد التنزه كما يناسبه قوله (عليه السلام) " ولا كرامة " وإلا فصيد التجارة ولو كان موجبا للاتمام ليس من الباطل، فإن طلب زيادة المال مباح، بل ربما يكون راجحا. والانصاف أن المسألة غير صافية من الاشكال، وليس القول بالتفصيل ضعيفا جدا كما أفاده بعض المشايخ (قدس سره) فلا ينبغي ترك الاحتياط في الصلاة، فتدبر. المسألة الخامسة [ في اعتبار ان لا يكون بيته معه ] في الشرط الخامس وهو أن لا يكون بيته معه، والظاهر من غير واحد من أرباب الكتب إدراجه في الشرط الآتي مع أنه بعنوانه منصوص بتعليل هو كالكبرى الكلية المغايرة لكبري الشرط الآتي، ومقتضى الاعتبار أيضا ذلك، إذ من كان بيته معه ومنزله معه كما في النصوص فهو غير مسافر لانه غير بارز عن منزله ولا بعيد، ولا متغرب عنه كيف ومنزله معه فهو في منزله حال سيره كحال سكونه، فليس هذا الشرط في الحقيقة شرطا في السفر الموجب للقصر، بل محقق للسفر. فاعتبار عدمه للتنبيه على أنه بدونه لا يكون مسافرا حقيقة، بخلاف سائر الشرائط فإنها شرائط لوجوب القصر في السفر المفروغ عن سفريته والاصل في هذا المسمى بالشرط ما في الصحيح: " الاعراب لا يقصرون وذلك ان منازلهم معهم " (1) وفي آخر: " عن الملاحين والاعراب، هل عليهم تقصير؟ قال: لا، بيوتهم معهم " (2). ولا يخفى عليك أن مقتضى هذا العنوان المأخوذ موضوعا للحكم دوران الحكم مداره. واختلاف الاغراض والغايات للسير، أجنبي عن اختلاف موضوع الحكم.


(1) الوسائل: ج 5، ص 516، الباب 11 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 6. (2) الوسائل: ج 5، ص 516، الباب 11 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 5.

[ 89 ]

فمن كان بيته معه يتم وإن كان سيره للزيارة أو لغيرها، ومن لم يكن بيته معه يقصر وإن كان سيره لتحقيق حال المكان الصالح من حيث الماء والكلاء. وما في بعض الاخبار: " والبدوي الذي يطلب مواضع القطر ومنبت الشجر " (1) فهو ليس تحديدا للموضوع المحكوم بالاتمام بحيث لولا طلب الماء والكلاء لم يجب عليه الاتمام، بل لبيان أنه لا منزل له كغيره، بل منزله بيته فيرتحل بمنزله إلى مواضع الماء والكلاء، ومجرد كونه في أرض كذا لا يجدي في صيرورتها منزلا له، كما لا يكون سكناه في العراق مثلا مصححا للمنزلية إلا بعد اتخاذ محل مخصوص منزلا ومقرا لنفسه. وفي بعض الاخبار إلحاق الملاحين بالاعراب (2)، وفي بعضها " أصحاب السفن يتمون الصلاة في سفنهم " (3) وكلاهما محمول على من لا منزل له إلا سفينته كما هو المتعارف في أصحاب السفن الكبار التي فيها عيالهم وما يتعيشون به، لا مطلق من كان ملاحا أو صاحب السفينة إلا باندارجه في الشرط الآتي وكون السفر عملا له لا من حيث كون السفينة منزلا له، كما نص به في رواية الخصال عن ابن أبي عمير (4). المسألة السادسة [ في إعتبار كون السفر عملا له ] في الشرط السادس وهو على ما عن غير واحد أن لا يكون كثير السفر، وعن المحققين كما هو المستفاد من الاخبار أن لا يكون السفر عملا له، وكونه شرطا لحدوث القصر أو شرطا لبقائه واستمراره، فيه خلاف، فان كان بالاضافة إلى الكثرة من قبيل السلب المقابل للايجاب كان شرطا للحدوث مطلقا، فإن كل


(1) الوسائل: ج 5، ص 516، الباب 11 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 9. (2) الوسائل: ج 5، ص 516، الباب 11 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 5. (3) الوسائل: ج 5، ص 516، الباب 11 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 7. (4) الوسائل: ج 5، ص 517، الباب 11 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 12، وفي الخصال ج 1، ص 302 باب الخمسة (خمسة يجب عليهم التمام في السفر).

[ 90 ]

مسافر لم يكن معنونا بأحد تلك العناوين الآتية، في سفره يقصر لانه غير كثير السفر، وان كان من قبيل العدم المقابل للملكة فلا يتصور عدم الكثرة إلا فيمن شأنه كثرة السفر. فالمسافر سفرتين لم يكن معهما إقامة العشرة كثير السفر، والمسافر الذي تحقق منه السفر لكنه إما لم يتعدد وإما كان بينهما إقامة فهو غير كثير السفر. وفي مثله ربما يتوهم أن عدم الكثرة شرط لاستمرار القصر، كما نقل عن المقاصد العلية (1) بتخيل انه مع السفرة الاولى يجب عليه القصر، وكذا في الثانية، فإذا أقام بعدهما إستمر قصره وإلا انقطع وثبت الاتمام مع انك قد عرفت سابقا أن الحدوث والبقاء يلاحظان بالاضافة إلى سفر واحد وذلك الواحد، الذي يترتب منه القصر هي السفرة الثالثة، فانه مع إختلال السفرتين بالاقامة يحدث لها القصر وإلا فيحدث له الاتمام. ومنه تبين أنه لا يعقل أن يكون هذا الشرط شرطا لاستمرار القصر، إذ مع الاقامة بعد السفرتين يتعدد السفر شرعا فلا استمرار، ومع عدمها يحدث وجوب الاتمام. فما عن الشيخ الاجل (2) (قدس سره): من توجيه الاستمرار بارادة السفر الشرعي، غير مفيد، فانه وإن اتحد السفر شرعا بعدم القاطع وتعدد بتعدد المقاصد إلا أنه لا يعقل معه إستمرار القصر لما مر. نعم من يقول بكفاية إتخاذ أحد العناوين الآتية حرفة في وجوب الاتمام له أن يتعقل شرطية ذلك حدوثا وبقاء لامكان الاتخاذ حرفة في ابتداء السفر وفي أثنائه وحينئذ فعدمه إبتداء شرط لحدوث القصر، وعدمه بقاء شرط لبقائه. وكيف ما كان فتنقيح المرام في هذا الشرط بتوضيح الكلام في أمور: الامر الاول إن كثرة السفر بما هي أو كون سفره أكثر من حضره إنما هو في كلمات


(1) المقاصد العلية: ص 120، في بحث صلاة المسافر.

(2) كتاب الصلاة للشيخ الانصاري: ص 392.

[ 91 ]

الاصحاب دون أخبار الباب، بل المدار في أخبار الباب على أحد أمرين: إما تحقق عناوين المكاري والجمال والتاجر الذي يدور في تجارته ونحوها كما هو مفاد جملة منها، وإما كون السفر عملا له كما هو مقتضى جملة من النصوص منها قوله (عليه السلام): " أربعة يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو حضر: المكاري، والكرى، والراعي، والاشتقان (1) لانه عملهم " (2) ولا منافاة بين الطائفتين إذ مجرد الحكم بالاتمام في الطائفة الاولى لا يأبى عن أن يكون باعتبار نفس تلك العناوين، أو باعتبار إندراجها تحت جامع كما هو مقتضى الطائفة الثانية، والتعليل فيها بمنزلة الكبرى الكلية التي ذكرت لادراج تلك العناوين فيها، بل غيرها أيضا ممن يكون السفر عملا له. وعليه فالمدار في هذا الشرط على أن لا يكون السفر عملا له، لا على عدم كثرة السفر، ولا على عدم اتصافه باحد تلك العناوين بما هي. الامر الثاني بعد ما عرفت من أن المدار على الكلية المستفادة من التعليل، فهل المراد منه أن كل من كان السفر عملا له يتم، أو أن كل من كان تلك المبادئ من المكاراة والتجارة ونحوها عملا له يتم إذا سافر في عمله ويترتب عليهما ثمرات سننبه عليها إن شاء الله تعالى. والذى فهمه الاصحاب هو الاول. والذي قواه بعض أجلة العصر (رحمه الله) هو الثاني. ولعله لذكر المبادئ في ضمن، مشتقاته المذكورة في الرواية فيصح رجوع الضمير في قوله (عليه السلام) " لانه عملهم " إليها دون السفر الذي لم يذكر فيها والصحيح هو ما فهمه الاصحاب لان قوله (عليه السلام) " لانه عملهم " تعليل بأمر واحد متساوي النسبة إلى جميع الذوات المعنونة بتلك العناوين، وليس ذلك إلا السفر فإنه عمل الكل. وأما المبادى فكل مبدء عمل الواحد منهم وإرجاع


(1) قيل هو الامير الذي يبعثه السلطان على حفاظ البيادر، وقيل الاشتقان، البريد، وفي الذكرى: امير البيدر، والبيدار الموضع الذي يداس فيه الطعام، مجمع البحرين مادة شقن. (2) الوسائل: ج 5، ص 515، الباب 11 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 2، مع اختلاف يسير.

[ 92 ]

الضمير إلى عنوان المبدأ بالحمل الاولي مما لا ينبغي التفوه به. وتقوم تلك العناوين بالسفر مصحح جعل السفر عملا لهم، وإلا فالسفر بما هو ليس عملا لاحد. الامر الثالث بعدما عرفت من أن المدار في وجوب الاتمام على كون السفر عملا لمن يتم، يقع الكلام فيما به تتحقق عملية السفر. وتوضيحه: ان السفر وإن كان عملا من الاعمال إلا أنه لا يراد قطعا من عملية السفر هذا المعنى وإلا لكان كل مسافر كذلك، بل لا يصدق كون شئ عملا له وشغلا له إلا باتخاذه حرفة له، وإتخاذ عمل حرفة وإن كان قصديا إلا أنه ليس تمام حقيقة القصد، بل لابد من التلبس بما اتخذه حرفة له حتى يكون محترفا خارجا. ولا يخفى أيضا أن إتخاذ عمل حرفة لا يكون إلا بالعزم عليه طول السنة أو معظمها مثلا فلا معنى لاتخاذ المكاراة في سفر واحد أو اثنين حرفة، فالتكرر مما يتقوم به الاحتراف واتخاذ عمل حرفة، ومن البين أن كون العمل المكرر حرفة أمر، واعتبار تكرر العمل المتخذ حرفة مرتين أو ثلاث في وجوب الاتمام أمر آخر، مع وضوح أنه لو عزم على المكاراة في سفرتين أو ثلاث أو أربع فقط لا يحقق الاحتراف، ولا يوجب الاتمام. بل لا بد من البناء على العمل المكرر في طول السنة أو معظمها على ما سيجئ إن شاء الله تعالى. واعتبار التكرر بهذا المعنى خارجا غير صحيح، لانه إن كان بنحو الشرط المتقدم أو المقارن لزم عدم الاتمام إلا بعد مضي السنة أو معظمها، وإن كان بنحو الشرط المتأخر لزم بطلان الاتمام واقعا مع عدم التكرر خارجا في السنة مثلا، مع أنه من المتفق عليه صحة الاتمام بعد ثلاث سفرات واقعا وإن أعرض بعده عن المكاراة مثلا. فيعلم من جميع ذلك أن المسوغ للاتمام إتخاذ العمل المكرر حرفة مع تلبسه بالعمل الذي إتخذه حرفة، واعتبار أزيد من ذلك يحتاج إلى دليل، وما يستند إليه في إعتبار التكرر خارجا روايتان: إحداها: مكاتبة ابن حزك " قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث (عليه

[ 93 ]

السلام) أن لي جمالا ولي قواما عليها وليست أخرج فيها إلا في طريق مكة لرغبتي في الحج أو في الندرة إلى بعض المواضع، فما يجب علي إذا أنا خرجت معهم أن أعمل؟ أيجب علي التقصير في الصلاة والصيام في السفر أو التمام؟ فوقع (عليه السلام) إذا كنت لا تلزمها ولا تخرج معها في كل سفر إلا في طريق مكة فعليك القصر والافطار " (1). والجواب: أن ظاهرها الملازمة والخروج معها في كل سفر، فان اريد به الملازمة والخروج خارجا بحيث يكون شرطا لحدوث وجوب الاتمام فقد عرفت أنه بجميع أنحاء الشرطية من المقارن والمتقدم والمتأخر غير صحيح لانه خلاف المتفق عليه بين الاصحاب، وإن اريد به الملازمة والخروج في مقام إتخاذ المكاراة حرفة في قبال إتخاذ نفس كري الدواب حرفة من دون الخروج معها فهذا غير مفيد لاعتبار السفرتين أو الثلاث. وظاهر السؤال يساعد الثاني حيث إنه غير عازم على الخروج إلا في طريق مكة مثلا - وهذا غير مفيد في اتخاذ السفر شغلا وحرفة، وأما إذا اريد الملازمة والخروج خارجا بعد اتخاذ العمل المكرر حرفة بحيث تكون الملازمة والخروج شرطا لحدوث وجوب الاتمام ولبقائه فهو غير ضائر بنا، لان مقتضاه أن الخروج في السفرة الاولى شرط للحدوث، والخروج بعدها شرط للبقاء، فلا دلالة له على اعتبار السفرتين أو الثلاث في حدوث وجوب الاتمام. ثانيتها: صحيحة هشام وهي: " المكاري والجمال الذي يختلف وليس له مقام، يتم الصلاة ويصوم شهر رمضان " (2). وتقريبها: أن الاختلاف هو التردد إلى الشئ بالذهاب والاياب ثم العود إليه، فتدل على اعتبار السفرتين في حدوث وجوب الاتمام. والجواب: ان الاختلاف المأخوذ في موضوع الحكم غير مختص بمرة، بل مادام مكاريا، فحاله حال الرواية الاولى من حيث كون اختلاف خارجا شرطا مقارنا


(1) الوسائل: ج 5، ص 518، الباب 12 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 4، مع اختلاف يسير. (2) الوسائل ج 5، ص 515، الباب 11 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1.

[ 94 ]

أو متقدما أو متأخرا، غير صحيح واتخاذ العمل الذي يختلف فيه غير مجد في اعتبار السفرتين أو الثلاث خارجا. نعم إعتبار الاختلاف خارجا شرطا للحدوث والبقاء، يجدي في اعتبار السفرتين، وليس كاعتبار الخروج مع الدواب بحيث يتحقق بالسفرة الاولى إلا أن عتبار الاختلاف بقاء كاعتباره حدوثا، يقتضي تحقق سفرتين في البقاء أيضا زيادة على اعتباره في الحدوث بمعنى الاتمام في السفرة الثالثة، ثم في الخامسة، ثم في السابعة، وهكذا، ولا يقول به أحد. ولو جعلنا ما يتقوم به الاختلاف في المرتبة الاولى مقوما في المرتبة الثانية وهكذا، إندفع المحذور ووجب الاتمام، بقاء لتحقق الاختلاف دائما، إلا أنه لا يقول أحد بلزوم أصل الاختلاف في غير المرتبة الاولى حتى يكتفي في تحققه في سائر المراتب بجعل المقوم له في كل مرتبة مقوما له في مرتبة تليها. فالمظنون قويا أن المراد من الاختلاف هو ما عبر عنه في الرواية الاولى بالملازمة والخروج مع الدواب في كل سفر، والتعبير بالاختلاف في المكاري لنكتة، وهي أن الغالب أن المكاري يشتغل بالمكاراة في طريق خاص كالمكاراة من النجف إلى كربلاء، فتكرر العمل ملازم للاختلاف. واتضح من جميع ما ذكرنا أن المحقق لعملية السفر اتخاذه شغلا وحرفة والتلبس به فقط فيتم في السفرة الثانية، بل لولا مخافة مخالفة المشهور كان مقتضى القاعدة الاتمام في السفرة الاولى، لان الاصل في الشرط أن يكون شرطا مقارنا، لا شرطا متقدما حتى لا يجب الاتمام إلا بعد التلبس زمانا إذ لم ينقل القول بالاتمام في السفرة الاولى إلا من إبن فهد في الموجز (1)، وربما ينسب إلى ابن إدريس (2) أيضا. نعم من يجعل المدار على كثرة السفر فأول مراتب الكثرة هي السفرات الثلاث وحينئذ إن كانت الكثرة بنحو الشرط المقارن وجب الاتمام في السفرة


(1) لم نعثر على كتاب الموجز لانه عزيز الوجود. (2) كتاب السرائر: 79.

[ 95 ]

الثالثة، وإن كانت بنحو الشرط المتقدم وجب الاتمام بعد تحقق السفرات الثلاث بعدية زمانية فيتم في السفرة الرابعة. لكنك قد عرفت أن الكثرة بما هي لا دليل على اعتبارها، وان المعتبر كون السفر عملا وشغلا وحرفة، وقد مرما يحققه. فتدبر جيدا. وينبغي التنبيه على فروع. منها: إنه لو احتطب مثلا فيما دون المسافة بحيث صار حرفة وشغلا له ثم سافر إلى ما يبلغ المسافة للاحتطاب فهل يتم أو يقصر؟ مقتضى ما مر من أن الاعتبار بعملية السفر وهو المقابل للحضر، عدم الاتمام إلا بعد الاحتطاب إلى ما يبلغ المسافة، فمجرد اتخاذ الاحتطاب إلى ما دون المسافة حرفة لا يحقق كون السفر عملا له. وبعبارة أخرى مقتضى المناسبة بين الحكم والموضوع إن السفر الموجب للقصر إذا صار عملا وشغلا له يجب الاتمام فيه، لا أنه إذا صار شئ آخر حرفة له يوجب الاتمام في سفره، فلا عبرة بمجرد صدق عناوين المكاري والحطاب في كونه موجبا للاتمام في سفره، بل إذا صارت هذه العناوين المتقومة بالسفر شغلا له يوجب الاتمام. ومما ذكرنا تبين إن ذكر الراعي والتاجر الذي يدور في تجارته لا يدل على عدم اعتبار المسافة في وجوب الاتمام في سفره نظرا إلى أن الراعي للمواشي لا يحتاج دائما إلى قطع المسافة، وكذا التاجر الذي يدور في تجارته. ووجه عدم الدلالة إن المدار كما مر على عملية السفر وإن السفر الذي يوجب القصر إذا كان عملا له لتقوم رعيه وتجارته ومكاراته وجبايته به يوجب الاتمام. فهذه العناوين إنما توجب الاتمام بعد تحقق جميع الشرائط المعتبرة في القصر ومنها قصد المسافة. ومنها: إنه إذا كان الاحتطاب شغلا له فصارت المكاراة شغلا له من دون تخلل الاقامة، فهل يبقى على التمام أو يقصر إلى أن تصير المكاراة حرفة له ومتلبسا بها فيتم في السفرة الثانية؟ وحيث إن المدار على عملية السفر، لاعلى خصوصيات العناوين المزبورة والمفروض تحقق عملية السفر فله الاتمام في أول سفرة للمكاراة بخلاف ما إذا جعل المدار على عملية المبادئ وقد بينا فساد مبناه سابقا.

[ 96 ]

ومنها: ان الاعتبار في صيرورة السفر شغلا له، هل على عملية السفر في تمام السنة أو في معظمها؟ أو يكفي عملية السفر في الصيف أو الشتاء مثلا؟ ولا ريب في أن صيرورة عمل حرفة له لا يتقوم إلا بتكرر العمل فيما يتعارف فيه ذلك الشغل، فإن التجارة في الاسواق، أو جباية الاموال، أو حفظ البيادر (1)، أو رعي المواشي ليست في تمام السنة، بل في أوقات مخصوصة، فلا اعتبار بتمام السنة أو معظمها. ومنها: أن المقوم لكون العمل حرفة وشغلا هل هو تكرر العمل أو مزاولته (2) في معظم السنة ولو بامتداده وطوله كما كان من المتعارف من حمل الحجيج من إيران إلى العراق إلى مكة المكرمة بحيث كان شاغلا لمعظم السنة مع عدم تكرر العمل ولا ريب في أن السفر الذي لم يتعدد ولو بتعدد المقاصد، سفر واحد وإن طالت مدته، ولا يصدق على الباني عليه في سنة واحدة أنه اتخذ المكاراة لحمل الحجيج حرفة له، وإنما يصدق عليه بملاحظة تكرره في السنين فإن الاعمال تختلف من حيث التكرر فربما يتكرر في شهر وأخرى، في سنة وثالثة في السنين والحرفة متقومة بالتكرر لا باشتغال السنة ولو بسفر واحد من جميع الجهات، كما عرفت من عدم صدق اتخاذه حرفة إذا كان بناؤه على سفر واحد شاغل للسنة. ومنها: بعد ما عرفت من لزوم التكرر في إتخاذ الشئ حرفة فهل التكرر بتعدد السفر حقيقة أو يكفي فيه تعدد المقاصد؟ لا ريب في أن التعدد الحقيقي لا يكون إلا بالرجوع إلى موطنه ومنزله أو بالاقامة عشرة أيام، ولا ريب في أن إقامة العشرة ترفع حكم الكثرة فكيف يعقل أن ينوط بها الكثرة، كما لاريب في أن الرجوع إلى المنزل غير لازم كما في الجابي الذي يدور في جبايته، والامير الذي يدور في إمارته، والتاجر الذي يدور في تجارته فانهم يتمون وإن لم يرجعوا بعد كل جباية أو إمارة أو تجارة إلى منازلهم. وعليه فالمكاري الذي يكري دوابه إلى كربلاء مثلا إذا كرى


(1) مر معنى البيدر في حاشية رقم (1) من ص 308. (2) والمزاولة: مثل المحاولة والمعالجة، وتزاولوا، تعالجوا. مجمع البحرين مادة زول.

[ 97 ]

دوابه إلى بغداد ثم إلى سامراء مثلا يكون حكمه على المشهور حكم كثير السفر لتعدد السفر بتعدد المقاصد لا بتعدده حقيقة. ومنها: أن المكاري إذا سافر للحج أو للزيارة لا بعنوان المكاراة يجب عليه التقصير لا لانه ليس في هذا السفر مكاريا لفرض عدم كري دوابه، وذلك لان كري الدواب ليس مناطا للاتمام، ولذا لاشبهة في أن المكاري إذا حمل الغير ومتاعه مجانا وجب عليه الاتمام، بل لان الملاك كون الخروج مع الدواب شغلا وعملا له، وسفره إلى الحج والى الزيارة على الفرض ليس بعنوان الملازمة لدوابه ولذا لو كان قصده الزيارة بتبع خروجه مع دوابه، وجب عليه الاتمام، ومنه تبين حال ما إذا سافر لحمل عياله أو متاعه فانه من حيث كون سفره بعنوان الخروج مع دوابه وملازمته لها يكون سفره سفرا فيما هو شغله وعمله، كما إذا حمل متاع الغير مجانا كما مر. ومنها: أن عملية السفر هل هي مقصورة على ما يكون حرفة كالمكاراة والتجارة والجباية وأشباهها؟ أو مجرد تكرر العمل كاف في عملية السفر؟ فإذا بنى على زيارة الحسين (عليه السلام) في كل ليلة جمعة فقد بنى على العمل المكرر المتقوم بالسفر من دون أن يكون حرفة بخلاف ما إذا صار أجيرا للزيارة في كل جمعة مثلا فان إعداد نفسه للاجارة إتخاذ لها حرفة، ومقتضى صدق عملية السفر على ما إذا بنى على العمل المكرر الحكم بالاتمام في مثله، إلا أن الظاهر من كون السفر عملا وشغلا عرفا كونه معدودا من الاشغال المذكورة في الرواية من المكاراة والجباية والتجارة ونحوها، فالتعدي إلى مطلق البناء على العمل المكرر في غاية الاشكال، كما أن مقتضى القصر على كثرة السفر بما هي كما هو ظاهر عبارات الاصحاب الحكم بالاتمام، لكنك قد عرفت أن الكثرة بما هي لا اعتبار بها. الامر الرابع المعروف بل قيل إنه مقطوع به بين الاصحاب أنه يعتبر في الاتمام على المكاري وغيره عدم الاقامة عشرة أيام فهي مانعة عن تحقق الكثرة أو رافعة لها بعد تحققها،

[ 98 ]

ويكفي في أصل إعتباره مرسلة يونس (1) المنجبر إرسالها بعمل الاصحاب، ولا يلتفت إلى ماعن هكذا الاصل بعض المتأخرين من الخدشة في سندها، أو الخدشة في دلالة بعض الاخبار المستدل به هنا. إنما الكلام في امور ينبغي التنبيه عليها: أحدها: أن الاقامة المذكورة هل هي رافعة لحكم كثرة السفر؟ وهو مقتضى شرطية عدمها أو انها رافعة للموضوع اعتبارا وتنزيلا؟ ومقتضاه كون عدمها مقوما للموضوع اعتبارا شرعا، ويترتب على كون الاقامة رافعة للموضوع كون المسافر بعد الاقامة كالمبتدئ بالسفر لابد في إتمامه من سفرتين أو ثلاث على الخلاف. وعلى كون الاقامة رافعة للحكم بقاء الموضوع على حاله، والمتيقن من شرطية عدم الاقامة شرطية عدمها لترتب الحكم على لسفرة الاولى دون الثانية والثالثة، فيتمسك بإطلاق مادل على وجوب الاتمام على كثير السفر. والظاهر من روايات الباب هو الاول، إذا لادلالة لها إلا على أن المقيم يجب عليه القصر في سفره ويرتفع عنه وجوب الاتمام، فيفيد شرطية عدم الاقامة لوجوب الاتمام على المكاري مثلا. والثاني يتوقف على تنزيل المكاري مع الاقامة منزلة من لم يكن مكاريا، نظير تنزيل المقيم في أخبار عرفات منزلة أهل مكة بعنوانه في لسان الاخبار، مضافا إلى أن ظاهر التعليل بقوله (عليه السلام) " لانه عملهم " (2)، أن الكبرى الكلية من كان عمله السفر يتم، ولا يزول هذا العنوان إلا بالاعراض عن الحرفة لا باقامة العشرة، فمع إنحفاظ العنوان وقصور دليل الشرطية في غير السفرة الاولى يجب العمل بتلك الكبرى الكلية وأما ما في صدر المرسلة بقوله " سألته عن حدالمكاري... الخ " (3)، فليس سؤالا عن الحد المصطلح المتكفل لبيان حقيقة الشئ وما يتقوم به حتى يستكشف منه أن للمكاري حقيقة عند الشارع غير ما عند العرف، بل شروط الشي ء عرفا من حدوده كما هو واضح، مع أن التعبير بالحد في سؤال الراوي لا في


(1) الوسائل: ج 5، ص 517، الباب 12 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1. (2) الوسائل: ج 5، ص 517، الباب 11 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 12. (3) الوسائل: ج 5، ص 517، الباب 12 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1.

[ 99 ]

جواب الامام (عليه السلام). وعن شيخنا العلامة الانصاري (قدس سره) في بعض تحريراته في صلاة المسافر تقوية الوجه الثاني، أعني رافعية الاقامة للموضوع شرعا، وإنه لابد بعد الاقامة من تحقق سفرتين أو ثلاث كالابتداء، بدعوى إستفادته من صحيحة هشام المتضمنة لقوله (عليه السلام) " يختلف وليس له مقام " فإنه علق وجوب التمام على الاختلاف الغير المقرون بالاقامة فإذا تحققت الاقامة فلا يجوز الاتمام، إلا إذا حدث إختلاف غير مقرون بالاقامة لان اختلاف السابق قد قرن بها (2) انتهى كلامه رفع مقامه. واستظهر (قدس سره) في موضع آخر (إن قوله (عليه السلام): " وليس له مقام " (3) قيد لقوله (عليه السلام): " يختلف ") (4). وعليه فالموضوع عنده هو الاختلاف الخاص وقد زال جزما. إلا أنه خلاف الظاهر جدا. فإن الظاهر إن قوله (عليه السلام) " المكاري الذي يختلف وليس له مقام " إن كونه يختلف، وكونه ليس له مقام، كلاهما وصف للمكاري، لا أن الثاني لوحظ من شؤون الاول وقيوده حتى يكون الاختلاف إختلافا خاصا تلبس به المكاري لينتج ما أفاده (رحمه الله). فزوال أحد الوصفين لا ربط له بزوال الآخر. ثم اعلم أنه بناء على ما اخترناه من أن إتخاذ العمل حرفة والتلبس به كاف في وجوب الاتمام، فان جعلنا التلبس به بنحو الشرط المقارن لوجوب الاتمام كانت الاقامة دائما رافعة لحكم الكثرة، وإن جعلناه بنحو الشرط المتقدم لوجوب الاتمام فيما بعد التلبس فهي دافعة تارة ورافعة اخرى، فإذا تحققت بعد التلبس بالسفرة الاولى كانت مانعة عن وجوب الاتمام في الثانية، وإذا تحققت بعد السفرتين وأزيد كانت رافعة لحكم الاتمام. لا يقال إذا بنيت على كفاية اتخاذ العمل حرفة والتلبس به، فما الفرق بين السفرة الاولى والثانية بعد الاقامة؟ وحينئذ يلغو اعتبار شرطية عدم الاقامة لوجوب


(1 و 3 و 4) الوسائل: ج 5، ص 515، الباب 11 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1. (2) كتاب الصلاة: ص 396.

[ 100 ]

الاتمام في ما بعدها. لانا نقول شرطية عدم الاقامة كما هو ظاهر دليلها عدم الاقامة بعد التلبس بالسفر، والسفرة الاولى خارجة موضوعا، فلا مانع من الحكم بالاتمام في السفرة الاولى دون الثانية بعد الاقامة، فكان تخلل الاقامة رافع للحكم. ثانيها: لاشبهة في أن الاقامة في غير منزله كالاقامة في منزله في الجملة لوجهين: أحدهما: التصريح به في المرسلة (1)، بل وفي بعض الصحاح أيضا. ثانيهما: ما ذكره شيخنا العلامة الانصاري (2) (قدس سره) من عموم المنزلة الثابتة بقوله (عليه السلام) في أخبار عرفات: " من كون المقيم بمكة عشرة أيام بمنزلة أهل مكة ". وإذا كان المقيم في غير بلده بمنزلة أهل ذلك البلد ترتب عليه جميع آثاره. ومنها انه إذا أقام عشرة أيام إنقطع عنه حكم كثرة السفر. وفيه أولا: إن الاقامة الموجبة لانقطاع حكم كثرة السفر مترتبة على كون المقيم أهلا للبلد وعليه فموجب التنزيل وصيرورة المسافر بمنزلة أهل البلد حيث إنه نية الاقامة فقط لا الاقامة المنوية أو الاقامة بما هي. فنقول إن نية الاقامة في غير البلد الحقيقي إن كانت دخيلة في انقطاع حكم كثرة السفر جاء المحذور لان الواحد وهي النية لا يعقل أن تكون محققة للاهلية ومقومة لما يترتب على الاهلية وإن لم تكن دخيلة في انقطاع كثرة السفر، فالدليل أخص من المدعى، لان الاقامة إن كانت مع النية كانت كالاقامة من أهل البلد وإلا فلا. مع أن الاقامة في غير البلد بلا نية رافعة لحكم كثرة السفر على الفرض فكيف يمكن أن يكون مدركه عموم التنزيل. ولا يخفى عليك ان محذور كون نية الاقامة محققة للاهلية ومقومة للاقامة المنوية ليس مجرد عدم المعية الطبعية بين الاهلية ونية الاقامة المقومة لها ليقال بأن المقارنة الزمانية كافية، بل لان الشئ الواحد لا يعقل أن يوصف بالتقدم الطبعي والتأخر الطبعي بالنسبة إلى شئ واحد، للزوم إجتماع المتقابلين وما نحن فيه كذلك، فان


(1) الوسائل: ج 5، ص 517، الباب 12 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1. (2) كتاب الصلاة ص 396.

[ 101 ]

نية الاقامة متقدمة على الاهلية طبعا لكونها علة لها، وهي متأخرة عن الاهلية لكونها مقومة للاقامة المنوية، والاهلية متقدمة عليها تقدم الشرط على مشروطه، ولا يعقل تعدد نية الاقامة لتكون إحداهما متقدمة على الاهلية والاخرى متأخرة عنها، إذ لا يعقل إنبعاث الفعل عن قصدين، فتدبر فانه حقيق به. وثانيا: ان دليل التنزيل لا يعقل أن يعم انقطاع السفر، وانقطاع كثرة السفر، لان المراد بالمقيم بمكة بمنزلة أهلها إما ناوي الاقامة وإما المقيم عن نية ولا ثالث، لان الاقامة المجردة لا يقطع أصل السفر حتى يكون بمنزلة اهل البلد، فان اريد منه ناوي الاقامة فهذا الموضوع لا أثر له إلا انقطاع السفر، كما أن مورده كذلك لسوقه في مقام أن الخروج إلى عرفات سفر جديد وانقطاع السفر، ولا يتوهم كفاية ذلك في المقام لان الناوي إذا صار بمنزلة الاهل يترتب عليه حكم من أقام في بلده عشرة أيام، وذلك لان ذلك الدليل متكفل للاقامة في البلد الحقيقي. وأما أن الاقامة في البلد التنزيلي أيضا كذلك فهو موقوف على ترتيب هذا الاثر بنفس دليل التنزيل، والمفروض أن موضوعه ناوي الاقامة ولا أثر له إلا انقطاع السفر. وإن اريد منه المقيم خارجا عن نية فهو موضوع لانقطاع كثرة السفر لا لاصل السفر لعدم دخل الاقامة في انقطاع أصل السفر ولا جامع بين الموضوعين حتى يجمع بين الحكمين. والتحقيق أن الخدشة في عموم التنزيل من حيث كون سوق الرواية لانقطاع أصل السفر صحيحة، إلا أن دعوى عدم المعقولية مدفوعة بان ناوي الاقامة بما هو وإن كان لا يترتب عليه إلا إنقطاع سفره، لكنه له أحكام تعليقية مترتبة على موضوعاتها كنفس أهل البلد، ومنها إن ناوي الاقامة إذا أقام ينقطع كثرة سفره. ثالثها: لا شبهة في عدم اعتبار النية في الاقامة في البلد، بل ادعي عليه الاجماع من غير واحد، وأما الاقامة في غير البلد فهي محل الكلام بين الاعلام من حيث إعتبار النية فيها وعدمه، وما يمكن الاستناد إليه لكفاية الاقامة المجردة عن النية، إطلاق المرسلة (1) خصوصا مع تقابل الاقامة في غير البلد مع الاقامة في البلد مع


(1) أي مرسلة يونس، الوسائل: ج 5، ص 517، الباب 12 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1.

[ 102 ]

الجزم بعدم اعتبار النية في الثانية، ولا يمكن الاستناد إلى عموم التنزيل لنفي اعتبار النية نظرا إلى أن إقامة أهل البلد لا تتوقف على النية في نفي حكم كثرة السفر، وذلك لان صيرورته منزلة أهل البلد متوقفة على نية الاقامة فيلزم من ترتيب هذا الاثر وهي كفاية الاقامة بلا نية ما يشبه استلزام وجود الشئ لعدمه وهو محال، فترتيب هذا الاثر عليه محال، ولا يعقل مع كون الموضوع ناوي الاقامة إطلاق الاقامة من حيث وجود النية وعدمها، فلا يعقل اقتضاء التنزيل لكفاية الاقامة المجردة ثبوتا وإثباتا. وعن غير واحد منهم شخنا العلامة الانصاري (قدس سره) الاستناد في اعتبار النية إلى دعوى الملازمة بين انقطاع كثرة السفر وانقطاع السفر قائلا: " إن الاقامة مع عدم النية سفر شرعا وليس إلا كمكث المسافر في أثناء سفره ولا ينقطع به نفس السفر ولاكثرته " (1)، بل عن بعض أجلة العصر (رحمه الله) " إنه لا يمكن أن تكون الاقامة الغير المخرجة عن كونه مسافرا مانعة عن تحقق الكثرة ". والانصاف ان كله جزاف، فان المكاري إذا أعرض عن عمله في أثناء سفره ينقطع عنه كثرة السفر، وعملية السفر، ولا ينقطع سفره، وكذا العكس، فان الداخل إلى بلده ينقطع سفره ولا ينقطع الكثرة. هذا في دعوى الملازمة بين الانقطاعين كلية. وأما الملازمة بين الانقطاعين بخصوص الاقامة، فالاقامة في البلد بنفسها قاطعة للكثرة دون أصل السفر، فانه بحضوره ينقطع سفره لا بالاقامة. ودعوى الملازمة بين انقطاع كثرة السفر بالاقامة مع أصل انقطاع السفر، بتقريب ان المراد من الرواية انه إن كان مقامه في منزله أو فيما هو بحكم منزله، مدفوعة بان الظاهر من الرواية، الاقامة في غير بلده من دون تقييده بكونه بحكم منزله، فدعوى الملازمة بلا بينة، ومنه يعرف أن التشكيك في إطلاق المرسلة ودعوى انصرافه إلى الاقامة عن نية لشبهة الاستلزام غير وجيه. نعم حيث إن المشهور على اعتبار النية في الاقامة في غير البلد ومستند أصل


(1) كتاب الصلاة: ص 428.

[ 103 ]

الحكم هي المرسلة المحتاجة إلى الانجبار بعمل الاصحاب واستنادهم إليها، فلا جابر لها مع عدم النية، فلا يمكن الركون في نفي اعتبار النية إلى الاطلاق. وعليه فاللازم الرجوع إلى أدلة عملية السفر حيث لا حجة على تقييدها بالاقامة المجردة. نعم إن كانت الاقامة قاطعة للموضوع لا رافعة للحكم كانت الشبهة موضوعية واللازم إجراء اصالة بقاء الموضوع فيتحد مع الاول في الاثر، وطريق الاحتياط واضح. رابعها: في حكم المتردد ثلاثين يوما في غير بلده من حيث رافعية حكم كثرة السفر. ولابد من تمهيد مقدمة هي: ان وجوب الاتمام فقط أمر لا يلازم انقطاع السفر الموجب لكون السفر الواقع بعده مشروطا ببلوغ المسافة، بخلاف وجوب الاتمام فقط فان سفره متمم السفر الاول، ولا مانع من أن يكون السفر الواحد محكوما تارة بالقصر، واخرى بالاتمام، كما أن انقطاع السفر بمجره غير صيرورته أهلا للمحل ليترتب عليه حكم أهل البلد من انقطاع حكم كثرة سفره بالاقامة. إذا عرفت ذلك فاعلم أن في المسألة كما عن شيخنا الاعظم (1) (قدس سره) " وجوها، بل أقوالا ثلاثة ": القول بكفاية الثلاثين مترددا في انقطاع السفر وكثرته معا. والقول بلزوم إقامة العشرة بعده. والقول بعدم الكفاية مطلقا. أما القول بالكفاية مطلقا فهو مبني على عدم اعتبار النية في الاقامة القاطعة لحكم الكثرة بمقتضى إطلاق المرسلة، فمن حيث تحقق الثلاثين ينقطع أصل السفر، ومن حيث تحقق العشرة في ضمنها تنقطع كثرة السفر، وإنما لا نقول بانقطاع الكثرة بمجرد إقامة العشرة بلانية للملازمة المدعاة بين انقطاع السفر وانقطاع كثرته، ومحققه تارة نية الاقامة مع تعقبها بها، واخرى العشرة في ضمن الثلاثين. وأما القول بلزوم إقامة العشرة بعد الثلاثين مترددا بعد الاستناد إلى المرسلة بضميمة دعوى الملازمة، فالوجه فيه إنا لا نقول بلزوم انقطاع كثرة السفر بعد انقطاع أصله إلا أنه لا اقل من المعية بين موجبهما، ومن المعلوم انقطاع السفر بتمام الثلاثين وكل عشرة تفرض في الثلاثين لا معية لها مع تمام الثلاثين، فلابد من


(1) كتاب الصلاة: ص 428.

[ 104 ]

الالتزام بانقطاع كثرة السفر قبل إنقطاع أصله وهو مناف للملازمة المدعاة هنا. وأما لزوم النية في هذه العشرة الواقعة بعدها فيختلف من حيث اختلاف المدرك، فان استندنا في قاطعية الاقامة في غير المنزل إلى المرسلة مع التحفظ على انجبارها باستناد الاصحاب، فلابد من النية، لالدخلها في قاطعية السفر حتى يكتفى بقاطعية الثلاثين، بل لدخلها في قاطعية الكثرة في غير المنزل، حيث لاجابر للمرسلة بدون النية، وإن استندنا إلى عموم المنزلة المدعاة بقولهم (عليهم السلام): " والمقيم إلى شهر بمنزلتهم " فينقطع سفره بالثلاثين مترددا، وتنقطع كثرته بكونه أهلا للبلد تنزيلا فيترتب عليه حكمهم وهي قاطعية الاقامة بما هي لكثرة السفر. ولا يرد عليه شئ من المحاذير الواردة على نية الاقامة لا نقطاع السفر بالثلاثين المتقدمة على الاقامة من دون فرض النية، فلا مانع ثبوتا ولا إثباتا. نعم إذا قلنا بأن اعتبار النية، عند المشهور، وعدم العمل باطلاق المرسلة، بسبب إرتكاز الملازمة بين انقطاع السفر وانقطاع كثرته، فلذا اقتصروا في الاقامة الابتدائية على الاقامة مع النية، فالمرسلة أيضا كدليل المنزلة، لان المفروض حصول انقطاع السفر بالثلاثين مترددا، فلا مانع حينئذ من العمل باطلاق المرسلة. وأما القول بعدم كفاية الثلاثين حتى مع الاقامة عشرا، فالوجه فيه عدم صحة التمسك بدليل المنزلة هنا لما في الخبر المتكفل لها من وجوه الاشكال كما قدمناه في المباحث السابقة، وعدم تعرض المرسلة إلا للاقامة الابتدائية لا مطلق الاقامة ولو بعد التردد ثلاثين يوما، والاشكال الاول في محله دون الثاني خصوصا إذا كان مع النية والله أعلم. خامسها: هل عدم إقامة العشرة شرط في خصوص المكاري كما هو ظاهر جميع نصوص الباب؟ أو يعم سائر أصناف كثير السفر؟ أما بناء على أن تلك العناوين المذكورة في الروايات بما هي موضوعات لوجوب الاتمام، فمن الواضح أن تقييد بعضها بقيد لا يقتضي تقيد بقية العناوين. وأما إذا قلنا بانها بما هي من حصص الجامع المستفاد من قولهم (عليهم السلام) " بانه عملهم " (1) فنقول: إن الجامع إذا


(1) الوسائل: ج 5، ص 517، الباب 11 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 12.

[ 105 ]

قيد بقيد فلا محالة يسري في جميع حصصه، وأما إذا كان المفروض تقييد حصة من حصص الجامع فلا موجب لسريانه إلى سائر الحصص. ودعوى أن المكاري قيد بعدم الاقامة من حيث كونه كثير السفر وعمله السفر نظير وجوب الاتمام المرتب على تلك العناوين من حيث عملية السفر، مدفوعة بأن ظاهر كل عنوان جعل موضوعا لحكم، انه بما هو عنوان موضوع له لا بما هو معرف لعنوان آخر، وفي ترتيب الحكم على العناوين المذكورة قامت القرينة على المعرفية للتعليل بعملية السفر، ومثله غير موجود في تقييد المكاري، فالتحفظ على ظاهره يقتضي عنوانيته لمثل هذا التقييد لا معرفيته. نعم ربما أمكن استفادة المعرفية والحكم بالسريان بمناسبة الحكم والموضوع، بتقريب: ان ظاهر التقييد أن يكون المقيد بما هو موضوع الحكم، والموضوع من كان عمله السفر، والحصة بما هي حصة لا دخل لها في وجوب الاتمام حتى يكون القيد للحصة بما هي حصة، فيكون القيد للحصة بما هي وجود الجامع فالقيد للجامع فتدبر. ثم إنه بعد القول بالاختصاص هل يعم المكاري للملاح والاجير أم لا؟. فنقول من الواضح ان مادة المكاراة لغة وإن كانت قابلة للاضافة إلى الدابة والى السفينة وإلى النفس، إلا أن المتفاهم من المكاري عرفا من يكري الدواب دون كل من يكري ما يتقوم بالسفر، ويشهد لذلك قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: " المكاري والكري والراعي الخ " (1) مع ان الكري هو الاجير للسير فالمقابلة بينه وبين المكاري كاشفة عن اختصاص المكاري بكري الدواب وكذا قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم " ليس على الملاحين في سفينتهم تقصير، ولا على المكاري والجمال " (2) فيستفاد منها أيضا المقابلة بين الملاح والمكاري.


(1) الوسائل: ج 5، ص 515، الباب 11 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 2. (2) الوسائل: ج 5، ص 516، الباب 11 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 4.

[ 106 ]

سادسها: إذا لم يقم عشرة أيام، بل أقل منها، وإن كان أقل من خمسة أتم على ما هو المعروف بل لم ينقل القول بخلافه إلا ممن لا يعتني بالمشهور، بل بما ادعي الاجماع عليه، وإن كان خمسة فما فوقها فالمشهور أيضا إنه يتم مطلقا بل، عن السرائر دعوى الاجماع عليه (1). وعن الشيخ (قدس سره) وأتباعه كالقاضي وابن حمزة انه يقصر نهارا ويتم ليلا، ويصوم شهر رمضان (2). ومن الواضح أن تقصيره نهارا من لوازم انقطاع كثرة سفره، كما أن إتمامه ليلا وصيام شهر رمضان من لوازم بقائه على كثرة سفره. ومستند الشيخ (قدس سره) رواية عبد الله بن سنان المروية بطريقين: أحدهما: صحيح وهي هكذا " المكاري إذ لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام وأقل قصر في سفره في النهار وأتم بالليل وعليه صوم شهر رمضان " (3) ومقتضى الجمع بينها وبين رواية يونس (4) بالجمع الدلالي الواضح بتخصيص عمومها أو تقييد إطلاقها، مما لا ريب فيه لا من حيث الخصوص والعموم، من حيث اختصاصها بالاستقرار في المنزل، لان الاقامة في غير بلده منصوص عليها في رواية يونس فالنسبة بينهما من هذه الجهة التبائن، ولا من حيث كون الخمسة في قبال أقل من عشرة نسبة الخاص إلى العام لاشتمال الرواية على الاقل من خمسة فجيمع مراتب الاقل من عشرة محكومة بالقصر في قبال رواية يونس القاضية بالاتمام، بل من حيث اختصاصها بالقصر في النهار في قبال المرسلة القاضية بالاتمام باطلاقها، كما أن نسبتها إلى الادلة الحاكمة بالملازمة بين القصر والافطار أيضا بالخصوص والعموم لكن الرواية غير معمول بها عند المشهور.


(1) السرائر: ص 76. (2) المبسوط: ج 1، كتاب صلاة المسافر، ص 141. (3) الوسائل: ج 5، ص 519، الباب 12 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 5، مع اختلاف يسير. (4) الوسائل: ج 5، ص 517، الباب 12 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1.

[ 107 ]

المسألة السابعة [ في اعتبار حد الترخص في القصر ] في الشرط السابع وهو بلوغ حد الترخص وهو أولى من بعض العبارات الناصة على شرطية خفاء الجدران وخفاء الاذان فانهما معرفان، والشرط هو بلوغ البعد الخاص من محل المسافرة. وتنقيح الكلام في هذا الشرط برسم امور: الامر الاول ان روايات الباب جميعا متضمنة لمعرفية عدم سماع الاذان إلا صحيحة محمد بن مسلم المتضمنة للتواري من البيوت " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يريد السفر فيخرج متى يقصر؟ قال (عليه السلام): إذا توارى من البيوت " (1). وحيث لا معنى للتواري عن البيوت نظرا إلى أن التواري عن الشخص إختفائه عنه بحيث لا يراه، وعدم الرؤية من باب العدم المقابل للملكة فلا يتصور إلا ممن شأنه الرؤية، وغير الحيوان من الجماد والنبات لا يوصف بها حتى يوصف بعدمها، ولذا جعلوه من باب القلب، أي توارت البيوت عنه فلا يراها. وبعضهم أبقاه على حاله بارادة أهل البيوت، أي بحيث لا يراه أهل البيوت. أقول: مقتضى كون التواري علامة للمكلف على البعد الخاص، أن اللازم اعتبار عدم رؤيته كاعتبار عدم سماعه. وتوجيه التواري عن البيوت بالتواري عن أهلها غير وجيه، إذ لا يعلم المكلف بعدم رؤية أهلها إياه إلا بالتلازم بين عدم رويتهم إياه، وعدم رؤيته إياهم، فجعل العلامة عدم رؤيتهم إياه يشبه الاكل من القفا، بل كان اللازم جعل تواري البيوت عنه علامة بعدم رؤيته لها أو


(1) الوسائل: ج 5، ص 505، الباب 6 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1.

[ 108 ]

لاهلها. ويمكن أن يقال بابقاء الرواية على حالها من دون التزام بالقلب ولا بتقدير الاهل، بتقريب ان السفر هو البروز من البلد إلى المقصد بالغيبة عنه في قبال حضوره، فما دام لم يتجاوز ذلك البعد الخاص يكون حاضرا غير غائب عن بلده، فالمراد بتواريه عن البيوت غيبته عنها، ولازمها عدم رؤيته لها، والتواري وإن كان بين إثنين إلا أن نسبته إلى خصوص المسافر، لانه المسافر عن بلده في قبال الحاضر فيه، فيناسب نسبة الغيبة والتواري إليه لا إلى بلده أو أهله، فهذه العلامة كما أنها معرفة للبعد الذي هو شرط وجوب القصر، منبهة على مناط الحكم أيضا ولا حاجة إلى ما أفاد شيخنا العلامة الانصاري (قدس سره): " من أن تخصيص التواري بالمكلف، بملاحظة أنه السبب لايجاد البعد دون البيوت وأهلها " (1). ومما ذكرنا يتضح أن ما في كلمات المشهور من أن الشرط عدم رؤية البلد مثلا ليس مبنيا على القلب ولا على مجرد الملازمة بين تواري الشخص وتواري البلد. وسيجي ء ان شاء الله تعالى ملاك التواري عن البيوت بحيث يجامع عدم سماع الاذان. الامر الثاني نسب إلى المشهور بين المتقدمين أن أخذ الامرين من خفاء الجدران وخفاء الاذان كاف في معرفة بلوغ الخاص. ونسب إلى المشهور بين المتأخرين لزوم اجتماعهما. وعن بعضهم الاقتصار على خفاء الجدران. وعن آخر الاعتماد على خفاء الاذان. ومنشأ الاختلاف تفاوت أنظارهم في الجمع بين الاخبار ولا يخفى أن تعارض الاخبار والجمع بينها بتفاوت الانظار لا يكاد يوجه إلا بملاحظة انفكاك كل واحد من الامرين من الآخر، أو انفكاك أحدهما بالخصوص عن الآخر وإلا فليس للبحث ثمرة عملية إذ مع فرض الملازمة وعدم الانفكاك خارجا يجب


(1) كتاب الصلاة، ص 435.

[ 109 ]

القصر سواءا كان كل منهما علامة ومعرفا أو كانتا معا معرفا وعليه فنقول: إن جميع الوجوه المذكورة في باب الجمع بين الاخبار غير مربوطة بما نحن فيه، وذلك لان خفاء الجدران وخفاء الاذان ليسا سببين أو شرطين لوجوب القصر، بل كما مر الشرط هو البعد الخاص عن البلد مثلا، وخفاء الجدران معرف كخفاء الاذان ومعرفية شئ عن تحقق البعد الخاص لا يكون إلا بملازمة وجوده لوجوده ومع انفكاك أحد المعرفين عن الآخر يستحيل ملازمة كل بيهما لوجود ذلك البعد الخاص لا تعيينا ولا تخييرا إذ مع فرض وحدة البعد الخاص كيف يعقل أن يكون المنفكان في الوجود كلامهما ملازما لوجود البعد الخاص تعيينا، ومع عدم ملازمة أحدهما واقعا للبعد الخاص كيف يعقل أن يكون عدلا وبدلا عما يلازمه وكذلك يستحيل أن يكونا معا معرفا واحدا للبعد الخاص لان الفرض عدم ملازمة كل منهما للبعد الخاص فكيف يكون اجتماع مالا يلازم مع مثله محدثا للملازمة بين المجموع والبعد الخاص فجزئية كل منهما للمعرف غير معقولة، ولا يقاس بباب الحدود حيث إن المعرف مؤلف من أمرين، وذلك لان الماهية النوعية متقومة بطبيعي الجنس والفصل، فلابد من أن يكون معرفها مبينة لذاتياتها غاية الامر أن الذاتيات ملحوظة في طرف المحدود بنحو الجمع والاجمال، وفي طرف الحد بنحو الفرق والتفصيل، بخلاف ما نحن فيه فان المعرفية بمعنى كاشفية وجود شئ عن آخر مبائن له ماهية ووجودا لمجرد الملازمة بينهما في الوجود. هذا إذا انفك كل منهما عن الآخر، وإذا انفك أحدهما بالخصوص عن الآخر فلا محالة يكون أحدهما ملازما لبعد أزيد مما يلازمه الآخر، ولا محالة يكون أحد البعدين من الزائد والناقص شرطا، فالحد الملازم للزائد قد اعتبر فيه أزيد مما يقتضيه الشرط إن كان البعد الناقص شرطا والحد الملازم للناقص قد أخل فيه الشارع إن كان البعد الزائد شرطا فيستحيل معرفيتهما معا تعيينا وتخييرا وبنحو الجزئية لمعرف واحد إذ ليس كل منهما معرفا للزائد ولا للناقص على الفرض، وليس الشرط أحد البعدين حتى يكون المعرف أحد الامرين وليس المعرف للزائد والمعرف للناقص معرفا واحدا للزائد ولا للناقص، ولا معنى لان يكون الجماع بين المعرفين معرفا للجماع بين البعدين، فالشرط هو الجامع

[ 110 ]

والمعرف هو الجامع وذلك لانه لا جامع بين الزائد ولناقص إلا طبيعي البعد عن البلد وهو ليس بشرط إجماعا حتى كون الجماع بين الامرين معرفا. ومن جيمع ما ذكرنا يتضح انه بناء على عدم الملازمة بين المعرفين لا تصل النوبة إلى الجمع بين الاخبار بالوجوه المذكروة في الاصول من تقييد مفهوم كل من القضيتين الشرطيتين بمنطوق الاخرى، أو تقييد إطلاق منطوق كل منهما، بجعلهما معاشرطا، أو جعل الجامع شرطا، فان هذه الوجوه كلها مناسبة لمقام السبب والشرط لا لمقام المعرفية فلابد على هذا المبنى من تعيين المعرف الملازم للبعد الخاص الذي هو في الحقيقة شرط وجوب القصر وكثرة أخبار خفاء الاذان واشتهاره في الصدر الاول كما يظهر من خبر منتظر الرفقة (1) وعدم وضوح دلالة خفاء البيوت، يوجب الاعتماد على خصوص خفاء الاذان وجودا وعدما بل ربما يقال كما عن بعض الاساطين (قدس سره) " إن خبر تواري الرجل عن البيوت لمجرد التنبيه على ملاك الحكم لا أن معرف " لكنه بعيد. الامر الثالث لا ريب في أن انفكاك أحد المعرفين عن الآخر لاحد أمرين: الاول: تفاوتهما في المرتبة بان يلاحظ سماع الاذان بما هو صوت عال مع رؤية البيوت متميزة بخصوصياتها أو سماع الاذان متميزة فصولها مع رؤية البيوت بما هي بيوت، فضلا عن رؤية أشباحها، ومن البين أن خفاء الاذان ينفك حينئذ عن خفاء البيوت، لكن هذا أجنبي عن انفكاك أحد المعرفين عن الآخر، لان كل مرتبة ملازمة لبعد خاص، وإنما الانفكاك يتصور فيما إذا لوحظا في مرتبة واحدة ومع ذلك ينفك أحدهما عن الآخر، وعليه فاما لا ملازمة بينهما، ولا ملازمة أصلا لاحدهما بالخصوص مع البعد الخاص، واما لا انفكاك. الثاني: تفاوتهما بلحاظ العوارض، كما إذا كان الهواء مخالفا يمنع عن سماع


(1) الوسائل: ج 5، ص 501، الباب 3 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 11.

[ 111 ]

الاذان، أو الهواء مظلما يمنع عن رؤية الجدران فالملازمة بينهما مع اتحاد المرتبة محفوظة إلا أن فعلية أحدهما دون الآخر لعارض وقد اتفقت الكلمة على أنه لا عبرة بالعوارض، بل يقدر الهواء معتدلا وقوة السامعة والباصرة على حد التوسط. ومما ذكرنا يتضح أنه لابد من ملاحظة المعرفين في مرتبة واحدة كسماع الاذان متميزة الفصول مع رؤية البيوت متميزة الخصوصيات، أو سماع الاذن بما هو صوت عال ورؤية البيوت بما هي بيوت لا بخصوصياتها وهكذا في باقي المراتب كما أن اللازم ملاحظة المتساويين في المرتبة بنفسهما مع قطع النظر عن العوارض الغير المنافية لتلازمها المبني على التقدير. فتبين ان دعوى أن أمارية كل منهما غالبية أو الملازمة بين الامارتين غالبية، غفلة واضحة فانه إما لا ملازمة أو هي دائمية، كما أن دعوى الاعتبار بكل منهما مع عدم العلم بتخلف الآخر، وانه مع العلم لابد من اجتماعهما أيضا، بلا وجه، إذا لا يعقل مع التساوي في المرتبة وعدم ملاحظة العوارض، علم بالمخالفة أو شك فيها. نعم حيث إن كل مرتبة ملازمة لبعد خاص. يقع الكلام في أن أية مرتبة من المراتب جعلت معرفة للبعد اللازم شرعا؟ فان استظهرنا مرتبة خاصة من الاخبار فهو، كما لا يبعد أن يكون المراد من سماع الاذان سماعه بما هو صوت عال، وأن يكون المراد من رؤية البيوت رؤيتها بما هي بيوت لا بما هي أشباح، ولا بما هي متميزة الخصوصيات، وهاتان المرتبتان متحاذيتان، وإن منع الاستظهار المزبور فمرجع الشك دائما إلى الشك في أنه أي مرتبة من البعد شرطا، واقعا، فالاقل منه متيقن والباقي مشكوك. فان كان هناك إطلاق كقوله تعالى: " وإذا ضربتم في الارض " (1) وقوله تعالى: " وإن كان على سفر " (2) أو ما في الروايات، صح التسمك باطلاقها لدفع الشك في التقييد الزائد، وإن منع الاطلاق كان المرجع إستصحاب بقائه على ما كان من الحضور وعدم السفر إن كان الموضوع مشكوكا


(1) النساء: 101. (2) البقرة: 185، والآية هكذا: "... ومن كان مريضا أو على ستر... ".

[ 112 ]

وإلا فاستصحاب وجوب الاتمام، إن كان الموضوع هو المسافر عرفا مع صدقه عليه حقيقة. الامر الرابع هل بلوغ حد الترخص شرط في كل من يجب عليه القصر حتى يعم المسافر من منزله، ومن محل إقامته، ومن محل تردده ثلاثين يوما والقائم الذي قصد المسافة، والمتردد الذي زال تردده وعزم على قطع المسافة، والقاصد للحرام بعد تبدل قصده إلى قصد المباح، لا شتراك الكل في حدوث وجوب القصر في حقهم؟ أو شرط في حق من أنشأ السفر فيختص بالمسافر من منزله، ومن محل إقامته، ومن محل تردده، لاشتراك الكل في إحداث السفر لفرض كون المرور بالوطن، ومحل الاقامة والتردد ثلاثين يوما من قواطع السفر موضوعا لو شرعا لا مجرد تبدل وجوب الاتمام بوجوب القصر؟ أو هو شرط في خصوص من أنشأ السفر من منزله فانه لا منافاة بين كون سفر المقيم والمتردد سفرا جديدا، وعدم اعتبار حد الترخص في سفرهما؟ ولا ريب في أنه لا إطلاق يقتضي اعبتاره في كل من حدث في حقه وجوب القصر. نعم ربما يدعى الاطلاق في من أنشأ السفر مثل صحيحة محمد بن مسلم " قال قلت: الرجل يريد السفر متى يقصر؟ قال (عليه السلام): إذا توارى عن البيوت " (1) فانه يعم كل من أراد إنشاء السفر سواء كان من منزله، أو من محل إقامته، أو من محل تردده ثلاثين يوما، ولا يعم من كان مسافرا قبلا، ولم يجب عليه القصر لفقد شرط. وأما صحيحة عبد الله بن سنان فلا إطلاق لها، بل مورد السؤال هو من سافر من بلده كما يظهر من ذيلها حيث قال (عليه السلام): " وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك " (2) فانه لا قدوم من السفر إلا إلى بلده فيعلم منه أن صدرها متكفل لاعتبار


(1) الوسائل: ج 5، ص 505، الباب 6 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1 مع اختلاف يسير. (2) الوسائل: ج 5، ص 506، الباب 6 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 3.

[ 113 ]

حد الترخص في السفر من المنزل وذيلها لاعتباره في العود إليه. وأما ما عدا صحيحة ابن مسلم من الاخبار فجميعها مقيدة بالخروج من المنزل فيدور الامر بين ورود الاطلاق مورد الغالب، أو القيد مورد الغالب. المعروف الالتزام بالتقييد وحمل الاطلاق على الغالب وإن كان التحقيق أن الغلبة لا تجدي في التقييد فلا تمنع عن انعقاد الاطلاق، كما أن غلبة القيد لا يمنع التقييد لظهور القيد في نفسه، في دخله في موضوع الحكم إلا أن نتيجة إثبات الاطلاق للمطلق والتقييد لذي القيد فيعامل معهما معاملة المطلق والمقيد، وعليه فلا موجب لاعتبار حد الترخص في غير المسافر من منزله. وأما الخدشة في أصل الاطلاق بظهور " يريد السفر " (1) في البدأة به فلا يعم من يريد تجديد السفر، فمدفوعة بانه بناء على ذلك لا يعم من سافر من وطنه فمر بوطن آخر له، فان السفر من الثاني ليس من الابتداء بالسفر، كما أن دعوى تبادر السفر من منزله من قوله: " يريد السفر " لم يعلم له موجب. نعم يمكن أن يقال إن الدليل وإن كان مقصورا على السفر من المنزل، إلا أن عموم التنزيل في خصوص المقيم يقتضي اعتباره في حقه إلا أن يقال: إن ظاهر قوله (عليه السلام): " وهو منزلة أهل مكة " (2) كونه مسافرا جديدا لا أن سفره متمم سفره من بلده فلا نظر له إلا إلى أن الخروج إلى عرفات سفر موجب للتقصير. والذي يهون الخطب ان حد الترخص لم يقيد في شئ من أخباره بالمنزل حتى يكون مقيدا لاطلاق المجرد عنه وإنما ومورد ومفروض في بعضها، فهي قاصرة عن اعتباره في غيره وحينئذ يجدي الاطلاق في اعتباره في محل الاقامة ومحل التردد فالعمدة إثبات الاطلاق ونفيه، ودعوى الاطلاق لا يخلو عن إشكال، لا لبعض ما قدمناه، بل لان الظاهر من قوله: " يريد السفر " إرادة إنشاء السفر، والمقيم بمنزلة أهل البلد شرعا لاعرفا. فمن سافر من محل الاقامة مسافر بسفر جديد شرعا وهو على سفره الذي


(1) الوسائل: ج 5، ص 505، الباب 6 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1. (2) الوسائل: ج 5، ص 506، الباب 6 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 6.

[ 114 ]

أنشأه من وطنه عرفا فلا معنى لتنزيل قوله يريد السفر على ارادة إنشاء السفر الاعم من كونه سفرا إنشائيا حقيقة وسفرا إنشائيا تنزيلا وشرعا ومنه تبين حال قوله (عليه السلام): " إذا سمع الاذان أتم المسافر " (1) فانه لاشك في أن المراد من أنشأ السفر لا أن المسافر ولو بقاء إذا سمع الاذان يتم إلا أن المنسوب إلى الاكثر حيث إنه الحاق محل الاقامة ومحل التردد بالمنزل فالاحتياط لا ينبغي تركه. وعن بعض أجلة العصر تسليم الاطلاق، لكنه ادعى عدم مقاومته لاطلاق أدلة وجوب القصر على المسافر مع كون الاول أخص من الثاني نظرا إلى أن ظهور هذا المطلق في شمول المقيم أضعف من ظهور (2) إطلاق أدلة القصر في شمول للمقيم. والميزان في التقديم أقوائية أحد الظهورين لا العموم والخصوص. ثم ادعى حكومة أدلة اعتبار حد الترخص على أدلة القصر فلا تلاحظ الاقوائية. ونظره (رحمه الله) في الحكومة كما صرح به ان قوله: " متى يقصر " (3) وقوله: " سألته عن التقصير " (4) ناظر إلى أدلة وجوب التقصر على المسافر. أقول: أما دعوى أضعفية ظهور أدلة حد الترخص في الشمول للمقيم من ظهور أدلة القصر في شمولها له فلا موجب له أصلا، إذ كما أن قوله: " يريد السفر " (5) ظهوره في السفر من منزله، أقوى من ظهوره فيما يعم محل إقامته، كذلك ظهور قوله " المسافر يقصر " (6) الشامل لمن بلغ حد الترخص ومن لم يبلغه وللمسافر من منزله أو محل إقامته، فان ظهوره في المسافر البالغ حد الترخص عن منزله أو محل إقامته أقوى من ظهوره في الاعم من البالغ وغيره، وإنما لا يتفاوت ظهوره في من خروج عن وطنه أو عن محل إقاته في أصل القصر لامن حيث بلوغهما لحد الترخص وعدمه


(1) الوسائل: ج 5، ص 506، الباب 6 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 7. (2) يحذف ظهور خ ل ". (3) الوسائل: ج 5، ص 505، الباب 6 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1. (4) الوسائل: ج 5، ص 496، الباب 2 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 9. (5) الوسائل: ج 5، ص 505، الباب 6 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1. (6) الوسائل: ج 5، ص 506، الباب 6 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 8.

[ 115 ]

وأما دعوى الحكومة فما أفاده (قدس سره) من النظر، محل النظر، فان قوله " متى يقصر " (1) و " سألته عن التقصير " (2) ناظران إلى وجوب القصر ثبوتا لا إلى وجوبه إثباتا حتى يكون ناظرا إلى أدلة وجوب القصر. وأما عدم الحكومة بالمعنى الآخر وهي إثبات الموضوع أو نفيه تنزيلا وعنوانا فهو واضح لعدم تكفل أدلة اعتبار حد الترخص لذلك إلا على الوجه الذي أشرنا إليه سابقا من أن قوله (عليه السلام): " إذا توارى عن البيوت " (3) بيان للمية الحكم وانه ما لم يبعد عن البيوت فهو كأنه حاضر غير غائب عن وطنه فتدبر جيدا. الامر الخامس هل يعتبر بلوغ حد الترخص في العود إلى المنزل في البقاء على القصر، أو لا يعتبر فيبقى على القصر إلى أن يرد منزله؟ وليس للقول باعتباره إلا ما في ذيل صحيحة عبد الله بن سنان حيث قال (عليه السلام): " وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك " (4). وفي قباله أخبار، وفيها الصحيح انه يبقى على حكمه إلى أن يرد منزله كقوله (عليه السلام) في رواية العيص: " ولا يزال يقصر حتى يدخل بيته " (5) ومما رواه الصدوق: " إذا خرجت من منزلك فقصر إلى أن تعود إليه " (6) وفي رواية حماد: " المسافر يقصر حتى يدخل المصر " (7) فيجاب عنها بتقييدها بما إذا لم يسمع الاذان، كما أن روايات القصر بمجرد الخروج من المنزل مقيدة بذلك. ولا يخفى أن كيفية التصرف في الاخبار المسوغة للقصر بالخروج من المنزل


(1 و 2) الوسائل: ج 5، ص 505، الباب 6 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1. (3) الوسائل: ج 5، ص 496، الباب 2 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 9. (4) الوسائل: ج 5، ص 506، الباب 6 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 3. (5) الوسائل: ج 5، ص 508، الباب 7 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 4. (6) الوسائل: ج 5، ص 508، الباب 7 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 5. (7) الوسائل: ج 5، ص 506، الباب 6 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 8.

[ 116 ]

مختلفة فتارة يقال إن الخروج من المنزل مطلق من حيث سماع الاذان وعدمه فيقيد بعدمه، وأخرى أن الخروج من المنزل بلحاظ البعد عنه، له مراتب والشارع بمقتضى أخبار الحد جعل مرتبة من الخروج مسوغة للقصر، ولا يجري شئ منهما في طرف الدخول في المنزل، إذ لا يعقل إطلاق فيه من حيث سماع الاذان وعدمه، وليس الدخول في المنزل كالخروج منه ذا مراتب حتى يحمل على مرتبة من الدخول بحيث يساوق الحدين، وثالثة يتصرف في الخروج من المنزل بالتوسعة في المنزل كما أشرنا إليه ان من لم يكن متواريا من البيوت فهو كالحاضر فيها وغير غائب عنها، وحينئذ يجري هذا التصرف في طرف الدخول أيضا فان الداخل في حد الترخص كأنه دخل في منزله وغير غائب عنه فيمكن الجمع بين أخبار التحديد وهذه الاخبار المغياة بالدخول في المنزل فقط، وأما سائر الاخبار فغير قابلة هذا التوجيه. منها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال (عليه السلام): " إن أهل مكة إذا زاروا البيت ودخلوا منازلهم أتموا وإذا لم يدخلوا منازلهم قصروا " (1) فان الشرطية الثانية في حد ذاتها وإن كانت مطلقة من حيث سماع الاذان فيمكن تقييدها بما إذا لم يسمعوا الاذان، لكن بملاحظة مقابلتها للشرطية الاولى المفروضة في صورة زيارة البيت التي هي كالمقسم للشرطيتين، لا إطلاق لها حتى يعقل التقييد. وحينئذ لا يعقل التوجيه المتقدم والتوسعة في المنزل، كيف والمفروض دخول مكة وزيارة البيت. ومنها: رواية علي بن رئاب عن أبي عبد الله (عليه السلام): " عن الرجل يكون بالبصرة وهو من أهل الكوفة وله بالكوفة دار وعيال فيخرج فيمر بالكوفة وهو يريد مكة ليتجهز منها وليس من رأيه أن يقيم أكثر من يوم أو يومين قال (عليه السلام): يقيم في جانب الكوفة ويقصر حتى يفرغ من جهازه، وإن هو دخل منزله فليتم الصلاة " (2) وبمضمونها موثقة ابن بكير (3).


(1) الوسائل: ج 5، ص 500، الباب 3 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 4. (2) الوسائل: ج 5، ص 508، الباب 7 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 6. (3) الوسائل: ج 5، ص 507، الباب 7 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1.

[ 117 ]

ومنها: موثقة إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم (عليه السلام) " قال: سألته عن الرجل يكون مسافرا ثم يقدم فيدخل بيوت الكوفة أيتم الصلاة أم يكون مقصرا حتى يدخل أهله؟ قال (عليه السلام): بل كون مقصرا حتى يدخل أهله " (1). هذا ومن الواضح أن هذه الروايات غير قابلة للتصرف في الدخول في المنزل والاهل، وحملها على التقية بلا موجب، إذ المنقول من الائمة الاربعة عدم كفاية الخروج من المنزل حدوثا، وعدم لزوم الدخول فيه بقاء، بل لابد عندهم من الخروج من البلد، وعدم الدخول فيه وإن لم يقولوا بالتحديد بخفاء الاذان والجدران، كما أن الاعراض عن الروايات بعد عمل جملة من القدماء وغير واحد من المتأخرين غير معلوم، فليس في المسألة إلا موافقة صحيحه ابن سنان (2) للمشهور ومخالفته هذه الروايات التي هي بين صحيح وموثق، للمشهور. والانصاف أن المسألة مورد الاحتياط. ويمكن أن يقال بعدم المعارضة بين الاخبار، وذلك لان صحيحة عبد الله بن سنان لم يتكفل ذيلها إلا للقدوم العودي والرجوعي من السفر دون مطلق المرور إلى الوطن والدخول فيه، موثقة ابن بكير، ورواية علي بن رئاب، بل ورواية معاوية بن عمار موردها المرور إلى الوطن مجتازا منه فالروايات غير واردة على مورد واحد، إلا أنها بضميمة عدم القول بالفصل متعارضة مضافا إلى أن موثقة إسحاق بن عمار غير مقصورة على الاجتياز والمرور فهي كافية للمعارضة. الامر السادس هل ناوي الاقامة في بلد قبل دخوله في البلد وبلوغه حد الترخص يكون كالمتوطن في انقطاع سفره، أو لابد من الدخول في البلد في انقطاع السفر؟ والعمدة في الحاقه بالمتوطن أمران:


(1) الوسائل: ج 5، ص 508، الباب 7 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 3 مع اختلاف يسير . * (2 هامش) * الوسائل: ج 5، ص 525، الباب 15 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 6.

[ 118 ]

أحدهما: ذيل صحيحة ابن سنان (1) المتكفل لحكم الدخول في البلد بعد بيان حكم الخروج منه، والتسوية بين الخروج والدخول في اعتبار حد الترخص. وثانيهما: عموم المنزلة المستفادة من قوله (عليه السلام): " من قدم مكة بعشرة ايام قبل التروية فهو منزلة أهلها " (2)، فكما أن أهلها إذا دخلو حد الترخص يجب عليهم الاتمام كذلك ناوي الاقامة بها. والظاهر عدم تمامية الدليلين، اما الاول فان المراد من قوله (عليه السلام): " وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك " (3) هو القدوم العودي لا مطلق القدوم حتى يعم القدوم البدئي ولذا قلنا سابقا إنه لا إطلاق لصدر الصحيحة فان القدوم العودي يختص باهل البلد، فصدرها متكفل لحكم المسافر من بلده لا الاعم منه ومن المسافر من محل إقامته. والعجب من بعض أجلة العصر (رحمه الله) حيث استدل باطلاق صدرها للمقيم الخارج واستظهر عدم إطلاق ذيلها. وأما الثاني فالجواب عنه يتوقف على مقدمة هي أن حدود البلد على قسمين: حد عرفي وهو ما كان من توابع البلد عرفا بحيث يعد الدخول فيه دخولا في البلد عرفا، والخروج عنه خروجا عن البلد عرفا. وحد شرعي وهو حد الترخص بحيث يكون الدخول فيه حضورا في البلد شرعا والخروج عنه غيبة عن البلد ومساوقا للسفر شرعا. ومن البين أن ادلة اعتبار حد الترخص قسم منها لا دلالة له إلا على شرطية التجاوز عن الحد لوجوب القصر فقط كقوله (عليه السلام): " وإذا لم يسمع الاذان قصر " (4) من دون دلالة على التنزيل المزبور. وقسم منها يمكن استفادة التنزيل منه كقوله (عليه السلام): " إذا توارى عن البيوت " (5) بناء على إرادة الغيبة عن البلد


(1) الوسائل: ج 5، ص 506، الباب 6 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 3. (2) الوسائل: ج 5، ص 526، الباب 15 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 10. (3) الوسائل: ج 5، ص 506، الباب 6 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 3. (4) الوسائل: ج 5، ص 506، الباب 6 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 3. (5) الوسائل: ج 5، ص 505، الباب 6 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1.

[ 119 ]

في قبال الحضور فيه فيدل، بالالتزام على أن هذا الحد حد الحضور الداخل فيه، ولغيبة المتجاوز عنه شرعا. ومن الواضح ان مريد السفر عن بلده هو الحاضر في بلده تارة والغائب عنه اخرى، وكون حضور الاهل وغيبتهم دائرا مدار البلوغ لهذا الحد وعدمه لا يجدي للمقيم إلا بتنزيل المقيم منزلة أهل البلد حتى يكون حضوره كحضورهم، وغيبته كغيبتهم، ولا تنزيل إلا بلسان قوله (عليه السلام): " ومن قدم مكة.. " إلى قوله " فهو منزلة أهلها " (1) فالمقيم في البلد لتحقق موضوعه يعمه التنزيل فيكون خروجه عن الحد غيبة له كالاهل، وبقاؤه فيه حضورا له كالاهل. وأما ناوي الاقامة قبل دخول البلد فليس دخوله في حد الترخص دخولا في البلد حقيقة، لان المفروض أنه ليس حدا عرفيا له، وليس دخولا فيه تنزيلا، لان التنزيل مع فرض شمول الدليل له المتوقف على تحقق موضوعه فكيف يعقل تحقق موضوعه به فهذا هو الفارق بين خروج المقيم من البلد، ودخول ناوي الاقامة في حد الترخص. فتدبر فانه حقيق به.


(1) الوسائل: ج 5، ص 499، الباب 3 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 3.

[ 120 ]

المقام الثاني في قواطع السفر وأحكامه فهنا مطلبان: المطلب الاول في قواطع السفر وهي ثلاثة: القاطع ] الاول: الوطن وهو وإن كان لغة مجرد الاقامة في محل لامر ما، كما عن فقه اللغة للثعالبي (1) قال: كل مقام قامه الانسان لا مرما موطن، كقولك: إذا أتيت مكة فوقفت في تلك المواطن فادع الله لى، ويقال: الموطن، المشهد من مشاهد الحرب، ومنه قول طرفة: على موطن يخشى الفتى عنده الردى * متى تعترك فيه الفرائص ترعد أقول: ومنه قوله تعالى " نصركم الله في مواطن كثيرة " (2) إلا أنه مع ذلك فالوطن في العرف هو المقر الدائمي للانسان، وهو قسمان: أحدهما: الوطن الاصلي الذي هو مسقط رأسه وما نشأ فيه أبا عن جد. ثانيهما: الوطن الاتخاذي، وهو المحل الذي يتخذه الغريب وطنا ومسكنا دائميا له، ولا كلام في شئ منهما، ولا في عدم اعتبار الملك فيهما، وعدم ذكر الاول في الاخبار لكمال وضوحه. إنما الكلام في الوطن الشعري الذي هو ثالث الاقسام عند المشهور.


(1) فقه اللغة: ص 4. (2) التوبة: 25.

[ 121 ]

وتنقيح الكلام فيه وفيهما برسم أمور: منها: ان أخبار الباب طوائف أربعة: إحديها: الاخبار الآمرة بالاتمام عند مرور المسافر إلى ضيعته وقريته كصحيحة إسماعيل بن الفضل " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل سافر من أرض إلى أرض وإنما ينزل قراه وضيعته، قال (عليه السلام): إن نزلت قراك وضيعتك فاتم الصلاة، وإن كنت في غير أرضك فقصر " (1) وبمضمونها روايات اخر كرواية البزنطي (2) وموثقة عمار (3). ثانيتها: الاخبار النافية للاتمام في عين ذلك الموضوع كرواية موسى بن حمزة بن بزيع قال " قلت لابي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك إن لي ضيعة دون بغداد فاخرج من الكوفة أريد بغداد فاقيم في تلك الضيعة أقصر أم أتم؟ فقال (عليه السلام) إن لم تنو المقام عشرة أيام فقصر " (4) وبمضمونها رواية عبد الله بن سنان (5). ثالثتها: الاخبار الدالة على عدم كفاية المرور بالضيعة، ولزوم الاستيطان في الاتمام كصحيحة علي بن يقطين قال " قلت لابي الحسن (عليه السلام): الرجل يتخذ المنزل فيمر به أيتم أم يقصر؟ فقال: كل منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل، وليس لك أن تتم فيه " (6) وبمضمونها صحاح أخر لعلي بن بقطين وغيره، وظاهرها لزوم الاستيطان العرفي وهو اتخاذ المحل والمنزل مقرا دائميا له. رابعتها: خصوص صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) " قال: سألته عن الرجل يقصر في ضيعته، قال (عليه السلام):


(1) الوسائل: ج 5، ص 520، الباب 14 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 2 مع اختلاف يسير. (2) الوسائل: ج 5، ص 523، الباب 14 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 17. (3) الوسائل: ج 5، ص 521، الباب 14 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 5. (4) الوسائل: ج 5، ص 526، الباب 15 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 7. (5) الوسائل: ج 5، ص 525، الباب 15 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 6. (6) الوسائل: ج 5، ص 521، الباب 14 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 6.

[ 122 ]

لا بأس ما لم ينو مقام عشرة أيام إلا أن يكون له فيها منزل يستوطنه، فقلت: ما الاستيطان؟ فقال (عليه السلام): أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر، فإذا كان كذلك يتم متى دخلها " (1) وهذه الصحيحة هي مدرك الوطن الشرعي. والجمع بين الطوائف الثلاث المتقدمة واضح بتقييد إطلاق النفي والاثبات في الاولى والثانية، بالاستيطان العرفي وعدمه. وبيقى الكلام في الجمع بين هذه الصحيحه (2) والطائفة الثالثة الظاهرة في لزوم الاستيطان العرفي وهو يتوقف على بيان مفاد الصحيحة. فنقول: محتملاتها ثلاثة أحدها: ما فهمه المشهور من حصول الاستيطان شرعا باقامة ستة أشهر في المنزل المملوك. ثانيها: حصوله باقامة سته أشره دائما، أي في كل سنه فيساوق الاستيطان العرفي. ثالثها أن يكون قيد ستة أشهر قيدا للنية والاتخاذ لا للمنوي والمتخذ، بمعنى أنه ينوي الاقامة الابدية ويبقى على نيته ستة أشهر فيساوق الوطن العرفي في وجه، ويفارقه في وجه آخر. وحيث إن الظهر من قوله (عليه السلام): " أن يقيم ستة أشهر " (3) هي الاقامة الخارجية الفعلية دون نية الاقامة، فلا يصح إلا الاحتمال الاول لان الاقامة الخارجية ستة أشهر في كل سنة دائما، أما أن يكون شرطا بنحو الشرط المتقدم، أو الشرط المقارن، أو الشرط المتأخر، لا سبيل إلى الاول وإلا لم يجب الاتمام إلا عند انقضاء العمر، ولا سبيل للثاني إذ لا مقارنة إلا للاقامة في حال الاتمام، ولا سبيل إلى الثالث لعدم معقولية الشرط المتأخر في نفسه، وعدم إمكان الالتزام به هنا، إذ لو أعرض عنه بعد إقامته مدة مديدة، كشف عن بطلان ما أتمه من الصلوات من أول الامر، كما هو مقتضى الشرط المتأخر، ولا يمكن الالتزام بشرطية الاقامة ستة أشهر في السنة الاولى بنحو الشرط المتقدم، وفي البقية بنحو الشرط المتأخر لوحدة الدليل ووحدة الجعل، وعليه فالجمع بين هذه الصحيحة والظائفه المتكفلة (1) الوسائل: ج 5، ص 522، الباب 14 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 11. (2) وهي صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع. (3) الوسائل: ج 5، ص 522، الباب 14 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 11.

[ 123 ]

للاستيطان العرفي (1) بأحد وجهين: من شارحية الصحيحة لها، ومن تقييد إطلاقها لها. والشارحية على قسمين: أحدهما: كون الصحيحة مفسرة للاستيطان المذكور في تلك الاخبار كما هو المعروف، فيورد عليه بانه خلاف ظواهرها السمتقرة في الوطن العرفي، ولا طريق إلى معروفية الوطن الشرعي حتى يستكشف بهذه الصحيحة أن الاستيطان هناك هو المعنى المعروف عندهم. ثانيهما: الشارحية بمعنى التنزيل الموضوعي، فلا ينافي ظهور تلك الاخبار في الاستيطان العرفي باقامة ستة أشهر فرد آخر من الاستيطان تنزيلا، كما يقال: الظن علم مع بقاء العلم المغيى به الحكم على حاله من الظهور في العلم الوجداني، فانه بعد السؤال بقوله: ما الاستيطان؟ يكون قوله (عليه السلام): " أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر " (2) إثباتا لفرد من الاستيطان المعروف معناه تنزيلا، وأما تقييد تلك المطلقات فهو أيضا على وجهين: أحدهما تقييد إطلاقها من حيث ضم ضمية إلى الاستيطان العرفي، ومقتضاه تضييق دائرة الاستيطان العرفي باقامة ستة أشهر كما هو مذهب جماعة على ما سيجئ إن شاء الله تعالى، وهو خلاف ظاهر الصحيحة، فان ظاهرها أن الاقامة المذكورة بقيودها هي بنفسها إستيطان لا أنها قيد للاستيطان العرفي. ثانيهما: تقييد إطلاقها من حيث تعينه وعدم عدل وبدل له. هذه الصحيحة مثبتة لما هو عدل وبدل للاستيطان العرفي، فكل من الطائفتين متكفل لصنف من الاستيطان الذي يغيى عن الصنف الآخر، وهذا النحو من التقييد لا محذور فيه أصلا. وبما ذكرنا يتوجه قول المشهور بالوطن الشرعي في قبال الاصلي والاتخاذي. وقد عرفت عدم صحة شرطية الاقامة المزبورة في كل سنة، فلا مجال حينئذ لاستظهار التجدد من الفعل المضارع كما هو المعروف، بعدم عدم إمكان الشرط


(1) وهي الطائفة الثالثة. (2) نفس المصدر السابق من الوسائل.

[ 124 ]

المتأخر في نفسه فيما نحن فيه هذا كله إذا اريد من قوله " يقيم " (1) الاقامة الخارجية وأما إذا أريد منه نية الاقامة فهو قابل لان يراد منه نية إقامة ستة أشهر مرة، أو في كل سنة، ولا موقع لاستظهار التجدد من المضارع أيضا. إذا الاقامة تجددية دون النية، فالتجدد في المنوي لا في النية، بل لا يكفي نية إقامة ستة أشهر في هذه السنة، ثم يتعقبها في السنة الآتية نية أخرى، وهكذا فان مثلها لا يحقق الوطن العرفي. ومنه تعرف أن استفادة الوطن الاتخاذي العرفي من هذه الصحيحة مخالفة لظاهر " يقيم " من حيث صرفه إلى نية الاقامة، ولظاهر إطلاق " ستة أشهر " من حيث حمله على ستة أشهر في كل سنة، ومن حيث عدم اعتبار هذا العدد في الاستيطان العرفي بل مجرد اتخاذه مقرا دائميا ولو بان يكون شهرين فيه، والثاني في وطنه الاصلي كاف في الاستيطان، وكونه من باب المثال أو من باب الغلبة خلاف الظاهر. والانصاف أن الصحيحة أوفق بمقالة المشهور من حملها على الاستيطان العرفي ومنها: إعتبار الملك في الوطن الشرعي، والبحث فيه في موردين: أحدهما: في اعتباره في المنزل الذي يقيم فيه ستة أشهر في قبال القول بكفاية الاقامة فيما اتخذه منزلا لنفسه في طريق مروره. ثانيهما: في اعتباره مع الاقامة ستة أشهر ولو لم يكن الملك قابلا للسكنى. فلو قلنا به كان فردا آخر من الوطن الشرعي، فان أحد فرديه الاقامة فيما اتخذه منزلا، كان مملوكا له أم لا، والآخر الاقامة في محل له ملك كان قابلا للسكنى أم لا، ومستند اعتبار ملكية المنزل الذي يقيم فيه صحيحة ابن بزيع (2) لامن حيث دلالة اللام في قوله (عليه السلام): " له منزل " على الملكية حتى يقال إن الكلام لمطلق الاختصاص، بل لقوله (عليه السلام): " له فيها منزل يستوطنه " (3) وقوله (عليه السلام) ثانيا: " له فيها منزل يقيم فيه " (4) فقد اعتبر الاقامة في منزله في ضيعة لا


(1) نفس المصدر السابق. (2) تقدمت ص 277. (3 و 4) نفس المصدر السابق.

[ 125 ]

في مطلق المنزل. فتكرار قوله فيها مرتين يدل على خصوصية ملكية المنزل والعادة قاضية بكون منزله في ضيعتة مملوكا له كضيعته، لاأن غيره بنى منزلا في ضيعته، وعليه فمجرد الاقامة فيما اتخذه منزلا من دون كونه مملوكا له لا أثر لها. ومستند كفاية الملك مع الاقامة في غيره موثقة عمار حيث قال: " ولو لم يكن له إلا تخلة واحدة " (1) بعد تقييدها باقامة ستة أشهر بما دل عليها إذا لا قائل منا بكفاية مجرد علاقة الملكية في الوطنية من دون إقامة، وإنما ينسب ذلك إلى مالك، ولذا حملت الموثقة كغيرها من المطلقات على التقية، إلا أن قول هذه الموثقة للتقييد بعيد، إذ المقيد لها إن كان أخبار الاستيطان العرفي فلا قائل باعتبار الملك فيه، وإن كان صحيحة ابن بزيع فظاهرها كما عرفت الاقامة في الملك، لا الاقامة في بلد له فيه ملك، إلا أن يقال إن الاستيطان عرفا لا ينسب إلى الدار والمنزل، بل إلى البلد والمحل وإنما ينسب إلى المنزل بالعرض فاخبار استيطان المنازل يراد بها استيطان ذلك البلد أو المحل، فكذا الصحيحة فان قوله (عليه السلام): (له فيها منزل يقيم فيه " تفسير لقوله (عليه السلام): " له فيها منزل يستوطنه " فلا يراد إلا الاقامة في محله الملك لا في المملوك. فالاحتياط في مثله لا يترك خصوصا مع ذهاب المشهور إليه. وأما سائر ما قيل في إقامة (الستة أشهر) من كفاية كونها متفرقة للاطلاق، ومن لزوم كون الاقامة المزبورة بنحو توجب التمام فلا وجه له. أما الاول: فلان المنصرف منه في أمثال المقام كثلاثة الحيض، وثلاثة الخيار، وعشرة الاقامة، في موردها هو التوالي. وأما الثاني، فلانه لا موجب له إلا ظهور " يقيم " في إقامة العشر في ذلك، مع أن الكلام هناك مسوق لايجاب التمام بها دون ما نحن فيه فإنه موجب للاتمام بعد تحققها في سفره إلى هذا المحل، والتعبير بكونها قاطعة للسفر ليس بلحاظ هذا السفر الذي يقيم عنه، بل بلحاظ أسفاره فيما سيأتي، وهكذا والله العالم.


(1) الوسائل: ج 5، ص 521، الباب 14 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 5.

[ 126 ]

ومنها: ان الوطن الاصلي هو ما نشأ فيه الانسان وأبوه وجده مثلا ولم يعتبر فيه الملك بلا خلاف، إنما الكلام فيما إذا أعرض عنه وكان له ملك فيه فهل يسقط عن الوطنية بمجرد الاعراض ام لا يسقط إلا بزوال الملك أيضا؟ ولا يخفى ان مثله إذا كان معتبرا فيه اتخاذه وطنا ولو إرتكازا ولو بالتبعية، فيتصور فيه الاعراض الذي حقيقته رفع اليد عن اتخاذه وغاية الامران الاتخاذ تفصيلي تارة، وارتكازي أخرى، وأما إذا كان مثله وطنا قهريا ولو لم يخطر بباله إتخاذه مقرا دائميا فلا معنى لحقيقة الاعراض عنه، والاكتفاء فيه بمجرد هجره وتركه مشكل، وإلا لكان مهاجرة النبي إعراضا فيختل به أخبار حج النبي (صلى الله عليه وآله) وسفره إلى عرفات فانه مع إعراضه (صلى الله عليه وآله) وعدم الملك لما حكي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن أنه قال (صلى الله عليه وآله): " وهل ترك لنا عقيل دارا " (1) يكون سفره إلى عرفات تتمة سفره من المدينة لا سفرا جديدا بانقطاع سفره الاول بوصوله إلى مكة وعدم الاقامة فيها. نعم يمكن أن يقال إن حقيقة الاعراض وإن كانت في قبال الاتخاذ إلا أن هجره الدائمي بمعنى تركه إلى الآخر لا تركه لضرورة الوقت كما كان من النبي (صلى الله عليه وآله) يسقطه عن الوطنية شرعا. وأما بقاء حكم الوطن مع بقاء الملك ولو مع الهجر والاعراض فقد استند الشيخ الاجل (2) (قدس سره) في صلاته إلى وجهين: أحدهما ما حكاه الشهيد (قدس سره) في الذكرى (3) " من أن الصحابة لما دخلوا مكة قصروا لخروج أملاكهم " فيدل على أنه لو بقيت أملاكهم لم يقصروا ثانيهما: دعوى الفحوى فان الاستيطان الشرعي وهي إقامة ستة أشهر مع بقاء الملك إذا كان موجبا لبقاء حكم الوطنية فالوطن الاصلي مع بقاء الملك حكمه


(1) السيرة الحلبية. (2) كتاب الصلاة: ص 419. (3) الذكرى، في بحث الشرط الثاني من شرائط التقصير، وليس لصفحات الكتاب ارقام. (الطبعة الحجرية).

[ 127 ]

كذلك بالاولوية القطعية أما فعل الصحابة فلا حجية له، وأما الاولوية فمدفوعة بان الوطن الشرعي كان متقوما حدوثا بالملك والاقامة فيه ستة أشهر، والاقامة تنقضي بانقضاء مدتها وأثر الوطنية بعد انقضائها، فبقاء الوطنية منوط ببقاء موجبها وليس هو إلا الملك فانه القابل للبقاء بخلاف الوطن الاصلي فان تقومه لم يكن عند تحققه بالملك، فليس بقائه إلا بعدم الهجر والاعراض، فمع الهجر لا أثر لبقاء الملك، كما لم يكن أثر لحدوثه، فكونه علة مبقية للوطنية يحتاج إلى دليل، فلا مساواة فضلا عن الاولوية القطعية، والمسألة إن لم تكن إجماعية لابد فيها من الاحتياط. ومنها: ان الوطن المستجد والاتخاذي، لاشبهة في أن حكم الوطن الاصلي في وجوب الاتمام، وفي انقطاع السفر بالوصول إليه، إما لشمول أخبار الاستيطان الظاهر في إتخاذ محل مقرا دائما له، وإما لشمول أخبار من خرج من منزله وبلده و أهله بانه كما يكون كذلك أصليا كذلك يكون اتخاذيا، ومورد أخبار الاستيطان وإن كان أثناء المسافرة من محله إلا أنه مورد لا مقوم للاستيطان فدعوى ان هذه الاخبار أجنبية عن اتخاذ محل دارا لاقامته غير مسموعة. نعم إن فسرت هذه الاخبار بالاستيطان الشرعي سقطت عن الدلالة على حكم الاستيطان العرفي. وأما اعتبار الملك فيه، واعتبار إقامة ستة أشهر في محل الاتخاذ، فتوضيح القول فيها: أما اعتبار الملك فليس له موجب شرعا، كما لا موجب له عرفا حيث إن مفهوم الاستيطان غير متقوم بملكية ما يتخذه مقرا دائميا، خصوصا مع أن المتعارف اتخاذ البلد مقرا دائميا له وأخبار الاستيطان وإن كان موردها غالبا اللملك، إلا أنه لم يعلم منها أن الملك مقوم له شرعا بل ظاهر قوله (عليه السلام): " كل منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل " (1) ان العبرة بكون المحل منزلا له وهو متقوم بالاستيطان واتخاذ المنزل مقرا دائميا حتى يكون منزلا له ليكون حضوره فيه حضور


(1) الوسائل: ج 5 ص 521، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

[ 128 ]

المسافر منزله فالعبرة به لا بكون ما اتخذه مقرا ملكا له. وأما اعتبار إقامة ستة أشهر فيه فما قيل أو يمكن أن يقال في وجه اعتبارها أمور: أحدها: ان الوطن العرفي ما لم يكن وطنا شرعيا لا أثر له وهو مغالطة، فان اللازم أن يكون ما يراه العرف ملكا أو مالا أو وطنا ممضى شرعا، وأخبار الاستيطان والمنزل ونحوها دليل الامضاء، وعدم كونه وطنا شرعيا بالمعنى المقابل للوطن العرفي غير ضائر. ثانيها: ما في المدارك (1) من دعوى الاولوية نظرا إلى أن إقامة ستة أشهر إذا كانت لازمة مع وجود الملك فمع عدمه بالاولوية، وهو بظاهره بلا جامع حتى يتحقق بلحاظه الاولوية ولعل المراد أن المحل الذي كان ملكا إذا اعتبر فيه الاقامة المزبورة فالمحل الذي ليس بملك اولى باعتبار الاقامة فيه، وهو لا يجدي إلا بلحاظ ذات المحل لا بلحاظ الذي اتخذه مقرا دائميا فانه لا مساواة فضلا عن الاولوية. ثالثها: تقييد إطلاق أخبار الاستيطان العرفي بصحيحة ابن بزيع (2)، والظاهر انه ليس نسبة الصحيحة إلى تلك الاخبار نسبة المقيد إلى المطلق حتى يحمل المطلق على المقيد، فان الصحيحة متكفلة لنفس الاقامة، لا للاستيطان العرفي المتقيد بالاقامة حتى تكون نسبتها نسبة المقيد إلى تلك الاخبار. ومنه تعرف ان نسبة تلك الاخبار أيضا ليست نسبة المقيد إلى الصحيحة المطلقة من حيث اتخاذ المنزل مقرا دائميا حتى يقال لا عبرة بالاقامة المزبورة ما لم يتخذ المنزل مقرا دائميا. فان قلت: وإن لم تكن نسبة الاخبار إلى الصحيحة ولا نسبة الصحيحة إلى الاخبار، نسبة المقيد إلى المطلق إلا أن قوله (عليه السلام): في صحيحة علي بن يقطين " كل منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل " يعم باطلاقه ما إذا أقام في المنزل ستة أشهر، وقوله (عليه السلام) في صحيحة ابن بزيع " أن يكون له منزل


(1) المدارك: ص 278 تحت عنوان توضيح الشرط الثالث من شرائط التقصير. (2) الوسائل: ج 5 ص 522، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11. (3) الوسائل: ج 5، ص 521، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

[ 129 ]

يقيم فيه ستة اشهر " (1) يعم باطلاقه ما إذا اتخذه مقرا دائميا أم لا، فالاطلاقان متعارضان ولابد من علاجهما وإلا سقط كل منهما ولم يثبت بهما لا وطن عرفي ولا وطن شرعي بنحو الاستقلال. قلت: حيث إن ظاهر الصحيحة جعل الاقامة المزبورة إستيطانا حيث قال السائل: " ما الاستيطان فقال (عليه السلام): أن يكون له منزل يقيم فيه ستة أشهر " (2) فالاقامة المزبورة يترتب عليها الحكم بعنوان أنه إستيطان فيكون وطنا تنزيلا، والصحيحة بمنزلة الحاكم على تلك الاخبار، فكأنه قال: كل منزل لا تستوطنه حقيقة أو تنزيلا فهو ليس لك بمنزل، ولا تعارض بين الحاكم والمحكوم فتدبر جيدا. ومنها: أن ظاهر غير واحد أن المدار في الاتمام على أحد الامور المزبورة من الوطن الاصلي والاتخاذي والشرعي، فالمقيم في بلد بلا قصد التوطن خارج عن الاقسام وإن بقي فيه مدة متمادية، ويمكن أن يقال كما قيل إن المدار في الاتمام وفي انقطاع السفر بالوصول إليه مجرد كون البلد بلده، كما يستفاد من أخبار باب صلاة المسافر من التعبير بوصوله إلى أهله، أو خروجه من منزله وعوده إليه، وأشباه ذلك، ولا ريب في أن من كان بيته معه لا وطن له باحد الوجوه ومع ذلك له الحضور والسفر، وقد ورد في باب حج التمتع (3): انه فريضة من لم يكن أهله حاضر المسجد الحرام وإن من أقام به سنتين كان داخلا في الحاضر. فمنه ومن أشباهه يعلم أن ملاك الاتمام كون الشخص مضافا إلى بلد مثلا وأنه محله وبيته ومنزله لا إلى عنوان الوطنية والله أعلم. [ القاطع الثاني: الاقامة ] الثاني من قوطع السفر نية إقامة عشرة إيام.


(1 و 2) الوسائل، ج 5، ص 522، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11. (3) الوسائل، ج 8 ص 191، الباب 9 من أبواب أقسام الحج.

[ 130 ]

وفيه مباحث: [ المبحث ] الاول في موضوع هذا القاطع وفيه امور: أحدها: إن المقوم له أعم من النية المساوقة للعزم ومن اليقين العادي المساوق للجزم وإن لم يكن من مبادئ الارادة كما يتضح بمراجعة رويات الباب، ففي بعضها: " إذا دخلت أرضا فايقنت أن لك بها مقام عشرة أيام الخ " (1)، وفي بعضها " إن حدث نفسه باقامة عشرة أيام الخ " وفي بعضها " فازمعت المقام " (3) وفي آخر " تريد المقام " (4) وفي آخر " إذا اجمع على مقام عشرة أيام " (5) ومن الواضح أن إجماع الرأي والارادة أخص من اليقين العادي لشموله لما إذا أيقن مقامه قهرا لكونه أسيرا وهو أوسع من الجزم الذي هو من مبادى الارادة. ومن الواضح أيضا انه ليس هناك موجبان للاتمام: نية الاقامة، واليقين لها، بل هناك موجب واحد وهوثبوت المقتضي لبقائه إما من تلقاء نفسه وإما من الخارج فلا ينافي احتمال حصول المانع من تأثير المقتضي باحد المعنيين، وأما حديث تعليق العزم على شئ وما يشبهه من القصد التفصيلي والاجمالي فحاله حال قصد المسافة وقد فصلنا القول فيه سابقا فراجع. ثانيها: ان أخبار هذه المسألة كلها متكفلة لوجوب الاتمام فقط من دون دلالة على القاطعية للسفر موضوعا تنزيلا، والدليل منحصر في رواية " من قدم مكة قبل التروية بعشرة ايام فهو بمنزلة أهلها " (6) فالاستدلال لعنوان القاطعية بهذه الاخبار


(1) الوسائل: ج 5، ص 526، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9. (2) الوسائل: ج 5 ص 527، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 16. (3) الوسائل: ج 5 ص 530، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3. (4) الوسائل: ج 5 ص 527، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 16. (5) الوسائل: ج 5 ص 524، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1. (6) الوسائل: ج 5 ص 526، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10 مع اختلاف يسير.

[ 131 ]

وتوهم أن التنزيل في هذه الرواية لا عموم له فلا يفيد إلا وجوب الاتمام، مدفوع بان نفس هذه الرواية المتكفلة للتنزيل، متكفلة لحكمين: من وجوب الاتمام ومن وجوب القصر للخروج إلى عرفات بعنوان التفريع على كونه كأهل مكة، ولو لم يكن كذلك لما كانت له الدلالة على أن الخروج إلى عرفات سفر جديد موجب للقصر لاحتمال أن القصر لكونه متمما لسفره من بلده إلى مكة. ثالثها: يعتبر في الاقامة وحدة المحل فلا أثر للاقامة في محلين بحيث يعدان كذلك عرفا، وهل هو لاقتضاء الاقامة عرفا؟ أو لان مورد الروايات هو البلد؟ حتى قوله (عليه السلام): " إذا دخلت أرضا " (1) فان المراد موضوع مخصوص منها وإلا فلا معنى لقوله فيما بعد: " وإن لم تدر ما مقامك بها تقول غدا أخرج أو بعد غد " فان ظاهره الخروج من محل خاص منها، لا الخروج من الارض مع أن مورد السؤال " أرأيت من قدم بلدة؟ ". وبالجملة لاشبهة في أن مورد الاخبار هي الاقامة في محل خاص. وأما بالنظر إلى اقتضاء الاقامة فهي منسوبة بالذات إلى الدار التي هي مسكنه ومقره، وبالعرض إلى المحلة والى البلد والى القطر العراقي والى جزيرة العرب وإلى آسيا وهكذا. إلا أن الاقامة هنا كلاقامة في الوطن لايراد منها إلا الاقامة في البلد إذ لا فرق بين جعل البلد مقرا دائميا لنفسه أو مقرا في ستة أشهر أو عشرة أيام. فلا خصوصية في نظر العرف للدار والمحلة في باب جعل محل محط رحله وموضع قراره واستقراره. وأما الامر في البلدان الكبار جدا فمشكل إذا لم يكن محلاته منفصلة كالقرى المتقاربة والاحتياط في مثله لا يترك، لعدم إمكان الجزم باحد الطرفين. رابعها: ان كفاية التلفيق وكفاية عشرة أيام بلياليها والمتوسطة دون الاولى والاخيرة لا منشأ لهما إلا الصدق العرفي، وإلا فما أفاده في المدارك: " من أن نصفي اليومين لا يسمى يوما " (2) صحيح، ولقد أجاد الشيخ الاجل (قدس سره) في رده


(1) الوسائل: ج 5 ص 526، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9. (2) المدارك: ص 283 تحت عنوان ولو نوى الاقامة.

[ 132 ]

حيث قال: " إنه تصديق للحقيقة وتكذيب للعرف " (1) كما ان اليوم إذا كان عبارة عن مجموع الليل والنهار فلابد من إدخال الليلة الاولى أو الاخيرة، وإن كان عبارة عن خصوص النهار فالليالي كلها خارجة، ولا مدفع له إلا أن مقتضى نسبة الاقامة إلى عشرة أيام عرفا ما ذكرنا وهو أن مبدأه أول نهار اليوم الاول ومنتهاه آخر نهار اليوم العاشر وإذا كان في مورد التلفيق فمبدؤه مثلا زوال اليوم الاول، ومنتهاه زوال اليوم الحادي عشر فتكون الليالي المتوسطة عشرا. ومنه تعرف انه ليس المدار على مقدار عشرة أيام بلياليها المتوسطة كما هو واضح. خامسها: المشهور اعتبار التوالي المفسر بعدم نية الخروج عن حد الترخص في مرحلة نية الاقامة، فالنية المقرونة الخروج لا تؤثر في وجوب الاتمام بل يبقى على القصر، وجملة ما ستندوا إليه في ذلك أمور: منها: تبادر النية المحضه من النص، من لزوم النقص في العشرة المنوية، كما ليس له أن ينوي تسعة أيام ونصف مثلا. ومنها: ما عن الشيخ الاجل (قدس سره) في تحريراته في الصلاة حيث قال (قدس سره): " كل مكان يجوز قصد إقامة شئ من العشرة فيه لا يقدح قصد الخروج إليه في الاثناء وإلا فلا.. الخ " (2) وحاصله دعوى الملازمة بين قصد الاقامة فيهما وقصد الاقامة في أحدهما والخروج إلى الآخر. ومنها: ان التجاوز عن حد الترخص من المقيم مبطل للاقامة، فنية التجاوز في ضمن نية الاقامة تبطلها. والجواب عن كل هذه الوجوه مبني على مقدمة هي: ان الاقامة تارة بمعنى اللبث في محل، فالخروج عن المحل وعن ما هو محسوب منه ضد اللبث فيه، وقصدهما قصد المتنافيين، وأخرى بمعنى جعل محل مقرا ومستقرا لنفسه ومحطا لرحله كالاقامة فيما يتخذه دارا لا قامته دائما، إذ لا فرق بين الاقامتين إلا بالدوام وعدمه، وضد الاقامة بهذا المعنى، الارتحال عنه وتركه، ولا يكون ذلك إلا بانشاء سفر جديد وبه


(1 و 2) كتاب الصلاة للشيخ الانصاري: ص 400.

[ 133 ]

تنحل جميع تلك الوجوه إذ ليس للاقامة حقيقة شرعية ليدعى انها خصوص اللبث المضاد للخروج، بل معناها العرفي ما ذكرناه، ولا يقاس قصد جعل محل واحد مقر ومستقرا والخروج إلى ما دون المسافة لحاجة، بقصد جعل المحلين مقرا لنفسه و مستقرا له، كما أن جعل محل مقرا له لا يقتضي دوام اللبث فيه فلا ينافيه الخروج عنه نهارا والقرار فيه ليلا مثلا فلا يلزم نقص العشرة. نعم لو خرج ليلا ونهارا لزم النقص في العشرة حيث لم يتصف يوم منها بالقرار والاستقرار فيه. وأما ناقضية التجاوز عن حد الترخص للاقامة، فمدفوعة بان التجاوز حد لمن سافر من بلده أو محل إقامته، ولا يدور هذا المعنى مدار قاطعية الاقامة لموضوع السفر ورافعيتها حكمه، فان البناء على كونها رافعة لوجوب القصر فقط، وبقائه على كونه مسافرا أيضا على نحوين: فتارة يخرج عن محل الاقامة مرتحلا عنه ومتمما لسفره الاول عودا على بدء فهذا هو الذي يجب عليه القصر عند تجاوزه عن حد الترخص. وأما من لم يرتحل عنه وهو باق على بنائه على أن المحل مقره ومستقره، فلا موجب لتحديد خروجه بعدم بلوغ حد الترخص حيث لا سفر منه ولو بعنوان العود على سفره. فالتحقيق: ان نية الخروج إلى ما دون المسافة لا ينافي نية الاقامة بالمعنى الذي ذكرنا التي هي الاقامة العرفية في البلد في قبال الرحلة عنه فتدبر جيدا. سادسها: بعد البناء على عدم مانعية نية الخروج إلى ما دون المسافة لنية الاقامة هل يعتبر توالي العشرة واتصالها أم يكفي كونها متفرقة بحيث إذا خرج ولم يرجع إلى اليوم الآخر كفى إكمال العشرة بيوم آخر؟ مقتضى ما تقدم من المشهور في مسألة الاقامة ستة أشهر متوالية كانت أم متفرقة، للاطلاق، فلا بد من القول به هنا إلا أن الظاهر اعتبار التوالي وعدم الانفصال كما في غير هذا المورد من الموارد التي أخذ في موضوع الحكم عدد خاص من الايام أو الشهور والله العالم.

[ 134 ]

المبحث الثاني إذا نوى الاقامة ثم عدل عنها بطلت الاقامة إلا إذا صلى فريضة واحدة تامة. وتنقيح الكلام برسم أمور في المقام: أحدها: بيان أنحاء ما يتصور من شرطية نية الاقامة في المقام وتأثير العدول ودخل فريضة تامة في بقاء الاحكام فنقول: إن نية الاقامة تارة رافعة لاحكام السفر، واخرى قاطعة لموضوعه، أما إذا قلنا بانها رافعة للاحكام فنية الاقامة تارة شرط حدوثا وبقاء وأخرى حدوثها شرط لثبوت الاحكام حدوثا وبقاء فان كانت شرطا وبقاء فليس للعدول شان إلا ارتفاع نية الاقامة، وبزوال الشرط يزول المشروط وهو وجوب الاتمام مثلا وحينئذ ففعل صلاة تامة المقارنة لشرطها وهي نية الاقامة حالها، شرط بدلا عن نية الاقامة عند ارتفاعها فالعدول بعد الصلاة لا أثر لها، فبقاء الاحكام تارة مستند إلى نية بحدوثها شرطا لثبوت الاحكام حدوثا وبقاء، فبقاء النية لا أثر له حتى يكون العدول بعنوان ارتفاعها وبعنوان زوال الشرط، فان النية الحادثة يستحيل ارتفاعها وانقلابها عما هي عليه، والباقية إلى زمان العدول لا شرطية ولا أثر لها شرعا، بل يكون بعنوان نفسه رافعا لاثر تلك النية من حين تحققه لا من حين تحققها، فانه من قبيل الشرط المتأخر المستحيل بطبعه. وفعل صلاة تامة قبل العدول مانع متقدم عن تأثير العدول، وأما كون نية الاقامة شرطا حدوثا وإناطتها في بقاء الاحكام بفعل الاتمام، فهو محال لان وجوب الاتمام لا يعقل أن يكون مشروطا بنفس الاتمام، لان ذلك طلب الحاصل من وجه، وعلية الشي ء لنفسه من وجه آخر كما أن كون النية المستمرة شرطا لحدوث الاحكام وبقائها أيضا محال، لكون بقاء النية شرطا متأخرا لحدوث الاحكام من الاول. فالفرض الصحيح بحسب مقام الثبوت ما فرضناه أولا وثانيا. واما إذا قلنا بان نية الاقامة قاطعة لموضوع المسافر كما هو المعروف، فربما ينسبق إلى الذهن إنه لا معنى لشرطية نية الاقامة حدوثا وبقاء لان انقطاع السفر ليس

[ 135 ]

تدريجيا حتى تكون نية الاقامة في كل آن قاطعة للسفر في ذلك الآن. وعليه فلا معنى للعدول لانه لا يحقق السفر بعد ارتفاعه ولا معنى لا بقاء انقطاع السفر بفعل صلاة تامة. واما إناطة تأثير حدوث الاقامة في انقطاع السفر بفعل صلاة تامة فهو في حكم إناطة وجوب الاتمام بفعل الاتمام، كما أن إناطة تأثير نية الاقامة في انقطاع السفر، بعدم العدول بعدها حتى لا يرد محذور كون العدول محققا لسفر فهو إلتزام بالشرط المتأخر، ولازمه بطلان الاعمال السابقة على العدول إلا الصلاة التامة المانعة عن تأثير العدول، إلا أن كل ذلك مبني على كون نية الاقامة قاطعة للسفر حقيقة كالورود إلى الوطن. وأما إذا كان قاطعا تنزيلا بمعنى أن ناوي الاقامة بمنزلة الحاضر شرعا في جميع أحكامه حتى في اعتبار المسافة عند ارتحاله، وبه يمتاز عن كونها رافعة لاحكام السفر. وعليه فالحضور له الحدوث والبقاء فهو مادام ناويا للاقامة باق على حضوره، وإذا ارتفعت النية أرتفع الحضور إلا إذا صلى تماما فانه بها يبقى على حضوره وإن زال سببه الاول. ومنه يعرف أنه يتصور على هذا الشق أيضا صورة أخرى وهي: تأثير النية بحدوثها فقط في الحضور تنزيلا إلى أن يرتحل ويكون العدول رافعا لاثرها من حينه لامن حينها وتكون الصلاة التامة مانعة عن تأثير العدول، بل لعل هذه الصورة أبعد من المحذور من الصورة الاولى لان مقتضى صحيحة أبي ولاد (1) هو وجوب الاتمام بعد فعل صلاة تامة لاكونها مبقية لحضوره كما كانت النية مقتضية له بخبر من قدم مكة قبل التروية إلى قوله: " فهو بمنزلة أهلها " (2) وإذا لم يكن تنزيل في الصحيحة للفريضة التامة منزلة النية في اقتضائها لحضور التنزيلي لم يكن سفره بعد العدول سفر الحاضر حتى يعتبر فيه المسافة، بل حاله حال الشق الاول من كون النية رافعة


(1) الوسائل: ج 5 ص 532، الباب 18 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1. (2) الوسائل: ج 5 ص 499، الباب 3 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 3.

[ 136 ]

للاحكام، بخلاف الصورة الثانية من الشق الثاني فان الحضور التنزيلي إلى الآخر بمقتضى نفس النية وشأن الصلاة التامة المانعية عن تأثير العدول في رفع الحضور، فسفره بعد العدول الواقع بعد فريضة تامة سفر عن حضور من دون حاجة إلى تنزيل آخر فافهم وتدبر. ثانيها: هل مقتضى الاخبار شرطية نية الاقامة حدوثا وبقاء لحدوث أحكام الحاضر وبقائها؟ أو شرطية حدوث نية الاقامة فقط لحدوث الاحكام وبقائها؟ فعلى الاول يكون ارتفاع الاحكام بالعدول على القاعدة دون الثاني. فنقول: ظاهر ما عدا صحيحة أبي ولاد هو الثاني، وهي شرط نية الاقامة حدوثا، فان ظاهر قوله (عليه السلام) " إذا دخلت أرضا فايقنت أن لك بها مقام عشرة أيام الخ " (1)، هو حدوث اليقين لاستمراره، وكذا ظاهر قوله (عليه السلام): " إن حدث نفسه باقامة عشرة أيام " (2) فان الظاهر حدوث حديث النفس بالاقامة لااستمرار حديث النفس، وكذا ظاهر قوله (عليه السلام) " فأزمعت المقام وأردت " (3) و " أجمع على مقام عشرة أيام " (4) فان ظاهرها جميعا هو حدوث هذه الصفات دون استمرارها. نعم لو كان الموضوع ناوي الاقامة، صح أن يقال إن ظاهره دوران الحكم مدار التلبس بالعنوان. وأما صحيحة أبي ولاد فظاهرها اعتبار الاستمرار، فانها نظير صحيحته الاخرى الواردة في اعتبار استمرار قصد المسافة، فان استمرار النية إلى زمان البداء، مفروض فيها، وإنما سأل عن اعتبار بقائها لكونه شرطا في بقاء أحكام الاقامة أو يكفي حدوثها فأجاب (عليه السلام): بان الحكم يزول بالبداء إلا مع فعل فريضة تامة، فيعلم منه بالالتزام اعتبار بقاء النية في بقاء أحكام الاقامة إلا مع فعل (1) الوسائل: ج 5 ص 526، الباب 15 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 9. (2) الوسائل: ج 5 ص 527، الباب 15 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 12. (3) الوسائل: ج 5 ص 530، الباب 17 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 3. (4) الوسائل: ج 5 ص 524، الباب 15 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1.

[ 137 ]

فريضة تامة. ويتفرع على ما ذكرنا ان مجرد زوال نية الاقامة كاف في ارتفاع الاحكام سواء جزم بعدم الاقامة أو تردد، بخلاف ما إذا كان حدوث النية شرطا والعدول مانعا، فانه ربما يتأمل في التعدي عن الجزم بعدم الاقامة لظهور الصحيحة سؤالا وجوابا في الجزم بالعدم، لقول السائل " فبدالي أن لاأقيم " (1) وقول الامام (عليه السلام) " حتى بدالك أن لا تقيم " (2) مع أنه على هذا المبني أيضا يصح التعميم لقوله (عليه السلام): بعد فرض البداء في آخر الصحيحة " وإن لم تنوا المقام عشرا فقصر ما بينك وبين شهر " (3) الخبر. ثالثها: ظاهر صحيحة أبي ولاد (4) ان بقاء النية إلى تمامية صلاة فريضة تامة، شرط في بقاء أحكام الحاضر، وإن فعل صلاة فريضة تامة هو الموجب لبقاء أحكام الحاضر، فالعدول في أثناء الفريضة التامة باق على تأثيره في ارتفاع أحكام الحاضر لفرض عدم بقاء الشرط إلى تمامية الصلاة، والشرطية الثانية في الصحيحة حيث قال (عليه السلام): " وإن كنت حين دخلتها على نية التمام ولم تصل فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدالك أن لا تقيم " (5) الخبر، وإن كانت موهمة لقصر تأثير العدول على العدول قبل فعل الصلاة راسا فيبقى العدول في الاثناء مسكوتا عنه، فلا العدول قبل الصلاة حتى يؤثر ولا العدول بعدها حتى لا يؤثر، لكن الشرطية الثانية تصريح بمقتضى الشرطية الاولى، وهو ان مناط التأثير وعدمه وقوع العدول بعد فعل صلاة تامة وعدمه، مضافا إلى إطلاق قوله (عليه السلام) " ولم يصل " (6) أي لم يصل تماما بحيث يصدق على ما أتى به أنه صلاة تامة وإن أتى بما ليس مصداقا للصلاة التامة لفرض كون العدول في الاثناء وسيجئ إن شاء الله تعالى ان وجوب هذه الصلاة لما ذكروه من الوجوه الضعيفة، لا دخل له بتأثير العدول في ارتفاع أحكام الحاضر وعدمه، بخلاف العكس وهو ما إذا قلنا إن


(1 و 2) الوسائل: ج 5 ص 532، الباب 18 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1. (3 و 4 و 5 و 6) نفس المصدر السابق.

[ 138 ]

العدول في الاثناء كالعدول بعد الصلاة لا أثر له فإنه بنفسه مقتض لوجوب الاتمام إذ المفروض أن المشروع في الصلاة كالاتيان بها تماما فهو في هذه الحال مأمور بالتمام. رابعها: ظاهر صحيحة أبي ولاد دوران تأثير العدول وعدمه مدار فعل فريضة تامة وعدمه فلا أثر لغيرها من الفرائض اليومية، ولا لسائر الواجبات المنوطة بالاقامة كالصوم والنوافل النهارية. وربما يبرهن على كونها كالفريضة التامة وبتقريب أن فعل النافلة قبل العدول حيث إنها مقارنة لشرطها وهي نية الاقامة والحضور فهي صحيحة لا باطلة، وإذا صحت كشفت عن كون المتنفل حاضرا غير مسافر لعدم مشروعية النافلة من المسافر، وإذا كان غير مسافر فالعدول ليس من موجبات السفر. وجوابه ما مر من أن نية الاقامة شرط حدوثا وبقاء فمع ارتفاعها ليس بحاضر لانتفاء ما به الحضور والمفروض عدم الاتيان بما جعله الشارع بدلا عن نية الاقامة وهي الصلاة ومع انتفاء الحضور حقيقة وتنزيلا يجب القصر كما هو مقتضى ذيل الصحيحة فراجعها. خامسها: المستفاد من الصحيحة (1) ان نية الاقامة لا تمنع عن العدول إلا إذا صارت عمليا بخصوص الفريضة التامة فلابد من إرتباط الفريضة التامة بالاقامة ويترتب عليه فروع: منها: ما إذا صلى صلاة تامة في أماكن التخيير لشرف البقعة فإنه وإن كان ناويا للاقامة واقعا، وتصدق طبيعة الفريضة التامة حيث إن الاتمام واقعا مأمور به، إلا أنه غير مربوط بنية الاقامة وليس الاتمام عملا بنية الاقامة. ومنها: ما إذا قضى فائتة تامة فانه من مصاديق الفريضة التامة إلا أنه أجنبي عن نية الاقامة فانه يجب عليه قضاء ما فات كما فات، نوى الاقامة أم لا. ومنه يظهر سريان الاشكال إلى قضاء رباعية فائته بعد نية الاقامة فان التمامية مستندة


(1) اي صحيحة ابي ولاد التي مر عنوانها قريبا.

[ 139 ]

إلى اقتضاء التدارك لا إلى اقتضاء الاقامة حتى يكون القضاء عملا بما نوى، إلا أن يفرق بانه عمل بنية الاقامة بواسطة إذ لو لم ينو الاقامة لما وجب عليه الاتمام أداء وقضاء. ومنها: ما إذا صلى تماما غافلا عن نية الاقامة جريا على عادته في بلده، فان وجوب فريضة تامة وصدقها على ما أتى به واضح، لكنه أجنبي عن التلبس بما يترتب على الاقامة حتى تكون نية الاقامة عمليا إلا أنه يمكن أن يقال إنه تلبس بما هو عمل الحاضر ولحضوره أتم، وإن عمل عن وجه حضوره فتدبر. سادسها: ظاهر الصحيحة (1) إناطة تأثير البداء وعدمه باتيان الفريضة التامة وعدمها لا بمجرد إستقرارها في الذمة، فدعوى عدم تأثير العدول إذا ترك الفرض عمدا أو نسيانا استنادا إلى مجرد الاستقرار في الذمة، لا شاهد لها. والعجب الالتزام به من جامع المقاصد (2) مع اعترافه بمخالفته لظاهر النص. وأما دعواه انه موافق للقواعد فقاعدة شرطية النية حدوثا فقط المستفادة من الاخبار وإن كانت مقتضية لعدم تأثير العدول، إلا أن الصحيحة صريحة في إناطة البقاء على الاتمام بفعل صلاة تامة وان العدول لا أثر له بعدها لابعد استقرارها في الذمة فتدبر. نعم المناقشة في عدم شمول قوله (عليه السلام): " لم يصل "، لترك الصلاة عمدا أو نسيانا غير بعيدة نظرا إلى أن سوق هاتين الشرطيتن في الصحيحة بلحاظ فعل الصلاة طبعا، وعدم فعلها طبعا لسعة الوقت لا لتعمد الترك، أو عروض النسيان، وعليه فالعدول بعد الاستقرار والترك العمدي أو النسيان غير مشمول للصحيحة، فنية الاقامة مؤثرة في وجوب الاتمام، والمقيد لها الترك الطبعي دون غيره فتأمل. سابعها: إذا صام ناوي الاقامة قبل فريضة تامة صح صومه لما مرمن أن نية


(1) اي صحيحة ابي ولاد. (2) جامع المقاصد: ص 148، في بحث صلاة المسافر.

[ 140 ]

الاقامة غير مشروطة بفعل صلاة تامة وأما إذا صام وعدل في أثناء الصوم فالكلام فيه تارة من حيث تأثير العدول في ارتفاع أحكام الحاضر وعدمه، وقد مر أنه يؤثر حيث إنه قبل فريضة تامة، وأخرى من حيث صحة نفس الصوم وفيه وجوه بل أقوال: قول بصحته مطلقا، وقول ببطلانه مطلقا، وقول بالتفصيل بين العدول قبل الزوال، فلا يصح وبعد الزوال فيصح. أما وجه الصحة مطلقا فهو إن نية الاقامة غير مشروطة بفعل صلاة تامة، ولا بعدم العدول فيما بعد. وعليه فينعقد الصوم صحيحا وحيث إن الصوم لا يتبعض صحة وفسادا فلابد من صحته إلى الآخر وليس مثل الصلاة فانه مع عدم التجاوز عن الركعتين يجب عليه إتمامها قصرا، ومع التجاوز لا يمكن إتمامها قصرا لفرض التجاوز، ولا تماما لتبدل حضوره بسبب العدول ولا تعم الصحيحة للصوم لان موردها تأثير العدول في القصر والاتمام، ولا تعم أخبار السفر قبل الزوال لان ظاهرها إنشاء السفر قبل الزوال لا مجرد زوال حضوره. وأما وجه البطلان مطلقا: فلان الحضور التنزيلي ليس بأقوى من الحضور الحقيقي فكما أنه إذا سافر قبل الزوال ينكشف بطلان صومه من الاول فكذا مع زوال نية الاقامة قبل الزوال، فلا موجب للالتزام بانعقاده صحيحا حتى يرد محذور التبعض، فحيث إنه يكون العدول هادما للاثر من حينه والصوم لا يتبعض، نقول بانه يجب الالتزام بعدم انعقاده حيث إنه غير قابل لاتمامه مع زوال نية الاقامة قبل الزوال. والصححية وإن كانت في مورد الصلاة إلا أنه بالملازمة بين القصر والافطار، والاتمام والصيام، يكون حال الصوم حال الصلاة. وأما عدم صحة إتمامه بعد الزوال فلقصور أدلة الاتمام بعد الزوال لظهوره في إنشاء السفر بعده لا تبدل حضوره بعد الزوال. وأما وجه التفصيل بين العدول قبل الزوال والعدول بعده فنقول: مقتضى الصحيحة بضميمة الملازمه بين القصر والافطار، ثبوت الافطار بالعدول قبل فريضه تامة، ولم يقيد هذه الملازمة إلا بالسفر بعد الزوال، فالعدول قبل الزوال مؤثر في بطلان الصوم لمكان الملازمة، لا لاخبار السفر قبل الزوال حتى يناقش في

[ 141 ]

شمولها لتبدل الحضور بالعدول. وأما صحته مع العدول بعد الزوال مع المناقشة في شمول أخبار السفر بعد الزوال فلما مرمنا سابقا من أن الاتمام والصيام غير مشروط بشئ في هذه الابواب، بل كل مكلف مستجمع للشرائط يجب عليه الاتمام والصيام إلا إذا سافر، ومن البين ان صحة الصوم غير مشروط بالسفر بعد الزوال، فان الصائم يجب عليه إتمام صومه إذا لم يسافر قبل الزوال سواءا سافر بعد الزوال أو لم يسافر فلا حاجة إلى تكلف تعميم السفر بعد الزوال لزوال الحضور التنزيلي بالعدول بعد الزوال. وأما ما عن شيخنا الاعظم (قدس سره) في كتاب الصلاة من الاستدلال للاتمام فيما نحن فيه بفحوى ما دل على وجوب إتمام الصوم إذا خرج بعد الزوال (1) فمبني على ما ذكرنا فإن إنشاء السفر إذا لم يكن مانعا عن إتمام الصوم، فزوال الحضور أولى بعدم كونه مانعا. نعم لو كان إنشاء السفر بعد الزوال شرطا في صحة الصوم تماما لم يكن تبدل الحضور مساويا له فضلا عن كونه أولى. ثامنها: إذا صلى بنية القصر ثم بداله في أثنائه الاقامة أتمها لصحيحة علي بن يقطين حيث قال (عليه السلام) " يتم إذا بدت له الاقامة " (2) ولا يكشف عن إتحاد القصر والاتمام بالنوع لامكان كون القصرية والتمامية كالظهرية والعصرية فانهما متباينان نوعا ولذا يجب قصد عنوان الظهرية والعصرية إما تفصيلا أو إجمالا ومع ذلك إذا صلى بعنوان العصرية ثم تذكر عدم الاتيان بالظهر ينوي الظهر ويبني على كونها ظهرا فيتمها ظهرا فيعلم أن عنوان الظهرية ينطبق على المأتي به سواءا نواها تقصيلا أو إجمالا أو في الاثناء إذا نسي قصدها من الاول، فكذا التمامية والقصرية فتدبر. وأما إذا نوى الاقامة وصلى بتلك النية ثم عدل في أثنائها فقد تقدم ان هذا


(1) كتاب الصلاة: ص 401. (2) الوسائل: ج 5، ص 534، الباب 20 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 1.

[ 142 ]

العدول مؤثر في رفع أثر نية الاقامة، إذا العدول الذي لا أثر له، ما كان بعد فريضة تامة إلا أن الكلام في صحة هذه الصة لا في تأثير العدول وعدمه. والمعروف انه إذا عدل قبل الدخول في الركعة الثالثة يجب عليه إتمامه قصرا لانه مسافر مكلف بالقصر ومتمكن من القصر على الفرض بعد استفادة إمكان ذلك، إما باتحدهما بالنوع أو تبدل أحد العنوانين بالاخر مادام للتبدل سبيل. وأما إذا دخل في الركعة الثالثة فلا يتمكن من إتمامها قصرا لمكان الزيادة، ولا يتمكن من إتمامها تماما لانه مسافر لفرض العدول قبل فريضة تامة ولادخل لاتحادهما نوعا بما نحن فيه إذ بعد فرض كون المكلف المسافر مكلفا بالقصر يجب مطابقة المأتي به للمأمور به وإن لم يجب قصد عنوانه، أو كفى البناء في الاثناء على غير العنوان المنوي أولا. نعم ربما يناقش في شمول ادلة السفر والقصر فيه لمثله بدعوى انه مقصور على من لم يصل رأسا، وأما من صلى تماما في بيته أو وصل إلى حد بحيث لا يمكنه التقصير فهو كمن صلى وأدى الوظيفة، فلا قصر حيث لا صلاة قابلة للتقصير فيها. وربما يستند في ذلك إلى إطلاق أخبار نية الاقامة الظاهرة في أنه مجرد حدوث النية يجب عليه الاتمام ولم يقيد في صحيحة أبي ولاد إلا بالعدول قبل الصلاة وهو لا يعم العدول في الاثناء، وحيث لا تقييد فيؤخذ باطلاق تلك الاخبار ويحكم بوجوب الاتمام وهذه عمدة ما اعتمده الشيخ الاعظم (قدس سره) في بعض تحريراته في صلاه المسافر. إلا أنك عرفت سابقا وجه النظر فيه وحيث إن وجوب الاتمام مذهب غير واحد من الاعلام خصوصا من مثل الشيخ الاجل (قدس سره) فرعاية الاحتياط قوية جدا والله أعلم. المبحث الثالث في حكم من نوى الاقامة وخرج إلى ما دون المسافة. واعلم انه ربما يعنون المسألة بانه نوى إقامة العشرة وتمت العشرة فخرج إلى

[ 143 ]

ما دون المسافة، وربما يعنون المسألة بانه عزم على إقامة العشرة فيخرج إلى ما دون المسافة كما هو الغالب في متون الكتب الفقهية. أما العنوان الاول فلا حاجة فيه إلى التقييد بفعل صلاه تامة لا ن التقيد (1) به بمقتضى الصحيحة إنما هو في مورد العدول عن النية، وبعد تمامية العشرة المنوية لا مورد للعدول عن النية، والعزم على العود وعدمه لا ربط له بالعدول كما يتضح إن شاء الله تعالى. وأما العنوان الثاني فيجب التقييد فيه، إذ مع عدم فعل الصلاة يجب عليه القصر بمجرد عدوله وإن لم يخرج إلى ما دون المسافة فلا يجري فيه البحث عن القصر والاتمام بما لهما من الاقسام، ومع عدم العدول إلى زمان الخروج وإن وجب عليه الاتمام لما مرمن استحالة إناطة تأثير نية الاقامة بعدم العدول أو بفعل صلاة تامة، لكن سفره إذا كان بعنوان عدم العود فهو عدول يجب عليه القصر من حين ذهابه على أي تقدير ولا يجري فيه هذا البحث الذي لا شبهة عند المشهور في عدم القصر في الذهاب والمقصد. وبالجملة إنما يجري هذا البحث إذا تساوى الخروج في الاثناء مع الخروج بعد العشرة في أقوال المسألة وأقسامها إذا تساويا في استقرار وجوب التمام بحيث لم يكن فيه مجال للعدول، إما بمضي العشرة، وإما بفعل صلاة تامة. ثم إن تنقيح الكلام في هذا المقام الذي اضطربت فيه كلمات الاعلام واعترف غير واحد بانه من مهمات المسائل وامهات المعاضل برسم امور: أحدها: ان نية الاقامة كما مر الكلام فيها قاطعة لموضوع السفر اعتبارا وتنزيلا بمقتضى خبر " من قدم مكة " (2) إلى قوله عليه السلام " فهو بمنزلة أهلها " (3) وعليه يبتني هذا البحث، وإلا فهو مسافر حقيقة وإنما ارتفع حكمه في برهة من الزمان، فإذا خرج من محل الاقامة كان خروجه خروج المسافر بسفره الاول وهذا متمم سفره


(1) " التقييد خ ل ". (2 و 3) الوسائل: ج 5، ص 526، الباب 15 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 10.

[ 144 ]

فيجب عليه القصر بمجرد خروجه ذهابا وإيابا إلى أن يصل إلى وطنه ويرافقه الظهور البدوي من صحيحة أبي ولاد حيث جعل غاية وجوب الاتمام مجرد الخروج من محل الاقامة. ولعل من ينسب إليه القصر مطلقا يذهب هذا المذهب. ثانيها: انه قد تقدم في مسألة التلفيق ان ضم الذهاب إلى الاياب مشروط بان لا يكون الذهاب والاياب أقل من أربعة، بل قد تقدم ان الاياب وإن كان وحده بالغا للمسافة الشرعية لا يضم إليه الذهاب إذا كان أقل من أربعة، وان مبدأ القصر حين الاخذ في الاياب. وكلا الحكمين مما عليه المشهور، بل ربما يدعى عليه الاجماع. فالقول بالقصر في الذهاب بعد الاعتراف بقاطعية النية للسفر موضوعا، لا يصح إلا مع القول بالتلفيق مطلقا كما قربناه سابقا ولم نذهب إليه لدعوى الاجماع من غير واحد على خلافه. نعم من يذهب إلى التلفيق فيما إذا كان الاياب وحده مسافة كالمحقق الكاشاني (1) (رحمه الله)، له أن يقول بالقصر هنا في مثل هذا الفرض برجوعه إلى محل الاقامة من طريق أبعد يبلغ المسافة. ثالثها: أن الاقامة كما قدمنا ليست مجرد المكث في مكان، بل اتخاذ محل مقرا ومستقرا ومحطا لرحله، ويقابله الارتحال عنه لا مجرد الخروج عن ذلك المحل، وكما أن الخروج عنه بمجرده لا ينافي بقاء الاقامة كذلك مجرد العود إليه بعد الارتحال عنه ليس عودا إلى مقره ومستقره بل عود إلى ممره إلى وطنه. وعليه إذا خرج من محل إقامته لا بقصد الارتحال الذي هو ضد الاقامة ليس مسافرا بسفر جديد، وكذا إيابه ليس سفرا إلى محل إقامته حتى يحتسب جزءا من المسافة بضمه إلى المسافة من محل إقامته إلى وطنه بخلاف ما إذا ارتحل عن محل اقامته فانه مسافر بسفر جديد من محل إقامته إلى مقصده ومنه إلى بلده مارا إلى محل إقامته. ومما ذكرنا يتضح ما في بعض كلمات الشيخ الاعظم (قدس سره) " من أن الاياب إلى محل الاقامة ومنه إلى وطنه سفر واحد، وليس السفر الفلاني عنوانا


(1) الوافي: ج 2، ص 27، باب حد السير الذي يقصر فيه.

[ 145 ]

حتى يقال إنه مسافر إلى محل الاقامة، ومنه إلى وطنه، والمفروض أن كلامنهما لا يبلغ المسافة " (1). هذا وقد عرفت إنا لا ندعي أن السفر يعتبر فيه قصد الوجه والعنوان، بل خروجه إذا لم يكن إرتحالا من محله ومقره ليس انشاءا لسفر جديد، وليس إيابه ايضا إنشاء لسفر جديد، بل إنشاء السفر إنما هو من محل إقامته إلى وطنه، فانه عين الارتحال من محل الاقامة، فإذا لم يبلغ المسافة بين محل الاقامة والوطن ثمانية فراسخ لا يقصر. رابعها: أن الارتحال تارة حقيقي كما إذا خرج معرضا عن مقره ومستقره، وأخرى حكمي كما إذا خرج من دون إعراض عنه لكنه عاد إليه من طريق أبعد يبلغ المسافة فانه قهرا تنقطع الاقامة على ما هو المشهور بين الاصحاب من كون السفر الشرعي قاطعا للاقامة، وهو أيضا مقتضى الاعتبار لان السفر ضد الحضور، كما أن الارتحال ضد الاقامة، ومع تخلل السفر المضاد للحضور المتحقق بنية الاقامة لا يعقل بقاء الحضور، والمفروض عدم حضور آخر بنية الاقامة الجديدة، ولا يقاس بالسفر من الوطن والعود إليه، فان العود إلى الوطن حضور آخر لا بقاء الحضور الاول، إلا أن يقوم دليل على أن ناوي الاقامة في محل كلما حضر فيه كان حكمه الاتمام، كما ربما يستفاد من خبر المنزلة حيث قال (عليه السلام): " من قدم مكة قبل يوم التروية بعشرة أيام وجب عليه إتمام الصلاة وهو بمنزلة أهل مكة فإذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير، فإذا زار البيت أتم الصلاة، وعليه إتمام الصلاة إذا رجع إلى منى حتى ينفر " (2) فان ظاهره ان تخلل السفر الموجب للقصر لا يقطع الاقامة، وإلا فلا موجب غير الاقامة السابقة للاتمام فيعلم منه أن كل حضور في محل الاقامة موجب للاتمام كالحضور في الوطن فهو تنزيل للمقيم منزلة أهل البلد بقوله مطلق في جيمع الآثار إلا أن هذه الفقرة من الرواية غير معمول بها، ولذا أولوها بتأويلات تقرب من سبعة أوجه كما ذكرها بعض الاساطين (قدس سره) في رسالته


(1) كتاب الصلاة: ص 440 تحت عنوان اختلفوا فيما إذا خرج المسافر.. (2) الوسائل: ج 5، ص 499، الباب 3 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 3.

[ 146 ]

المعمولة في الرجوع ليومه. خامسها: هل الملاك في الارتحال الموجب للقصر بشرائطه، وهو عنوانه المساوق للاعراض المتقوم بالعزم على عدم العود إليه بما هو مقره وإن عاد إليه من حيث إنه ممره؟ فلا أثر لتردده في العود أو ذهوله عنه، أو الملاك عدم البناء على الاقامة الذي هو نقيض ما يتقوم به الموجب للتمام وهو البناء على كونه مقرا له؟ فذاك المعنى الذي كان حدوثا موجبا للاتمام يكون بقاؤه موجبا لبقائه. وبعبارة أخرى هل ملاك القصر ضد نية الاقامة أو نقيضها؟ فعلى الاول لا يضر التردد وعلى الثاني يضره إذ لا بناء مع التردد والذهول ولا ريب في أن ملاك القصر إثناء سفر جديد لان المفروض إما مضي العشرة أو فعل صلاة تامة، فلا معنى للعدول عن النية أولا أثر له، فلا يقاس بقاء موجب الاتمام بحدوثه، ومن البين أنه مع التردد في العود وعدمه لا جزم بانشاء سفر جديد وهو أيضا ظاهر صحيحة أبي ولاد حيث جعلت فيها غاية وجوب الاتمام الخروج الظاهر في الارتحال ورفع اليد عن المقر والمستقر، ولا يكون ذلك إلا مع إنشاء سفر جديد. والتحقيق ان العود إلى محل الاقامة بما هو عود لا أثر له فلا أثر للتردد فيه، بل الاثر للعود إلى محل الاقامة بما هو مقره ومستقره في قبال العود إليه بما هو ممره واحد منازله إلى بلده. والعود بهذا العنوان متقوم بالعزم على كون المحل مقرا له بقاء كما كان حدوثا والعود المتقوم بالعزم المزبور غير قابل للتردد، فما هو قابل للتردد لا أثر له وما له أثر غير قابل للتردد. وأما العود بما هو ممر له فهو ليس شرطا للقصر، بل إذا عاد لا بعنوان أنه عود إلى مقره كان قاصدا لثمانية فراسخ من مقصده إلى بلده من دون ما يوجب انقطاع مسافة المقصد إلى مل الاقامة عن المسافة منه إلى بلده سواءا مر إلى محل إقامته أم لا. وعليه فالمرتدد حيث لاعزم له على العود إلى محل الاقامة بما هو مقره ومستقره فهو قاصد للمسافة الشرعية من حين إيابه إلى بلده فيجب عليه القصر. وأما الصحيحة الحاكمة بوجوب الاتمام بعد صلاة تامة سواءا عدل أم لم يعدل فهي متكفلة لحكم المكلف قبل خروجه وإنشاء السفر، واما أن إنشاء السفر

[ 147 ]

بماذا فهو أجنبي عن مدلول الصحيحة فتدبر جيدا. إذا عرفت ما رسمناه من الامور تعرف حكم المسألة بجميع شؤونها وأن المقيم يجب عليه الاتمام في ذهابه على أي تقدير لعدم ضم الذهاب إلى الاياب وانه يتم في مقصده لكونه تابعا له، وأنه يجب عليه الاتمام في إيابه إلى محل إقامته إذا كان عازما على العود إليه بما هو مقره، وكذا في محل الاقامة لعدم الارتحال الحقيقي والحكمي، وانه يتعين عليه القصر في إيابه إلى بلده إذا كان بالغا للمسافة، وإلا لكان حكمه الاتمام، كما أنه إذا خرج عن محل الاقامة مرتحلا عنه أو رجع عن المقصد من طريق أبعد بحيث يبلغ المسافة فحكمه في الصورتين القصر من حين الاخذ في الاياب، وهذا ما يقتضيه القواعد المسلمة أو الموافقة للتحقيق. ولا عبرة بدعوى الاجماع وغيره في المقام، كما يتضح حاله بالتدبر في كلمات الاعلام. فروع [ الفرع ] الاول: إذا وجب على المسافر صوم يوم معين باستيجار أو نذرهل تجب الاقامة عليه ليؤدي الواجب أم لا؟ أما الاجارة فحيث إنها لا تتعلق بعمل في يوم معين على تقدير الحضور لان العمل على تقدير لا يملك إلا على تقدير، والتعليق في عقود المعاملات باطل، فلا محالة يكون العمل في هذا اليوم مملوكا لاعلى تقدير، فيجب الوفاء بعقد الاجارة فتجب الاقامة تحصيلا للوفاء وأداءا لما يملكه المستأجر عليه وأما النذر فله صور: الاولى: أن يكون المنذور صوم هذا اليوم سفرا أو حضرا حيث يصح النذر مع الاطلاق فلا تجب اقامة لا مكان تأدية الواجب بالصوم في السفر. الثانية: أن ينذر صوم يوم معين على الوجه المشروع في ذاته فيتبدل استحبابه المشروط بالحضور بالوجوب، فيجب عليه صوم ذلك اليوم على تقدير الحضور، ولا يجب تحصيل شرط الوجوب لاستحالته.

[ 148 ]

الثالثة: أن ينذر صوم ذلك اليوم عن حضور، فالمنذور أمر خاص متقيد بالحضور فيجب تحصيل القيد وهو الحضور بنية الاقامة فتدبر. [ الفرع ] الثاني من كان عليه الظهران وهو مسافر لم يبق من الوقت إلا مقدار أربع ركعات فهل له الاقامة حتى يتمحض الوقت للعصر ويقضي الظهر بعد الوقت أم لا؟ ولا شبهة في أن الحضور شرط لوجوب الاتمام، والسفر لوجوب القصر وتبديل الموضوع في حد ذاته جائز، إلا أن تحصيل شرط الوجوب غير واجب، لكن تفويت شرط التكليف بعد حصوله إذا كان مفوتا للتكليف غير جائز، فمن كان حاضرا وعليه الظهران ولم يبق من الوقت إلا مقدار أربع ركعات لا يجب عليه المسافرة تحصيلا لشرط الوجوب، بخلاف ما لو كان مسافرا في الفرض فان شرط وجوب الصلاتين قصرا محقق، وتبديله يوجب تفويت الظهر المستقر وجوبها التي لا بدل لها بتفويت شرطه. إلا أن يقال: إذا كان الشرط شرطا حدوثا وبقاء ولاجله يجوز له تبديل الموضوع، لا لدليل آخر حتى يستظهر منه ما إذا لم يستلزم تفويت التكليف فلا مانع من تفويت شرط القصر وتبديله بشرط الاتمام لفرض إناطة بقاء وجوب القصر ببقاء السفر ولا يعقل اقتضاء وجوب القصر إبقاء شرطه. ونظيره ما إذا كان المسافر عند رجوعه إلى وطنه قريبا من حد الترخص وعليه الظهران ولم يبق من الوقت إلا مقدار أربع ركعات فانه لا يجوز له التجاوز المفوت للظهر على القول بحرمة التفويت. ويمكن أن يقال إن الحضور والسفر شرط لوجوب الاتمام والقصر وليس شي ء منهما شرطا لاصل التكليف بالصلاة، والتبديل جائز حيث يتبدل الاتمام بالقصر أو القصر بالاتمام لا حيث يفوت أصل التكليف بالظهر مثلا ولذا يحرم عليه السفر إذا كان مفوتا لاصل الصلاة رأسا، وكذا الحضور والاقامة إذا فرض تفويت أصل التكليف بهما وهذا هو الاقوى.

[ 149 ]

[ الفرع ] الثالث: إذا عدل وشك في أنه هل صلى قبله حتى لا يؤثر، أو لم يصل حتى يؤثر؟ متقضى ما قدمنا من أن نية الاقامة شرط حدوثا وبقاء، وان فعل صلاة تامة موجب لبقاء الحضور عند زوال نية الاقامة، وهو البناء على عدم فعل الصلاة فلا موجب لبقاء الحضور لارتفاع النية جزما وعدم ما يوجب بقاءه شرعا تعبدا بالاصل، وكذا إذا قلنا بان النية شرط حدوثا لبقاء التكليف بالاتمام وان العدول رافع لاثرها ما لم يمنع عنه مانع وهو فعل صلاة تامة، فانه مع عدم المانع عن تأثيره شرعا بالاصل يؤثر العدول أثره. [ الفرع ] الرابع: إذا أيقن بالعدول وبفعل صلاة تامة وشك في المتقدم منهما فهل يرجع إلى القصر أو يبقى على التمام؟ واستصحاب عدم العدول إلى ما بعد فعل الصلاة واستصحاب عدم فعل الصلاة إلى ما بعد العدول متعارضان، بل كل منهما في حد ذاته من الاصل المثبت، فإن موضوع الحكم بالاتمام بقاء فعل صلاة تامة مقترنة بينه الاقامة، وعدم العدول إلى ما بعد الصلاة لا يثبت اقترانها بالنية لا وجدانا ولا تعبدا ولا يقاس بما إذا شك في العدول فبنى على عدم العدول وصلى، فإن اقتران الصلاة بالنية الباقية تعبدا وجداني، بخلاف ما نحن فيه وموضوع الحكم بالقصر هو العدول قبل صلاة تامة، واستصحاب عدم الصلاة إلى ما بعد العدول لا يثبت كون العدول قبل فعل صلاة تامة، فكون العدول قبل الصلاة لا وجداني ولا تعبدي، ويندفع الثاني بان مضمون الصحيحة انه: " إذا لم تصل صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدالك أن لا تقيم " (1) ومن البين أن استصحاب عدم الصلاة إلى حال البداء كاف في تحقق هذا الموضوع كما يمكن دفع الاول بانه لا يستفاد من


(1) اي صحيحة ابي ولاد: الوسائل: ج 5، ص 532، الباب 18 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

[ 150 ]

الصحيحة تقيد فعل الفريضة بنية الاقامة، بل مجرد معيتهما في الزمان كاف وعدم العدول تعبدا، وفعل الصلاة في ذلك الزمان المتعبد فيه ببقاء النية كاف في تحقق الموضوع، فلا إشكال إلا من حيث معارضة الاصلين، وإما استصحاب بقاء الحضور أو استصحاب وجوب الاتمام فيمكن دفعه بأن بقاء الحضور كبقاء وجوب الاتمام مشروط شرعا بفعل صلاة تامة قبل العدول أو مع نية الاقامة وهذا المعنى متيقن العدم بعد نية الاقامة، ومع التعبد بعدم الشرط لا معنى لاستصحاب المشروط وإن لم يعلم به حال هذه الصلاة الماتي بها من حيث الاقتران بالنية أو بالعدول، ولا يعارض بأصالة عدم العدول قبل الصلاة فإن موضوع الحكم بالقصر كما عرفت عدم فعل الصلاة إلى أن يتحقق العدول وهو مطابق للاصل فتدبر جيدا. ومما ذكرنا تبين أن الاقوى هو الحكم بالقصر وأما حكم نفس الصلاة المأتي بها من حيث الصحة والفساد فلا مانع من إجراء قاعدة الفراغ الحاكمة على الاصل المتقضي لعدم حصول شرط التمام. [ الفرغ ] الخامس: إذا صلى ثم عدل فشك في صحة صلاته وبطلانها ولو من جهة الشك في الركعات فقاعدة الفراغ تقضي بصحة صلاته، والعدول بعد الصلاة الصحيحة شرعا مشمول للصحيحة، إذ من الواضح أن قوله (عليه السلام): " إذا صليت صلاة فريضة واحدة بتمام " (1) أعم مما كانت صحيحة وجدانا أو تعبدا، إذ قلما يتفق عدم الحاجة إلى إجراء أصل أو أصول في الحكم بصحة الصلاة، فالعدول بعد الصلاة الصحيحة وجداني لا بقاعدة الفراغ تعبدا حتى يبني على أماريتها، بل أماريتها أجنبية عن العدول الاجنبي عن الصلاة، فان ارتكاز الارادات المنبعثة عن الارادة التفصيلية في أول العمل لا يقتضي إلا إتيان الاجزاء والشرائط في مواقعها


(1) الوسائل: ج 5، ص 532، الباب 18 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1 مع اختلاف يسير.

[ 151 ]

دون العدول بعد الصلاة الاجنبي عن كونه جزء أو شرطا لها. نعم في شمول الصحيحة لما إذا حكم الشارع بوجود الصلاة كما في الشك بعد الوقت فضلا عن اقتضاء قاعدة الشك بعد الوقت لوقوع العدول بعد الصلاة إشكال، إذ ظاهر الصحيحة فعل الصلاة خارجا لا بناء من الشارع على وجودها. وقد عرفت أن أمارية هذه القاعدة الفراغ أجنبية عن مثل العدول. السادس: إذا شك بين الاقل والاكثر وبنى على الاكثر وسلم، فعدل قبل صلاة الاحتياط، أو نسي جزءا يجب تداركه بعد الصلاة فعدل قبل التدارك فهل يؤثر عدوله أو لا؟ الظاهر ابتناؤه على أن صلاة الاحتياط أو الجزء المنسي واجب مستقل يتدارك به الصلاة التي فرغ عنها بالتسليم، ولا يضر فعل المنافي على هذا المبنى، فالعدول بعد الفراغ عن الصلاة، أو حقيقة متممة الصلاة على تقدير الحاجه إليه، فالعدول في الاثناء. والمبنى الاول وإن كان مختار المحققين إلا أن المسألة غير صافية عن الاشكال فيجب رعاية الاحتياط في المقام بالجمع بين القصر والاتمام. [ القاطع الثالث: مضي الثلاثين مترددا ] الثالث: من القواطع للسفر على المعروف مضي ثلاثين يوما مترددا، والكلام فيه في موارد. أحدها: يعتبر وحدة المحل في مضي ثلاثين يوما مترددا، لان الظاهر ان مورد الاقامة عشرة أيام هو مورد التردد ثلاثين يوما، وقد مر اعتبار وحدة المحل في الاولى. واما الخروج إلى ما دون المسافة في أثناء الثلاثين فحاله حال نية الخروج في نية الاقامة، لابد من أن يكون بمقدار لا ينافي بقاءه مترددا ثلاثين يوما في محل بحيث لا ينقص عن ثلاثين يوما عرفا، لقلة زمان الخروج كما مر في نية الاقامة كما أن تتميم الناقص بما يزيد على الثلاثين كنية التتميم في نية الاقامة لاعتبار الاتصال والتوالي في قبال التفرق في كلا الموردين، فلا يجدي تتميم الناقص، ولا يعقل إجراء ما ذكرنا في أثناء الاقامة عن الخروج إلى ما دون المسافة، فان نية الاقامة قاطعة للسفر فيتصور كون خروجه تارة بانشاء سفر جديد والارتحال، وأخرى بعنوان العود

[ 152 ]

إلى محل الاقامة فإن المتردد في أثناء الثلاثين مسافر حقيقة، ومع عدم تخلل العدم لا يعقل إنشاء سفر جديد، كما إنه حيث لا إقامة، ولا ما بحكمها، فلا يعقل الارتحال، فلا يعقل الخروج لا بعنوان إنشاء سفر جديد، ولا بعنوان الارتحال، فان عدمهما بنحو العدم بالنسبة إلى الملكة، لا السلب المقابل للايجاب. ثانيها: ظاهر جملة من الروايات، اعتبار مضي شهر مترددا، وظاهر بعضها إعتبار مضي ثلاثين يوما. ومن الواضح أن الشهر هو ما بين الهلالين، ولا جامع بينه وبين ثلاثين يوما بالنسبة إلى مابين الهلالين. وأما بالنسبة إلى العدد فلا جامع بين مراتب العدد، فلا جامع بين ثلاثين وتسعة وعشرين. فلا مناص من كون الشهر حقيقة في خصوص مابين الهلالين مجازا في خصوص الثلاثين، أو مشتركا لفظيا بينهما ومن الواضح ان رواية الثلاثين صالحة لان تكون قرينة على التجوز، أو على التعيين، خصوصا بملاحظة قوله (عليه السلام): " فليعد ثلاثين يوما " (1) فإنه لاعد إلا في العدد، ولاعد فيما بين الهلالين بما هو بين الطلوعين، فلا يمكن دعوى إرادة الشهر منه بلحاظ أن الغالب كونه ثلاثين مع أنه لا غلبة، وعلى فرضه فلا غلبة في مرحلة الاستعمال. مضافا إلى دعوى الاتفاق على أن الشهر في مقام التلفيق والكسر يعتبر ثلاثين يوما، وإن محل الخلاف ما إذا كان مبدء تردده أول الشهر، ولا يمكن تنزيل إطلاقات الشهر على هذا الفرد النادر، كما لا يمكن التحفظ على إرادة ما بين الهلالين مطلقا فتدبر. ثالثها: ظاهر الكلمات جريان تمام ما ذكر في الاقامة في مسألة الخروج إلى ما دون المسافة فيما بعد مضي ثلاثين يوما وانقطاع السفر به، فمع إنشاء السفر الجديد يقصر بشرائطه، مع عدمه والعزم على العود في محل تردده لا يقصر على التفصيل المتقدم، إلا أن الكلام في قاطعية مضي الثلاثين للسفر موضوعا لما مر في أخبار الاقامة، أن مجرد الامر بالاتمام المشترك هناك وهنا لا يدل إلا على ارتفاع القصر، وهو حكم السفر وأن قاطعية موضوع السفر تحتاج إلى تنزيل مضي


(1) الوسائل: ج 5، ص 527، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 12.

[ 153 ]

الثلاثين منزلة التوطن والاهلية في البلد، كما دل عليه خبر " من قدم مكة الخ " على تنزيل المقيم منزلة أهل مكة، ولا دليل على التنزيل هنا إلا صحيحة صفوان " قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن أهل مكة إذا زاروا البيت، عليهم إتمام الصلاة؟ قال (عليه السلام): نعم والمقيم إلى شهر بمنزلتهم " (1) ويرد على الاستدلال بها أن المراد بالمقيم إن كان المقيم عن نية فهو أجنبي عن المقام، مع أنه لا موجب للتحديد بالشهر بعد كفاية العشرة، وإن كان المقيم إلى شهر مترددا فان اريد الاقامة شهرا قبل الخروج إلى عرفات فهو سفر قاطع للاقامة، فكيف يرتب عليها إتمام الصلاة عند زيارة البيت؟ وإن اريد الاقامة شهرا بعد العود من عرفات فلا أثر لاقامته مترددا إلا بعد مضي ثلاثين، فكيف يمكن الاتمام في زيارة البيت مع أنه لا يجوز تأخير الزيارة عن شهر ذي الحجة في جميع أقسام الحج. فهذا التنزيل بلحاظ هذا الحكم المذكور الذي هو المتيقن من آثار التنزيل لا يمكن القول به والمصير إليه، فلابد من تأويل الرواية أورد علمها إلى أهله (سلام الله علهيم). وأما إستفادة القاطعية من اقتران مضي الثلاثين بالاقامة في الاخبار لوحدة السياق فانما تصح إذا استفيدت قاطعية الاقامة من نفس الامر بالاتمام لا من دليل خارج مختص بها. نعم الظاهر عدم الخلاف في قاطعية التردد المرزبور والله العالم. المطلب الثاني في أحكام المسافر وفيها مباحث: الاول: لا شبهة في القصر في الرباعيات من اليومية، ولا في سقوط نوافل الظهرين. إنما الكلام في سقوط نافلة العشاء مع كونها مقصورة. ومقتضى ما ورد من " أن الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شئ إلا المغرب " (2) سقوط نافلة


(1) الوسائل: ج 5، ص 527، الباب 15 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 11. (2) الوسائل: ج 5، ص 529، الباب 16 من ابواب صلاة المسافر، الحديث 2.

[ 154 ]

العشاء وكذا ما ورد بعد السؤال عن صلاة النافلة بالنهار في السفر: " يا بني لو صلحت النافلة لتمت الفريضة " (1) فيستفاد منه أنه إذا لم تتم الفريضة لا تصلح النافلة. وفي قبال هذه الروايات ما هو بمنزلة الحاكم عليها رواية الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) " قال: وإنما صارت العتمة مقصورة وليس تترك ركعتاها لان الركعتين ليستامن الخمسين وانما هي زيادة في الخمسين تطوعا ليتم بهما بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من التطوع " (2). فهذه الرواية نص في عدم سقوط الوتيرة. مع بيان عدم المنافاة لما دل على سقوط نوافل الرباعيات بعدم كونها من النوافل المرتبة بل هي مكملة للعدد. فلا ينبغي الاشكال في عدم السقوط، والمناقشة في سند الرواية مدفوعة: بأن عبد الواحد وعلي بن محمد القتيبي الواقعين في السند من مشايخ الاجازة المعتمدين عليهم. نعم المشهور على السقوط، بل ادعى ابن إدريس الاجماع عليه (3)، فعدم السقوط هو الاقوى وإن كان الاحوط إتيانهما رجاء والله أعلم باحكامه. الثاني: هل يجوز الاتيان بالنوافل في الاماكن الاربعة التي يجوز فيها الاتمام للمسافر أم لا؟ أم يدور مدار اختيار الاتمام وعدمه؟ مقتضى عمومات أدلة سقوطها واطلاقاتها سقوطها في هذه الاماكن كغيرها، كما أن مقتضى الملازمة بين تمامية الفريضة وصلاحية النافلة ثبوتها ولا يخلو كلا الامرين من الاشكال، فان ظاهر قوله (عليه السلام): " الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شئ إلا المغرب فإن بعدها أربع ركعات " (4) إرادة حكم السفر بما هو، لا بلحاظ العوارض كشرف البقعة، وكذا ظاهر قوله (عليه السلام): " يا بني لو صلحت النافلة في السفر لتمت الفريضة " (5) المستفاد منها لو تمت الفريضة لصلحت النافلة، فإن الملازمة


(1) الوسائل: ج 1، ص 60، الباب 21 من أبواب عداد الفرائض الحديث 4. باختلاف يسير. (2) الوسائل: ج 3، ص 70، الباب 29 من أبواب اعداد الفرائض الحديث 3. (3) السرائر: ص 39، باب اعداد الصلاة وعدد ركعاتها. (4) الوسائل: ج 5، ص 529، الباب 16 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2 مع اختلاف يسير. (5) الوسائل: ج 3، ص 60، الباب 21 من أبواب اعداد الفرائض الحديث 4.

[ 155 ]

أيضا بلحاظ طبع السفر، وان السفر بما هو كما يقتضي قصر الفريضة يقتضي سقوط نافلتها. فالكلام في قوة أنه لكنه لا تتم الفريضة فلا تصلح النافلة إلا أنه متى تمت الفريضة صلحت النافلة، فالعبارة كما لا تدل على سقوط النافلة بلحاظ جهة غير السفر كذلك لا يدل على سقوط النافلة بلحاظ جهة غير السفر كذلك لا يدل على ثبوتها بثبوت الفريضة تامة لغير جهة السفر كشرف البقعة. وأما الباب الذي عقده في الوسائل لحكم التطوع في الاماكن الاربعة فاقوى ما فيه ما نصه: " وسألته عن الصلاة بالنهار عند قبر الحسين (عليه السلام) ومشاهد النبي (صلى الله عليه وآله) والحرمين تطوعا ونحن نقصر قال: نعم ما قدرت عليه " (1) ومضمونه عدة روايات بتقريب أن وجه السؤال إرتكاز سقوط النوافل المرتبة النهارية بتبع (2) قصر الرباعيات في ذهنه، وكما أن شرف البقعة قد اقتضى جواز الاتمام، فهل بقتضى مشروعية النافلة أو أنه حكم مخصوص بالفريضة ولا مقتضى لارتكاز سقوط مطلق التطوع بالنهار حتى يسأل عن ثبوته لشرف البقعة، إلا أنه ينافيه ضم مشاهد النبي (صلى الله عليه وآله) إلى الحرمين في غير واحد من الروايات، مع أنه لا يجوز إتمام الفريضة في تلك المشاهد، فيعلم منه توهم سقوط مطلق التطوع النهاري وارتكازه في ذهنه. ويندفع بان الضم لتوهم تمامية الفريضة في تلك المشاهد لا توهم سقوط مطلق التطوع النهاري وإلا لم يكن لذكر هذه الاماكن وجه في سؤاله. وبالجملة إطلاق السؤال والجواب لمطلق التطوع مرتبا كان أولا مما لا ينبغي الريب، وقصره على غير الرواتب خصوصا مع قيد النهار المخصوص بالرواتب خلاف الانصاف، وأما الرواية الدالة على أنه لا تقصير ولا نافلة في الحائر فهي من أدلة القول بالتقصير في قبال القول بالتخيير ولابد من علاجه وعليه فالاوجه هو الثبوت، والاحوط إتيانها رجاءا. الثالث: إذا دخل عليه الوقت وهو حاضر فسافر بعد زوال الشمس فلا ريب


(1) الوسائل، ج 5، ص 552، الباب 26 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1. (2) " يتبع خ ل ".

[ 156 ]

في جواز قضاء النافلة في السفر للادلة الدالة على استحباب قضائها في السفر عموما وخصوصا، هل له مع بقاء وقتها أن يصليها في السفر أم لا؟ مقتضى العمومات بل مقتضى الملازمة عدمه فانه حيث لا يجوز إتمام الفريضة لا يصلح نافلتها، ولو صلحت النافلة لتمت الفريضة، إلا أنه ربما يستدل لجواز أدائها سفرا بموثقة عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سئل عن الرجل إذا زالت الشمس وهو في منزله ثم خرج في سفره. قال: يبدأ بالزوال فيصليها ثم يصلي الاولى بتقصير ركعتين لانه خرج من منزله قبل أن تحضره الاولى، وسئل فان حضرت الاولى؟ قال: يصلي الاول بتقصير ركعتين لانه خرج من منزله قبل أن تحضره الاولى، وسئل فان حضرت الاولى؟ قال: يصلي أربع ثم يصلي بعد النوافل ثمان ركعات لانه خرج من منزله بعد ما حضرت الاولى.. الخبر " (1) إلا أن هذه الرواية بمضمونها غير معمول به، لانه جعل مدار (2) العصر والاتمام على وقت الفضيلة دون وقت الوجوب أو الاداء، إلا أن يؤخذ بصدر الرواية الظاهرة في فعل النافلة أداء ويترك ذيلها، والاحتياط لا ينبغى تركه. الرابع: إذا دخل عليه الوقت وهو مسافر فهل له فعل النافلة إذا كان بانيا على إتيان فريضتها تماما في وطنه أو محل إقامته؟ لا (3) موجب له إلا بتخيل أنه " متى تمت الفريضة صلحت النافلة " وقد عرفت أن مورد السؤال حيث كان عن فعل النافلة النهارية في السفر أجاب (عليه السلام) " بانه لوصلحت النافلة في السفر " (4) أي حيث لا تتم الفريضة في السفر فلا تصلح النافلة في السفر لا في مقام بيان فعل النافلة مع إتمام الفريضة، ولو فرض الملازمة الكلية أيضا كان مقتضاها الملازمة بين التنفل والاتمام في السفر والسقوط والقصر في السفر لا التنفل في السفر والاتمام في الحضر، ولا تقاس هذه المسألة بما تقدم مع كونه منصوصا لان من يقول بان الاعتبار بحال تعلق التكليف وجوبيا أو ندبيا، له أن يقول بما تقدم


(1) الوسائل، ج 3، ص 62، الباب 23 من أبواب اعداد الفرائض، الحديث 1. (2) " مبدأ خ ل " (3) " أو خ ل " (4) الوسائل، ج 3، ص 60، الباب 21 من أبواب اعداد الفرائض، الحديث 4.

[ 157 ]

وليس له القول بفعل النافلة هنا، وإذ لا تكليف بها في السفر فلا موهم لمشروعية فعلها إلا بتبعية النافلة لاتمام الفريضة وقد عرفت ما فيه. نعم من كان حاضرا وصلى العشاء تماما أمكن توهم جواز فعل نافلتها في السفر بدعوى أن الاعتبار بحال تعلق التكليف كما يستفاد من الموثقة المتقدمة. الخامس في حكم الاتمام في موضع القصر وتمام الكلام برسم أمور: منها: في حكم الاتمام في موضع القصر عالما عامدا ولا خلاف فتوى ونصا في بطلانه، ولا يتصور التعمد إلى الاتمام مع العلم بوجوب القصر إلا بالتشريع باحد نحوين: إنما بالتشريع في أصل الامر بالاتمام، فلا تنعقد صحيحة لعدم الامر حقيقة، واما بالتشريع في تطبيق المأتي به على المأمور به فلا تقع صحيحة لمخالفة المأتي به للمأمور به. ومنه يعرف أن الاستناد إلى الوجه الثاني في بطلان الصلاة يناسب الوجه الثاني من التشريع، وعليه ينطبق ايضا ما في خبر الخصال " ومن لم يقصر في السفر لم تجز صلاته لانه قد زاد في فرض الله عزوجل " (1) فان الاستناد في البطلان إلى إضافة الركعين وزيادتهما على فرض الله عزوجل يناسب التشريع في التطبيق وإتيان الاخيرتين بعنوان كونهما من الصلاة المفروضة حتى تتحقق الزيادة في فرض الله عزوجل. ومنها: ما إذا أتم جاهلا بالحكم ولو عن تقصير والظاهر كما هو المعروف بين الاصحاب صحة الصلاة وعدم لزوم الاعادة مع إلتزامهم باستحقاق العقاب على ترك القصر، ويدل على الصحة وعدم الاعادة صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم قالا: قلنا لابي جعفر (عليه السلام) " رجل صلى في السفر أربعا أيعيد أم لا؟ قال (عليه السلام): إن كان قرئت عليه آية التقصير وفسرت له فصلى أربعا أعاد، وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه " (2) وليس في قبالها إلا خبر الخصال


(1) الخصال: باب الواحد إلى المأة، (خصال من الشرايع) ص 604 كما في الوسائل، ج 5، ص 532 الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8. (2) الوسائل: ج 5، ص 531، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

[ 158 ]

وصحيحة العيص (1). أما بالنسبة إلى خبر الخصال فهي أخص منه مطلقا فتقدم عليه بالاخصية والنصوصية. وأما بالنسبة إلى صحيحة العيص فهي أخص من وجه، لعموم صحيحة العيص من حيث العلم والجهل وعموم صحيحة زرارة المتكفلة لنفي الاعادة في الجاهل من حيث الوقت وخارجه فيتعارضان في مادة الاجتماع وهي الاعادة في الوقت وتوضح الجواب يتوقف على مقدمة هي. أن لزوم الاعادة ليس إلا لبقاء الامر وعدم سقوط بالمأتي به، كما أن عدمه لسقوط الامر قطعا، وأما عدم الاعادة في خارج الوقت فهو تارة لموافقة المأتي به للمأمور به فلا خلل فيه حتى يتدارك بالقضاء، وأخرى لتقيد مصحلة المأمور به بمصلحة الوقت، فمع خروج الوقت لا يمكن التدارك ومن الواضح أن عدم الاعادة في خارج الوقت مع لزوم الاعادة في الوقت كما هو مقتضى صحيحة العيص كاشف عن أن عدم الاعادة في خارج الوقت لعدم إمكان التدارك لا لعدم الحاجة إلى التدارك، فهي بهذه الملاحظة ظاهرة في بطلان الاتمام في موضع القصر. واما صحيحة زرارة (2) المفصلة بين قرائة آية التقصير وتفسيرها وعدمها المستفاد منها التفصيل بين العالم والجاهل فهي نص في معذورية الجاهل وضعا، وعدم معذورية العالم وضعا المعبر عنهما بالاعادة وعدمها، وعدم الاعادة في خارج الوقت لا يلازم المعذورية حتى كون بين العالم والجاهل تقابل كما هو نص الصحيحة، فلا إشكال حينئذ في تقدم صحيحة في تقدم صحيحة زرارة على صحيحة العيص فتدبر جيدا. نعم في صحة الاتمام من الجاهل، وعدم الاعادة قصرا مع استحقاق العقوبة إذا قام مقصرا إشكال، لان مقتضى صحة الاتمام موافقته للمأمور به، ومقتضى استحقاق العقوبة مخالفته له وتفويته إياه وكيف لا تجب الاعادة تداركا لما فات منه دفعا للعقوبة، فلابد من الوجه المصحح للاتمام، ومن الوجه المانع عن وجوب


(1) الوسائل: ج 5، ص 530، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1. (2) الوسائل: ج 5، ص 531، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

[ 159 ]

الاعادة (1) الوجه المصلح لاستحقاق العقوبة وما وقفت عليه من وجه الحل أربعة: أحدها: ما عن شيخنا الاستاذ (2) (قدس سره) " من أن القصر مشتمل على مصلحة قوية شديدة لزومية بحيث يكون أصلها لزوميا أيضا " أي مصحح للايجاب، وإنما لم يؤمر بتحصيله لاندكاكه في المصلحة القوية، وقد استكشفنا من الحكم بعدم الاعادة ومن قوله (عليه السلام) " تمت صلاته " (3) في باب الجهر والاخفات المشترك مع المقام في الاشكال وحله، أن الاتمام في حال الجهل مشتمل على أصل المصلحة، ولاجله حكم بصحتة لاستيفاء المصلحة اللزومية وإنما لا يجب الاعادة لان شدة المصلحة وقوتها غير قابلة للاستيفاء بعد إستيفاء أصلها، وإنما يستحق العقوبة لانه فوت على نفسه المصلحة القوية الملزمة بحدها، وحيث إن تلك المصلحة القوية مصلحة واحدة قائمة بخصوص القصر فلا يلزم أن يكون من باب الواجب في الواجب، ليرد عليه بعض المحاذير الاتية ولا يرد على هذا الوجه إلا ما يتخيل من أن مبناه في علية المأتي به للغرض منه أنها مراعاة بالاقتصار عليه وإلا فله التبديل فيستقر الامتثال على الفرد الثاني، فتارة يستحب التبديل حتى يستقر الامتثال على الفرد الافضل واخرى يجب حتى يستوفي المصلحة القوية دفعا للعاقب عن نفسه. ويندفع باستكشاف العلية التامة وعدم صحة التبديل في خصوص المقام من الدليل الدال على عدم لزوم الاعادة. ثانيها: ما عن بعض أعلام العصر (قدس سره) في مصباحه (4) في باب الجهر والاخفات من أن الطبيعة الجامعة بين القصر والاتمام لها مصلحة وخصوص القصر لها مصلحة أخرى فيتأكد طلب القصر لانبعاثه عن مصلحتين فإذا أتى بالقصر فقد امتثل الواجبين وأحرز المصلحتين، وإذا أتى بالاتمام فقد أتى بالجامع الذي له مصلحة لزومية ولا تجب الاعادة قصرالان مصلحة القصر إنما تستوفى إذا أتى بالقصر إمتثالا


(1) (من خل ل) (2) كتاب الصلاة من مصباح الفقيه ص 761 تحت عنوان فيما لو اتم المسافر جاهلا. (3) الوسائل: ج 4، ص 766، الباب 26 من أبواب القراءة الحديث 1. (4) كتاب الصلاة من مصباح الفقيه: ص 316 تحت عنوان المسألة الرابعة.

[ 160 ]

للامر بالجامع والمفروض سقوط الامر بالجامع فيصح الاتمام لفرض كونه ذا مصلحة ملزمة، ولا تجب الاعادة لعدم بقاء المحل ويستحق العقوبة لتفويت المصلحة اللزومية، وفي هذا التقريب محذوران: (الاول) أن القصر إذا أتى بها بداعي أمرها لكفى في الامتثال وفي استيفاء ما فيها من المصلحة الازمة للتقريب، ولو لم يلتفت إلى الجامع بين القصر والاتمام فضلا من أن يكون بصدد امثتال الامر بالجامع. والثاني أن لازمه إستيفاء مصلحة الجامع بفعل الاتمام عمدا مع أنه لا شبهة في بطلانه عمدا. ثالثها: ما عن بعض أجلة العصر (رحمه الله) وهو عين الوجه الثاني باضافة كون مصلحة الجماع مقصورة على الجهل بالحكم الواقعي فرارا من المحذور الثاني المتقدم آنفا، وحيث لا مصلحة للجامع إلا في حال الجهل، فالعالم ليس له الاتمام متعمدا، وعدم إمكان الاعادة عنده (رحمه الله) أيضا مستند إلى أن مصلحة القصر مقيدة بما إذا أتى بالجامع المطلوب بالكيفية الخاصة، ولا جامع مطلوب بعد إتيان الجامع، إلا أنه فيه محذور آخر وهوان مصلحة القصر وإن كانت قابلة للتقيد بمصلحة الجامع لكنها لا يعقل أن تكون متقيدة بمصلحة الجامع حال الجهل بحكم القصر، فكما لا يعقل أن تكون المصلحة الموجبة لوجوب القصر متقيدة بالجهل بوجوب القصر كذلك لا يعقل أن تكون متقيدة بمصلحة اخرى متقيدة بالجهل بنفس هذا الحكم المنبعث عن تلك المصلحة. رابعها: ما عن بعض أعاظم العصر (قدس سره) على ما حكي عنه وهو أن الجهر والاخفات من باب الواجب في القرءة الواجبة لا شرط لها، وكذلك التسليم على الركعتين واجب في طبيعة الصلاة مع الاعتراف بان الكل من باب الشرط بالاضافة إلى الحكم الواقعي وإن كان لها بجهة نفسية أيضا إلا أنها مندكة في شرطيتها، وعليه ففي حال الجهل إذا أتى بالاتمام فقد أتى بالواجب وترك ما هو واجب في الواجب، والواجب في الواجب المأتي به لا تدارك له. ومن البين ان هذا بمجرده لا يوجب فوات القصر بقول مطلق، إذ كما أن في التسليم جهة نفسية كذلك له جهة التقيدية، وعدم تداركه من الجهة الاولى لا يوجب عدم التدارك من الجهة

[ 161 ]

الثانية فلابد له من الالتزام باختصاص حهة التقييد بخصوص العالم بحكم القصر مع أن مبنى الاشكال ووجوه الحل على الاعتراف بالحكم المشترك وعدم تقيد الحكم بوجه بالعالم، والله العالم. ثم إنه هل المراد من الجاهل هنا خصوص الغافل المعتقد أن حكمه الاتمام؟ أو يعم الشاك المتردد؟ ظاهر بعض أجلة العصر (رحمه الله) خصوص الاول. وظاهر إطلاق الكلمات من دون تعرض للتفصيل هو الاعم. ولا يخفى ان الجهل وإن كان يقابل العلم، تقابل العدم للملكة، لا تقابل السلب مع الايجاب إلا أن الحكم هنا غير معلق على عنوان الجهل في النصوص، والتعليق هنا على عدم العلم المقابل للعلم تقابل السلب مع الايجاب وإن كان يقتضي العموم، إلا أنه ربما يدعى إنصرافه إلى خصوص الغافل المعتقد للخلاف، لكن صحيحه زرارة (1) المفصلة بين قراءة آية التقصير وتفسيرها، وعدم القرءة وعدم العلم بها، ظاهرة في العموم فان الامام (عليه السلام) لم يكتف بمجرد القراءة الموجبة إلى الالتفات بل ضم إليها تفسيرها الموجب للعلم بارادة وجوب القصر من قوله تعالى " لا جناح عليكم " (2) الظاهر في مجرد الترخيص. فالاظهر في خصوص باب القصر والاتمام تعميم الجهل للشك، والتردد في أصل وجوب القصر. ثم إن هذا كله في الجهل بأصل الحكم وأما الجهل بخوصيات الحكم فلا مدرك لالحاقه بالجاهل بأصله إلا أمران: أحدهما: ما في بعض أخبار الصوم وهو " من صام في السفر بجهالة لم يقضه " (3) وفي آخر " إذا سافر الرجل في شهر رمضان أفطر وإن صامه بجهالة لم يقضه " (4) بناء على إطلاق الجهالة والملازمة بين الصوم والصلاة. والظاهر أن الرواية الاولى كالثانية الظاهرة في الجهل بالافطار في السفر في شهر رمضان لا


(1) الوسائل: ج 5، ص 531، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4. (2) النساء: 101، والاية هكذا: " فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة.. ". (3) الوسائل: ج 7، ص 128، الباب 2 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 5. (4) الوسائل: ج 7، ص 128، الباب 2 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 6.

[ 162 ]

الجهل بالخصوصيات مع أن كلية الملازمة غير معلومة. وبالجملة مساق هذه الاخبار مساق غيرها حيث قال (عليه السلام): " إن كان بلغه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن ذلك فعليه القضاء وإن لم يبلغه فلا شئ عليه " (1). ثانيهما: ما عن شيخنا الاعظم (قدس سره) في كتاب الصلاة " من دعوى فحوى معذورية الجاهل بالخصوصية بالنسبة إلى الجاهل باصله " (2) وهو كذلك إن كان الملاك للمعذورية هو الجهل إلا أن ظاهر صحيحة زرارة خصوصية للجهل بأصله، فان ظاهر آية التقصير هو الرخصة في القصر فهو المحتاج إلى التفسير، والجهل به يوجب العذر لا مطلق الجهل بالحكم أو الجهل بخصوصياته، وعليه فمقتضى القاعدة الاولية وجوب الاعادة والقضاء ومنها: الجهل بموضوع السفر مع العلم بحكمه. ومدرك إلحاقه بالجهل بالحكم أيضا أولوية الجاهل بالموضع بالمعذروية من الجاهل بالحكم، إلا أنك عرفت خصوصية الجهل بالحكم هنا مع أن الاولوية إنما هو في المعذورية تكليفا لا المعذورية وضعا، ونحن لا ندعي ان الجهل المقصر بالحكم ممن يعذر تكليفا، وأن الجاهل بالموضوع لا يعذر فيه من حيث الاثم، وعليه فهل يجب الاعادة في الوقت؟ والقضاء في خارجه؟ كما هو مقتضى القاعدة الاولية، أو لا يجب القضاء؟ كما في صورة نسيان الموضوع؟ وما يمكن الاستناد إليه صحيحة العيص عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " سألته عن رجل صلى وهو مسافر فأتم الصلاة قال: إن كان في وقت فليعد وإن كان الوقت قد مضى فلا " (3) نظرا إلى إطلاق صدرها من حيث الشمول للجاهل والناسي خرج الجاهل بأصل الحكم بصحيحة زرارة (4) المتقدمة وبقي الباقي ومنه الجاهل بالموضوع ومنه يعرف حال الجاهل بخصوصيات


(1) الوسائل: ج 7، ص 127، الباب 2 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 2. (2) كتاب الصلاة: ص 403. (3) الوسائل: ج 5 ص 530، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1. (4) الوسائل: ج 5 ص 531، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

[ 163 ]

الحكم لاندراجه في إطلاق الصحيحة، ولاتنافيها صحيحة الحلبي " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): صليت الظهر أربع ركعات وأنا في سفر قال: أعد " (1) بناء على شمول الاعادة للتدارك في الوقت وخارجه وجه عدم المنافاة ظهور حال الحلبي من حيث جلالة شأنه ووفور علمه في أنه لا يتعمد الاتمام ولا يجهل الحكم أو خصوصياته أو موضوع الحكم ويصلي تماما فلا محمل له إلا النسيان لموضوع السفر فتدبر. ومنها: نسيان موضوع السفر وهو الظاهر من رواية أبي بصير (2) المتكفلة لحكم النسيان بعنوانه فيعيد في الوقت دون خارجه، ومقتضى إطلاق صححية العيص أيضا ذلك، وأما صحيحة الحلبي فلو سلم شمول قوله (عليه السلام) " أعد " للاعادة في خارج الوقت للزم تقييده بالخبرين المتقدمين ولا أقل من خبر أبي بصير المتكفل لحكم النسيان بعنوانه، وأما نسيان الحكم فهو وإن كان يصرف عنه قوله " ينسى فيصلي " في رواية أبي بصير إلا أن إطلاق صحيحة العيص كاف في الحاقه بناسي الموضوع ولا يرجع إلى القاعدة الاولية الحاكمة بالاعادة والقضاء وأما الحاقه بالجاهل بالحكم في الصحة نظرا إلى أنه حال النسيان لا يعلم بوجوب القصر عليه ولو من باب السلب المقابل للايجاب لعدم تعقل العدم المقابل للملكه فيه لعدم الالتفات. ففيه أنه لا دليل لنا بهذا العنوان حتى يتوهم شموله لناسي الحكم، وإنما الدليل صحيحة زرارة (3) وهذا على الفرض ممن قرئت عليه آية التقصير وفسرت له، ولا يمكن إدراجها في الشرطية الثانية بتوهم أنه داخل في قوله (عليه السلام) " ولم يعلمها " وذلك مضافا إلى تقابل الشرطيتين أن قوله (عليه السلام): " ولم يعلمها " بعد قوله (عليه السلام): " وإن لم يكن قرئت عليه " عدم علية العلم بمضمون الآية بعد التفسير ولذا نسبه إلى الآية لا إلى الحكم، ولا يصدق على الناسي انه لم يعلم مضمون الآية بعد القراءة والتفسير وإن صدق عليه أنه بالفعل لم يعلم بالحكم.


(1) الوسائل، ج 5 ص 531، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6. (2) الوسائل، ج 5 ص 530، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2. (3) الوسائل، ج 5 ص 531، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

[ 164 ]

ومما ذكرنا تعرف حكم من أتم في السفر سهوا جريا على العادة في الحضر من دون الجهل بالحكم وموضوعه ولا نسيان لهما فانه مندرج تحت إطلاق صحيحة العيص لو لم نقل أن مثله هو المتعارف دون النسيان الحقيقي والله أعلم. السادس: في حكم من قصر في مورد الاتمام، ومقتضى القاعدة البطلان، فيجب الاعادة في الوقت، والقضاء في خارجه من دون فرق بين الجهل بالحكم أو نسيان الموضوع. نعم ورد في مصححة منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا أتيت بلدة فازمعت المقام بها عشرة أيام فاتم الصلاة، وإن تركه رجل جاهلا فليس عليه الاعادة " (1) والرواية صحيحة صريحة ولا معارض لها بالخصوص، وندرة العامل بها لا يسقطها عن الحجية، وليس المراد من ترك الاتمام تركه فقط حتى يقال إنه لا يصدق تركه إلا بالترك في تمام الوقت جاهلا فلا دلالة للصحيحة إلا على سقوط القضاء، بل المراد من ترك الاتمام فعل القصر بدلا عن الاتمام فيكون حالها حال صحيحة زرارة في عكس المسألة، وإلا فلو لم يكن المراد ذلك بل الترك فقط لزم هذا المدعي أن يلتزم بسقوط القضاء عمن لم يصل أصلا لصدق ترك الاتمام في تمام الوقت مع أنه لا يقول به أحد. نعم يجب الاقتصار على مورد الصحيحة وهو القصر للجهل بأصل حكم الاقامة فقط، واستفادة الكلية من ضم بعض الاخبار الواردة في حكم الجاهل إلى بعضها الآخر والغاء خصوصية المراد، ودعوى أن الجاهل في باب القصر والاتمام معذور كما نقله صاحب الحدائق (2) (رحمه الله) عن بعض مشايخه المحققين دونه خرط القتاد. السابع: الجاهل بحكم القصر كما تصح منه الصلاة الادائية تماما كذلك تصح منه في تلك الحال القضائية تماما أم لا؟ ومورد صحيحة زرارة وإن كان أداء


(1) الوسائل: ج 5 ص 530، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3. (2) الحدائق: ج 11، ص 436.

[ 165 ]

فريضه الوقت على الظاهر، إلا أن الظاهر من إناطة الصحة والبطلان بقراءة آية التقصير وتفسيرها وعدمهما هو صحة الاتمام منه مكان القصر الواقعي من دون خصوصية للاداء، بل منه يستفاد التعميم من وجه آخر وهو أنه لو قضى الفائتة منه سفرا في الحضر تماما مع بقاء جهله كان كذلك، فان الكل لجهله بحكم القصر لا لجهله بحكم القضاء وأن قضاء ما فات كما فات، الفائتة منه واقعا هي القصر. الثامن: الجاهل بحكم القصر لو لم يصل أصلا وارتفع جهله بعد الوقت فهل يجب فضاء ما فاته قصرا أم يكفي تماما نظرا إلى أنه الفائت منه ولو تخييرا؟ ولا ريب في أن الحكم المشترك هو وجوب القصر وانه الفائت بجميع المباني المتقدمة في مقام الثبوت، فانه لم يستوف بالاتمام مالا يمكن معه استيفاء، ولا استوفى مصلحة الجامع حتى لا يقبل إسيتفاء مصلحة القصر، ولا أتى بالواجب حتى لا يبقى محل للواجب في ذلك الواجب فقد فاته ما فيه المصلحة القوية اللازمة الاستيفاء، أو ما فيه مصلحتان لزوميتان، والاتمام قضاء، لا يوجب استيفاء تلك المصلحة القوية، ولا المصلحتين الزوميتين، بخلاف القصر، فيتعين القصر، مع أنه لا دليل على استيفاء الاتمام بعد رفع الجهل لمرتبة من المصلحة أو لمصلحة الجامع، بخلاف القصر فانه على أي حال يتدارك بها ما فات. ومنها يعرف حكم نسيان الموضوع في الوقت مع ترك الصلاة رأسا فانه يقضيها قصرا لعين ما مر. نعم بناء على ما قدمناه من كاشفية عدم القضاء عن تقيد مصلحة الصلاة بمصلحة الوقت يرد السؤال عن الفرق بين ترك الصلاة رأسا والصلاة تماما بعد فرض بطلان الصلاة تماما. ولابد من أن يجاب بأن أصل مصلحة القصر غير متقيد بمصلحة الوقت، بل الاتمام يستوفى مقدارا من المصلحة، وبقيتها متقيدة بمصلحة الوقت، ولذا لا يمكن تداركها بالقضاء؟، وأما إذا لم يستوف المصلحة رأسا فلا مانع من استيفاء المصلحة التامة في خارج الوقت. التاسع: إذا أتم الجاهل بالقصر أو الناسي فارتفع جهله أو تذكر في أثناء الصلاة فان كان بعد التجاوز عن محل القصر فلا إشكال في عدم إمكان إتمام الصلاة صحيحة، وإن كان قبل التجاوز فهل يصح إتمامها قصرا أو لا يصح أيضا؟

[ 166 ]

ومبنى المسألة على أن القصرية والتمامية منوعة لطبيعة الصلاة وأن القصر والتمام نوعان متبائنان فتجب نية القصر والاتمام في محلها، ولا يجوز العدول عن أحدهما إلى الآخر إلا بدليل، أو هما نوع واحد، فان سلم على الركعتين وقع قصرا، وإن سلم على الاربع وقع تماما، ومسألة تخلف الداعي من الثاني دون الاولى، فانه أجنبي عنه وعن الخطأ في التطبيق، ومدار تعدد النوع ووحدته ليس على إندراجهما تحت طبيعي جامع وعدمه، بل على تعددهما بحدودهما الواقعة في حيز الخطاب أو تعددهما بالعنوان المأمور به وعدم تعددهما من كلتا الجهتين. بيانه: أن الامر لا يدعو إلا إلى ما تعلق به والمتعلق تارة معنون بعنوان قصدي تفصيلي كعنوان التعظيم والسخرية، فإذا أمر المولى بالانحناء لزيد تعظيما، ولعمرو سخرية، فاشتبه على المأمور ان المأمور بتعظيمه زيد أو عمرو، وكذا المأمور بسخريته فانحنى على ما أراده المولى منه لا يقع منه تعظيم ولا سخرية. واخرى معنون بعنوان يتحقق بالقصد إليه تفصيلا واجمالا كعنوان الظهرية والعصرية فانهما كما يتحققان بقصدهما تفصيلا كذلك إذا قصد ما تعلق به الامر أولا، وما تعلق به الامر ثانيا، بل إستكشفنا من صحة العدول من العصر إلى الظهر ان عنوان الظهرية كما يتعنون بها الفعل من الاول كذالك يتعنون بها بالبناء عليها في الاثناء في خصوص صورة النسيان، وثالثة يتعدد متعلق الامر بما له من الحد كالصلاة التي يسلم فيها على الركعتين، والصلاة التي يسلم فيها على الاربع بداهة مابئنة الماهية بشرط لا، والاقتصار على الركعتين والماهية بشرط شئ وز يادة الركعتين عليهما وليست القصرية والتمامية إلا كون الصلاة محدودة تارة بحد، واخرى بحد آخر شرعا، مضافا إلى اختلاف آثارهما الكاشف عن اختلافهما بنوع من الاعتبار شرعا. وعليه فلا أمر بالمشترك بين الحدين حتى يدعو الامر إلى المشترك، وتعينه باضافة الركعتين تارة، وعدم الاضافة اخرى. ومع دعوة الامر بأحد الحدين، لا يمكن إتيان الآخر تتميما لما أتى به بداعي أمره المحدد لما يدعو إليه الامر الآخر، عليه ينطبق ما قيل: " إن كل ما يتعين في العمل، يتعين في النية، وما لا يتعين في العمل، لا يتعين في النية " فإن التسليم على الركعتين، ويتعين في مقام العمل على طبق الامر بالقصر فيتعين في مقام

[ 167 ]

النية. ومنه تعرف عدم اعتبار نية الاداء والقضاء، إذ الصلاة بعد دخول الوقت، يقع في الوقت لا محالة، وفي خارجه كذلك. فمع تعينها لا حاجة إلى التعيين، إلا لوجه آخر، كما إذا كانت عليه فائتة الظهر ودخل وقت الحاضرة، فإنه لابد من التعيين، لا لاعتبار الادائية والقضائية، فإن اعتبارهما على فرضه، لا يدور مدار الوحدة والتعدد كالظهر والعصر، فإنه يجب عليه قصدهما، وإن فرض وحدتهما وعدم الشريكة لهما. ومما ذكرنا تبين أنه لا مجال لا تمام الصلاة قصرا بعد نية التمام، ولو مع إمكان التسليم على الركعيتن، وانه أجنبي عن مسألة الخطأ في التطبيق والاشتباه في المصداق، وعن مسألة تخلف الداعي والتقييد، كما عن بعض أعلام السادة (قدس سره) (1) في العروة. ثم إنه يتضح مما ذكرنا، حكم ما ذكره في الشرايع: " من أن المسافر إذا قصر إتفاقا، لم يصح، وأعاد قصرا " (2)، فإن مبناه، ما ذكرنا، سواءا دخل في الصلاة لا بنية الاتمام بل قاصدا به الطبيعة المشتركة فسلم على الركعتين غفلة، أو دخل بنية الاتمام فسلم كذلك، فإن وجه بطلان الصلاة، تارة عدم نية القصر، واخرى نية الخلاف، كما أن مبنى الصحة عدم اعتبار نية القصر، فلا يضر عدمها كما لا يضر نية خلافها. وأما الاستناد في البطلان إلى عدم صدور القصر عن قصد مع الالتزام بوحدة القصر، والاتمام، نوعا فلا يرجع إلى محصل إذا بعد البناء لم يقع إلا التسليم سهوا وغفلة. ولا موجب لبطلان الطبيعة المشتركة، بل غايته إعادة السلام عن قصد والاقتصار على القصر أو تتميمها مع بقاء الجهل والنسيان باضافة الركعتين وسجدة السهو للسلام الواقع سهوا. فرع: قد عرفت أنه لو ارتفع جهله أو تذكر في الوقت تجب الاعادة، لان المفروض بطلان صلاته، وكذلك يجب القضاء إذا كان الجهل أو النسيان مستمرا


(1) العروة الوثقى: في ذيل المسألة السابعة من مسائل احكام صلاة المسافر. (2) شرايع الاسلام: ص 40، في ذيل الشرط السادس.

[ 168 ]

في الوقت، ولا مجال لقياسه بالمتم ناسيا، لان الدليل المسقط للقضاء، مختص بصورة الاتمام ناسيا لا القصر ناسيا. وإن كان في موضع القصر وفرض البطلان، فرض بقاء المصلحة بتمامها على حالها من دون استيفاء لمقدار منها، فلا ينبغي الريب في قضاء الفائت قصرا، وإن كان لو أتم جاهلا أو ناسيا سقط عنه القضاء، فلا أثر للامر الظاهري الشرعي، فضلا عن الظاهري العقلي، مع بقاء الحكم المشترك في حال الجهل والنسيان، مع بقاء مصلحته بتمامها على حالها. العاشر: المشهور تخيير المسافر في الاماكن الاربعة بين القصر والاتمام، وقيل بتعين القصر، وقيل بتعين الاتمام. وما ورد في هذا المضمار من الاخبار، طوائف أربع: الاولى: " إن الاتمام في الحرمين وفي المواطن الاربعة، من مخزون علم الله، ومن الامر المذخور " (1) وظاهرها، أن نفس إتمام الصلاة فيها من الامر المخزون والمذخور، لا استحباب الاقامة. ثم الاتمام من المذخور، لامن حيث أن الاتمام حينئذ فيها لا مزية له على غيرها ليكون من الامر المذخور، لاندفاعه بأن استحباب الاقامة مقدمة للاتمام مزية لهذه الاماكن على غيرها، فيصح أن ينسب إليها أنها من المخزون والمذخور، بل لما عرفت من ظهور الاسناد في أن نفس الاتمام كذلك. الثانية: ما مضمونه " الامر بالاتمام ولو صلاة واحدة " (2). وفي آخر " ولو مررت به مارا " (3) الصريح في أن الاتمام ليس من حيث الاقامة، بخلاف سائر الروايات الظاهرة في الامر بالاتمام، فانها قابلة للتقييد بنية الاقامة بمقتضى الطائفة الرابعة الآتية. الثالثة: ما اشتملت على ما مضمونه " إن شاء أتم، وإن شاء قصر " (4) وفي


(1) الوسائل: ج 5 ص 543، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1. (2) نفس المصدر ص 544 الحديث 5. والحديث 17. (3) نفس المصدر ص 550. الحديث 31. (4) نفس المصدر ص 545. الحديث 10. والحديث هكذا: (من شاء أتم ومشاء قصر).

[ 169 ]

آخر " إن قصرت فذاك وإن أتممت فهو خير " (1) وهذه الطائفة وان كانت ظاهرة في كون الاتمام بما هو عدل وبدل للقصر، إلا أنها قابلة للتقييد بنية الاقامة بملاحظة ما سيأتي إن شاء الله تعالى. الرابعة: ما مضمونه " الامر بالتقصير ما لم ينو إقامة العشرة " (2). وفي آخر " لا يكون الاتمام إلا أن يجمع على إقامة عشرة أيام " (3). وعليه فالمعارضة حقيقة بين هذه الطائفة والطائفة الثانية، وإلا فالامر بالا تمام والتخيير بين القصر والاتمام، كلاهما قابل للتقييد بنية الاقامة، إذ ليس فيهما إلا ظهور اطلاقي قابل للتقييد، وليس بين الثانية والرابعه جمع دلالي، وإلا بحمل قوله (عليه السلام): " لا يكون الاتمام إلا أن يجمع على إقامة عشرة ايام " على أنه لا يتعين الاتمام إلا بنية الاقامة، والامر بالتقصير وإن كان ظاهرا في التعيين، إلا أنه كالامر بالاتمام في الاخبار المقتصر فيها على الاتمام من حيث الظهور في التعيين، فإنه قابل للتصرف فيه بحمله على بيان أحد فردي التخيير لاظهرية أخبار التخيير في التخيير، من أخبار خصوص القصر وخصوص الاتمام في التعيين. لا يقال ظاهر السؤال عن أنه يقصر أو يتم، وإن كان عن تعين أحد الامرين، إلا أن الجواب بقوله (عليه السلام): " قصر ما لم تقوم على مقام عشرة أيام " (4) يقتضي أنه لا يتعين الاتمام إلا بنية الاقامة ويتعين القصر بدونها، فلا مجال للتصرف في ظهور " قصر " على الامر به تخييرا. لانا نقول: لا ننكر الظهور في التعيين، إلا أن الجمع بينه وبين أخبار التخيير، يقضي بالتصرف بارادة الامر بالقصر تخييرا، فيكون محصل الخبر، انه يتخير بين القصر والاتمام، إلا أن ينوي الاقامة، فيتعين الاتمام.


(1) نفس المصدر ص 545. الحديث 11. وفي الحديث ان قصرت (فلك) بدل (فذاك). (2) نفس المصدر ص 550. الحديث 32. (3) نفس المصدر ص 551. الحديث 33. (4) نفس المصدر ص 550. الحديث 32.

[ 170 ]

وأما حمل الاخبار الآمرة بالقصر، معينا على التقية، أو حمل أخبار التمام بملاحظة بعض الاخبار على التقية. فتوضيح الكلام ببيان مقدمة هي: إن مذهب أبي حنيفة هو القصر مطلقا، ومذهب جماعة آخرين، وهو التخيير بين القصر والاتمام مطلقا، مع أفضلية الاتمام لما فيه من تحمل المشقة، إلا أن الامر بالقصر، ليس للتبعية عن أبي حنيفة، كما أن الامر بالاتمام، ليس لموافقة الاخرين، بشهادة صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، " قال: قلت لابي الحسن (عليه السلام) إن هشاما روى عنك إنك أمرته بالتمام في الحرمين وذلك من أجل الناس، قال (عليه السلام): لا، كنت أنا وآبائي إذاوردنا مكة، أتممنا الصلاة واستترنا من الناس " (1). فيعلم منه أن الاتمام في الحرمين، على خلاف الناس، ولذا كانوا (عليهم السلام) يستترون منهم. والسر في ذلك والله أعلم ان اختصاص الحرمين بمزية التخيير وأفضلية الاتمام، لم ترد به آية ولا رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله)، بل لم يكن منه أثر إلى زمان الصادق (عليه السلام)، ولذا لا تجد في الاخبار مع كثرتها رواية به عن الباقر (عليه السلام) الذي يستند إليه أدلة الاحكام غالبا، وعمل الائمة وشيعتهم على القصر في هذه المواطن كغيرها. فالاتمام في خصوص هذه المواطن، جهارا معرض للتشنيع، فإنه عمل لا دليل عليه من الكتاب والسنة النبوية عند الجمهور، فلذا كانوا يستترون عن الناس دفعا للتشنيع، وامروا شيعتهم واجلاء أصحابهم بالتقصير لهذه الجهة، لا لاجل موافقة أبي حنيفة، لاجله جعلوا الاتمام من مخزون علم الله، ومن الامر المذخور، وأمروا به احيانا، إظهارا للحق. وربما علموا بعض شيعتهم طريق دفع التشنيع. حيث قال (عليه السلام) في مكاتبة إبراهيم بن شيبة: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يحب إكثار الصلاة في الحرمين، فأكثر فيهما وأتم " (2). فكان الاتمام، نوع من إكثار الصلاة.


(1) الوسائل، ج 5 ص 544، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6. (2) المصدر السابق، ص 547 الحديث 18.

[ 171 ]

وفي آخر " قد علمت يرحمك الله فضل الحرمين " (1). وبالجملة أخبار التمام، لا يمكن حملها على التقية، وأخبار تعيين القصر، لنكتة دفع التشنيع، لا لموافقة أبي حنيفة. وأما ما في بعض أخبار التمام، كصحيحة معاوية بن وهب " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التقصير في الحرمين والتمام؟ قال (عليه السلام): لا يتم حتى يجمع على مقام عشرة أيام. فقلت إن أصحابنا رووا عنك انك أمرتهم بالتمام! فقال: إن أصحابك كانوا يدخلوا المسجد فيصلون ويأخذون نعالهم فيخرجون والناس يستقبلونهم يدخلون المسجد، فأمرتهم بالتمام " (2). فالجواب عنه أن ما ذكر فيها من التعليل، مختص بمورده، ولا يمكن أن يكون علة للامر بالتمام في هذه الاخبار الكثيرة. مع تعليله بفضل الحرمين، وانه من الامر المذخور، وانه زيادة الخير. إلى غيرذلك من التعبيرات المضادة للتقية. مع أن التعليل المذكور في الصحيحة، تعليل موجب للتمام معينا، لا الاتمام الذي هو عدل للقصر. كيف والاتمام إذا كان لدفع الضرر، وجب على التعيين. ولا يبعد أن يكون عذرا صوريا في جواب السائل الذي أمره بالقصر، معينا لما مر من الوجه فيه. وقد نفى (عليه السلام) كون الامر بالاتمام لاجل الناس في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، وأن الاتمام على خلاف ما عليه الناس فتدبر. وبالجملة أخبار التخيير وأفضلية الاتمام، أكثر عددا وأوضح دلالة، مع موافقتها للمشهور. فهي مشهورة رواية وعملا، بل لازم تقديم غيرها عليها، طرح بعضها رأسا من دون تأويل، وإن كانت أخبار التقصير أوفق بالقواعد، والله أعلم بحقائق أحكامه. فروع أحدها: هل التخيير في هذه الاماكن، استمراري، أم لا، بمعنى أنه لو نواها


(1) المصدر السابق: ص 544 الحديث 4. (2) الوسائل: ج 5 ص 551، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 34.

[ 172 ]

قصرا، صح له العدول إلى الاتمام، وبالعكس، مع عدم التجاوز عن محل العدول؟. الظاهر إبتنائه على ما قدمناه، من أن القصر والاتمام نوعان متبائنان باعتبار حدهما شرعا أم لا، ولكنه مع ذلك، قال باستمرار التخيير هنا من اختار تباينهما نوعا، وأنه يجب تعيين القصر والاتمام في مقام النية. ولعله لمكان التخيير المسقط للتعيين. فإذا لم تتعين الزيادة على الركعتين في مقام العمل كما هو المفروض، لم تتعين في مقام النية. فقد أوكل الشارع أمر إتمامه وعدمه إليه. ويندفع، بأن التخيير بين خاصيتين، لا يلازم رفع اليد عن الخصوصية، بل لازمه، رفع اليد عن تعيين (1) إحدى الخصوصيتين. فهو مختار في التعيين، لا مرفوع عنه التعيين والمراد من تعينه في مقام العمل، إعتباره شرعا في مقام العمل، لا التعين المقابل للتخيير. ومنه يعلم حكم من نوى القصر فأتم غفلة، فإنه بناء على ما قدمناه، لا يصح ما وقع، لعدم قصد التمام فراجع ما قدمناه في نظير المسألة. نعم، من يرى رجوع التخيير الشرعي إلى التخيير العقلي، وأن الجامع بين القصر والاتمام هو المطلوب في مثل المقام، له قصد الجامع، وأمر التعيين بيده عملا. وأن مانواه أولا، يتعين عليه، ولا ينافي كون القصر والاتمام في موارد تعينهما، نوعين متبائنين من حيث حدهما. ثانيها: هل قضاء ما فاته في هذه الاماكن، كالاداء من حيث التخيير مطلقا، أو في خصوص هذه الاماكن أو يتعين عليه القصر؟. وينبغي تقديم مقدمة هي: أن ادلة التخيير بين القصر والاتمام هنا، أدلة تكليف المسافر في هذه الاماكن. ودليل التكليف معينا كان أو مخيرا، إذا كان موقتا، لا يطلب به إلا الفعل في الوقت، ولا ينحل إلى طلب الفعل بذاته، وأن يكون في الوقت، حتى يكون دليل التخيير هنا دليلا على التخيير في خارج الوقت في هذه


(1) " تعيين خ ل ".

[ 173 ]

الاماكن. ويشهد له عنوان قضاء ما فات، إذ لا فوت ولا تدارك، إلا باعتبار تقييد المطلوب بالطلب الاول بالوقت. ودليل القضاء، يكشف عن تعدد المطلوب ملاكا، لا أنه قرينة على مقام الاثبات. وان الذي أنشأه أولا، يتعدد فيه الطلب. إذا عرفت ذلك فاعلم: أن المدار على دليل القضاء، وأن خصوصية المكان، من شؤون الصلاة، حتى يقتضي تدارك ما فات كما فات إتيان الصلاة تماما في تلك الامكنة. أو ليست من شؤون العمل، فلا يدخل في التشبيه بداهة أنه إذا فاتت الصلاة في المسجد أو في الدار، لا يجب قضائها في أحدهما. ومبنى هذا الامر، على أن خصوصية المكان، حيثية تقيدية للمطلوب، أو حيثية تعليلية للطلب. ولا ينبغي الريب في أنها ليست حيثية تقييدية للمطلوب، وإلا لوجب الدخول في هذه الاماكن، تحصيلا للصلاة المستحبة، بحيثية وقوعها في هذه الاماكن، بل حيثية تعليلية قطعا. بمعنى أنه متى فرض الكون في هذه الاماكن، يجب القصر أو الاتمام. ومقتضى تعليلة الحيثية للطلب: أنه ليست من شؤون الفعل فيجب القضاء تخييرا، ولو في غير هذه الاماكن. إلا أن يقال: إن غاية كون الحيثية تعليلية وشرطا للوجوب عدم لزوم تحصيلها، وكون التقييد بها بعد حصولها جعليا لكونه قهريا، إلا أن دخل التقيد في فرض الحصول في صيرورة الاتمام ذا مصلحة معقول، بل ربما لا يشك الانسان في أن شرافة المكان، أثرت في فضيلة الاتمام. فحصول مصلحة الاتمام، المساوية لمصلحة القصر، مشكوك بالاتمام في خارج هذه الاماكن. ولا يعقل تكلف دليل " اقض ما فات كما فات " (1) لما يشك في أنه كما فات. ومنه يعرف أن الاحوط لو لم يكن أقوى الاقتصار في باب القضاء تماما على تلك الاماكن. وأما دعوى الاقتصار على القصر، فمنشؤها، إحتمال تقييد مصحلة الاتمام التي بها صارت عدلا للقصر، بمصلحة الوقت فلا يمكن تداركها في خارجه. وهذا


(1) الوسائل: ج 5 ص 359، الباب 6 من أبواب قضاء الصلاة، الحديث 1 مع تفاوت في اللفظ.

[ 174 ]

الاحتمال في غير ما نحن فيه. وإن كان ملغى بنفس دليل القضاء، لان مبنى القضاء على إلغاء ذلك، إلا أن إلغاء هذ الاحتمال هنا، لا يكون إلا باطلاق دليل القضاء، لما إذا كان للفائتة فردان تخييرا، وربما يناقش في الاطلاق، والاقوى ثبوته، وإن كان رعاية الاحتياط بالاقتصار على القصر مما لا ينبغي تركه. ثالثها: إذا بقي من الوقت أربع ركعات، فهل هو على تخييره حتى يصح منه العصر إتماما ثم يقضي صلاة الظهر، أم يتيعن عليه القصر فيهما؟ ولا منشأ للاول إلا إطلاق أدلة التخيير إلا أن الظاهر، تعين الثاني، إذ دليل التخيير متكفل للتخيير بين القصر والاتمام صحيحا بشرائطهما، ومن الشرائط: ترتب العصر على الظهر، ولا يعقل التخيير بين القصر والاتمام في العصر الفاقد لشرطه فيتعين القصر فيهما، الواجدين للشرائط فتدبر. الحادي عشر: إذا سافر بعد دخول الوقت هل يجب عليه الاتمام إعتبارا بحال التعلق، أو يجب عليه القصر إعتبارا بحال الاداء؟ فيه قولان مشهوران ومنشؤهما اختلاف الاخبار وبعضها من الطرفين وإن كان قابلا للتأويل، إلا أن بعضها الآخر من الطرفين غير قابل للتأويل. فمن الاول رواية بشير النبال " قال: خرجت مع أبي عبد الله (عليه السلام) حتى أتينا الشجرة فقال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا نبال، قلت: لبيك، قال: إنه لم يجب على أحد من أهل هذا العسكر أن يصلي أربعا غيري وغيرك، وذلك أنه دخل وقت الصلاة قبال أن نخرج " (1) وهي مضافا إلى ظهوره الغير القابل للتصرف، معللة بما هو كالضابط. ومنه أيضا موثقة عمار (2) المتقدمة في أوائل أحكام المسافر في المبحث الثالث (3) فراجع. ومنه ما في صحيحة زرارة " إذا دخل على الرجل وقت صلاة وهو مقيم ثم سافر صلى تلك الصلاة التي دخل وقتها وهو


(1) الوسائل: ج 5 ص 536، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10. (2) الوسائل: ج 3 ص 62، الباب 23 من أبواب اعداد الفرائض الحديث 1. (3) ص 373.

[ 175 ]

مقيم أربع ركعات في سفره " (1) وهي في غاية الصراحة في أن العبرة بحال تعلق الوجوب من دون قبول تأويل. ومن الثاني الدال على أن العبرة بحال الاداء بحيث لا يقبل التأويل صحيحة اسماعيل بن جابر " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) يدخل علي وقت الظهر وأنا في السفر فلا أصلي حتى أدخل أهلي، فقال صلى وأتم الصلاة، قلت: فدخل علي وقت الصلاة وأنا في أهلي أريد السفر فلا أصلي حتى أخرج فقال: فصل وقصر، وإن لم تفعل فقد والله خالفت رسول الله (صلى الله عليه وآله " (2). منه صحيحة محمد بن مسلم " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الرجل يريد السفر فيخرج حين تزول الشمس قال (عليه السلام): إذ اخرجت فصل ركعتين " (3) ولا يخفى أن حمل ما تقدم من أخبار القول الاول على التقية كما حكي عن بعضهم، بلا وجه، لان القول الاول ينسب إلى أحد قولي الشافعي، والباقون على أنه كسائر المسافرين يجوز له القصر، ومن الواضح تأخر عصر الشافعي عن عصر الباقر والصادق (علهيما السلام) فلا معنى لحمل الاخبار على التقية، وأماما في آخر صحيحة اسماعيل بن جابر من قوله (عليه السلام): " وإن لم تفعل فقد والله خالفت رسول الله (صلى الله عليه وآله " (4) فلا دلالة له على الخلاف منهم لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه المسألة وظني والله أعلم أنه إشارة إلى عدم تعين القصر عندهم، وانها ليست بعزيمة بل رخصة كما وردت بمثل هذا المضمون عدة من الروايات. منها: صحيحة زرارة " وفيها سمى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوما صاموا حين أفطر وقصر، عصاة قال: (عليه السلام) وهم


(1) الوسائل: ج 5 ص 537، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14. (2) نفس المصدر الحديث 2 كلمة (الظهر) غير موجودة في الوسائل، وكلمة اهلي موجودة بعد ادخل، وبدل (وإن) فإن. (3) نفس المصدر الحديث 1 إلا ان في الوسائل (فقال). (4) نفس المصدر الحديث 2.

[ 176 ]

العصاة إلى يوم القيامة وإنا لنعرف أبنائهم وأبناء أبنائهم إلى يومنا هذا " (1). ومنه تعرف أن هذه الصحيحة المؤكدة بالقسم نص في المطلوب مع موافقته للكتاب والسنة، مضافا إلى اختلاف مضامين الاخبار المعارضة لها، حيث إن ظاهر بعضها أن العبرة بوقت الوجوب، وظاهر بعضها الآخر كموثقة عمار (2) أن العبرة بوقت الفضيلة، ولا قائل بمضمونها كما حكي. فالرجحان، دلالة، وسندا واعتضادا بالكتاب والسنة لاخبار القول الثاني. ولو فرض التكافؤ فالمرجع عمومات القصر وإطلاقاتها، ولا مجال للتخيير بين القصر والاتمام لصراحة الاخبار في التعيين قصرا أو تماما، وكيف يحمل على التخيير مع قوله (عليه السلام): وإن لم تفعل فقد والله خالفت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (3) كما لا مجال للتخيير بين الخبرين لفرض موافقة الكتاب والسنة التي هي من مرحجات أحد الطرفين. نعم ربما يناقش في الاطلاقات بأن المراد منها الحاضر حال وجوب الاتمام، والمسافر حال وجوب القصر، وأجاب عنه في الجواهر: " بأن الظاهر الحاضر حال الاداء، والمسافر حال الاداء " (4) وينبغي أن يراد منه أن الحضور شرط لوجوب الاتمام حدوثا وبقاء، والسفر شرط لوجوب القصر حدوثا وبقاء وإلا فلا معنى لتقيد شرط الوجوب بالاداء والا رجع الامر إلى طلب الحاصل. وبالجملة الظاهر من ترتب الحكم على عنوان هو موضوع الحكم، إنحفاظ ذلك العنوان مادام ذلك الحكم باقيا، لا لانه إن اريد الحاضر في الزمن السابق والمسافر سابقا فهو مجاز، بتخيل استعماله في ما انقضى عنه المبدأ، وذلك لان الاطلاق إن كان بلحاظ حال التلبس لم يكن مجازا بل التجوز فيما إذا قيل مسافر فعلا بلحاظ قيام المبدأ به قبلا فتدبر.


(1) الوسائل: ج 5 ص 539، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5. (2) الوسائل: ج 3 ص 62، الباب 23 من أبواب اعداد الفرائض، الحديث 1. (3) الوسائل ج 5 ص 535، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2. (4) الجواهر: ج 14، ص 354.

[ 177 ]

ومما ذكرنا تبين حال عكس المسألة وهو ما إذا دخل عليه الوقت وهو مسافر إلا أن المشهور هنا هو الاتمام إذا دخل أهله بل في السرائر " انه لا خلاف فيه منا ولامن مخالفينا " (1)، ولم يعلم للمعرفة وجه مع دلالة بعض الاخبار الدالة على أن العبرة بحال الوجوب على حكم المسألتين كصحيحة محمد بن مسلم (2) وبقية الاخبار مختصة بالمسألة الاولى. نعم في هذه المسألة ما حكم فيها بالاتمام إذا دخل كصحيحة العيص (3) وما حكم فيها بالتفرقة بين ما إذا خرج الحاضر فيتم، وما إذا حضر المسافر فلا يقصر كرواية المحاربي " قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) إذا خرج الرجل مسافرا وقد دخل وقت الصلاة كم يصلي؟ قال: أربعا قال: قلت، وإن دخل وقت الصلاة وهو في السفر؟ قال: يصلي ركعتين قبل أن يدخل أهله وإن وصل المصر فليصل أربعا " (4) وعليه فيهون الخطب في هذه المسألة في الجملة، وإلا فمع صحيحة محمد بن مسلم (5) الدالة على أن حكم التقصير في الحضر لا فائدة في وجوب بعض ما يختص بتلك المسألة، بعض ما يختص بهذه المسألة، أو ما يظهر منه الفرق بينهما فتدبر جيدا. وأما ما ورد في هذه المسألة بالخصوص من التخيير كصحيحة منصور بن حازم (6)، أو بالفرق بين سعة الوقت فيتم وضيق الوقت فيقصر، فكلاهما محمول على التخيير بين القصر في الطريق والاتمام في الحضر مع سعة الوقت، وإلا قصر في الطريق بشهادة صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) " في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة، فقال (عليه السلام): إن كان لا يخاف أن


(1) السرائر: ص 74. (2) الوسائل: ج 5 ص 534، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث. (3) الوسائل: ج 5 ص 535، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4. (4) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 503، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2. (5) الوسائل: ج 5 ص 534، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1. (6) الوسائل: ج 5 ص 536، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.

[ 178 ]

يخرج الوقت فليدخل وليتم، وإن كان يخاف أن يخرج الوقت قبل أن يدخل فليصل وليقصر " (1) والله أعلم. الثاني عشر: لاشبهة في أنه إذا فاتته الصلاة في السفر بأن تركها في السفر إلى أن خرج وقتها وهو في السفر، أنه يقضيها قصرا، وكذا إذا فاتته في الحضر في تمام الوقت بقضيها تماما، وكذا لا شبهة في أن العبرة في الاداء إذا كان بحال الوجوب، فالفائت منه هو ما وجب عليه أدائه، وإنما الكلام فيما إذا كان الاعتبار بحال الاداء وخرج الوقت بعد حضوره فإنه ربما يقال بالتخيير بين قضائه قصرا وتماما نظرا إلى أن الملاك في القضاء فوت الواجب في مجموع الوقت لا في جزئه الاخير، إذا لا تكليف بالفعل في كل جزء جزء من الوقت حتى يقال إن ترك الفعل فيما عدا الجزء الاخير بترخيص من الشارع فلا قضاء له بل المكلف به هو الفعل في مجموع الوقت وكما يصدق عليه أنه ترك الاتمام في مجموع الوقت كذلك يصدق عليه أنه ترك القصر في مجموع الوقت فلا موجب لتخصيص الفوت بخصوص الترك في آخر الوقت هكذا أفاد بعضه الاعلام (قدس سره). والجواب: ان الجواب الموسع وإن كان كالكون المتوسط بين المبدأ والمنتهى لا كالحركة القطعية المبنية على تقطع الزمان فالواجب طبيعي الصلاة بين الحدين من الزوال إلى الغروب لا أفرادها المحدودة بحدود زمانية بنحو التخيير الشرعي فلذا لا خصوصية للفوت في الجزء الاخير بل المناط فواتها بين الحدين إلا أنه لا شبهة في تبدل التكليف بتبديل موضوعه، فالمسافر يجب عليه القصر وجوبا موسعا بين الحدين مادام مسافرا، والحاضر يجب عليه الاتمام بين الحدين مادام حاضرا، ومع تبدل السفر بالحضور لا تكليف بالقصر ليكون له فوت، وكذلك مع تبدل الحضور بالسفر لا تكليف بالاتمام ليكون له فوت، إنما كون لهما فوت مع عدم تبدلهما بين الحدين وإنما يصدق فوات التكليف ببقاء التكليف إلى زمان انقضاء وقته ومنه يندفع ما قيل من أن الفوت كالاداء فكما أنه إذا صلى القصر في السفر


(1) الوسائل: ج 5 ص 536، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.

[ 179 ]

كان أداء كذلك إذا تركه يكون فوتا، وكما أنه إذا صلى التمام في الحضر كان أداء، كذلك إذا تركه يكون فوتا، وكما لا اختصاص للاداء بآخر الوفت كذلك لا اختصاص للفوت بآخر الوقت لمكان التقابل بين الاداء والفوت. وجه الاندفاع: ان فرض الاداء فرض انقطاع التكليف المنافي لفرض التبدل، ومع فرض التبدل لا أداء للتكليف السابق ولا فوت، فهما متقابلان بلحاظ بقاء التكليف في تمام الوقت فتدبره فانه حقيق به. وهذا آخر ما أردنا إيراده فيما يتعلق بصلاة المسافر. ونسئل الله جل جلاله العفو عن الجرائم والجرائر والحمد الله أولا وآخرا والصلاة على نبية وآله باطنا وظاهرا. 20 جمادى الاولى 1359. لا تكليف بالاتمام ليكون له فوت، إنما كون لهما فوت مع عدم تبدلهما بين الحدين وإنما يصدق فوات التكليف ببقاء التكليف إلى زمان انقضاء وقته ومنه يندفع ما قيل من أن الفوت كالاداء فكما أنه إذا صلى القصر في السفر

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية