الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




وضوء النبي (ص) - السيد علي الشهرستاني ج 1

وضوء النبي (ص)

السيد علي الشهرستاني ج 1


[ 1 ]

التشريع وملابسات الاحكام عند المسلمين (1) وضو النبي (ص) المدخل تأليف على الشهرستاني

[ 2 ]

حقوق الطبع مسجلة ومحفوظة للمولف تتم المراسلة على العنوان التالي: بيروت - بئر العبد - ص. ب 34 / 24 فاكس: 601019 - 603379

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 4 ]

الطبعة الاولى 1415 ه‍ - 1994 م

[ 5 ]

الأهداء إلى رجال العلم والتحقيق وطلاب الشريعة. إلى كل من يبحث عن الحقيقة ويعشق العلم في أرجاء المعمورة. إلى الذين تحرروا من قيود العصبية وأحبوا أن يدرسوا تاريخ التشريع وملابساته بتحليل وموضوعية. إلى إخواني العلماء في الأزهر الشريف، والزيتونة والقرويين، وقار يونس، وأم القرى، وجامعة المدينة، وام درمان الأسلامية و... إلى شبيبتنا المسلمة والواعية في كل مكان. إلى الذين يحبون معرفة تاريخ الأسلام وسبب اختلاف المسلمين وتشعبهم إلى مذاهب وفرق. أهدى دراستي المتواضعة هذه لتطوير الحركة العلمية المباركة. المؤلف

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة اتبع المحققون في دراساتهم للنصوص التاريخية والحديثية أسلوبين: 1) البحث الأسنادي 2) النقد الدلالي لكنا نرى غلبة الأسلوب الأول في كتابات علمائنا المعاصرين وفقهاء الأسلام، علما بأن نقد المتن ودراسته لم يكن بالشئ الجديد الحادث ووليد العصور المتأخرة، بل هو نهج سار عليه الأقدمون، وعمل به الصحابة والتابعون، وكثير من فقهاء الأسلام. روى الحاكم في (المستدرك) في كتاب العتق، بإسناده عن عروة بن الزبير، أنه قال: بلغ عائشة أن أبا هريرة يقول: إن رسول الله (ص) قال: (لأن أقنع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزنى)، وإن رسول الله (ص) قال: (ولد الزنى شر الثلاثة)، وإنه قال: (الميت يعذب ببكاء الحي). فقالت عائشة: رحم الله أبا هريرة، أساء سمعا فأساء إجابة، أما قوله: (لأن أقنع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزنى)، فإنها لما نزلت فلا اقتحم العقبة، وما أدراك ما العقبة فك رقبة، قيل: يا رسول الله، ما عندنا ما نعتق، إلا أن أحدنا له الجارية السوداء، تخدمه وتسعى عليه، فلو أمرناهن، فزنين، فجئن بأولاد فأعتقناهم، فقال رسول الله: (لأن أقنع بسوط في سبيل الله، أحب إلي من أن آمر بالزنى، ثم أعتق الولد). وأما قوله: (ولد الزنى شر الثلاثة) فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان

[ 8 ]

رجل من المنافقين يؤذي رسول الله (ص)، فقال: (من يعذرني من فلان؟)، قيل: يا رسول الله، إنه مع ما به ولد زنى، فقال: (هو شر الثلاثة) والله تعالى يقول: (ولا تزر وازرة وزر أخرى). وأما قوله: (إن الميت يعذب ببكاء الحي) فلم يكن الحديث على هذا، ولكن رسول الله (ص) مر بدار رجل من اليهود، قد مات، وأهله يبكون عليه، فقال: (إنهم يبكون عليه وإنه ليعذب). والله يقول: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها (1). كما أن عائشة قد نقدت أبا هريرة لما رواه عنه (ص) (من حمل ميتا فليتوضأ) فقالت: أو نجس موتى المسلمين؟ وما على رجل لو حمل عودا؟ (2) ونراها تنقد أيضا عمربن الخطاب، وابنه عبد الله، والمغيرة بن شعبة، لروايتهم عن رسول الله حديث: (الميت يعذب ببكاء أهله عليه) فقالت: يرحم الله عمر، لا والله ما حدث رسول الله (إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه) ولكنه قال: (إن الله يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه) ثم قالت: حسبكم القرآن (ولا تزر وازرة وزر أخرى). وقال ابن عباس عند ذلك: (والله أضحك وأبكى) (3) أي إن الا بكاء لو كان من الله سبحانه وتعالى، فلماذا يعذب الميت ببكاء أهله عليه؟ ثم بينت عائشة سبب ورود الحديث عند نقدها لقول ابن عمر، فقالت: رحم الله أبا عبد الرحمن، سمع شيئا فلم يحفظه، إنما مرت على رسول الله (ص) جنازة يهودي وهم يبكون عليه. فقال: (أنتم تبكون وإنه ليعذب) (4) ونراها تنتهج أسلوب النقد التعريضي في بعض الأحيان.


(1) - المستدرك 2: 215 ومصدر آخر. (2) - سنن البيهقي 1: 307. (3) - صحيح مسلم 2: 642 ذيل الحديث 23. (4) - صحيح مسلم 2: 642 / 25.

[ 9 ]

منها: أنها نقدت تلويحا حديثي أبي هريرة وابن عمر: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير من أن يمتلئ شعرا) (5) بما روت عنه (ص) بأنه كان يضع لحسان منبرا في المسجد فيقوم عليه يهجو من قال في رسول الله (ص) وقوله (ص): (إن روح القدس مع حسان ما نافح عن رسول الله) (1) ثم احتملت في حديث آخر أن يكون الخبر هكذا (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا ودما خير من أن يمتلئ شعرا هجيت به) (2). وخطأت الخليفة عمر فيما رواه عن رسول الله من نهيه عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس والعصر حتى تغرب (3) بقولها: وهم عمر، إنما نهى رسول الله أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها (4). وروي عن عبد الله بن عمر أنه خطأ أباه - تلويحا - بقوله: أصلي كما رأيت أصحابي يصلون، لا أنهى أحدا يصلي بليل ولا نهار ما شاء، غير أن لا تحروا طلوع الشمس وغروبها (5). ولم تنج هي من نقد الصحابة، فقد نقدتها نساء النبي (ص) لقولها برضاع الكبير (6) فقلن لها: فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا، ما نرى هذه إلا رخصة أرخصها رسول الله لسالم خاصة (7). هذا وإنا نرى علي بن أبي طالب ينقد حكم عمربن الخطاب برجم المرأة التي ولدت لستة أشهر مستدلا بقوله تعالى: والوالدات يرضعن أولادهن


(1) - مسند احمد 1: 177، صحيح البخاري 8: 45، سنن ابى داود 4: 302 / 5009. (2) - سنن ابى داود 4: 304 / 5015، المعجم الكبير 4: 37 / 3580، الفردوس 1: 152 / 550. (3) - فتح الباري 1: 452. (4) - صحيح البخاري 1: 152، صحيح مسلم 1: 566 - 567. (5) - صحيح مسلم 1: 571 / 295، ومسند أحمد 6: 124، والنسائي 1: 278 - 279. (6) - صحيح البخاري 1: 153. (7) - أي أن رضاع الكبير بمثابة رضاع الصغير في المحرمية، وقد نقد البعض هذا القول بما صدر عنه (ص) لا رضاع بعد فصال وقوله (ص) (لا رضاع إلا ما شد العظم وأنبت اللحم). (8) - سنن البيهقي 7: 459 - 460. (8) - سنن البيهقي 7: 442.

[ 10 ]

حولين كاملين، وقوله وحمله وفصاله ثلاثون شهرا فستة أشهر حمله، و (حولين) تمام، فذلك ثلاثون شهرا، فخلى سبيلها (8). أو نرى تلك المرأة التي اعترضت على حكم الخليفة عمربن الخطاب في المهر بقولها: يا أمير المؤمنين، نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم؟ قال: نعم، فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ فقالت: قوله تعالى وآتيتم إحداهن قنطارا؟ فقال: اللهم غفرانك، كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع (1). الخبر. كما أن علي بن ابى طالب قد نقد الخليفة عثمان في أكله صيد المحل وهو محرم. فجاء في الخبر: إن عثمان حج، فحج معه علي، فأتي عثمان لحم صيد صاده حلال، فأكل منه ولم يأكله علي، فقال عثمان: والله ما صدنا ولا أمرنا ولا أشرنا، فقال علي: (قال سبحانه وتعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) (2). وقد نقده (3) فيما أفتى به عن الرجل إذا جامع امرأته ولم يمن: بأن يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره (4). بقوله: (أتوجبون الحد والرجم ولا توجبون عليه صاعا من ماء؟ إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل) (5). وابن عباس نقد أبا هريرة لما رواه عن رسول الله: (توضؤوا مما مست النار) بقوله (أتوضأ من الحميم) (6). أي لو وجب الوضوء مما مست النار لوجب


(1) سسن البيهقي: 7: 442. (2) - سنن البيهقي 7: 233. (3) - مسند أحمد 1: 100 بتفاوت يسير. (4) - وكذا نقد بعض اصحاب الرأي، راجع مسند احمد 5: 115. (5) - البخاري 1: 56، صحيح مسلم 1: 270 / 86. (6) - تهذيب الأحكام 1: 119 / 314. (7) - سنن الترمذي 1: 52 / 79.

[ 11 ]

الوضوء من استعمال الماء الساخن، وهذا مما لم يقل به أحد، والمعهود في الشريعة أن الوضوء ينتقض بالخارج النجس لا بالداخل الحلال الطاهر، وكيف يجعل الرسول (ص) الطعام الحلال الطاهر ناقضا للوضوء؟!! هذا، وقد احتمل البعض أن يكون مس الفرج من نواقض الوضوء، ومنهم ذلك الأعرابي الذي سأل رسول الله عنها فأجاب (ص): (وهل هي إلا مضغة منه أو بضعة منه)؟!! هذه بعض النصوص ذكرناها للوقوف على نهج السلف في تعاملهم مع الأحكام والروايات الصادرة عن الصحابة، وأنهم كانوا يطرحون البعض منها لمخالفتها للأصول الثابتة في الشريعة ومنافاتها للعقل والفطرة، وكفى بها شاهدا على أصالة هذا النهج عند الأقدمين. لكننا نتساءل: إنه هل يمكننا تعميم هذا للكتاب المعاصرين والعمل على ضوئه، أم أنه كان رخصة للصحابة فقط، فلا يحق لنا خوض هذا الميدان؟! قال الأستاذ أحمد أمين - في معرض حديثه عن منهج علماء الحديث -: (... وقد وضع العلماء للجرح والتعديل قواعد، ليس هنا محل ذكرها، ولكنهم والحق يقال عنوا بنقد الأسناد أكثر مما عنوا بنقد المتن، فقل أن تظفر منهم بنقد من ناحية أن ما نسب إلى النبي (ص) لا يتفق والظروف التي قيلت فيه، أو أن الحوادث التاريخية الثابتة تناقضه، أو أن عبارة الحديث نوع من التعبير الفلسفي يخالف المألوف في تعبير النبي، أو أن الحديث أشبه في شروطه وقيوده بمتون الفقه، وهكذا. ولم نظفر منهم في هذا الباب بعشر معشار ما عنوا به من جرح الرجال وتعديلهم، حتى نرى البخاري نفسه، على جليل قدره ودقيق بحثه، يثبت أحاديث دلت الحوادث الزمنية، والمشاهد التجريبية على أنها غير صحيحة لاقتصاره على نقد الرجال) (1). وقد لخص الدكتور صلاح الدين الأدلبي كلام الدكتور أحمد أمين في ضحى الأسلام بقوله:


(1) - فجر الاسلام ص 217 - 218.

[ 12 ]

(... ولاحظ في كتابه ضحى الأسلام، أن المحدثين عنوا عناية فائقة بالنقد الخارجي، ولم يعنوا هذه العناية بالنقد الداخلي، فقد بلغوا الغاية في نقد الحديث من ناحية رواته جرحا وتعديلا، فنقدوا رواة الحديث في أنهم ثقات أو غير ثقات، وبينوا مقدار درجتهم في الثقة، وبحثوا هل تلاقى الراوي والمروي عنه أو لم يتلاقيا؟ وقسموا الحديث باعتبار ذلك ونحوه، إلى حديث صحيح وحسن وضعيف، وإلى مرسل ومنقطع، وإلى شاذ وغريب، وغير ذلك، ولكنهم لم يتوسعوا كثيرا في النقد الداخلي، فلم يتعرضوا لمتن الحديث هل ينطبق على الواقع أم لا؟!. ويقول: إنهم كذلك، لم يتعرضوا كثيرا لبحث الأسباب السياسية التي قد تحمل على الوضع، فلم نرهم شكوا كثيرا في أحاديث لأنها تدعم الدولة الاموية أو العباسية أو العلوية، ولا درسوا دراسة وافية البيئة الاجتماعية في عهد النبي (ص) والخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين وما طرأ عليها من خلاف، ليعرفوا هل الحديث يتمشى مع البيئة التي حكي أنه قيل فيها أو لا؟ ولم يدرسوا كثيرا بيئة الراوي الشخصية وما قد يحمله منها على الوضع وهكذا. ثم يبين [ الدكتور ] أنهم لو اتجهوا كثيرا إلى نقد المتن وأوغلوا فيه إيغالهم في النوع الاول، لانكشفت أحاديث كثيرة وتبين وضعها مثل كثير من أحاديث الفضائل، وهي أحاديث رويت في مدح الأشخاص والقبائل، والأمم، والأماكن، تسابق المنتسبون لها إلى الوضع فيها، وشغلت حيزا كبيرا من كتب الحديث. ثم نقل الدكتور قول ابن خلدون: (وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل، غثا وسمينا، ولم يعرضوها على اصولها، ولا قاسوها بأشباهها ولا سيروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط) (1).


(1) - منهج نقد المتن ص 12 عن ضحى الاسلام 2: 130 - 133، ومقدمة ابن خلدون ص 9.

[ 13 ]

وجاء في ظهر الاسلام لأحمد أمين: كما يؤخذ عليهم أنهم عنوا بالسند أكثر من عنايتهم بالمتن، فقد يكون السند مدلسا تدليسا متقنا، فيقبلونه مع ان العقل والواقع يأبيانه، بل قد يعده بعض المحدثين صحيحا لأنهم لم يجدوا فيه جرحا، ولم يسلم البخاري ولا مسلم من ذلك، وربما لو امتحن الحديث بمحك أصول الأسلام لم يتفق معها وإن صح سنده (1). (ونخلص إلى القول أن النظر في سند الحديث فقط لا يكفي للتأكد من صحته، بل لابد لنا أيضا من النظر في متن الحديث حتى يسلم من كل ما يشوبه من علل وشوائب، فإذا صح السند وسلم المتن كان لنا الحديث الصحيح. ويمكن أن نعطي مثلا واقعيا من حياتنا اليومية، فإذا أخبرك رجل عن آخر خبرا، كان أول ما يسبق إلى خاطرك، أن تستوثق من صدق المخبر بالنظر في حاله وأمانته ومعاملته، وغير ذلك من الملاحظات التي تراها ضرورية لك للتأكد منه. فإذا استوثقت من الرجل نظرت بعد ذلك في الخبر نفسه وعرضته على ما تعرف عن صاحبه من أقوال وأحوال، فإذا اتفق مع ما تعلمه من ذلك، لم تشك بصدق المخبر والاطمئنان إليه، والا كان لك أن تتوقف في قبول الخبر لا لريبة في المخبر - فانت واثق من صدقه - بل لشبهة رأيتها في المخبر نفسه، ويصح أن يكون مرجعها وهما أو نسيانا من المخبر، كما يصح أن ترجع الى سر فيه لأمر لم تتبينه، فلعل هذه الحالة علينا أن نتوقف عند الخبر لنطمئن إلى صحته، ولا نتسرع في حكمنا أنه كاذب، وإذا فعلنا ذلك يكون منا افتئاتا على من أخبرنا ونحن له مصدقون وبه واثقون. إن هذا الموقف الذي عنه تحدثنا هو نفسه حدث للعلماء في أحاديث رسول الله) (2). وبهذا فقد عرفنا ضرورة دراسة المتن، حيث إن الواقع سيكشف خطأ بعض النصوص، والأجواء السياسية تكشف زيف الاخر منه، ولو تمت مقايسة النص مع الظروف التي قيلت فيه، وبيئة الراوي، وبيان ملابسات الخبر السياسية والاجتماعية الحاكمة آنذلك، ودواعي ناقلي النص، وعرضها على أصول الأسلام والفطرة البشرية بعيدا عن الرواسب الطائفية والنزعات الأقليمية، لدلت تلك النصوص بنفسها على نفسها، ولعرف القارئ بأن الكثير منها جاء تحت تأثيرات الحكام وتبعا لارائهم فقهيا وسياسيا، ونرى بعض تلك الأحاديث والأحكام باقية في مصنفات أعلامنا - ولحد اليوم - لم يناقشها الباحثون ولم ينقدها الناقدون. علما بأن ظاهرة نقد المتن - وكما قلنا - كانت شائعة في العهد الأول، وعمل بها بعض التابعين، ونراها أيضا في كلمات فقهاء الأسلام والمحدثين، فمثلا حديث أبي هريرة (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) (1) نراه يخالف أوله آخره، لأن المصلي لو وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير، حيث إن البعير يضع يديه أولا وتبقى رجلاه قائمتين، فإذا نهض فإنه ينهض برجليه أولا وتبقى يداه على الأرض. كما أن بعض المحدثين يروي عن عائشة عن رسول الله أنه قال: (إن الحيضة سلطت على النساء عقوبة لهن)، في حين أن هذا الخبر يعارض المنقول عنها، وأن الحيضة مكتوبة على كل امرأة ولا علاقه لها بالعقوبة، فقد قال


(1) - ظهر الاسلام 2: 48. (2) - سنن ابى داود: 222 1 / 840: سنن الدارمي 1: 303 مسند احمد 2: 381.

[ 14 ]

لها (ص) وهي معه في طريق الحج وقد رآها تبكي: (ما لك أنفست؟) قالت: نعم، فقال (ص): (إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاقضي ما يقضي الحاج) (2). وقال (ص) قريبا من هذا الحديث لأم سلمة (3). كذلك نلاحظ أن أبا هريرة يحدث عن رسول الله أنه قال: (خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم... حتى يعد خلق العالم في سبعة أيام) (4) وهو مخالف لصريح القرآن الذي جاء في سبع آيات من سبع سور منه بأنه سبحانه خلق العالم في ستة أيام (1). وبناء على ذلك فقد عرفنا بأن مناقشة دلالة النص ظاهرة عمل بها السلف ودعا إليها العقل، وهي سيرة الفقهاء والتابعين، ولم تختص بزمن دون أخر، ولم تكن رخصة للصحابة فقط، حيث إن الشريعة الأسلامية هي شريعة الفطرة والعقل، وإن الأوامر والنواهي فيها تابعة للمصالح والمفاسد، فلا يعقل أن لا يسمح الشرع بالاجتهاد في الأحكام. نعم، إن إخضاع الأحاديث لأحكام العقول - مع عدم وجود ما يؤيد ذلك من القرآن أو السنة الشريفة - هو مما يأباه الله ولا يرضى به الشرع، لأن الأحكام الشرعية أمور توقيفية تعبدية، وبما أن القرآن قطعي الصدور فلا كلام فيه. وأما السنة: فهي ظنية الصدور، فيجب التثبت في أسانيدها، ومفاد دلالتها، ولحاظ الأجواء السياسية الحاكمة آنذاك، وعرضها على الأصول الثابته، ولا يمكن ترجيح جانب على آخر في مناقشاتنا للنصوص، بل يلزم لحاظ كلا الجانبين حتى يمكننا تمحيص الحجة فيها. أما شيوع ظاهرة البحث السندي - طبق أصول مذهبية خاصة - بعيدا عن


(1) - صحيح البخاري 1: 81 وصحيح مسلم 2: 873 / 119. (2) - سنن الدارمي 1: 243، صحيح البخاري 1: 82، بتفاوت. (3) - أخرج هذا الحديث مسلم والنسائي وأحمد والبخاري في التاريخ الكبير وغير هم. (4) - الاعراف: 54، يونس: 3، هود: 7، الفرقان: 59، السجدة: 4، الحديد: 4، ق: 3 8.

[ 15 ]

نقد المتن فهو لا يخدم الباحث العلمي، ولا يمكنه من الوصول إلى الفقه الأسلامي بشكله المطلوب. مضافا إلى أن ناقدي المتن يعتقدون بأن عملهم يبتعد عن جانبي الأفراط والتفريط، وأن إخضاع الحديث لسلطان العقل يخرج الشريعة من التعبد بأحكام الله، بل تكون من باب حكومة الهوى في الحديث لا الحديث في العقل (2). وفي الوقت نفسه لا يرتضون الأخذ بكل حديث ثبتت صحته في المجاميع الحديثية مع كونه مخالفا للأصول المسلمة الشرعية والفطرة البشرية، حيث إن الاعتقاد بصحة تلك الأحاديث والبت في صدورها عن النبي (ص) - ستكون ذريعة بيد الطاعنين في الأسلام للنيل من الشريعة المقدسة. وقد دخل بعض الأعلام في مناقشات لفظية وتأويلات بعيدة لتصحيح بعض تلك الأحاديث - المخالفة للعقل والفطرة - وقد صارت نفس تلك التأويلات ذريعة بيد المغرضين للنيل من أصالة الفكر الأسلامي والهجوم على السنة الشريفة. فنحن لو لاحظنا الجانبين في دراساتنا لتعادلت كفتا الميزان، ولأمكن التعرف على الحكم الألهي الموافق للعقل والفطرة، ولم يكن في الشريعة ما يأباه الوجدان. وأما تخوف البعض من شيوع هذه الظاهرة في الدراسات، بحجة أنها تؤدي إلى خروج بعض الأحاديث، فقد خاطبهم الدكتور الأدلبي في كتابه منهج نقد المتن بقوله: وبالنسبة للذين يميلون إلى التضييق من شروط الصحيح، وعدم التشدد فيها ويرون توسيع دائرة ما يشمله المقبول من صحيح وحسن، فهم إنما أداهم الورع إلى الخوف من أن يحكموا على نص بالضعف، ويكون في الحقيقة ثابتا عن رسول الله (ص) وما درى هؤلاء بأن الأمر في الحديث ليس أمر تقليل ولا


(1) - انظر ضحى الاسلام لأحمد أمين 3: 85.

[ 16 ]

تكثير، بل هو تحر وتدقيق، بالأضافه إلى أن ما ثبت عن رسول الله (ص) فيه ما يهدينا إلى كل خير، ويباعدنا عن كل شر، ولا يحوجنا للاهتداء بأحد سواه. أما موضوع الورع فهذا مهم جدا، ولكن هل نتورع من أن نخرج من الحديث ما هو منه، ولا نتورع من أن ندخل فيه ما ليس منه؟! الحقيقة أن كلا منهما خطير، لكن ماذا يترتب على كل واحد لنرى أيهما أشد خطرا؟ أرى أن إدخال ما ليس من الحديث في نصوص الحديث فيه زيادة نص، وقد يؤدي إلى زيادة حكم، ويخشى معه من الدخول تحت الوعيد الشديد الوارد فيمن كذب عليه (ص)، وأن إخراج ما هو من الحديث من نصوص الحديث فيه نقص نص، وقد يؤدي إلى نقص حكم، ويخشى معه من الدخول تحت الوعيد الشديد الوارد فيمن كتم علما، لكن النقص من مجموعة كاملة شاملة، غالبا ما يهتدى إليه ويستدل عليه، من نظائره في المجموعة الكاملة، فالخوف من النقص إن لم يكن أقل من الاخر خطرا فهو إن شاء الله ليس بأكثر منه والله أعلم (1). وعليه، فنحن لا نريد أن نميل إلى هذا القول أو ندحض ذلك، بل نؤكد على لزوم دراسة كلا الجانبين في البحوث العلمية، وأن لا يكتفي المؤرخ أو الفقيه بأحدهما تاركا الاخر، وأن دراسة أسانيد الروايات دون معرفة ملابسات الحكم التاريخية والجغرافية والسياسية لا تفيد الباحث العلمي كما قلنا، وأن وقوف المجتهد وحتى المكلف على تاريخ التشريع وتطور الحكم وملابسات صدوره تعطيه رؤية جديدة وتفتح أمامه آفاقا واسعة. وقد انتهجنا هذا الأسلوب في دراستنا واتبعناه لا لشئ، إلا لتطوير وإشاعة مثل هذه الدراسات في معاهدنا العلمية وجامعاتنا الأسلامية، على أمل تعاون المعنيين معنا في ترسيخ هذه الفكرة وتطويرها، وأن لا يدرسوا الفقه دراسة إسنادية فقط دون معرفة ملابسات الحكم التاريخية والسياسية، ونرى في طرح


(1) - منهج نقد المتن ص 23.

[ 17 ]

مثل هذه الدراسات رقيا للمستوى الفقهي والأصولي عند المذاهب الأسلامية، وتقريب وجهات النظر بين المسلمين وترسيخ روح الأنفتاح فيهم، ومحاولة القضاء على مختلف النزعات العاطفية وإبعادها عن مجالات البحث العلمي، وعدم السماح لتحكيم الخلفيات الطائفية، والرواسب الذهنية في مثل هذه البحوث العلمية النظرية. ولو اتبعنا مثل هذا الأسلوب في جميع أبواب الفقه لوصلنا إلى حقيقة الفقه الأسلامي من أيسر طرقه وأسلمها ولو وقفنا على تاريخ التشريع وملابساته، ولاتضحت لنا خلفيات صدور بعض الأحكام وعرفنا حكم الله الواحد والذي ينشده الجميع. نرجو أن لا نكون جدليين في بحوثنا، ومن الذين لا يهمهم معرفة الواقع بقدر ما يهمهم الانتصار لارائهم ومذاهبهم، ويبدو أن طرح مثل هذه الاراء بهدوء وموضوعية مع عرض مختلف وجهات النظر عند جميع المسلمين سيكون عاملا للتقريب بين المذاهب الأسلامية، ورفعة للمستوى العلمي بينهم، لأن الناس أعداء ما يجهلون، وباتضاح نقاط الرأي قوة وضعفا ربما تتوقف موجة تفسيق أو تكفير الاخرين. وإن دراستنا لكيفية (وضوء النبي) جاء تحقيقا لهذا الهدف، ولا نبغي من ورائه إلا الجانب العلمي، وتوسيع أفق التفاهم البناء بين علماء المسلمين، وهو نقاش علمي نزيه، تطرح فيه الاراء بأناة وموضوعية، ولم يقصد به التشكيك بفقه مذهب أو المساس بعقيدة طائفة، بل إنها نظرية علمية قد توصلنا إليها وفق شواهد تاريخية وفقهية، ولا ندعي عدم الخطأ فيها مع اعتقادنا بصحتها. والمأمول من إخواننا أن يتعاملوا مع الأطروحة كتعاملنا معها، وأن يجعلوا لصحة المدعى نصيبا بإزاء ما يعتقدون فيها من الخطأ، وأن لا يرمونا بالبهتان أو التقول قبل مراجعتهم المصادر. علما بأن محاكمة النص أو نقد كلام الصحابي لا يعني - بنظرنا - تفسيقه أو تكفيره، وخصوصا لو عضد بما يؤيده من القرآن أو السنة الشريفة أو أكدته النصوص التاريخية والأحداث السياسية الحاكمة وقت صدور النص، وكذا الأمر

[ 18 ]

بالنسبة لنقلنا كلاما عن أحد فانه لا يعني اعتقادنا بصحة جميع ما قاله وتبنينا لارائه وأفكاره. هذا وإن ظاهرة الوضع في الحديث كانت منذ عهد النبي لكنها انتشرت أواخر عهد الخلفاء الراشدين بسبب الفتنة الكبرى وإنقسام المسلمين إلى شيع وأحزاب، وإن دراسة نصوص هذه المرحلة وما بعدها جديرة بالبحث، وخصوصا لو احتملنا تدخل الأهواء السياسية، أو إمكان اشتباه الصحابي أو الراوي في فهم الأحكام (1) وقد اتضح لك بأن ذلك ما لا يستبعده أحد، وقد نقلنا سابقا نصوصا عن الصحابة يخطئ البعض منهم الاخر فيها، وتراجع بعض المفتين عن آرائهم - لقوة دليل الناقد أو موافقتها للقرآن والعقل -. وهناك آراء كثيرة في الشريعة يلزم التحقيق في أطرافها والتثبت في دلالتها، مع كون بعضها من المسلمات البديهية والتي لا يمكن التشكيك فيها، لكنا لو عرضناها على القرآن وقيست بحوادث تاريخية وروايات أخرى لدلت بنفسها على نفسها بأنها قابلة للتشكيك، وإنا على ثقة لو أن تلك الأدلة والشواهد طرحت على صاحب الرأي أو ناقل الحديث لأمكن رجوعه عن رأيه كما فعل ذلك كبار الصحابة والتابعين، أما ترك مناقشة الروايات ودراستها بل إعطاء جميع الأحاديث الصحاح هالة من التقديس ولزوم التعبد بها، ثم اختلاق التأويلات لها، فهو مما يأباه الوجدان ولا يقبله الشرع والعقل. وقد نقل الأمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري في مقدمة صحيحه عن محمد بن سيرين، أحد فضلاء التابعين - في معرض حديثه عن الفتنة: (.. لم يكونوا يسألون عن الأسناد فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم) (1). قال الدكتور مصطفى سعيد الخن وهو بصدد بيان أسباب الخلاف بين المسلمين:


(1) - راجع كتاب (الانصاف في بيان سبب اختلاف الصحابة) للدهلوي. (1) - صحيح مسلم 1: 15.

[ 19 ]

(.... ولقد كانت رقعة الخلاف في عهد الصاحبين أبي بكر وعمر ضيقه جدا، وسبب ذلك أن الصحابة لم يتفرقوا في الافاق، وكانا يرجعان إليهم فيما جد من المسائل عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله (ص)، فإن وجد ما يقضى به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس هل علمتم أن رسول الله (ص) قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا وكذا، وإن لم يجد سنة سنها النبي (ص) جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شئ قضى به، وكان عمر يفعل ذلك فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنة سأل: هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء؟ فإن كان لأبي بكر قضاء، قضى به، وإلا جمع الناس واستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شئ قضى به (1). ثم بدأت حلقة الخلاف تتسع من بعدهما، ولقد ساعد على تفشي الخلاف انسياح أصحاب رسول الله في البلدان المفتوحة واتخاذهم إياها وطنا، وتلقي أبنائها عنهم ما سمعوه عن رسول الله (ص) وقد يكون عند بعضهم مالا يكون عند الاخر...) (2) وعليه فإن البحث الأسنادي - وكما قلنا - وحده لا يكفي في الدراسات التشريعية وخصوصا في النصوص الصادرة في أيام الفتنة الكبرى أو ما يتعلق ويرتبط بها، إلا إذا قيست بأقرانها ولوحظت الظروف السياسية الحاكمة آنذاك، وإن القارئ لو وقف على سلبيات بعض تلك الروايات لوافقنا في انتهاجنا مثل هذا الأسلوب لمعرفة الأحكام الشرعية ومحاكمتنا للنصوص. وختاما أرجو من قرائي الأعزاء أن لا يحكموا علينا بشئ إلا بعد انتهائهم من قراءة جميع فصول الكتاب، ووقوفهم على وجهات النظر فيها.


(1) - أعلام الموقعين 1: 61. (2) - أثر الأختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء: 36 - 37.

[ 20 ]

آملين منهم أن لا يكونوا من الذين يتعاملون مع الدراسات العلمية كتعاملهم مع كتب الفكاهة والقصص، فيأخذون بعض الشئ من أوله وينتقلون إلى الوسط، وأخيرا تراهم يطرحون الكتاب - وفي بضع لحظات - كأنهم قد أخذوا صورة عميقة عن الكتاب ووقفوا على آراء مؤلفه. وكذا آمل منهم أن لا يكونوا كبعض رفاق السفر الذين يتركون أخاهم في نصف الطريق، بل الذي أرجوه منهم أن يواصلوا البحث معنا، وأن يتحملوا عناء الدرب وأن لا يتسرعوا، ثم فليقضوا بما يشاؤون. نرجو من سادتنا العلماء وإخواننا الفضلاء، والذين يرافقوننا في هذه الرحلة، أن يتحفونا بآرائهم ويوقفونا على نقاط ضعف الدراسة، ونحن على أتم الاستعداد لتقبل كل نقد بناء يرد إلينا، شريطة أن تكون لغتهم، لغة المنطق والعلم لا الفحش والسباب، وأن لا يخرجوا من الموضوعية، إذ إن النقد البناء يبعد روح التباغض ويوقف القائل على نقاط ضعفه، وينفي روح الكبرياء عنه، وبذلك تكون الأدلة في متناول الناس، وهم في الخيار بالأخذ بأيها شاؤوا، وقد قيل عن المتعلمين أنهم أبناء الدليل يميلون حيثما يميل. هذا وقد جعلت دراستي في مقدمة وثلاثة فصول: أما المقدمة فهو بحث تمهيدي، بمثابة المدخل للدراسة، بحثت فيه (تاريخ اختلاف المسلمين في الوضوء، أسبابه ودواعيه) وأشرت إلى ملابسات الأحكام الشرعية وأهم العوامل المؤثرة في اختلاف المسلمين، وحصر المذاهب بالأربعة! اما فصول الكتاب فهي ثلاثة: 1) الأول (الوضوء والسنة النبوية) 2) الثاني (الوضوء في الكتاب واللغة) 1) الثالث (الوضوء في الميزان) أما الفصل الأول (الوضوء والسنة النبوية) فقد درسنا فيه الروايات

[ 21 ]

البيانية (1) والمتعارضة في الباب تحت ثلاث عناوين فرعية: 1 - نسبة الخبر إليه 2 - سنده 3 - متنه مع تقديمنا بحثا لأسباب منع التدوين وكيفية حدوث اتجاهين في الشريعة: 1 - الرأي والاجتهاد 2 - التعبد المحض مع الأشارة إلى أن (الناس) المتحدثين في الوضوء كانوا من دعاة التعبد المحض والمعتقدين بلزوم نقل ما سمعوه عن رسول الله، في حين نرى خط الاجتهاد لا يرتضى التحديث إلا بما عمل في عهد الشيخين. وختاما أعطينا صورة توفيقية للمنقول من صفة وضوء رسول الله في الصحاح والسنن وتوحيد النقلين عنه (ص) - بقدر المستطاع - وبيان كيفية وضوئه أمام للناس. أما الفصل الثاني (الوضوء في الكتاب واللغة) فقد بينا فيه أهم سبب من أسباب اختلاف الفقهاء وهو: اختلافهم في الأخذ بالقراءات القرانية، لأن المشارب الفقهية في هذا الشأن قد اختلفت باختلاف القراءة موضحا في أوله سر تأكيد الخليفة عثمان بن عفان على الأخذ بقراءة مصحفه دون غيرها من القراءات، وسعيه لتوحيد المسلمين على تلك القراءة وحرقه للمصاحف وتنكيله بالصحابة من أمثال ابن مسعود. ثم جئت لأحكم القران ولغة العرب بين مدعيات الخليفة وغيره من (الناس) في الوضوء، مع عرضي لأقوال وأدلة فقهاء المذاهب عند بيان حكم كل عضو من أعضائه، مناقشا فيها الأدلة المطروحة، متخذا جانب الحياء في نقل الأقوال وعرض الاراء، داعما ما اختاره بالشواهد والأدلة.


(1) - اشارة الى المحكي من صفة وضوء رسول الله في الصحاح والمسانيد.

[ 22 ]

هذا وقد ناقشت أحاديث (ويل للأعقاب من النار) وغيره من الأدلة التعضيدية والمستفاد منها لغسل الأرجل - سندا ودلالة - ومدى حجية تلك الأحاديث في إلزام المكلف بغسل الأرجل في هذا الفصل؟!! أما الفصل الثالث (الوضوء في الميزان) فنقدم فيه خلاصة عما طرحناه في المدخل والفصلين السابقين وموازنة الاراء فيها للخروج بنتيجة يقبلها كل ذي لب، مع الأشارة إلى أصول الاتجاهين الفكرية، ومدى حجية الأدلة المختلف فيها كفعل الصحابي وسنة أهل البيت، والأشارة الى القواعد المسببة لاختلاف فقهاء الأسلام. وبذلك نكون فقد درسنا هذه المسألة الفقهية من جميع جوانبها التاريخية التشريعية، وها هو بين أيديكم مدخل هذه الدراسة.

[ 23 ]

المدخل تاريخ اختلاف المسلمين في الوضوء أسبابه ودواعيه وهو في بابين:

[ 25 ]

الباب الأول الوضوء في عهد النبي (ص) والخلفاء 1) هل في الوضوء تشريعان؟ 2) بدايات الخلاف الوضوئي: متى حدث الخلاف؟ كيف؟ من هو البادئ؟ 3) ما هي منزلة المختلفين؟ 4) اتفق الاتجاهان أم لا؟ 5) ما هي مفردات الخلاف الوضوئي؟

[ 27 ]

بسم الله الرحمن الرحيم توطئة: كثيرا ما يتساءل البعض عن سبب الاختلاف بين المذاهب الأسلامية في الأحكام الشرعية، على الرغم من كون مصادر الحكم الشرعي - الكتاب، السنة، الأجماع - واحدة عند الجميع. فهل يا ترى أن منشأه يرجع إلى اختلافهم في تعريف هذه الأدلة ونحو دلالتها؟ أم إلى الترديد في حجية القياس والاستحسان والاستصلاح والعرف و...؟ أم مرده إلى تشعب مشاربهم في معطيات الأصل العملي والدليل اللفظى؟ أم مرجعه إلى النزعات الفردية والضغوط السياسية و...؟ لا شك أن لكل ما ذكر دورا في حصول الاختلاف، وأنه بعض العلة لا تمامها، لسنا بصدد وضع أجوبة لهذه التساؤلات، بل الذي يهمنا وندعو المعنيين إليه هو دراسة الفقه وفق المناهج الحديثة، وأن لا يقتصر التحقيق عندهم على مناقشة النصوص الشرعية ودلالاتها بعيدا عن دراسة جذور المسألة وما يحيط بها من ملابسات شتى، إذ أن دراسة الفقه مع ملاحظة ظروفه التاريخية والسياسية والاجتماعية هي الطريقة التي تخدم البحث العلمي وتوصل إلى معرفة الحقيقة. كما أن الجدية في البحث والأمانة العلمية تستلزم متابعة مختلف الاراء والأقوال عند جميع الأطراف، كي نتجاوز النظرة من زاوية محدودة وننطلق من

[ 28 ]

الأطار المقيد إلى عالم أرحب، إذ أن النظرة الضيقة وعدم الانفتاح يوصدان أبواب التفاهم وتلاقح الأفكار، وبالنتيجة تحرمنا من قطف ثمار الاتصال بالاخرين والحوار معهم. والان بين أيدينا أمر عبادي مهم سنسلط الضوء عليه ليتضح لنا مدى عمق جذور الاختلاف وماهيته في مصداق واحد، ومن خلاله ربما تظهر ملامح صورة الاختلاف: وهي دراسة عن كيفية (وضوء النبي (ص)). فكيف وقع الخلاف بين المسلمين في هذا الأمر المهم؟! ولم اختلف في مثل الوضوء، ذلك الفعل الذي كان يؤديه النبي (ص) لعدة مرات في اليوم على مدى ثلاث وعشرين سنة، بمرأى من المسلمين. الوضوء الذي أكد عليه النبي وجعله شرطا للصلاة التي هي عمود الدين، فقال: (لا صلاة إلا بطهور) (1)، وقال أيضا: (الوضوء شطر الأيمان) (2)؟! إذن فالوضوء أمر عبادي، مارسه الرسول بمحضر المسلمين ثم اتبعوه بعد التعلم العملي والبيان القولى منه، وهو لم يكن بالأمر الخفى، ولا بالتشريع المؤقت المختص بفترة زمنية دون أخرى، حتى تطمس معالمه، أو تخفى ملامحه بحيث يصل الحال إلى الاختلاف فيه. فإن كان الأمر كذلك، فما هي دواعي الاختلاف فيه؟ وما هي حقيقة البيان النبوى الشريف لهذه المسألة المهمة؟ للأجابة عن هذين السؤالين وغيرهما، نقول: لابد من تنقيح البحث بشكل دقيق يخضع للمنهج العلمي الحديث، وإخضاع جميع ما ورد بهذا الشأن للدقة والتمحيص، وهذا ما سنحاول القيام به في دراستنا للكشف عن أمور غامضة


(2) سنن أبي داود 1: 16 / 59، سنن ابن ماجة 1: 100 / 271 - 274، صحيح مسلم 1: 204 ب 2، مسند الأمام زيد: 68. (2) كنز العمال 9: 288 / 26044، وص 316 / 26200، وفي صحيح مسلم 1: 203 / 1، ومسند أحمد 4: 260 بتفاوت يسير.

[ 29 ]

تداخلت في هذه العبادة، وجعلتها مثارا للأخذ والرد، فنقول: اختلف المسلمون تبعا لاختلاف الصحابة في نقل وبيان وضوء رسول الله (ص) على نحوين ونهجين رئيسيين (1)، وكان لكل منهما - على ما وصل إلينا من السلف - أتباع وأنصار، من صحابة وتابعين لهم يذودون عما يرتؤون، ويقيمون الأدلة والبراهين على ما يذهبون إليه. ولكن قبل الخوض في غمار البحث، ومناقشة الأدلة ومدى حجيتها، لابد من التمهيد للموضوع بمقدمة نبحث فيها عن تاريخ الاختلاف وأسبابه ودواعيه، بادئين ذلك بوضوء المسلمين في الصدر الأسلامى الأول.


(1) يتلخص النهجان في وضوء المذاهب الأربعة، ووضوء الشيعة الأمامية والذي ستقف عليهما في 414 الى 442.

[ 30 ]

الوضوء في العهد النبوى مما لا شك ولا ريب فيه أن المسلمين في الصدر الأول كانوا يتوضؤون كما كان النبي (ص) يتوضأ بكيفية واحدة، ولم يقع بينهم أي اختلاف يذكر، وأنه لو وجد لوصل إلينا ما يشير إليه، ولتناقلته كتب الحديث والسير والأخبار، إذ أن المشرع كان بين ظهراني الأمة، وهو بصدد التعليم والأرشاد - لأمته الحديثة العهد بالأسلام - فمن البعيد حدوث الخلاف بينهم مع كون الجميع يرجعون إلى شخص واحد للأخذ منه وقد قال سبحانه فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول، أضف إلى ذلك مشاهدتهم لفعله (ص) الذي هو السنة والرافع لكل لبس وإبهام قد يخالطان البعض، هذا من جهة. ومن جهة أخرى: إن الخلاف في كثير من الأمور بين الأمة إنما هو وليد العصور المتأخرة التي جاءت بعد عهده الشريف. نعم، قد يقال: إن سبب اختلاف الأمة في الوضوء وجود تشريعين، كان النبي (ص) يفعلهما على نحو التخيير، دون الأشارة إلى ذلك!! أي أنه (ص): كان تارة يتوضأ حسبما رواه عثمان (1) وعبد الله بن زيد بن عاصم (2) والربيع بنت المعوذ (3) وعبد الله بن عمرو بن العاص (4) عنه (ص)، وأخرى مثلما نقله على ابن أبي طالب (5) ورفاعة بن رافع (6) وأوس بن أبي أوس (7) وعباد بن تميم بن


(1) سنن النسائي 1: 80، صحيح مسلم 1: 204 / 3، سنن البيهقي 1: 53، 68. (2) سنن النسائي 1: 71، صحيح مسلم 1: 210 / 18، سنن البيهقي 1: 50، 59. (3) سنن الدارقطني 1: 96 / 5، سنن البيهقي 1: 64. (4) سنن البيهقي 1: 68. (5) شرح معاني الاثار 1: 34 / 156. (6) سنن ابن ماجة 1: 156 / 460، سنن البيهقي 1: 44، شرح معاني الاثار 1: 35 / 161. (7) كنز العمال 9: 476 / 27042.

[ 31 ]

عاصم (1) و... عنه (ص). فلو ثبت ذلك... لصحت كلتا الكيفيتين، ولتخير المكلف في الأخذ بأيهما شاء مع ترك الاخر، فتكون حاله كبقية الأحكام التخييرية. لكن هذا الاحتمال في غاية البعد، لأننا نعلم بأن الحكم الشرعي - سواء التعييني أو التخييري - إنما يأخذ مشروعيته من الكتاب والسنة، فكفارة اليمين - مثلا - دل عليها دليل من القرآن وهو قوله تعالى: فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون به أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة (2) فعرفنا على ضوء الاية بأن الحكم في كفارة اليمين إما إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة. وكفارة صوم شهر رمضان، قد دل عليها حديث الأعرابي (4)، ورواية أبي هريرة (3)، وهكذا الأمر بالنسبة إلى غيرهما من الأحكام التخييرية... أما فيما نحن فيه، فلا دلالة قرآنية، ولا نص من السنة النبوية، ولا نقل من صحابي بأنه (ص) فعلها على نحو التخيير، وليس بأيدينا ولا رواية واحدة - وإن كانت من ضعاف المرويات - مروية عن أي من الفريقين تدل على التخيير، بل الموجود هو التأكيد على صدور الفعل الواحد عنه (ص) وقد اختلفوا في ذلك، فذهب بعض إلى أنه (ص) غسل رجله، وذهب البعض الاخر إلى أنه (ص) مسح رجله، واستنصر كل منهما بالقرآن والسنة على ما ذهب إليه (5). وإذا ما تتبع الباحث أقوال علماء الأسلام فسوف يقف على أن الوضوء


(1) كنز العمال 9: 429 / 26822، شرح معاني الاثار 1: 35 / 162. (2) سورة المائدة: 89. (3) موطأ مالك 1: 297 / 29. (4) موطأ مالك 1: 296 / 28، صحيح البخاري 3: 41، صحيح مسلم 2: 781 / 81. (5) ستقف عزيزي القارئ على حقيقة وضوء رسول الله (ص) في الفصل الأول من هذه الدراسة إن شاء الله تعالى.

[ 32 ]

عندهم تعييني لا تخييري، فغالب أتباع المذاهب الأربعة يقولون بلزوم الغسل في الأرجل لا غير، أما الشيعة الأمامية فإنهم لا يقولون إلا بالمسح وحده، وإن كلا منهما ينسب قوله - مضافا إلى دعوى استظهاره من الكتاب - إلى فعل رسول الله (ص)، وهو ما جاء في صحاح مروياتهم. أما القائلون بالجمع (1) أو التخيير (2)، فإنهم إنما يقولون بذلك لا على أساس أن النبي (ص) جمع أو خير، بل إن القائل بالجمع إنما يقول به لكونه مطابقا للاحتياط، وأنه طريق النجاة، إذ الثابت عنده أن الكتاب ورد بالمسح، وأن السنة وردت بالغسل، فأوجبوا العمل بهما معا رعاية للاحتياط، لا على أساس أن النبي (ص) جمع بينهما، وأن ذلك هو المروي عنه (ص). وكذا الحال بالنسبة للقائل بالتخيير، فإنه إنما ذهب إلى ذلك لتكافؤ الخبر عنده في الفعلين (المسح والغسل)، فالمكلف لو أتى بأيهما كان معذورا، إذ لم يرجح عنده أحد الفعلين حتى يلزمه الأخذ به، وعليه فدعوى التخيير مجرد رأي جماعة قليلة من فقهائنا السابقين، فلا يمكن به نقض الأجماع المركب بين المسلمين على أن الوضوء إما مسحي أو غسلي، بل هناك أدلة ستقف عليها لاحقا ترجح أحد الطرفين وبها يثبت أن لا معنى للتخيير!


(1) كالناصر للحق من أئمة الزيدية، وداود بن علي الظاهري وغيرهما. (2) كالحسن البصري، وأبي علي الجبائي، وابن جرير الطبري وغيرهم.

[ 33 ]

عهد أبي بكر (11 - 13 ه‍) لم ينقل التاريخ في هذا العهد خلافا بين المسلمين في الوضوء، ذلك لقرب عهدهم بالنبي (ص)، وأنه لو كان لبان، بل التحقيق عدمه، إذ أن حكم الوضوء لم يكن كغيره من الأحكام الشرعية، كالعارية، الشفعة، العتق،... وغيرها من الأحكام مما يمكن تجاهلها أو التغاضي عن فهم حكمها، لعدم الابتلاء بها كثيرا، وعدم تلك الأهمية الموجودة في مثل الوضوء، إذ أن الوضوء فعل يمارسه المسلم عدة مرات في اليوم الواحد، وتتوقف عليه أهم الأمور العبادية، وأن الاختلاف في أمر كهذا مثار للدهشة والاستغراب، وتزداد الغرابة إذا ما تصورنا وقوعه مع عدم وجود دليل أو نص روائي شرعى يدل عليه. وهنا نؤكد ونقول: إنه من الأمور التي تنطبق عليها قاعدة (لو كان لبان)، فعدم ورود نص ينبئ عن وجود الخلاف، وعدم وجود ردود فعل للصحابة في أمر الوضوء، أو ما شابه ذلك، دليل على استقرار الوضع بين المسلمين فيه، وعلى تعبدهم بسيرة الرسول (ص). وإننا رغم استقصائنا الدقيق في كتب التاريخ بحثا عن مؤشر واحد يدلنا على اختلاف المسلمين في حكم من أحكام الوضوء في ذلك العهد، لم نعثر على أثر يذكر. ثم إن عدم وجود بيان لصفة وضوء رسول الله (ص) من الخليفة الأول دليل آخر على استقرار الأمة على الوضوء النبوي، إذ أن الوضوء أصبح من البديهيات التي لا تحتاج إلى تعليم، بل كان معروفا واضحا متداولا مما لا يحتاج إلى تأكيد الخليفة على تعليمه وذكر كيفيته وتكراره، ولو كان هناك خلاف أو ما يستوجب البيان والتوضيح لبين صفة وضوء رسول الله للناس قطعا لدابر الاختلاف. علما بأن الخليفة قد حارب أهل الردة، معللا بأنهم قد فرقوا بين الصلاة

[ 34 ]

والزكاة، فكيف به لا يجابه الذي يحرف الوضوء؟! وهذا مؤيد آخر على عدم وجود الخلاف في زمانه، إذ لو كان لوردت مؤشرات عليه في المصادر المعتبرة، كما رأيناه فيما يماثلها.

[ 35 ]

عهد عمر بن الخطاب (13 - 23 ه‍) على الرغم من استقرائنا، وتتبعنا الدقيق في تاريخ اختلاف المسلمين في الوضوء - في هذا العهد - لم نعثر على ما يشير إلى وجود اختلاف جوهري بين المسلمين فيه.. اللهم إلا في مسألة يسيرة وفي حالة من حالات الوضوء، هي جواز المسح على الخفين، أو عدمه. وإليك بعضا من النصوص الواردة بهذا الشأن: جاء في تفسير العياشي، عن زرارة بن أعين، وأبي حنيفة، عن أبي بكر ابن حزم، قال: توضأ رجل، فمسح على خفيه، فدخل المسجد فصلى، فجاء علي فوطأ على رقبته، فقال: ويلك! تصلي على غير وضوء؟ فقال [ الرجل ]: أمرني عمر بن الخطاب. قال [ الراوي ]: فأخذه بيده، فانتهى به إليه فقال [ علي ]: انظر ما يروي هذا عليك؟ - ورفع صوته -. فقال [ عمر ]: نعم، أنا أمرته، إن رسول الله (ص) مسح. قال [ علي ]: قبل المائدة، أو بعدها؟ قال [ عمر ]: لا أدري! قال [ علي ]: فلم تفتي وأنت لا تدري؟! سبق الكتاب الخفين (1). وفي النص إشارات جمة، يهمنا منها - في هذا المقام -: عبارة (ما يروي هذا عليك) بدلا من (... عنك)، فالذي يظهر من قول الأمام علي أنه قد اتهم الماسح على الخفين بالتقول على عمر، وذلك لبداهة كون المسح على القدمين هو السنة المنصوص عليها، دون المسح على الخفين، ويمكننا أن نفهم من ظاهر قول


(1) تفسير العياشي 1: 297 / 46.

[ 36 ]

الأمام علي كون المسح على القدمين في غاية الوضوح عند الجميع، وإلا لما صح الأنكار، وادعاء التقول. وبعد تثبت الأمام علي من أن عمر هو الراوي المجيز للمسح على الخفين، قام بمناقشة ذلك الرأي وبين أن المسح على الخفين غير جائز، وأن المسح على القدمين هو المشروع لا غير، بدليل آية من سورة المائدة التي أحكمت كل شئ، حيث أمرت بالمسح على الرجلين وأرجلكم إلى الكعبين (1)، علما بأن سورة المائدة كانت آخر ما نزل من القرآن - إلا براءة - باتفاق جميع المسلمين. وقد حصل هذا الالتباس لصحابة آخرين غير عمر، فقد روى العياشي أنه: أتى أمير المؤمنين رجل، فسأله عن المسح على الخفين، فأطرق في الأرض مليا، ثم رفع رأسه فقال: (يا هذا إن الله تبارك وتعالى أمر عباده بالطهارة، وقسمها على الجوارح، فجعل للوجه منه نصيبا، وجعل لليدين منه نصيبا، وجعل للرأس منه نصيبا، وجعل للرجلين منه نصيبا، فإن كانت خفاك من هذه الأجزاء، فامسح عليهما) (2). وما ذكر الأمام علي هذا الاستدلال إلا لرفع اللبس عن القائلين بجواز المسح على الخفين، والخليفة عمر بن الخطاب من أولئك القائلين. وأخرج السيوطي بسنده، عن ابن عباس، أنه قال: ذكر المسح على القدمين عند عمر، سعد وعبد الله بن عمر. فقال عمر [ لعبد الله ]: سعد أفقه منك! فقال [ عبد الله بن ] عمر: يا سعد، إنا لا ننكر أن رسول الله مسح، ولكن هل مسح منذ أنزلت سورة المائدة؟ فإنها أحكمت كل شئ، وكانت آخر سورة


(1) المائدة: 6. (2) تفسير العياشي 1: 301 / 59.

[ 37 ]

من القرآن، إلا براءة (1). نحن لسنا بصدد تنقيح البحث في جواز المسح على الخفين أو عدمه، بل الذي نقوله هو: إن الخلاف لم يشكل مدرسة وضوئية كاملة، بل إن أغلب الروايات الواردة عن الخليفة في الوضوء كانت تدور حول نقطة واحدة وبيان حالة معينة من حالات الوضوء، ولم نعثر على اختلافات أخرى بين الصحابة آنذاك، كما هو مختلف فيه بين فرق المسلمين بعد ذلك، مثل حكم غسل اليدين، هل هو من الأصابع إلى المرافق أو العكس؟ أو كمسح الرأس، هل يجب كله، أو يجوز بعضه، أو أن الماء المأخوذ للمسح، هل هو واجب أو جائز، أو أن الوضوء يبطل به؟ وما هو حكم مسح الرقبة، هل هو من مسنونات الوضوء، أم ماذا؟ وما إلى ذلك من المسائل المطروحة. إن عدم نقل وضوء بياني عن الخليفة، وعدم تأكيده على تعليم الوضوء للمسلمين لدليل على أن الاختلاف بينهم لم يكن إلا جزئيا، وأنه لم يشكل بعد عند المسلمين نهجين وكيفيتين كما هو المشاهد اليوم، إذ لو كان ذلك لسعى الخليفة في إرشاد الناس ودعوتهم إلى وضوء رسول الله (ص)، وقد تناقلت كتب السير والتاريخ اهتمامه بجزئيات الشريعة مدة خلافته الطويلة، ومنها: ما روي من أن النبي (ص) رخص لعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير - لحكة كانت به - فأقبل عبد الرحمن ذات يوم على عمر ومعه فتى من بنيه قد لبس قميصا من حرير، فنظر عمر إليه وقال: ما هذا؟! ثم أدخل يده في جيب القميص فشقه إلى أسفله، فقال له عبد الرحمن: ألم تعلم أن رسول الله قد رخص


(1) الدر المنثور 2: 263.

[ 38 ]

لي لبس الحرير؟ قال عمر: بلى، لشكوى شكوتها، فأما بنيك فلا (1). ونقل عنه: إن أبا عبيدة - واليه على الشام - قد كتب إليه: إن نفرا من المسلمين قد شربوا الخمر في دمشق بعد فتحها، فكتب إليه عمر أن يسأل هؤلاء النفر عن رأيهم في الخمر، أحلال هي أم حرام؟ فإن استحلوها ضرب أعناقهم، لأنهم جحدوا نصا من القران الكريم، وإن اعترفوا بأنها محرمة وفسقوا فيها، أقام عليهم الحد (2). وقصته مع ابنه عبد الرحمن الأوسط (أبي شحمة) معروفة، وقد تحدث بها الرواة، فقد شرب أبو شحمة الخمر بمصر، فأقام عليه والي عمر الحد في صحن الدار، وليس في جمع المسلمين - وذلك لقربه من الخليفة - وما أن بلغ عمر ذلك أمر بأن يرسل إليه على قتب، ليكون السفر أكثر مشقة عليه، ولما وصل المدينة كان مريضا، فجئ به إلى عمر وهو على تلك الحال - مريضا مكدودا - فأقام عليه الحد فورا بمحضر جماعة من المسلمين، ولم يلتفت الأب الخليفة لاستغاثة فتاه حتى مات تحت السياط (3). ومنها: قضية نصر بن حجاج والمرأة التي قالت فيه أبياتا من الشعر، مطلعها: هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج فلما سمع عمر الأبيات، أرسل إلى نصر بن حجاج فرآه شابا جميلا حسنا، فجز شعره وغربه ونفاه إلى بلد آخر، وقال: والله، لا يساكنني رجل تهتف به العواتق في الخدور (4)،... وما إلى ذلك كثير. فإذا كان الاهتمام بالأحكام إلى هذا المدى، فلم لا نرى للخليفة وضوءا


(1) راجع صحيح مسلم 3: 1646 / 24، والنص السابق أخذ عن مجموعة طه حسين. (2) مجموعة طه حسين 4: 51 و 164. (3) مجموعة طه حسين 4: 165. (1) حلية الأولياء 4: 322.

[ 39 ]

بيانيا لو كان الاختلاف في الوضوء قد شجر بين المسلمين؟! وإذا كان يفعل بشاب ما فعل به لقول قائلة متغزلة، والولاة يهتمون بنقل الأخبار من الأمصار إلى الخليفة، فلماذا لا نرى نقل خبر عنهم في الوضوء؟! وإذا صح وقوع الخلاف في الوضوء في هذا العهد، فكيف يصح السكوت من عمر - على وسع اهتماماته - عن الاختلاف في الوضوء؟! ذلك الفرض الذي تتوقف عليه كثير من العبادات من صلاة وحج! بناء على ما تقدم، نستبعد حصول اتجاه وضوئي مخالف لسنة رسول الله (ص) وفعله، إذ لو كان لتناقلته الكتب، فعدم توجه الخليفة إلى هذه المسألة المهمة الحساسة، دليل على استقرار المسلمين على وضوء رسول الله (ص).

[ 40 ]

عهد عثمان بن عفان (23 - 35 ه‍) كان الخليفة عثمان بن عفان الوحيد بين الخلفاء الثلاث الأوائل قد حكى صفة وضوء رسول الله، وروى لنا وضوءا بيانيا عنه (ص). فقد أخرج البخاري ومسلم بسندهما عن ابن شهاب: ان عطاء بن يزيد الليثي أخبره أن حمران مولى عثمان أخبره، أن عثمان بن عفان (رضي الله عنه) دعا بوضوء - فتوضأ - فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى الى المرافق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى الى الكعبين ثلاث مرات ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله (ص) توضأ نحو وضوئي هذا. ثم قال رسول الله: من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قام فركع ركعتين، لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه (1). نصان أساسيان 1 - أخرج المتقي الهندي، عن أبي مالك الدمشقي، قوله: حدثت أن عثمان بن عفان اختلف في خلافته في الوضوء (2). 2 - أخرج مسلم في صحيحه، عن قتيبة بن سعيد، وأحمد بن عبدة الضبي، قالا: حدثنا عبد العزيز وهو الدراوردي عن زيد بن أسلم، عن حمران مولى عثمان، قال: أتيت عثمان بن عفان بوضوء، فتوضأ ثم قال: إن ناسا


(1) صحيح البخاري 1: 52، صحيح مسلم 1: 204 / 3. (2) كنز العمال 9: 443 / 26890.

[ 41 ]

يتحدثون عن رسول الله (ص) بأحاديث، لا أدري ما هي! ألا إني رأيت رسول الله توضأ مثل وضوئي هذا ثم قال: (من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه (1). حدوث الخلاف في الوضوء يوقفنا هذان النصان على أمور: الأول: ينبئ النص الأول وكذا الثاني عن حدوث اختلاف بين المسلمين في الوضوء وانشقاقهم إلى خطين: 1 - وضوء الخليفة عثمان بن عفان. 2 - وضوء ناس من المسلمين. وكل واحد منهما يكتسب مشروعية عمله بانتساب فعله إلى رسول الله، فهؤلاء الناس كما قال الخليفة يتحدثون عن رسول الله (ص) لقوله (ان ناسا يتحدثون عن رسول الله بأحاديث)، أما الخليفة فنراه يقول: ألا إني رأيت رسول الله توضأ مثل وضوئي هذا!! الثاني: يؤكد النص الأول على أن الخلاف في الوضوء قد حدث في عهد الخليفة عثمان، لقول أبي مالك (حدثت أن عثمان بن عفان اختلف في خلافته في الوضوء)، وأن ذلك يتضمن الأشارة إلى عدم وجود الاختلاف قبل عهده ويقوي ما سقناه سابقا، وستقف لاحقا على أن الخليفة قد توضأ وضوء الناس شطرا من خلافته كما نقل عنه في الصلاة بمنى وأنه أتم الصلاة فيها بعد أن كان قد قصر فيها شطرا من خلافته وكذا في الأذان الثالث يوم الجمعة، وتقديم الخطبة على الصلاة يوم العيدين.. وغيرها.


(3) صحيح مسلم 1: 207 / 8، كنز العمال 9: 423 / 26797.

[ 42 ]

الثالث: إن عبارة الخليفة (إن ناسا يتحدثون) تؤكد مشروعية فعل هؤلاء الناس باعتباره مرويا عن رسول الله (ص)، ولم يكذب الخليفة روايتهم لصفة وضوء رسول الله، وبذلك يكون وضوؤهم هو وضوء رسول الله، حيث لا يعقل أن يتحدثوا بشئ ولا يفعلونه، وخصوصا أنهم في خلاف مع خليفة المسلمين فيه، أما (الناس) فكانوا لا يقبلون بوضوء الخليفة ولا يعتبرون ذلك هو وضوء رسول الله!! الرابع: إن جملة (إن ناسا) أو (لا أدري ما هي) ظاهرة في استنقاص الخليفة ل‍ (الناس) وأنهم صحابة مجهولون.. فهل حقا كانوا كذلك؟ أم أن الخليفة قال بمثل هذا لمعارضتهم إياه، وأن طبيعة المعارضة تستوجب الاستنقاص؟! كانت هذه بعض النقاط.. ولنواصل الحديث بطرح تساؤلات أخرى: لماذا وقع الاختلاف في هذا العهد مع عدم ملاحظته - بصورة واضحة - في زمن الشيخين؟ ولماذا نرى الصحابة ينسبون إلى عثمان البدعة والأحداث - كما ستقف عليه لاحقا (1) في حين لم ينسبوا ذلك إلى أبي بكر وعمر؟ فلو قلنا بأن الخليفة هو المبدع لهذا الوضوء الجديد، فما هو السبب والداعي لسلوكه هذا السلوك، مع علمه بأن ذلك يسبب معارضة الصحابة له؟ وهل الوضوء من الأمور المالية أو السياسية أو الحكومية.. حتى يمكن التعامل معها وفق مصلحة الحكم والبلاد؟ أم كيف يمكن لهؤلاء (الناس) الاجتراء والتعدي على شعور المسلمن وإحداث وضوء يخالف وضوء الخليفة وما عمله المسلمون مدة من الزمن؟ وإذا كانوا هم البادئين بشق الصف الأسلامي، أيعقل أن تتجاهلهم كتب السير والتاريخ ولم تنوه بأسمائهم؟


(1) أنظر الصفحة 84 من هذا الكتاب.

[ 43 ]

ولم لا نرى مواجهة من كبار الصحابة لهم، وظهور وضوءات بيانية منهم لأفشال ذلك الخط المبتدع الجديد؟ ولماذا نرى الخليفة يقول: لا أدري.. وهل أنه لا يدري حقا؟ وكيف لا يدري وهو من المسلمين الأوائل، وخليفتهم القائم؟ وإن كان يدري، فكيف يجوز لنفسه تجاهل أحاديث من يروي ويتحدث عن رسول الله؟ وإن كان الناس قد كذبوا على رسول الله ونسبوا إليه ما لم يصح فلماذا لم يشهر بهم ولم يودعهم السجون؟ هذه التساؤلات مع جملة أخرى، سنجيب عنها في مطاوي البحث إن شاء الله تعالى. لكن اللافت للنظر في هذا المجال أن الخليفة هو الذي تصدى بنفسه لمسألة الوضوء! فما سبب ذلك؟ ولماذا اعتبرت روايته للوضوء هي أكثر وأصح ما يعتمد عليه في حكاية وضوء النبي في أبواب الفقه؟ مع العلم بأن صورة الوضوء لم تنقل عن كبار الصحابة الملازمين للرسول، وهم مئات عددا وكانوا يحيطون به (ص) ويعايشونه، أضف إلى ذلك كون كثير منهم من أهل الفقه، وحملة الاثار، ومن العلماء، المهتمين بدقائق الأمور، وهم الذين نقلوا لنا رأي الأسلام في مختلف مجالات الحياة. فكيف لم تنقل عن أولئك كيفية الوضوء؟ وهل من المعقول أن يسكت المقربون المكثرون عن بيان كيفية الوضوء، إن كان فيها ما يستوجب البيان والتوضيح؟! ولماذا هذا التأكيد من عثمان على الوضوء بالذات؟.. مع كونه يعاني من مشاكل وأزمات حادة في إدارته السياسية، وسياسته المالية، ونهجه الفقهي.. بل حتى في طور تفكيره وسائر شؤونه الأخرى.

[ 44 ]

قد يكون لزاما علينا أن نقول: إن الحالة الطبيعية كانت تقتضي أن تصدر النصوص البيانية الحاكية لوضوء رسول الله (ص) عن صحابة من أمثال: أنس بن مالك، سعد ابن أبي وقاص، عبد الله بن مسعود، عمار بن ياسر، أبي ذر الغفاري، جابر بن عبد الله الأنصاري، طلحة، الزبير، المقداد، عبد الرحمن بن عوف، زوجات النبي، موالي النبي، وغيرهم الكثير من الذين ما انفكوا عن ملازمته (ص).. لا أن يقتصر النقل ويختص بفئة محدودة، كعثمان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والربيع بنت معوذ، و.... فلماذا تصدر عن المقلين في رواية الحديث، لا المكثرين الملازمين للنبي (ص) مع أن طبيعة الأشياء تقتضي الأفاضة في أحاديث الوضوء في روايات المكثرين؟! يبدو أن وراء المسألة أمرا خفيا، خصوصا بعد أن لا نرى للشيخين وضوءا بيانيا في الباب! أو لم يكن الشيخان من كبار أقطاب الرواية وأساطينها، ومن السابقين في الأسلام...؟؟ ثم.. ألم يكونا أفقه من عثمان، وأشمل رؤية، وأضبط رواية منه؟ فإن كان الأمر كذلك.. فكيف يصح منهما أن يتركا موضوعا عباديا في غاية الأهمية، مع ما قيل عن شدتهما في إيصال وتعليم الأحكام الشرعية إلى كل المسلمين؟! وإذا سلمنا أن حروب الردة، وفتح العراق والبحرين وغيرها قد شغلت أبا بكر عن الاهتمام ببعض مسائل الشريعة، فهذا ما لا يمكن التسليم به بالنسبة الى الخليفة الثاني، الذي نقل عنه بأنه كان يحمل درته ويدور في الأسواق والشوارع والأزقة، ليصلح ما قد يرى من فساد اجتماعي، وليعلم الناس ما يفترض أن يتعلموه من أحكام وآداب وسنن، وكان يهتم أيما اهتمام بمسائل الفقه فيحلها، وإذا استعصت عليه بعض المسائل، نراه يجمع كبار الصحابة ويستشيرهم،

[ 45 ]

ويبحث معهم تلك المسألة، ثم يخرج بالنتيجة الفقهية المتوخاة من البحث، فتراه يطرح البحوث العلمية الفقهية على الصحابة ممن عاصروه، أمثال: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، والزبير، وطلحة، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم من كبار الصحابة. فإذا كان ثمة اختلاف أو إبهام في الوضوء في الصدر الأول.. فلم لم تطرق هذه المسألة المهمة مجالس أولئك الصحابة؟! إن هذا ليؤكد بوضوح استقرار المسلمين في الوضوء أثناء تلك المرحلة الزمنية من الأسلام.. بل المسألة كانت من البداهة والشيوع بحيث أصبحت من أوليات الرسالة المحمدية ومسلماتها التي عرفها الجميع بما ينبغي، دون أدنى شك أو ترديد أو التباس. ومن الواضح أن الصحابي الذي لا يعرف الوضوء، أو تراه يسأل عن كيفيته، يعد متهاونا ومتساهلا في الدين، بل ويكشف سؤاله عن التشكيك في صلاته وعباداته، وأنه مدع للصحبة ليس إلا، إذ كيف يعقل أن يصاحب رجل النبي، وهو لا يعرف وضوءه ولا حيثياته ولا أصول دينه وفروعه وآدابه وسننه وواجباته مع كون النبي قد عاش بين ظهرانيهم ثلاثا وعشرين سنة! وإذا قيل لنا: إن فقيها من فقهاء المسلمين في زماننا الحاضر لا يعرف تفاصيل الوضوء، أو أنه يسأل عنها.. فإننا والحال هذه: إما أن لا نصدق ما قيل عنه، أو أن نرميه بالجهل وعدم الفقاهة، على الرغم من بعده عن عصر الرسالة بأربعة عشر قرنا. فكيف يا ترى يمكننا تصور ذلك في صحابي، بل في صحابة قد عاشوا مع النبي وترعرعوا بين يديه ورأوه بأم أعينهم وهو يمارس عباداته وطقوسه التي فرضها الله عليه وعليهم؟! نعم، نحن لا ننكر أن يكون نقل الراوي لصفة وضوء رسول الله، أو سؤاله عن بعض خصوصيات الأحكام جاء لتعليم الاخرين، لكننا نعاود السؤال ونقول: لماذا

[ 46 ]

لا يروي عنه (ص) الأحاديث الوضوئية الصحابة المكثرون؟ ومن هنا - وطبقا لما ذكرناه - نقول قانعين: إن الاختلاف لم يدب بين المسلمين في تلك الحقبة من عصر الأسلام، بل نشأ في عهد الخليفة الثالث، الذي وردت عنه نصوص بيانية - تتجاوز الاحاد - في صفة وضوء النبي (ص). ولو دقق الباحث اللبيب النظر فيها لرآها تتضمن الكثير من الأشارات الدالة على حدوث الاختلاف في زمنه. أضف إلى ذلك أن عثمان كان يستغل كل الفرص المؤاتية ليري الناس وضوءه، ويحاول التأكيد عليه بشتى الأساليب - كما سترى (1) -. والان لنتعرف على البادئ بالخلاف، وهل أن وضوءه هو وضوء رسول الله؟ وكيف بدأ الشق في الصف الأسلامي، ولم؟ من هو البادئ بالخلاف؟ نرجع إلى بعض التساؤلات السابقة لتقريرها فنقول: يفترض مبدئيا كون الميل والانحراف أو الخطأ في التفكير المستتبع للخطأ في السلوك العملي، إنما ينتج عن هفوات وزلات عامة الناس، ويكون دور الحاكم في هذه الحال دور المقوم والمصحح لما يصدر من خطأ أو شذوذ في التفكير أو في المنهج العملي، حيث نرى الأمم في شتى مراحل تطورها تؤمر على نفسها أو يتأمر عليها من يتوخى منه أن يقيم الأود ويشد العمد، ويحافظ على مسار الأمة، ويدافع عن أفكارها وآرائها. لكن الدلائل والمؤشرات في نزاع الوضوء تقودنا إلى غير ذلك، لأن (الناس) المخالفين هذه المرة هم من أعاظم الصحابة وفقهاء الأسلام (2)، وليس فيهم من


(1) في الصفحات 58 - 66 من هذا الكتاب. (2) ستقف على أسمائهم في الصفحات 115 الى 140.

[ 47 ]

هو أقل من الخليفة الثالث من حيث الفقه، والعلم، والحرص على تقويم المجتمع والمحافظة على معالم الدين الأسلامي من أيدي التحريف والتخليط واللبس.. كما أنهم ليسوا من عامة الناس المكثرين من الأغلاط وغير المتفقهين في الدين، وهم ليسوا من متأخري الأسلام من الصحابة الذين لم يعيشوا طويلا مع النبي (ص)، بل العكس هو الصحيح، إذ أنهم على قدر من الجلالة والعظمة، يجلون معها عن أن يحتاجوا إلى من يقومهم ويشرف على ما رأوه ورووه عن النبي (ص).. وسنفصل لك لاحقا أسماءهم وأحوالهم لتطلع عليها. ومن الأمور التي تزيد المدعى وضوحا وتؤكد على أن الخليفة عثمان بن عفان وراء مسألة الوضوء هو الجرد الأحصائي، الذي توصلنا من خلاله إلى أن مرويات الوضوء الثلاثي الغسلي (1) الصحيحة السند، إنما تنحصر في: 1 - عثمان بن عفان. 2 - عبد الله بن عمرو بن العاص. 3 - عبد الله بن زيد بن عاصم. 4 - الربيع بنت معوذ. علما أن المروي عن عبد الله بن زيد بن عاصم هنا يعارض ما أخرجه ابن أبي شيبة عنه، بأن رسول الله مسح رأسه ورجليه مرتين (2). وكذا الحال بالنسبة للربيع بنت معوذ، فإن ابن عباس ناقشها في وضوئها


(1) سيمر بك من الان فصاعدا مصطلحان: الأول: الوضوء الثلاثي الغسلي = وضوء الخليفة عثمان. الثاني: الوضوء الثنائي المسحي = وضوء الناس المخالفين لعثمان. وإنا قد انتزعنا هذين المصطلحين من إشهاد الخليفة للصحابة عليهما، وستقف على تفاصيله في آخر الباب الأول من هذا المدخل. (2) المصنف 1: 18 / 4.

[ 48 ]

الغسلي، وقال: يأبى الناس إلا الغسل، ونجد في كتاب الله إلا المسح (3). بهذا انحصر الوضوء الثلاثي الغسلي في عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمرو بن العاص. هذا بالنسبة إلى الروايات الصحيحة، وثمة روايات ضعيفة سندا ونسبة، يلزم مناقشتها.. منها: ما روي عن علي وابن عباس، فإنها على الرغم من سقوط أسانيدها عن الاعتبار، تتعارض مع ما تواتر عنهما بصحاح المرويات الدالة على تبنيهما الوضوء الثنائي المسحي، والمؤكدة على اعتراضهما على من ينسب الوضوء الثلاثي الغسلي إلى النبي (ص)، كما فعله ابن عباس مع الربيع بنت معوذ، وقد مر قبل قليل. علما بأن أصحاب الاتجاه الوضوئي الجديد ينسبون كل آرائهم في الوضوء إلى علي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، وغيرهم من الصحابة المعارضين!! وسنتعرض لبعض النماذج من ذلك في الصفحات القادمة، إن شاء الله تعالى (1). هذا وقد عد الترمذي أسماء الصحابة الذين رووا عن رسول الله وضوءا بيانيا، في باب [ ما جاء في وضوء النبي كيف كان ] فقال - بعد نقله حديثا عن علي -: وفي الباب عن عثمان، وعبد الله بن زيد، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، والربيع، وعبد الله بن أنيس، وعائشة رضوان الله عليهم (2). وقد عرفت أخي المطالع حال ستة من المذكورين آنفا، فلم يبق من العدد الذي ذكره الترمذي إذن سوى:


(1) كنز العمال 9: 432 / 26837. (2) منها ما جاء في الصفحة 137 من هذا الكتاب. (3) سنن الترمذي 1: 34 ذيل حديث 48.

[ 49 ]

1 - عبد الله بن أنيس. 2 - عائشة. فقد قال المبار كفوري في شرحه على الترمذي، بعد إرجاعه أحاديث الباب إلى مصادرها في الصحاح والسنن: وأما حديث عبد الله بن أنيس، فلينظر من أخرجه، وأما حديث عائشة، فلم أقف عليه (3). وبذلك أمكننا التعرف إجمالا على أحاديث الباب (4) وأنه ينحصر في عثمان بن عفان وعبد الله بن عمرو بن العاص، وستقف على دور عثمان في الوضوء وروايته لها، مع أن المفروض أو المحتمل القريب - كما هو في غالب أحكام الدين - أن يروي الوضوء أصحاب النصيب الأوفر والمكثرون من الرواة والصحابة الأقدمون والمقربون من النبي (ص)، لا أن يختص بعثمان وذلك النفر القليل جدا! نعم.. لو كان البادئ بالخلاف الوضوئي هم الناس من الصحابة لاقتضى السير الطبيعي أن يقف رواة الحديث - من كبار الصحابة وفقهائهم - بوجههم فيروون ما رأوه من النبي (ص) وما سمعوه.. في حين لا نرى من مرويات ذلك الرهط من الصحابة إلا ما تخالف مرويات عثمان أو لا تؤيدها، وهي بمجموعها لا تعادل عشر ما رواه عثمان بمفرده في الوضوء! إذن في الأمر شئ!.. فما عساه أن يكون؟ وهذه قائمة بأسماء الصحابة المكثرين من الرواية، وعدد مروياتهم في الوضوء البياني ووصفهم لصفة وضوء رسول الله (ص):


(1) تحفة الاحوذي لشرح الترمذي 1: 136. (2) ولنا وقفة أخرى في الفصل الأول (الوضوء والسنة النبوية).. نتعرض لكل تلك المرويات سندا ودلالة ونسبة.

[ 50 ]

التسلسل اسم الصحابي مجموع الاحاديث مروياته في الوضوء الملاحظات المروية عنه (ص) البيانى للنبي (ص) 1 - أبو هريرة الدوسي 5374 / (1) 2 - عبد الله بن عمربن الخطاب 2630 / 3 - أنس بن مالك 2286 / 4 - عائشة 1210 / نسبوا لها وضوءا، أنكر المبار كفوري كون المحكي وضوءا بيانيا. 5 - عبد الله بن العباس 1660 - له عدة أحاديث بعضها مسحي، والباقية ضعيفة السند، وملصقة به (2) 6 - أبو سعيد الخدري 1170 / 7 - جابر بن عبد الله الأنصاري 1540 / 8 - عبد الله بن مسعود 848 / 9 - عبد الله بن عمرو بن العاص 1700 10 - علي بن أبي طالب 537 - له عدة أحاديث في الوضوء، الصحاح منها مسحية ثنائية الغسلات، والبواقي منسوبة إليه ضعيفة السند (1). 11 - عمر بن الخطاب 527 / 12 - أم سلمة أم المؤمنين 378 / 13 - أبو موسى الأشعري 360 / 14 - البراء بن عازب 305 / 15 - أبو ذر الغفاري 281 /


(1) تشير العلامة (/) إلى معنى: لا يوجد. (2) ندرسها في الفصل الأول من هذه الدراسة (الوضوء والسنة النبوية) إن شاء الله تعالى. (3) سنبحث عنها في الفصل الأول أيضا.

[ 51 ]

التسلسل اسم الصحابي مجموع الاحاديث مروياته في الوضوء الملاحظات المروية عنه (ص) البيانى للنبي (ص) 17 - أبو أمامة الباهلي 250 / 18 - حذيفة بن اليمان 200 / 19 - سهل بن سعد 188 / 20 - عبادة بن الصامت 181 / 21 - عمران بن الحصين 180 / 22 - أبو الدرداء 179 / 23 - أبو قتادة 170 / 24 - بريدة الأسلمي 167 / 25 - أبي بن كعب 164 / 26 - معاوية بن أبي سفيان 163 / 27 - معاذ بن جبل 155 / 28 - عثمان بن عفان 146 - له أكثر من عشرين حديثا في الوضوء. 29 - جابر بن سمرة الأنصاري 146 / 30 - (1) أبو بكر 142 / الملاحظ في الجدول الأحصائي المذكور أن أحدا من المكثرين من الصحابة، والخلفاء الثلاثة - أبي بكر وعمر وعلي - وأمهات المؤمنين، وموالى النبي.. لم يرو في الوضوء البياني، إلا علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس.


(1) التسلسل المذكور، عن كتاب: أسماء الصحابة الرواة وما لكل واحد منهم من العدد، لابن حزم الأندلسي، أما مروياتهم في الوضوء البياني فتابع لجردنا.

[ 52 ]

وأما عثمان صاحب ال‍ [ 146 ] حديثا، فيتصدر ب‍ (أكثر من عشرين رواية) (1) في الوضوء البياني! نعم.. يتصدر القائمة بتلك النسبة الهائلة، مع قلة مروياته بالنسبة لكبار الصحابة وفقهائهم، الذين خالفوه في اتجاهه، وبذلك يرجح أن يكون عثمان هو المتبني والمروج لفكرة الوضوء الثلاثي الغسلي دون بقية الصحابة والفقهاء. ومما يزيد المرء حيرة ودهشة هو زيادة روايات عثمان في الوضوء البياني حتى على أبي هريرة صاحب الرقم الأعلى في المرويات [ 5374 ] (2)، والمعروف بأنه لم يترك شاردة ولا واردة - صغيرة كانت أم كبيرة - إلا ورواها عن النبي الأكرم (ص)، وزاد على ابن عمر، صاحب ل‍ [ 2630 ] رواية، وجابر بن عبد الله الأنصاري، صاحب ل‍ [ 1540 ] رواية، وعائشة، صاحبة ل‍ [ 1210 ] رواية، وأنس، صاحب ل‍ [ 2286 ] رواية، وأبي سعيد الخدري، صاحب ل‍ [ 1170 ] رواية، وعبد الله بن مسعود، صاحب ل‍ [ 848 ] رواية، وعمر بن الخطاب، صاحب ل‍ [ 527 ] رواية... الخ! ولا نفهم من هذه الظاهرة إلا التأكيد لما قلناه، المتلخص في: تأسيس عثمان لاتجاه وضوئي ما كان متعارفا عليه قبله، وصار من بعد ذلك مدرسة وضوئية مستقلة تخالف ما كانت عليه سيرة المسلمين باتباعهم وضوء النبي (ص). وقد حاول الأمام علي أثناء خلافته بكل ما يمكن بيان الوضوء الصحيح رواية، وعملا، وكتابة إلى عماله في الأمصار (3)، لكنه - مع كل ذلك - لم يصل في رواياته الوضوئية لذلك العدد الذي اختص به عثمان دون غيره! نرجع قليلا.. فنقول: لو أن (الناس) كانوا هم البادئين بالخلاف، لاندفع


(1) سنفصل ذلك في الفصل الأول من هذه الدراسة. (2) سنذكر حديثه في مبلغ حلية المؤمن وكيفية وضوئه في الفصل الثاني من هذه الدراسة (الوضوء في الكتاب واللغة). (3) بحثنا هذه الأمور في الصفحات 143 الى 165 من هذا الكتاب.

[ 53 ]

الرواة المكثرون - بدافع الحرص على الدين - لتبيان وضوء النبي، كما فعلوا ذلك من قبل مع مانعي الزكاة.. ولأسقطوا به التكليف عن الخليفة في مواجهتهم. فقد وردت روايات كثيرة عن كبار الصحابة في ذكر عقوبة مانع الزكاة وحرمة منعه، منهم: علي بن أبي طالب، أبو هريرة الدوسي، عبد الله بن مسعود، جابر بن عبد الله الأنصاري، أبو ذر الغفاري، أنس بن مالك، وغيرهم من مشاهير الصحابة.. وهي الحالة الطبيعية المتبعة في جميع الديانات والمذاهب على مر العصور، وسارت عليها سيرة المسلمين في شتى مجالات الدين، وبالخصوص في أبواب الفقه ومسائله الشرعية، فلماذا نجد شذوذا عن هذه القاعدة المتعارف عليها هنا؟.. ألا تجعلنا نتخذ موقف الشك والريبة وعدم الاطمئنان بمرويات الخليفة وأنصاره، وتدعونا بدافع الحرص والأمانة للوصول إلى حقيقة الحال. فنقول: لو كان غيره البادئ بالخلاف، لكان بوسع الخليفة بما له من قوة تشريعية وتنفيذية أن يحسم النزاع بأحد طرق ثلاث: الأولى: استعمال أسلوب الردع الحاسم. فقد ثبت بين المسلمين أن من حق الأمام: ردع المخالفين، وتأديب الخاطئين، وتعزير المنحرفين بما يراه صلاحا في الدنيا والدين. الثانية: طلب النصرة. بأن يستنصر المسلمين استنصارا عاما ليقضي على ما أدخله أولئك في الدين، وإعلان ذلك على منبر النبوة، كما فعل ذلك أبو بكر بأهل الردة ومدعي النبوة، وأن لا يختص بجماعات صغيرة في الاشهاد، أي يلزم على الخليفة الاستفادة من الفهم العرفي العام عند المسلمين لنبذ البدعة. الثالثة: المطالبة بالدليل (المحاجة). بأن يطالب الخليفة (الناس) بأدلتهم، ليبين بذلك زيف ادعائهم، لأنها - على فرض كونها بدعة - سيعوزها الدليل ويقف الجميع على عدم صلتها بالدين وبعدها عن جذور الشريعة، وبذلك سوف يعيا أربابها أمام ما يدعيه المسلمون

[ 54 ]

عامة وستصبح أضحوكة وستمحى، لتظافر السلطة مع عامة الصحابة ضدها. والمثير للدهشة هنا، أن الخليفة الثالث لم يتخذ أية من هذه الأجراءات الثلاثة، بل والأغرب من ذلك.. نراه يلتجئ إلى طريقة معاكسة لما يفترض لعلاج مثل هذه المسألة، فقد تصرف وكأنه متهم مشار إليه، وذلك باتخاذه موقف الدفاع، والتشبث بكل صغيرة وكبيرة لدعم فكرته.. وكأن الوضوء ليس من العبادات الواضحة في الشريعة، كما سترى لاحقا!! نعم، قد اتجه الخليفة إلى الطريقة الأولى، ولكن لا كما تتطلبه مصلحة الدين والملة، بل لتحصين فكرته الخاصة به، فقد كانت القوة طريقته المثلى باطراد لتثبيت أفكاره وإسكات معارضيه طيلة سني حكمه الاثنتي عشرة، لأنه يرى في القوة الأسلوب الأنجح والأكثر ترويضا، ولذا نراه قد استخدمه حتى في أبسط وأقل المسائل أهمية، وسخره بنطاق واسع في قمع معارضيه الفكريين، مع احتمال كونهم أقرب منه إلى الحق، وهو أبعد عنه بمسافات شاسعة! لو قلنا: إن كلا الفكرتين متوازيتان، أو إن فكرة الخليفة هي الأرجح، فأين وجه الصواب باستخدام القوة بذلك النطاق الواسع، مع وجود باب الحوار والنقاش مفتوحا على مصراعيه؟! ونحن لا نريد بهذه العجالة أن نقدم جردا إحصائيا عن سياسة العنف التي اتبعها الخليفة مع الصحابة، بل ننوه إلى بعض المواقف: منها: ما جاء في الكامل وغيره: بأن عثمان لما ولي الخلافة عفى عن عبيدالله بن عمر لقتله الهرمزان، وقد احتج عليه بعض الصحابة ومنهم، زياد بن لبيد البياضي الأنصاري. والأخير أنشد عبيد الله بعض الأبيات، فشكاه إلى عثمان، فدعا عثمان زيادا فنهاه وشذبه (1).


(1) تاريخ الطبري 4: 240، الكامل في التاريخ 3: 76.

[ 55 ]

وجاء في حوادث سنة (26 ه‍) بأن عثمان زاد في المسجد الحرام ووسعه واشترى الزيادة من قوم، وأبى الاخرون.. فهدم عليهم، ووضع الأثمان في بيت المال، فصاحوا بعثمان، فأمر بهم إلى الحبس (1). ولم تقف سياسة العنف عنده بهذا الحد، فقد سير في سنة (33 ه‍) نفرا من أهل الكوفة إلى الشام، وذلك لاعتراضهم على سياسة سعيد بن العاص في تفضيل قريش وجعله السواد بستانا لقريش (2). وسير قبلها أبا ذر إلى الربذة، ومنع ابن مسعود من القراءة، وضرب عمار بن ياسر وداس في بطنه حتى أصابه الفتق (3). وقيل: بأن عثمان - لما بلغه موت أبي ذر - قال: رحمه الله! فقال عمار بن ياسر: نعم، فرحمه الله من كل أنفسنا. فقال عثمان: يا عاض أير أبيه، أتراني ندمت على تسييره؟! وأمر، فدفع في قفاه، وقال: إلحق بمكانه! فلما تهيأ للخروج، جاءت بنو مخزوم إلى علي فسألوه أن يكلم عثمان فيه. فقال له علي: يا عثمان! اتق الله فإنك سيرت رجلا صالحا من المسلمين فهلك في تسييرك، ثم أنت الان تريد أن تنفي نظيره؟! وجرى بينهما كلام... حتى قال عثمان: أنت أحق بالنفي منه! فقال علي: رم ذلك إن شئت.. واجتمع المهاجرون، فقالوا: إن كنت كلما كلمك رجل سيرته ونفيته! فإن هذا شئ لا يسوغ.. فكف عن عمار (4). نعم، لولا مخالفة الأمام علي والمهاجرين لسياسته الضاغطة، لما كف عن عمار بن ياسر، لأنه قد اتخذ من تلك السياسة طريقا لفرض آرائه، فإن كل تلك


(1) تاريخ الطبري 4: 251، الكامل في التاريخ 3: 87، المنتظم 4: 360. (2) تاريخ الطبري 4: 318، الكامل في التاريخ 3: 137، البداية والنهاية 7: 173. (3) أنساب الأشراف 5: 48 - 49، شرح النهج لابن أبي الحديد 3: 47 و 49 و 50. (4) أنساب الأشراف 5: 55.

[ 56 ]

الشدة والصرامة التي مارسها عثمان ضد كبار الصحابة وفقهائهم وعبادهم وزهادهم ومتقيهم، إنما جاءت لكونهم خالفوه في قضية قراءة القرآن - كما لوحظ في قضية ابن مسعود وكسر أضلاعه -، أو في كيفية توزيع الأموال والفئ - كما هو المشاهد مع أبي ذر وغيره -، أو لأن أحدهم خالف فتوى كعب الأحبار الموافقة لرأي الخليفة - كما جاء في رد أبي ذر لكعب وقوله له: يا ابن اليهودية ما أنت وما... (1) -، أو لأن أحدهم لا يرى فضلا لبني العاص، ناهيك عمن ينال منهم أو يروي حديثا ضدهم... وما إلى ذلك الكثير. وبعد هذا.. لا نجد أحدا يشك بسياسة العنف التي مارسها عثمان ضد عظماء الصحابة وفضلائهم دفاعا عن آرائه، فإذ ثبت ذلك.. نتساءل: لماذا لا نرى أية بادرة عنف من الخليفة تجاه مخالفيه في مسألة الوضوء، على الرغم من ادعائه أن وضوءه هو وضوء رسول الله (ص)؟! فلو صح.. للزم أن يكون وضوء المسلمين هو وضوء الخليفة، وبذلك لاندحر الناس بوضوئهم، ولكفى المسلمون الخليفة مؤنة الصراع معهم، ولما تكلف ما تكلف. ويزيد الاستنتاج وضوحا ما نقل عن الخليفة من مراقبته لجزئيات الوضع - فضلا عن كلياته - ومعاقبة الظالمين والمنحرفين.. ومن ذلك، أنه: كان أول منكر ظهر بالمدينة حين غصت الدنيا بطيران الحمام والرمي على الجلاهقات - وهي قوس البندق - واستعمل عليها عثمان رجلا من بني ليث سنة ثمان من خلافته، فقص الطيور وكسر الجلاهقات (2). وذات مرة.. استخف رجل بالعباس بن عبد المطلب، فضربه عثمان،


(1) انظر: تاريخ الطبري 4: 284، الكامل في التاريخ 3: 115، وشرح النهج لابن أبي ا لحديد 3: 54. (2) تاريخ الطبري 4: 398، الكامل في التاريخ 3: 181، البداية والنهاية 7: 224، المنتظم 4: 338.

[ 57 ]

فاستحسن منه ذلك، فقال: أيفخم رسول الله (ص) عمه وأرخص في الاستخفاف به! لقد خالف رسول الله (ص) من فعل ذلك ورضي به (1). فكيف بنا نوفق بين غيرة الخليفة على الدين، وشدة محافظته على احترام عم النبي (ص) - لأنه رأى النبي (ص) يعظمه ويفخمه - التي جعلته يحكم بأن الفاعل للاستخفاف، والراضي به، مخالف للرسول (ص).. وبين ما نراه يفعل بالوضوء؟! فكيف بمن خالف أمرا دأب عليه رسول الله (ص) ثلاثا وعشرين سنة من عمره الشريف، وأكد عليه مرارا وتكرارا، وبلغ عن ربه أنه نصف الأيمان، وأن الصلاة موقوفة عليه؟ مع ضخامة المخالفة، فالخليفة الثالث لم يتخذ أي إجراء حاسم ضد من توضأ بخلاف ما هو عليه، على الرغم من أن هذه المعارضة الوضوئية كانت حديثا شائعا قد اندلعت ضده، لقوله (ان ناسا يتحدثون... (2)! نعم، أنه لم يتخذ نفس الموقف الذي اتخذه الخليفة الأول في تحشيد المسلمين ضد مانعي الزكاة، ثم مقاتلتهم بلا هوادة، حتى نسبوا إلى الارتداد والخروج عن الدين.. فعادوا صاغرين لأداء الزكاة - رغبة أو رهبة - وتسليمها للخليفة الأول، وذلك بعد أن أفهم أبو بكر المسلمين رأيه في ذلك، وقف الكثير منهم إلى جانبه، على الرغم ما لبعضهم ك‍ [ مالك بن نويرة ] من إذن من النبي (ص) في أخذ الزكاة والصدقات وتوزيعها على محتاجي قومه ومعوزيهم. وإذا توغلنا في التاريخ بعين فاحصة فسنجد حتى خاصة عثمان ومؤيديه في حكومته، كزيد بن ثابت، لم يتجرؤوا أن ينقلوا وضوءات تشبه وضوء خليفتهم!


(1) تاريخ الطبري 4: 400، الكامل في التاريخ 3: 182. (2) وبهذا نعرف أن الخليفة لم يستنصر المسلمين استنصارا عاما - كما هو المتوقع - بل استنصر أفرادا واختص بهم، شأن من يبذر فكرة جديدة ويريد الاستنصار له، فالاشهاد هنا يختلف عن الاشهاد في الملأ العام، وأن الاستنصار الجزئي يختلف عن الاستنصار العام الشامل!!

[ 58 ]

بل ولم ينقل عنهم أي رد فعل تجاه مدرسة الناس الاخرين في الوضوء النبوي... وبقي عثمان - مع نفر يسير - يؤكد ما رآه من وضوء، ونسبه عنوة لرسول الله (ص)، وراح يضفي على اتجاهه الوضوئي العناية والاهتمام، بعد أن تمكن من تسخير هذه المجموعة الضئيلة لمصلحته، وأنها قد لا تكون في حساب الحقيقة والتأثير أي شئ في قبال ذلك المد العارم الذي وقف بوجهه متحديا وطالبا بكل قوة وأمانة رجوعه إلى الكتاب والسنة... ومع ذلك كله لم يقو عثمان على محاججة ولو شخص واحد من أتباع المدرسة الأخرى، ليفند رؤيته الوضوئية على ملأ من المسلمين، بل ولم يقو على التصريح باسم واحد منهم ليجعله محط ردود فعل المسلمين تجاه ما سيرويه عن النبي الأكرم (ص)!! بعض أساليب عثمان في الأعلان عن الوضوء الجديد: عن أبي علقمة، عن عثمان بن عفان أنه دعا يوما بوضوء، ثم دعا ناسا من أصحاب رسول الله (ص)، فأفرغ بيده اليمنى على يده اليسرى وغسلها ثلاثا، ثم مضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه ثلاثا إلى المرفقين، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه فأنقاهما، ثم قال: رأيت رسول الله (ص) يتوضأ مثل هذا الوضوء الذي رأيتموني توضأته، ثم قال: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين، كان من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ثم قال: أكذلك يا فلان؟ قال: نعم. ثم قال: أكذلك يا فلان؟ قال: نعم. حتى استشهد ناسا من أصحاب رسول الله (ص)، ثم قال: الحمد لله الذي

[ 59 ]

وافقتموني على هذا (1). يوقفنا هذا النص على بعض الأساليب التي اتبعها عثمان في ترسيخ اتجاهه الوضوئي وهو: دعوته لبعض من الصحابة في فترات متعاقبة ليريهم وضوءه! وهنا.. نتساءل: هل الصحابة في حاجة لرؤية وضوء الخليفة، أم أن الغاية من إشهادهم على الوضوء تتعلق بإسكات أفواه المعارضة؟ كيف يمكن لنا أن نتصور صحابيا لا يعرف وضوء النبي (ص) بعد مضي ما يقارب نصف قرن من ظهور الأسلام؟! وإذا فرضنا حصول ذلك، فهل يجوز لنا أن نسميه صحابيا؟ ثم.. لماذا ذلك السعي الحثيث من قبل عثمان لتعليم المسلمين وضوءه؟ ولماذا لم يفعل ذلك كل من الخليفتين أبي بكر وعمر.. ألم يكونا أولى منه بتعليم الوضوء، إن كان ضروريا؟ نستفيد من النص المذكور أمرين آخرين: الأول: قوة معارضي عثمان، وسعي الخليفة في الاستنصار ببعض أصحابه وحاصته لتأييده فيما يرويه ويحكيه عن رسول الله (ص). الثاني: ضعف موقف الخليفة وعجزه أمام (الناس!..) ويستشف ذلك من نقطتين: الأولى: اتخاذه سياسة الدفاع، لا الهجوم كما هو المشاهد في حديث حمران السابق، بقوله: (لا أدري ما هي؟! إلا إني رأيت رسول الله يتوضأ نحو وضوئي)، وما رواه أبو علقمة: (دعا ناسا من أصحاب رسول الله)، وقوله: (الحمد لله الذي وافقتموني على هذا)، وغيرها من النصوص الدالة على الضعف - مما ستقف عليه لاحقا - بالأضافة إلى تجنيده مواليه - كحمران وابن دارة - لنقل أخبار وضوئه للناس والتأكيد على أن ذلك هو وضوء رسول الله،


(1) كنز العمال 9: 441 / 26883، عن الدارقطني 1: 85 / 9.

[ 60 ]

محاولا بذلك إقناع الناس، فقد روى البيهقي: عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم: ان ابن دارة سمع مضمضته، فدعاه ليعلمه بوضوء الخليفة، وقوله: إنه وضوء رسول الله (1). وأخرج الدارقطني بسنده إلى محمد بن أبي عبد الله بن أبي مريم، عن ابن دارة، قال: دخلت عليه - يعني عثمان - منزله فسمعني وأنا أتمضمض، فقال: يا محمد! قلت: لبيك. قال: ألا أحدثك عن رسول الله (ص)؟ قلت: بلى. قال: رأيت رسول الله أتي بماء وهو عند المقاعد (2) فمضمض ثلاثا، ونثر ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وذراعيه ثلاثا ثلاثا، ومسح راسه ثلاثا، وغسل قدميه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: هكذا وضوء رسول الله (ص) أحببت أن أريكموه! (3) وفي حديث آخر عن عمر بن عبد الرحمن قال: حدثني جدي: ان عثمان بن عفان خرج في نفر من أصحابه حتى جلس على المقاعد، فدعا بوضوء، فغسل يديه ثلاثا، وتمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا وذراعيه ثلاثا، ومسح برأسه واحدة، وغسل رجليه ثلاثا، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله توضأ، كنت على وضوء ولكن أحببت أن أريكم كيف توضأ النبي (ص) (4) هذا وقد نقلت المعاجم والصحاح أحاديث أخرى عن جلوس الخليفة عند


(1) سنن البيهقي 1: 62 - 63. (2) جاء في هامش صحيح مسلم 1: 270 المقاعد: قيل هي دكاكين عثمان. وقيل: درج، وقيل: موضع بقرب المسجد اتخذه للقعود فيه لقضاء حوائج الناس والوضوء ونحو ذلك. (3) سنن الدارقطني 1: 91 / 4. (4) سنن الدارقطني 1: 93 / 8.

[ 61 ]

المقاعد (1) وباب الدرب لتعليم المسلمين وضوء رسول الله! الثانية: عدم جرأة الخليفة على طعن الناس بالكذب أو البدعة أو الأحداث، بل اكتفى بقول: (لا أدري)، لعلمه بأن وضوء أولئك هو وضوء رسول الله وأن في تحدثهم عنه (ص) دلالة واضحة على مشروعية فعلهم، وأنه هو ذات العمل الذي كان في عهد النبي (ص). ولو كان عثمان يملك دليلا واحدا - وإن كان ضعيفا - لما توانى عن طعنهم وردهم بأقسى رد، ولما اضطر لقول (لا أدري) وهو في حال صراع دائم معهم! أليس من الغريب أن يقول (لا أدري) وهو الذي عاش مع النبي (ص) مدة طويلة في المدينة؟ وعليه.. يلزم اعتبار تجاهل الخليفة دليل ضعفه في قبال قوة معارضه!! فاتضح مما سبق أن الخليفة عثمان بن عفان لم ينتهج منطق القوة والعنف - الذي مارسه ضد معارضيه عموما تجاه معارضيه في مسألة الوضوء، وإنما نراه في منتهى الليونة والوداعة معهم، مع كونهم من ألد خصومه، وبيدهم ما يمكن إثارة الرأي العام ضده، فنراه يطير فرحا ويحمد الله إذا ما وافقه أحد الصحابة على وضوئه، وحسبما نقلنا في صدر هذه الدراسة بأنه توضأ وذيل وضوءه بقول النبي (ص): (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين، كان من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، ثم قال: أكذلك يا فلان؟ قال: نعم. ثم قال: أكذلك يا فلان؟ قا ل: نعم.... حتى استشهد ناسا من أصحاب رسول الله (ص)، ثم قال: الحمد لله الذي وافقتموني على هذا (2). وقد كان ديدن الخليفة دائما تذييل ما يحكيه من صفة وضوء رسول الله (ص)! وتثير هذه الظاهرة روح التحقيق عند الباحث.. إذ لماذا كل هذا التأكيد؟


(1) منها ما في سنن الدارقطني 1: 85 / 10، وسنن البيهقي 1: 62. (2) كنز العمال 9: 441 / 26883، سنن الدار قطني 1: 85 / 9.

[ 62 ]

ولماذا لم نلاحظ هذا التذييل في المرويا الصحابة في الوضوء؟ فما سر ذلك الاختصاص به دون غيره يا ترى؟ أما مطالبته أرباب المدرسة المخالفة له بأدلتها - وهي الطريقة الثالثة للردع والرد - فقد تغاضى عنها وأحجم، لعلمه أنهم يمثلون تيارا فكريا قويا وكبيرا نوعا وكما من جهة، وأن لا طاقة له على محاججتهم من جهة أخرى.. فأعلام المدرسة المخالفة للخليفة على منزلة من الصحبة والسابقة والقدم والتفقه، وقد رأوا بأم أعينهم كيفية وضوء رسول الله (ص) منذ بداية التشريع حتى انتقاله (ص) الى بارئه عز وجل، ونقلوا ذلك للمسلمين، وداوموا على فعله على الرغم من مخالفة الخليفة لذلك. والأكثر غرابة.. أن الخليفة لم يقدم أدلته وبراهينه للمسلمين على صحة وضوئه وسلامة فهمه، بل اكتفى في نقله لوضوء رسول الله (ص)، ولجأ إلى عملية إشهاد من يوافقه على صحة نقله! وقد يحتمل أن يكون ألزم معارضيه بالشهادة على ذلك قسرا! كل ذلك ينبئ عن كون الخليفة في موقف المفكر الطارح لفكرة يعارضه عليها جمع غفير.. فهو يشهد ويدلل، ويعضد وضوءه بمرويات متسالم عليها بين المسلمين، في محاولة منه لنقلهم من شئ معلوم إلى إثبات مجهول. فعن حمران، قال: أتيت عثمان بوضوء، فتوضأ للصلاة، ثم قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: من توضأ فأحسن الطهور، كفر عنه ما تقدم من ذنبه، ثم التفت إلى أصحابه فقال: يا فلان! أسمعتها من رسول الله؟.. حتى أنشد ثلاثة من أصحابه، فكلهم يقول: سمعناه ووعيناه (1). وعن عمرو بن ميمون، قال: سمعت عثمان... يقول: قال رسول الله: من


(1) كنز العمال 9: 424 / 26800.

[ 63 ]

توضأ كما أمر، وصلى كما أمر، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.. ثم استشهد رهطا من أصحاب النبي، يقول: هذا؟ قالوا: نعم (1). ويقعد عثمان في المقاعد (2) ويتوضأ ويذيل وضوءه بأحاديث عن إسباغ الوضوء وإحسانه، ويكرر ذات الفعل في باب الدرب، ويشهد على ذلك من يرى رأيه وفقهه، وبذلك ليقنع المشاهد بأن وضوءه هو الأحسان أو الأسباغ الذي أمر به الرسول (ص). وإنما تدل تلكم المؤشرات على أن عثمان بن عفان هو المخترع للفهم الجديد والاستحسان الفريد، وأن الأدلة الشرعية التي طرقت فهمه وجعلته يعطي للوضوء أبعادا جديدة ما كانت في ذهن المسلمين من قبل! وراحت فكرة عثمان وأطروحته الوضوئية تتحرك بين أوساط المسلمين، فلاقت قبولا من البعض وذلك لما فيها من ظاهر (النظافة) ومن مبالغة في (القدسية) ومن عناية زائدة في الوضوء وغسلاته ومسحاته! ولا يكشف ستار السر عن سبب ضحك الخليفة الثالث وتبسمه قبل وبعد وضوءاته الثلاثية المسبغة غاية الأسباغ، ولا في استدعائه الحاضرين ليسألوه عن سبب ضحكه، والحال أنهم لا يرون له مبررا لا من قريب ولا من بعيد.. نعم، لا يكشف الستار إلا إذا فهمنا أن الخليفة الثالث كان يريد استغلال الفرص ليلفت أنظار الحاضرين إلى وضوئه، حتى يسألوه عن مدى صحة ما يرتأيه في ذلك.. ومن ثم يأتي دور إجاباته التي يروم بها كسب أكبر عدد ممكن من المؤيدين لمدرسته الوضوئية. فعن حمران، قال: دعا عثمان بماء فتوضأ، ثم ضحك.. فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟


(1) كنز العمال 9: 424 / 26802. (2) انظر كنز العمال 9: 442 / 26885، 26887.

[ 64 ]

قالوا: يا أمير المؤمنين، ما أضحكك؟! قال: رأيت رسول الله توضأ كما توضأت، فمضمض، واستنشق، وغسل وجهه ثلاثا، ويديه ثلاثا، ومسح برأسه وطهر قدميه (1). وعن حمران، قال: كنت عند عثمان، فدعا بوضوء فتوضأ، فلما فرغ قال: توضأ رسول الله (ص) كما توضأت، ثم تبسم، وقال: أتدرون مم ضحكت؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: إن العبد المسلم إذا توضأ فأتم وضوءه، ثم دخل في صلاته فأتم صلاته خرج من الذنوب كما خرج من بطن أمه (2). وعن حمران، قال: رأيت عثمان دعا بماء، فغسل كفيه ثلاثا، ومضمض، واستنشق، وغسل وجهه ثلاثا وذراعيه ثلاثا، ومسح برأسه وظهر قدميه، ثم ضحك. فقال: ألا تسألوني ما أضحكني؟ قلنا: ما أضحكك يا أمير المؤمنين؟! قال: أضحكني، أن العبد إذا غسل وجهه حط الله عنه بكل خطيئة أصابها بوجهه، فإذا غسل ذراعيه كان كذلك، وإذا مسح رأسه كان كذلك، وإذا طهر قدميه كان كذلك (3). تدل هذه النصوص على أن الخليفة ولحد صدور هذه الأخبار عنه أنه كان يمسح برأسه وظهر قدميه، وسنعضد هذا المدعى بروايات أخرى لاحقا إن شاء الله تعالى. أما موضوع تبسم الخليفة وضحكه فهو لا ينبئ فيما ترى عن فرحه بما


(1) كنز العمال 9: 436 / 26863. (2) كنز العمال 9: 439 / 26872 (كر). (3) كنز العمال 9: 442 / 26886 (حم والبزاز حل ع وصحح).

[ 65 ]

للوضوء من أجر عند الله - كما ادعاه ويفهم من سياق الحديث وقول الخليفة - بل ان في كلامه إشارة إلى أمر خفي أراد أن يختبر به أولئك الصحابة، وذلك بإحداثه بعض الشئ في الوضوء.. فرأى منهم السكوت! وسؤاله يحمل عامل إثارة.. فما هو ذلك؟ ربما تكون النصوص السابقة، وما جاء في صدر الدراسة (إن ناسا) هي المنعطف في تاريخ الوضوء، وبمثابة المقدمة للأحداث الكلي فيه، فالخليفة أراد أن يختبر أثر ما رآه ورواه عن رسول الله، باختراعه الغسلة الثالثة في غسل الأعضاء وجعلها جزءا من وضوء رسول الله لما في ذلك من تعمق وزيادة في الوضوء. نعم، أراد أن يتعرف على تأثير هذا الأحداث ومدى تقبل الصحابة له، فهل سيواجه بانتقادهم له أم لا؟؟ وإذا ما كانت الأمور مهيأة له فسيلحقه بغسل الأرجل وغيرها!! ان المطالع في مصنف ابن أبي شيبة - السالف الذكر - يتأكد بأن ضحك الخليفة لم يكن لأجل ما للمؤمن من أجر، إذ ما جاء فيها لم يذيل بذلك... ولذا، فلا يمكننا الحكم جزما بأن سبب ضحك الخليفة هو من حط الذنوب عن المتوضئ وذلك لما عرفنا من ملابسات الأمور!! ولا ندري ما هو جواب عثمان فيما لو سئل عن سبب وسر ضحكه، وعن علاقة الربط فيما بين الضحك والوضوء؟! ثم لماذا لا يذيل باقي الصحابة الناقلين لصفة وضوء رسول الله رواياتهم بألفاظ (الأسباغ) و (الأحسان) و...؟ ولماذا لا نراهم يشهدون أحدا على وضوءاتهم؟! وكيف بهم لا يتبسمون - ناهيك عن الضحك - قبل وبعد الوضوء؟! ولم يختص عثمان بنقل ضحك رسول الله دون غيره في أحاديث الوضوء؟ هذا وقد أورد أحمد في مسنده - وكما قلنا - روايتين عن عثمان، نسب

[ 66 ]

عثمان فيهما ضحكه إلى أنه قد رأى النبي (ص) ضحك بعد وضوئه وقال لأصحابه: (ألا تسألوني ما أضحكني) مبررا بذلك ضحكه ودافعا لكل إيهام قد يرد في ذهن السامع، وانا نعلم بأن نقل عبارة (إن العبد إذا دعا بوضوء فغسل وجهه حط الله عنه كل خطيئة أصابها، فإذا غسل ذراعيه كان كذلك، وإن مسح برأسه كان كذلك، وإذا طهر قدميه كان كذلك)... لا يستوجب الضحك، وأن تعليل ضحك الخليفة رأى النبي (ص) قد ضحك في البقعة التي توضأ فيها، مبالغة في التأكيد على شرعية الغسل الثلاثي وتبريرا لضحكاته وتبسماته وتذييلاته اللاتي تنبئ المشاهد الذكي بأنه بصدد إحداث شئ في الوضوء وجر الأنظار إلى فكرته الوضوئية. وهناك نقطة أخرى ينبغي الأشارة إليها، وهي اختصاص أغلب الروايات المنقولة عن الخليفة - والصحاح منها بطبيعة الحال - بحمران بن أبان، كما لم يكن الناقلون عن حمران من المحدثين الكبار، ولم تنقل عنهم بطرق متعددة وأسانيد قوية معتمدة، كما هو الشأن في غالب الضروريات الدينية المنقولة عن الخلفاء وكبار الصحابة والتابعين، وهذا إنما يؤكد ويدعم الرأي الذاهب إلى أن عثمان هو المؤسس لفكرة الوضوء الجديدة، وأن الملتفين حوله من متأخري الصحبة وصغارهم، ممن لا حول لهم ولا قوة، كحمران وابن دارة و...، قد أخذوا على عاتقهم التزام الفكرة ومحاولة بثها بين صفوف المحدثين، بإخبارهم هذا وذاك بما شاهدوا عن عثمان، ونقلهم لصفة وضوء رسول الله! فقد ثبت ولحد الان: ان عثمان بن عفان هو صاحب المدرسة الوضوئية الجديدة، وأن (الناس) لم يكونوا البادئين بالخلاف، وإنما كانوا يظهرون غير ما يريده الخليفة، فاندفع الخليفة بكل قواه الفكرية والدعائية لكسب قاعدة تؤيده فيما رآه أو سمعه عن رسول الله!!

[ 67 ]

ما هو السر؟ بقي شئ، وهو: ما السر في تخصيص عثمان حمران بقوله: (إن ناسا يتحدثون..) في حين لا نرى الأخير يشكك أو يسأل الخليفة عن مشروعية الوضوء الجديد، أو نراه يطرح أو يستنصر لوضوء الناس، وهم الخط المخالف للخليفة في الوضوء! بل كل ما في الأمر ان حمران أتى بماء لعثمان، فتوضأ ثم قال (ان ناسا يتحدثون...) فما هو السبب في إثارة الخليفة هذا الخبر دون سابق إنذار؟! توصلنا من خلال البحوث السابقة إلى أن الخليفة عثمان كان يمسح على رجليه، وقد مر عليك بعض النصوص الدالة على ذلك مما هو مذكور في الصحاح والمسانيد، وأغلبها عن طريق حمران، وقلنا بأن الخليفة أراد بضحكه أن يتعرف على موقف الصحابة في غسله للأعضاء وهل انهم سيعارضون أم لا؟ ودللنا كذلك بأنه كان يشهد الصحابة على وضوئه ويذيل أحاديثه بما سمعه أو رآه من رسول الله.. وغيرها، وأن هذه المواقف كغيرها كانت تؤذي بعض الصحابة، لانهم ما كانوا قد رأوا ولا سمعوا بذلك من رسول الله، مواقف الصحابة في اتمام الخليفة الصلاة بمنى وغيرها. فالمسلمون قد اضطروا لموافقة الخليفة في تلك المواقف إما خوفا أو حفاظا على وحدة الصف الأسلامي، وحتى أن الناس قد طلبوا من علي بن أبي طالب أن يكلم الخليفة في احداثاته المتكررة والكثيرة، فدخل عليه وقال له: (إن الناس ورائي، وقد استسفروني بينك وبينهم، ووالله ما أدري ما أقول لك؟ ما أعرف شيئا تجهله، ولا أدلك على شئ تعرفه. إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شئ فنخبرك عنه، ولا خلونا بشئ فنبلغكه، وقد رأيت كما رأينا،

[ 68 ]

وسمعت كما سمعنا، وصحبت رسول الله كما صحبنا، وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب أولى بعمل الحق منك، وأنت أقرب إلى رسول الله (ص) وشيجة رحم منهما، وقد نلت من صهره ما لم ينالا، فالله الله في نفسك فإنك والله ما تبصر من عمى، ولا تعلم من جهل، وأن الطرق لواضحة، وأن أعلام الدين لقائمة. فاعلم أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هدي وهدى، فأقام سنة معلومة، وأمات بدعة مجهولة، وأن السنن لنيرة لها أعلام، وأن البدع لظاهرة لها أعلام.. وأن شر الناس عند الله إمام جائر ضل وضل به، فأمات سنة مأخوذة، وأحيا بدعة متروكة، وأني سمعت رسول الله (ص) يقول: يؤتى يوم القيامة بالأمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر، يلقى في نار جهنم فيدور فيها كما تدور الرحى، ثم ترتبط في قعرها (1). وهناك نصوص أخرى تدل على هذه الحقيقة وأن أصحاب رسول الله أقدموا على قتل عثمان ابتغاء لمرضاة الله وجزاء لما أحدثه في الدين، وقد ذكر الطبري كتاب أصحاب رسول الله إلى بعضهم.. أن أقدموا، فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد، كثر الناس على عثمان، ونالوا منه أقبح ما ينال من أحد، وأصحاب رسول الله يرون ويسمعون وليس فيهم أحد ينهي ولا يذب (2). وبهذا يمكننا أن نرجح صدور أخبار المسح الصادرة عن الخليفة في


(1) نهج البلاغة 2: 84 خ 159، البداية والنهاية 7: 175، أنساب الأشراف 5: 60، الكامل في التاريخ 3: 151، المنتظم 5: 45. (2) تاريخ الطبري 4: 336.

[ 69 ]

السنوات الست الأوائل من خلافته والتي لم يذكر فيها شئ عن إحداثه الديني، أما أخبار الغسل فإنها صدرت في الأعوام الستة الأخيرة التي رماه الأصحاب فيها بالأحداث والأبداع، وأنا سنشير لاحقا إلى أسباب تغيير سياسة الخليفة في النصف الثاني من خلافته ودواعي احداثة للوضوء الجديد (1). وعلى ضوء ما تقدم، نحتمل أن يكون الخليفة إنما أراد من توجيه الخطاب إلى حمران أن يدفع الدخل المقدر في ذهنه - حسبما يقوله الأصوليون - أي: يرفع التساؤل الذي من المحتمل أن يطرح في مخيلته ويختمر في ذهنه وهو: كيف يصح للخليفة أن يغسل رجليه اليوم وقد عهدناه حتى الأمس القريب يمسحهما؟!.. فالخليفة أراد أن يدفع الاحتمال المقدر والمكنون في نفس حمران بقوله: (إن ناسا يتحدثون في الوضوء بأحاديث لا أدري ما هي، ألا إني رأيت رسول الله يتوضأ نحو وضوئي هذا) فإن جملة (ألا إني رأيت رسول الله يتوضأ نحو وضوئي هذا) إشارة إلى أنه يطلب أمرا لمشروعية عمله الجديد والذي أقدم عليه خلافا لسيرة الصحابة، وما كان يعمله في السنوات الست الأوائل من خلافته! بعد كل ما تقدم.. يمكننا الجزم بأن منشأ الخلاف ومسوغات استفحاله إنما تعود بالكامل إلى الخليفة الثالث عثمان بن عفان، فهو الذي راح يعرض ويصرح بمخالفيه، وأجهد نفسه في شتى المناسبات لبيان أدلته على صحة وضوئه - بعد نسبته إلى النبي الأكرم (ص) - كقوله: سمعت رسول الله يقول:... أسبغوا الوضوء...، و... أحسنوا الوضوء... وما شابهها من العبارات التي من الممكن تسخيرها في دعم فكرة تكرار الغسل ثلاث مرات، باعتبار أن تكرار الغسل هو غاية الأسباغ ومن إحسان الوضوء، وهكذا الأمر في ابدال مسح الرجلين بغسلهما لأنه يرى أن الوضوء هو النظافة، والأسباغ هو المبالغة في النظافة، وأن غسل


(1) انظر الصفحة 92 من هذا الكتاب.

[ 70 ]

الرجلين يكفي عن المسح، لأنه مسح وزيادة! ومحصلة المقال: إن نزاعا قد وقع بين عثمان والصحابة في قضية الوضوء، وأن الذي وضع لبنة ذلك النزاع هو عثمان نفسه. لم الأحداث في الوضوء؟ والان فلنعاود ما طرحناه سابقا: كيف يتخطى الخليفة سيرة رسول الله ويأتي بوضوء يغاير وضوء المسلمين؟ وما هو السبب الداعي لاتخاذه هذا القرار مع علمه بأن ذلك يسبب معارضة الصحابة له، وربما أدى الى أمور لا تحمد عقباها؟ للأجابة عن هذا السؤال لابد من التمهيد للموضوع بمقدمة وإشارة - ولو إجمالا - الى دواعي اختلاف المسلمين في عهد عثمان وأسباب مقتل الخليفة. فقد أجمع المؤرخون على أن مقتل عثمان جاء لأحداثاته، ثم فسروا تلك الأحداثات بإيثاره لأقربائه وإعطائهم الحكم والمال، وأمور أخر، منها: 1 - إنه أرجع الحكم بن العاص إلى المدينة بعد أن نفاه رسول الله (ص) وممانعة الشيخين عن إرجاعه، وأعطاه مائة ألف درهم. 2 - وكذا الحال بالنسبة الى مروان، فقد أعاده مع والده، وزوجه من ابنته أم أبان، ثم اتخذه وزيرا ومنحه هدايا كثيرة منها خمس إفريقية. 3 - أعطى الحارث بن الحكم (أخا مروان) ثلاثمائة ألف درهم، والمهروز (1). 4 - أعطى عبد الله بن أبي سرح (أخاه من الرضاعة) جميع ما أفاء الله عليه من فتح إفريقية بالمغرب، من طرابلس إلى طنجة، من غير أن يشاركه فيها أحد من المسلمين. 5 - وصل أبا سفيان بمائتي ألف في اليوم الذي أمر فيه لمروان بمائة ألف من


(1) وهو سوق بالمدينة تصدق بها رسول الله.

[ 71 ]

بيت المال. 6 - قسم ما أتى به أبو موسى الأشعري من أموال العراق على أهله وأقاربه من بني أمية. 7 - زوج عبد الله بن خالد بن أسيد من ابنته وأمر له بستمائة ألف درهم، وكتب إلى عبد الله بن عامر أن يدفعها إليه. وغيرها من الهدايا والمنح التي خص بها قومه وأقاربه. ولم ينحصر إيثاره لهم في المال فقط بل منحهم الحكم كذلك: 1 - فقد ولى الوليد بن عقبة (أخاه لأمه) الكوفة، وعزل عنها سعد بن أبي وقاص، وقد اعترض الناس على هذا التنصيب بقولهم: بئسما استقبلنا به ابن عفان، أمن عدله أن ينزع عنا ابن أبي وقاص الهين اللين، القريب، ويبعث بدله أخاه الوليد الأحمق الماجن الفاجر (1)! وقال الاخر: أراد عثمان كرامة أخيه بهوان أمة محمد (2)! 2 - وزاد عبد الله بن أبي سرح (أخاه من الرضاعة) ولاية مصر بعد أن ولاه عمر الصعيد فقط. 3 - وكذا نراه يضيف الشام كلها إلى ملك معاوية، بعد أن كان واليا على دمشق وحدها أيام عمر. 4 - عزل أبا موسى الأشعري عن البصرة، وعثمان بن أبي العاص عن فارس وولى عليهما عبد الله بن عامر (ابن خاله). وغيرها كثير، ولا نريد أن نقدم إحصائية عن إحداثات الخليفة عثمان والتعليق عليها، لأن ذلك يخرجنا عن أصل الدراسة، ولكن أحببنا معرفة حقيقة طالما تسترت عليها صفحات التاريخ، وهي: هل أن الأحداثات المذكورة لعثمان


(1) أنساب الأشراف 5: 30، شرح ابن أبي الحديد 3: 17. (2) أنساب الأشراف 5: 32.

[ 72 ]

في كتب التاريخ هي وحدها كانت السبب في مقتله؟ أم أن هناك عوامل أخرى لم يذكرها المؤرخون؟ قال ابن أبي الحديد في شرحه للنهج، وهو في معرض حديثه عن إحداثات عثمان: إنها وإن كانت إحداثا، إلا أنها لم تبلغ الحد الذي يستباح به دمه، وقد كا ن الواجب عليهم أن يخلعوه من الخلافة، حيث لم يستصلحوه لها، ولا يعجلوا بقتله (1)، فإذا ثبت ذلك، فما هو السبب إذن؟ في الوقت الذي لا ننكر فيه ما للدوافع المالية والسياسية من أثر في توسيع رقعة الخلاف وإثارة الأمة ضد الخليفة، إلا أننا - ومع ذلك - نحتمل وجود سبب آخر - ومن وراء الكواليس - لم يبحثه الباحثون ولم يحققوا فيه. إذ أن سوء سيرة الخليفة المالية - وكما قلنا - لا تستوجب القتل، وقد ثبت عن عثمان أنه كان يغدق الأموال بشكل وفير على الجميع، حتى احتمل البعض بأن لينه، وسماحة طبعه وكرمه هما اللذان أديا إلى مقتله، وأن إغداقه على أعدائه ليس بأقل مما خص به أقرباءه، فقد روي بأن طلحة قد اقترض منه خمسين ألفا، فقال لعثمان ذات يوم: قد تهيأ مالك فارسل من يقبضه، فوهبه له (2). وفي مكان آخر: وصل عثمان طلحة بمائتي ألف، وكثرت مواشيه وعبيده، وقد بلغت غلته من العراق وحدها ألف دينار يوميا. يقول ابن سعد في طبقاته: لما مات طلحة كانت تركته ثلاثين مليونا من الدراهم، وكان النقد منها مليونين ومائتي ألف درهم ومائتي ألف دينار. فمن البعيد أن يكون طلحة - ذلك المنتفع - من المخالفين لسياسة عثمان المالية، فما هو السبب يا ترى؟ هل هو الطمع في الحكم، أم الغيرة على الدين؟


(1) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 1: 199 - 200. (2) تاريخ الطبري 4: 405.

[ 73 ]

أنا لست من أنصار الشق الثاني من السؤال، بل أرى أن الطمع في كرسي الحكم هو وراء موقف طلحة، وهذا ما كانت تتوقعه عائشة كذلك. أما بخصوص عبد الرحمن بن عوف، فقد حاول عثمان استمالته بأن وعده بالحكم، وقد أشار الأمام علي في كلام له مع ابن عوف إلى هذه الحقيقة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى.. فالمعروف عن ابن عوف أنه كان صاحب ثروة هائلة وأموال وفيرة بلغت: ألف بعير، ومائة فرس، وعشرة آلاف شاة، وأرضا كانت تزرع على عشرين ناضحا، وخرجت كل واحدة من الأربع بنصيبها من المال الذي تركه، فكان أربعة وثمانين ألفا (1). أما حال الزبير بن العوام وأمواله.. فقد قال عنه الدكتور طه حسين: والناس يختلفون في مقدار ما قسم على الورثة من تركة الزبير، فالمقلون يقولون: إن الورثة اقتسموا فيما بينهم خمسة وثلاثين مليونا، والمكثرون يقولون: إنهم اقتسموا اثنين وخمسين مليونا، والمعتدلون يقولون: إنهم اقتسموا أربعين مليونا (2). وعليه.. لا يمكن حمل انتقاد ابن عوف لعثمان على طمعه في الحكم والمال، وإن كنا لا نستبعد طمع الشيخين طلحة والزبير في الحكم! فالمال مبذول بما يرضي الكثير، وعثمان هو أول من أقطع الأرضين، فقد أقطع لعبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة، والزبير، وخباب بن الارت، وخارجة، وعدي بن حاتم، وسعيد بن زيد، وخالد بن عرفطة وغيرهم، حتى نقل عن ابن سيرين قوله: لم تكن الدراهم في زمان أرخص منها من زمان


(1) مروج الذهب 2: 333. (2) الفتنة الكبرى 1: 147.

[ 74 ]

عثمان، وإن الجارية كانت تباع بوزنها، وقد بلغ ثمن الفرس خمسين ألفا (1). فلو صح ذلك.. فما دافع المنتفضين يا ترى؟ إن قيل: الطمع في الحكم، فيعقل تصوره في البعض، أما طمع الكل فمحال يقينا، مضافا إلى أن الطامعين يلزم أن يستندوا على أمور لأثارة الرأي العام، فالأحداثات المالية وتقريب بني أعمامه لا توجب الثورة، فما هي الركائز التي استند عليها المعارضون له يا ترى؟! يظهر لنا أن ثمة أمورا جعلت من الطبري وغيره يتخوف من بيانها (رعاية) لحال العامة! قال الطبري: قد ذكرنا كثيرا من الأسباب التي ذكر قاتلوه أنهم جعلوها ذريعة إلى قتله، فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعلل دعت إلى الأعراض عنها (2). وقال في مكان آخر: إن محمد بن أبي بكر كتب إلى معاوية لما ولي، فذكر مكاتبات جرت بينهما، كرهت ذكرها لما فيه ما لا يتحمل سماعها العامة (3). وقال ابن الأثير - عن أسباب مقتل عثمان -: قد تركنا كثيرا من الأسباب التي جعلها الناس ذريعة إلى قتله لعلل دعت إلى ذلك (4). والان.. نعاود السؤال، ولا نريد به إثارة رأي العامة - كما ادعاه الطبري - أو نقل ما يكرهونه.. بل للوقوف على الحقيقة ومعرفتها، بعيدا عن الأحاسيس والعواطف، إذ يلزم أن تدرس الأحداث التاريخية كما هي، ولا ينبغي أن يكون دور للأهواء والعواطف فيها، وأحببنا أن لا نكون كالطبري وابن الأثير، وأمثالهما ممن ينقل الحدث مبتورا لاسباب مخفية، ولا يبالون بالبتر حتى وإن أوجب ذلك


(1) تاريخ المدينة 3: 1019 - 1023. (2) تاريخ الطبري 4: 365. (3) انظر: معالم المدرستين، للسيد العسكري نقله عن طبعة أوربا. (4) الكامل في التاريخ 3: 167.

[ 75 ]

تحريفا للواقع وتشويها للحقيقة! قال أبو جعفر الطبري في تاريخه: وفي هذه السنة أعني سنة ثلاثين، كان ما ذكر من أمر أبي ذر ومعاوية وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة، وقد ذكر في سبب إشخاصه إياه منها إليها أمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها. فأما العاذرون معاوية في ذلك، فإنهم ذكروا في ذلك قصة، كتب بها إلي السري، يذكر أن شعيبا حدثه سيف بن عمر (1)... الخبر. وقال ابن الأثير: وقد ذكر في سبب ذلك أمور كثيرة من سب معاوية إياه، وتهديده بالقتل، وحمله إلى المدينة من الشام بغير وطاء، ونفيه من المدينة على الوجه الشنيع، لا يصح النقل به ولو صح لكان ينبغي أن يعتذر عن عثمان، فإن للأمام أن يؤدب رعيته، وغير ذلك من الأعذار، أن يجعل ذلك سببا للطعن عليه (2). فما يعني نقل الطبري لكلام العاذرين معاوية وخبر سيف بن عمر دون الأسباب الكثيرة الأخرى؟ وكيف لا يرتضي ابن الأثير نقل خبر أبي ذر، وسب معاوية وتهديده بالقتل، وحمله إلى المدينة من الشام بغير وطاء، وقد تواتر نقله عن جميع المؤرخين. ألم تكن تلك المواقف منهم في خدمة السلطان، وإبعاد الأمة من الوقوف على الحقيقة؟ وماذا يستنتج القارئ لو قاس النصين - ما جاء في مقتل عثمان وما جاء في تسيير أبي ذر - في تاريخ الطبري وابن الأثير، ألم يكن منحازا إلى جهة دون أخرى، إذ نراه لا يذكر بقية الأسباب في مقتل عثمان خوفا من العامة، أما هنا فلا يرتضي


(1) تاريخ الطبري 4: 283. (2) الكامل لابن الأثير 3: 113 - 114.

[ 76 ]

نقل أسباب تسيير أبي ذر لنفس العلة، لكن الطبري ذكر أخبار العاذرين لمعاوية بحذافيرها، كأنه أراد ترجيح كفتهم. فلماذا فعل ذلك؟ وهل يمكن بعد وقوفنا على هذه النصوص أن نطمئن بمبررات الطبري وغيره في عدم نقلهم لأسباب مقتل عثمان؟!! نعم إن تعارض أهداف تلك النصوص جعلتنا نشكك بكلام الطبري وغيره، وأثارت فينا روح الاستطلاع والبحث عن وجود أسباب أخر غير ما تناقله المؤرخون. إذ إن الثورة بنظرنا لم تكن مالية بحتة - وإن كان لها الدور الكبير - بل كانت تستبطن أمرا دينيا، وحتى قضية إيثاره لأقربائه وعشيرته لم تكن لأجل كونهم أقاربه بل لعدم نزاهة أولئك المقربين وتخوف الصحابة من وقوع مستقبل الشريعة بيد هؤلاء الطلقاء الفاسقين البعيدين عن روح الأسلام وأهدافه. قال ابن سعد: ولي عثمان اثنتى عشرة سنة، فلم ينقم عليه الناس مدة ست سنين، بل كان أحب الى قريش من عمر، لأن عمر كان شديدا عليهم، فلما ولي عثمان لان لهم ووصلهم ثم توانى في أمرهم، واستعمل أقاربه وأهل بيته في الست الأواخر وأعطاهم المال متأولا في ذلك الصلة التي أمر الله بها، وقال: إن أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما كان لهما، واني أخذته فقسمته في أقربائي، فأنكر عليه ذلك (1). نعم، ان تقريبه لأقاربه لم يكن لأجل كونهم أقاربه بل لعدم نزاهتهم ودعوتهم الناس الى أمور لم ينزل الله بها من سلطان، وإليك اعتراضات بعض الصحابة ومنها يستشم موارد النقمة على عثمان وانها لم تكن مالية بحتة. وأخيرا سنذكر رأيا آخر في سبب مقتل عثمان لم يطرح لحد الان.


(1) الطبقات الكبرى 3: 64 وعنه في الصواعق المحرقة: ص 115 - 116.

[ 77 ]

وإليك بعض الأحداثات: 1 - الوليد بن عقبة، وشربه الخمر: عرفنا سابقا بأن الخليفة عثمان بن عفان قد عزل سعد بن أبي وقاص وولى مكانه أخاه الوليد عليها، والأخير شرب الخمر ودخل المسجد فصلى بالناس ركعتين ثم قال: أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود (1): لا زادك الله خيرا، ولا من بعثك إلينا، وأخذ حفنة حصى فضرب بها وجه الوليد، وحصبه الناس، فدخل القصر والحصباء تأخذه وهو يترنح. فخرج رهط من أهل الكوفة في أمره إلى عثمان، منهم: أبو زينب، وجندب بن زهير، وأبو حبيبة الغفاري، والصعب بن جثامة، فأخبروا عثمان خبره.. فقال ابن عوف: ما له؟ أجن؟ قالوا: لا، ولكنه سكر. فقال عثمان لجندب: أنت رأيت أخي يشرب الخمر؟ قال: معاذ الله، ولكن أشهد أني رأيته سكران يقلسها من جوفه، وأني أخذت خاتمه من يده وهو لا يعقل. فقال عثمان: لماذا يا أهل الكوفة تفسقون من ولاكم؟ ثم أوعدهم.. فخرجوا منه وأتوا عائشة، فأخبروها بما جرى بينهم وبين عثمان، وأن عثمان زجرهم، فنادت عائشة: إن عثمان أبطل الحدود وتوعد الشهود...! وأجابها عثمان: أما يجد مراق أهل العراق وفساقهم ملجأ إلا بيت عائشة؟ فرفعت عائشة نعل رسول الله وقالت: تركت سنة رسول الله، صاحب هذا


(1) جاء في أنساب الأشراف 5: 32 ان عتاب بن علاق قال له ذلك وليس ابن مسعود.

[ 78 ]

النعل؟ (1) فتسامع الناس فجاءوا حتى ملأوا المسجد، فمن قائل: أحسنت عائشة، ومن قائل: ما للنساء ولهذا؟! حتى تحاصبوا وتضاربوا بالنعال، وكان أول قتال بين المسلمين بعد النبي (ص). ودخل رهط من أصحاب رسول الله على عثمان وكان فيهم علي وطلحة والزبير و... فوبخاه على ما فعل بالشهود، وقالوا له: اتق الله ولا تعطل الحد واعزل أخاك عنهم، فعزل الوليد عنهم، ولم يرض بجلده حتى قدم علي وانهال عليه ضربا، فاعترضه عثمان قائلا: ما لك وهذا؟ فقال علي (2): وشر من ذلك، حتى أتم جلده (3). كان هذا أحد موارد اعتراض الأمة على الخليفة، وهي كما ترى، تستبطن أمورا دينية كثيرة منها: 1 - تولية فاسق لأمرة المسلمين. 2 - إيعاد الخليفة الشهود. 3 - عدم ارتضاء الخليفة إجراء الحد على من استحق حدا شرعيا. 4 - عدم ارتضاء عزل وال لا يصلح لهذا المنصب الجليل. كل هذه الأمور كانت حقوقا إسلامية يحق للمسلمين المطالبة بها. 2 - نظرة الولاة في أموال المسلمين! ولى الخليفة عثمان سعيد بن العاص الكوفة مكان الوليد بن عقبة، وحين


(1) انظر: أنساب الأشراف 5: 34. (3) وفي الطبري 4: 276 بأن عثمان أمر سعيد بن العاص فجلده، وفي صحيح مسلم 3: 1331 / 38 ان عثمان وافق على إقامة الحد وأوعز الى علي ليجلده، ونحوه في الأمامة والسياسة 1: 37. (3) أنساب الأشراف 5: 33، وفي ص 35، والأمامة والسياسة 1: 37 (قالها علي لعبد الله بن جعفر).

[ 79 ]

قدومه إليها استخلص من أهلها قوما يسمرون عنده، فقال سعيد يوما: إن السواد بستان لقريش وبني أمية.. فاعترض مالك الأشتر النخعي على هذه الرؤية الخاطئة فقال: أتزعم أن السواد الذي أفاءه الله على المسلمين بأسيافنا بستان لك، ولقومك؟! فقال صاحب شرطته: أترد على الأمير مقالته! فهم النخعيون بصاحب الشرطة بحضرة سعيد، وجروا برجله، فغلظ ذلك على سعيد، فكتب إلى عثمان في أمر هؤلاء، فأمر بتسييرهم إلى الشام (1). ومعاوية لم يطق محاججتهم، واتهمهم بأنهم يتكلمون بألسنة الشياطين ويغيرون المفاهيم القرآنية، وطلب من عثمان إرجاعهم إلى الكوفة، وفعل الأخير ذلك. وبذلك فقد عرفت أن سبب تسيير هؤلاء هو مخالفتهم رؤية كان الوالي (سعيد بن العاص) يحملها عن بيت مال المسلمين. هذا وقد روى أبو مخنف والواقدي، أن الناس أنكروا على عثمان إعطاءه سعيدا مائة ألف درهم، وجاء علي، والزبير، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف فيمن جاؤوه، فقال: إن له قرابة ورحما. قالوا: فما كان لأبي بكر وعمر قرابة ورحم؟ قال: إن أبا بكر وعمر يحتسبان في منع قرابتهما، وأنا أحتسب في إعطاء قرابتي (2). وفي هذا الأحداث كذلك أمور لو تدبر الباحث فيها لعرفها. 3 - عثمان والنداء الثالث يوم الجمعة.


(1) الأنساب، للبلاذري 5: 40، تاريخ الطبري 4: 322 - 323، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 3: 21، الكامل في التاريخ 3: 137 - 141. (2) الأنساب، للبلاذري 5: 25، 28، شرح النهج، لابن أبي الحديد 3: 35.

[ 80 ]

ذكر البلاذري في الأنساب، عن السائب بن يزيد: كان رسول الله إذا خرج للصلاة أذن المؤذن، ثم يقيم، وكذلك الأمر على عهد أبي بكر وعمر وفي صدر من أيام عثمان، ثم إن عثمان نادى النداء الثالث في السنة السابعة، فعاب الناس ذلك، وقالوا: بدعة (1). وقد لا حظنا اعتراضات الصحابة عليه لأنه قد أتى بأمور لم تكن على عهد الرسول الأكرم (ص) والشيخين. فقد روى ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر، أنه قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة (2). وروى الزهري قوله: إن أول من أحدث الأذان الأول عثمان، يؤذن لأهل السوق (3). وفي لفظ: فأحدث عثمان التأذينة الثالثة على الزوراء ليجمع الناس (4). وذكر اليعقوبي في تاريخه، قال: صعد عثمان المنبر وجلس في الموضع الذي كان يجلس فيه رسول الله (ص) ولم يجلس أبو بكر ولا عمر فيه، جلس أبو بكر دونه بمرقاة، وجلس عمر دون أبي بكر بمرقاة، فتكلم الناس في ذلك، فقال بعضهم: اليوم ولد الشر، وكان عثمان رجلا حييا فأرتج عليه، فقام مليا لا يتكلم، ثم قال، إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام عادل أحو ج منكم إلى إمام يشقق الخطب، وإن تعيشوا فسيأتيكم الخطبة ثم نزل (5). يستشم مما سبق ومن اعتراضات الصحابة على الخليفة توجههم الى أمر شرعي، وأنه قد أحدث أمرا لم يكن متعارفا في عهد رسول الله والشيخين. وهذا


(1) الأنساب للبلاذري 5: 39، المنتظم 5: 7 - 8. (2) المصنف، لابن أبي شيبة 2: 48 / 3. (3) المصنف، لابن أبي شيبة 2: 48 / 4. (4) المصنف، لابن أبي شيبة 2: 48 / 6. (5) تاريخ اليعقوبي 2: 162 - 163.

[ 81 ]

يؤيد ما ادعيناه بأن الثورة عليه كانت تستبطن أمرا دينيا. 4 - عثمان والصلاة بمنى. ومن إحداثاته أيضا، أنه أتم الصلاة بمنى، فاعترض عليه جمع من الصحابة، منهم: عبد الرحمن بن عوف.. فقد أخرج الطبري وابن كثير وابن الأثير وغيرهم.. عن عبد الملك بن عمرو بن أبي سفيان الثقفي، عن عمه، قال: صلى عثمان بالناس بمنى أربعا، فأتى آت عبد الرحمن بن عوف فقال: هل لك في أخيك؟ قد صلى بالناس أربعا! فصلى عبد الرحمن بأصحابه ركعتين، ثم خرج حتى دخل على عثمان، فقال له: ألم تصل في هذا المكان مع رسول الله (ص) ركعتين؟ قال: بلى. قال: ألم تصل مع أبي بكر ركعتين؟ قال: بلى. قال: ألم تصل مع عمر ركعتين؟ قال: بلى. قال: ألم تصل صدرا من خلافتك ركعتين؟ قال: بلى. قال [ عثمان ]: فاسمع مني يا أبا محمد، إني أخبرت أن بعض من حج من أهل اليمن وجفاة الناس قد قالوا في عامنا الماضي: إن الصلاة للمقيم ركعتان، هذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين، وقد اتخذت بمكة أهلا، فرأيت أن أصلي أربعا لخوف ما أخاف على الناس، وأخرى قد اتخذت بها زوجة، ولي بالطائف مال فربما أطلعته فأقمت فيه بعد الصدر. فقال عبد الرحمن بن عوف: ما من هذا شئ لك فيه عذر.. أما قولك: اتخذت أهلا، فزوجتك بالمدينة، تخرج بها إذا شئت، وتقدم بها إذا شئت، إنما تسكن بسكناك.

[ 82 ]

وأما قولك، ولي مال بالطائف، فإن بينك وبين الطائف مسيرة ثلاث ليال، وأنت لست من أهل الطائف. وأما قولك: يرجع من حج من أهل اليمن وغيرهم، فيقولون: هذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين، وهو مقيم، فقد كان رسول الله (ص) ينزل عليه الوحي والناس يومئذ الأسلام فيهم قليل، ثم أبو بكر مثل ذلك، ثم عمر، فضرب الأسلام بجرانه، فصلى بهم عمر حتى مات ركعتين. فقال عثمان: هذا رأي رأيته (1). وجاء في أنساب الأشراف: حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن محمد ابن عبد الله عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: صليت مع رسول الله بمنى ركعتين ومع أبي بكر وعمر ومع عثمان صدرا من خلافته ثم أتمها أربعا، فتكلم الناس في ذلك فأكثروا وسئل أن يرجع عن ذلك فلم يرجع (2). وروى الطبري في تاريخه وغيره، - واللفظ له -: حج بالناس في هذه السنة [ أي سنة 29 ] فضرب بمنى فسطاطا، فكان أول فسطاط ضربه عثمان بمنى، وأتم الصلاة بها وبعرفة. وذكر الواقدي عن عمر بن صالح بن نافع، عن صالح - مولى التوءمة -، قال: سمعت ابن عباس يقول: إن أول ما تكلم الناس في عثمان ظاهرا.. أنه صلى بالناس بمنى في ولايته ركعتين، حتى إذا كانت السنة السادسة أتمها، فعاب ذلك غير واحد من أصحاب النبي (ص)، وتكلم في ذلك من يريد أن يكثر عليه، حتى جاءه علي فيمن جاءه، فقال: والله ما حدث أمر ولا قدم عهد، ولقد عهدت نبيك (ص) يصلي ركعتين، ثم أبا بكر، ثم عمر، وأنت صدرا من ولايتك، فما أدري ما ترجع إليه؟!


(1) أنساب الأشراف 5: 39، تاريخ الطبري 4: 268. (2) أنساب الأشراف 5: 39.

[ 83 ]

فقال: رأي رأيته (1). 5 - إعطاء الخليفة فدكا وخمس إفريقية لمروان بن الحكم: عد ابن قتيبة في المعارف (2) والبلاذري في الأنساب (3) مما نقم على عثمان إقطاعه فدكا لمروان، وقد اعتبر المسلمون هذا الأحداث مخالفا لعمل الشيخين والأدلة الثابتة، إذ أن فدكا لو كانت فيئا للمسلمين - كما ادعاه أبو بكر - فما وجه تخصيصها بمروان؟ وإن كانت ميراثا لال الرسول - كما احتجت به الزهراء في خطبتها - فكيف يمنعون بني الزهراء عنها؟!! وكذا الأمر بالنسبة لخمس إفريقية، فما هو وجه تمليكه إياها؟ وقد جاء في رواية أبي مخنف، وقاله البلاذري في الأنساب (4).. بأن مروان ابتاع الخمس بمائتي ألف دينار، فكلم عثمان فوهبها له، فأنكر الناس ذلك على عثمان. وعليه، فإن لهذا الاعتراض - وكما سبق - وجها دينيا، إذ نرى الناس يعترضون على الخليفة وكذا على ولاته لما أحدثوا من أفكار وأصول ونفيهم لأخرى، وهي مما لم يسن في شريعة الرسول ولم يعمل به الشيخان. كانت هذه بعض الأمور، نقلناها ليتضح للقارئ وجه آخر، تتجلى فيه معالم نقمة المسلمين على الخليفة الثالث عثمان بن عفان والتي استبطنت أمورا دينية.. وان طرح أمثال هذه الاعتراضات لا ترضي الطبري وابن الأثير، بل تركا ذكرها رعاية لحال العامة! ومن يستقري مواقف الصحابة من سياسة عثمان وإحداثاته يقطع بنقمتهم عليه واستيائهم من خلافته، وإليك بعض ما ورد عنهم في المقام:


(1) تاريخ الطبري 4: 267. (3) المعارف: 112. (3) انظر أنساب الأشراف 5: 25، الأمامة والسياسة 1: 35. (4) الأنساب 5: 28.

[ 84 ]

مواقف الصحابة من سياسة عثمان وإحداثاته: 1 - طلحة بن عبد الله: ذكر البلاذري: إن طلحة قال لعثمان: أنك أحدثت أحداثا لم يكن الناس يعهدونها (1). وأخرج الثقفي في تاريخه، وابن الأعثم في فتوحه: إن طلحة قام إلى عثمان، فقال له: إن الناس قد جمعوا لك، وكرهوا البدع التي أحدثت ولم يكونوا يرونها ولا يعهدونها، فإن تستقم فهو خير لك، وإن أبيت لم يكن أحد أضر بذلك منك في دنيا ولا آخرة (2). وروي أن طلحة قال لمالك بن أوس: يا مالك، إني نصحت عثمان فلم يقبل نصيحتي، وأحدث احداثا، وفعل أمورا، ولم يجد بدا من أن يغيرها (3). 2 - الزبير بن العوام: جاء في شرح النهج: إن الزبير كان يقول: اقتلوه فقد بدل دينكم. فقالوا: إن ابنك يحامي عنه بالباب. فقال: ما أكره أن يقتل عثمان ولو بدئ بابني... (4). 3 - عبد الله بن مسعود: جاء في أنساب الأشراف (5): إن ابن مسعود لما ألقى مفاتيح بيت المال الى الوليد بن عقبة، قال: من غير غير الله ما به ومن بدل أسخط الله عليه، وما أرى


(1) أنساب الأشراف 5: 29. (2) انظر: الفتوح، لابن أعثم 1: 35، وبحار الأنوار - قسم الملاحم والفتن. (3) المصدر السابق، وفي الأمامة والسياسة 1: 40 ان طلحة أجاب عثمان فيما أشهده: لأنك بدلت وغيرت. (4) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 9: 36. (5) أنساب الأشراف 5: 36.

[ 85 ]

صاحبكم إلا وقد غير وبدل، أيعزل سعد بن أبي وقاص ويولى الوليد بن عقبة؟ وكان يتكلم بكلام لا يدعه، وهو (إن أصدق القول كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) (1). 4 - عمار بن ياسر: ذكر المؤرخون أن عمارا خطب يوم صفين، فقال:... انهضوا معي عباد الله إلى قوم يطلبون - فيما يزعمون - بدم الظالم لنفسه الحاكم على عباد الله بغير ما في كتاب الله، إنما قتله الصالحون، المنكرون للعدوان، الامرون بالأحسان، فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت دنياهم ولو درس هذا الدين: لم قتلتموه؟ فقلنا: لأحداثه... (2). وجاء في كتاب صفين ما دار بين عمرو بن العاص وعمار، وفيه: قال عمرو: فلم قتلتموه؟ قال عمار: أراد أن يغير ديننا فقتلناه. فقال عمرو: ألا تسمعون، قد اعترف بقتل عثمان. قال عمار: وقد قالها فرعون قبلك، لقوله... ألا تسمعون (3). 5 - عمرو بن العاص: أما ابن العاص فإنه على الرغم من استنصاره لعثمان بعد مقتله فكان ينتقده، وقد صدر عنه هذا النص لما ضرب عثمان عمارا: هذا منبر نبيكم، وهذه ثيابه، وهذا شعره لم يبل وقد بدلتم وغيرتم، فغضب عثمان حتى لم يدر ما يقول (4).


(1) أنساب الأشراف 5: 36، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 3: 42، حلية الأولياء 1: 138 بتفاوت يسير. (2) كتاب صفين: 319. (3) كتاب صفين: 338، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 8: 22. (4) أنساب الأشراف 5: 89.

[ 86 ]

6 - سعد بن أبي وقاص: روى ابن قتيبة ما أجاب به سعد بن أبي وقاص حول دوافع قتل عثمان، قال سعد:... وأمسكنا نحن، ولو شئنا دفعناه عنه، ولكن عثمان غير وتغير، وأحسن وأساء، فإن كنا أحسنا فقد أحسنا، وإن كنا أسأنا فنستغفر الله (1).... 7 - هاشم المرقال: قال لشاب شامي: وما أنت وابن عفان؟ إنما قتله أصحاب محمد وأبناء أصحابه وقراء الناس حيث أحدث الاحداث وخالف حكم الكتاب، وأصحاب محمد هم أهل الدين وأولى بالنظر في أمور المسلمين منك ومن أصحابك، وما أظن أن أمر هذه الأمة ولا أمر الدين عناك طرفة عين قط (2). 8 - مالك الأشتر: جاء في كتاب من الأشتر إلى عثمان: من مالك بن الحارث، إلى الخليفة المبتلى الخاطئ، الحائد عن سنة نبيه، النابذ لحكم القرآن وراء ظهره.. أما بعد... (3). وقوله: إن عثمان قد غير وبدل (4) 9 - عائشة: اشتهر قولها بعدما صنع بعمار ما صنع: ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم، وهذا شعره ونعله لم يبل بعد؟! (5). وقولها، بعدما جاءها وفد أهل العراق: تركت سنة رسول الله صاحب هذا


(1) الأمامة والسياسة 1: 48. (2) تاريخ الطبري 5: 43 عن كتاب صفين. (3) أنساب الأشراف 5: 46، الفتوح، لابن أعثم 1: 40. (4) أنساب الأشراف 5: 45، الأمامة والسياسة 1: 38. (5) أنساب الأشراف 5: 48، شرح ابن أبي الحديد 3: 49، الفتوح، لابن أعثم 1: 64.

[ 87 ]

النعل؟! (1). وقال أبو الفداء: كانت عائشة تنكر على عثمان مع من ينكر عليه، وكانت تخرج قميص رسول الله وتقول: هذا قميصه وشعره لم يبل وقد بلي دينه.. (2) وفيما أخرجه ابن أبي الحديد: هذا ثوب رسول الله لم يبل وعثمان قد أبلى سنته! (3) وعائشة أول من سمى عثمان نعثلا [ رجل يهودي طويل اللحية كان بالمدينة ] وحكمت بقتله (4). 10 - محمد بن أبي بكر: ذكر ابن سعد، وابن عساكر، وابن كثير، والبلاذري، وغيرهم: قال محمد بن أبي بكر لعثمان: على أي دين أنت يا نعثل؟ قال: على دين الأسلام، ولست بنعثل ولكني أمير المؤمنين. قال: غيرت كتاب الله! فقال: كتاب الله بيني وبينكم. فتقدم إليه، وأخذ بلحيته وقال: إنا لا يقبل منا يوم القيامة أن نقول: ربنا إنا أطعنا ساداتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل.. وشحطه بيده من البيت إلى الدار، وعثمان يقول: يا ابن أخي! ما كان أبوك ليأخذ بلحيتي... (5). 11 - كعب بن عبدة: حينما ادعى عثمان أنه أعرف بكتاب الله منه، قال له: يا عثمان! إن


(1) أنساب الأشراف 5: 48. (2) المختصر في أخبار البشر 1: 172. (3) شرح ابن أبي الحديد 3: 9. (4) بقولها: اقتلوا نعثلا فقد كفر، الفتوح، لابن أعثم 1: 64. (5) طبقات ابن سعد 3: 73، البداية والنهاية 7: 193، الكامل 3: 178، أنساب الأشرا ف 5: 82، 92 و 98، شرح النهج 2: 157، الأمامة والسياسة 1: 44 قريب منه.

[ 88 ]

كتاب الله لمن بلغه وقرأه، وقد شركناك في قراءته، ومتى لم يعمل القارئ بما فيه كان حجة عليه (1). 12 - أبو ذر الغفاري: نقل عنه أنه قال: والله، لقد حدثت أعمال ما أعرفها! والله ما هي في كتاب الله، ولا سنة نبيه! والله إني لأرى حقا يطفأ، وباطلا يحيى، وصادقا يكذب! وأثرة بغير تقى، وصالحا مستأثرا به (2). 13 - عبد الرحمن بن عوف: قال لعثمان مرة: لقد صدقنا عليك ما كنا نكذب فيك (3)، إشارة إلى إخبار الأمام علي في يوم الشورى وقوله: أما أني أعلم أنهم سيولون عثمان، وليحدثن البدع والأحداث، ولئن بقي لأذكرنك وإن قتل أو مات ليتداولها بنو أمية بينهم، وإن كنت حيا لتجدني حيث تكرهون (4). وقوله لعلي: إذا شئت فخذ سيفك، وآخذ سيفي، إنه [ عثمان ] قد خالف ما أعطاني (5). استنتاج اتضح بجلاء من النصوص الانفة الذكر أن الصحابة غير راضين عن عثمان وسلوكه العملي، كما أنهم على خلاف رؤاه الفكرية وآرائه التشريعية، ولذلك رموه بالأبداع والأحداث في الدين وإتيانه بأشياء ليست هي في كتاب الله ولا سنة نبيه أو سيرة الشيخين والصحابة هم أهل الفقه واللغة، وهم أعلم من غيرهم


(1) أنساب الأشراف 5: 42. (2) أنساب الأشراف 5: 53، شرح النهج 3: 55. (3) شرح النهج، لابن أبي الحديد 1: 196. (4) تاريخ الطبري 4: 230. (5) أنساب الأشراف 5: 57، الفتوح، لابن الأعثم 1: 6.

[ 89 ]

باصطلاحات الرسالة وعباراتها ومنقولاتها الشرعية. فلفظ (البدعة) ولفظ (الأحداث) يدلان على إيجاد شئ لم يكن من قبل ولم يعهده المسلمون من الشريعة المحمدية، وكذا الحال بالنسبة لتعبيرهم: إنه أتى بأمور ليست في كتاب الله ولا سنة نبيه. فسوء التقسيم المالي من قبل عثمان، وإيثاره لأقربائه، وأخطاؤه السلوكية الأخرى - كما قلنا - لا تسمى (بدعا) ولا (إحداثا) في الاصطلاح، وإنما تسمى مخالفات، أو عدم التزام ديني، أو إعراضا عن السيرة، أو ما شاكل ذلك من الألفاظ والتعابير. وإذا سلمنا بصحة إطلاق لفظ (البدعة) و (الأحداث) على تلك التصرفات، فمن باب أولى أن يشمل اللفظ المذكور تلك الاراء العثمانية الجديدة وأطروحاته الفقهية التي أتى بها، مثل: إتمام الصلاة بمنى، وتقديم خطبة صلاة العيدين على الصلاة، وغيرها من الاراء الفقهية التي ما كانت معهودة من قبله ولا ممن عايشه من الصحابة! إن شدة عبارات الصحابة في عثمان، برميهم إياه بالابتداع والأحداث في الدين، بالأضافة إلى فتح باب الفتنة على مصراعيه، وأخيرا قتله.. لتدل بما لا يقبل الشك والترديد على اقتناع الرأي العام بضرورة عزل عثمان عن الخلافة وعدم قناعتهم باجتهاداته، ولما لم يرضخ لأرادة الأمة والتخلي عن الخلافة قائلا (لن أنزع قميصا كسانيه الله) جوزت الأمة قتله ورأت نفسها في حل من دمه، وفي عصمة من خطابات الشارع المقدس، مثل:... ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق... (1)،... من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا... (2)، ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها


(1) الأنعام: 151. (2) المائدة: 32.

[ 90 ]

وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (1)... بل وإصرارهم على عدم دفنه، كقول أحدهم: لا والله لا تدفنوه في بقيع رسول الله على الرغم من علمهم بتأكيد النبي (ص) على دفن موتى المؤمنين وتغسيلهم وتكفينهم والصلاة عليهم، وعلى أن حرمة الميت كحرمة الحي! ونحن أمام ما جرى، لا يسعنا إلا أن نقول إما بعدول جميع الصحابة عن جادة الصواب وتهاونهم بالأمور، لأنهم لم يعملوا بأوامر القرآن ووصايا الرسول (ص) وإما أن نذهب إلى انحراف الخليفة وخروجه عن رأي الجماعة، ولا ثالث. فإذا قلنا بعدالة الصحابة وعدم اجتماعهم على الخطأ، لزم القول بالرأي الثاني، خصوصا إذا ما شاهدنا بين المعارضين رجالا قيل عنهم إنهم من العشرة المبشرة، أمثال: سعد بن أبي وقاص، طلحة، الزبير، وغيرهم من كبار الصحابة الذين ورد فيهم نص صريح بجلالة قدرهم وعظيم منزلتهم، أمثال: ابن مسعود، أبي ذر، عمار. أما لو قلنا بطهارة ساحة الخليفة الثالث.. فهذا القول يستلزم فسق الصحابة، وهذا ما لا يقبل به المحققون قطعا، إذ من المعقول أن تخطئ فردا مع الجزم بأنه غير معصوم، ولكن اتهام الكثيرين من الصحابة بالفسق والضلالة بعيد عن المنطق والوجدان، خصوصا وثمة أفراد بين أولئك ممن ورد بحقه نص يشير إلى أنه مع الحق، وممن بشر بالجنة كعمار وأبي ذر و.... فإن قيل بأن الصحابة لم يتفقوا على قتل عثمان حتى يصح المدعى، بل أن ذلك كان من فعل بعض البغاة؟ فنقول: إن دفاع أشخاص لا يتجاوز عددهم عدد الأصابع، لا يخرق إجماع المسلمين، ولو راجع المرء قائمة أسماء الثائرين، ودرس أحوالهم، وعلم كم من بدري فيهم.. لوافقنا في استنتاجنا، وخصوصا لو ثبت لديه بأنه ترك ثلاثة أيام من


(1) النساء: 93.

[ 91 ]

غير دفن (1) في بلد كانوا يقدسون فيه منصبه ومكانته ويعتبرونه خليفة المسلمين، فما يعني إهمالهم له مع وجود كبار الصحابة في المدينة، ووجود قريش وغيرها من القبائل العربية، وبني أمية وسائر مواليهم؟! وقد نقلنا سابقا ما جاء في تاريخ الطبري (حوادث 34) (لما كانت سنة أربع وثلاثين كتب أصحاب رسول الله بعضهم الى بعض، أن أقدموا، فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد. وكثر الناس على عثمان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد، وأصحاب رسول الله (ص) يرون ويسمعون، ليس فيهم أحد ينهي ولا يذب إلا نفير، منهم: زيد بن ثابت، (الذي جمع عثمان الصحابة على قراءته)، أبو أسيد الساعدي، كعب بن مالك، وحسان بن ثابت، فاجتمع الناس وكلموا علي بن أبي طالب، فدخل على عثمان فقال: الناس ورائي وقد كلموني فيك، والله ما أدري ما أقول لك، وما أعرف شيئا تجهله ولا أدلك على أمر لا تعرفه، انك لتعلم ما نعلم...) الى آخر كلامه الذى مر عليك قبل عدة صفحات. إذن، المعترضون على عثمان كانوا الناس، وأنهم كانوا يطلبون الجهاد ضده، فأخذ يكتب البعض منهم الى الاخر بذلك، وليسوا بنفر قلائل جاءوا من مصر والبصرة والكوفة - كما يدعيه البعض -، وعلى فرض كونهم كذلك.. فهل من المعقول أن يسكت جميع الصحابة عن مواجهتهم وهم يرون خليفة المسلمين في خطر، وليس منهم أحد ينهي ويذب عنه؟ وألم يكن ذلك ازدراء بالصحابة، الذين أبلوا بلاء حسنا مع الرسول في حروبه؟


(1) أنساب الأشراف 5: 83، المنتظم 5: 58، شرح النهج، لابن أبي الحديد 2: 158 و 3: 64 وكذا في الطبري والكامل والفتوح، وقد رواه عن الواقدي، وفيه: وروي إن أهل المد ينة منعوا الصلاة عليه حتى حمل بين المغرب والعتمة، ولم يشهد جنازته غير مروان وثلاثة من مواليه، ولما أحسوا بذلك رموه بالحجارة وذكروه بأسوأ الذكر.

[ 92 ]

وكيف يهابون ذلك الجمع القليل مع ما لهم من صفحات ومواقف مشرفة في الجهاد عبر تاريخهم الأسلامي؟!! إن وراء ترك نصرة الخليفة شيئا خطيرا، وهو تركه العمل بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الشيخين! عثمان ومبررات تغيير سياسته في الست الأواخر من يتابع سيرة الخليفة عثمان بن عفان بتجرد يمكنه أن يصل الى ما توصلنا إليه، وهو: أن الخليفة وخصوصا في الست الأواخر من خلافته أخذ يرى أن الناس ينتقصونه ولا يعطونه تلك المنزلة والهالة التي منحوها للشيخين، بل ينظرون إليه بمنظار المتبع لنهج الشيخين والمطبق لما سن في عهدهما وليس له العمل إلا بما عمل في عهدهما، وقد طلب الخليفة بالفعل - في بدء خلافته - من المحدثين أن لا يحدثوا إلا بما عمل به الشيخان، لأن ذلك كان في ضمن ما عاهد عليه ابن عوف في الشورى. بيد أن الخليفة وبعد مرور الأعوام الستة من خلافته بدأ يتساءل مع نفسه: كيف يحق لعمر أن يشرع أو ينهي لمصلحة كان يقدرها - كما في صلاة التراويح ومتعة النساء - ولا يحق لي ذلك؟! وكيف يقبل الناس اجتهادات عمر وسيرته ولا يرتضون أفعالي؟! وما الذي كان لهما واختصا به دوني؟! ولماذا يجب أن أكون تابعا لسياسة واجتهاد الشيخين ولا يحق لي رسم بعض الأصول؟! هل كانوا في سابقتهم في الأسلام ودرايتهم بالأمور ومكانتهم من رسول الله أخص مني وأقرب؟! أم ان ما بذلوه من مال ووقفوه من مواقف لنصرة الدين كانت أكثر مما فعلت؟!

[ 93 ]

فإن كان الشيخان قد حظيا وشرفا برابط من نور مع رسول الله وذلك بإعطاء كل منهما بنتا لرسول الله، فعثمان قد ارتبط برسول الله من جهتين وتزوج بنتين، وهو ذو النورين؟! بعد هذا كيف يتحتم عليه أن يكون تابعا لنهج الشيخين ولا تكون له تلك الشخصية الاستقلالية؟! وقد أكد عثمان على هذا الأمر وأشار الى أنه أعز نفرا بل هو أقرب ناصرا وأكثر عددا من عمر، لقربه من بني أمية! فقال مخاطبا المعترضين: ألا فقد والله عبتم علي بما أقررتم لابن الخطاب بمثله، ولكنه وطئكم برجله، وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم، ولنت لكم، وأوطأت لكم كتفي وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم علي، أما والله لأنا أعز نفرا وأقرب ناصرا وأكثر عددا وأقمن إن قلت هلم أتي إلي، ولقد أعددت لكم أقرانكم، وأفضلت عليكم فضولا وكشرت لكم عن نابي وأخرجتم مني خلقا لم أكن أحسنه، ومنطقا لم أنطق به (1). نعم، كانت هذه التساؤلات تراود الخليفة، إذ يرى الناس قد أطاعوا عمر في كل شئ وتعبدوا بسيرة الشيخين وارتضوا بنهجهم، فلم لا يقبلون بأفعاله وتوليته لولاته ولماذا يعتبرونها بدعا وإحداثات، مع أنه قد وسع المسجد الحرام (2) والمسجد النبوي (3) واتخذ للأضياف منازل (4) وزاد في أعطية الناس (5) ورد على كل مملوك بالكوفة من فضول الأموال ثلاثة كل شهر، يتسعون بها من غير أن


(1) تاريخ الطبري 4: 339. (2) تاريخ الطبري 4: 267. (3) تاريخ الطبري 4: 273. (4) تاريخ الطبري 4: 274. (5) تاريخ الطبري 4: 245.

[ 94 ]

ينقص مواليهم من أرزاقهم (1)، وغيرها من المواقف التي جاءت لنفع الناس. وقد جاء في تاريخ الطبري وغيره أنه قال - للذين هدم بيوتهم ولم يقبلوا ثمنها عند توسعته للمسجد الحرام -: أتدرون؟! ما جرأكم علي إلا حلمي، قد فعل هذا بكم عمر فلم تصيحوا به (2). فالناس المعترضون على سياسة عثمان، مضافا الى ارتيابهم وعدم قناعتهم بأفعال الخليفة كانوا يتهمونه بتغيير سنة رسول الله. فقد جاء عن عثمان أن الناس قالوا له عندما أراد توسعة المسجد النبوي الشريف (يوسع مسجد رسول الله ويغير سنته) (3). إن الخليفة - وكما قلنا - كان يعيش حالة نفسية متأزمة، فإنه من جهة كان يسمع اعتراضات الناس عليه في حين قد شاهدهم بالأمس قد سكتوا عن اجتهادات عمر، بل أنهم قد ارتضوها وجعلوها منهج الحياة رغم كون بعضها أشد مما شرعه وأجرأ. فحق للخليفة أن يتساءل ويقول مع نفسه: مالذي كان لعمر وليس لي؟ ولماذا يطيعونه ويخالفوني؟ هذا من جهة. ومن جهة أخرى كان لا يمكنه تخطي سيرة الشيخين، لأنه كان قد عاهد ابن عوف والمسلمين في الشورى على أن يسير بنهج الشيخين، أما اليوم فإنه غير مستعد نفسيا لتطبيق ذلك، حيث أن الاعتراض أخذ يرد عليه الواحد تلو الاخر، فسعى الخليفة - وفي السنوات الست الأخيرة من عهده - الى تغيير سياسته واتباع نهج معين، وأخذ يطرح آراء فيها ما يخالف سيرة الشيخين وسنة رسول الله مواصلا سياسة العنف السابقة، معتقدا بأن طرحه لهذه الأحداثات سيلهي الناس


(1) تاريخ الطبري 4: 274. (2) تاريخ الطبري 4: 251. (3) راجع: المجلد الخامس من أنساب الأشراف، للبلاذري.

[ 95 ]

عن الخوض في ذكر سوء سياسته وتوليته خاصته وأقاربه، واختصاصهم بالحكم والمال دون المسلمين؟ وسيشغل المسلمين في مناقشة اجتهاداته، وسيحصل على رصيد عند بسطائهم لأنه قد أخذ جانب القدسية والزهد والتعمق في إحداثاته، فكان الطابع الغالب على تلك الأحداثات هو الزيادة، فالصلاة بمنى والنداء الثالث يوم الجمعة والوضوء وغيرها لحظ فيها الزيادة، وأن عامة الناس يرتاحون الى الأعمال التي فيها زيادة معتقدين بأن ذلك زيادة في القدسية وخصوصا لو دعم بآراء استحسانية مقبولة في ظاهرها عند العقلاء. إن المسلم العادي لا ينظر الى أصول المسألة ومشروعيتها في الكتاب والسنة بقدر ما ينظر الى الوجوه الاستحسانية فيها، فإذا كان الوضوء هو الأنقاء فالأنقاء يحصل بالغسل أكثر من المسح، أو ما قالوه عن الغسل بأنه مسح وزيادة وما شابه ذلك من الوجوه الاستحسانية. هذا وقد كان الأمويون وعلى رأسهم مروان بن الحكم وراء أفكار عثمان أو المسير له، فقد مر عليك ما جاء في تاريخ الطبري وغيره: ان عبد الرحمن بن عوف دخل على عثمان فقال له: ألم تصل في هذا المكان (يعني منى) مع رسول الله ركعتين؟ قال: بلى. قال: أفلم تصل مع أبي بكر ركعتين؟ قال: بلى. قال: أفلم تصل مع عمر ركعتين؟ قال: بلى. قال: أفلم تصل شطرا من خلافتك ركعتين؟ قال: بلى.

[ 96 ]

الى أن يقول، فقال عثمان: هذا رأي رأيته (1). وهنا سؤال يطرح نفسه: علام يمكن حمل كلام عثمان هذا مع علمه بأن رسول الله والشيخين قد قصرا بمنى، وكان قد قصر هو شطرا من خلافته فيه؟! ألا يعني هذا النص وأمثاله أنه كان يريد تشكيل اتجاه في الأسلام له معالم خاصة به، فتراه يجتهد قبال النص مع علمه بأن رسول الله والشيخين قد فعلا خلاف فعله؟! ألا ترى أنه يصح بعد هذا وينطبق ما قلناه عنه؟ فعثمان كان يتساءل مع نفسه: كيف يحق للشيخين أن يقولا (برأي رأيته) ويشرعا وينهيا عن مصلحة، ولا يحق لي ذلك. ومما يؤيد أن الأمويين وأتباع الخليفة كانوا وراء تنفيذ المخطط الجديد، هو ما حكاه جعفر بن محمد عن أبيه: ان عثمان بن عفان اعتل وهو بمنى فأتى علي فقيل له: صل بالناس فقال: إن شئتم صليت لكم صلاة رسول الله - يعني ركعتين - قالوا: لا، إلا صلاة أمير المؤمنين - يعنون عثمان - أربعا، فأبى. ومخالفة عثمان لنهج الشيخين لم تقتصر على صلاته بمنى، بل هناك موارد كثيرة أخرى كتقديمه الخطبة على الصلاة في العيدين: ذكر البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجة والبيهقي والترمذي والنسائي وغيرهم: ان النبي وأبا بكر وعمر، وفي بعضها: وعثمان شطرا من خلافته، كانوا يصلون في العيدين قبل الخطبة. قال ابن حجر: إن أول من خطب قبل الصلاة عثمان، صلى بالناس ثم خطبهم فرأى ناسا لم يدركوا الصلاة ففعل ذلك، أي صار يخطب قبل الناس (2). وعلى


(1) تاريخ الطبري 4: 268. (2) فتح الباري 2: 261.

[ 97 ]

ضوء ما سبق عرفنا بأن الخليفة كان يريد بناء مدرسة جديدة لها أفكارها وأصولها وقد كان الأمويون وراء تطبيق تلك الأفكار والأهداف (1). وجاء عن أبي سعيد الخدري أنه قال: أخرج مروان المنبر يوم العيد فبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام رجل فقال: يا مروان خالفت السنة، أخرجت المنبر يوم عيد ولم يكن يخرج به، وبدأت بالخطبة ولم يبدأ بها. فقال مروان: ذلك شئ قد ترك. وكذا الحال بالنسبة الى الاذان الثالث، فتراه يخالف فيه رسول الله والشيخين. كانت هذه بعض إحداثات الخليفة عثمان بن عفان المخالفة لسنة رسول الله وسيرة الشيخين وأنه قد أتى بها معتقدا بأنها ستنجيه مما هو فيه من اعتراضات القوم، لكن إحداثاته - بنظرنا - كانت هي السبب الأهم في قتله، وأن قول نائلة الكلبية - زوجة عثمان - حين طاف المهاجمون على عثمان يريدون قتله: إن تقتلوه أو تتركوه، فإنه كان يحيي الليل كله يجمع القرآن (2)، أو قولها: انه ليحيي ا لليلة بالقرآن في ركعة، لتؤكد على أن هجوم المنتفضين عليه كان له بعد ديني وهو التشكيك في صلاحيته ولياقته في إدارة الأمة الأسلامية، وأن قول نائلة جاء لنفي هذا الشك، فأكدت بأنه كان يجمع القرآن ويحي الليل كله في ركعة! تأكيد عثمان على وضوئه والان لنذكر دور عثمان البنائي في الوضوء. فقد صدرت عنه روايات كثيرة حكاها عن رسول الله وفي أغلبها إشارة الى ترسيخه لفكرة الوضوء الجديدة، وإليك بعض الروايات: 1 - عن حمران بن أبان - مولى عثمان - ان عثمان توضأ فمضمض


(1) سيتأكد هذا في الباب الثاني من المدخل والفصل الثاني من هذه الدراسة. (2) حلية الأولياء 1: 57.

[ 98 ]

واستنشق وغسل وجهه ثلاثا ويديه ثلاثا ومسح برأسه وغسل رجله ثلاثا، ثم قال: من توضأ وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث نفسه فيهما غفر له ما تقدم من ذنبه (1). 2 - وفي البخاري بعد إخراجه للحديث السابق وذكره غسل رجله ثلاثا: رأيت النبي يتوضأ نحو وضوئي هذا، وقال: من يتوضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه (2). 3 - أخرج أبو داود والبيهقي والنسائي في سننهم، عن حمران قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ فأفرغ على يديه ثلاثا فغسلهما، ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثا، وغسل يده اليمنى الى المرافق ثلاثا، ثم اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثا، ثم اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله توضأ مثل (3) وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ مثل (4) وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله ما تقدم من ذنبه (5). 4 - وفي نص آخر: رأيت رسول الله توضأ وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ مثل وضوئي هذا ثم قام فصلى ركعتين لا يحدث نفسه بشئ، غفر الله له ما تقدم من ذنبه (6). 5 - وفي البيهقي: رأيت رسول الله توضأ مثل ما رأيتموني توضأت (7).


(1) سنن الدارمي 1: 176، سنن البيهقي 1: 53 و 56 و 58. (2) صحيح البخاري 1: 51. (3) في صحيح البخاري 1: 51 بدل مثل (نحو). (4) في صحيح البخاري 1: 51 بدل مثل (نحو) أيضا. (5) سنن أبي داود 1: 106، سنن البيهقي 1: 48، سنن النسائي 1: 64. (6) سنن النسائي 1: 65، سنن البيهقي 1: 48. (7) سنن البيهقي 1: 47.

[ 99 ]

6 - وأخرج مسلم والدارقطني بسندهما عن عطاء بن يزيد الليثي عن حمران { واللفظ للدارقطني }: ان عثمان دعا يوما بوضوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك. وفي مسلم والبيهقي زيادة { ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى الى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك } (1). ثم قال: رأيت رسول الله توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال رسول الله: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه (2). 7 - وقد مر عليك سابقا وفي أول عهد عثمان ما أخرجه مسلم من كلام عثمان عن وضوء الناس المغاير له، وقوله: ألا اني رأيت رسول الله توضأ مثل وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه الى المسجد نافلة (3). في النصوص السابقة عدة نقاط يمكن الاستفادة منها لتأييد ما ادعيناه من أن الخليفة كان يريد تشكيل مدرسة وضوئية جديدة ضمن مخططه الكلي في الشريعة. الأولى: إن جملة عثمان (رأيت رسول الله توضأ نحو وضوئي هذا) أو قوله (مثل وضوئي هذا) والمتكررة في عدة أحاديث، فيها دلالة على أن عثمان قد أحدث وضوءا جديدا، وأنه قد جعل عمله هو المقياس والضابط في الوضوء حتى تراه يقول (رأيت رسول الله توضأ نحو وضوئي هذا) ولم يقل توضأت كما رأيت رسول الله توضأ!


(1) صحيح مسلم 1: 205، سنن البيهقي 1: 68. (2) سنن الدارقطني 1: 83 / 14، صحيح مسلم 1: 205. (3) صحيح مسلم 1: 207.

[ 100 ]

فلو كانت المسألة عادية، ولم يكن في التشريع عناية لقال الخليفة: توضأت كما رأيت رسول الله يتوضأ، وما شابه ذلك من العبارات. إن طرح عبارات كهذه على لسان الخليفة فيها إشارة نفسية خفية الى أنه يريد التأكيد على وضوئه، فتراه يرجع فعل الرسول الى فعله!!! الثانية: ما نقله من كلام عن رسول الله، وقوله (من توضأ مثل وضوئي هذا) أو (نحو وضوئي هذا) تعني أن له (ص) أكثر من وضوء واحد، فنتساءل: هل كان النبي (ص) يتوضأ بأكثر من طريقة في الوضوء؟ ولماذا نرى تأكيده (ص) على الوضوء الثلاثي بالذات حتى يجعله مما تغفر به الذنوب دون غيره؟ في حين نعلم أن ابن عمر قد روى عن رسول الله، أنه قال عن وضوء المرتين: (من توضأ مرتين أعطاه الله كفلين) ثم أعقبه ببيان الوضوء الثلاثي (هو وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي)، ومعنى ذلك أن الفعل الثلاثي ليس له تعميم لجميع المؤمنين، بل يختص بالرسول والأنبياء من قبله، وقد يحتمل أن يكون من مختصات النبوة، وعليه فإن توقف الغفران على الوضوء الثلاثي دون غيره فيه تأمل، كما هو واضح. الثالثة: في جملة (لا يحدث فيهما نفسه بشئ) تحمل تزكية للخليفة وصيانة له، فهو يريد إلزام المؤمن المسلم بقبول وضوئه المقترح والأخذ به دون تحديث النفس بشئ أو التشكيك في مشروعيته، وأن مثل هذا التعبد يوجب غفران الذنوب!! هذا وقد أكد أتباع الخليفة عثمان بن عفان على الوضوء الثلاثي الغسلي بكل الوسائل، ومن ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص: روى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن النبي، أنه قال بعد أن توضأ الوضوء الثلاثي الغسلي قوله (ص): (فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم،

[ 101 ]

أو ظلم وأساء) (1). وفي ابن ماجة: (فقد أساء أو تعدى أو ظلم) (2). ففي هذا النص كغيره من النصوص السابقة إشارة الى دور المحدثين وأنصار الخليفة في التأكيد على وضوء عثمان، فلو قبلنا بأن الزيادة على الغسلة الثالثة في الوضوء هي تعد وظلم، فما معنى قوله: أو نقص؟! ألم يتواتر عنه (ص) وروى صحابة أمثال ابن عباس، وعمر، وجابر، وبريدة، وأبي رافع، وابن الفاكه: أنه (ص) توضأ مرة مرة؟ وألم يرو أبو هريرة، وجابر، وعبد الله بن زيد، وابن عباس وغيرهم: أن رسول الله توضأ مرتين مرتين؟ وما معنى ما رواه ابن عمر عن رسول الله، بأنه قال عن المتوضئ مرة: (هذا وضوء من لا تقبل له صلاة إلا به)، وعن المرتين: (هذا وضوء من من يضاعف له الأجر مرتين). أو قوله (ص) في حديث آخر عن الوضوء الثلاثي: (ومن توضأ دون هذا كفاه). فما معنى (أو نقص فقد أساء وظلم) إذن؟!! فمن جهة نراه (ص) يقول عن المرة: (لا تقبل الصلاة إلا به)، وعن المرتين: (يضاعف له الأجر مرتين) وفي آخر: (كفلين)، ومن جهة أخرى نرى عمرو بن شعيب يروي عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو العاص عن النبي أنه قال: (أو نقص فقد أساء أو ظلم). فكيف يمكن الجمع بين هذه الروايات؟ ألم يتوضأ رسول الله بعض وضوئه مرتين وبعضه الاخر ثلاثا - كما في


(1) سنن البيهقي 1: 79، سنن أبي داود 1: 33 / 135. (2) سنن ابن ماجة 1: 146 / 422.

[ 102 ]

حديث عبد الله بن زيد بن عاصم -، وألم يرو أهل العلم عدم البأس في ذلك؟ فكيف تتطابق هذه الأحاديث مع قوله: أو نقص؟ وهل أن رسول الله - والعياذ بالله - قد ساء وظلم؟! نعم، إن الذي نحتمله هو: إن هذه الأحاديث وضعت من قبل أنصار الخليفة لترسيخ وضوء عثمان بن عفان والأخذ به دون زيادة أو نقيصة وعدم تحديث النفس بشئ أو التشكيك في مشروعيته. ومن يطالع أحاديث الوضوء يتساءل مع نفسه: لماذا تذيل حكايات عثمان لصفة وضوء رسول الله بالذات بذيل مروي عنه (ص) ولا نلاحظ ذلك فيما حكاه غيره من الصحابة عن وضوء رسول الله؟!! ولماذا لا تذيل أحاديث عثمان بهذا الذيل فيما حكاه عنه (ص) في الوضوء المسحي؟!! إن ما طرحناه من الشواهد لو قرن بعضها الى بعض لدل على ما نريد الأشارة إليه، وهو ان الخليفة ومن معه كانوا يسعون لبناء مدرسة وضوئية جديدة، بل الأحرى بناء مدرسة فقهية جديدة. وقد سبق في طوايا البحوث السابقة أن نبهنا ودللنا على ضعف فقه الخليفة وسوء فهمه وسنعقبه بالمزيد إن شاء الله. النتيجة بهذا يمكننا حصر أهم دواعي الخليفة الأتيان بالوضوء الجديد بما يلي: 1 - إن عثمان كان يرى لنفسه أهلية التشريع ووجوب الاقتداء به كأبي بكر وعمر، وكان يتساءل مع نفسه، كيف يحق لعمر أن يشرع أو ينهي مصلحة، ولا يحق لي ذلك؟ 2 - لما كان عثمان من أتباع مدرسة الاجتهاد والرأي، كان يرى لنفسه المبرر لطرح ما يرتئيه من أفكار وتشريعها للمسلمين، وقد طبق بالفعل ما ارتآه من فعل

[ 103 ]

الرسول - حسب ما حكاه هو - واعتبره سنة، في حين أن ما نقله ينبئ بأن الفعل الثلاثي في الوضوء كان من مختصاته (ص) لقوله: (هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي)، إذ أنه قد بين وضوء المرة وقال عنه: (هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلا به)، وعن المرتين: (هذا وضوء من يضاعف له الأجر مرتين)، أما الثالثة فقال عنها: (هي وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي)، أي أنه (ص) كان يعني بأن هذا الفعل - على فرض صحة صدوره عنه - هو مختص به وبالأنبياء وليس حكما عاما للمسلمين، بل وضوء المرتين هو ما يضاعف به الأجر، ويمكن للمسلمين العمل به. أما عثمان فقد جاء ليعمم هذه الرؤية ويجعلها سنة رسول الله يجب الاقتداء بها وفقا لرأيه. 3 - المعروف عن عثمان أنه كان من المتشددين في الدين ذلك التشدد المنهي عنه، حتى قيل عنه بأنه كان يغتسل كل يوم خمس مرات، وكان لا يرد على سلام المؤمن إذا كان في حالة الوضوء، وقال هو عن نفسه بأنه لا يمد يده الى ذكره منذ بايع رسول الله، وغيرها من الأخبار المنقولة. ومن البين أن مثل هذه الحالة النفسية الميالة الى التزيد والمبالغة في التطهر تجعل صاحبها مهيأ للتزيد في عدد غسلات الوضوء، ولتفضيل الغسل على المسح مادام يحقق مزيدا من الأنقاء، وقد تفتح هذه الحالة أمامه بابا للأكثار والتزيد لا يكاد يوصد. 4 - أشرنا سابقا الى أن الثورة على عثمان كانت تستبطن أمرا دينيا، وأن المنتفضين كانوا يطلبون من الخليفة العمل بالكتاب وسنة رسول الله، وأن مواقفهم ضده توحي بأنهم كانوا يشككون في إيمانه، وأن الخليفة جاء ليؤكد لهم على إيمانه ويذكرهم بمواقفه في الأسلام كقوله لهم: أنشدكم الله هل علمتم أني اشتريت رومة من مالي يستعذب بها، فجعلت رشائي منها كرشاء رجل من المسلمين!

[ 104 ]

قال: قيل: نعم قال: فما منعني أن أشرب منها حتى أفطر على ماء البحر! قال: أنشدكم الله، هل علمتم أني اشتريت كذا وكذا من الأرض فزدته في المسجد؟ قيل: نعم قال: فهل علمتم أحدا من الناس منع أن يصلي فيه قبلي! قال: أنشدكم الله، هل سمعتم مني... فالخليفة وبتذكيره المسلمين هذه الأمور أراد الأشارة الى قداسته، وأراد إبعاد نيران الثورة عنه. 5 - إشغال الناس بالخلافات الفقهية والفرعية، وذلك دفعا لهم عن الخوض في ذكر مساوئ سياسته المالية والأدارية، وأن ابن عوف وابن أبي وقاص وعليا وغيرهم من كبار الصحابة قد اهتموا بالفعل لمناقشة آراء الخليفة الجديدة وقد كلفهم ذلك كثيرا من الجهد والوقت. 6 - من أكبر الدوافع وأعمقها في تغيير سياسة عثمان، هو التفاف بني أمية حوله وابتعاد كبار الصحابة من التعاون مع الخليفة، مما خلق لدى الخليفة فجوة واسعة وفراغا فقهيا وعقائديا لم يسد إلا بالأمويين ومروان بن الحكم وكعب الأحبار. كانت هذه من أهم النقاط التي أفرغت الخليفة والخلافة من محتواها وأبهتها وقداستها، وحدت بالخليفة أن يلتزم آراء فقهية مغلوطة وسياسات غير منهجية، فكان نتاجها تخطي سيرة الرسول وترك العمل بالكتاب. عود على بدء بهذا.. فقد عرفنا بأن النقمة على عثمان كانت تستبطن أمرا دينيا، ملخصه عدم عمل الخليفة بكتاب الله وسنة نبيه بل إحداث أمور لم تسن على عهد

[ 105 ]

الرسول ولم يعمل بها الشيخان، ولذا نراهم يطالبونه - مؤكدين عليه - بالرجوع إلى الكتاب والعمل بسنة رسوله والشيخين، ويخصون على العمل بسيرة الشيخين بمزيد من التأكيد لأنه كان قد عاهدهم على ذلك من قبل. فقد أخرج الواقدي بإسناده عن صهبان - مولى الأسلميين - في حديث طويل: قال أبو ذر لعثمان: إتبع سنة صاحبيك لا يكن لأحد عليك كلام. فقال له عثمان: مالك وذلك لا أم لك! فقال له أبو ذر: والله ما وجدت عذرا إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فغضب عثمان، وقال: أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب، إما أن أضربه، أو أحبسه، أو أقتله.. فإنه قد فرق جماعة المسلمين، أو أنفيه من الأرض! أجابه أبو ذر بقوله: أما رأيت رسول الله ورأيت أبا بكر وعمر؟.. هل رأيت هذا هديهم؟!... إنك لتبطش بي بطش جبار! فقال عثمان: أخرج عنا من بلادنا! فقال أبو ذر: ما أبغض إلى جوارك، أين أخرج... (1) - الخبر. كانت هذه سياسة عثمان مع الصحابة، فإن النصيحة تستوجب النقمة والأبعاد، وتهمة تفريق جماعة المسلمين وراء من يريد النصح لله! أولم تكن رغبة الناصح هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟.. أولم يقل أبو بكر لجموع المسلمين: قوموني، فلست بأعلمكم.. أو: بخيركم؟.. أو قوله: فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني؟ ثم.. أولم يتبع عمر أبا بكر في سيرته بهذا الشأن؟ فلماذا لا يقبل الخليفة الثالث نهج من سبقه، ولماذا لا نراه يستشير الصحابة في الأحكام الشرعية، كما كان الشيخان، بل يريد أن يحدث في الأحكام ويشرع دون أن يقف أمامه أحد؟


(1) الفتوح، لابن أعثم 1: 11، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 3: 57.

[ 106 ]

فالصحابة كانوا يسعون للحفاظ على وحدة الصف دوما، لكن الخليفة استغل ذلك التعاطف الديني، وتصرف بالأمور من أجل ترسيخ دعائم سياسته الخاصة! فقد نقل عن ابن عوف - على رغم مخالفته لعثمان - بأنه عندما خرج من عند عثمان، يوم اعترض عليه في اتمامه الصلاة بمنى، لقي ابن مسعود فقال ابن مسعود: الخلاف شر، قد بلغني أنه صلى أربعا فصليت بأصحابي أربعا. فقال عبد الرحمن بن عوف: قد بلغني أنه صلى أربعا، فصليت بأصحابي ركعتين، أما الان فسوف يكون الأمر الذي تقول، يعني نصلي معه أربعا (1). وقيل لابن مسعود: ألم تحدثنا أن النبي صلى ركعتين، وأبا بكر صلى ركعتين؟ فقال: بلى، وأنا أحدثكموه الان.. ولكن عثمان كان إماما فما أخالفه، والخلاف شر (2). وقيل لابن عمر: عبت على عثمان ثم صليت أربعا! قال: الخلاف شر (3). وجاء في طبقات ابن سعد: إن ناسا من أهل الكوفة قالوا لأبي ذر - وهو بالربذة -: إن هذا الرجل فعل بك ما فعل، هل أنت ناصب لنا راية (يعني نقاتله)؟ قال: لا، لو أن عثمان سيرني من المشرق إلى المغرب، سمعت وأطعت (4). كانت هذه حالة الصحابة مع عثمان في السنوات الست الأولى، أما عندما رأوا أن الدين على خطر، فقد تغيرت سياستهم العامة ووقفوا بوجهه وأفتوا بقتله، كما صدر عن السيدة عائشة: اقتلوا نعثلا، فقد كفر. وقد أخرج الثقفي في تاريخه عن سعيد بن المسيب، قال: لم يكن مقداد


(1) الكامل في التاريخ 3: 104، البداية والنهاية 7: 228. (2) سنن البيهقي 3: 144، البداية والنهاية 7: 228. (3) نفس المصدر السابق. (4) الطبقات 4: 227، أنساب الأشراف 5: 56.

[ 107 ]

وعمار يصليان خلف عثمان، ولا يسميانه بأمير المؤمنين. وعليه.. فالثورة - بنظرنا - لم تكن لأسباب شخصية، ولا تنحصر في اختلاس ذوي رحم الخليفة من بيت المال، وتولية الفساق، والتنكيل بالصحابة، وإرجاع المطرودين، وغيرها من الأحداثات المذكورة، بل يمكن عزو الثورة إلى عامل ديني وهو: عدم العمل بالكتاب والسنة النبوية، وإتيان ما لم يكن في الشريعة. وهذا هو الذي جعل البعض من الصحابة يوجب على نفسه التقرب إلى الله بدم عثمان.. بل ونرى من الصحابة من يوصي بعدم صلاة عثمان عليه بعد وفاته (1)، وثالث ورابع... و جاء في تاريخ المدينة المنورة (2): بأن عبد الله بن مسعود قال: ما سرني أني أردت عثمان بسهم فأخطأه وأن لي مثل أحد ذهبا. وقوله: إن دم عثمان حلال (3). وقال الحجاج بن غزية الأنصاري: والله لو لم يبق بين أجله إلا ما بين العصر إلى الليل لتقربنا إلى الله بدمه (4). وروى شعبة بن الحجاج، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن عوف قال: قلت له: كيف لم يمنع أصحاب رسول الله عن عثمان؟ فقال: إنما قتله أصحاب رسول الله (5).


(1) وقد جاء في أنساب الأشراف 5: 57 وشرح النهج لابن أبي الحديد 3: 28 بأن عبد الرحمن أوصى بأن لا يصلي عليه عثمان، فصلى عليه الزبير أو سعد بن أبي وقاص، وقد كان حلف لما تتابعت أحداث عثمان ألا يكلمه أبدا. وقد أوصى ابن مسعود مثل ذلك، انظر: شرح النهج لابن أبي الحديد 3: 42. (2) تاريخ المدينة المنورة 3: 1052. (3) أنساب الأشراف 5: 36. (4) أنساب الأشراف 5: 90. (5) شرح النهج لابن أبي الحديد 3: 27 - 28.

[ 108 ]

وروي عن أبي سعيد الخدري، انه سئل عن مقتل عثمان: هل شهده أحد من أصحاب رسول الله (ص)؟ فقال: نعم، شهده ثمانمائة، أو قوله لعلي: فإذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي، إنه خالف ما أعطاني (1). وقال ابن عمر - كما روى الواقدي عنه -: والله ما فينا إلا خاذل أو قاتل (2). وقال سعد بن أبي وقاص: وأمسكنا نحن ولو شئنا دفعناه عنه. وفي النصين الأخيرين إشارة إلى إمكان نصرته، لكنهم أحجموا! لماذا؟! ونحن أمام هذا الواقع.. إما أن نجرد سعدا وابن عمر من الحمية الدينية أو نقول بمشروعية جواز قتل الخليفة، ولا ثالث. ومن المؤشرات الدالة على أن الثورة على عثمان كانت ذات دافع دينى ما مر من رسالة من بالمدينة من أصحاب محمد، إلى من بالافاق، التي جاء فيها: إنكم إنما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله، تطلبون دين محمد، فإن دين محمد قد أفسده من خلفكم (وفي الكامل: خليفتكم)، وترك... فهلموا، فأقيموا دين محمد (3). وجاء في كتاب المهاجرين الأولين إلى من بمصر من الصحابة والتابعين: أما بعد: أن تعالوا إلينا، وتداركوا خلافة رسول الله قبل أن يسلبها أهلها.. فإن كتاب الله قد بدل، وسنة رسول الله قد غيرت، وأحكام الخليفتين قد بدلت، فننشد الله من قرأ كتابنا من بقية أصحاب رسول الله والتابعين بإحسان إلا أقبل إلينا وأخذ الحق لنا وأعطاناه.. فأقبلوا إلينا إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر، وأقيموا الحق على النهج الواضح الذي فارقتم عليه نبيكم وفارقكم عليه الخلفاء.


(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 3: 28، أنساب الأشراف 5: 57. (2) شرح النهج لابن أبي الحديد 3: 8. (3) تاريخ الطبري 4: 367، الكامل في التاريخ 3: 168.

[ 109 ]

وقد روي من طرق مختلفة وبأسانيد كثيرة أن عمارا كان يقول: ثلاثة يشهدون على عثمان بالكفر وأنا الرابع، وأنا أشد الأربعة لقوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وأنا أشهد الله إنه قد حكم بغير ما أنزل الله. وروي عن زيد بن أرقم من طرق مختلفة انه قيل له: بأي شئ كفرتم عثمان؟ فقال: بثلاث، جعل المال دولة بين الأغنياء، وجعل المهاجرين من أصحاب رسول الله بمنزلة من حارب الله ورسوله، وعمل بغير كتاب الله (1). وهناك الكثير من هذه النصوص التي تشير الى ترك الخليفة الثالث العمل بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الشيخين، مما لها الدور الأكبر في قتله، فعدم العمل بكتاب الله وسنة نبيه لا يمكن تخصيصه بتقريبه لأهله غير المنزهين، وإن كانت تدخل ضمن عدم العمل بكتاب الله. وما ذكره الطبري في حوادث (35) من دفاعيات عثمان عن إحداثاته تؤكد بأن الثورة عليه - كما قلنا - كانت دينية، إذ أن الأشكاليات المطروحة على لسان الخليفة لتؤكد ذلك. قال عثمان: أتم الصلاة في السفر وكانت لا تتم، ألا وأني قدمت بلدا فيه أهلي، أو كذلك؟!! قالوا: نعم. أو كذلك؟!! قالوا: نعم. { قال عثمان } وقالوا: كان القرآن كتبا، فتركها إلا واحدا، وأن القرآن واحد، جاء من عند واحد، وإنما أنا في ذلك تابع لهؤلاء، أكذلك؟ قالوا: نعم. وقالوا: اني رددت الحكم وقد سيره رسول الله، والحكم مكي، سيره رسول الله من مكة إلى الطائف ثم رده رسول الله، فرسول الله (ص) رده، أكذلك؟!!


(1) انظر: شرح النهج لابن أبي الحديد 3: 51.

[ 110 ]

قالوا: اللهم نعم. إلى آخر الأشكاليات المطروحة ضد الخليفة ومناقشته لها. هذا ورب سائل يسأل بعد كل ما قدمناه: كيف يمكن الاطمئنان إلى استنتاجكم، ونحن نرى الأمام علي بن أبي طالب يقول في خطبته، عن قتل عثمان: 1 - لو أمرت به لكنت قاتلا، أو نهيت عنه لكنت ناصرا (1). 2 - ما قتلت عثمان، ولا مالأت على قتله (2). 3 - قتله الله وأنا معه (3). فإن هذه الكلمات لا توافق ما توصلتم إليه، إذ لو كان عثمان قد أحدث في الدين ولزم ما يوجب خلعه، لتصدي الأمام لقتله، ولما قال ما قال فيه، وكذا المشهور في كتب التاريخ من أنه أرسل الحسن والحسين للدفاع عنه لما كان محاصرا، فبم تعللون ذلك؟ نلخص جواب ذلك في أربع نقاط: الأولى: لا تدل النصوص الثلاثة على تفاعل الأمام مع عثمان وعدم تجويز قتله، وأن لجملة (ما قتلت عثمان) معنى سنشير له، بل نرى في جملة (أو نهيت عنه لكنت ناصرا) عكس ذلك، حيث يعد الدفاع عنه نصرة له، وهذا ما لا يرتضيه، وبذلك يكون دم عثمان بنظره من الأمور المباحة، إذ نراه لا يأمر به ولا ينهى عنه، فقد قال بذلك لما رأى تعاضد المدنيين مع الوافدين من الأمصار لقتل عثمان وتشكيلهم جبهة ضده.. فأسقطوا ما في ذمة الأمام من واجب، إذ أن تنحية الحاكم الفاسد أمر كفائي، فلو تصدى له جمع سقط عن الاخرين، ولو لم يكن


(1) نهج البلاغة 1: 71 / 29. (2) تاريخ المدينة المنورة 4: 1263، 1265. (3) تاريخ المدينة المنورة 4: 1259، 1268.

[ 111 ]

هناك من يقدم على عزل عثمان، لتدخل الأمام - ولو بمفرده - وحسم أمر الخليفة. الثانية: إن في جملة الأمام (ما قتلت عثمان، ولا مالأت على قتله) تنويها بأن الجموع المقدمة على قتل الخليفة كثيرة، بحيث قال ابن عمر: (ما منا إلا خاذل أو قاتل)، وأن إقدام الجموع أسقطت الواجب عن الأمام، ونفت لزوم إقدامه، ولم توجب إصداره لمثل ذلك القرار، وإن كان يرى هذا العمل ويرتضيه. فالأمام - وعلى فرض المحال - لو أراد نصح المنتفضين لما استجابوا له، إذ أنه قد أخذ المواثيق الغليظة - المرة تلو الأخرى - من عثمان، لكنه نقضها في جميع الحالات وواصل طريق إحداثاته (1). وعليه.. فالأمام لم يكن آمرا بقتل عثمان، ولا داعيا له - بهذا المعنى - وإن كان يرتضي ذلك قلبا. الثالثة: إن في جملة (قتله الله وأنا معه) إشارة إلى أن الله حكم بقتله، لأحداثاته المتكررة وأوجبه عليه، وأنا مع حكم الله، لأن من المعلوم أن الله تعا لى لم يقتله على الحقيقة، فإضافة القتل إليه لا تكون إلا بمعنى الحكم والرضا، وليس بممتنع أن يكون مما حكم الله تعالى به ما لم يقله [ علي ] بنفسه، ولا آزر عليه ولا شايع فيه. وقد جاء هذا المعنى صريحا فيما رواه الضبيعي، قال: قلت لابن عباس: إن أبي أخبرني أنه سمع عليا يقول: ألا من كان سائلي عن دم عثمان، فإن الله قتله وأنا معه. فقال: صدق أبوك، وهل تدري ما معنى قوله!... إنما عنى: الله قتله وأنا مع الله (2). الرابعة: أما ما قلتموه بأن عليا أرسل الحسن والحسين للدفاع عنه، فقد اختلف المؤرخون فيه.. فمنهم من شكك في صحة الخبر، ومنهم من نفاه عنه


(1) انظر: أنساب الأشراف 5: 63 - 64 وغيره من كتب التاريخ. (2) شرح النهج، لابن أبي الحديد 3: 66.

[ 112 ]

وعلى فرض الصحة، فعلي بن أبي طالب إنما أرسل ابنيه لايصال الماء والغذاء إليه، وهذا خلق إسلامي لا يستبعد صدوره من الأمام. علما بأن المستحق للقتل أو الخلع، لا يحل منع الطعام والشراب عنه، وأن أمير المؤمنين لم يمنع أهل الشام من الماء في صفين مع تمكنه من منعهم (1). وعليه.. فقد تأكد أن الأمام كان من المجيزين لقتل عثمان وإن لم يكن من الداعين إلى ذلك، ويمكن أن تضاف أقواله هذه إلى ما سردناه من نصوص ومواقف للصحابة من قبل. والان ندع هذه المقدمة لنواصل الدراسة، راجين أن لا نكون بدرجنا لما سبق قد أغضنا أحدا، بل أنها كانت رؤية ألزمنا الطبري وابن الأثير وغيرهم من المؤرخين بطرحها، ونحتمل أن تكون هي إحدى تلك الأسباب التي تخوفوا من نقلها رعاية لحال العامة!! لكنا وكما قلنا سابقا نعتقد أن مناقشة النصوص والوقوف على الحقيقة، ضرورة علمية ينبغي متابعتها في جميع الأخبار التاريخية، وأن طرح رأي أو ترجيح آخر في مثل تلك الدراسات لا يعاب من الباحث، إذ الأدلة هي التي تلزمه الطرح أو الترجيح. أما تصور ذلك عند المؤرخين - كما رأيناه عند الطبري وابن الأثير وذكرهم لخبر العاذرين لمعاوية في نفيه لأبي ذر مع وجود أخبار أخرى، أو استبعاد ابن الأثير صدورها مع تواتر النقل فيها، فنراه هو القبح بعينه، لانهم مؤرخون، والمؤرخ من شأنه أن لا ينحاز في نقله للأحداث إلى جهة دون أخرى، هذا وإن رسالة من بالمدينة من أصحاب محمد إلى من بالافاق، ورسالة المهاجرين إلى من بمصر من الصحابة، وكلمات الصحابة ومواقفهم من إحداثات عثمان، والتقرب بدمه إلى الله، وغيرها... إنما يعضد بعضها البعض ويرجح ما توصلنا إليه من أن


(1) انظر: شرح النهج لابن أبي الحديد 3: 15 وغيرها من كتب التاريخ.

[ 113 ]

الثورة على الخليفة عثمان كانت تستبطن أمرا دينيا، وأنه قتل لأحداثاته تلك وإن كنا لا ننكر ما للدوافع المالية والاقتصادية من دور في الأمر. علما بأنه لم يقل أحد في سبب قتل عمر بن الخطاب أو علي بن أبي طالب إنه كان بسبب إحداثهما، بل نرى المسلمين يبكون عليهما ويشيعونهما ويصلون عليهما ويوارونهما التراب بحزن وأسى، وألقوا القبض على قتلتهما، ولم ترهم يفعلون ذلك مع عثمان بل كفروه لما فعله في الست الأواخر من حياته ورموه بالابتداع والاحداث وزهدوا فيه بعد قتله، فلم يواروه التراب إلا بعد ثلاثة أيام! ونحن لا نريد من طرحنا لما سبق إلزام الاخرين بما نقوله، فلهم الخيار في قبوله أو طرحه.

[ 115 ]

من هم (الناس) في الوضوء وما هي منزلتهم؟ تناولنا فيما سبق تحديد زمن النزاع وتعيين أطرافه، واستكمالا للبحث لابد من التعرف على (الناس) المعني بهم في حديث الوضوء وعلى قيمتهم.. فهل هم يا ترى من غمار الصحابة، أم من كبارهم؟؟ إن البت بذكر أسمائهم صعب جدا، لكن الشواهد والقرائن تدلنا على كونهم من الرعيل الأول، ومن فقهاء الصحابة الذين يعتنى بآرائهم، وممن عارضوا عثمان في أكثر من فكرة وموقف. وسنتعرف على أسماء بعض أولئك (الناس) وفق المقدمات والقرائن، التالية: 1 - طرحنا - وبشكل إجمالي (1) - بعض اجتهادات عثمان في قضايا مختلفة، ثم حصرنا أسماء المعارضين له في تلك القضايا. 2 - جردنا أسماء المخالفين لاجتهادات عثمان من الصحابة، ثم وقفنا على أسماء المخالفين المكثرين من تخطئته ومن اطرد منهم في ذلك. 3 - النظر إلى أولئك (الناس) وهل أنهم قد رووا ما يوافق عثمان في الوضوء، أم كانوا من مخالفيه؟!


(1) كنا قد درسنا المسألة، بصورة تفصيلية واستقرائية، لكننا تركنا عرضها هنا تج‍ نبا الأطالة.

[ 116 ]

(الناس) في الأحداثات الأخرى؟!! 1 - الصلاة بمنى: ذكرنا أكثر من مرة خبر إتمام عثمان الصلاة بمنى وغيرها من إحداثاته، لكنا بإعادتنا الأخبار هنا نريد الوقوف على أسماء مخالفيه في تلك القضايا ثم تطبيقها على ما نحن فيه. لقد ناقشه في رأيه الجديد عبد الرحمن بن عوف وفند مزاعمه في حديث طويل (1)، وكذا أبو هريرة وابن عمر وحتى عائشة قد رووا ان الصلاة في السفر ركعتان، لكن عائشة وكما ستقف أتمت الصلاة وربعتها بعد مقتل عثمان (2). وعن ابن جريح، قال: سأل حميد الضمري ابن عباس فقال: اني أسافر فأقصر الصلاة في السفر أم أتمها؟ فقال ابن عباس: (لست تقصرها ولكن تمامها وسنة رسول الله، خرج رسول الله آمنا لا يخاف إلا الله فصلى اثنتين حتى رجع، ثم خرج أبو بكر لا يخاف إلا الله فصلى اثنتين حتى رجع، ثم فعل ذلك عثمان ثلثي إمارته أو شطرها ثم صلاها أربعا) (3). وعن عروة: (إن رسول الله صلى الرباعية بمنى ركعتين، وان أبا بكر صلاها بمنى ركعتين وان عمر بن الخطاب صلاها بمنى ركعتين، وان عثمان صلاها بمنى ركعتين شطر إمارته ثم أتمها بعد) (4). وقد اعترف عثمان - على أثر اعتراض الناس - بأن هذه الصلاة ليست بسنة


(1) مر عليك في ص 79. (2) انظر زاد المعاد 1: 130 صلاته (ص) في السفر، وقد قال ابن حجر: وأما فعل عثم‍ ان وعائشة فانهما تأولا تأويلا خالفهما فيه غيرهما من الصحابة. (3) كنز العمال 8: 238 / 22720. (4) الموطأ 1: 402 / 201.

[ 117 ]

رسول الله ولا سنة صاحبيه. فعن حميد عن عثمان: انه أتم الصلاة بمنى ثم خطب فقال: (أيها الناس ان السنة سنة رسول الله وسنة صاحبيه ولكنه حدث العام من الناس فخفت أن يستنوا) (1) وعليه، فقد تمخض الرأي الجديد الذي طرحه عثمان في صلاة المسافر عن مخالفة كل من: علي بن أبي طالب، عبد الرحمن بن عوف، عبد الله بن مسعود، وأبي هريرة، وكان من قبلهم: النبي (ص)، والشيخان، بل عثمان نفسه في صدر خلافته.. حيث إنهم قد صلوها قصرا، وبذلك يمكن عدهم من المخالفين لرأيه الجديد. وخالفه أيضا من وجوه الصحابة، كل من: عبد الله بن عباس (2)، عبد الله بن عمر (3)، عمران بن حصين (4)، أنس بن مالك (5)، حفص بن عمر (6)، وعروة بن الزبير (7)، وعائشة (8). فتحصل: ان المخالفين لعثمان في رأيه الفقهي المستحدث في إتمام الصلاة هم:


(1) سنن البيهقي 3: 144. (2) انظر: كنز العمال 8: 238 / 22720. (3) انظر: المحلى، لابن حزم 4: 270، صحيح مسلم 1: 482 / 17. (4) انظر: سنن البيهقي 3: 135، أحكام القرآن، للجصاص 2: 254. (5) انظر: البخاري 2: 53، مسلم 1: 481 / 15، مسند أحمد 3: 190، سنن البيهقي 3: 136 و 145، ومجمع الزوائد 2: 155. (6) انظر: مسند أحمد 3: 159، مجمع الزوائد 2: 155. (7) انظر: الموطأ 1: 402 / 201. (8) مجمع الزوائد 2: 154.

[ 118 ]

النبي الأكرم (ص). أبو بكر. عمر بن الخطاب. علي بن أبي طالب. عبد الرحمن بن عوف. عبد الله بن عباس. أبو هريرة. عبد الله بن مسعود. عبد الله بن عمر. أنس بن مالك. عروة بن الزبير. عمران بن حصين. حفص بن عمر. عائشة بنت أبي بكر. فالأحاديث المعارضة لرأي عثمان الصلاتي كثيرة جدا، قد يصعب استقصاؤها وحصرها، وقد اعتبرنا رواة قصر النبي الصلاة بمنى من مخالفي عثمان الفقهيين، وكذا الحال بالنسبة إلى فعل النبي والشيخين. ولم تقف حدود الاعتراض على رأي الخليفة الجديد عند هذا الحد، بل تعدته حتى صارت عامة الناس تنقم عليه.. فقد مر في حديث ابن عباس، قوله: فعاب ذلك غير واحد من أصحاب النبي، حتى جاءه علي فيمن جاءه (1)... الخ. وقال ابن حجر العسقلاني: أخرج أحمد والبيهقي من حديث عثمان: وأنه


(1) تاريخ الطبري 4: 267 سنة 29، المنتظم 5: 5.

[ 119 ]

لما صلى بمنى أربع ركعات، أنكر الناس عليه (1).... فالمخالفون لعثمان إذن هم (ناس) كثيرون من الصحابة والتابعين يشكلون تيارا قويا قبال التوجه الجديد للخليفة، لكن تسلم عثمان لزمام أمور السلطة وشدته في مواجهة معارضيه، جعلت بعض مخالفيه من الصحابة الفقهاء يتخذون موقف الصمت، أو مسايرة الخليفة في بعض آرائه خوفا من بطشه، أو من سراية الخلاف إلى نتائج لا تحمد عقباها على المدى البعيد ومستقبل الرسالة، ولذا نراهم قد صلوا مثل صلاته، على الرغم من علمهم الجازم ببطلان دعوى عثمان وسقوط مستندها، كل ذلك إما خوفا على أنفسهم، أو توقيا للفتنة، إذ الخلاف شر (2)، أو انه كان يظن بنفسه - بعد أن أجلس في هذا المكان المقدس - يستطيع أن يشرع ما يحلو له فراح يسم غير إبله!! وان في اعتراضات الصحابة على عثمان إشارة إلى أنهم كانوا لا يرون للخليفة حق الأحداث في الدين وتشريع ما لم يكن سائغا في شريعة المسلمين وإن كانوا يسايرونه رهبة أو رغبة أو.... وحتى أولئك الذين سايروا عثمان في إحداثاته السابقة لا نراهم يوافقونه فيما رواه عن رسول الله في الوضوء بل نر اختصاص تلك الأخبار بنفر يسير لا يتجاوز الأربعة أشخاص، وعلى رأسهم حمران بن أبان. ولا نريد أن نخوض في المسألة أكثر مما قلناه، لعلمنا بكفايته لمن رأى وبصر، وعاش فخبر (3). وثمة عثرات فقهية أخرى للخليفة تؤكد إيماننا بملازمات النتائج التي تمخض عنها بحثنا في الوضوء، ومن جملتها نصل إلى: 1 - إن فقه الخليفة غير مستمد من فقه الرسول وكتاب الله ومخالف لما كان


(1) فتح الباري 2: 456. (2) انظر: سنن البيهقي 3: 144، الكامل في التاريخ 3: 104، تاريخ الطبري 4: 268. (3) سنفصل ذلك بالشواهد في الفصول اللاحقة إن شاء الله.

[ 120 ]

عليه الشيخان. 2 - ضعف حجج الخليفة ووهنها الظاهر. 3 - ثبوت مخالفته لرهط كبير من كبراء أصحاب النبي (ص). 2 - العفو عن عبيد الله بن عمر: إن القصاص وقتل القاتل - مثلا - من أهم الحدود التي أكدت عليها الشريعة لأقامة العدل وردع المعتدين، وقد بينه الكتاب صراحة، وأكدته السنة قولا وعملا، ولا خلاف فيه بين اثنين، ناهيك عن رأي الصحابة في هذا الحكم المسلم الثابت. قال عمر - عندما نقلوا له فعل ابنه عبيد الله، واستفتوه فيه -: انظروا إذا أنا مت، فاسألوا عبيد الله البينة على الهرمزان، هو قتلني؟ فإن أقام البينة، فدم‍ ه بدمي، وإن لم يقم البينة، فأقيدوا عبيد الله من الهرمزان (1). وكان عثمان يذهب إلى ذات الرأي الفقهي - قبل أن تناط به الخلافة - فقد روي أنه: أقبل عثمان - وذلك في ثلاثة أيام الشورى قبل أن يبايع له - حتى أخذ برأس عبيد الله بن عمر، وأخذ عبيد الله برأسه، ثم حجز بينهما (2). وروي عن أبي وجزة، عن أبيه، قال: رأيت عبيد الله يومئذ وأنه ليناصي عثمان، وأن عثمان ليقول: قاتلك الله، قتلت رجلا يصلي، وصبية صغيرة [ بنت أبي لؤلؤة ]، وآخر في ذمة رسول الله [ جفينة ]؟! ما في الحق تركك (3). بعد ذلك بدا لعثمان أن يتريث ولايجمع قتل عمر وابنه معا، ولأنه [ حسب


(1) سنن البيهقي 8: 61 - 62. (2) طبقات ابن سعد 5: 15، أنساب الأشراف 5: 24. (3) سنن البيهقي 8: 61، طبقات ابن سعد 5: 16، تاريخ الطبري 4: 239.

[ 121 ]

مدعاه الفقهي ] ولي الدم.. عفا عن عبيد الله، ولم يقتص منه (1)! وجعل ديته في بيت المال. والذي دفعه لاتخاذ هذا الرأي القصاصي هو عمرو بن العاص، بحجة ان الحادث وقع قبل خلافته، وقد نسب البعض ذلك إلى جمع آخر من المهاجرين، إلا أن المعاصرين لعثمان من الصحابة والتابعين لم يروا ذلك إلا من تدخل عمرو بن العاص (2) وبهذا فقد خالف عثمان في ذلك كل من: عمر بن الخطاب (3). علي بن أبي طالب (4). المقداد بن عمرو (5). زياد بن لبيد البياضي الأنصاري (6).


(1) السنن الكبرى 8: 61 - 62، طبقات ابن سعد 5: 15 - 17، الطبري 4: 239. (2) تاريخ الطبري 4: 239، في طبقات ابن سعد (5: 16): وفيه قول والد أبي وجزة: فعجبت لعثمان حين ولي كيف تركه، ولكن عرفت أن عمرو بن العاص كان دخل في ذلك فلفته عن رأيه. وذهب إلى ذلك المطلب بن عبد الله، وذهب إليه الزهري أيضا، كما في الطبقات 5: 16 - 17. وذكر الطبري: إن عمرو بن العاص هو الذي حثه على العفو 4: 239، وانظر الرياض، لمحب الدين الطبري 3: 87، الأصابة، لابن حجر 3: 619. وذهب إلى ذلك سعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي بكر، كما في أدب القضاء، للكرابيسي، والطبري 4: 240، وابن حجر في الأصابة 3: 619. (3) سنن البيهقي 8: 61، شرح النهج لابن أبي الحديد 3: 60. (4) أنساب الأشراف 5: 24، طبقات ابن سعد 5: 17، الطبري 4: 239، الكامل في التا ريخ 3: 75، وفي الأنساب: فقال علي: أقد الفاسق، فإنه أتى عظيما، قتل مسلما بلا ذنب. (5) تاريخ اليعقوبي 2: 163 - 164، وفيه: إن المقداد قال لعثمان: إن الهرمزان مو لى لله ولرسوله، لك أن تهب ما كان لله ولرسوله، قال: فننظر، وتنظرون. (6) تاريخ الطبري 4: 239، الكامل في التاريخ 3: 75.

[ 122 ]

سعد بن أبي وقاص (1). والأكابر من أصحاب رسول الله (ص) (2). والمهاجرون والأنصار (3). والمهاجرون الأولون (4). والناس (5). وقد مر عليك أن عثمان نفسه كان له رأي مخالف لرأيه الذي ارتآه فيما بعد! 3 - رده للشهود وتعطيل الحدود: ولهذا الرأي الفقهي الجديد من قبل الخليفة الثالث، نظير في الحدود أيضا، حيث انه قام بتعطيل الحدود، ورد الشهود الذين شهدوا على الوليد بن عقبة بشرب الخمر، وقد خالفه في ذلك كل من: علي بن أبي طالب (6). طلحة (7). الزبير (8).


(1) طبقات ابن سعد 5: 16، تاريخ الطبري 4: 239. (2) طبقات ابن سعد 5: 16 - 17، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب. (3) طبقات ابن سعد 5: 17، عن الزهري، وفيه: فأجمع رأي المهاجرين والأنصار على كلمة واحدة يشجعون عثمان على قتله. (4) طبقات ابن سعد 5: 15، قوله: فاجتمع المهاجرون الأولون فأعظموا ما صنع عبيد الله من قتل هؤلاء واشتدوا عليه، وزجروه. (5) تاريخ اليعقوبي 2: 163، طبقات ابن سعد 5: 17، شرح النهج لابن أبي الحديد 3: 60. (6) أنساب الأشراف 5: 33، عن الواقدي. (7) أنساب الأشراف 5: 33 - 35، أخرج من عدة طرق. (8) المصدر السابق نفسه.

[ 123 ]

عائشة (1). عبد الله بن مسعود (2). جندب بن زهير (3). أبو حبيبة الغفاري (4). ورهط من أصحاب رسول الله (5). والناس (6). كشفت لنا جملة هذه الاراء الفقهية في الوضوء، والصلاة، والقصاص، والحدود عن وجود عدد مخالف كبير من الصحابة والتابعين، وقد عبر عنهم في ألفاظ الرواة والمؤرخين، في أحايين كثيرة، بلفظ (الناس) إشعارا منهم بضخامة الكم المعارض لفقه عثمان وآرائه الفقهية. وكان أولئك المعارضون يقدمون الأدلة القاطعة، ويحتجون على الخليفة بتعطيل الحدود، ومخالفة نظره ورأيه لما ثبت عن رسول الله وجاء في القرآن. فالنماذج المقدمة تشير بوضوح إلى جملة من آراء الخليفة الثالث الفقهية، و إلى الدور الذي لعبه كبار الصحابة في معارضة تلك الاراء، ويعد بعض كبار الصحابة من المعارضين المطردين معه، كعلي، وعبد الله بن عباس، وطلحة، والزبير، وعبد الله بن عمر، وعائشة، والأخيران قبل خلافة علي! وكان هؤلاء أكثر من ورد عنهم في تقويم فقه الخليفة ومعارضته.. وإذا ما أصر


(1) المصدر السابق نفسه، عن أبي إسحاق، والواقدي. (2) تاريخ الطبري 4: 274، السيرة الحلبية 2: 284، الكامل في التاريخ 3: 106، تاريخ الخلفاء: 154. (3) أنساب الأشراف 5: 34، عن أبي مخنف، وغيره. (4) المصدر السابق نفسه. (5) انظر الأغاني، عن الزهري. (6) الكامل في التاريخ 3: 106، تاريخ الطبري 4: 277.

[ 124 ]

الخليفة في مواقفه تلك، فهم بين تارك له ناقم، وبين ساكت عنه غير راض. فإذن قد وقفت على ان الأخبار لم تنقل لنا إحصاء دقيقا، ولا ذكرا مفصلا لأسماء من عارض الخليفة من الصحابة الاخرين، ولكن الروايات والنقولات قد أشارت إليهم بألفاظ مختلفة، مثل: الناس. ناس من أصحاب النبي (ص).، رهط من أصحاب النبي (ص). جمع من الأنصار والمهاجرين...، وما شاكلها من عبارات. ومن خلال تتبعنا الدقيق للمرويات، تمكنا من تشخيص بعض أفراد تلك العبارات العامة. فقد نقل من طريق الزهري: إن ابن شاس الجذامي قتل رجلا من أنباط الشام، فرفع إلى عثمان، فأمر بقتله، فكلمه الزبير وناس من أصحاب رسول الله، فنهوه عن قتله، قال: فجعل ديته ألف دينار (1). وهذا النص كما ترى لم يذكر من أسماء الناس المخالفين، إلا الزبير بن العوام، أما الباقون فقد درجهم جميعا في عبارة (ناس من أصحاب رسول الله)، لكن التتبع يدلنا على أن الراوين لحديث النبي (ص) القائل: (لا يقتل مسلم بكافر)، أو الذين نقلوا ما يوافقه معنى عن النبي (ص) أو الصحابة، أو الذين التزموا بذلك هم: عمر بن الخطاب (2). علي بن أبي طالب (3).


(1) الأم 7: 321، السنن الكبرى 8: 33. (2) نيل الأوطار 7: 151، وفيه: ما رويناه عن عمر أنه كتب في مثل ذلك أن يقاد به، ثم ألحقه كتابا، فقال: لا تقتلوه، ولكن اعتقلوه. (3) صحيح البخاري 9: 16، سنن الدارمي 2: 190، سنن ابن ماجة 2: 887 / 2658، سنن النسائي 8: 23، سنن البيهقي 8: 28، صحيح الترمذي 2: 432، مسند أحمد 1: 79، الأم 6: 38 و 105، أحكام القرآن للجصاص 1: 143، أحكام القرآن للشافعي 1: 275.

[ 125 ]

مالك الأشتر (1). قيس بن سعد بن عبادة (2). عائشة (3). عبد الله بن عباس (4). عبد الله بن عمرو بن العاص (5). عبد الله بن عمر بن الخطاب (6). عمران بن الحصين (7). فالمظنون أن بعض هؤلاء كانوا ممن كلم عثمان ورده عن قتله المسلم بالذمي، لأن عينة الراوين للحديث هم هؤلاء الصحابة، وقد كلم ناس من أصحاب الرسول (ص) عثمان في ذلك، فلا يعقل أن يكون المكلمون له ليسوا من رواة هذا الأثر النبوي والمعتقدين به، إذ لا معنى لتكليمهم وردعهم بلا حجة يحملونها عن رسول الله (ص). ولم تقتصر آراء عثمان الفقهية على رأيه الثلاثي الغسلي في الوضوء، ورأيه


(1) مسند أحمد 1: 119 و 122، سنن أبي داود 4: 180 / 4530، سنن النسائي 8: 24، أحكام القرآن 1: 65: نيل الأوطار 7: 150. (2) سنن البيهقي 8: 29، مسند أحمد 1: 122. (3) سنن البيهقي 8: 30. (4) سنن ابن ماجة 2: 888 / 2660. (5) سنن أبي داود 4: 181 / 4531، مسند أحمد 2: 211، سنن الترمذي 2: 433 / 1434، سنن ابن ماجة 2: 887 / 2659، أحكام القرآن للجصاص 1: 142، نيل الأوطار 7: 150. (6) أحكام القرآن للجصاص 1: 142. (7) الأم 7: 322، سنن البيهقي 8: 29.

[ 126 ]

الأتمامي في الصلاة، ورأيه التسامحي في القصاص، ورأيه الأبطالي في الحدود، ورأيه في قتل المسلم بالذمي، بل امتدت إلى: خطبة صلاة العيدين أيضا!.. فقد قدمها الخليفة الثالث على الركعتين: 4 - تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين روى ابن المنذر، عن عثمان، بإسناد صحيح إلى الحسن البصري، قال: أول من خطب قبل الصلاة عثمان، صلى بالناس، ثم خطبهم، فرأى ناسا لم يدركوا الصلاة، ففعل ذلك، أي: صار يخطب قبل الصلاة (1). هذا، مع أن الثابت روايته من فعل النبي (ص) هو صلاة الركعتين ثم الخطبة. ومن الذين رووا فعل النبي (ص) ذلك: علي بن أبي طالب (2). عبد الله بن عباس (3). عبد الله بن عمر (4).


(1) فتح الباري 2: 361، نيل الأوطار 3: 362، تاريخ الخلفاء: 164 - 165، محاضرة الأوائل: ص 145. (2) الموطأ 1: 179 / ذيل الحديث 5، وفيه: عن أبي عبيد، مولى ابن أزهر، قال: شهدت العيد مع علي بن أبي طالب وعثمان محصور، فجاء فصلى، ثم انصرف فخطب. (3) صحيح البخاري 2: 23، صحيح مسلم 2: 602 / 1، 2، سنن أبي داود 1: 297 / 1142، سنن ابن ماجة 1: 406 / 1273، سنن النسائي 3: 184، سنن البيهقي 3: 296. (4) صحيح البخاري 2: 23، صحيح مسلم 2: 605 / 8، مسند أحمد 2: 38، سنن ابن ماجة 1: 407 / 1276، سنن الترمذي 2: 21 / 529، سنن النسائي 3: 183، سنن البيهقي 3: 296، الأم 1: 235، وفيه: عن عبد الله بن عمر: إن النبي وأبا بكر وعمر كانوا يصلون في العيدين قبل الخطبة. ثم روى الشافعي بعدها بأن معاوية قدم الخطبة.

[ 127 ]

أبو سعيد الخدري (1). جابر بن عبد الله الأنصاري (2). أنس بن مالك (3). عبد الله بن السائب (4). البراء بن عازب (5). بالأضافة إلى عثمان نفسه، حيث كان أولا يصلي ثم يخطب، كما تقدم. السبئية والوضوء رب قائل يقول: إن المعارضين لعثمان في الوضوء وغيره هم أتباع ابن سبأ اليهودي ومن الذين انخدعوا بدعايته ومذهبه، فلا يمكن إذن تخطئة الخليفة لمعارضة صحابة من هذا الطراز؟! إذ أن قائدهم رجل يهودي جاء من صنعاء اليمن وأظهر الأسلام في عصر عثمان، واندس بين صفوف المسلمين، وأخذ يتنقل في بلادهم: الشام، الكوفة، البصرة، مصر، مبشرا بأن للنبي محمد رجعة كما لعيسى بن مريم، وأن جبرائيل أخطأ بنزوله على محمد، حيث كان مأمورا بالنزول على علي! والى غيرها الكثير... وقد نسبوا إلى عبد الله بن سبأ - ذلك الرجل اليهودي - آراء كثيرة واعتبروه


(1) سنن ابن ماجة 1: 406 / 1275، 409 / 1288، سنن البيهقي 3: 296 - 297، المدونة الكبرى 1: 169، صحيح البخاري 2: 23. (2) البخاري 2: 22، مسلم 2: 603 / 403، أبي داود 1: 297 / 1141، النسائي 3: 186، البيهقي 2: 296، 298. (3) المدونة الكبرى، لمالك 1: 169. (4) ابن ماجة 1: 410 / 1290، أبي داود 1: 300 / 1155، النسائي 3: 185، البيهقي 3: 301. (5) صحيح البخاري 2: 23، سنن النسائي 3: 185.

[ 128 ]

داعية الألحاد والشرك، والناشر للمبادئ اليهودية والعقائد الزردشتية. وقد ادعى الأستاذ أحمد أمين أن أبا ذر قد تأثر بأفكار ابن سبأ التي هي أفكار مزدك المجوسي، لما فيها من الزهد والتقوى.. وادعى الاخر بأن حرب الجمل كانت من صنع ابن سبأ، إذ دس جماعات منه في صفوف كل من علي وعائشة، ففزع الجيشان ظنا منهم بأن الخصم قد دس في صفوفه، فاندلع القتال... وغيرها الكثير من الحكايات والقصص. ولا أدري كيف يمكن تصديق هذه الأخبار، وهي أخبار شواذ انفرد بها الطبري عن سيف، وعنه أخذ ابن الأثير وابن كثير وابن خلدون وغيرهم (1)؟ وكيف يمكن ليهودي أسلم في زمان عثمان أن يؤثر إلى هذا المدى على صحابة أجلاء ويخدعهم، كأبي ذر، الذي قال فيه رسول الله: (ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر) (2)! أو كعمار، الذي قال عنه (ص): (إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه) (3). وهل يصح أن نجعل عبد الله بن مسعود، ذلك الصحابي الذي قال فيه رسول الله، بعد أن مسح على رأسه: (إنك غلام معلم) (4) من الذين تأثروا بابن سبأ، واعتبار موقفه من عثمان انه كان بتأثير منه؟ وما معنى فتوى عائشة: اقتلوا نعثلا، فقد كفر (5)؟ فهل كانت عائشة من


(1) حقق ذلك العلامة العسكري في كتابه (عبد الله بن سبأ) فراجع. (2) أنساب الأشراف 5: 54، سنن الترمذي 5: 334 / 3889. (3) مجمع الزوائد 9: 295، حلية الأولياء 1: 139 - 140. (4) سير أعلام النبلاء 1: 465، أسد الغابة 3: 256، المنتظم 5: 30، وما جاء فيها (فتعلم) غلط. (5) انظر (أحاديث أم المؤمنين عائشة) عن الطبري وابن الأثير وابن الأعثم وابن أبي الحديد.

[ 129 ]

أتباع ابن سبأ أيضا؟! وإن ارتضينا أن هؤلاء من أتباع ابن سبأ، فماذا يمكننا أن نقول عن موقف عمرو بن العاص وهو الداهية، الذي كان يؤلب الناس على عثمان بسبب توليته عبد الله بن سعد بن أبي سرح، الذي حكم النبي (ص) بقتله ولو تعلق بأستار الكعبة! ويقول: والله إن كنت لألقى الراعي فأحرضه عليه (1) [ أي على قتله ]؟ وكذا قول عبد الله بن عمر عن عثمان: ما منا إلا خاذل له أو قاتل! هل يعقل أن يكون كل هؤلاء من الشيعة والرافضة وأتباع ابن سبأ؟!! ولو سلمنا جدلا ان هؤلاء من شيعة علي.. فماذا يمكننا أن نفعل برسالة من بالمدينة من أصحاب محمد إلى من بالأمصار، وقولهم فيها: أقدموا! فقد غير من خلفكم - أو خليفتكم - دين محمد (2)؟ أو: إن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد أو كانوا يريدون الجهاد... (3)، وغيرها؟ ولو ثبت ذلك.. نتساءل: هل حقا بأن معارضي الخليفة فئة قليلة وهم اتباع ابن سبأ - كما يرسمه كثير من المؤرخين - أم أنهم أصحاب محمد وقراء الأمة و...؟ وهل أنهم أحدثوا الشقاق، أم أن إحداثات الخليفة الدينية والمالية هي التي أوجبت شق الصف الأسلامي ووحدة المسلمين وأدت إلى مقتله؟ وهل تصدق بأن يؤثر شخص يهودي أسلم متأخرا على كبار أصحاب النبي ويؤلب الناس ضد الخليفة، مع كونه نازحا غريبا ولم تسنده عشيرة في الحجاز؟ وإذا صح أن عبد الله بن سبأ هو زعيم الرافضة، فلماذا لا نرى له حديثا واحدا في كتبهم وصحاحهم؟!


(1) أنساب الأشراف 5: 74، الكامل في التاريخ 3: 163، شرح النهج لابن أبي الحديد 2: 144. (2) تاريخ الطبري 4: 336، الكامل في التاريخ 3: 168. (3) انظر أنساب الأشراف 5: 60.

[ 130 ]

وكيف يعقل أن يسكت عثمان عن شخص كابن سبأ وهو يراه يؤلب الناس ضده؟ وقد قرأنا مواقفه ضد الصحابة ونفيه بعضهم إلى الربذة وضربه صحابيا آخر حتى أصابه بالفتق؟!! وماذا نفعل بالمجهزين على عثمان، وفيهم الكثير ممن شهدوا بدرا؟ وهل يعقل أن يكون كل هؤلاء قد تأثروا بابن سبأ؟ ولو صح ما قيل، فهل يعقل أن يسكت الأمام علي عن ابن سبأ وهو يراه يروج لأفكار مزدك واليهودية؟ وغيرها الكثير من التساؤلات.. نتركها خوفا من الأطالة، ونقتصر على تحليل الدكتور طه حسين في الموضوع.. فإنه قال في كتابه الفتنة الكبرى:... وهناك قصة أكبر الرواة المتأخرون من شأنها، وأسرفوا فيها حتى جعلها كثير من القدماء مصدرا لما كان من الاختلافات على عثمان، ولما أورث هذا الاختلاف من فرقة بين المسلمين لم تمح آثاره، وهي قصة عبد الله بن سبأ الذي يعرف بابن السوداء. قال الرواة: كان عبد الله بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء حبشي الأم، فأسلم في أيام عثمان، ثم جعل يتنقل في الأمصار يكيد للخليفة ويغري به ويحرض عليه، ويذيع في الناس آراء محدثة أفسدت عليهم رأيهم في الدين والسياسة جميعا. وإلى ابن السوداء يضيف كثير من الناس كل ما ظهر من الفساد والاختلاف في البلاد الأسلامية أيام عثمان، ويذهب بعضهم إلى أنه أحكم كيده إحكاما، فنظم في الأمصار جماعات خفية تستتر بالكيد، وتتداعى بينها إلى الفتنة، حتى إذا تهيأت لها الأمور وثبت على الخليفة، فكان ما كان من الخروج والحصار وقتل الأمام.

[ 131 ]

ويخيل إلي ان الذين يكبرون من أمر ابن سبأ إلى هذا الحد يسرفون على أنفسهم وعلى التاريخ إسرافا شديدا، وأول ما نلاحظه أنا لا نجد لابن سبأ ذكرا في المصادر المهمة التي قصت أمر الخلاف على عثمان، فلم يذكره ابن سعد حين قص ما كان من خلافة عثمان أو انتفاض الناس عليه، ولم يذكره البلاذري في أنساب الأشراف، وهو فيما أرى أهم المصادر لهذه القصة وأكثرها تفصيلا، وذكره الطبري عن سيف بن عمر، وعنه أخذ المؤرخون الذين جاؤوا بعده فيما يظهر. ولست أدري أكان لابن سبأ خطر أيام عثمان أم لم يكن؟.. ولكني أقطع بأن خطره - إن كان له خطر - ليس ذا شأن، وما كان المسلمون في عصر عثمان ليعبث بعقولهم وآرائهم وسلطانهم طارئ من أهل الكتاب أسلم أيام عثمان!! ومن أغرب ما يروى من أمر عبد الله بن سبأ هذا أنه هو الذي لقن أبا ذر نقد معاوية فيما يقولون من أن المال هو مال الله، وعلمه أن الصواب أن يقول: إنه مال المسلمين!.. ومن هذا التلقين إلى أن يقال: إنه هو الذي لقن أبا ذر مذهبه كله في نقد الأمراء والأغنياء.... فالذين يزعمون أن ابن سبأ قد اتصل بأبي ذر فألقى إليه بعض مقاله.. يظلمون أنفسهم، ويظلمون أبا ذر، ويرقون بابن السوداء هذا إلى مكانة ما كان يطمع في أن يرقى إليها. والرواة يقولون: إن أبا ذر قال ذات يوم لعثمان بعد رجوعه من الشام إلى المدينة: لا ينبغي لمن أدى زكاة ماله أن يكتفي بذلك حتى يعطي السائل، ويطعم الجائع، وينفق في سبيل الله. وكان كعب الأحبار حاضرا هذا الحديث، فقال: من أدى

[ 132 ]

الفريضة فحسبه.. فغضب أبو ذر وقال لكعب: يا ابن اليهودية! ما أنت وهذا! أتعلمنا ديننا؟!.. ثم وجأه بمحجنه. فأبو ذر ينكر على كعب الأحبار أن يعلمه دينه، بل أن يدخل في أمور المسلمين حتى بإبداء الرأي، مع أن كعب الأحبار مسلم أقرب عهدا بالأسلام من ابن سبأ وكان مجاورا في المدينة. وأكبر الظن ان عبد الله هذا إن كان كل ما يروى عنه صحيحا، إنما قال ما قال ودعا إليه بعد أن كانت الفتنة، وعظم الخلاف، فهو قد استغل الفتنة ولم يثرها، وأكبر الظن كذلك إن خصوم الشيعة أيام الأمويين والعباسيين قد بالغوا في أمر عبد الله بن سبأ هذا ليشككوا في بعض ما نسب من الأحداث إلى عثمان وولاته من ناحية، وليشنعوا على علي وشيعته من ناحية أخرى، فيردوا بعض أمور الشيعة إلى يهودي أسلم كيدا للمسلمين. إلى أن يقول:... هذه كلها أمور لا تستقيم للعقل، ولا تثبت للنقد، ولا ينبغي أن تقام عليها أمور التاريخ... ثم يأخذ الدكتور في بيان أسباب الثورة على عثمان. وقال الأستاذ كرد علي في خطط الشام، في معرض تفسيره للفظ الشيعة: عرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة علي - إلى أن يقول - أما ما ذهب إليه بعض الكتاب من أن أصل مذهب التشيع من بدعة عبد الله بن سبأ فهو وهم وقلة علم بحقيقة مذهبهم، ومن علم منزلة هذا الرجل عند الشيعة وبراءتهم منه ومن أقواله وأعماله، وكلام علمائهم في الطعن فيهه بلا خلاف بينهم في ذلك، علم مبلغ هذا

[ 133 ]

القول من الصواب (1). وبعد هذا.. نقول: إن القرائن السابقة وغيرها تدلل على أن قضية ابن سبأ كانت قضية سياسية أملتها السياسات الأموية والعباسية، وخصوصا الأموية منها، إذ أنهم كانوا يدعون إلى فقه عثمان وقد تبنوا منهجيته وقضيته، وإسكاتا للتساؤلات والأقوال التي قد يواجهونها سعوا إلى تغيير بعض المفاهيم، محاولين تأصيل أخرى مكانها! ومن تلك المحاولات: 1 - القول بأن الثورة على عثمان إنما جاءت بسبب تأثيرات حزبية يهودية، تزعمها رجل يهودي جاء من صنعاء، وأنه قد أثر في الصحابة وأوجب النقمة على عثمان، وبذلك أرادوا أن يبعدوا الصبغة الجماهيرية للثورة على عثمان عن أذهان الناس، والأيحاء بأنها بادرة حزبية سياسية! 2 - محاولة حصر مخالفي عثمان في علي وأتباعه، لتقوية الرؤية المطروحة في كون الحركة ضد عثمان كانت سياسية بحتة، وفي نفس الوقت لانتقاص علي وتبرير حملاتهم ضده. 3 - بذر فكرة عبد الله بن سبأ لتكون نواة للخلاف الدائمي بين المسلمين وإمكان استغلالها من قبل الحكام بين الاونة والأخرى عند حاجتهم إليها في تغيير الأجواء والظروف العامة للمسلمين. 4 - القول بأن عليا وأصحابه هم الذين أحدثوا الشقاق في الصف الأسلامي، وخصوصا في يوم الدار، لكن الباحث المنصف يعرف بأن اجتهادات عثمان هي التي أشعلت الخلاف بين المسلمين، وأن الضرب بالنعال بدأ في عهده، ثم تطور حتى صار بالسيوف في عهد علي، واليوم نرى صراع العصبية بالطائرات والصواريخ. وبعد هذا فقد عرفت بأن المخالفين لعثمان كانوا من الصحابة ولم يكونوا من


(1) خطط الشام 6: 246.

[ 134 ]

الذين قد تأثروا بابن سبأ كما يذهب إليه غالب الكتاب، وستقف على أسمائهم لاحقا. أما الان، فنعود إلى النصوص السابقة، لنستشف منها واقع حال الثورة.. فهل كان حقا ذا بعد حزبي ضيق، أم جماهيري امتاز بالجذرية والشمول..: فقد قال له علي: عطلت الحدود، وضربت قوما شهدوا على أخيك، فقلبت الحكم. ونادت عائشة: إن عثمان أبطل الحدود، وتوعد الشهود (1). وقالت له - وقد رفعت نعل رسول الله (ص) -: تركت سنة رسول الله (ص) صاحب هذا النعل (2). وقال يزيد بن قيس الأرحبي، ومعقل بن قيس الرياحي: لقد أراد عثمان كرامة أخيه بهوان أمة محمد (ص). ودخل رهط من أصحاب رسول الله (ص) على عثمان، فقالوا له: اتق الله! لا تعطل الحد. وقال الناس: عطلت الحدود، وضربت الشهود. وأن طلحة والزبير أنبا عثمان، فقالا له: قد نهيناك عن تولية الوليد شيئا من أمور المسلمين فأبيت، وقد شهد عليه بشرب الخمر والسكر، فاعزله (3). بعد نقلنا بعض آراء الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وأسماء مخالفيه من الصحابة البارزين، وكشفنا عن آراء الخليفة الفقهية التي عاكست فقه سائر الصحابة، اتضح لنا أن المراد من لفظ (الناس) في روايات الوضوء هم بعض أولئك الصحابة العظام وأمثالهم، وأن عثمان هو مؤسس المدرسة الوضوئية


(1) أنساب الأشراف 5: 34. (2) أنساب الأشراف 5: 48 - 49، تاريخ أبي الفداء 1: 172، وتاريخ اليعقوبي وغيره. (3) مصادر النصوص المذكورة مر ذكرها.

[ 135 ]

الجديدة، وأن ابن سبأ ليس له دور مشهود في قتله - كما يرسمه الكتاب -. نعم، بعد كل ما تقدم.. يرتفع الاستبعاد والاستغراب في نسبتنا لعثمان الابتداع في الوضوء وغيره ويمكننا أن نقول قولا قاطعا: ان فقه الخليفة الثالث لم يكن يتمشى مع فقه الصحابة، وأنه قد أخطأ في الفهم، والاستنباط، ورد الفروع إلى الأصول، وأن علله المستنبطة، ووجوهه الاستحسانية لم تلق التأييد والاعتناق، إلا من نفر قليل دفعتهم إلى ذلك دوافع مختلفة، فقهية وسياسية، واجتماعية، وعشائرية وغيرها مما سوف تقف على المزيد منه لو واصلت معنا البحث حتى أواخر الكتاب. فلا بدع أن خالفه كبار الصحابة في وضوئه، مما اضطره لأن يدعم وضوءه بأساليبه الانفة الذكر.. لكن بعض الصحابة المقربين من عثمان قد حاولوا التكيف مع مستجداته محاولين بث ذلك بين أوساط المسلمين، وبمرور الأيام تطبع بعض المسلمين على تلك المنهجية الجديدة، وما أن وصلت الأيام لمعاوية بن أبي سفيان وأنصاره، - وقد قاموا بدور لتوسيع دائرة الفقه العثماني - حتى صارت أفكار ونظرات الخليفة الثالث مدرسة فقهية ضخمة، أرسى قواعدها عثمان، وأقام بناءها - فيما بعد - الأمويون، ونظرها دعاتهم، وسار على نهجها ما لا يحصى من المسلمين. ترشح مما سبق بروز أسماء لامعة من الصحابة المعارضين لرأي عثمان قد تكون مطردة المخالفة معه، عاملة بدأب وإخلاص من أجل إيصال الفقه الذي استقته من رسول الله (ص) الى جميع الناس، رافضة لكل ما يأتي من الخليفة الثالث ومن سار على نهجه - من استنتاجات فقهية جديدة -.. وان على رأس تلك المجموعة: علي بن أبي طالب. عبد الله بن عباس.

[ 136 ]

طلحة بن عبيد الله. الزبير بن العوام. سعد بن أبي وقاص. عبد الله بن عمر. عائشة بنت أبي بكر. ومن هؤلاء خرج الذين أفتوا بقتل عثمان، وجوزوه، ومنهم من كان لا يصلي خلفه، ولا يسميه بأمير المؤمنين، وقد أوصى البعض - كعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، و... - أن لا يصلي عليه عثمان بعد وفاته، وأن الجموع الهاجمة عليه قد منعت من دفنه - والصلاة عليه - في البقيع... قد صار كل ذلك بسبب إحداثات عثمان المتكررة في الدين، فدراسة مجريات الأحداث بتأمل وموضوعية وتجرد عن العصبية، تجعلنا نستبعد أن يكون أولئك الصحابة وبتلك الممارسات والمواقف إنما ثاروا على عثمان بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، أو بسبب سوء النظام الاداري - كما يدعي ذلك غالب الكتاب -.. فالسبب كان دينيا، ونستمد هذا التوجيه من نصوصهم التي اطلعنا على بعضها، وها نحن نعيد الجمل تارة أخرى لايضاح المطلب بشكل أدق: قال هاشم المرقال: إنما قتله أصحاب محمد، وقراء الناس، حيث أحدث أحداثا، وخالف حكم الكتاب، وأصحاب محمد هم أصحاب الدين، وأولى بالنظر في أمور المسلمين (1). وقول عمار لعمرو بن العاص، عندما سأله: لم قتلتموه؟ قال: أراد أن يغير ديننا (2).


(1) تاريخ الطبري 5: 43 عن كتاب صفين لنصر بن مزاحم. (2) كتاب صفين: 338 - 339، شرح النهج لابن أبي الحديد 8: 22.

[ 137 ]

أو قوله: إنما قتله.. الصالحون، المنكرون للعدوان، الامرون بالأحسان (1). أو قول الزبير بن العوام: اقتلوه، فقد بدل دينكم (2). أو قول عائشة: اقتلوا نعثلا فقد كفر. روايات مفتعلة: وضع أنصار مدرسة عثمان أحاديثا على لسان مخالفي الخليفة المطردين! ليمكنهم بذلك الاستنصار لوضوئه، ومن تلك الأحاديث ما رواه أبو النضر، حيث قال: إن عثمان دعا بوضوء، وعنده طلحة والزبير وعلي وسعد، ثم توضأ وهم ينظرون.. فغسل وجهه ثلاث مرات، ثم أفرغ على يمينه ثلاث مرات، ثم أفرغ على يساره ثلاث مرات، ثم رش على رجله اليمنى، ثم غسلها ثلاث مرات، ثم رش على رجله اليسرى، ثم غسلها ثلاث مرات، ثم قال للذين حضروا: أنشدكم الله، أتعلمون أن رسول الله (ص) كان يتوضأ كما توضأت الان؟ قالوا: نعم. وذلك لشئ بلغه عن وضوء رجال (3). وهذه الرواية.. زيادة على سقوطها سندا، بانقطاعها بأبي النضر، كما قال البوصيري (4) فإنها ساقطة المتن، لأن الوضوء المنقول فيها خال عن مسح الرأس، وهو وضوء غير مجز باتفاق المسلمين، فكيف يشهد على ذلك أربعة من أكابر الصحابة، فالمرجح قويا - بعد احتمال سقوط المتن - أن يكون الخبر اعلاميا


(1) كتاب صفين: 319 عنه في الطبري والكامل. (2) انظر شرح النهج لابن أبي الحديد، وقد مر سابقا في ص 84. (3) كنز العمال 9: 447 / 26907، ومثله في ص 439 / 26876 عن أبي النضر، بلفظ: فتوضأ ثلاثا، ثم قال: أنشدكم... الخ. (4) كنز العمال 9: 448 / 26907.

[ 138 ]

وسياسيا إذ نرى الراوي يؤكد على الفعل الثلاثي وغسل الأرجل ويتناسى حكم الرأس، لأن النزاع بين هؤلاء الأربعة وعثمان كان فيهما. وكذا توحي العبارة بأن طلحة والزبير وعليا وسعدا هم المعنيون بجملة (وذلك لشئ بلغه عن وضوء رجال)! وعليه فنسبة هذا الخبر إلى هؤلاء الصحابة جاء للتقليل من أهمية القضية، لأنهم - وكما عرفت - من المخالفين المطردين لفقه عثمان، ومن جملة (الناس) المخالفين للخليفة الثالث في وضوئه.. ومن ذلك ما أخرجه النسائي بسنده عن شيبة: ان محمد بن علي (الباقر) أخبره، قال: أخبرني أبي علي (زين العابدين) أن الحسين بن علي قال: دعاني أبي علي بوضوء فقربته له، فبدأ فغسل كفيه ثلاث مرات قبل أن يدخلهما في وضوئه، ثم مضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرافق ثلاثا، ثم اليسرى كذلك، ثم مسح برأسه مسحة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثا، ثم اليسرى كذلك، ثم قام قائما فقال: ناولنى، فناولته الأناء الذي فيه فضل وضوئه فشرب من فضل وضوئه قائما، فعجبت، فلما رآني، قال: لا تعجب فإني رأيت أباك النبي (ص) يصنع مثل ما رأيتني صنعت يقول لوضوئه هذا وشرب فضل وضوئه قائما (1). إن علامات الوضع بارزة على هذا الخبر، ولا أكلف نفسي مؤنة الجواب عنه، لأن الصفحات القادمة ستثبت أن وضوء علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وابن عباس وغيرهم من أولاد علي هو غير المنقول هنا. ولا أدري ما معنى قوله: (فعجبت، فلما رآني قال: لا تعجب، فإني...)؟ وهل أن الحسين بن علي كان يعتقد أن شارب فضل ماء الوضوء واقفا مبدع، كما ترى تعجبه؟!!


(1) سنن النسائي 1: 69 - 70.

[ 139 ]

أم أنه كان من أولئك المحدثين في الدين، والذين ستقف على حالهم في عهد علي بن أبي طالب؟ أم أنه تعجب من وضوء أبيه والذي كان غير معهود له ولا هو بالمتعارف في ذلك البيت؟!! نعم، إن ظاهرة الافتعال والتزوير قد تفشت ولقيت رواجا في العهد الأموي، وستقف على ذلك بمزيد من التفصيل لاحقا. والأنكى من هذا، ذلك الخبر المفتعل الذي ينص على ذهاب علي الى ابن عباس من أجل أن يعلم ابن عباس وضوء رسول الله!! فقد أخرج أبو داود، وصاحب كنز العمال، وغيرهما.. عن ابن عباس، إنه قال: دخل علي علي - يعني ابن أبي طالب - وقد أهراق الماء، فدعا بوضوء.. فأتيناه بتور فيه ماء، حتى وضعناه بين يديه، فقال: يا ابن عباس! ألا أريك كيف كان يتوضأ رسول الله (ص)؟ قلت: بلى..، فأصغى الأناء على يده فغسلها... - الخبر - (1)، فأتى بوضوء عثمان عن النبي (ص)! والان، نتساءل: هل يصح هذا الخبر مع ما عرفنا من موقف علي باعتباره الرائد والمعيد لمدرسة الوضوء الثنائي المسحي كيانها؟ وهل كان ابن عباس - حقا - بحاجة إلى معرفة الوضوء.. وهو حبر الأمة؟! بل، كيف نوفق بين هذا الخبر مع ما نقل عن ابن عباس في اعتراضه على الربيع بنت معوذ، بقوله: أبى الناس إلا الغسل، ولا أجد في كتاب الله إلا المسح، وقوله: الوضوء مسحتان وغسلتان، و...؟! (2)


(1) سنن أبي داود 1: 29 / 117، كنز العمال 9: 459 / 26967 وفيه بتفاوت. (2) سنبحث موضوع دور حكومة بني أمية في إشاعة التحريف والوضع في الحديث النبوي الشريف، وكذا العباسيين، فتابع معنا.

[ 140 ]

وعليه.. فإننا نرجح أن يكون (الناس) الذين يتحدثون عن رسول الله (ص) في حديث الوضوء، هم من المخالفين المطردين.. ونستند في ترجيحنا على ما يلي: 1 - مخالفتهم لعثمان في أغلب اجتهاداته - كما مر عليك -. 2 - عدم ورود أسمائهم في قائمة الراوين للوضوء الثلاثي الغسلي الذي وضع عثمان لبنة تأسيسه. 3 - ورود أسماء بعضهم في قائمة الراوين للوضوء الثنائي المسحي (1). فالقرائن المدرجة أعلاه توصلنا إلى أن (الناس) هم المعارضون المطردون لعثمان.


(1) وستقف على أسمائهم لاحقا إن شاء الله تعالى.

[ 141 ]

تلخص مما سبق: - وحدة الوضوء في زمن النبي (ص) والشيخين. - ظهور الخلاف في زمن عثمان بن عفان. - اختلاف عثمان مع (ناس) هم من أعاظم الصحابة. - البادئ بالخلاف: عثمان. - عدم ارتضاء الصحابة لرأي عثمان. - مخالفة عثمان بن عفان لسنة رسول الله (ص) وسيرة الشيخين. - المخالفون لعثمان ليسوا من أتباع ابن سبأ بل هم من كبار الصحابة وقد قتلوه لأجل إحداثاته الدينية.

[ 143 ]

عهد علي بن أبي طالب (35 - 40 ه‍) بعد أن توصلنا في البحوث السابقة إلى تعيين زمن الخلاف، ومنزلة المختلفين، نتساءل، بما يلي: لو صح ما ذهبنا إليه، فلماذا لا نرى لعلي موقفا في مواجهة هذه البدعة الظاهرة، من خطبة أو رسالة أو رأي؟ وعلي معروف بصلابته في الدين، وبوقوفه الجاد والحاد أمام اجتهادات الصحابة، وأن مواقفه مع الشيخين، وحتى مع عثمان نفسه لا تنسى. وإذا كان الأمر كذلك.. فما هو تفسيرنا لهذه الظاهرة إذن؟ ولماذا السكوت؟! أضف إلى ذلك، أن الشيخ الأميني (1) - رغم تتبعه وإحصائه لكل شاردة وواردة عن الخليفة الثالث، في كتابه (الغدير) - لم نره يتطرق لهذه المسألة، ولم يعدها من مبتدعاته، وكذا الحال بالنسبة للعلامة المجلسي، في كتابه (بحار الأنوار)! وعليه.. فكيف لنا أن نقول بإحداث الخليفة الثالث بعد هذا؟! نلخص الجواب عن هذا التساؤل في أربع نقاط: الأولى: معارضة الصحابة لوضوء عثمان أوقفتنا البحوث السابقة على وجود معارضة دينية قوية كانت تواجه


(1) وهو من علماء الشيعة الأمامية.

[ 144 ]

الخليفة، وقفت له بالمرصاد وعارضت اجتهاداته، وبمناسبات عدة، لكن الخليفة ظل غير عابئ بتلك المعارضة، وواصل مسيره في تطبيق ما يراه من آراء، غير مكترث بما قيل ويقال ضده، وما قضية الوضوء إلا إحدى تلك الموارد، فإنه - وكما مر سابقا - كان يجلس بالمقاعد وباب الدرب، وبحضور الصحابة، فيشهدهم على وضوئه الغسلي، ثم يحمد الله لموافقتهم إياه، وقد عرفت بأنه كان يتوضأ ويمسح على رجليه شطرا من خلافته! ويضحك عند نقله ذلك الوضوء!!! هذا وان كل تلك الجهود التي بذلها عثمان لترسيخ إحداثاته ذهبت هباء، بعد أن غلبت كفة المعارضة عليه، وأودت بحياته في آخر المطاف. علما أن إحداث الخليفة عثمان في الوضوء لم يكن كتشريع عمر في صلاة التراويح، وأنها لا تحرج الأمام عليا كما أحرجته في مواجهته لاجتهادات عمر، فإنه (ع) قد جد لأن يمحو تلك البدعة الحسنة (صلاة التراويح) التي سنت من قبل عمر، لكن الجند صاحوا: وا سنة عمراه، وا سنة عمراه، وقد جاء في كلام له يشيسر إلى ذلك، فقال: قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول الله، متعمدين لخلافه، ناقضين لعهده، مغيرين لسنته، ولو حملت الناس على تركها، وحولتها إلى مواضعها وإلى ما كانت في عهد رسول الله (ص) لتفرق عني جندي حتى أبقى وحدي، أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله. أما قضية عثمان، فإنها ليست كذلك، بل تختلف عن عهد الشيخين اختلافا جوهريا، إذ ترى المنتفعين والمدافعين عنه قد انحصروا ببعض الأمويين وأصحاب المصالح، أما الغالبية الساحقة فهي ضده. إذن، المخالفة مع التشريع العثماني لم تكن كالمخالفة مع ما سن في عهد عمر، إذ ترى الناس يحمون الخليفة عمر ويدافعون عن آرائه، أما هنا فالمعارضون هم كبار الصحابة وهم الذين كانوا يتحدثون عن رسول الله (ص)، ولا يعقل أن

[ 145 ]

نتصورهم يتحدثون بشئ وهم لا يفعلونه، ولذا فنقلهم لوضوء النبي (ص) وتشكيكهم في وضوء عثمان، وإصرارهم على عدم متابعة عثمان في اجتهاده، لاشارة بينة على أن سيرتهم كانت موقفا. والمعارضة - كما عرفت - هم من: أصحاب محمد (ص).. قراء الأمة.. فقهاء الأسلام.. العشرة المبشرة بالجنة.. زوجات النبي (ص).. فهم ليسوا بفئة سياسية أو حزب علوي، كما ادعاه بعض الكتاب والمؤرخين. وما يعنيه تصدر الأصحاب، والقراء، والفقهاء، والأزواج وغيرهم للوقوف بوجه إحداثات عثمان؟!! وإذا تصدر المعارضة أمثال هؤلاء، فهل يلزم عليا لأن يخطب، أو يكتب رسالة، وما شابه.. في الرد على إحداث عثمان؟ إن المعارضة قد كفت عليا مواجهة عثمان في هذه المسألة، وقد عرف عن علي أنه كان يتكلم حين يسكت الاخرون عن إظهار حق، وحيث كان التيار الراد على عثمان في الوضوء وغيره عارما، فلا داعي ولا ضرورة لصدور نص عنه ضد عثمان، خصوصا إذا ما عرفنا أن المسلمين - عموما - لم يتأثروا بتلك الاجتهادات العثمانية في عهده، بل نرى البعض منهم قد حكم من جرائها بكفره. وقد يحتمل أن نصوصا صدرت عنه في قضية الوضوء، لكن الأيدي الأموية - وهي المدونة للتاريخ والحديث - قد تلاعبت بتلك أو حذفتها من الأصول.

[ 146 ]

الثانية: موقف علي العملي من الوضوء البدعي نبدأ بإثارة السؤال الاتي: هل أن المخالفة العملية أشد وقعا، أم القولية؟؟ من الطبيعي القول بالأولى، لكونها أبلغ في إيصال المطلوب، وخصوصا فيما نحن بصدده، إذ أن الوضوء فعل، وأن الفعل يتضح مطلوبه - بدقة - بالممارسة والتطبيق. والان.. فثمة شواهد كثيرة في بطون كتب الحديث والتفسير والتاريخ تدل على أن عليا قد واجه إحداث عثمان عمليا، فقد نقل عنه أنه توضأ أيام خلافته في الرحبة، فوصف وضوء رسول الله (ص)، وقال: (هذا وضوء من لم يحدث) (1).. وفي العبارة A شارة إلى من أحدث! فمن هو المحدث يا ترى؟ وفي أي عهد من عهود الخلفاء كان؟ وهل يمكن عد أبي بكر أو عمر من الذين قد أحدثوا أو احدث في زمانهم؟ لقد اتضح لنا - على ضوء البحوث السابقة - أن الخلاف قد وقع في عهد عثمان، لقول أبي مالك الدمشقي: حدثت أن عثمان بن عفان اختلف في خلافته في الوضوء (2). ولما أخرجه مسلم، عن حمران: إن عثمان توضأ، ثم قال: إن ناسا يتحدثون عن رسول الله بأحاديث لا أدري ما هي! ألا إني رأيت رسول الله توضأ مثل وضوئي هذا. وقلنا بأن الخليفة هو الذي عارض (الناس) في وضوئهم، وأنهم كانوا


(1) سنن البيهقي 1: 75، كنز العمال 9: 456 / 26949. (2) كنز العمال 9: 443 / 26890.

[ 147 ]

الامتداد لوضوء النبي (ص)، وأنهم كانوا من أعاظم الصحابة، وغيرها من الأدلة والشواهد التي قدمناها. وهنا.. لابد من الأشارة إلى من أول الخبر وقلب مفهومه، لكي يستفيد منه لمذهبه القائل بوجوب الغسل بدلا من المسح.. فقال قائلهم: إن عليا قال: (... هذا وضوء من لم يحدث) ومعناه: من لم يصدر منه الحدث الناقض للطهارة، فيكون المجرد من غسل الرجل، والمحتوي على مجرد المسح وضوءا غير رافع للحدث! وبذلك.. يكون الوضوء - عندهم - وضوءين: 1 - وضوء رافع للحدث، وهو المشتمل على غسل الرجلين. 2 - وضوء تجديدي، غير رافع للحدث، وهو المشتمل على مسح الرجلين أو الخفين (1). أو ترى الاخر يقول بشئ آخر، ونحن سنناقش هذه الأقوال في الفصل الثالث من هذا الكتاب (الوضوء في الميزان) إن شاء الله تعالى، هذا من جهة.. ومن جهة أخرى.. المعروف عن علي بن أبي طالب صلابته في دين الله، ووقوفه أمام اجتهادات الصحابة، لأخذهم بالرأي، وتركهم صريح القرآن وفعل النبي (ص) ولما كان هذا الوضوء وفق ما طرحناه احداثا في الدين، فالأمام كان لا يمكنه تجاهل ذلك بل في كلامه إشارة إليه وستقف عند سردنا لأحاديث الباب على كلماته وأفعاله المشعرة بدحض خط الاجتهاد والرأي أمام النص وبطلانه. نقل الشيخ نجم الدين العسكري حديثا أخرجه أحمد في مسنده، عن أبي مطر، قال: بينما نحن جلوس مع أمير المؤمنين علي في المسجد، على باب الرحبة، جاء رجل فقال: أرني وضوء رسول الله (ص) - وهو عند الزوال -،


(1) انظر: الطبري، تفسير الاية، ورسالة الشيخ المفيد والكراجكي في ذلك.

[ 148 ]

فدعا قنبر، فقال: ائتني بكوز من ماء... فغسل كفيه ووجهه، وغسل ذراعيه، ومسح رأسه واحدة، ورجليه الى الكعبين.. ثم قال: أين السائل عن وضوء رسول الله، كذا كان وضوء نبي الله (1). لكن الموجود في مسند أحمد وكذا في كنز العمال: بينما نحن جلوس مع علي في المسجد - على باب الرحبة - جاء رجل، فقال: أرني وضوء رسول الله - وهو عند الزوال - فدعا قنبر فقال: ائتني بكوز من ماء. فغسل كفيه ووجهه ثلاثا وتمضمض ثلاثا وغسل ذراعيه ثلاثا ومسح رأسه واحدة، - فقال داخلها من الوجه وخارجها من الرأس - ورجليه الى الكعبين ثلاثا. وفي كنز العمال ليس فيها (ثلاثا) (2). والذي نفهمه من الحديث، هو: ان الأمام عليا قد أتى بالوضوء التعليمي وهو في أيام خلافته، وبطلب من سائل (3). وأن جملة (أرني) التي ابتدأ بها السائل كلامه، تدل على وجود خلاف بين الأمة في الوضوء وأن السائل كان يريد من الأمام أن يوقفه على وضوء النبي! ويتضح محل النزاع بين المدرستين في الوضوء بما نقله الراوي: مسح رأسه ورجليه واحدة.. للدلالة على أن النزاع كان في: أ - العدد. ب - حكم الأرجل - هل هو المسح أم الغسل؟ فالأمام علي أراد أن يؤكد للسائل بأن الوضوء المشتمل على مسح الرجلين إنما هو وضوء رسول الله لا غير، إذ أن السائل كان في مقام التعلم والأمام في مقام


(1) الوضوء في الكتاب والسنة: ص 40، عن مسند أحمد 1 / 108 و 158. (2) مسند أحمد 1: 158، كنز العمال 9: 448 / 26908. (3) لا أن يفاجئ حمران بقوله (إن ناسا...)، أو أن يقترح على ابن دارة (أن يريه وضوء رسول الله)، أو أن يجلس بباب الدرب والمقاعد ويدعو الصحابة فيتوضأ أمامهم.. كما كان يفعله عثمان مع المسلمين!!!

[ 149 ]

التعليم، فلا يعقل أن يصدر منه المسح وإرادة المعنى التجديدي والذي قال به البعض، أو يراد منه شئ آخر. وتتضح الحقيقة بأدق ملامحها إذا ما قسنا هذا الكلام من الأمام مع ما صدر عنه في مواقع أخرى وتأكيده على لفظ الاحداث والمحدث. فإنه - وكما قلنا سابقا - كان يواجه القائلين ب‍: (رأي رأيته) في الأحكام - وعثمان من أوولئك القائلين - بكل قوة، وصلابة حيث لا حجية للرأي قبال النص الصريح في القرآن، كما أن الصحابة لا يمتازون عن الناس بشئ من حيث العبودية، فلهم ما لهم، وعليهم ما عليهم، والكل سواسية فيما وضع على عواتقهم من تكاليف شرعية، ولا مبرر لترجيح رأي على آخر، إلا إذا كان أحدهما مدعوما أو مسندا بالقرآن أو السنة. وما كان رسول الله (ص) يرى أن له الحق في التشريع على ضوء ما يراه هو، بل: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى (1).. وقد ثبت عنه (ص) أنه كان لا يقول برأي أو قياس، إلا:... بما أراك الله (2). نعم، كان الأمام علي يواجه تلك الاجتهادات، ويسعى لتخطئة أصحاب الرأي بالأشارة والتمثيل.. ومن تلك الأخبار: ما أخرجه المتقي الهندي، عن جامع عبد الرزاق، وسنن ابن أبي شيبة، وسنن أبي داود.. كلهم عن علي، إنه قال: لو كان الدين بالرأي، لكان باطن القدم أحق بالمسح من ظاهرها، لكن رأيت رسول الله مسح ظاهرها (3). وفي تأويل مختلف الحديث: ما كنت أرى أن أعلى القدمين أحق بالمسح من باطنهما حتى رأيت رسول الله يمسح على أعلى قدميه (4).


(1) سورة النجم: الاية 3، 4. (2) سورة النساء: الاية 105. (3) المصنف 1: 30 / 6، سنن أبي داود 1: 42 / 164، وكذا في كنز العمال. (4) تأويل مختلف الحديث 1: 56.

[ 150 ]

وفي نص آخر: كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله يمسح ظاهرهما (1)، وأمثالها... بهذا فقد وقفت على كيفية مواجهة الأمام علي لخط الاجتهاد وتسقيطه للرأي قبال فعل النبي (ص)، إذ إن العمل المجزي هو ما قرن بدليل من القرآن أو السنة.. والأمام كسب مشروعيته من ذلك، وإن كان مخالفا لرأيه الشخصي (2). ولم يقتصر عمل الأمام على بيان المورد الانف الذكر، بل نرى له مواقف كثيرة مع الذين أحدثوا في الدين وأدخلوا فيه ما ليس منه، وجعلوا اجتهاداتهم ورواياتهم هي الملاك في فهم الأحكام.. ومن تلك الأمور، قضية الوضوء، فقد طرحت فيها بعض المفاهيم - طبعا في عهد عثمان - لأعطائها صبغة شرعية عالية!! منها: 1 - عدم جواز شرب المتوضي فضلة وضوئه وهو قائم. 2 - عدم جواز رد المتوضي سلام أحد، لأنه في الوضوء... وغيرها. فالأمام ولأجل إبعاد هذه المفاهيم عن الشرعية واعتبارها إحداثات في الدين.. نراه يشرب من فضل وضوئه وهو قائم، ويقول (هذا وضوء من لم يحدث) فجملة (هذا وضوء من لم يحدث) تأتي دائما مع وجود الأحداث، كما شاهدت هنا، وستقف عليه في المستقبل كذلك، لا أنه بمعنى رفع الحدث - كما ادعاه البعض -، ولتطبيق المدعى أكثر.. إليكم بعض النصوص: عن محمد بن عبد الرحمن البيلماني، عن أبيه، قال: رأيت عثمان بن عفان بالمقاعد، فمر به رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه، فلما فرغ من وضوئه، قال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني سمعت رسول الله (ص) يقول: من توضأ فغسل


(1) سنن أبي داود 1: 42 / 164. (2) وسنشير إلى كيفية رؤية الخليفة عثمان لصفة وضوء رسول الله في الفصل الأول من هذه الدراسة فتابع معنا.

[ 151 ]

يديه، ثم تمضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا، ومسح برأسه، وغسل رجليه، ثم لم يتكلم حتى يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، غفر له ما بين الوضوئين (1). وعن عثمان: إنه توضأ بالمقاعد، فغسل كفيه ثلاثا ثلاثا، واستنشق ثلاثا، ثم تمضمض ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ويديه إلى المرفقين ثلاثا، ومسح برأسه ثلاثا، وغسل قدميه ثلاثا.. وسلم عليه رجل وهو يتوضأ، فلم يرد عليه حتى فرغ، فلما فرغ كلمه يعتذر، وقال: لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني سمعت رسول الله (ص) يقول: من توضأ هكذا ولم يتكلم، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله.. غفر له ما بين الوضوءين (2). وعن ابن البيلماني، عن أبيه.. إنه: شهد عثمان يتوضأ على المقاعد، فسلم عليه رجل، فلم يرد عليه حتى إذا فرغ رد عليه، وجعل يعتذر إليه، ثم قال: رأيت رسول الله (ص) يتوضأ فسلم عليه رجل فلم يرد عليه (3). ولا أدري بأي شرع لا يرد الخليفة على سلام الرجل؟! وهل يعقل أن لا يرد رسول الله على من يسلم عليه - وهو الأسوة الحسنة - وصريح القرآن يؤكد بقوله إذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها؟! وكيف به لا يرد وقد تطابق أقوال علماء الأسلام بلزوم جواب السلام وإن كان في حال الصلاة!! ولماذا لا نرى نقل هذا الخبر وعدم إجابته للسلام في الوضوء المسحي


(1) كنز العمال 9: 442 / 26887 عن (البغوي في مسند عثمان). (2) كنز العمال 9: 442 / 26885 عن (ع، وضعف)، سنن الدارقطني 1: 92 / 5. (3) كنز العمال 9: 443 / 26888 (البغوي فيه، ص).

[ 152 ]

المنقول عنه؟ وما معنى قوله: من توضأ هكذا ولم يتكلم.. وهل حقا أن لرسول الله وضوءين، وكيف نراه (ص) يرشد إلى الوضوء الثلاثي دون غيره!! ولماذا يعتذر الخليفة من الرجل لو كان الذي فعله معه هو تكليفه الشرعي؟! نترك هذه التساؤلات.. ولنواصل ما قاله علي بن أبي طالب في شرب فضلة الوضوء وهو قائم وكيف يواجه هذا الخط. أخرج أحمد في مسنده، عن النزال بن سبرة: إنه شهد عليا صلى الظهر، ثم جلس في الرحبة في حوائج الناس، فلما حضرت العصر، أتي بتور، فأخذ حفنة ماء، فمسح يديه وذراعيه (1) ووجهه ورأسه ورجليه، ثم شرب فضله وهو قائم، ثم قال: إن أناسا يكرهون أن يشربوا وهم قيام، وان رسول الله (ص) صنع كما صنعت، وهذا وضوء من لم يحدث (2). وفي آخر: واني رأيت رسول الله (ص) فعل كالذي رأيتموني فعلت.. ثم تمسح بفضله، وقال: هذا وضوء من لم يحدث (3). وفي نص ثالث: أتي علي بإناء من ماء، فشرب وهو قائم، ثم قال: بلغني إن أقواما يكرهون أن يشرب أحدهم وهو قائم، وقد رأيت رسول الله (ص) فعل مثل ما فعلت... ثم أخذ منه فتمسح، ثم قال: هذا وضوء من لم يحدث (4). وفي نص رابع.. وعن طريق آخر، عن النزال بن سبرة، قال: رأيت عليا (ع)


(1) المقصود في (مسح يديه وذراعيه) و (فمسح بوجهه وذراعيه) كما في النص الرابع في كلام الراوي هو: الغسل يقينا لاجماع المسلمين بذلك، أما المسح في الرأس والرجلين فيبقى على معناه، أما دعوى أن المسح هو الغسل فلا يصح إلا بقرينة، وسيأتي ردها تفصيلا في الفصل الثالث (الوضوء في الميزان) إن شاء الله تعالى. (2) مسند أحمد 1: 139، وفي تفسير ابن كثير 2: 45 قريب منه، وفي البخاري: بعضه. (3) سنن البيهقي 1: 75، مسند أحمد 1: 123. (4) مسند أحمد 1: 144.

[ 153 ]

صلى الظهر، ثم قعد لحوائج الناس.. فلما حضرت العصر، أتي بتور من ماء، فأخذ منه كفا، فمسح وجهه وذراعيه ورأسه ورجليه، ثم أخذ فضله فشرب قائما وقال: إن أناسا يكرهون هذا وقد رأيت رسول الله (ص) يفعله، وهذا وضوء من لم يحدث (1). وأخرج أحمد كذلك، بسنده عن ربعي بن حراش: إن علي بن أبي طالب قام خطيبا في الرحبة.. فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال ما شاء الله أن يقول.. ثم دعا بكوز من ماء، فتمضمض منه، وتمسح، وشرب فضل كوزه وهو قائم، ثم قال: بلغني إن الرجل منكم يكره أن يشرب وهو قائم.. وهذا وضوء من لم يحدث، ورأيت رسول الله (ص) فعل هكذا (2). وعليه.. فقد اطلعت على بعض مواقف الأمام علي تجاه ابتداعات المحدثين، وكيفية مواجهته للذين أدخلوا في الدين ما ليس منه وعنايته بكلامه وان ذلك هو وضوء من لم يحدث. أما الخليفة عثمان فكان يريد إعطاء الوضوء الثلاثي الغسلي قدسية أكثر، فتراه لا يتكلم، ولا يشرب فضل وضوئه قائما، ويؤكد على أنها هي التي توجب غفران الذنوب... بقي شئ ينبغي إيضاحه.. فكلمة (يحدث) تعني: إتيان أمر منكر لم يكن معروفا... فقد جاء في المقاييس: حدث: هو كون الشئ لم يكن، يقال: حدث أمر بعد أن لم يكن (3). وفي الصحاح: الحدوث: كون الشئ لم يكن، واستحدثت خبرا، أي:


(1) مسند أحمد 1: 153، سنن البيهقي 1: 75. (2) مسند أحمد 1: 102. (3) معجم مقاييس اللغة 2: 36.

[ 154 ]

وجدت خبرا جديدا (1)، ومثله في تاج العروس (2). وفي العين (3) والقاموس (4): الحدث: الأبداع. وجاء في التكملة والذيل (5): أحدث الرجل: ابتدع، والمحدث: المبتدع، ومنه الحديث (من أحدث فيها حدثا وآوى محدثا و... وفيه أيضا: ومحدثات الأمور: ما ابتدعه أهل الأهواء من الأشياء التي كان السلف الصالح على غيرها، ومنه الحديث:) وشر الأمور محدثاتها (.. ومثله في التهذيب وعنه في اللسان. ولم يشر أصحاب المعاجم إلى معنى الناقضية إلا صاحب التهذيب، وعنه في اللسان، يقال: أحدث الرجل: إذا صلح أو فضح أو خضب، أي ضرط. وهكذا الأمر بالنسبة إلى أصحاب غريب الحديث.. فإنهم أوردوا استعمالها بمعنى البدعة، والأحداث في الدين و... ولا نراهم يتعرضون إلى معنى الناقضية فيها. فجاء في غريب الحديث، لابن الجوزي: (في الأمم محدثون) أي: ملهمون أي: يصيبون إذا ظنوا. قال الحسن: (حادثوا هذه القلوب) أي: إجلوها واغسلوا درنها. ثم يأتي بالحديث:) إياكم ومحدثات الأمور (: هي ما انتزعه أهل الأهواء من الأشياء التي كان السلف الصالح على غيرها (6). وجاء في النهاية: وفي حديث المدينة) من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا (


(1) الصحاح 1: 278. (2) تاج العروس 5: 206، وفيه أيضا: أحدثه: ابتدأه وابتدعه. (3) العين: 3: 177. (4) القاموس 1: 170. (5) التكملة والذيل، للصاغاني 1: 357. (6) غريب الحديث لابن الجوزي 1: 195 - 196.

[ 155 ]

الحدث: الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة. والمحدث يروى بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول، فمعنى الكسر: من نصر جانيا، أو آواه وأجاره من خصمه، وحال بينه وبين أن يقتص منه. والفتح: هو الأمر المبتدع نفسه، ويكون معنى الأيواء فيه الرضا به والصبر عليه، فإنه إذا رضي بالبدعة وأقر فاعلها ولم ينكر عليه فقد آواه. ومنه الحديث:) إياكم ومحدثات الأمور (جمع محدثة - بالفتح - وهي ما لم يكن معروفا في كتاب ولا سنة ولا إجماع (1). وبهذا فقد عرفت بأن الغلبة في اللغة وغريب الحديث هي كون كلمة) الأحداث (جاءت للأحداث في الدين وان التعدي في الوضوء هو معنى آخر للأبداع في الدين، فقد أخرج الصدوق في معاني الأخبار عن إبراهيم بن معرض أنه سئل - إلى أن يقول - فأي حدث أحدث من البول؟ فقال: إنما يعني بذلك التعدي في الوضوء، أن يزيد على حد الوضوء (2). وأخرج الكليني بسنده إلى حماد بن عثمان، قال: كنت قاعدا عند أبي عبد الله [ الصادق ]، فدعا بماء فملأ به كفه فعم به وجهه، ثم ملأ كفه فعم به يده اليمنى، ثم ملأ كفه فعم به يده اليسرى، ثم مسح على رأسه ورجليه وقال: هذا وضوء من لم يحدث، يعني به التعدي في الوضوء (3). وعليه فقد اتضح لك بأن أهل البيت كانوا يعنون بكلمة (هذا وضوء من لم يحدث) معنى التعدي والتجاوز عن حدود ما أمر به الله، وأنهم أدرى بما في البيت، علما بأنا لا ننكر ورودها واستعمالها في كلام الرسول بمعنى الناقضية لكن الغلبة الاستعمالية - وكما قلنا - تبوح بأنها للأحداث في الدين.


(1) النهاية 1: 351. (2) معاني الأخبار: 248 / 1، وعنه في الوسائل 1: 440، أبواب الوضوء ب 31 ح 25. (3) الكافي 3: 27 / 8، وعنه في الوسائل 1: 437، أبواب الوضوء ب 31 ح 8.

[ 156 ]

فالشريعة كانت تستقبح التصريح بالمقززات والمنفرات في مفرداتها الشرعية، فاستخدمت ما يماثلها في لغة العرب رعاية للأدب وقد كان ذلك من ديدن العرب العرباء، فمثلا نراهم يعدلون عن لفظ الفقحة إلى لفظ الدبر رعاية للأدب، وكذا لفظ المضاجعة والمواقعة والجماع للدلالة على العمل الجنسي بين الطرفين، والفرج للأشارة إلى العضوين. وبذلك يحتمل أن يكون مجئ حدث وأحدث في الشريعة هو رعاية للأدب وأرادوا بها العدول عن لفظ خرى أو بال أو... وعليه فإن لفظ الحدث وكما قلنا موضوع لكون شئ لم يكن، ثم استعملوها في الناقضية بنحو من العناية وزيادة المؤونة. وعلى فرض كون رواية)... من لم يحدث (محتملة للوجهين، فلا يمكن للقائل جعلها وظيفة المتجدد للوضوء فقط، إذ فيه احتمال آخر، وحيث جاء الاحتمال بطل الاستدلال. وعلى الرغم من كل ذلك.. فرواية (... من لم يحدث) تشير بوضوح الى الأحداث في الدين، ونؤيد هذا القول بأمرين: الأول: ورود جملة: (... هذا وضوء من لم يحدث...) في قضايا خارجية تكون بمثابة المؤيد والمفسر لما نحن فيه، كما لاحظنا في قضية: (شرب فضلة ماء الوضوء واقفا)، فإنه إنما شرب فضل وضوئه، ليصحح ما وقع فيه أولئك واعتبروه خارجا من الدين. الثاني: إن جملة: (أرني وضوء رسول الله) في الحديث الأول، وقوله: (... أين السائل عن وضوء رسول الله...)، تبينان بأن مسح الرجلين هو من السنة، وتشيران إلى أن الأمام كان بمقام التعليم وبيان الوضوء النبوي للسائل مقابل الأحداث والأبداع في الوضوء، فهاتان قرينتان صارفتان عن معنى التبول والتغوط معينتان لمعنى الابتداع واحداث ما لم يكن. وعليه.. فقد أبطلنا قول من ذهب إلى أن) الحدث (في الرواية المبحوثة هو

[ 157 ]

بمعنى الأمر الناقض للطهارة فقط وسعيه في تأويل الخبر. الثالثة: موقف علي القولي من الوضوء البدعي نحن لا نستبعد صدور بعض النصوص القولية عن الأمام علي في قضية الوضوء، وتداولها بين الناس في عهده، لكننا نحتمل أن يكون للأيدي الأموية أو العباسية دور فعال في طمس أو إضاعة تلك النصوص، وذلك لما بدر منهم من عداء سافر لعلي بن أبي طالب (1). ومما يؤيد المدعى.. ما جاء في كتاب الأمام علي إلى محمد بن أبي بكر وأهل مصر والذي رواه الثقفي في) الغارات (. فقد جاء في المطبوع منه:... واغسل كفيك ثلاث مرات، وتمضمض ثلاث مرات، واستنشق ثلاث مرات، واغسل وجهك ثلاث مرات، ثم يدك اليمنى ثلاث مرات إلى المرفق، ثم يدك الشمال ثلاث مرات، ثم امسح رأسك، ثم اغسل رجلك اليمنى ثلاث مرات، ثم اغسل رجلك اليسرى ثلاث مرات، فإني رأيت النبي هكذا كان يتوضأ (2). وأخرج الشيخ المفيد بسنده عن صاحب الغارات: (... تمضمض ثلاث مرات، واستنشق ثلاثا، واغسل وجهك، ثم يدك اليمنى، ثم اليسرى، ثم امسح رأسك ورجليك.. فإني رأيت رسول الله يصنع ذلك (3)...). وقال النوري، في المستدرك - وبعد نقله النص الأول -: قلت: ورواه الشيخ في أماليه، عن أبي الحسن علي بن محمد بن حبيش الكاتب، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي، عن عبد الله بن محمد بن


(1) وستقف على نماذج من ذلك في دراستنا للعهدين الأموي والعباسي. (2) الغارات 1: 244. (3) الأمالي (مصنفات الشيخ المفيد 13): 267.

[ 158 ]

عثمان، عن علي بن محمد بن أبي سعيد، عن فضيل بن الجعد، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أمير المؤمنين.. مثله، إلا أن فيه، وفي أمالي ابن الشيخ (1)، كما في الأصل: (... ثم امسح رأسك ورجليك...)، فظهر: أن ما في الغارات من تصحيف العامة، فإنهم ينقلون عنه... (2). وقال المجلسي - وبعد نقله الرواية عن أمالي المفيد -: بيان: استحباب تثليث المضمضة والاستنشاق مشهور بين المتأخرين، واعترف بعضهم بأنه لا شاهد له، وهذا الخبر يدل عليه (3). وقال بعدها: قد مر أن هذا سند تثليث المضمضة والاستنشاق، لكن رأيت في كتاب الغارات هذا الخبر، وفيه تثليث غسل سائر الأعضاء أيضا، وهذا مما يضعف الاحتجاج (4) [ به ]. علما، بأن كلمة) ثلاثا (لم ترد بعد غسل الوجه واليدين في أمالي المفيد، والطوسي عن الغارات! ولا ندري لماذا يضعف المجلسي الاحتجاج بالخبر، معللا بأن فيه تثليث سائر الأعضاء؟! وهل التثليث هو الجارح، أم غسل الرجلين؟ أم كلاهما معا؟!! وهل يلزم اعتبار جميع نسخ الغارات صحيحة، مع ما وقفنا على التعارض فيما بينها؟ بل كيف يطمأن بنص مأخوذ من نسخة مطبوعة متأخرا، وترك ذات النص المنقول عن نسخة قد مضى عليها ما يقارب ألف سنة أو أكثر؟! وبطريقي المفيد والطوسي (5).


(1) أمالي الطوسي: 29. (2) مستدرك الوسائل 1: 306. (3) البحار 77: 266. (4) البحار 77: 334. (5) توفي الشيخ المفيد في سنة 413 ه‍، والشيخ الطوسي في سنة 460 ه‍.

[ 159 ]

أما نحن.. فنشكك في صدور النص الأول عن الأمام علي، للأسباب التالية: 1 - عرف عن الثقفي بأنه شيعي، بل من متعصبيهم - كما يحلو للبعض أن ينعته بذلك. فإن كان شيعيا.. فكيف يروي خلاف ما يعتقده ويلتزم به دون أدنى إشارة أو تنبيه؟! بل، وهل يصح منه ذلك النقل مع وقوفه على ما يعارضه ويضعفه من الروايات؟ وقد عده ابن النديم من علماء الشيعة (1)، وذكره الطوسي في رجاله، في باب: (من لم يرو عن الأئمة) (2)، وقال عنه في الفهرست: إبراهيم بن محمد ب‍ ن سعيد بن هلال بن عاصم بن سعد بن مسعود الثقفي (رضي الله عنه)، أصله كوفي، وسعد بن مسعود أخو أبي عبيد بن مسعود عم المختار ولاه علي عليه السلام على المدائن، وهو الذي لجأ إليه الحسن (ع) يوم ساباط، وانتقل أبو إسحاق إبراهيم بن محمد إلى أصفهان وأقام بها وكان زيديا أولا، ثم انتقل إلى القول بالأمامة (3). وترجم له غالب أصحاب الرجال من الشيعة، مثل: النجاشي، العلامة الحلي، ابن داود، وغيرهم. هذا وقد تهجم عليه غير واحد من أصحاب الرجال من العامة، لتشيعه: فقال ابن أبي حاتم الرازي: سمعت أبي يقول: هو مجهول (4). وقال أبو نعيم: كان غاليا في الرفض، يروي عن إسماعيل بن أبان، وغيره..


(1) الفهرست: ص 313 الفن الخامس، من المقالة السادسة. (2) رجال الطوسي: 451 / 73. (3) الفهرست، للشيخ الطوسي: 4 / 7. (4) الجرح والتعديل 2: 127 / 394.

[ 160 ]

ترك حديثه (1). وقال السمعاني: قدم أصفهان وأقام بها، وكان يغلو في الترفض، وله مصنفات في التشيع (2). وقال الذهبي: قال ابن أبي حاتم: هو مجهول، وقال البخاري: لم يصح حديثه، أي.. فيما رواه عن عائشة في الاسترجاع لتذكر المصيبة (3). فلو صح هذا عنه.. فهل تصدق صدور الوضوء الثلاثي الغسلي عنه في الغارات مع عدم التنويه به، ومع ما عرفت من كون الأمامية نقلوا عنه المسح - في رسالة علي بن أبي طالب إلى محمد بن أبي بكر - كالمفيد والطوسي وغيرهما؟!... وعليه، فإن خبر الغارات المطبوع قد حرف!! 2 - إن كتاب الغارات، من الكتب التي تداولتها أبناء العامة واستفادوا منه، وليس بعيدا أن يرووا عنه بما يوافق مذهبهم، وقد كان للنساخ والحكام على مر التاريخ الدور الكبير في تحريف الحقائق! وقد مر عليك سابقا، أن الطبري وابن كثير كانا يتغاضيان عن نقل بعض النصوص، بحجة إن العامة لا تتحمل سماعها، وأنهما قد بدلا بعض النصوص بأخرى.. رعاية لحال العامة! فعلى سبيل المثال: نقل الطبري، وتبعه ابن كثير، كلمة (كذا وكذا) مكان جملة: (ووصيي وخليفتي فيكم من بعدي)! من كلام النبي (ص) في حق الأمام علي، وذلك في تفسيرهما لاية الأنذار (4)! وجاء في هامش كتاب) آراء علماء المسلمين (للسيد مرتضى الرضوي: قبل نصف قرن تقريبا، قامت دار الكتب المصرية بالقاهرة - بمديرية الأستاذ علي


(1) ذكر أخبار أصفهان 1: 187. (2) الأنساب 1: 511. (3) ميزان الاعتدال 1: 62. (4) تفسير الطبري 19: 75، تفسير ابن كثير 3: 581.

[ 161 ]

فكري للدار - بمراجعة الكتب التي يشم منها التأييد للشيعة الأمامية، أو لأهل البيت، فكانت اللجنة تحذف ذلك الكلام كله، وتختم الكتاب بالعبارة الاتية: (راجعته اللجنة المغيرة للكتب) بتوقيع رئيس اللجنة علي فكري (1)! بكل جرأة ووقاحة!!! نعم، إن تحريف النصوص، والتلاعب بالتراث كان وما زال، وليس بعيدا أن ينال المستقبل أيضا بمخالبه وأنيابه. 3 - إن رواية الغارات) المطبوع (تخالف ما أصلناه في البحوث السابقة، وتعارض ما سنبينه في البحوث اللاحقة، التي تؤكد على اعتبار الأمام علي هو الرائد والمعيد لمدرسة الوضوء الثنائي المسحي أصالتها. أما ما رواه المفيد والطوسي في أماليهما، فهو يوافق مدرسة الأمام علي وأهل بيته، وليس بينها وبينهم أي تعارض، وهذا التوافق يرجح بأن تكون هي الأصيلة لا غير، إذ أن المفيد والطوسي يتحد سندهما عند ابن هلال الثقفي، وأن ما نقلاه عن الغارات يرجع تاريخه إلى القرن الرابع أو الخامس الهجري، إذ أن المفيد قد توفي في سنة 413 ه‍، والطوسي في سنة 460 ه‍.. فهما كانا قريبي عهد بالغارات، واني راجعت نصا من الأمالي يقرب من عهد المؤلف ورأيت فيه أن الأمام قد كتب إلى محمد بن أبي بكر بالمسح لا الغسل، وبعد هذا لا معنى لكتابته إليه بالغسل وقد عرفت ما بينهما من التضاد، وكيف يكتب بالغسل ونراه وأهل بيته وخاصته يمسحون اقتداء برسول الله، وما معنى الكتابة إليه بالغسل بعد ثبوت الأحداث في عهد عثمان! وستقف على المزيد من الأيضاح لاحقا إن شاء الله تعالى. والمتحصل مما سبق هو: إن نقل الشيخين - المفيد والطوسي - هو أقرب الى الصواب بخلاف ما هو الموجود في الغارات المطبوع والذي تلاعبت فيه أيادي


(1) آراء علماء المسلمين: 246.

[ 162 ]

الأهواء والعصبيات.. وفات على المجلسي إن كلمة (ثلاثا) هذه، هي ليست من أصل الكتاب، وإنما هي من تلاعب وتحريف النساخ، ولولا نقل المفيد والطوسي لهذا النص من الغارات، لضاع الصواب والتبس الأمر، ولاءلقيت العهدة على عاتق الثقفي، وهو منها براء!... وبذلك، فقد وصلنا إلى زيف النص المطبوع، ووقفنا على بعض ملابسات التحريف. الرابعة: تدوين الوضوء النبوي في عهد علي ثبت في كتب التراجم أن عبيد الله وعليا ابني أبي رافع - مولى رسول الله - كانا من الذين دونوا السنة النبوية بأمر الأمام علي بن أبي طالب. قال النجاشي: وجمع علي بن أبي رافع كتابا في فنون في الفقه: الوضوء، الصلاة، وسائر الأبواب، ثم ذكر مسنده إلى رواية الكتاب (1). وقد عد الأمام شرف الدين في) المراجعات (أسماء الذين دونوا السنة النبوية فقال: ومنهم علي بن أبي رافع - وقد ولد - كما في ترجمته من الأصابة - على عهد النبي فسماه عليا - له كتاب في فنون الفقه على مذهب أهل البيت، وكانوا عليهم السلام يعلمون هذا الكتاب، ويرجعون شيعتهم إليه، قال موسى بن عبد الله بن الحسن: سأل أبي رجل عن التشهد، فقال أبي: هات كتاب ابن أبي رافع، فأخرجه وأملاه علينا (2). فما يعني نقل مثل هذا عن أئمة أهل البيت؟ أو لم يكن بإمكانهم بيان الأحكام الشرعية من غير مراجعتهم لكتاب ابن أبي


(1) رجال النجاشي: 6 / 2. (2) المراجعات: ص 306 - المراجعة 110 - القسم الثاني منه.

[ 163 ]

رافع؟ ثم ما دلالة ومفهوم هذا الخبر الذي ينص على ان لابن أبي رافع كتابا في الوضوء؟ إن أقرب الاحتمالات التي تسبق إلى الذهن، تتلخص في كون أئمة أهل البيت كانوا يهدفون من ذلك إلى أمور، منها: أولا: إيقاف الناس على الحقيقة، وإشعارهم أن ما ينقلونه عن رسول الله (ص) هو الثابت صدوره عنه (ص). ولما كان التدوين محصورا في فئة معينة ومعدودة، وكتاب ابن أبي رافع من ذلك المعدود، فقد أراد الأئمة - وبإرجاعهم الشيعة إلى الكتاب المذكور - أن يفهموا الشيعة على: انهم لا يفتون برأي، ولا قياس، بل هو حديث توارثوه عن رسول الله (ص) كابرا عن كابر. كل ذلك، من أجل أن يحصنوا شيعتهم ويوقفوهم على خلفيات الأمور. ثانيا: بما أن الوضوء من الأمور المدونة في العهد الأول، فيحتمل أن يكونوا قد قصدوا بذلك إيقاف شيعتهم على أن هذا الوضوء لم يكن حادثا، كغيره من الأحكام الشرعية التي عهدوها في عهد عثمان وغيره، بل هو وضوء رسول الله (ص)، كما يرونه بخط ابن أبي رافع، أو في صحيفة علي، أو... وعليه.. فقد عرفنا بأن الوضوء كان مسألة مبحوثة عند القدماء، وأن أئمة أهل البيت قد أرشدوا شيعتهم لمدارسة تلك الكتب، للضرورة نفسها. وقد نقل عن أبي حنيفة أنه: قد نسب إلى جعفر بن محمد الصادق بأنه) صحفي (، أي: يأخذ علمه من الصحف.. وما كان من الصادق إلا أن أجابه مفتخرا ومصرحا، بأنه لا ينقل حكم الله إلا عما ورثه عن آبائه، عن رسول الله (ص)، بقوله: (أنا رجل صحفي، وقد صدق [ أي: أبو حنيفة ].. قرأت صحف آبائي، وإبراهيم، وموسى). وأشار الأستاذ محمد عجاج: بأن عند جعفر بن محمد الصادق رسائل،

[ 164 ]

وأحاديث، ونسخ. وإلى هنا.. فقد اتضح لنا بأن قضية الوضوء كانت مطروحة منذ عهد الأمام علي حتى أواخر عهد الأئمة من ولده، وقد كتب فيها الكثير من أصحاب الأئمة وعلماء أهل البيت، منهم: علي بن مهزيار الأهوازي.. (1) علي بن الحسن بن فضال.. (2) علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي.. (3) أحمد بن الحسن بن فضال (4)... وغيرهم. وكتب: علي بن بلال.. (5) محمد بن مسعود العياشي.. (6) والفضل بن شاذان النيسابوري (7)... وغيرهم.. في إثبات المسح على القدمين، أو في عدم جواز المسح على الخفين. وبذلك، فلا معنى لدعوى من قال: ليس هناك نص واحد قد صدر عن علي في هذا الباب! أما ما يخص، عدم نقل العلامتين الأميني والمجلسي، وغيرهما.. فلا يستوجب تضعيف ما وصلنا إليه، لأنهم لم يدعوا جمع كل إحداثات الاخرين،


(1) الفهرست للشيخ الطوسي: 88 / 369. (2) الفهرست للشيخ الطوسي: 92 / 381. (3) الفهرست للشيخ الطوسي: 93 / 382. (4) الفهرست للشيخ الطوسي: 24 / 62. (5) الفهرست للشيخ الطوسي: 96 / 402. (6) الفهرست للشيخ الطوسي: 136 / 593. (7) الفهرست للشيخ الطوسي: 124 / 552.

[ 165 ]

وحصرها في كتبهم - وإن أشاروا إلى بعضها، استطرادا. أضف إلى ذلك، أن بحث العلامة الأميني يختص بالغدير، وكتاب المجلسي يختص بروايات أهل البيت.. هذا أولا. وثانيا: إن الشيخ الأميني في كتابه الغدير لم يسر على ما انتهجناه - في دراسة قضية الوضوء - من الأسلوب العلمي التحليلي، المتلخص بجمع المفردات الصغيرة للقضية، وتأليفها ومتابعتها بالشرح والتفسير ابتداءا لما أخرجه مسلم بن حمران: إن ناسا يتحدثون وانتهاءا بالحقائق التي سيصلها في آخر الكتاب. نعم، إن الشيخ الأميني قد درس القضايا بما فيها من النصوص الثابتة والمنقولة في الأحداث والأبداع مما ورد ذكره في كتب السير والتاريخ، ولا يدعي أكثر من ذلك. ومن هنا، فإننا نهيب بالأخوة الباحثين انتهاج طريقة التحليل العلمي عند دراستهم لمفردات الخلاف بين المذاهب، لما تؤول إليه من نتائج باهرة يقبلها كل ذي لب باحث عن الحقيقة. وبهذا نكون قد انتهينا إلى ما يهمنا من عهد الأمام علي (1).


(1) راجع ص 463 من هذا الكتاب.

[ 166 ]

مع المصطلحين: اصطلحنا من أول الدراسة وحتى الان على مفهومين: 1 - الوضوء الثلاثي الغسلي = وضوء الخليفة عثمان بن عفان. 2 - الوضوء الثنائي المسحي = وضوء الناس المخالفين لعثمان المتحدثين عن رسول الله (ص). ونود هنا التعريف بهذا الاصطلاح، وكيفية انتزاعنا لهذين المفهومين في دراستنا، وبذلك نختم الباب الأول من مدخل هذه الدراسة. المعروف ان الأشهاد عند أهل القانون والشرع هو أنه من أصول الأثبات، وغالبا ما يجري في الدعاوى ويكون بمثابة الرأي التعضيدي للمدعي على خصمه، وهو حجة قانونية يتمسك بها لحسم النزاع. وان الخليفة عثمان بن عفان - كما ترشدنا النصوص الحديثية والتاريخية - قد اعتمد هذا الأصل واستفاد منه فأقدم على إشهاد الصحابة على وضوئه، وادعى أن رسول الله كان يغسل أعضاء الوضوء ثلاث مرات، مفهما بذلك أنه - أي عثمان - على خلاف مع الناس فيه، إذ أنهم لا يعتبرون ذلك الفعل سنة وان تأكيد الخليفة وإشهاده لبعض الصحابة على الفعل الثلاثي يدل على انه أراد إسناد ما يدعيه بتقرير الصحابة وكونه فعل قد صدر عن النبي (ص)، في حين نرى الأمام جعفر بن محمد الصادق - وهو من أئمة أهل البيت - لا يقبل مشروعية الغسل الثالث في الوضوء ولا يرتضي كون ذلك سنة، بل وصمه بالبدعة.. ولتقرير الموضوع أكثر، إليك بعض النصوص: 1 - أخرج أحمد في مسنده: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن أبي النضر، عن أنس: إن عثمان (رض) توضأ بالمقاعد ثلاثا ثلاثا، وعنده رجال من أصحاب رسول الله، قال: أليس هكذا رأيتم رسول الله يتوضأ؟

[ 167 ]

قالوا: نعم (1). 2 - حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا ابن الأشجعي، ثنا أبي، عن سفيان، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد، قال: أتى عثمان المقاعد، فدعا بوضوء.. فتمضمض، واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثا، ويديه ثلاثا ثلاثا، ثم مسح برأسه ورجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: رأيت رسول الله (ص) هكذا يتوضأ، يا هؤلاء! أكذاك؟ قالوا: نعم، لنفر من أصحاب رسول الله عنده (2). 3 - حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا عبد الله بن الوليد، ثنا سفيان، حدثني سالم أبو النضر، عن بسر بن سعيد، عن عثمان بن عفان (رض)، إنه قال: دعا بماء فتوضأ عند المقاعد.. فتوضأ ثلاثا ثلاثا، ثم قال لأصحاب رسول الله (ص): هل رأيتم رسول الله (ص) فعل هذا؟ قالوا: نعم (3). 4 - نقل المتقي الهندي، عن أبي النضر.. بطريقين: أ - إن عثمان توضأ ثلاثا ثلاثا.. ثم قال: أنشدكم بالله، أتعلمون أن رسول الله كان يتوضأ كما توضأت؟ قالوا: نعم (4). ب - وبعبارة أخرى:... ثم قال للذين حضروا: أنشدكم الله، أتعلمون أن رسول الله كان يتوضأ كما توضأت الان؟


(1) مسند أحمد 1: 57. (2) مسند أحمد 1: 67، وهذا يؤكد بأن إحداث الفعل الثلاثي في غسل الأعضاء كان قبل الأبداع في غسل الرجلين وبمثابة التمهيد لذلك. (3) مسند أحمد 1: 67 - 68. (4) كنز العمال 9: 439 / 26876.

[ 168 ]

قالوا: نعم.. وذلك لشئ بلغه عن وضوء رجال (1). 5 - أخرج الدارقطني بسنده إلى أبي علقمة، بأن عثمان: دعا ناسا من أصحاب رسول الله، فأفرغ بيده اليمنى على يده اليسرى وغسلها ثلاثا، ثم مضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه ثلاثا ثلاثا إلى المرفقين، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه فأنقاهما، ثم قال: رأيت رسول الله يتوضأ مثل هذا الوضوء الذي رأيتموني توضأته، ثم قال: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين، كان من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ثم قال: أكذلك يا فلان؟ قال: نعم. ثم قال: أكذلك يا فلان؟ قال: نعم.... حتى استشهد ناسا من أصحاب رسول الله.. ثم قال: الحمد لله الذي وافقتموني على هذا (2)! نستنتج من النصوص السابقة: إن الفعل الثلاثي، هو من موارد الخلاف بين المسلمين في زمن الخليفة الثالث، إذ لا يعقل أن يشهد الخليفة جملة من الصحابة على فعل، وبذلك التركيز - كما لاحظناه في رواية أحمد الثانية التي أشهد فيها جماعة من الصحابة في باب المقاعد، أو في إشهاده لجمع من الصحابة كلا على حدة، كما في رواية الدارقطني، وغيرها من الروايات الكاشفة عن حقيقة ما - دون أن يكون وراء المسألة (الأشهاد) شئ.. فمحل الخلاف بين الخليفة وآخرين واضح بين، وإلا لما احتاج إلى الأشهاد مادام جميع المسلمين متفقين على ذلك الفعل باعتباره سنة!


(1) كنز العمال 9: 447 / 26907. (2) سنن الدارقطني 1: 85 / 9، كنز العمال 9: 441 / 26883.

[ 169 ]

أما المورد الثاني من موارد الخلاف، والذي نستوحيه من النصوص والروايات، فهو التأكيد على الغسل من قبل عثمان بدلا من المسح الذي تعارف عليه الصحابة من فعل النبي (ص).. كما لاحظت في حديث أبي علقمة السابق الذكر وغيرها، وقد استغل الخليفة الثالث تعبيري) الأسباغ، والأحسان (الواردين في كلام الرسول فأضفي عليها مفهومه الخاص، ثم انطلق من ذلك لتجسيد فكرته ومحاولة إقناع الاخرين بهما باعتبارهما مفسرين لما يدعيه في غسل الأرجل وتثليث الغسلات. إحسان الوضوء: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي عن صالح: قال ابن شهاب:... ولكن عروة يحدث عن حمران.. إنه قال:... فلما توضأ عثمان، قال: والله لأحدثنكم حديثا، والله لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه.. إني سمعت رسول الله (ص) يقول:) لا يتوضأ رجل فيحسن وضوءه، ثم يصلي، إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة التي تليها (.. قال عروة: الاية: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى... (1)، إلى قوله:... اللاعنون. فهل يحتاج نقل رواية كهذه إلى مثل هذا الأغلاظ في الأيمان (والله لأحدثنكم)، (والله لولا آية)...؟! وقد اتفق المسلمون على صدورها، وتناقلتها الصحابة. علما بأن) إحسان الوضوء (قد ورد عن أنس، وعمر بن الخطاب وغيرهما بكثرة، عن النبي (ص).. وهو لا يختلف فيه اثنان.. وقد جاء عن عمر - بالخصوص -:... من توضأ


(1) البقرة: 159، والحديث في صحيح مسلم 1: 206 / 6.

[ 170 ]

فأحسن الوضوء... (1) و:... ما من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يقول... (2)، و:... إنه (ص) أبصر رجلا وقد... (3) الخ، وان تحديثه بهذه كان قبل تحديث عثمان! فإن كان الأمر كذلك.. فما الداعي لتلك الأيمان المغلظة من الخليفة الثالث إذن؟! وعلام يدلل إشهاده ونقله؟! إسباغ الوضوء: أما فيما يخص) الأسباغ (، فقد وردت نصوص في صحيح مسلم بأربعة طرق، وكذا في موطأ مالك، عن أبي عبد الله سالم، قال: دخلت على عائشة - زوج النبي - يوم توفي سعد بن أبي وقاص.. فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر، فتوضأ عندها، فقالت: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء.. فإني سمعت رسول الله يقول:) ويل للأعقاب من النار (4). فعائشة أرادت أن تستفيد من جملة أسبغ الوضوء - في مخاطبتها لأخيها - لتدلل على لزوم الغسل، وكذا الحال في نقلها لقوله (ص)) ويل للأعقاب (.. وهنا نتساءل.. إلى أي مدى يدل هذان على المقصود؟ ولماذا نراهم يستندون في لزوم الغسل، وتثليث الغسلات على معان مثل أسبغوا وأحسنوا، أو ويل للأعقاب، وتكون غالب أحاديث باب غسل الرجلين في الصحاح والمسانيد وما يستدل به فيها هو قوله: (ويل للأعقاب) وليس فيها نقل صفة وضوئه (ص)؟! هذا وقد وردت روايات كثيرة في كتب الصحاح عن) إسباغ الوضوء (، نقلت عن:


(1) سنن النسائي 1: 92 - 93، كنز العمال 9: 295 / 26074، 26076. (2) كنز العمال 9: 298 / 26088. (3) تفسير القرآن العظيم 2: 46. (4) صحيح مسلم 1: 213 / 25، الموطأ 1: 19 / 0 5

[ 171 ]

علي بن أبي طالب عمر بن الخطاب أبي هريرة أنس بن مالك ابن عباس.. أبي مالك الأشعري أبي سعيد ثوبان لقيط بن صبرة... وغيرهم، لكنهم لم يشهدوا أحدا على صدور ذلك، ولم يحتاجوا للقسم والأيمان الغليظة، كما فعله الخليفة عثمان! و... أخيرا فقد اتضح لنا، على ضوء ما تقدم، أن الخليفة كان يبغي من وراء تأكيده الشديد على جملتي أحسن، وأسبغ الوضوء تمرير شئ يجول في ذهنه، محاولا إيصاله إلى الاخرين.. إذ أن إشهاده الصحابة على الأحاديث المسلمة بين المسلمين لا يحتاج إلى التأكيد عليه بالقسم. فالتأكيد إذن يستبطن أمرا.. وهو: ان الخليفة - كما عرفنا - قد حاول استغلال مفهوم ثابت عند المسلمين، فانطلق من خلاله لطرح رؤيته الجديدة.. وهو بذلك يرمي إلى استقطاب الناس، حيث أن عبارة (أحسن الوضوء) أو (أسبغ الوضوء) تشير - من جهة - إلى الزيادة في القدسية، والمسح ليس كالغسل في إظهار تلك القدسية! ومن هنا نفهم معنى تأكيد الأمام علي في رده للأخذ بالرأي والقياس، وبيانه الجلي في كون الأحكام الشرعية مأخوذة من الكتاب والسنة النبوية الشريفة، فيلزم أن تكون خاضعة للنص لا للرأي، وقد ثبت عنه (ص) أنه قال: (تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله، ثم تعمل برهة بسنة رسول الله، ثم تعمل بالرأي.. فإذا عملوا

[ 172 ]

بالرأي فقد ضلوا وأضلوا) (1).. وبهذا فقد عرفنا نهي رسول الله (ص) عن الأخذ بالرأي، ومر عليك بعض ذلك، وستقف على المزيد منه في العهد الأموي. وعليه.. فيمكننا تعيين موارد الخلاف فيما بين عثمان ومعارضيه من الصحابة في قضية الوضوء ب‍: 1 - العدد.. حيث أصر الخليفة على ثلاث غسلات بدلا عن اثنتين، وأشهد الصحابة على ذلك. 2 - جعل الغسل عوضا عن المسح، وإشهاد الأصحاب على ذلك، كما في رواية أبي علقمة. وعليه، فإنا نعتبر إشهاد الخليفة الصحابة على الفعل الثلاثي وغسل الأرجل بأنها نقطة اختلافه مع الناس إذ نراه يؤكد على هذين المفهومين، ومن أجله 8 انتزعنا: 1 - مفهوم الوضوء الثلاثي الغسلي، للأشارة إلى وضوء الخليفة عثمان بن عفان. 2 - ومن مفهوم المخالفة انتزعنا مصطلح الوضوء الثنائي المسحي، للأشارة إلى وضوء الناس المتحدثين عن رسول الله، المخالفين لعثمان. وبذلك.. فقد خط الخليفة أبعاد مدرسة وضوئية جديدة في قبال السنة النبوية المباركة، بعد أن جاء ب‍ (الوضوء الثلاثي الغسلي) بدلا عن (الوضوء الثنائي المسحي)! ولنا وقفة أخرى مع أحاديث) أحسنوا الوضوء (و) أسبغوا الوضوء (في الفصل الثاني من هذه الدراسة (الوضوء في الكتاب واللغة)، وسنشير إلى السبب الداعي لاتخاذ الخليفة والحكومة الأموية هذا الموقف، ومدى استفادتهما من هذين المصطلحين وغيرها من الأدلة التعضيدية، ودورهم في إشاعتها لترسيخ وضوء عثمان.


(1) كنز العمال 1: 180 / 915.

[ 173 ]

الباب الثاني الوضوء في العهدين 1) الأموي 40 - 132 ه‍ 2) العباسي 132 - 232 ه‍

[ 175 ]

تنبيه: قبل البحث في مواضيع الباب الثاني، لابد من التنبيه إلى الأسباب الداعية لفصل العهدين - الأموي والعباسي - عن عهد الخلافة الراشدة... والأسباب هي: أولا: اضمحلال قدسية الخلافة في هذين العهدين، ولم تعد تضفى على الخليفة كما كانت، في عهد الخلفاء الراشدين. ثانيا: إن كثيرا من الصحابة الذين عاشوا في العهد الأموي، كانوا من متأخري الصحبة، وقد انخرط معظمهم في ركب الخلفاء السياسيين!! ثالثا: كان الخليفة في الخلافة الراشدة يسعى لتحكيم الأحكام الدينية، في حين لا نرى في العهدين التاليين سوى ما يدعم الحاكم، وما الخلافة عندهما إلا منصب سياسي. رابعا: نتيجة لقلة عدد الصحابة، غدا احتمال التغيير في الدين غير مستبعد. خامسا: تأصيل أمور لم تكن أصيلة في شريعة سيد المرسلين في هذين العهدين. إن هذه العوامل مجتمعة، كونت مجتمعا وأفكارا تختلف اختلافا جوهريا مما كان في عهد الخلافة الراشدة، لأجله عمدنا إلى فصل هذين العهدين عن العهود التي سبقتهما، لأمكان دراستها بنحو أشمل.

[ 177 ]

العهد الأموي (40 - 132 ه‍) تمهيد المعروف عن بني أمية تبنيهم لقضية عثمان، والمطالبة بدمه، ونشر فضائله، والوقوف أمام مخالفيه والحط منهم، ومن ثم الالتزام بفقهه ونشر آرائه، رغم مخالفة بعضها لصريح القرآن المجيد والسنة النبوية، فهم يذيعون في الناس رأي الخليفة الأموي المظلوم وما سنه ولزوم الانتصار والاهتمام بأفكاره وإشاعة رؤاه، فنرى بعض الأحكام الشرعية - التي صدرت في عهد عثمان - تأخذ طابعا حكوميا وسياسيا في هذا العهد، وإليك بعضها، وستقف على المزيد منها أيضا في أواخر هذا القسم. الامويون وتبنيهم لرأي عثمان 1 - الصلاة بمنى: أخرج أحمد بسنده إلى عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه قال: لما قدم علينا معاوية حاجا، قدمنا معه مكة، قال: فصلى بنا الظهر ركعتين ثم انصرف إلى دار الندوة، قال [ الراوي ]: وكان عثمان حين أتم الصلاة إذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء الاخرة أربعا أربعا، فإذا خرج إلى منى وعرفات قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحج وأقام بمنى أتم الصلاة حتى يخرج من مكة. فلما صلى [ معاوية ] بنا الظهر ركعتين، نهض إليه مروان بن الحكم وعمرو بن عثمان فقالا له: ما عاب أحد ابن عمك بأقبح ما عبته به.

[ 178 ]

فقال لهما: وما ذاك؟ قالا: ألم تعلم أنه أتم الصلاة بمكة؟ قال، فقال لهما: ويحكم! وهل كان غير ما صنعت، قد صليتهما مع رسول الله، ومع أبي بكر، وعمر (رضي الله عنهما). قالا: فإن ابن عمك قد كان أتمهما، وان خلافك إياه عيب! قال: فخرج معاوية إلى منى فصلاها بنا أربعا (1). وقد أخرج المتقي الهندي في كنز العمال عن ابن عباس انه قال: صلى رسول الله وأبو بكر وعمر ركعتين، ثم فعل ذلك عثمان ثلثي إمارته أو شطرها ثم صلاها أربعا، ثم أخذ بها بنو أمية (2). فمعاوية لم يكن جاهلا بصلاة عثمان إلا انه أراد - بدهائه - أن يعرف مدى تأثير رأي عثمان الصلاتي في الناس وخصوصا عند أقاربه وحاشيته! 2 - الجمع بين الأختين بالملك: أخرج ابن المنذر، عن القاسم بن محمد: إن حيا سألوا معاوية عن الأختين مما ملكت اليمين يكونان عند الرجل يطؤهما؟ قال: ليس بذلك بأس. فسمع بذلك النعمان بن بشير، فقال: أفتيت بكذا وكذا؟! قال: نعم. قال: أرأيت لو كان عند الرجل أخت مملوكته، يجوز أن يطأها؟ قال: أما والله لربما وددتني أدرك، فقل لهم: اجتنبوا ذلك فإنه لا ينبغي لهم؟ فقال: إنما الرحم من العتاقة وغيرها (3). إن معاوية بإفتائه هذا كان قد اتبع فقه عثمان، إذ أنه كان قد أفتى بذلك. فقد أخرج مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب: إن رجلا


(1) مسند أحمد 4: 94، فتح الباري 2: 457، نيل الأوطار 3: 259. (2) كنز العمال 8: 238 / 22720. (3) الدر المنثور 2: 137.

[ 179 ]

سأل عثمان بن عفان عن الأختين من ملك اليمين، هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية، وحرمتهما آية، فأما أنا فلا أحب أن أصنع ذلك. قال: فخرج من عنده فلقي رجلا من أصحاب رسول الله (ص)، فسأله عن ذلك، فقال: لو كان لي من الأمر شئ، ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا. قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب (1). 3 - ترك التكبير المسنون في الصلاة: أخرج الطبراني، عن أبي هريرة، وابن أبي شيبة، عن سعيد بن المسيب: إن أول من ترك التكبير معاوية (2). وجاء في الوسائل في مسامرة الأوائل: إن أول من نقص التكبير معاوية، كان إذا قال: سمع الله لمن حمده، انحط إلى السجود ولم يكبر (3). وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم، قال: أول من نقص التكبير زياد (4). وقد جمع ابن حجر العسقلاني في فتح الباري بين الأقوال، فقال: وهذا لا ينافي الذي قبله، لأن زيادا تركه بترك معاوية، وكان معاوية تركه بترك عثمان (5). وقد جاء عن مطرف بن عبد الله، قال: صليت خلف علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) أنا وعمران بن الحصين، فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين فقال: (قد ذكرني هذا صلاة محمد)، أو قال: (لقد صلى بنا محمد) (6). وفي لفظ آخر عن مطرف بن عمران، قال: صليت خلف علي صلاة ذكرني


(1) الموطأ 2: 538 / 34. (2) انظر: الوسائل في مسامرة الأوائل: 18. (3) الوسائل في مسامرة الأوائل: 18 - رقم 94. (4) الوسائل في مسامرة الأوائل: 19 - رقم 95. (5) فتح الباري 2: 215. (6) أخرجه البخاري 1: 209، مسلم 1: 295 / 33، ابن أبي داود 1: 221 / 835، النسائي 2: 204، أحمد 4: 428، 429، 444.

[ 180 ]

صلاة صليتها مع رسول الله والخليفتين، قال: فانطلقت فصليت معه فإذا هو يكبر كلما سجد وكلما رفع رأسه من الركوع، فقلت: يا أبا نجيد من أول من تركه؟ قال: عثمان بن عفان (رض) حين كبر وضعف صوته تركه (1). وأخرج الشافعي في كتاب الأم وكذا القزويني في التدوين من طريق أنس بن مالك، قال: صلى معاوية بالمدينة فجهر فيها بالقراءة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم لاءم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها، حتى قضى تلك القراءة ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم ناداه من يسمع ذلك من المهاجرين من كل مكان: يا معاوية! أسرقت الصلاة أم نسيت؟! فلما صلى بعد ذلك قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعد أم الكتاب وكبر حين يهوي ساجدا (2). وأخرج الشافعي الحديث كذلك عن طريق عبيد بن رفاعة (3)، وصاحب الانتصار أخرجه عن طريق أنس بن مالك، كما حكاه في البحر الزخار. وبهذا عرفت بأن معاوية قد تبنى فقه الخليفة في تركه للتكبير المسنون، والجمع بين الأختين بالملك وعدم الجهر بالقراءة اقتداء بعثمان! 4 - التلبية: أخرج النسائي والبيهقي في سننهما عن سعيد بن جبير، قال: كان ابن عباس بعرفة، فقال: يا سعيد، مالي لا أسمع الناس يلبون؟ فقلت: يخافون معاوية.. فخرج ابن عباس من فسطاطه، فقال: لبيك اللهم لبيك، وإن رغم أنف معاوية، اللهم العنهم، فقد تركوا السنة من بغض علي (4).


(1) مسند أحمد 4: 432، الوسائل في مسامرة الأوائل: 18 / 93. (2) الأم 1: 108، التدوين في أخبار قزوين 1: 154. (3) الأم 1: 108. (4) سنن النسائي 5: 253، سنن البيهقي 5: 113، الاعتصام بحبل الله المتين 1: 360.

[ 181 ]

قال السندي في تعليقته على النسائي: (من بغض علي): أي لأجل بغضه، أي: وهو كان يتقيد بالسنن، فهؤلاء تركوها بغضا له (1). وأخرج ابن حزم في المحلى: أهل رسول الله حتى رمى الجمرة وأبو بكر وعمر (2).. ولم يذكر عثمان. وعن عبد الرحمن بن يزيد: إن عبد الله بن مسعود لبى حين أفاض من جمع، فقيل له: عن أي هذا؟ وفي لفظ مسلم: فقيل: أعرابي هذا؟! فقال: أنسي الناس أم ضلوا؟.. سمعت الذي نزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المكان: (لبيك اللهم لبيك) (3). وفي النصين الأخيرين دلالة إلى أن الخليفة عثمان كان لا يرتضي التلبية، وأنه كان قد طبع الناس على تركها، بحيث كانوا يعتبرونها ليست من الدين، وأن معاوية قد سار على نهج الخليفة كما ظهر ذلك من النص الأول. وما كانت هذه الأمثلة إلا نموذجا لكثير من النصوص المبثوثة في الكتب والدالة على التزام معاوية بنهج الخليفة وسعيه لتطبيق فقه عثمان ورأيه. وبعد هذا.. نتساءل: أيعقل أن يتخطى معاوية وضوء الخليفة، مع ما عرفت عنه من تبنيه لارائه الفقهية؟! وماذا يجدي نقل كل تلك الفضائل لعثمان، ألم تكن هي مقدمة للأخذ بفقهه والسير على نهجه؟ وكيف يترك معاوية فقه عثمان، وهو الخليفة الأموي المظلوم!! ويسمح بانتشار فقه الناس المخالفين له ولعثمان؟! لسنا بصدد البحث في أن عثمان هل هو الذي أثر في الأمويين، أم هو المتأثر


(1) هامش سنن النسائي 5: 253. (2) انظر المحلى 7:: 135 - 136، فتح الباري 3: 419 - 420. (3) صحيح مسلم 2: 932 / 270.

[ 182 ]

بهم؟ بل الذي نود التأكيد عليه هو وجود الامتزاج والتلاقي في الأفكار، وأن الخليفة والأمويين يسيران على نهج ويتابعان هدفا واحدا، وقد عرفت بعض الشئ وستقف على المزيد منه في بحوثنا الاتية أما عوامل التأثير والتأثر فهو ما يجسده واقع الحال والنصوص التاريخية التي أشرنا إلى بعضها سابقا، وسنشير إليها بالتفصيل إن شاء الله تعالى في كتابنا عن (الحكام وتأثيراتهم في الأحكام الشرعية). مخالفة مرجعية علي العلمية بما أن الأمام عليا أحد الناس الذين يتحدثون عن رسول الله في الوضوء، فمن الطبيعي أن تواجه الحكومة الأموية أولئك الناس بالشدة، إذ أن سياستها - كما قلنا - تعتمد على أمرين: 1 - تبني فقه عثمان بن عفان ونشر فضائله. 2 - مخالفة علي في نهجه وفقهه وآرائه. وإنا قد فصلنا هذا البحث في كتابنا عن الحكام، وقلنا بأن بني أمية كانوا على طرفي نقيض مع بني هاشم وحتى في صدر الأسلام، حيث التزم بنو أمية جانب المشركين، أما بنو هاشم فلم يفارقوا الرسول في جاهلية ولا إسلام. جاء في صحيح البخاري: إن رسول الله وضع سهم ذي القربى في بني هاشم وعبد المطلب - أيام غزوة خيبر - فاعترض عثمان وجبير بن مطعم على حكم رسول الله، فقال لهما (ص): (انا بنو هاشم وبنو عبد المطلب شئ واحد) (1). وفي رواية النسائي: (إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، وإنما نحن وهم شئ واحد)، وشبك بين أصابعه (2).


(1) صحيح البخاري 5: 174، هذا الخبر وما يليه في الأموال، لأبي عبيدة: 341. (2) سنن النسائي 7: 131، سنن أبي داود 3: 146 / 2980.

[ 183 ]

ففي الجمل السابقة تعريض ببني أمية ومدح لبني هاشم وعبد المطلب، إذ أنهم تحملوا أتعاب الدعوة وكانوا معه في شعب أبي طالب ودافعوا عنه بكل ما أوتوا من قوة، ولم يكونوا كغيرهم حيث دخلوا الأسلام مكرهين! وكان هذا التمييز الشرعي لا يرضي الأمويين، بل تراهم يشعرون بالهوان والضعة أمام الهاشميين، لما يعرفونه من فضل بني هاشم المنافسين لهم! ومن هنا سعوا - عندما وصلوا إلى الحكم - إلى تغيير بعض تلك المفاهيم التي طرحها رسول الله، وتأسيس أخرى مكانها، إذ المطلوب إضفاء الشرعية على ممارساتهم تلك والوقوف أمام علي.. ولذلك أقدم الأمويون على بعض الخطوات لتنفيذ مخططهم المرسوم: خطوات أموية 1 - التشكيك في الأحاديث النبوية الواردة في حق علي، ووضع أحاديث مشابهة في حق بعض الصحابة!! فقد جاء في كتاب معاوية إلى عماله: (... أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبية وأهل بيته والذين يروون فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم، واكتبوا إلي بكل ما يروي كل رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته) (1). ولما فشا ذلك، وكثر الحديث في عثمان.. كتب إليهم: فإذا جاءكم كتابي هذا.. فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين، ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحب إلي، وأقر لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله (2).


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11: 44. (2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11: 45.

[ 184 ]

2 - السعي إلى طمس كل فضيلة وميزة لعلي بن أبي طالب على غيره من الصحابة، وجعله كأحد المسلمين.. فقد رووا عن ابن عمر أنه قال: (كنا في زمن النبي لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي لا نفاضل بينهم) (1). وما روي عن محمد بن الحنفية (ابن الأمام علي)، إنه قال: (قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله؟ فقال: أبو بكر قلت: ثم من؟ قال: عمر وخشيت أن يقول عثمان. قلت: ثم أنت؟ قال: أما أنا رجل من المسلمين) (2). إن ذكرنا لهذا لا يعني التشكيك أو التعريض بالشيخين، بل أوردناه لمخالفته للثابت الصحيح في التاريخ، فإن عليا كان لا يرى أحدا أحق بالأمر منه لما نصبه الرسول (ص) في حجة الوداع، وجعله وصيا له، وهكذا الأمر بالنسبة لبقية المسلمين الأوائل، فقد كانت لهم رؤى تخصهم في الخلافة والتفاضل! ولو صح ذلك وعرفه الجميع ولم يكن بالمفتعل الطائفي، فلماذا يقول أبو بكر لأبي عبيدة: (هلم أبايعك، فإني سمعت رسول الله يقول إنك أمين هذه الأمة وقدمه على نفسه وعلى عمر)، أو قوله: (وليت عليكم ولست بخيركم) (3)... ألم تكن هذه فضيلة لأبي عبيدة دالة على رجحانه على أبي بكر، أو دالة على وجود من هو خير منه كما في النص الثاني! وماذا يعني كلام عمر - قبل الشورى -: (لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا


(1) البداية والنهاية 7: 216، التاريخ الكبير، للبخاري 1: 49. (2) صحيح البخاري 5: 9. (3) طبقات ابن سعد 3: 182، وفيه: امركم بدل عليكم، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 17: 158، تاريخ الطبري 3: 210.

[ 185 ]

استخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيك يقول: انه أمين هذه الأمة. ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيك يقول:) ان سالما شديد الحب لله (1)، وأقواله الأخرى في علي وغيره.. ألم تدل هذه النصوص على أن أبا عبيدة وسالما و... هم أفضل من عثمان؟.. فلو كان كذلك، فما معنى) كنا لا نعدل (؟! وماذا يعني قول ابن عوف في الشورى:) أيها الناس إني سألتكم سرا وجهرا بأمانيكم، فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين: إما علي وإما عثمان (2).. ثم بدأ بعلي للبيعة وقدمه على عثمان. وما يعني كلام عائشة عندما سئلت عن رسول الله) لو استخلف (؟! فذكرت أبا بكر وعمر ولم تذكر عثمان، بل رجحت أبا عبيدة عليه (3). ألم تكن هذه المواقف هي امتيازا لعلي وأبي عبيدة وسالم وأنهم أفضل من عثمان؟ وما معنى جملة لم (نعدل)، أو (نفاضل) وفي القوم من عد من العشرة المبشرة ومن جاء فيه نص صريح بعلو مكانته وجلالة قدره! 3 - وضع أحاديث في عدالة جميع الصحابة، كقوله (ص):) أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم (4) و...، ليجعلوا أبا سفيان، ومروان بن الحكم، والحكم بن العاص، ومعاوية، وعبد الله بن أبي سرح، والوليد بن عقبة


(1) تاريخ الطبري 4: 227. (2) تاريخ الطبري 4: 238. (3) صحيح مسلم 4: 1856 / 9، مستدرك الحاكم 3: 73، مسند أحمد 6: 63، سنن الترمذي 5: 317 / 3845. (4) سنبحث هذه الأحاديث وأمثالها سندا ودلالة في الفصل الثالث من هذه الدراسة إ ن شاء الله تعالى.

[ 186 ]

و... بمنزلة علي، وفاطمة، وابن عباس، وأبي ذر و...! وذلك بعدما عجزوا عن طمس الأسلام والوقوف أمام أبنائه ومعتقدات الناس، فإنهم بطرحهم هذه الفكرة وغيرها قد أرادوا نفي ما قيل في بني أمية وما جاء في شأنهم من اللعن على لسان الرسول والقرآن المجيد، بل جعل أقوالهم من مصادر التشريع الأسلامي ليضاهي كلام المقربين من أصحاب الرسول وينافسهم في أخذ المسلمين معالم دينهم عنهم. وقد ثبت عنه (ص) أنه كان يلعن أقطاب بني أمية ويدعو عليهم في قنوته، ويقول:) اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل ابن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية (1).. وتواتر عنه (ص) أنه قال - لما أقبل أبو سفيان ومعه معاوية -:) اللهم العن التابع والمتبوع (2). وفى آخر: (اللهم العن القائد والسائق والراكب) (3).. وان يزيد بن معاوية بن أبي سفيان منهم. وقد اشتهرت مقولة رسول الله (ص) في مروان بن الحكم وأبيه - طريد رسول الله -:) اللهم العن الوزغ بن الوزغ (4). فالأمويون سعوا لتغيير مفهوم بعض الأحاديث النبوية الشريفة - ومنها أحاديث اللعن -، ليجعلوا للملعونين منزلة لا ينالها إلا ذو حظ عظيم، ليشككوا فيما صدر عن رسول الله وأن لعنه قد صدر عنه عصبية قبلية كأنه لم يكن يلتزم بأصل ثابت في الحياة - والعياذ بالله! فقد روت عائشة عنه (ص) أنه قال:) اللهم أنا بشر، فأي المسلمين لعنته أو


(1) الفردوس 1: 503 / 2060، الأصابة 2: 93. (2) وقعة صفين: 217. (3) وقعة صفين: 220. (4) مستدرك الحاكم 4: 479.

[ 187 ]

سببته.. فاجعله زكاة وأجرا (1). وروى أبو هريرة أيضا:) إنما أنا بشر، فأي المؤمنين آذيته، شتمته، لعنته، جلدته.. فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة (2). ونحن لا نريد أن نناقش هذين الحديثين وأمثالهما - وهي كثير - بل نريد أن يقف القارئ على دور الأمويين وكيف كانوا يريدون مسخ شخصية الرسول (ص) بترسيمهم شخصية له (ص) لا تراعي القيم والأعراف، بل تتعدى على حقوق المسلمين، ثم يطلب الرحمة من الله لأولئك!! كيف يلعن رسول الله من لا يستحق اللعنة! أو نراه يلعن المؤمنين، كما جاء في حديث أبي هريرة! أم كيف يمكن أن نوفق بين هذا الحديث وما رواه عنه (ص):) اني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة (3) وهل حقا أنه (ص) يطلب الرحمة لمن لعنه؟! وكيف يؤكدون إذن على عدالة جميع الصحابة، وما يعني ذلك؟ أليس بين الصحابة مؤمنون ومنافقون، وأليس بينهم من يحبه الله ورسوله وهناك من يلعنه الله ورسوله؟!، وكيف يصح لنا أن نساوي بينهم، وما الهدف من ذلك، ومن هو المستفيد، ولم قالوا بهذا؟ قالوا بذلك ليساووا المجاهد بالقاعد، والطليق بالمهاجر، والمحاصر بالمحاصر، والمشرك بالمؤمن.. وليجعلوا قول ابن أبي سرح والوليد ومروان يضاهي كلام علي وفاطمة وغيرهما ممن يمكن الاطمئنان إليهم والأخذ بقولهم، وقد تنبه الأمام علي لمخططهم، فجاء في رسالته إلى معاوية:)... ولكن ليس أمية كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا المهاجر كالطليق، ولا الصريح كاللصيق، ولا المحق كالمبطل، ولا


(1) صحيح مسلم 4: 2007 / 88، مسند أحمد 3: 400. (2) صحيح مسلم 4: 2008 / 90، مسند أحمد 2: 316 - 317، 449. (3) صحيح مسلم 4: 2006 / 87.

[ 188 ]

المؤمن كالمدغل... (1). وفي قوله لمعاوية:) فسبحان الله! ما أشد لزومك للأهواء المبتدعة والحيرة المتبعة مع تضييع الحقائق واطراح الوثائق التي هي لله طلبة وعلى عباده حجة... (إلى آخره. وقد قال الجاحظ وهو في معرض إشارته للذين يعتقدون برأي الأمويين: وقد أربت عليهم نابتة عصرنا ومبتدعة دهرنا فقالت: لا تسبوه [ أي معاوية ] فإن له صحبة، وسب معاوية بدعة (2)، ومن يبغضه فقد خالف السنة، فزعمت ان من السنة ترك البراءة ممن جحد السنة. ولا نريد التفصيل في هذا البحث، بل مكتفين بالأشارة إلى أن هذه الفكرة كغيرها إنما هي دسيسة حكومية تخفي وراءها أهدافا سياسية! 4 - إثارة مسألة عدم اجتماع الخلافة والنبوة في بني هاشم، والتي أثيرت من قبل في اجتماع السقيفة (3)، مع العلم بأنهم مسلمون وجميع الناس سواسية أمام حكم الله، وصريح قوله (ص):) خلفائي إثنا عشر كلهم من قريش (4)، ودلالة القرآن باجتماع ذلك بقوله تعالى: (وورث سليمان داود) (5). كانت هذه بعض خيوط المخطط الأموي ضد علي وبني هاشم، وهناك


(1) نهج البلاغة 3: 18 / 17. (2) أما سب علي بن أبي طالب فلا! ينظر كلام الجاحظ في رسالته المطبوعة في آخر النزاع والتخاصم، للمقريزي: 94. (3) في هذا حوار لابن عباس مع عمر.. راجع: الطبري 4: 223 - 224 وغيره من كتب التاريخ. (4) صحيح مسلم 3: 1453 / 10، سنن الترمذي 3: 340 / 2323. (5) النمل: 16.

[ 189 ]

الكثير لا يمكننا حصره، وقد ثبت أنهم كانوا يأمرون الناس بلعن علي في صلواتهم وعلى المنابر (1) حتى قيل: بأن مجالس الوعاظ بالشام كانت تختم بشتم علي (2)، وأنهم كانوا لا يقبلون لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة، وقد أمر معاوية بمحو أسمائهم من الديوان (3).. وقيل: إن حجر بن عدي صاح بالمغيرة في المسجد قائلا: مر لنا أيها الأنسان بأرزاقنا، فقد حبستها عنا وليس ذلك لك، وقد أصبحت مولعا بذم أمير المؤمنين. فقام أكثر من ثلثي الناس يقولون: صدق حجر وبر (4). وقد نقلت كتب السير أن عمر كان قد قال للمغيرة بن شعبة - وكان أعور -: أما والله ليعورن بنو أمية هذا الدين، كما أعورت عينك، ثم لتعمينه حتى لا يدري أين يذهب ولا أين يجئ (5)!! قال الدهلوي في رسالة الأنصاف: (ولما انقرض عهد الخلفاء الراشدين أفضت الخلافة إلى قوم تولوها بغير بغير استحقاق، ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام، فاضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء، وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم، وكان بقى من العلماء من الطراز الأول، فكانوا إذا طلبوا هربوا وأعرضوا، فرأى أهل تلك الأعصار - غير العلماء - إقبال الأمة عليهم مع إعراضهم، فاشتروا طلب العلم توصلا إلى نيل العز، فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد أن كانوا أعزة بالأعراض عن السلاطين أذلة بالأقبال عليهم، إلا من وفقه الله...). فإذا كانت هذه هي السياسة الحكومية تجاه علي وشيعته، فهل يعقل أن


(1) النصائح الكافية: 86 - 88. (2) النصائح الكافية: 87، وابن عساكر في تاريخه. (3) النصائح الكافية: 88. (4) تاريخ الطبري 5: 254. (5) شرح النهج عن الموفقيات للزبير بن بكار.

[ 190 ]

تطبق السنة النبوية كما هي واقعا في مثل هذا العهد (1)؟! وكيف بأولئك الناس الذين كانوا يتحدثون عن رسول الله، وهل بقي من الصحابة من له جرأة الأقدام والاعتراض؟!! وماذا سيكون اتجاه الحكومة وموقفها في الوضوء؟ هل ستسمح للناس بممارسة وضوئهم المنقول عن رسول الله (ص) أم ستواجههم بالعنف وطرق التضليل الأخرى؟! من الواضح - كما قلنا - أن الحكومة الأموية قد اتبعت فقه الخليفة عثمان وجعلته دستور الدولة، وأمرت الولاة والقضاة باتباعه، ودعت إلى نشره، فلا يعقل أن تحيد عن سياستها الكلية في الوضوء بالذات، بالرغم من وجود علي ابن أبي طالب - وهو من الذين لهم معه حساب خاص - في الجناح المقابل. وعلي رأس المحافظين على سنة النبي في الوضوء.. هذا أولا. وثانيا: المعروف ان الأمويين - وبعد قتل الحسين - قد ازدادوا تنكيلا بشيعة علي، حتى وصل الحال بفقهاء الشيعة أن توقفوا عن الافتاء في مستجدات المسائل، لصعوبة الاتصال بأئمتهم، وتفشي سياسة العنف في البلاد، وقد حد ذلك من ارتباط القيادة مع القاعدة، وعليه، نرى عمل الناس في الوضوء - بعد مقتل الحسين الشهيد - أخذ يتدرج بالضعف أمام دعاة نهج الخليفة، حتى انحصر ببعض التابعين وأهل بيت رسول الله، وإنك ستقف على أسمائهم من قريب. حال (الناس) في العهد الأموي أشار الأمام علي بن الحسين إلى حال المؤمنين في مثل هذا العهد وكيف يرون كتاب الله منبوذا وسنة نبيه متروكة وحكمه مبدلا، فقال في دعائه:) اللهم إن هذا المقام لخلفائك وأصفيائك... (إلى أن يقول:... حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين


(1) سيتضح للقاري في الفصل الأول من هذه الدراسة أن نهج علي هو السنة الشريفة.

[ 191 ]

مقهورين مبتزين، يرون حكمك مبدلا، وكتابك منبوذا، وفرائضك محرفة عن جهات أشراعك، وسنن نبيك متروكة و... (1) وقال أيضا وهو يشرح اختلاف الأمة:) وكيف بهم؟ وقد خالفوا الامرين، وسبقهم زمان الهادين، ووكلوا الى أنفسهم، يتنسكون في الضلالات في دياجير الظلمات. وقد انتحلت طوائف من هذه الأمة مفارقة أئمة الدين والشجرة النبوية أخلاص الديانة، وأخذوا أنفسهم في مخاتل الرهبانية، وتغالوا في العلوم، ووصفوا الأسلام بأحسن صفاته، وتحلوا بأحسن السنة، حتى إذا طال عليهم الأمد، وبعدت عليهم الشقة، وامتحنوا بمحن الصادقين: رجعوا على أعقابهم ناكصين سبيل الهدى، وعلم النجاة. وذهب آخرون الى التقصير في أمرنا، واحتجوا بمتشابه القرآن، فتأولوه بآرائهم، واتهموا مأثور الخبر مما استحسنوا، يقتحمون في أغمار الشبهات، ودياجير الظلمات، بغير قبس نور من الكتاب، ولا أثرة علم من مظان العلم، زعموا أنهم على الرشد من غيهم. والى من يفزع خلف هذه الأمة؟! وقد درست أعلام الملة والدين بالفرقة والاختلاف، يكفر بعضهم بعضا، والله تعالى يقول: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما


(1) الصحيفة السجادية: 293 - الدعاء 48.

[ 192 ]

جاءهم البينات) (1). فمن الموثوق به على إبلاغ الحجة؟ وتأويل الحكمة؟ إلا الى أهل الكتاب، وأبناء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، الذين احتج الله بهم على عباده، ولم يدع الخلق سدى من غير حجة. هل تعرفونهم؟ أو تجدونهم إلا من فروع الشجرة المباركة، وبقايا صفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا، وبرأهم من الافات، وافترض مودتهم في الكتاب (2)؟! وقال عليه السلام لرجل شاجره في مسألة شرعية فقهية:) يا هذا! لو صرت الى منازلنا، لأريناك آثار جبرئيل في رحالنا، أفيكون أحد أعلم بالسنة منا (3). وقال أيضا:) إن دين الله لا يصاب بالعقول الناقصة، والاراء الباطلة، والمقاييس الفاسدة، لا يصاب إلا بالتسليم. فمن سلم لنا سلم، ومن اقتدى بنا هدي، ومن كان يعمل بالقياس والرأي هلك، ومن وجد في نفسه - مما نقوله، أو نقضي به - حرجا، كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم، وهو لا يعلم (4). وبين الأمام الباقر سبب تأكيدهم وسر إرجاع المسلمين إليهم، بأنهم مكلفون


(1) آل عمران: 105. (2) كشف الغمة، للأربلي 2: 98 - 99. (3) نزهة الناظر، للحلواني: 45. (4) إكمال الدين: 324 ب 31 ح 9.

[ 193 ]

ببيان الأحكام للناس، لكن السياسة الظالمة والأهواء الباطلة تمنع الأخذ منهم، أو تمنعهم من بيانها، فقد قال: (بلية الناس علينا عظيمة، إن دعوناهم لم يستجيبو ا لنا، وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا (1)). وبهذا فقد عرفت أن الطابع السياسي أخذ يتفشى في الشريعة شيئا فشيئا، وأن الأحكام صارت تخضع لأهواء الحكام، وأن الفرائض الشرعية صارت محرفة عن جهات أشراعها، وأن الحكام صاروا يفتون الناس بالدين الذي يريدونه أو يستخدمون من له نفوذ وعلم لاءن يفتي لهم بما يريدون، وقد مر عليك سابقا كلام ابن عباس، وانه كان يلعن معاوية وأتباعه لتركهم سنة رسول الله بغضا لعلي) اللهم العنهم فقد تركوا السنة من بغض علي (2). أو إنه قال:) لعن الله فلانا، إنه كان ينهى عن التلبية في هذا اليوم - يعني يوم عرفة - لان عليا كان يلبي فيه (3). ونقل الشيخ أبو زهرة ما جاء عن الحكم الأموي، منها: لابد أن يكون للحكم الأموي أثر في اختفاء كثير من آثار علي في القضاء والافتاء، لأنه ليس من المعقول أن يلعنوا عليا فوق المنابر، وأن يتركوا العلماء يتحدثون بعلمه، وينقلون فتاواه وأقواله، وخصوصا ما يتصل بأساس الحكم الأسلامي (4). ونحن نقول هنا بما مر، كيف بالحكومة تترك الناس يمارسون دورهم، وهم من مخالفي عثمان، في حين يتصدر علي - الذي يلعنونه - مدرستهم؟! وبهذا فقد عرفنا بأن لكلا الاتجاهين - الناس والخليفة - أنصارا وأتباعا في الوضوء، يذودون عما يرتؤونه، وبما أن السلطة قد تبنت فقه عثمان ودعت الى


(1) الأرشاد 2: 167، مناقب آل أبي طالب 4: 206، وعنه في البحار 46: 288 ح 11. (2) سنن النسائي 5: 253، سنن البيهقي 5: 113. (3) انظر: النصائح الكافية: 11 عنهما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس. (4) انظر: تاريخ المذاهب الأسلامية، لأبي زهرة: 285 - 286.

[ 194 ]

فضائله ونشرت آراءه، فمن الطبيعي أن ينساق السواد الأعظم - تبعا للدولة - الى وضوء الخليفة عن طيب نية وحسن سريرة. وهناك مؤشرات تدلل على أن الخلاف في الوضوء كان قائما - في هذا العهد - على قدم وساق، وبذكرنا بعض النصوص لخلاف الناس مع الدولة سوف يقف القارئ على حقيقة الأمر. علما بأن مدرسة الناس كان يتصدرها بقية من الصحابة وبعض التابعين، أما عائشة فإنها على الرغم من مخالفتها لسياسة عثمان وفقهه وكونها من الناس، لكنا نراها تقف في العهد الأموي إلى جانب الحكومة لترسيخ وضوء عثمان، مستفيدة من جملة (اسبغوا الوضوء) و (أحسنوا الوضوء) وأمثالها، مما أشاعته الحكومة لتدعيم فكرة الخليفة، بغضا لعلي!!

[ 195 ]

نصوص لخلاف الناس مع الدولة في الوضوء: 1 - عبد الرحمن بن أبي بكر وعائشة: أخرج مسلم في صحيحه - باب غسل الرجلين - بسنده إلى سالم مولى شداد، قال: دخلت على عائشة (رض) زوج النبي يوم توفي سعد بن أبي وقاص، فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر فتوضأ عندها فقالت: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله يقول: (ويل للأعقاب من النار) (1). وأخرج مالك في الموطأ: إنه بلغه أن عبد الرحمن بن أبي بكر قد دخل على عائشة زوج النبي يوم مات سعد بن أبي وقاص، فدعا بوضوء، فقالت له عائشة: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله يقول: (ويل للأعقاب من النار) (2). وأخرج ابن ماجة بسنده عن أبي سلمة، قال: رأت عائشة عبد الرحمن وهو يتوضأ، فقالت: أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله يقول: (ويل للأعقاب من النار) (3). وفي مسند أحمد:... فأساء عبد الرحمن، فقالت عائشة: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله يقول: (ويل للأعقاب يوم القيامة من النار) (4). توقفنا هذه النصوص على ثلاث نقاط: الأولى: معرفة تاريخ صدور الخبر، وأنه كان في أواخر عهد معاوية، إذ أن


(1) صحيح مسلم 1: 213 / 25. (2) الموطأ 1: 19 / 5، شرح معاني الاثار 1: 38 / 188. (3) سنن ابن ماجة 1: 154 / 452، المصنف، لعبد الرزاق 1: 23 / 69، والحميدي عن ابن عيينة. (4) مسند أحمد 6: 112.

[ 196 ]

سعد بن أبي وقاص توفي سنة 55 ه‍، وكانت وفاة عائشة سنة 58 ه‍، وعليه فإن صدور هذا الخبر كان في أواخر عهد عائشة ومعاوية. الثانية: كون وضوء عبد الرحمن يغاير وضوء عائشة، لقول عائشة له (أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله يقول ويل للأعقاب من النار)، ولما نقله الراوي (فأساء عبد الرحمن، فقالت عائشة...). ثم أن متن الرواية لها كمال الدلا لة على اختلاف وضوئهما، إذ لو كان عبد الرحمن يتفق وضوؤه مع وضوء عائشة لما احتاجت الى تذكيرها إياه بقوله (ص): (ويل للأعقاب من النار) ولما كان هناك من داع لقولها له: أسبغ الوضوء!! الثالثة: عدم دلالة قول عائشة: (أسبغ الوضوء) على وجوب غسل الرجلين، إذ أن لكلمة (الأسباغ) و (ويل للأعقاب) معنى أعم، ولا يمكن الاستدلال بها على المطلوب، فإنها لو أرادت من نقلها الدلالة على الغسل - كما استفاد منه مسلم والبخاري وغيرهما - للزمها أن تقول: اغسل رجلك، فإني رأيت رسول الله يغسل رجليه، وحيث لم تر رسول الله يغسل رجليه استدلت على وجوبه بقوله (ص): ويل للأعقاب من النار لا برؤيتها. وبذلك تبين أن إتيانها بهذه الجملة جاءت مجاراة للحكومة وأنها كانت تريد الاستفادة منها لترسيخ وضوء الخليفة! وإنك سوف تقف في فصل (الوضوء في الكتاب واللغة) على دور الحكومة وكيفية تحريفها للحقائق، ومدى استغلالها المصطلحات الثانوية كأسبغوا الوضوء، وأحسنوا الوضوء.. في ترسيخ وضوء عثمان. 2 - عبد الله بن عباس والربيع بنت معوذ: أخرج ابن ماجة بسنده الى الربيع بنت معوذ أنها قالت: أتاني ابن عباس فسألني عن هذا الحديث - تعني حديثها الذي ذكرت أن رسول الله توضأ وغسل رجليه -، فقال ابن عباس: إن الناس أبوا إلا الغسل، ولا أجد في كتاب الله إلا

[ 197 ]

المسح (1). ونحن نرجح صدور هذا النص في العهد الأموي لأمور: 1 - أوصلتنا البحوث السابقة إلى أن الخلاف بين المسلمين في الوضوء وقع في عهد عثمان، ولم يكن له ذكر في عهد الرسول والشيخين، ورجحنا كذلك أن إحداثات عثمان كانت في الست الأواخر من عهده، وروينا عنه أنه كان يمسح على رجليه في أوائل عهده، وتوصلنا كذلك إلى أن الأمة كانت لا ترضى عن عثمان ولم تأخذ برأيه، وذكرنا نصوصا كثيرة عن الصحابة ومخالفتهم إياه. وعليه.. فإن جملة ابن عباس: (... وإن الناس أبوا إلا الغسل) لا يتناسب إلا مع افتراض صدوره في العصر الأموي، حيث جاء انسياق الناس تبعا لرأي للدولة. 2 - نحتمل صدور هذا الخبر في أوائل العهد الأموي، أي فيما بين سنة 40 إلى 60، وذلك لسببين: الأول: حالة الانفتاح واللين التي كان يمارسها معاوية مع بعض الصحابة وإمكان مناقشة ابن عباس مع الربيع. الثاني: اضطهاد ابن عباس بعد مقتل الحسين وتخليه عن الافتاء، حتى قيل عنه بأنه لما وقعت الفتنة بين ابن الزبير وعبد الملك بن مروان رحل مع محمد بن الحنفية إلى مكة، وأن ابن الزبير طلب منهما أن يبايعاه فأبيا، والجميع يعرف ما يكنه ابن الزبير لبني هاشم، هذا عن ابن الزبير. أما بالنسبة إلى المروانيين، فإن ابن عباس لم يكن على وفاق مع عبد الملك بن مروان وغيره.. وعليه، فلم تكن له تلك الحرية في عهد المروانيين حتى يمكنه مناقشة الربيع في رأيها. 3 - يفهم من النص السابق أن ابن عباس جاء مستنكرا لا مستفهما، إذ لا يعقل أن يأخذ ابن عباس - وهو الذي عاش في بيت النبوة، والقائل: (نحن أهل البيت، شجرة النبوة، ومختلف الملائكة، وأهل بيت الرسالة، وأهل بيت الرحمة، ومعدن العلم) (2) - من امرأة ليست من كبار الصحابة ولا من أجلائهم.


(1) سنن ابن ماجة 1: 156 / 458. (2) أسد الغابة 3: 193.

[ 198 ]

وأن قوله لها (أبى الناس إلا الغسل) يفهم منه أن الحالة في الوضوء أصبحت سلطوية وليست بشرعية وأن الكيفية التي روتها الربيع ترضي الناس لما فيها من ظاهر النقاء وكونها أبلغ في النظافة، لا لشرعيتها وورودها في القرآن والسنة الشريفة. 3 - أنس بن مالك والحجاج بن يوسف الثقفي: أخرج الطبري وبسنده الى حميد، قال: قال موسى بن أنس لأنس ونحن عنده: يا أبا حمزة، إن الحجاج خطبنا بالأهواز ونحن معه نذكر الطهور، فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم، وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وأنه ليس من ابن آدم أقرب إلى خبث قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما.. فقال أنس: صدق الله وكذب الحجاج، قال تعالى: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) (1). وأخرج بلفظ آخر وسند آخر مثله. وجاء في تفسير القرطبي بسنده عن موسى بن أنس أنه أخبر أباه أن الحجاج أمر الناس بغسل الرجلين في الوضوء، فقال: صدق الله وكذب الحجاج، قال الله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم). أو: إن الحجاج خطب في الأهواز، وأمر الناس بغسل الرجلين في الوضوء، قال: فسمع ذلك أنس بن مالك، فقال: صدق الله وكذب الحجاج، قال الله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) (2). وذكر القرطبي - بعد أن قال: إن أنس كان إذا مسح رجليه بلهما - قال: وروي عن أنس أنه قال: نزل القرآن بالمسح (3). وأخرج ابن كثير بسنده عن عاصم الأحول عن أنس، إنه قال: نزل القرآن


(1) تفسير الطبري 6: 82، تفسير ابن كثير 2: 44. (2) الجامع لأحكام القرآن 6: 92. (3) الجامع لأحكام القرآن 6: 92.

[ 199 ]

بالمسح.. ثم قال: إسناده صحيح (1). وأخرج السيوطي نحو ما أخرجه الطبري والقرطبي وابن كثير، قال: وأخرج ابن جرير عن أنس أنه قال: نزل القرآن بالمسح (2). وقال صاحب تفسير الخازن: يروى عن أنس أنه قال: نزل القرآن بالمسح (3). وقال النيسابوري: اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما، فنقل القفال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك: إن الواجب فيهما المسح، وهو مذهب الأمامية (4). استنتاج على ضوء النصوص السابقة نقف عند ثلاث نقاط: الأولى: استخدام الحجاج الرأي في إلزام الناس بغسل أرجلهم معللا بأنه أقرب شئ إلى الخبث، وإنا قد ذكرنا سابقا موقف الأمام علي من أصحاب الرأي، وأنه قال لهم: لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدم أولى من ظاهره، إلا أني رأيت رسول الله يمسح على ظاهره.. وبهذا تبين لك أن في الوضوء اتجاهين: 1 - اتجاه الخليفة = الأخذ بالرأي (5).


(1) تفسير ابن كثير 2: 44. (2) الدر المنثور 2: 262. (3) تفسير الخازن 1: 435. (4) تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان، المطبوع بهامش تفسير الطبري. (5) سنثبت في الفصل الأول من هذه الدراسة أن وضوء عثمان إنما صدر عن رأيه المحض، وحتى ما نقله من رؤيته لوضوء رسول الله فإنه كان اجتهادا في مقابل النص، ولأجله لم يلق التأييد من الصحابة، بل هناك ناس خالفوه فيما حكاه عن رسول الله، وأن المنقول عنه (ص) - على فرض صدوره - لم يكن على نحو التشريع للمسلمين، بل انه من =

[ 200 ]

2 - اتجاه الناس = التعبد المحض بما قاله الله ورسوله. الثانية: نفهم من جملة (إن الحجاج أمر الناس...) إن الحكومة قد تبنت فقه الخليفة عثمان في الوضوء، ودعت إليه بوسائلها الخاصة! تلك الحكومة التي سعت في تحريف الحقائق وتغيير مفاهيم بعض الاحاديث.. وستقف قريبا على المزيد منه إن شاء الله تعالى. الثالثة: امتداد خط الناس في الوضوء حتى زمن الحجاج بن يوسف الثقفي، لقول موسى بن أنس (ونحن معه نذكر الطهور) وتصدي كبار الصحابة لذلك الاتجاه، أمثال: أنس بن مالك (خادم رسول الله)، وابن عباس (حبر الأمة) و... وأن وقوف أمثال هؤلاء أمام خط الدولة - رغم كل الملابسات وسياسات العنف - ينبئ عن أصالة الخط وصحة فعلهم. فالدولة خروجا لها من هذا المأزق وغيره ولتصحيح ما تفرضه من اجتهادات وآراء تبنت فكرة تدوين السنة النبوية الشريفة، ليكون زمام الأمور بيدها وأن لا تواجه مستقبليا مشكلة في نقل النصوص!! وأناطت لابن شهاب الزهري مهمة ذلك. جاء في كنز العمال عن أنس أنه قال: رأيت رسول الله يتوضأ ثلاثا ثلاثا، وقال: بهذا أمرني ربي عز وجل (1). ترى كيف يأمره الله بالثالثة ونحن نعلم أنه فعل الثانية على نحو السنة وأعطى عليه الأجر كفلين، وتواتر عنه في الصحاح والسنن أنه كان يتوضأ مرتين مرتين؟ وهل بعد السنة فرض، وألم يحتمل أن يكون هذا الأمر مختصا به دون المؤمنين؟! وإذا صحت هذه الأحاديث عن أنس.. فلماذا لا نراها في الكتب المعول عليها في الفقه - كصحيح البخاري ومسلم والصحاح الأربعة الأخرى و... -، ولماذا نرى نقل أغلب المتناقضات في الاحاديث إنما كان عن أنس وابن عباس وعلي


مختصاته (ص)! (1) كنز العمال 9: 459 / 26965.

[ 201 ]

وجابر ابن عبد الله الأنصاري، فإن كان أنس بن مالك قد خلط في آخر عمره وكان يستفتى فيفتي من عقله - كما رواه محمد بن الحسن الشيباني عن أبي حنيفة - فكيف بابن عباس وعلي وجابر بن عبد الله الانصاري واختلاف النقل عنهما في الأحكام؟ وهل انهم قد خلطوا في الأحكام أو ان السياسة نسبت إليهما التناقض، بل في بعض الأحيان التضاد؟! رأي وتنظير لو دقق الباحث النظر في الأخبار لوقف على دور السياسة في تحريف كثير من الأمور، فقد ذكر الفخر الرازي في تفسيره: (في المسائل الفقهية المستنبطة من الفاتحة) تعارض الروايات المنقولة عن أنس بن مالك في البسملة وأنه تارة يعتبرها جزء من السورة وأخرى ينفيها وفي ثالثة يتوقف عندها. قال الفخر الرازي: أقول، إن أنسا وابن المغفل خصصا عدم ذكر بسم الله الرحمن الرحيم بالخلفاء الثلاثة ولم يذكروا عليا، وذلك يدل على إطباق الكل على أن عليا كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. ثم ساق بعدها كلام الشيخ أبي حامد الاسفرائيني، وهو: روي عن أنس في الباب ست روايات، أما الحنفية فقد رووا عنه ثلاث روايات: إحداها قوله: صليت خلف رسول الله (ص) وخلف أبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين. وثانيها قوله: إنهم ما كانوا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم. وثالثها قوله: لم أسمع أحدا منهم قال: بسم الله الرحمن الرحيم. فهذه الروايات الثلاث تقوي قول الحنفية. وثلاث أخرى تناقض قولهم: إحداها: ما ذكرنا من أن أنسا روى أن معاوية لما ترك بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة أنكر عليه المهاجرون والأنصار. وقد بينا أن هذا يدل على أن الجهر بهذه الكلمات كالأمر المتواتر فيما بينهم.

[ 202 ]

وثانيها: روى أبو قلابة عن أنس أن رسول الله وأبا بكر وعمر كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. وثالثها: انه سئل عن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والأسرار به، فقال: لاأدري المسألة. فثبت أن الرواية عن أنس في هذه المسألة قد عظم فيها الخبط والاضطراب، فبقيت متعارضة، فوجب الرجوع الى سائر الدلائل، وأيضا ففيها تهمة أخرى وهي أن عليا عليه السلام كان يبالغ في الجهر بالتسمية، فلما وصلت الدولة الى بني أمية بالغوا في المنع من الجهر، سعيا في إبطال آثار علي عليه السلام، فلعل أنسا خاف منهم، فلهذا السبب اضطربت أقواله فيه، ونحن وإن شككنا في شئ فانا لا نشك انه مهما وقع التعارض بين قول أنس وابن المغفل وبين قول علي بن أبي طالب عليه السلام الذي بقى عليه طول عمره، فإن الأخذ بقول علي أولى، فهذا جواب قاطع في المسألة) (1) وبهذا اتضح لك ما قلناه أن الأمويين كانوا ينسبون الى مخالفيهم ما يرتؤون من أفكار، وقد وقفت سابقا على ما نسب إلى علي وأنه علم ابن عباس (حبر الأمة) وضوء عثمان! أو تقرير طلحة والزبير وسعد وعلي لوضوء عثمان! وأنه وضوء رسول الله، مع كونهم من مخالفيه المطردين! أو ما نسب إلى الحسين بن علي من الوضوء الثلاثي الغسلي والدعاء في غسل الرجلين (2)! وهكذا الأمر بالنسبة إلى سائر أبواب الفقه، فنراهم ينسبون أشياء لا ترتبط بفقه هؤلاء، فمثلا ينسبون روايات السكوت عن ظلم الحاكم، أو بول رسول الله قائما إلى حذيفة بن اليمان وغيره، فما يعني ذلك؟! الأجل معرفة حذيفة أسماء المنافقين، وأن صدور هذه الروايات عنه هي بمثابة المبالغة في السكوت عن ظلم الحكام؟! وعلى فرض صحة صدور مثل هذه الأخبار عنه.. فهي مختصة به، وهي


(1) تفسير الفخر الرازي 1: 206. (2) انظر سنن النسائي 1: 69 باب صفة الوضوء، والمعجم الصغير للطبراني.

[ 203 ]

بمنزلة وصية من رسول الله في عدم فضحه للمنافقين (إلا أن ترى كفرا بواحا). أما تعميم ذلك على جميع المسلمين وأن نستخرج منه أصلا شرعيا، فهو تحريف للسنة الشريفة والعقيدة الأسلامية الامرة بلزوم مواجهة الظالمين، وأن أعظم الجهاد (كلمة حق عند سلطان جائر)، و (إن الساكت عن الحق شيطان أخرس). فكيف يسمح الأسلام بتصدر الفاسق لاءمرة المسلمين، وسبحانه يصرح: (لا ينال عهدي الظالمين) وما تعني وهذه الرؤى؟! هذا، وان موقف أنس بن مالك يدل على أصالة نهج الوضوء الثنائي المسحي، لأنه على رغم مخالفته لعلي وعدم شهادته في صدور جملة: (من كنت مولاه) (1) فيه، تراه يدافع وبكل صلابة عن وضوء الناس، فما معنى ذلك؟! ألم يكن لثبوته عنده، وأنه قد رأى رسول الله يفعل ذلك، وأن القرآن نزل به؟! وكيف يترك ما شاهده عن الرسول وينساق إلى الحكام؟ خبر مشوه أما الأمويون - ومن باب الملازمة - فقد سعوا لتضعيف تلك الأخبار، بما رووه عن أنس وأنه يدعو إلى الوضوء الثلاثي، ليعارضوا ما ثبت عنه في المسح. أخرج الطبراني في الصغير بسنده عن عمر بن أبان بن مفضل المدني، قال: أراني أنس بن مالك الوضوء.. أخذ ركوة فوضعها على يساره، وصب على يده اليمنى فغسلها ثلاثا، ثم أدار الركوة على يده اليمنى فتوضأ ثلاثا ثلاثا، ومسح برأسه ثلاثا، وأخذ ماء جديدا لسماخيه، فمسح سماخيه. فقلت له: قد مسحت أذنيك! فقال: يا غلام، إنها من الرأس، ليس هما من الوجه، ثم قال: يا غلام، هل رأيت وفهمت، أو أعيد ذلك؟ فقلت: قد كفاني، وقد فهمت.


(1) مسند أحمد 1: 84، 118، الجامع الصغير 2: 642 / 9000، سنن الترمذي 5: 297 / 3797.

[ 204 ]

فقال: هكذا رأيت رسول الله (ص) يتوضأ (1). ولنا على هذا النص عدة مؤاخذات: الأولى: وجود خلط في سند الحديث، إذ فيه حدثنا جعفر بن حميد بن عبد الكريم بن فروخ بن ديرج بن بلال بن سعد الأنصاري الدمشقي، حدثني جدي لأمي عمر بن أبان بن مفضل. 1 - وهذا يدل على أن الحديث الذي رواه الطبراني عن أنس يمر بطبقتين، في حين نعلم أنه لا يمكنه رواية حديث مثل هذا إلا عبر ثلاث طبقات أو أربع (2). 2 - لم يرو عن بلال بن سعد الدمشقي أحد بتلك الأسماء، ولم يرو هو عن جده لأمه، ولم يعرف أحد بهذا الاسم في كتب الرجال (3). 3 - يحتمل أن يكون راوي هذا الخبر من أتباع السلطة ومن الذين يريدون نسبة ما يرتؤونه الى الفقهاء المتعاملين، قال أبو زرعة الدمشقي: بلال بن سعد أحد العلماء في خلافة هشام، وكان قاصا حسن القصص، وعليه فالاطمئنان لمثل هذه الأخبار لا يميل إليه القلب. الثانية: إن راوي الخبر السابق ليس من الرواة المعروفين برواية الحديث ولا من المهتمين به، ويكفي قول الطبراني عنه (لم يرو عمرو بن أبان عن أنس حديثا غير هذا). الثالثة: لو سلمنا جدلا صحة الرواية، فنرجح صدورها في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي وعهد عبد الملك بن مروان لمعرفتنا باتجاهه ومواقفه في الوضوء. وان تنكيله بالصحابة ومعارضته إياهم إنما هو لتحديثهم عن رسول الله وثباتهم على السنة الشريفة.


(1) المعجم الصغير: 116. (2) وبهذا لا يخرج حديث الطبراني عن المعلق أو المرسل أو المفصل اصطلاحا، كل بحسب‍ عدد الوسائط الساقطة من الأسناد، فهو ليس بحجة في المقام اتفاقا. (3) تهذيب الكمال 4: 291 وتراجم الاخرين فيه.

[ 205 ]

فقد أخرج ابن عساكر في تاريخه عن أبي بكر بن عياش، عن الأعمش: كتب أنس بن مالك إلى عبد الملك بن مروان: يا أمير المؤمنين إني قد خدمت محمدا تسع سنين [ وفي لفظ آخر: إني خدمت النبي تسع سنين ]، والله لو أن اليهود والنصارى أدركوا رجلا خدم نبيهم لأكرموه، وأن الحجاج يعرض بي حوكة البصرة.. فكتب عبد الملك إلى الحجاج يأمره بالاعتذار من أنس، فجاء الحجاج الى أنس، وما أن سمع بذلك، حتى خرج أنس يمشي حتى دنا منه، فقال: يا أبا حمزة، غضبت؟ قال الحجاج: أغضب! تعرضني لحوكة البصرة؟ قال أنس: يا أبا حمزة، إنما مثلي ومثلك كقول الذي قال: إياك أعني واسمعي يا جارة، أردت أن لا يكون لأحد علي منطق (1). بهذا المنطق كانوا يقابلون الصحابة ويسعون لتطبيق آرائهم، فهل يمكن لأحد أن يطمئن لأحاديث أنس وغيره التي وقعت تحت الضغط وجور الحكام؟! الرابعة: إن قول الراوي (فقلت له: قد مسحت أذنيك، فقال: يا غلام...) تفهم أن الراوي كان لا يستسيغ ولا يرتضي مسح الأذنين، بل نراه قد فوجئ بهذا الفعل من أنس، وأن تأكيد أنس له (وأنها من الرأس لا من الوجه) وكذا قوله: (هل رأيت وفهمت، أو أعيد عليك؟ فقلت: قد كفاني، وقد فهمت).. تدلل على أن مسح الأذنين لم تكن من سيرة المسلمين وأنه قالها بحالة غضب وانفعال، وكذا الحال بالنسبة الى تثليث الغسلات وخصوصا في الرأس منه، حيث إن هذا الفعل لم يلحظ في جميع الوضوءات البيانية المنقولة عنه (ص). وعليه، فيحتمل أن يكون هذا الخبر - على فرض صحة صدوره - هو مما يستدل به لنصرة المذهب المالكي، إذ أنهم يؤكدون على مسح جميع الرأس، لقولهم بأن الباء في السورة جاءت للالصاق، وبهذا فإن هذه الرواية وغيرها تفيد هذا المذهب بالخصوص،


(1) تهذيب الكمال 3: 374، وقريب منه في تهذيب ابن عساكر 4: 77.

[ 206 ]

ولم توافق غيرها من المذاهب. هذا وانا لم نلاحظ في هذا الخبر حكم الأرجل، هل هو المسح أم الغسل؟.. ولكن، بما أن الثابت عنه هو المسح - وهو ما لا يعجب الحكام - فتركوا ذلك واستفادوا من الدلالة الالتزامية وفعل الثلاث للدلالة على أنه كان يغسل ولا يمسح!! كل ذلك ليضعفوا ما له من أخبار مع الحجاج وتأكيده على المسح!! ولندرس حديثا آخر: أخرج الطبراني في الصغير، عن إبراهيم بن أبي عبلة: سألت أنس بن مالك (رض) كيف أتوضأ، ولا تسألني كيف رأيت رسول الله (ص) يتوضأ، رأيت رسول الله يتوضأ ثلاثا ثلاثا، وقال: بهذا أمرني ربي عز وجل (1). هذه الرواية كغيرها تؤكد على وجود الخلاف حول الوضوء في العهد الأموي وأن أحد محاور الخلاف الغسل الثلاثي للأعضاء. نحن لا نريد مناقشة هذه الروايات أو تلك، بل نريد أن ننوه بأن السياسة هي وراء طرح بعض المفاهيم السائدة اليوم.. ولو درسنا تلك النصوص بروح علمية لا يخالطها التعصب، لوقفنا على حقائق مرة لا يطيق سماعها العامة!! بل نرى دور السياسة وتلاعبها في مصادر التشريع عبر تدوين ما يفيدها وطرح ما يغيظها، ونشاط حركة تدوين الحديث واللغة والتاريخ وما شاكل ذلك جاء وفقا لمتطلبات الحكومات وأهوائها (2) مما يضطرنا الى تمحيص وتدقيق ملابسات التشريع وزمن تدوين أصولها وبيان ما رافق السنة من ملابسات. وان توسعتنا لدائرة هذه البحوث لا يعني خروجا عن الموضوعية في البحث وإثارة أمور جانبية نحن في غنى عنها، بل اعتقادنا أن قوام البحث يبتني على شرح قضايا كهذه، وقد وضحنا سابقا في مقدمة الكتاب وآلينا على أنفسنا أن ندرس الحدث من جميع جوانبه التاريخية والتشريعية والسياسية، واعترضنا على


(1) المعجم الصغير: 32. (2) ستقف على المزيد من ذلك عند دراستنا للعهد العباسي الأول.

[ 207 ]

الذين اكتفوا بدراسة الأسانيد دون معرفة ملابسات التشريع. إذن، فخروجنا وتخطينا لما نعتقده هو نقص، إذ لا يمكننا الوقوف على الأحكام بصورتها الواضحة إلا ببيان مثل هذه القضايا، وإليك أحد تلك المواضيع الدخيلة والمؤثرة في فهم الشريعة: تدوين السنة النبوية، ودور الحكام فيه: يبدو أنه لما عاجلت المنية عمر بن عبد العزيز أعرض ابن حزم عن كتابة الحديث، خاصة لما عزله يزيد بن عبد الملك، - الذي تولى الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز سنة 101 ه‍ -، وكذلك توقف كل من كانوا يكتبون مع أبي بكر، وفترت حركة التدوين، إلى أن تولى هشام بن عبد الملك سنة 105 ه‍، فجد في هذا الأمر ابن شهاب الزهري المتوفي سنة 124 ه‍ بل قالوا: إنه أكرهه على تدوين الحديث، لأنهم كانوا يكرهون كتابته - كما سيتبين لك بعد - ولكن لم تلبث هذه الكراهية أن صارت رضا.. ولم يلبث ابن شهاب أن صار حظيا عند هشام، فحج معه، وجعله معلم أولاده، إلى أن توفي قبل هشام بسنة، وتوفي هشام سنة 125، وبموته تزعزع ملك بني أمية، ودب فيه الاضطراب (1). وقد حدث معمر عن الزهري، إنه قال: كنا نكره كتابة العلم، حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء، فرأينا أن لا نمنعه أحدا من المسلمين (2). وفى آخر: استكتبني الملوك فاكتبتهم، فاستحيت الله إذ كتبتها للملوك ولا أكتبها لغيرهم (3). والان، نتساءل.. من هم أولئك الحكام الذين يدعون إلى تدوين السنة الشريفة؟! ألم يكونوا هم أبناء أبي سفيان، والحكم بن العاص ومن يماثلهم؟ أليس هم الذين وقفوا بوجه النبي، ولم يدخلوا في الأسلام إلا مكرهين؟!


(1) أضواء على السنة المحمدية: ص 260. (2) تقييد العلم، للخطيب البغدادي: ص 107. (3) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر 1: 77.

[ 208 ]

ألم يقل أبو سفيان: فوالذي يحلف به أبو سفيان.. لا جنة ولا نار (1). ألم يكن هو القائل: يا عثمان، إن الأمر أمر عالمية، والملك ملك جاهلية فاجعل أوتاد الأرض بني أمية. (2)؟! وروي عنه أنه رفس قبر حمزة وضربه برجله، وقال: يا أبا عمارة! إن الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف، صار في يد غلماننا، يتلعبون به (3)! ألم يكن هؤلاء الغلمة هم المعنيين بقوله (ص): (هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء قريش) (4)؟ ألم يقف يزيد من الحسين، ومعاوية من علي، موقف أبي سفيان من رسول الله، وموقف المشركين من الأسلام؟! وكيف يستأمن بنو مروان على ودائع النبوة، وقد لعن رسول الله جدهم وأباهم، بقوله: (اللهم العن الوزغ بن الوزغ)، وطردهما من المدينة!! أم كيف يجوز أخذ الأحكام من معاوية، وهو الذي قال للمغيرة - وذلك عندما طلب منه ترك إيذاء بني هاشم لأنها أبقى لذكره!! -:... هيهات! هيهات! أي ذكر أرجو بقاءه؟! ملك أخو تيم فعدل، وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلا أن يقول قائل: أبو بكر. ثم ملك أخو عدي، فاجتهد، وشمر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلا أن يقول قائل: عمر. وأن ابن أبي كبشة ليصاح به كل يوم خمس مرات: أشهد أن محمدا رسول الله، فأي عمل يبقى؟ وأي ذكر يدوم بعد هذا! لا أبا لك! لا والله إلا دفنا دفنا (5).


(1) الاستيعاب 4: 1679، الأغاني 6: 356، مروج الذهب 2: 343، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 45. (2) الأغاني 6: 355، تهذيب تاريخ دمشق، لابن عساكر 6: 409. (3) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 16: 136. (4) المعجم الصغير، للطبراني: 200. (5) الأخبار الموفقيات، للزبير بن بكار: 576 - 577، مروج الذهب 3: 454، النص‍ ائح الكافية: 116، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 238.

[ 209 ]

أو قوله لما سمع المؤذن يقول (أشهد أن محمدا رسول الله): لله أبوك يا ابن عبد الله! لقد كنت عالي الهمة، ما رضيت لنفسك إلا أن تقرن اسمك باسم رب العالمين (1). والقائل لما دخل الكوفة: إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا، انكم لتفعلون ذلك، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون (2). وهل ينسى أحد فعلة يزيد مع الحسين وسبيه لنسائه وأهل بيته.. وهدمه للكعبة.. وإباحته للمدينة ثلاثة أيام، وتسميتها بالخبيثة بدل الطيبة، مراغمة للنبي وأهل بيته (3)؟! فكيف يجوز إذن أن نأخذ الأحكام من أمثال هؤلاء؟! أم كيف تطمئن نفوسنا بمروياتهم وكيف نأتمنهم على كنوز النبوة، مع ما عرفنا من مكرهم وحيلهم وموقفهم من رسول الله، وبثهم روح العصبية والتفرقة بين المسلمين؟ وهل يمكن لأحد أن يطمئن لفقه الحجاج الذي يرجح عبد الملك بن مروان على رسول الله! ولا يرضى بزيارة قبر الرسول!! فقد جاء في رسالة الحجاج إلى عبد الملك:... إن خليفة الرجل في أهله أكرم عليه من رسوله إليهم، وكذلك الخلفاء يا أمير المؤمنين أعلى منزلة من المرسلين (4). والقائل لجمع يريدون زيارة قبر رسول الله من الكوفة:


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 10: 101. (2) مقاتل الطالبيين: 70، البداية والنهاية 8: 134، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 46، المعرفة والرجال، للبسوي 3: 318. (3) انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 238. (4) انظر: البداية والنهاية 9: 137، وقريب منه في تهذيب ابن عساكر 4: 72.

[ 210 ]

تبا لهم! إنما يطوفون بأعواد ورمة بالية، هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك؟ ألا يعلمون أن خليفة المرء خير من رسوله (1)؟! هل يمكن أن يطمئن أحد لمرويات أمثال هؤلاء، وهذا موقفهم من رسول الله وتصويرهم لمرقده (ص)؟! أم كيف يمكن استيداعهم السنة النبوية؟! هذا وإنا لا يمكننا حصر أقوال الحجاج، وذكر جرائمه - بهذه العجالة -.. فقد رمى الكعبة بالمنجنيق - عندما حارب ابن الزبير - (2) وقتل الالاف، وسجن أكثر منها! وقد نقل أن سليمان بن عبد الملك لما ولي أطلق في يوم واحد من المسجونين واحدا وثمانين ألفا من الأسراء، ووجد ثلاثين ألفا ممن لا ذنب لهم، وثلاثين ألف امرأة (3). ووصل الأمر به أن قال عمر بن عبد العزيز عنه: لو جاءت كل أمة بخبيثها، وجئنا بالحجاج.. لغلبناهم (4). وقال عاصم: ما بقيت لله عز وجل حرمة إلا وقد ارتكبها الحجاج (5). ونقل ابن عساكر: إن الحجاج ادعى نزول الوحي عليه، وأنه كان لا يعمل إلا بوحي من الله (6)!


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 15: 242، وانظر: الكامل في اللغة والأدب، للمبرد 1: 185، والنصائح الكافية، وأنساب الأشراف، وتهذيب ابن عساكر. (2) تاريخ الطبري 5: 498، الفتوح 2: 216، تاريخ الأسلام، لحسن إبراهيم 1: 287، تهذيب تاريخ ابن عساكر 4: 53، الكامل في التاريخ 4: 124. (3) تهذيب ابن عساكر 4: 83، البداية والنهاية 9: 142. (4) تهذيب التهذيب 2: 211، البداية والنهاية 9: 139، تهذيب ابن عساكر 4: 83. (5) البداية والنهاية 9: 139. (6) تهذيب تاريخ دمشق، لابن عساكر 4: 70.

[ 211 ]

وصدق تنبؤ النبي فيه، حين قال: (إن في ثقيف مبيرا وكذابا) (1). وقالت له أسماء بنت أبي بكر: أنت المبير الذي أخبرنا به رسول الله (ص) (2). فهل يثق أحد بعد هذا بفقه الحجاج وأمثاله من الأمويين، والذي كان يقول: اتقوا الله ما استطعتم، فليس فيها مثنوية، أو اسمعوا وأطيعوا ليس فيها مثنوية لأمير المؤمنين عبد الملك بن مروان (3)! وهو القائل: (يزعم ابن مسعود إنه يقرأ قرآنا من عند الله، والله ما هو إلا رجز الأعراب (4)!


(1) مسند أحمد 2: 91، سنن الترمذي 5: 386 / 4036، البداية والنهاية 9: 127، الكامل في التاريخ 4: 361. (2) تهذيب التهذيب 2: 211، تهذيب تاريخ دمشق 4: 53. جاء في الأصابة (ترجمة المختار الثقفي) 3: 519: (وأقوى ما ورد في ذمه مما أخرجه مسلم في صحيحه عن أسماء بنت أبي بكر أن رسول الله قال: يكون في ثقيف كذاب ومبير، فشهدت أسماء أن الكذاب هو المختار). وعلق السيد المقرم في (تنزيه المختار) على كلام ابن حجر بقوله: (لكن بعد أن راجعت صحيح مسلم (باب ذكر كذاب ثقيف) وقرأت الحديث الى آخره عرفت خيانته في النقل وتصر فه في الأحاديث كما يقتضيه هواه، وانكشف لي كيف يذهب البغض والعداء بالأكابر ا لى حيث اختلاق الباطل والبهتان، فيشوهون تلك الكتب العالية الشأن بالخرافات والأضاليل). نعم، لا يمكن لأحد أن ينسى دور المختار وخروجه على الحكام ومطالبته بثأر الحسين وأنه اتهم بالنبوة والكذب وتشكيل فرقة المختارية وغيرها من التهم لابتعاده عن الأمويين. جئنا بهذا ليقف المطالع على دور العصبية في تحريف الحقائق!! (3) البداية والنهاية 9: 135، تهذيب تاريخ دمشق، لابن عساكر 4: 72. (4) البداية والنهاية 9: 135.

[ 212 ]

التشريع وبعض ملابساته لا أدري هل فكر السادة العلماء والأخوة الأفاضل في سبب حصر الفقهاء في هذا العهد بسبعة أو تسعة! وماذا يعني هذا؟ ومن هم، ومدى تأثرهم بالسلطة.. مع وجود فقهاء كبار، كعلي بن الحسين، وسفيان بن عيينة، والثوري، ومحمد بن علي الباقر، وابنه جعفر الصادق، وغيرهم. ولماذا لقب ابن عمر ب‍ (فقيه الأسلام)، وأبو هريرة ب‍ (راوية الأسلام)، وعائشة ب‍ (أم المؤمنين) وأخذت الأحكام منهم، ودارت على أقوالهم رحى الشريعة.. ولماذا لا نرى للاخرين من الصحابة مثل ذلك الدور؟! ابن عمر فقيه الأسلام إذا كان الأخذ بكلام ابن عمر هو لقرابته من الخليفة عمر، فهناك من هو قريب إلى أبي بكر كمحمد ابنه! وإن كان قد نال هذا المقام لفقاهته فهناك الكثير من الفقهاء لم يحظوا بما حظي به. وكيف ترانا قادرين أن نأخذ بفقهه، ونلاحظ فتاواه تخالف السنة النبوية، وأن عمر لم يستخلفه على المسلمين، لأنه لم يحسن طلاق امرأته (1): ويقول عنه الاخر: ليس ابن عمر بأفقه مني، ولكنه أسن (2)، بل يقول عنه الشعبي: كان ابن عمر جيد الحديث، ولم يكن جيد الفقه (3)، ويقول عنه إبراهيم النخعي - لما ذكر له ابن عمر وتطيبه عند الأحرام: ما تصنع بقوله؟! (4) 1 - ونرى عائشة تخالف فقهه أيضا، فقد روي: إنه بلغها قول ابن عمر في


(1) تاريخ الطبري 4: 228، الكامل 3: 65، وفتح الباري وغيرها من كتب التاريخ والفقه. (2) فتح الباري 8: 209. (3) طبقات ابن سعد 2: 373. (4) صحيح البخاري 2: 168.

[ 213 ]

القبلة الوضوء، فقالت: كان رسول الله (ص) يقبل وهو صائم، ثم لا يتوضأ (1) 2 - أو نراه يجهل ترخيص الرسول للنساء بلبس الخفين إذا كن محرمات، ولما أخبرته صفية، عن عائشة أنها تفتي النساء أن لا يقطعن.. فانتهى عنه (2)! 3 - وكيف يجوز أن نتبع فقيها لا يعلم بتحريم الرسول كراية المزارع، وأنه كان يكريها، منذ عهده (ص) إلى أواخر عهد معاوية! - أي قرابة خمسين عاما، لايعرف حكم هذه المسألة - ولما أخبره رافع بن خديج كف عنها (3). 4 - وقد أخرج الطبراني عن موسى بن طلحة، قال: بلغ عائشة ان ابن عمر يقول: إن موت الفجأة سخط على المؤمنين. فقالت: يغفر الله لابن عمر! إنما قال رسول الله: موت الفجأة تخفيف على المؤمنين، وسخط على الكافرين (4). 5 - وأخرج البخاري وأحمد، من طريق ابن عمر.. بأن رسول الله وقف على قليب بدر فقال: يا فلان! يا فلان!.. هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ أما والله إنهم لا يسمعون كلامي. فقالت عائشة: غفر الله لأبي عبد الرحمن! إنه وهم إنما قال رسول الله: والله إنهم ليعلمون الان أن الذي كنت أقول لهم حقا (5). 6 - وأخرج أحمد في مسنده، عن عائشة.. انه بلغها أن ابن عمر يحدث عن أبيه أن رسول الله قال: الميت يعذب ببكاء أهله عليه. فقالت: يرحم الله عمر وابنه! فوالله ما هما بكاذبين ولا مكذبين ولا متزيدين


(1) الأجابة، للزركشي: 97، وانظر: الدارقطني 1: 136 / 10. (2) البييهقي 5: 52، ابن أبي داود 2: 166 / 1831، أحمد 2: 29، الأجابة: 96، والأم، للشافعي وغيرها. (3) صحيح البخاري 3: 141 - 142، مسلم 3: 1180 / 109، 112، المعجم الكبير 4: 253، ح 4302 الى 4322. (4) عنه الزركشي في الأجابة: 97. (5) صحيح البخاري 5: 98، مسند أحمد 2: 38.

[ 214 ]

إنما قال ذلك رسول الله في رجل من اليهود، ومر بأهله وهم يبكون عليه، فقال (ص): إنهم ليبكون عليه، وأن الله عز وجل معذبه في قبره (1). وقد ظنوا بأن العذاب معلول البكاء عليه، وأن هذا البكاء يؤذي الميت، في حين نعلم أن الرسول قد بكى على الميت، وأمر أصحابه في البكاء على عمه حمزة.. وعليه، فإن الأخذ بهذه الأخبار على ظاهرها يوجب الوهم كما أوجب لعمر وابنه!! 7 - ومنها: ما أخرجه أحمد في مسنده، عن ابن عمر، أنه قال: قال رسول الله: الشهر تسع وعشرون، وصفق بيديه مرتين، ثم صفق الثالثة، وقبض إبهامه. فقالت عائشة: غفر الله لأبي عبد الرحمن! ما هكذا قال رسول الله، ولكن قال: إن الشهر قد يكون تسعا وعشرين (2). وبهذا، نكون قد وقفنا على مجمل اجتهادات ابن عمر، وعرفنا أنه كان يتسرع في الافتاء، ويعمل - في بعض الأحيان - بوهمه - كما قالت عائشة - ويعتبر ذلك اجتهادا منه فتراه ينسب إلى رسول الله أنه قال الشهر تسع وعشرون. وإذا كانت ليلة تسع وعشرين، وكان في السماء سحاب أو قتر، أصبح ابن عمر صائما (3)، أو نراه يقول عن موت الفجأة، والبكاء على الميت، وغيرهما ما قرأت! في حين نرى عائشة تصحح آراءه وتوقفه على وهمه، ولها نصوص أخرى معه، أعرضنا عن ذكرها مخافة الأطالة. نعم قد ضعف بعض الأعلام بعض تلك الأحاديث، لكن تضعيف جميع تلك الأحاديث ليس باليسير. وبعد هذا لا ندري هل هناك اليوم من يقف عند أحاديث ابن عمر ويصحح


(1) مسند أحمد 6: 281، وانظر: الأجابة، للزركشي: 91 - 92. (2) مسند أحمد 2: 31، الأجابة: 98. (3) مسند أحمد 2: 13.

[ 215 ]

تلك الاجتهادات، كما فعلته عائشة وغيرها؟ أم ان آراءه تؤخذ في الشريعة بدون أي دراسة؟ وكيف تطمئن نفوسنا إلى فقه ابن عمر، وقد رأينا أنه ظل مدة خمسين سنة لايعرف حكم كراية المزارع، ويتطيب وهو محرم، أو ما شابه ذلك؟! وهل نقل كل تلك الأخبار عنه كذب؟!! فما وجه تأويلات الفقهاء لكلام ابن عمر إذن؟ أم ان جميعها صحيح، أم هناك تبعيض؟! وهل من يناقش أحاديثه اليوم! أبو هريرة راوية الأسلام نترك ابن عمر وننتقل إلى أبي هريرة.. إذ نراه يختص بذلك العدد الهائل من المرويات التي شغلت جميع الأبواب في الفقه دون غيره من كبار الصحابة! وكيف ترى أبا هريرة يعي كلام رسول الله، وهو أمي! ويختص بجرابين منه (ص) (1).. في حين لا يعي ذلك أصحابه المقربون والسابقون الأولون؟!! وما الفائدة بإفضاء الأسرار إليه دون الخلفاء؟ ولماذا لم يسطع نجمه في عهد الرسول والشيخين؟ بل ترى أن عمر يهدده بالضرب، بل يضربه بدرته، وعائشة تكذبه وكذا علي...؟ وكيف يختص بهذه الميزة، وهو ليس من السابقين الأولين، ولا من المهاجرين، ولا من الأنصار، ولا من أهل العقبة الأولى ولا الثانية، ولا من العرفاء، ولا من الكملة والمخضرمين في الجاهلية والأسلام؟! وكيف يصح أن نأخذ الحديث منه، وهو لم يسلم إلا في السنة السابعة، وأن أكثر أحاديثه لم يسمعها من النبي، وإنما سمعها من الصحابة والتابعين، فإذا كان جميع الصحابة عدولا في الرواية - كما يقول جمهور المحدثين - فالتابعون ليسوا كذلك!! ألم يكن من الطبيعي أن يروي هذا العدد من الأحاديث، الصحابة المقربون


(1) الطبقات 4: 331، حلية الأولياء 1: 381.

[ 216 ]

الذين عايشوا الرسول لزمن طويل؟ وكيف نرى كل ذلك لرجل لم يصاحب النبي إلا عاما وبضعة أشهر على قول (1) وثلاث سنين على قول آخر (2)، وأربع سنوات على أبعد الأقوال (3)؟! قال الأمام السيد شرف الدين في معرض حديثه عن كمية حديث أبي هريرة: أجمع أهل الحديث على انه أكثر الصحابة حديثا، وقد ضبط الجهابذة من الحفظة الاثبات حديثه فكان خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين مسندا، وله في البخاري فقط أربعمائة وستة وأربعون حديثا. وقد نظرنا في مجموع ما روي من الحديث عن الخلفاء الأربعة فوجدناه بالنسبة الى حديث أبي هريرة وحده أقل من السبعة والعشرين في المائة، لأن جميع ما روى عن أبي بكر إنما هو مائة واثنان وأربعون حديثا، وكل ما أسند الى عمر إنما هو خمسمائة وسبعة وثلاثون حديثا، وكل ما لعثمان مائة وستة وأربعون حديثا، وكل ما رووه عن علي خمسمائة وستة وثمانون مسندا، فهذه ألف وأربعمائة وأحد عشر حديثا، فإذا نسبتها الى حديث أبي هريرة وحده - وقد عرفت انه 5374 - تجد الأمر كما قلناه. فلينظر ناظر بعقله في أبي هريرة، وتأخره في إسلامه، وخموله في حسبه وأميته، وما الى ذلك مما يوجب إقلاله، ثم لينظر الى الخلفاء الأربعة وسبقهم واختصاصهم وحضورهم تشريع الأحكام، وحسن بلائهم في اثنتين وخمسين سنة، ثلاث


(1) كما ذهب إليه الأستاذ أبو رية في كتابه (أبو هريرة شيخ المضيرة). (2) الطبقات 4: 327 رواه قيس بن أبي حازم عنه، صحيح البخاري 4: 239. (3) الطبقات 4: 327.

[ 217 ]

وعشرون كانت بخدمة رسول الله، وتسعة وعشرون من بعده ساسوا فيها الأمة وسادوا الأمم، وفتح الله لهم ملك كسرى وقيصر. الى أن يقول وهو في معرض مقايسة أحاديثه بأحاديث عائشة:... مع هذا فإن جميع ما روى عنها إنما هو عشرة مسانيد ومائتا مسند وألفا مسند، فحديثها كله أقل من نصف حديث أبي هريرة، ولو ضممت حديثها وحديث أم سلمة مع بقائها الى ما بعد واقعة الطف وجمعت ذلك كله الى حديث البقية من أمهات المؤمنين، وحديث سيدي شباب أهل الجنة وسيدة نساء العالمين وحديث الأربعة من خلفاء المسلمين، ما كان كله إلا دون حديث أبي هريرة وحده (1). وبعد هذا نعاود السؤال: كيف يختص أبو هريرة بهذا العدد ويمتاز على بقية الصحابة بهذه الكثرة الكاثرة من الروايات؟! ولماذا نرى أغلب الروايات التي تمس شخصية الرسول، والمثبطة لعزائم المسلمين، والداخلة في مخطط خدمة المصالح الأموية إنما تصدر عن أمثال أبي هريرة؟! ولم يروي أبو هريرة - واللفظ لمسلم - عرسنا مع نبي الله، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس (2)!! وروى: أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف.. فلما قام رسول الله في مصلاه ذكر أنه جنب (3)! أو إنه قال: إن الشيطان عرض لي، فشد علي (4)!


(1) أبو هريرة، للسيد شرف الدين: 46 - 48. (2) صحيح مسلم 1: 471 / 310. (3) صحيح البخاري 1: 77. (4) صحيح البخاري 4: 151.

[ 218 ]

ولماذا نرى صدور أمثال هذه الروايات عن أبي هريرة وأضرابه؟ وهل تصدق صدور هذه الأفعال عنه (ص)، وهو الأنسان الكامل، وخليفة الله في أرضه! وكيف يمكن للشيطان أن يتجرأ على مشاغلة رسول الله وهو في صلاته والصلاة معراج المؤمن، ورسول الله سيد المؤمنين؟! أم كيف لم يستيقظ (ص) حتى تطلع الشمس، وهو الذائب في الله، والذي لا يفرغ قلبه لحظة واحدة عن ذكره! أولم يخاطبه تعالى ب‍: (طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى).. أولم يكن مأمورا بإحياء الليل، (قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا، أو زد عليه..) (1)... فكيف به يترك الفريضة الواجبة؟! وهل يحق لنا أن نصدق هذا عنه (ص)؟! علما بأن أبا هريرة نفسه قد روى عنه (ص): (ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، لقد هممت أن آمر المؤذن فيقيم، ثم آمر رجلا أن يؤم الناس آخذا شعلا من نار فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة بعد الأذان (2). فإذا كان هذا التأكيد على صلاة الصبح، فكيف به لم يستيقظ حتى طلعت الشمس!! أم كيف يجرؤ الشيطان على مشاغلته، وهو الذي عقر بمولد النبي (ص)، ودهش بمبعثه، وماث كالملح في الماء؟! ثم.. ألم يناقض ذلك ما رواه نفسه: إذا نودي للصلاة، أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى النداء... (3)! وإذا كان هذا لأي مسلم، فكيف به مع من هو ذائب في ذات الله، وهو في رحاب الخلوة به؟


(1) المزمل: 2، 3. (2) صحيح البخاري 1: 167، صحيح مسلم 1: 451 / 252. (3) صحيح البخاري 1: 158، سنن أبي داود 1: 142 / 156، صحيح مسلم 1: 291 / 19.

[ 219 ]

ألم يقل سبحانه وتعالى: (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) (1).. نعم، يصح ذلك فيمن انغمس في اللهو وغفل عن طاعة الله، من أمثال: الوليد، الذي صلى الصبح أربعا، وغيره من خلفاء اللهو والمجون إما أن نتصور ذلك في رسول الله! فهذا محال قطعا. وفي اعتقادنا أن الغاية من نقل هذه الأحاديث إنما هي النيل من شخصية النبي الأكرم (ص) والمساس والتعريض بمكانته المعنوية! ولو بحث المطالع - بتجرد - عن المنتفع والمستفيد من وراء بث مثل هذه الأحاديث، لعرف أنهم الأمويون وأعداء الأسلام لاغير. روايات أخرى لأبي هريرة: هذا وقد تجاوز أبو هريرة حدود المس بشخصية رسول الله (ص) وتعداها إلى بقية الأنبياء والرسل!.. وإليك بعضا من مروياته تلك: فتراه ينقل عن موسى (ع) بأنه: لطم ملك الموت، ففقأ عينه فرجع الى ربه (2)! أو إنه [ موسى ]: خرج عريانا، فنظر بنو إسرائيل إلى سوأته (3)! أو إنه: أمر بإحراق قرية النمل، لقرص نملة إياه (4)! كما نسب الشك إلى إبراهيم (ع) بقوله (... أرني...) وروى عن الرسول بأنه قال:) نحن أحق بالشك من إبراهيم (5)!


(1) النحل: 99 - 100. (2) صحيح البخاري 4: 191، مسند أحمد 2: 315، صحيح مسلم 4: 1842 / 157، 158. (3) صحيح مسلم 1: 267 / 75، صحيح البخاري 1: 78، مسند أحمد 2: 315. (4) صحيح البخاري 4: 75 - 76، صحيح مسلم 4: 1759 / 148، سنن ابن ماجة 2: 1075 / 3225. (5) صحيح البخاري 4: 179، صحيح مسلم 1: 133 / 238، مسند أحمد 2: 326، تأويل مختلف الحديث: 97.

[ 220 ]

وندد بلوط، لعدم ثقته بالله! وفضل يوسف على رسول الله (ص)، لصبره ولبثه في السجن! وحدث عن سليمان بأنه: نقض حكم أبيه (1)! أو طوافه بمائة امرأة في ليلة واحدة (2). ونزول جراد من ذهب على أيوب (3)! وقول رسول اله: من قال إن رسول الله خير من يونس بن متى فقد كذب (4)! أو: إن الناس يفزعون يوم القيامة إلى آدم، فنوح، فإبراهيم، فموسى، فعيسى رجاء شفاعتهم. فيقول آدم: إني عصيت الله، حين نهاني عن الشجرة، فلا يمكنني أن أتشفع لكم. فيذهبون إلى نوح، فيقول: إني قد دعوت على قومي، فلا يمكنني أن أتشفع لكم. فيذهبون إلى إبراهيم، فيقول لهم: إني قد كذبت ثلاث كذبات!! وموسى يقول: قتلت نفسا!... وهكذا عيسى.. ثم يصل إلى محمد (5)... كل ذلك انتقاصا من الرسل وغمزا في الرسالة. بهذا، فقد وقفت على سر اختيار أبي هريرة من بين الصحابة، وقد عرفت السمة التي رفعته على أقرانه!!


(1) صحيح مسلم 3: 1344 / 20، صحيح البخاري 4: 198، مسند أحمد 2: 322. (2) صحيح البخاري 7: 50، مسند أحمد 2: 229، صحيح البخاري 8: 182 وفيه على تسعين، وفي البخاري 4: 197 سبعين امرأة، صحيح مسلم 3: 1275 / 22 - 25. (3) صحيح البخاري 4: 184، و 1: 78. (4) صحيح البخاري 6: 63، تأويل مختلف الحديث: 116. (5) صحيح مسلم 1: 184 / 327، صحيح البخاري 6: 105 - 106، مسند أحمد 2: 435.

[ 221 ]

عائشة أم المؤمنين! ونأتي الان إلى عائشة، وما الغاية في التأكيد على رأيها في الأحكام، وهل حقا انها تمتاز على ضراتها من أزواج النبي، ولم؟! إن قيل: لقربها من النبي، وكونها زوجه، وأم المؤمنين، وبنت أبي بكر الصديق فهناك بين نساء النبي من لهن نفس المواصفات المذكورة، فحفصة مثلا هي زوج النبي، وأم المؤمنين، وبنت عمر بن الخطاب. وإن قيل: لطول مصاحبتها للنبي (ص)، فهناك من هو أقدم منها في الصحبة، بل وحتى بين نسائه - وان نساء النبي اللواتي عاصرن عائشة كثيرات، وبعضهن قد توفين بعدها، فالسيدة أم سلمة ماتت سنة 59 ه‍، وقيل بعد ذلك، وكانت قد أوصت أن لا يصلي عليها والي المدينة! أما عائشة فقد توفيت سنة 57 أو 58 ه‍، أي في زمن معاوية بن أبي سفيان، وصلى عليها أبو هريرة حينما كان يخلف مروان على المدينة! وكذا الحال بالنسبة إلى صفية المتوفاة سنة 52، وجويرية بنت الحارث التي كانت وفاتها سنة 50 وقيل 56، وأم حبيبة بنت أبي سفيان المتوفاة في سنة 54، وميمونة بنت الحارث وهي آخر من ماتت من زوجات النبي (ص)، فقد توفيت سنة 61 ه‍ وأغلب هذه النسوة قد عاصرن عائشة، فلماذا لا نرى لأحداهن نصيبا في بيان الأحكام كعائشة؟ ولماذا لا يكون لهن بيان في أحكام النساء مثلما كان لها؟ وما السر في اختصاص عائشة بذلك العدد الكبير من الروايات من بين نساء النبي (ص)، هل للحكومة دور في تقوية مكانتها؟! بل ما هو سر انفرادها في نقل بعض الأحكام؟! انا لو جمعنا الأحاديث المروية عن نساء النبي (ص) - غير عائشة - لما بلغ عشر ما روته عائشة بمفردها عنه (ص).. فما يعني ذلك؟ إذا كان لنسبها وقربها من النبي - كما قلنا - دخل في ذلك الأخريات، علما أن معيار التفاضل في القرآن هو التقوى وليس النسب والقرابة...، ولو كان للقرابة

[ 222 ]

رجحان، لما لعن الله تعالى أبا لهب وهو عم النبي بقوله: (تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب، سيصلى نارا ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب، في جيدها حبل من مسد). إن العمل هو الميزان في ثقافة القرآن، والعلم هو المعيار في التفاضل، وان التقييم يرجع إلى التقوى لقوله (ص):) لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى (1) وإن كانت القرابة بحد ذاتها شرفا عظيما، يضفي على القريب المنزلة، أما عدم مناقشة مروياتها لقربها من الرسول، فهذا ما يجب ورود نص فيه. ثم كيف يصح أن يلغي بعض المسلمين كل الامتيازات عن علي وفاطمة مع عرفانهم بمنزلتهما عند الرسول، ولكنهم يزعمون في الوقت نفسه بأن قرب عائشة أو صحبة معاوية وسمرة بن جندب وعمرو بن العاص وأضرابهم كافية للأخذ بكل ما يقولونه لقوله (ص) عنهما كذا وكذا، على الرغم من كون بعضهم من الطلقاء والملعونين! وعليه.. فقد توصلنا إلى أن علة القرابة لم تكن هي الموجبة لتقديمها على مثيلاتها من زوجات النبي (ص). ولو قيل: بأن ذلك جاء لفقهها وقوة استنباطها. فهذا ما يجب التحقيق فيه، ولو صح ذلك.. فلماذا نرى الشيخين يندر أن يسألاها عن حكم شرعي (2) رغم احتياجهما إلى معرفة الكثير من الأحكام؟ ولماذا نرى الناس يعارضونها في رأيها، فقد أخرج الطحاوي بسنده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: ان عائشة حين توفي سعد بن أبي وقاص قالت: ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها (3). ثم لماذا كثر افتاؤها في العهد الأموي؟ وهل يصح التعليل بأن المسلمين في العهد الأول كانوا منصرفين الى


(1) مسند أحمد 5: 411. (2) وما ورد في سؤالهما إياها - في النادر وعلى فرض ثبوته - فهو مما لا يكاد يعرف إلا من جهة نسائه (ص). (3) شرح معاني الاثار 1: 492 / 2819.

[ 223 ]

الفتوحات ومتفقين في الرأي وخاضعين للخلافة، ولا داعي لتكرار سؤالهم عائشة عن الأحكام وإن كانوا لا يتركون سؤالها في بعض الأحيان!! أو انهم كانوا قريبي العهد بالرسول، والصحابة كثيرون في المدينة فلا مبرر للتحديث عنها عن رسول الله، أما في العهد الأموي فقد احتاجوا الى ذلك؟! وكيف عرفت الفرائض والمواريث وأخذ الدين عنها دون نساء النبي؟! وإذا صح الحديث (خذوا شطر دينكم من الحميرا)، فلماذا يشكك فيه المحدثون، ويقول عنه الذهبي: (هو من الأحاديث الواهية التي لا يعرف لها إسناد)؟ وقد نقد هذا الخبر الأعلام، فقد جاء في التقرير والتحبير لابن أمير الحاج: (قال شيخنا الحافظ: لا أعرف له إسنادا، ولا رأيته في شئ من كتب الحديث، إلا في النهاية لابن كثير، ذكره في (ح م ر) ولم يذكر من خرجه. ورأيته أيضا في كتاب الفردوس لكن بغير لفظه، ذكره من حديث أنس بغير إسناد أيضا، ولفظه: (خذوا ثلث دينكم من بيت الحميرا)، وينص له صاحب مسند الفردوس: فلم يخرج له إسنادا، وذكر الحافظ عماد الدين بن كثير انه سأل الحافظين المزي والذهبي عنه، فلم يعرفاه. قال الشيخ سراج الدين بن الملقن، وقال الحافظ جمال الدين المزي: لم أقف على سنده الى الان. وقال الذهبي: هو من الأحاديث الواهية التي لا يعرف لها إسناد، بل قال تاج الدين السبكي: وكان شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي يقول: كل حديث فيه لفظ الحميراء لا أصل له، إلا حديثا واحدا في النسائي، فلا يحتاج الى هذا التأويل) (1) ولماذا انفردت عائشة من بين نساء النبي بنقل بعض الأحكام عنه (ص)، كما هو المشاهد في رضاع الكبير؟! ولماذا لا تسمح أم سلمة وغيرها من نساء النبي بدخول أحد عليهن بذلك الرضاع


(1) التقرير والتحبير، بحث الأجماع 3: 99.

[ 224 ]

(ما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة، ولا رائينا) (1)، إن كان ذلك الرضاع مشروعا؟! ماذا يعني ذلك الرضاع؟ ألم يكن الرضاع) إلا ما شد العظم وأنبت اللحم (2)؟ وألم يقل (ص):) لا رضاع بعد فصال (3)؟ وكيف يقبل المسلم أن يرتضع الرجل الكبير من زوجته أو أخته أو ابنته، لتحل على الاخرين؟! ثم ما السر في صدور مثل هذه المرويات عن عائشة وليس فيها سوى ما يعجب الحكام، كالضرب بالدفوف في منى بحضرة الرسول (4)، أو رفعه (ص) عائشة على كتفه لمشاهدتها لعب الحبشة (5) وخدها على خده، أو نوم الرسول على فخذها حتى يطلع الفجر (6)، وأمره (ص) المسلمين في البحث عن عقد لعائشة قد ضاع منها، وهم لم يصلوا الصبح وليس عندهم ماء (7)، أو إنه (ص) كان يغمزها برجله وهو في حال الصلاة (8)، وغيرها الكثير من الروايات التي تصور الرسول شخصية مجونية، يحب اللهو والنساء!... ومن المؤسف أن تلك المرويات أصبحت ذريعة بيد المستشرقين للنيل من شخصية النبي الأكرم (ص) ونعته بنبي الحرب والنساء!!


(1) سنن البيهقي 7: 460. (2) سنن أبي داود 2: 222 / 2059، سنن البيهقي 7: 461. (3) سنن البيهقي 7: 461. (4) صحيح البخاري 2: 29. (5) سنن الترمذي 5: 284 / 3774، صحيح البخاري 2: 29. (6) صحيح البخاري 1: 91، صحيح مسلم 1: 279 / 108. (7) صحيح البخاري 1: 91، صحيح مسلم 1: 279 / 108، سنن النسائي 1: 163 - 164. (8) سنن أبي داود 1: 189 / 712، صحيح البخاري 1: 107، صحيح مسلم 1: 367 / 272، مسند أحمد 6: 44، الموطأ 1: 117 / 2.

[ 225 ]

لماذا لا نرى صدور أحاديث الضرب والنوم على الفخذ و.. عن أم سلمة أو صفية أو؟ وما السر في بث هكذا أخبار عنه (ص)، وما الغاية من تناقلها؟ وهل صح النقل عنها أم وضعوا الكذب عليها؟ ترى هل يصح أن تضرب النساء الدفوف عند النبي! ومزمار الشيطان في بيته، وهو مستلق على ظهره؟! أم كيف يسمح بغناء جاريتين - وهن نساء أجنبيات - في أيام منى، وهن يضربن بالدفوف، وهو متغش بثوبه؟! وكيف به (ص) يسمح للمسلمين بلعبة الحبشة في بيت الله، وانشغالهم باللهو والعبث في بيت أسس على التقوى، وسبحانه تعالى يقول: (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا) (1). أو نراه يقترح على زوجته عائشة مشاهدة الحبشة - وهي لعبة فيها الرقص والمرح - وهو واضع خده على خدها! كيف ينهي الشيخان عن ضرب الدفوف واللعب بالحبشة، ورسول الله يجوز ذلك لقوله لكل منهما على انفراد:) دعهما (! وهل أن نقل هذا الخبر ميزة للشيخين على حساب النيل من رسول الله؟! ألم يخالف ذلك صريح القرآن، في قوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) (2) و: (والذين هم عن اللغو معرضون) (3)؟ أولم تدل الايتان على حرمة الغناء وخصوصا من النبي!.. بل كيف يمكن تطابق هذه الأخبار مع قوله (ص): إن أصدق بيت قالته الشعراء: ألا كل شئ ما خلا الله باطل ثم، ألم يكن الغناء هو اللهو ومما خلا الله؟!! ولماذا نرى قلة المبالاة في كلام


(1) الجن: 18. (2) لقمان: 6. (3) المؤمنون: 3.

[ 226 ]

عائشة عند تحدثها عن رسول الله، ولماذا لا تبدل كلمة (الخد) بالوجه، و (الفخذ) بالرجل مثلا؟! أتراها حقا أنها قالت كل ذلك، أم أن الأمويين نسبوا إليها ما لم تقله ولم تحدث به؟! ولماذا نرى الموسم، وأرض منى تنتخب للمجون والفساد من قبل الأمويين! وهي أيام عبادة، والأرض مقدسة، والمسلمون مكلفون بالابتعاد عن جميع الأهواء النفسانية والميول الشيطانية؟!! الأمويون ومسخهم للشخصية الأسلامية لو رجعنا قليلا، ودرسنا حالة الأمويين في الجاهلية، لوقفنا على سر نشرهم مثل هذه الأخبار.. فإنهم - كما هو المعروف - كانوا أهل لهو ومجون، وفي موقف عداء وخصام مع الأسلام، ولم يدخلوه - بعد فتح مكة - إلا مكرهين. فكان اختيارهم للموسم وأرض منى إيغالا منهم في محاولة مسخ معالم العاصمتين (مكة والمدينة) الأسلاميتين المعنوية، وتلطيخهما بمسحة لا تليق بجعلها صالحة للزعامة الدينية. وفي المقابل، أكدوا على الشام، ورووا في فضلها الشئ الكثير، وقد قيل: ان الخلفاء الأمويين كانوا يصطحبون فيما يصطحبون معهم إلى الحج المغنيين والماجنين! وقد نقل عن عمر بن أبي ربيعة أنه لقي الوليد بن عبد الملك في حجه، فجعل يحدث الخليفة ويناجيه، والخليفة مستغرق في الضحك، فلما رجع قيل له: ما الذي كنت تضحك أمير المؤمنين به؟ قال: ما زلنا في حديث الزنا حتى رجعنا (1). وجاء في الأغاني: إن الوليد بن عبد الملك كان يدير ظهره إلى الكعبة ويطلب من ابن أبي ربيعة في أن ينشده بعض الأبيات في الغزل (2).


(1) الأغاني 1: 112. (2) الأغاني 1: 114 - 115، 119.

[ 227 ]

والوليد هذا.. هو الذي أرشدنا ابن عمر أن نأخذ الأحكام الشرعية من والده!!! نحن لا نريد الكتابة عن مجون الأمويين، لكننا نريد القول بأنهم كانوا وراء شيوع ظاهرة الفساد والتفسخ الخلقي بين المسلمين، ولو أخذنا دور ابن أبي ربيعة في الحج مثلا، وكيف كان يتعرض لأعراض المسلمين في الطواف (1)، وفي منى (2)، وفي زحام الحجيج عند العقبة الأولى والثانية والكبرى (3)، ولقاءاته بالنساء سرا، وتشهيره بهن جهارا، وفيهن أميرات القصر الأموي من بنات الخلفاء وزوجات الأمراء، دون أي رادع ديني أو وازع سياسي. لو التفتنا إلى مسألة تحدث الناس بمجون ابن أبي ربيعة، وهم في الموسم - والأيام أيام عبادة وطاعة، وهم في الحج -، وليس ثم من يجرؤ على رده أو ردعه، لأنه في حماية الخليفة، وأن نشر الفساد في أيام الموسم ضمن المخطط، لوقفنا على الكثير الكثير. هذا، وقد روى ابن قتيبة، عن أبي معشر، انه قال: قال لي رجل: بينا أنا في بعض أسواق الشام، إذا برجل ضخم، فقال لي: ممن أنت؟ قلت: رجل من أهل المدينة. قال: من أهل الخبيثة؟ قال: فقلت: سبحان الله! إن رسول الله سماها طيبة، وسميتها خبيثة (4)؟! هذا ومن المؤسف أن نرى السيدة عائشة تروي ما يستفيد منه السلطان في تنفيذ هذا المخطط. ولا يسعنا في هذه الوريقات إثبات ذلك، ولكن إشارتنا الى مخططهم في إضفاء الصفة غير اللائقة على العاصمتين الأسلاميتين (مكة والمدينة) ومحاولة إبعادهما عن كونهما عاصمتين للدولة الأسلامية، وتقويتهم


(1) الأغاني 1: 172، 199. (2) الأغاني 1: 158. (3) انظر: الأغاني 1: 200. (4) الأمامة والسياسة 1: 184.

[ 228 ]

للشام، والرواية في فضيلتها، وأن العذاب رفع عن أهلها (1)، دون باقي بلاد المسلمين، لكافية في إعطاء صورة عن الأمويين وأساليب تضليلهم وموقف السيدة منها، وان طرحنا لأمثال هذه الأمور ليس من باب الهجوم أو التعريض بالسيدة، إنما من باب الدعوة الى التفكير في نقد المتن سواء صدر النص عن عائشة أو ابن عمر أو أبي هريرة أو غيرهم. وقد وقفت على دور الأمويين وكيف كانوا يصورون رسول الله (ص) - وهو الأسوة والقدوة والمثال - وأنه يتعامل مع الاخرين ويؤذيهم بدافع العقد النفسية، فهو يلد الدواء كل من في الدار، لأنه لد مكرها! ويلعن من يستحق اللعن، ثم يطلب من الله في أن يجعلها زكاة وأجرا له! وتضرب عنده الدفوف ولا ينكر ذلك! وينام على فخذ عائشة حتى تطلع الشمس! ويغمز برجله زوجته وهو في الصلاة و يقربها وهي حائض و...! تساؤلات تطلب إجابة لا ندري! كيف يجوز لنا أخذ الأحكام من هؤلاء الحكام، الذين صوروا لنا رسول الله بتلك الصورة؟! أم كيف تطمئن نفوسنا بالسنة المدونة من قبلهم، مع ما عرفنا من موقف أقطاب الأمويين من رسول الله (ص)! ولماذا يكره السلطان المحدثين على تدوين السنة - (حتى أكرهنا السلطان على ذلك) - وما يعني هذا الأكراه؟ ولماذا يستحي الزهري من أن يكتبها للسلطان ولا يكتبها للناس؟ هل الحكومة تريد من تدوينها للحديث تثبيت ما يعجبها ومحو ما يغيظها!! وما الذي كان يؤنب الزهري، هل تبعيض الصفقة عند الحكام وأخذهم بالبعض، وترك الاخر، أم هناك شئ آخر؟ ومن هو الحاكم المكره، هل هو أموي، أم مرواني.. وهل هناك فرق بين


(1) راجع المجلد الأول من مختصر تاريخ دمشق لابن منظور.

[ 229 ]

سياسة الحكومتين في هذا الشأن؟ ولماذا تتوالى الهدايا على الفقهاء المسالمين ممن دخلوا في لعبة أولئك الحكام، في حين نراهم قد منعوا حجرا وأصحابه من العطاء؟! وكيف نرى الزهري يصير حظيا عند هشام بعد أن كان لا يحب التعامل معه؟! ولماذا يسمى أبو هريرة راوية الأسلام الأول دون غيره من الصحابة؟! ولماذا يهدي معاوية إلى عائشة حلقا فيه جوهر بمائة ألف درهم دون غيرها من نساء النبي (1)؟! أخرج أبو نعيم أن معاوية أهدى لعائشة ثيابا وورقا وأشياء توضع في أسطوانها (2). وأخرج ابن كثير عن عطاء، أن معاوية بعث الى عائشة وهي بمكة بطوق قيمته مائة ألف، فقبلته (3). وعن عروة: ان معاوية بعث الى عائشة بمائة ألف (4). ونرى معاوية، وبكل جرأة يحصر العطاء في محبي عثمان فيقول للسائل: إني اشتريت من القوم دينهم، ووكلتك الى دينك في عثمان (5)؟ وكيف يقبل ابن عمر هدية معاوية - مائة ألف درهم -.. وعندما تذكر له البيعة ليزيد، يقول: هذا ما أراد! إن ديني إذن علي رخيص (6)! وكيف صار أبو هريرة يلبس الخز (7) والساج المزرور بالديباج (8)، والكتان


(1) الذخائر والتحف، للقاضي الرشيد بن الزبير: 11. (2) حلية الأولياء 2: 48. (3) البداية والنهاية 8: 139. (4) حلية الأولياء 2: 47. (5) الكامل في التاريخ 3: 468. (6) الطبقات الكبرى، لابن سعد 4: 182. (7) الطبقات الكبرى 4: 333.

[ 230 ]

الممشق (9)، والحرير (10) بعد أن كان حافي القدمين، لا يستر جسمه إلا إزار بال (11 وكان يقتله الجوع (12)؟! ثم كيف به يتزوج الأميرة بسرة بنت غزوان، ويصير سيدها، بعد أن كان أجيرا عندها بمل ء بطنه (13)؟! ولماذا يبنى له قصر بالعقيق (14)، وتقطع له الأراضي في (ذي الحليفة)، دون سواه من الرواة (15)؟! ولماذا يصرح أغلب المتعاملين مع معاوية.. بأن: دينهم على خطر.. وغير المتعاملين يعللون عدم التعاون معه: حفاظا على الدين؟! ذكر ابن عبد البر: أن معاوية بعث إلى عبد الرحمن بن أبي بكر - وهو من الناس في الوضوء - بعد أن أبى البيعة ليزيد بمائة ألف درهم.. فردها إليه عبد الرحمن، وأبى أن يأخذها، وقال: أأبيع ديني بدنياي؟! وما معنى قول عائشة لعبد الله بن الزبير: ادفني مع صواحبي ولا تدفني مع النبي في البيت فإني أكره أن أزكى (16). وكيف نرى موقف السيدة يختلف عن موقف أخيها عبد الرحمن في قصة مرة بن أبي عثمان، الذي طلب من عبد الرحمن أن يكتب الى زياد برسالة فكتب:


(8) الطبقات الكبرى 4: 333. (9) الأصابة 4: 206، حلية الأولياء 1: 379، صحيح البخاري 9: 128. (10) حلية الأولياء 1: 384. (11) الطبقات الكبرى، لابن سعد 4: 326 - 327. (12) الطبقات الكبرى 4: 327 و 329، حلية الأولياء 1: 377، الأصابة 4: 206 و 207، صحيح البخاري 9: 133. (13) طبقات ابن سعد 4: 326، حلية الأولياء 1: 379 و 384، الأصابة 4: 209. (14) وفيه مات كما هو منصوص عليه في الأصابة 4: 210 والمعارف وغيرها. (15) انظر: كتب التاريخ والرجال لتقف على حقيقة الأمر. (16) صحيح البخاري 9: 128.

[ 231 ]

الى زياد بن أبيه: أما بعد....، فخاف مرة أن يذهب بالكتاب، فأتى عائشة، فكتبت له: من عائشة أم المؤمنين، الى زياد بن أبي سفيان، فلما جاء بالكتاب، قال له: إذا كان غدا فجئني بكتابك. فجمع الناس، فقال: يا غلام إقرأه، فقرأه: من عائشة أم المؤمنين الى زياد بن أبي سفيان، قال: فقضى له حاجته (1)! وفي معجم البلدان، مادة (نهر مرة): ثم أقطعه مائة جريب على نهر الأبلة وأمر أن يحفر لها نهر فنسب إليه (2). فإن كان مقياس معارضيه هو الدين.. فهل كانت سياسة معاوية تخالف الدين يا ترى؟! نقف عند هذا الحد من التساؤل، ونعود إلى السؤال الأول، لنتعرف على السر في اعتبار هؤلاء الثلاثة - ابن عمر، عائشة، أبو هريرة - هم أثافي الشريعة، ولا ينبغي أن يؤخذ الفقه إلا منهم. الأمويون وتقريبهم للأعلام الثلاثة المعروف عن السياسة الأموية كونها قائمة على بغض علي، وأن القاسم المشترك بين هؤلاء الثلاثة والحكومة هو ذلك البغض القابع في نفوسهم، وقد ثبت بأن ابن عمر تخلف عن بيعة علي بخلاف بقية أصحاب رسول الله (ص) - من غير أهل الشام -، لكنه قد بايع معاوية وولده يزيد، ومروان بن الحكم، والحجاج. وقد عرفنا أيضا أن الحجاج قد مد برجله لابن عمر ليبايعه بها. نعم، فقد كانت مبايعة علي على قلبه ثقيلة إلى أبعد حد! فقد روى: (كنا لا نعدل)، مع طرحه لقاعدة (مع من غلب) (3).. وغيرها من


(1) الطبقات الكبرى 7: 99 - 100. (2) معجم البلدان 5: 323. (3) تعني هذه القاعدة ان الأمامة تثبت بالقهر والغلبة ولا تفتقر الى العقد، وروى عبدوس بن مالك العطار: (ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل

[ 232 ]

الأصول المؤيدة للحكام، بغضا لعلي! أما أبو هريرة.. فكان يرى عليا هو المخالف الوحيد له - طبعا بعد وفاة عمر - لأن عمر قد توفى، وعائشة لا تعارض آراءه، لتقارب وجهات النظر فيما بينهما - خصوصا في العهد الأموي - فيبقى علي هو الوحيد، من الذين نددوا به وبمروياته في العهد الأسلامي الأول، فصار في العهد الأموي يروي للحكام ما يحلو لهم أن يسمعوه في علي. وقد روى في لزوم السكوت عن ظلم الحكام، والصلاة خلف كل بر وفاجر.. وله نصوص كثيرة تمس كرامة الرسول، والتنكيل بعلي بن أبي طالب، وقد وقفت على بعضها، وإليك الاخر: روى أبو هريرة: أن أبا طالب لم يشهد الشهادتين، وقد نزلت فيه الاية: (إنك لا تهدي من أحببت) (1)! ونقض حديث رد الشمس لعلي - وهو مما اشتهر بين المحدثين -، بما رواه عن رسول الله:) لم تحبس الشمس أو ترد لأحد، إلا ليوشع بن نون، ليالي سار إلى بيت المقدس (2). وسعى لرفع الأحداثات عن عثمان ومعاوية وجعلها في علي بن أبي طالب فقد قال في الكوفة، وهو يضرب على صلعته:... وأشهد أن عليا قد أحدث... (3)! كل ذلك بغضا لعلي، وعرفانا لأيادي الأمويين المنعمة عليه!.. لسنا بصدد


لأحد يؤمن بالله واليوم الاخر أن يبيت ولا يراه إماما برا كان أو فاجرا) وقد استوحوا هذه القاعدة من فعل ابن عمر يوم الحرة. انظر: الأحكام السلطانية 1: 23. (1) صحيح مسلم 1: 55 / 41، 42، قال سبط ابن الجوزي: لو كان أبو علي كافرا فلم لم يشنع معاوية والزبيريون وأعوانهم وسائر أعدائه عليه مع انه كان يذكرهم ويزري عليهم بكفر الاباء ورذالة النسب؟ (2) تاريخ بغداد 7: 35 و 9: 99. (3) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 67، وانظر: وقعة صفين، لنضر بن مزاحم وغيرهما من كتب التاريخ.

[ 233 ]

البحث عنه، وقد أغنانا بعض الأعلام مؤنة ذلك، فليرجع إلى مظانه. ولا ينكر الباحثون أن شخصيه أبي هريرة قد لمعت بعد يوم الدار، وأن أغلب أحاديثه جاءت في العصر الأموي وفق الهوى وطلبات الحكام! وأنه قد دخل ضمن اللعبة، وبعث مع النعمان بن بشير - من قبل معاوية - إلى علي يسألانه أن يدفع لهما قتلة عثمان! وهي الخطوة التي انطلق منها المبرر لقتال معاوية وأهل الشام عليا. وله أحاديث كثيرة في تشويه شخصية الرسول الأكرم، وفضل أهل الشام وبيت المقدس، بل وفي فضل معاوية نفسه، ونعته بأحد الأمناء!.. فقد روى عن رسول الله: أمناء الوحي ثلاثة: أنا، وجبرائيل، ومعاوية (1). هل تلك الأمور هي التي استوجبت لأن ينعاه معاوية إلى واليه بقوله: انظر من ترك، وادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم، وأحسن جوارهم، وافعل بهم معروفا.. فإنه ممن نصر عثمان، وكان معه في الدار (2). كان هذا بعض الشئ عن فقه عبد الله بن عمر، وحديث أبي هريرة. والان، مع السيدة عائشة.. وكيف كان موقفها من علي، وهل يمكن قبول تعاملها مع معاوية، ذلك الرجل الذي قتل أخويها، وهي العارفة بعدائه وعداء آبائه لرسول الله (ص)؟! نقل ابن أبي الحديد عن شيخه بعض النصوص عن عداء عائشة لعلي، وسر خلافها معه ومع فاطمة، فقال:... إن نساء المدينة كن ينقلن كلام عائشة - في خديجة وفاطمة - لفاطمة، فكان يسوؤها، وتشكو فاطمة إلى بعلها.. وتأتي نساء المدينة


(1) انظر: اللالي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة 1: 417. (2) طبقات ابن سعد 4: 340، الأصابة 4: 210.

[ 234 ]

إلى عائشة، فتنقل كلام فاطمة في مدحها أمها وبقية الأزواج، فكانت عائشة تشكو إلى أبيها، فحصل في نفس أبي بكر من ذلك أثر ما، ثم تزايد تقريظ رسول الله لعلي واختصاصه به ومناجاته له... إلى أن يقول: ثم اتفق أن رسول الله سد باب أبيها الى المسجد، وفتح باب علي، وبعث أباها إلى مكة، ثم عزله بصهره، وقد كان يحامي مارية القبطية، وعائشة تستاء منه (1). ونقل بعض أصحاب المعاجم، أنها: لم تأت إلى بني هاشم لتعزيهم بوفاة فاطمة! بل نقل لعلي عنها كلمات تدل على فرحها (2)! وذكر أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين: أن عائشة سجدت شكرا لله لما سمعت بمقتل علي بن أبي طالب (3). واتضح مما سبق ان اختصاص الرسول بعلي، ونجواه إياه، وتقديمه على أبيها، وكونه زوج فاطمة بنت خديجة... كان من الأسباب التي خزنت البغض لعلي في قلب عائشة، وأنها قد أشارت إلى هذه الحقيقة بقولها لرسول الله: والله، لقد عرفت أن عليا أحب إليك من أبي ومني - قالتها مرتين (4). وقد حدا بها بغضها لعلي أن تتعامل مع الأمويين، وتروي عن رسول الله في علي: إنه يموت على غير ديني (5)!


(1) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 9: 193. (2) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 9: 198. (3) مقاتل الطالبيين: 43. (4) مسند أحمد 4: 275. (5) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 64.

[ 235 ]

وقولها عنه (ص): من أراد أن ينظر إلى رجلين من أهل النار، فلينظر الى هذين، فنظرت عائشة.. فإذا بعلي والعباس قد أقبلا (1)! فهل يصح نقل هذه الأخبار عنه (ص)؟ أولم تناقض هذه الأخبار مع المتواتر المشهور في فضل علي بن أبي طالب؟ وهل من اللائق أن يقال لعلي - وهو أول من أسلم، وحارب المشركين، وبات على فراش النبي، وبقى حتى آخر لحظة معه حتى واراه التراب، ودافع عن سنته - إنه من أهل النار؟! وهل هذا هو جزاء من جاهد في سبيل الله، وثبت على خط السنة النبوية المباركة، ودافع عن الرسالة..؟! لماذا لا يكون من أهل النار في رواية عائشة: معاوية، ومروان، وعبد الله بن أبي سرح، والوليد بن عقبة، وغيرهم من الذين ورد اللعن فيهم؟! ولماذا نراها لا تصرح باسم علي، وتقول: مشى بين رجلين (2)؟! فهل قولها ذلك جاء من جراء حقدها وعدائها لعلي وأهل بيته! كما صرح به الأمام علي أم غير ذلك، فقال الأمام: (وأما فلانة، فأدركها رأي النساء، وضغن غلا في صدرها كمرجل القين، ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إلي لم تفعل) (3). وأشار إلى هذه الحقيقة الشيخ محمود أبو رية - وغيره من الكتاب -، بقوله: من العجب أن عائشة لم تغير موقفها في تأييد معاوية، وقد قضى على أخوين لها: عبد الرحمن هذا، وقبله محمد بن أبي بكر، وكان ولاه الأمام على مصر فقتلوه، ومثلوا به أبشع تمثيل، فألقوه بعد قتله في جيفة حمار، وألقوا به في العراء.


(1) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 64. (2) انظر: صحيح البخاري 1: 61، وكذا تاريخ الطبري. (3) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 9: 189، وهو في كلام له خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم.

[ 236 ]

ومن أعجب العجب أن عائشة لم يفتأ من غليان حقدها، ولم يطفئ من نار غيضها أن قتل علي، وخلا لها الجو، واستولى على الملك من تؤثرهم بحبها، فقد وقفت من الحسن موقفا يدل على الخسة، يشاركها في ذلك بنو أمية، وذلك بعد أن سمه معاوية وشعر بدنو أجله، أرسل الى عائشة أن تأذن له بأن يدفن مع جده، ففزعت وأسرعت فركبت بغلا واستنفرت بني أمية، وكان على المدينة حينئذ مروان بن الحكم، فاشتملوا بالسلاح وقالوا: (لا يدفن مع النبي)، فبلغ ذلك الحسن عليه السلام فأرسل إلى أهله: (أما إذا كان هذا، فلا حاجة لي فيه، ادفنوني إلى جانب أمي.. فدفن إلى جانب أمه فاطمة عليها السلام (1). وقد روي: أن ابن عباس كان قد قال لعائشة: تجملت، تبغلت ولو عشت تفيلت لك التسع من الثمن وبالكل تصرفت في البيت الثاني إشارة إلى أنها سمحت للشيخين في الدفن بجوار الرسول، ومنعت الحسن من ذلك وهو ابن بنته فتصرفت أكثر من حصتها في الأرث!! تأكيد لما ادعيناه لنعد إلى الموضوع، ونعاود السؤال: هل كانت عائشة حبيبة رسول الله حقا؟


(1) شيخ المضيرة: 176، وانظر: تاريخ المدينة المنورة 1: 107.

[ 237 ]

لو كانت كذلك، فلماذا تغار من بقية زوجات النبي، فتكسر أواني أم سلمة (1)، وحفصة (2)، وصفية (3).. ورسول الله يأمرها بالاقتصاص: (طعام كطعامها، وإناء كإنائها)! و.... ولماذا تنازع سودة لقولها: عدي وتيم (4)؟.. وما معنى مراوغتها لبقية زوجات النبي (ص)، وقولها لمليكة عندما أراد الرسول أن يبني بها: أما تستحين أن تنكحي قاتل أبيك (5)، أو قولها لأسماء بنت النعمان: إذا أردت أن تحظي عند الرسول فتعوذي بالله (6)!.. فإنها لو كانت حظية عنده (ص)، فما معنى هذه الأعمال، وهل هناك ضرورة لمثل هذه التصرفات؟ ولماذا تظاهرت هي وحفصة على مارية حتى تحرم عليه (ص) (7)! ولو كان رسول الله (ص) قد خصها بمعرفة بعض الأحكام أو اختصت بها فلم تغار من خديجة وهي ميتة، وتقول: غرت على كثرة ذكر رسول الله إياها، وثنائه عليها، وقد أوحى الله إلى رسوله أن يبشرها ببيت في الجنة (8)! وتخالفها ضراتها من نساء النبي؟!


(1) سنن النسائي 7: 70. (2) مسند أحمد 6: 111. (3) مسند أحمد 6: 277، وانظر: المستدرك 4: 29، طبقات ابن سعد 8: 127، سنن ابن ماجة 1: 636 / 1980. (4) انظر: الأجابة، للزركشي: 18. (5) طبقات ابن سعد 8: 148، تاريخ الأسلام، للذهبي (السيرة النبوية): 595، الأصابة 4: 410 / 1016. (6) طبقات ابن سعد 8: 145 - 146، مستدرك الحاكم 4: 37، درر الأحاديث النبوية: 106. (7) تفسير الطبري 28: 101، صحيح البخاري 6: 195، صحيح مسلم 2: 1108 / 31، 34، مسند أحمد 1: 48. (8) الاستيعاب 4: 1823 - 1824، تاريخ الأسلام، للذهبي (السيرة النبوية): 238، سنن ابن ماجة 1: 643 / 1997، سنن الترمذي 3: 249 / 2086.

[ 238 ]

وقد كان رسول الله (ص) يذكر خديجة بخير مع وجود عائشة!!.. بل كان يؤنبها لقولها في خديجة: إنها عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيرا منها (1). عطفا على ما سبق ولنعد إلى ما طرحناه سابقا عن الحكام ودورهم في تدوين السنة الشريفة، وسبب تصديهم للتدوين والأفتاء، على الرغم من وجود كبار التابعين وأعاظم الفقهاء والمجتهدين!.. وماذا تعني الأحالة إليهم، وأخذ الأحكام عنهم، وهل حقا أن ما يقوله ابن عمر هو قول الله ورسوله ولا يمكن أن يرد فيه الخطأ؟ وكيف صارت السنة تدون عن إكراه! ولزوم أخذ الناس بها للصعب والذلول! فقد جاء في شرح مسلم للنووي: ان بشير العدوي جاء الى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله، قال رسول الله، وابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه. فقال: يا بن عباس، مالي لا أراك تسمع لحديثي، أحدثك عن رسول الله ولا تسمع. قال ابن عباس: انا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول قال رسول الله ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف (2). وقيل: إن كتابا فيه قضاء علي أتي الى ابن عباس فمحاه إلا قدرا (3). وجاء في طبقات الفقهاء، عن سعيد بن جبير، قال: سألت عبد الله بن عمر


(1) مسند أحمد 6: 150، 154، الأصابة 4: 283، الاستيعاب 4: 1824، تاريخ الأسلام، للذهبي (السيرة النبوية): 237 - 238. (2) صحيح مسلم بشرح النووي 1: 81. (3) صحيح مسلم بشرح النووي 1: 83.

[ 239 ]

عن الأيلاء؟ قال: أتريد أن تقول: قال ابن عمر، قال ابن عمر؟ قلت: نعم، ونرضى بقولك. فقال ابن عمر: يقول في ذلك أولو الأمر، بل يقول في ذلك الله ورسوله. ولا ندري كيف صارت صوافي الأمراء - عند فقدان الحكم في الكتاب والسنة - حجة شرعية عند بعض المسلمين.. فهل هي حقا حجة؟ جاء في أعلام الموقعين، عن المسيب بن رافع، قال: كان إذا جاء الشئ في القضاء وليس في الكتاب ولا في السنة فيدفع إلى الأمراء، فيجمع له أهل العلم، فإذا اجتمع عليه رأيهم فهو الحق (1). ولماذا نرى ابن عمر يدل الناس على التمسك بفقه عبد الملك بن مروان من بعده، إذ قيل له: من نسأل بعدكم؟ قال: إن لمروان ابنا فقيها فسلوه (2). فمن هو مروان؟! ألم يكن ذلك الطريد الذي أبعده رسول الله مع أبيه إلى خارج المدينة.. ثم صار عميد الأسرة الحاكمة بعد يزيد؟! أولم يقل أبو سعيد الخدري - عندما اعترض عليه في تقديمه الخطبة على الصلاة: غيرتم والله؟! أخرج البخاري، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله (ص) يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شئ يبدأ به الصلاة، ثم بعد ذلك يعظ الناس، فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان، وهو أمير المدينة، في أضحى أو فطر، فأراد أن يرتقي المنبر قبل أن يصلي.. فجبذت بثوبه، فجبذني،


(1) أعلام الموقعين 1: 84، وقد أخرجه البخاري في صحيحه وابن سعد في طبقاته أيضا. (2) تهذيب التهذيب 6: 422، تهذيب الكمال 18: 410، تاريخ بغداد 10: 389، المنتظ م 6: 39.

[ 240 ]

فارتفع، فخطب قبل الصلاة. فقلت له: غيرتم والله! فقال: أبا سعيد! قد ذهب ما تعلم! فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم! فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة (1)! وهل يمكن تصديق قول جرير بن حازم: سمعت نافعا يقول: لقد رأيت المدينة وما بها أشد تشميرا، ولا أفقه، ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك (2)! علما، أن عبد الملك هذا هو ابن مروان بن الحكم - طريد رسول الله - وقد ولد من أبوين أمويين أبوه: مروان بن الحكم بن العاص (طريد رسول الله). وأمه: عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن العاص، الذي جدع أنف حمزة عم النبي يوم أحد (3)، والذي أمر رسول الله بضرب عنقه. ثم بأي منطق يمكن أن يعد عبد الملك أفقه وأقرأ الناس، مع علمنا أن المدينة لم تخلو يوما من الفقهاء والعلماء، فهل كانت الساحة خالية حقا حتى يتصدر الحاكم ريادة الفقه والقراءة، لأنه الأفقه والأقرأ؟! ولماذا يبكي أنس، عندما كان في دمشق؟! قال الزهري: دخلت على أنس بن مالك بدمشق، وهو يبكي.. فقلت: ما يبكيك؟! قال: لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت (4)!! وأخرج البخاري، عن غيلان، أنه قال: قال أنس: ما أعرف شيئا مما كان على عهد النبي! قيل: الصلاة!


(1) صحيح البخاري 2: 22 - باب الخروج إلى المصلى بغير منبر. (2) تهذيب التهذيب 6: 422، تهذيب الكمال 18: 410: تاريخ بغداد 10: 389، المنتظ م: 6: 39. (3) انظر: البداية والنهاية 9: 67. (4) البداية والنهاية 9: 94.

[ 241 ]

قال: أليس ضيعتم ما ضيعتم فيها (1)! ولماذا نرى العبادة في هذا العهد جسدا بلا روح، وقالبا بلا محتوى؟! فقد أخرج البخاري، عن الأعمش، قال: سمعت سالما قال: سمعت أم الدرداء تقول: دخل علي أبو الدرداء، وهو مغضب، قلت: ما أغضبك؟ فقال: والله! ما أعرف من أمة محمد (ص) إلا أنهم يصلون جميعا (2). وهل تطمئن نفوسنا بعد هذا إلى أحاديث أمثال هؤلاء الحكام واجتهادات الحجاج وفتاوى عبد الملك و.. بعد أن عرفنا مواقفهم من الشريعة؟ عجبا لدوران الزمان!.. إذ كيف صار هؤلاء حكاما حتى يتصدروا للقضاء والأفتاء، بعد أن جذبوا إليهم من وعاظ السلاطين ذلك العدد الذي تمكنوا من خلاله من أن يقولوا كل ما يريدون!! قال سعيد بن جبير: كان رجاء بن حيوة يعد من أفقه فقهاء الشام، ولكن كنت إذا حركته، وجدته شاميا يقول: قضى عبد الملك بن مروان بكذا وكذا (3). وأحسبك - بعد هذا - قد عرفت عبد الملك، وعرفت موقفه من الشريعة. وأضيف لك أنه هو الذي بنى القبة فوق الصخرة والجامع الأقصى، وجعلها بمثابة الكعبة يطوفون حولها، وينحرون يوم العيد، ويحلقون رؤوسهم... وذلك بعد أن صاح الناس به، حينما منع ابن الزبير من حج بيت الله (4)! وهو الذي نفذ آراءه بالقوة والقائل: انه كان قبلي من الخلفاء يأكلون ويؤكلون، واني والله لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف، ولست بالخليفة المستضعف -


(1) صحيح البخاري 1: 140. (2) صحيح البخاري 1: 166 - باب فضل صلاة الفجر في جماعة، فتح الباري 2: 109. (3) انظر: ترجمة رجاء بن حيوة في طبقات الفقهاء وتهذيب الكمال 9: 154. (4) البداية والنهاية 8: 283.

[ 242 ]

يعني عثمان - ولا الخليفة المداهن - يعني معاوية - ولا الخليفة المأبون (1) - يعني يزيد بن معاوية -. أيها الناس، انا نحتمل منكم كل الغرمة ما لم يكن عقد رأيه أو وثوب على منبر، هذا عمرو بن سعيد حقه حقه، قرابته وابنه، إن قال برأسه هكذا قلنا بسيفنا هكذا، وأن الجامعة التي خلعها من عنقه عندي، وقد أعطيت الله عهدا أن لا أضعها في رأس أحد إلا أخرجها الصعداء، فليبلغ الشاهد الغائب (2). أو قوله - عندما وصل الى الحكم -: لا يأمرني أحد بتقوى الله إلا ضربت عنقه. أضف إلى ذلك حمله لعلي بن الحسين الشهيد مقيدا من المدينة إلى الشام وغيرها! إذا كان هذا هو حال الحكام، وهذه هي حال الشريعة.. فكيف بأولئك الناس في وضوئهم، بعد أن أحكم الحاكم قبضته، وأعلن عن منهجه المخالف للنبي (ص) وسنته؟! وتراه يؤكد لزوم الأخذ بفقه عثمان. قال عبد الملك فيما قال:... فالزموا ما في مصحفكم الذي حملكم عليه الأمام المظلوم، وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم رحمه الله، فإنه قد استشار في ذلك زيد بن ثابت، ونعم المشير كان للأسلام رحمه الله، فأحكما ما أحكما، واستقصيا ما شذ عنهما (3). فهل يمكن الاطمئنان بمرويات الحكام في الوضوء والحال هذه؟! وماذا يعني إكراه الزهري على تدوين السنة الشريفة؟ ولماذا يستحي أن يكتبها للسلطان، ولا يكتبها للناس؟ وما معنى كتاب عمر بن عبد العزيز الى الافاق: عليكم بابن شهاب [ الزهري ] فإنكما لا تجدون أعلم بالسنة الماضية منه!


(1) وفي العقد الفريد: (المأفون). (2) البداية والنهاية 9: 68. (3) البداية والنهاية 9: 68.

[ 243 ]

وكيف يستتر بعد هذا معنى ومقصود كلام الزهري: لو جمع علم إلى علم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل!! وقول عطاء - فقيه الحكومة -: كانت عائشة أفقه الناس وأحسنهم رأيا في العامة!! ولماذا صار جل اهتمام الأعلام في الأخذ بكلام ابن عمر وعائشة وأبي هريرة.. في حين نراهم يعلنون عن ندمهم لاتخاذهم تلك المواقف السابقة في أخريات سني حياتهم! ألم يبرهن ذلك، على أن الحكومة غير شرعية وأن المواقف غير صحيحة؟! لات ساعة مندم!! ذكر ابن عبد البر، عن حبيب، عن ابن عمر (رض) أنه قال حين حضرته الوفاة: ما أجدني آسى على شئ فاتني من الدنيا، إلا إني لم أقاتل مع علي الفئة الباغية (1)! وروى أبو حنيفة، عن عطاء بن أبي السرح، عن ابن عمر، أنه قال: ما آسى على شئ، ألا أكون قاتلت الفئة الباغية، وعلى صوم الهواجر (2)! ونقل عن السيدة عائشة أنها قالت: لا تدفنوني مع النبي، لأني أحدثت فادفنوني مع أزواج النبي (3)! وذكر ابن الأثير أن يوم الجمل ذكر عند عائشة، فقالت: والناس يقولون يوم الجمل؟ قالوا لها: نعم فقالت: وددت أني لو كنت جلست كما جلس صواحبي، وكان أحب إلي من أن أكون ولدت من رسول الله بضع عشرة كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام


(1) طبقات ابن سعد 4: 187، النصائح الكافية: 24. (2) انظر: طبقات ابن سعد 4: 185، النصائح الكافية: 25. (3) مستدرك الحاكم 4: 6، طبقات ابن سعد 8: 74، وأعلام النبلاء والمعارف، لابن قتيبة.

[ 244 ]

أو مثل عبد الله بن الزبير (1). وروى مسروق، قال: كانت عائشة (رض) إذا قرأت: (وقرن في بيوتكن) بكت حتى تبل خمارها (2). وأخرج ابن سعد: ان ابن عباس دخل على عائشة قبل موتها، فأثنى عليها. فلما خرج، قالت لابن الزبير: أثنى علي عبد الله بن عباس، ولم يكن أحب أن أسمع أحدا اليوم يثني علي، لوددت أني كنت نسيا منسيا. ثم فسر أبو نعيم كلمة (نسيا منسيا) - ب‍ (حيضة) (3). وفي بلاغات النساء وتذكرة الخواص: ان عائشة لما احتضرت جزعت، فقيل لها: أتجزعين يا أم المؤمنين وابنة أبي بكر؟! فقالت: إن يوم الجمل لمعترض في حلقي، ليتني مت قبله، أو كنت نسيا منسيا (4). وروى ابن سعد عن عائشة أنها قالت: والله لوددت اني كنت شجرة، والله لوددت اني كنت مدرة، والله لوددت ان الله لم يكن خلقني (5). وروى أيضا أنها قالت عند وفاتها: اني قد أحدثت بعد رسول الله، فادفنوني مع أزواج النبي (6). وقال الذهبي: تعني بالأحداث، مسيرها يوم الجمل (7). وقد مر عليك ما جاء في البخاري من أنها قالت لعبد الله بن الزبير: ادفني مع


(1) انظر: أسد الغابة 3: 284، طبقات ابن سعد 5: 6، والفتوح. (2) الدر المنثور 5: 196، طبقات ابن سعد 8: 81. (3) طبقات ابن سعد 8: 74، صحيح البخاري 6: 132 - 133، حلية الأولياء 2: 45، مسند أحمد 1: 276، 349. (4) بلاغات النساء، لطيفور: 17، تذكرة الخواص: 80. (5) طبقات ابن سعد 8: 74. (6) طبقات ابن سعد 8: 74. (7) أعلام النبلاء 2: 136.

[ 245 ]

صواحبي ولا تدفني مع النبي في البيت، فإني أكره أن أزكى (1). وجاء في العقد الفريد: قيل لها: تدفنين مع رسول الله؟ قالت: لا، لأني أحدثت بعده حدثا.. فادفنوني مع إخواني بالبقيع (2)! ترى، كيف يتبع ابن عمر الطلقاء، وأبوه كان يقول عنهم: لا تصلح الخلافة لطليق، ولا لولد طليق، ولا لمسلم الفتح (3)؟ وكيف به يبايع يزيد، ويعترض على أهل المدينة لنكثهم البيعة له، وينصح ولده وحشمه أن لا ينكثوا بيعتهم ليزيد، لأنها حسب قوله عقد في عهدتهم ولا تراه يعترض على طلحة والزبير لنكثهم البيعة لعلي؟! ولماذا يبايع مروان بن الحكم، والحجاج بن يوسف الثقفي - وهما أعداء الله ورسوله - ولا يرضى بمبايعة علي، ويقول: كنا لا نعدل؟! نعم، إن هذه الظاهرة كانت بارزة على سلوك المتعاملين مع السلطة، فقد ورد أن هشام بن عبد الملك طلب من الزهري أن يروي أن الاية (والذي تولى كبره له عذاب أليم) نزلت في علي (4)! في حين نراه يحدث معمرا حديثا في علي، ويقول له: اكتم هذا الحديث، واطوه دوني، فإن هؤلاء [ أي الأمويين ] لا يعذرون أحدا في تقريظ علي وذكره. قلت: فما بالك ادعيت مع القوم يا أبا بكر! وقد سمعت الذي سمعت؟! قال: حسبك يا هذا! إنهم أشركونا في لهاهم، فانحططنا لهم في أهوائهم (5). وروى عبد الرزاق عن معمر، قال:


(1) صحيح البخاري 9: 128. (2) العقد الفريد 5: 79. (3) طبقات ابن سعد 3: 342. (4) ذكرها السباعي وغيره وأرادوا بها نفي استغلال الأمويين للعلماء، إذ أن الزهري صمد ولم يرض التحديث بذلك وقال إنها نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول، أما سليمان بن يسار - أحد فقهاء الموالي - فقد رضخ لهوى هشام بعد أن كان يأبى القول بذلك سابقا! (5) المناقب، لابن المغازلي: 142 - رقم الحديث 186 / المكتبة الأسلامية 1394.

[ 246 ]

كان عند الزهري حديثان، عن عروة، عن عائشة في علي - أي في النيل منه -.. فسألته عنهما يوما، فقال: ما تصنع بهما وبحديثهما، والله أعلم بهما، إني لأتهمهما { أي عروة وعائشة } في بني هاشم، أي في عداء بني هاشم (1). فما هذا التناقض بين طلب السلطان من الزهري، وحديثه لمعمر؟ وعلام يشير؟! وذكر الأستاذ أحمد أمين: أن خالد بن عبد الله القسري كان قد طلب من ابن شهاب الزهري أن يكتب سيرة النبي، فقال له الزهري يوما: إنه يمر بي الشئ من سيرة علي بن أبي طالب ومواقفه في خدمة الأسلام.. فما أصنع؟ فلم يأذن له بتدوين شئ يتعلق بعلي، إلا إذا تضمن قدحا أو ذما. والمرجح عندنا ان سبب اضطراب أحاديث عائشة في معاوية وبني مروان والأمويين وما نقل عن الزهري وغيره إنما يرجع الى الظروف السياسية الحاكمة آنذاك. وان اختلاف نظر السيدة يرجع الى اختلاف رؤيتها إليهم، فهي كانت تتعاون معهم في أوائل عهد معاوية وذلك لغليان ضغينتها على علي وقرب عهدها بالجمل. أما بعد مقتل حجر بن عدي فقد بدأت سياستها تتغير شيئا فشيئا، ويحتمل أن تكون أحاديثها في النيل من مروان ومعاوية جاءت في الفترة المتأخرة من حياتها وذلك لاتضاح آفاق السياسة الأموية ووقوف عائشة على الحقائق! فقد نقل المؤرخون عتابها لمعاوية لما أتاها الى المدينة زائرا لبيت الله.


(1) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 64.

[ 247 ]

فقالت: يا معاوية! أمنت أن أخبئ لك من يقتلك بأخي محمد بن أبي بكر؟ فقال: بيت الأمان دخلت. قالت: يا معاوية! أما خشيت الله في قتل حجر وأصحابه! قال: إنما قتلهم من شهد عليهم (1)... فانظر الى السيدة عائشة كيف تسكت عن المطالبة بدم أخيها، وقد قتل في سنة سبع أو ست وثلاثين؟ إلا بعد مقتل حجر، وقد كان ذلك بعد الخمسين من الهجرة؟ وعلام يدلل هذا؟ إذا صح هذا التصور وثبت أن عائشة قد غيرت سياستها بعد الخمسين من الهجرة، فما يدل قولها لأخيها لعبد الرحمن في يوم وفاة سعد بن أبي وقاص - العام 55 - (يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء، فاني سمعت رسول الله يقول: ويل للأعقاب من النار)، ألم يكن ذلك مما يضعف ما توصلنا إليه سابقا؟ كلا، ليس هناك من تضاد بين الرأيين، وأقصى ما يمكن إثباته هو تأثرها وقناعتها بأن عبارتي (ويل للأعقاب) أو (أسبغوا الوضوء) واللتين نسلم صدورهما عن رسول الله! تدلان على غسل الأرجل، وأنها قد أتت بذلك مجاراة لفهم الدولة وقناعتها بأن هاتين الجملتين تدلان على الغسل، في حين انا سنثبت لاحقا عدم دلالتهما على لزوم غسل الرجلين وتثليث غسل الأعضاء وأن (ويل للأعقاب) هو حكم مختص بالعقب وهو غالبا ما يتعرض للنجاسة وقت التغوط والاستنجاء! نصيحة وموعظة بعد هذا حق للأمام علي بن الحسين أن يتخوف على مصير الزهري ووقوعه في شراك الحكام.. إذ أنه قد استخدم علمه - في غالب الأحيان - بما يخدم الحاكم الأموي وصار لا يتحدث إلا بما فيه رضى السلطان، حتى غدا جسرا


(1) المعرفة والرجال، للبسيوي 3: 320 - 321.

[ 248 ]

يعبرون عليه الى بلاياهم، وسلما إلى ضلالهم. جاء في رسالة الأمام زين العابدين للزهري: (كفانا الله وإياك من الفتن، ورحمك من النار، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يرحمك.. فقد أثقلتك نعم الله بما أصح من بدنك، وأطال من عمرك. وقامت عليك حجج الله بما حملك من كتابه، وفقهك فيه من دينه وعرفك فيه من سنة نبيه، فانظر أي رجل تكون غدا إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها. ولا تحسبن الله قابلا منك بالتعذير، ولا راضيا منك بالتقصير، هيهات! هيهات! ليس كذلك، أخذ على العلماء في كتابه إذ قال: لتبيننه للناس ولا تكتمونه. واعلم أن أدنى ما كتمت، وأخف ما احتملت أن آنست وحشة الظالم، وسهلت له طريق الغي بدنوك منه حين دنوت، وإجابتك له حين دعيت.. فما أخوفني بإثمك غدا مع الخونة، وأن تسأل عما أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة، إنك أخذت ما ليس لك ممن أعطاك، ودنوت ممن لم يرد على أحد حقا، ولم ترد باطلا حين أدناك، وأحببت من حاد الله، أو ليس بدعائه اياك حين دعاك جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم، وجسرا يعبرون عليك إلى بلاياهم، وسلما إلى ضلالهم، داعيا إلى غيهم، سالكا سبيلهم، يدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم، فما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك، وما أيسر ما عمروا لك فكيف ما خربوا عليك.. فانظر لنفسك، فإنه لا ينظر إليها غيرك، وحاسبها حساب رجل مسؤول.. وانظر كيف شكرك لمن غذاك في نعمه صغيرا أو كبيرا، فما أخوفني عليك أن تكون كما قال الله في كتابه: فخلف من بعدهم خلف... - الاية. إلى آخر الرسالة الخالدة (1). بهذا فقد عرفنا شيئا من سر إكراه السلطان للزهري على تدوين السنة، وسر استحيائه من أن يكتبها للسلطان ولا يكتبها للناس.


(1) تحف العقول، لابن شعبة: 198.

[ 249 ]

بيد أن ظاهرة المعاداة لعلي في فقهه ونهجه ورؤاه واضحة جلية لا تحتاج إلى إثبات، فصارت الاراء ذات طابع سياسي، بعيد كل البعد عن الدين والسنة.. فقد تركوا ما قاله ابن عباس والتجأوا إلى أهوائهم بغضا لعلي، وأصروا على ألا يدونوا كتابة السيرة إلا مع التزوير والتحريف! جاء في مناقب أبي حنيفة، للمكي: انه لما دعي ليسأل عن مسألة فقهية من قبل أحد الأمويين، قال أبو حنيفة: فاسترجعت في نفسي لأني أقول فيها بقول علي رضي الله عنه وأدين الله به، فكيف أصنع؟ قال: ثم عزمت أن أصدقه وأفتيه بالدين الذي أدين الله به، وذلك ان بني أمية كانوا لا يفتون بقول علي ولا يأخذون به - الى أن يقول - وكان علي لا يذكر في ذلك العصر باسمه، والعلامة عنه بين المشايخ أن يقولوا: قال الشيخ، ومنعوا الناس أن يسموا أبناءهم باسمه، ويتعرض للبلاء من سمى ابنه عليا (1). وبذلك فقد أصل الحكام أمورا ومباني ليست بأصيلة، ليستفيدوا منها في واقعهم العملي.. منها: ترويج فكرة الأرجاء، وظهور المرجئة ووجوب إطاعة الحاكم برا كان أم فاجرا، واستخلافهم على ودائع النبوة! كل ذلك من أجل أن يترك الحاكم على هواه وأن لا يواجه بمعارضة من قبل المسلمين، لأن الله قال في كتابه: وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم (2)!.. فهل يتطابق هذا المفهوم مع قوله تعالى: ولا تركنوا


(1) انظر: الأمام الصادق والمذاهب الأربعة 1: 396 عن مناقب أبي حنيفة للمكي 1: 17 1. (2) التوبة: 106.

[ 250 ]

إلى الذين ظلموا فتمسكم النار (1)، أو قوله تعالى: إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (2). وهل يجوز ترك الحاكم الفاسق؟.. وكيف يمكن الجمع بين الرؤيتين؟ وهل يصح قول ابن عمر: لا أقاتل في الفتنة، وأصلي وراء من غلب (3)؟ فما معنى قوله تعالى: فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله (4) إذن؟ وهل أن الشرعية للأقوى من ضمن مفاهيم الشريعة الألهية، حتى يستمدوا من شريعة الغاب رؤاهم؟! ولماذا تصدر أمثال هذه الرؤى عن: ابن عمر، وابي هريرة، وأشباهها؟ وكيف يجرؤ البعض أن ينسب الى ابن عمر الأقلال في الحديث؟! في حين نراه يروي أكثر من 2000 حديثا، فهل هذا هو المقل، أم المقل أم سلمة (زوجة الرسول) وأبو ذر وعمار وغيرهم من المخالفين للحكام؟! ولا ندري أنصدق الواقع، أم نصدق ما قاله الشعبي: جالست ابن عمر سنة فما سمعته يحدث عن رسول الله (5)؟ وكيف نصدق ما نقله ابن سعد والذهبي عن الأمام الباقر وأنه قال في ابن عمر إنه أحذر أصحاب النبي إذا سمع من رسول الله شيئا ألا يزيد ولا ينقص (6) وأقوال عائشة والنصوص الأخرى تكذب هذا الخبر! ولماذا وجهوا قول الرسول (إلا أن يكون كفرا بواحا) (7) في لزوم السكوت


(1) هود: 113. (2) البقرة: 124. (3) طبقات ابن سعد 4: 149. (4) الحجرات: 9. (5) الأصابة 2: 349 عن مجاهد. (6) طبقات ابن سعد 4: 144، سير أعلام النبلاء 3: 213. (7) صحيح البخاري 9: 59 - 60.

[ 251 ]

عن ظلم الحاكم وفجوره وأوجبوا في رواية أخرى لزوم اتباع السلطان (وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك) (1)، ومن فارق الجماعة شبرا و...؟! وأن الأمام علي بن الحسين كان يتخوف على مصير الدعوة الأسلامية إذ يرى الحكام وأعوانهم يتلاعبون بالدين والمفاهيم الأصيلة، فقد جاء في دعائه يوم عرفة: (... اللهم إنك أيدت دينك في كل أوان بإمام أقمته علما لعبادك ومنارا في بلادك...) الى أن يقول: (... اللهم فأوزع لوليك شكر ما أنعمت به عليه، وأوزعنا مثله فيه وآته من لدنك سلطانا نصيرا، وافتح له فتحا يسيرا، وأعنه بركنك الأعز واشدد أزره، وقو عضده، وراعه بعينك، واحمه بحفظك، وانصره بملائكتك، وامدده بجندك الأغلب، وأقم به كتابك وحدودك وشرائعك وسنن رسولك صلواتك اللهم عليه وآله، وأحي به ما أماته الظالمون من معالم دينك واجل به صدأ الجور عن طريقتك، وأبن به الضراء من سبيلك، وأزل به الناكبين عن صراطك، وامحق به بغاة قصدك عوجا، وألن جانبه لأوليائك، وابسط يده على أعدائك...) (2). فإن الأمام بدعائه في ذلك الموقف، بما مر واليوم يوم عرفة، والأنظار شاخصة لابن رسول الله، كلها لتدل على الاهتمام الكبير الذي كان يوليه الأمام لايضاح هذه الأمور وبلسان الدعاء، وفي دعائه ليومي الجمعة والأضحى المزيد من ذلك. ولنعد السؤال: لماذا يكون أبو هريرة من الأدوات الفاعلة في ذلك المخطط الاموي، حتى أنه ليعرف متى يأتي قطعان الشام، ويدعو الى إطاعتهم وعدم سب الظالمين؟!! قال العجاج الراجز: قال لي أبو هريرة: من أين أنت؟


(1) صحيح مسلم 3: 1476 / 52. (2) الصحيفة السجادية: الدعاء 47.

[ 252 ]

قلت: من أهل العراق. قال: يوشك أن يأتيك بقطعان الشام [ أي خدمهم وعمال الزكاة ] فيأخذوا صدقتك، فإذا أتوك فتلقهم بها. فإذا دخلوها، فكن في أقاصيها، وخل عنهم عنها، وإياك أن تشتمهم، فإنك إن سببتهم ذهب أجرك، وأخذوا صدقتك، وإن صبرت.. جاءت في ميزان عملك يوم القيامة (1). وفي كتاب الأموال لأبي عبيد: ان رجلا جاء الى أبي هريرة فقال: أأخبأ منهم كريمة مالي؟ قال: لا، إذا أتوكم فلا تعصوهم، وإذا أدبروا فلا تسبوهم، فتكون عاصيا خفف عن ظالم، ولكن قل: هذا مالي، وهذا الحق، فخذ الحق وذر الباطل، فإن أخذه فذلك، وإن تعداه الى غيره جمعا لك في الميزان يوم القيامة (2). نعم، قد طرح الحكام هذه الرؤى لئلا يقف أحد أمام تصرفاتهم، لترك ما لله لله وما لقيصر لقيصر، ولتخدير الأمة، وترويضها على الابتعاد عن التدخل في أجواء الحكم والحاكم، والاكتفاء بالخروج إلى الصلاة أيام الجمع، لتجريدهم من روح النصيحة، وجعلهم أناسا بلا مسؤولية، حتى لا يقف أحدهم أمام نهبهم لبيت مال المسلمين، ولكي يطمئن الحكام ويصفو لهم الجو في تعديهم حدود الله وهم منغمسون في حياة اللهو والمجون في لياليهم الحمراء بين الغواني والقيان في قصورهم الباذخة. والأدهى من كل ما تقدم أن تصير ميتة الخارج على أمثال هؤلاء - في حساب دينهم - ميتة جاهلية!! هذا وقد وضع الكذبة الكثير من الأحاديث تقربا للسلطان، فجاء عن المهدي العباسي أن غياث بن إبراهيم دخل عليه يوما وحدثه بحديث عن أبي هريرة:


(1) الشعر والشعراء، لابن قتيبة: 392. (2) كتاب الأموال: 412.

[ 253 ]

(لاسبق إلا في حافر أو نصل)، وأضاف إليه (أو جناح) لعلمه بحب الخليفة الحمام، فأمر المهدي له بعشرة آلاف درهم. فلما قام غياث، قال المهدي: (أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله، ما قال (ص) جناح، ولكنه أراد أن يتقرب إلي) (1). وجاء عن أبي البحتري وهب بن وهب قاضي بغداد انه دخل على هارون الرشيد وكان الخليفة يطير الحمام، فقال له: هل تحفظ في هذا شيئا؟ فقال أبو البحتري: نعم، حدثني هشام عن عروة عن أبيه، ان النبي كان يطير الحمام (2)! نحن لا نريد أن نحصي الأحاديث الموضوعة لهوى السلطان، وهي كثيرة، لكن ولأجل تعميم الفائدة نذكر أسماء بعض الوضاعة الذين كانوا يضعون الحديث تقوية للسنة! 1 - جاء عن نعيم بن حماد بن معاوية، المتوفى سنة 227، انه كان ماهرا في وضع الحديث، متجرئا على مقام صاحب الرسالة، وقيل عنه انه: (كان يضع الحديث في تقوية السنة) (3). 2 - أحمد بن عمرو بن مصعب بن بشر: كان من الوضاعين ومن أهل السنة المجودين، وضع كتبا في تقوية السنة، كلها موضوعة ومنتشرة عند الخراسانيين في عصره، وكان معروفا في نصرة السنة بوضع الأحاديث الكاذبة عن الثقاة (4). 3 - علي بن أحمد بن محمد بن عمرو: كان شديد العصبية في السنة، يضع الأحاديث في نصرتها وقالوا عنه انه تاب ولازم الثقة والصيانة (5). 4 - أحمد بن عبد الأنصاري: كان من الوضاعين لنصرة السنة، وهو واضع


(1) تاريخ بغداد 12: 324. (2) تاريخ بغداد 13: 484، وفيات الأعيان 2: 182. (3) انظر: تذكرة الحفاظ 2: 418 - 420، تهذيب الكمال 29: 479. (4) تاريخ بغداد 5: 73. (5) انظر: شذرات الذهب 3: 226.

[ 254 ]

الحديث عن ابن عمر في قوله تعالى يوم تبيض وجوه قال: فأما الذين ابيضت وجوههم فهم أهل السنة، وأما الذين اسودت وجوههم فهم أهل البدعة. ومهما يكن فإن هذا الموضوع متشعب طويل قد ألجأنا منهج البحث في الأشارة إلى شئ منه في هذا السياق لتوضيح طرق التمويه الحكومية، حتى يقف المطالع على الوجه الكريه للأمويين، وكيف كانوا يتلاعبون بالأحكام، ويحرفون الفرائض عن جهات شرائعها، فتصير الأحكام عندهم تابعة للأهواء، حين تركوا السنة من بغض علي! فيقربون مناوئي علي، ويجعلونهم مراجع للحديث والأفتاء ولزوم الجمود على آرائهم وعدم التخطي الى غيرها!! فترى معاوية يبذل أربعمائة ألف درهم لسمرة بن جندب لقاء نقله ل‍ (رواية) في أن الاية: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) قد نزلت في ابن ملجم (1) قاتل علي! قال المدائني عن عصر معاوية: وظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراؤون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا من مجلسهم، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل، حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث الى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حق، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولما تدينوا بها (2). وبعد هذا يتضح لنا كلام جعفر بن محمد الصادق بكل دقة وجلاء، حين قال: (أتدري لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامة؟ قلت: لا! فقال: إن عليا لم يكن يدين الله إلا خالفته عليه الأمة إلى غيره، إرادة لأبطال أمره. وكانوا يسألون أمير المؤمنين عن الشئ لا يعلمونه، فإذا أفتاهم جعلوا له


(1) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 73. (2) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 59.

[ 255 ]

ضدا من عندهم ليلبسوا على الناس (1). خلاصة وآراء قدمنا عرضا إجماليا لملامح المخطط الأموي ضد رسول الله (ص) وصهره وأبنائه، ونلخص ما مر في نقاط ثلاث: الأولى: إن الحكومة الأموية تبنت تدوين السنة النبوية، وقد اتضح لك حالها وكيفية تحريفها للمفاهيم، وإبدالها بأخرى.. وتبين لك أن ذلك في العهد المرواني، وهو من أشد الأزمنة وطأة على الشريعة، وكان الفقه يؤخذ قبل ذلك من أمثال ابن عمر وعائشة وأبي هريرة! وأن ابن عمر قد أرشد المسلمين للأخذ بفقه عبد الملك بن مروان من بعده!! الثانية: إن تدوين السنة النبوية جاء بإكراه من السلطان، وهذا ما يبرهن على أن للحكومة فيه مآرب وأهدافا سياسية، أشرنا إلى بعضها، ابتداء بتدوين ما ترتضيه وحذف ما لا ترتضيه، وانتهاء بتأصيل أصول هي بعيدة عن الشريعة وواقع النظرة الأنسانية، وعرفنا أن فقه علي هو مما لا ترتضيه الحكام ولا ينسجمون وإياه. الثالثة: إن فكرة التدوين من قبل الحكام نشأت بعد إثارة الرأي العام ضد الأمويين بمقتل الحسين لما نتج عنها من انشداد المسلمين الى أهل البيت وإصرارهم على ضرورة العمل بالسنة، بالأضافة الى وقوف بعض الصحابة أو التابعين أمام الحكام التزاما بالسيرة العملية لرسول الله، مما حدى بالحكومة أن تفكر بجدية في مسألة تبني تدوين السنة، لمحاصرة ما عسى أن يستجد أمامهم من مشكلات في المستقبل. وقد قلنا سابقا إن اتجاه الناس كان هو التحديث عن رسول الله، لقول عثمان: (إن ناسا يتحدثون عن رسول الله)، أما نهج الخليفة والحكومة، فقد كان الأخذ بالرأي ومعارضة الذين يتحدثون وفق المدونات!


(1) راجع بحث التعادل والتراجيح من أصول الأمامية.

[ 256 ]

وكان النهجان على تضاد، فالحكام لا يسمحون لهؤلاء في التحدث بكلام الرسول، لأن فيه توعية الناس ووقوفهم على الاجتهادات الخاطئة، أما أولئك كانوا يحدثون الناس رغم كل الضغوط والملابسات! فقد جاء في سنن الدارمي: إن رجلا جاء إلى أبي ذر، وقال له: ألم تنه عن الفتيا؟ فرفع رأسه، فقال: أرقيب [ أنت ] علي؟.. لو وضعتم الصمصامة على هذه - وأشار إلى قفاه - ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله (ص) قبل أن تجيزوه علي، لأنفذتها (1). وقال معاوية: ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله (ص) أحاديث قد كنا نشهده، ونصحبه فلم نسمعها منه.. فقام عبادة بن الصامت وعارضه (2). لقد كان معاوية يريد التشكيك بحجية أحاديث هؤلاء الرجال - ليبقى هذا التشكيك على مدى الأجيال - إلا أن موقف عبادة بن الصامت ومعارضته إياه قد ذهبت بجهود معاوية سدى! تبين وفق ما قلناه أن الحكام لما رأوا منافسيهم يتسلحون بسلاح الحديث، ناوروهم بالدخول إليهم من تلك الزاوية ومن ذلك المنفذ، وقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد..! فأدخلوا في الحديث ما لا يحصى من الموضوعات، وقربوا القصاصين ليرووا ما يحلوا لهم. فقد ذكر ابن حجر: أن معاوية بن أبي سفيان كلف كعب الأحبار لاءن يقص بالشام. قال الشيخ أبو جعفر الاسكافي: إن معاوية وضع قوما من الصحابة وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل


(1) سنن الدارمي 1: 136، صحيح البخاري 1: 27، حجية السنة: 3 - 464. (2) صحيح مسلم 3: 1210 / 80 باب الصرف وبيع الذهب من كتاب المساقاة.

[ 257 ]

على ذلك جعلا يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه، منهم: أبو هريرة، وعمروبن العاص والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين: عروة بن الزبير. (1) وقال ابن عرفة، المعروف بنفطويه: إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية، تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم (2). وقال الأمام محمد عبدة: إن عموم البلوى بالأكاذيب حق على الناس في دولة الأمويين! فكثر الناقلون وقل الصادقون، وامتنع كثير من أجلة الصحابة عن الحديث إلا لمن يثقون بحفظه (3). وقال الأستاذ أحمد أمين:... ومن الغريب، اننا لو اتخذنا رسما بيانيا للحديث لكان شكل هرم، طرفه المدبب هو عهد الرسول (ص)، ثم يأخذ في السعة على مر الزمان، حتى نصل إلى القاعدة، فهي أبعد ما تكون عن عهد الرسول، مع أن المعقول كان العكس، فصحابة الرسول أعرف الناس بحديثه، ثم يقل الحديث بموت بعضهم مع عدم الراوي عنه وهكذا. ولكنا نرى إن أحاديث العهد الأموي أكثر من أحاديث عهد الخلفاء الراشدين، وأحاديث العصر


(1) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 63، المعرفة والرجال، للبسيوي (ت 277 ه‍) ترجمة أبي هريرة. (2) النصائح الكافية: 89، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 11: 46. (3) شيخ المضيرة: 202، عن تاريخ الأمام محمد عبدة 2: 347.

[ 258 ]

العباسي أكثر من أحاديث العهد الأموي (1). ثم يعلل ذلك بسبب نشاط حركة الهجرة في طلب الحديث، ثم يضيف إليه عامل سعي اليهود والنصارى في محاولة مسخ الشريعة، متناسيا دور السلطة وأهدافها في إبعاد الخط الأسلامي وتحريف مجراه. والذي يؤسفنا حقا أن نرى كتابا قد وصلوا إلى الحقيقة، لكنهم يعزون الأسرائيليات إلى كيد اليهود، ودورهم في تحريف الأسلام ولم يذكروا الأيدي الأموية! وهنا نتساءل: هل يقوى اليهود - الذين كانوا يعطون الجزية، وهم صاغرون - على ممارسة دورهم الهدام بعيدا عن أي دعم من قبل السلطة الحاكمة؟ وكيف نرى ابن حجر قد حصر الوضع في الحديث في: الخوارج والروافض وغيرهم من المبتدعة!!.. حيث قال في مقدمة فتح الباري: ثم حدث في أواخر التابعين تدوين الاثار، وتبويب الأخبار، لما انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والرافضة (2)! فهل يمكن للروافض أن يضعوا الأحاديث وينشروها بين المسلمين، في الوقت الذي كانوا فيه يعانون من الاضطهاد والتشريد والتقتيل؟! وهل إن بدايات وضع الحديث قد جاءت على يد هؤلاء حقا؟! وكيف يتهجم ابن حجر على طوائف من المسلمين، ويترك الكلام عن تأثيرات الحكام في الأحكام الشرعية ورغبتهم الجامحة في وضع الحديث، خصوصا في العهد العباسي؟! لا ندري كيف نسب ابن حجر الوضع إلى الخوارج والرافضة - مع علمنا بأنهم من المخالفين للحكام دوما - ولم يعز ذلك إلى بني أمية الذين أسلموا تحت أسنة الحراب، وما انفكوا عن محاربة الأسلام حتى آخر لحظة قبل دخولهم فيه


(1) ضحى الأسلام 2: 128 - 129. (2) فتح الباري (المقدمة): 4.

[ 259 ]

مكرهين!! وهل بإمكان الرافضة أن يضعوا الحديث، فيتمكنوا من تفريق وحدة الأمة، بكل تلك السعة وذلك الشمول، وهم المضطهدون الملاحقون من قبل عيون الحاكم المتسلط على الرقاب بقوة السلاح، وفي عصر التدوين الحكومي بالذات؟! وإذا كان الرافضة يرفضون فقه الحاكم القائل: (لو قال برأسه كذا، قلنا بسيفنا كذا).. فهل من المعقول أن يسمح ذلك الحاكم بانتشار فقه وحديث رافضيهم؟! نعم، إن الرافضة ما كانوا يقوون على مواجهة شدة هيجان تيار الحكومة جهرة، وما كانوا يمارسون عباداتهم على سنة النبي (ص) إلا خفية.. وإليك هذا الخبر لتزداد وضوحا: العبادة عند الرافضة! أخرج أحمد وبسنده إلى أبي مالك الأشعري، إنه قال لقومه: اجتمعوا أصلي بكم صلاة رسول الله، فلما اجتمعوا قال: هل فيكم أحد غيركم؟ قالوا: لا، إلا ابن أخت لنا. قال: ابن أخت القوم منهم. فدعا بجفنة فيها ماء فتوضأ، ومضمض واستنشق، وغسل وجهه ثلاثا، وذراعيه ثلاثا (1)، ومسح رأسه وظهر قدميه. ثم صلى بهم، فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة (2). فأبو مالك الأشعري كان يريد تعليم قومه وضوء وصلاة رسول الله، لكنه كان يتخوف من الحكام وبطشهم فتساءل ليطمئن (هل فيكم أحد غيركم؟)، وهذا


(1) وسنوضح كيفية الغسل الثالث عند مدرسة المسح وأتباع السنة النبوية في الفصل الأول من هذه الدراسة. (2) مسند أحمد 5: 342.

[ 260 ]

دليل على أن المسلمين لم يكونوا مختارين في ممارسة عباداتهم، بل كانوا يجبرون على إتيان ما يريده الحكام، وأن المتخلف في أخذ الأحكام عنهم يعد في قاموس هؤلاء (رافضيا) من الرافضة! أعلام المسلكين في العهد الأموي توصلنا فيما مضى إلى أن هناك من كانوا يمثلون الامتداد لنهج الناس - الذين يتحدثون عن رسول الله (ص) - في هذا العهد، وهم: 1 - عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. 2 - عبد الله بن عباس (حبر الأمة). 3 - أنس بن مالك (خادم الرسول). وأما الذين مثلوا الامتداد لنهج الخليفة عثمان وناصروا مسلك الحكومة، فهم: 1 - عائشة بنت أبي بكر. 2 - الربيع بنت معوذ بن عفراء. 3 - الحجاج بن يوسف الثقفي. علما، بأن عائشة - كما أسلفنا - نراها تدعو إلى لزوم غسل الرجلين في هذا العهد رغم مخالفتها لرأي عثمان، لا لأنها رأت رسول الله فعل ذلك، بل لأنه قال: (ويل للأعقاب من النار!)... فإنها لو كانت تريد دعوة أخيها عبد الرحمن إلى غسل رجليه، للزمها أن تستدل بفعل النبي (ص) لا بقوله، إذ يتعسر الاستدلال بهذه الجملة على المطلوب. ولنا في الفصل الثاني من هذه الدراسة (الوضوء في الكتاب واللغة) وقفة مع أحاديث (أسبغوا الوضوء) و (أحسنوا الوضوء) و (ويل للأعقاب)، ومدى دلالتها على لزوم غسل الرجلين وتثليث الغسلات، وكيفية استغلال الحكام هذه المفاهيم لترسيخ وضوء الخليفة الثالث. ومن المؤسف أن نرى الفقهاء قد اعتبروا الأحاديث السابقة دليلا ثالثا - بعد الكتاب والسنة - على لزوم غسل الرجلين، وهو مما يعضد كون المدرسة العثمانية

[ 261 ]

في الوضوء قد أخذت طابعا فقهيا، وأن العلماء جاءوا ليدعموها بالدليل وينفوا الضعيف عنها بالتأويل، بغية إشاعتها، ومحاولة لتطبيع العامة عليها. سنخصص بحثا عن السنة النبوية سندا ودلالة، في الفصل الأول من هذا الكتاب، وسوف نناقش القراءات القرآنية في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى. فاتضح ولحد الان أن الناس في الوضوء هم: 1 - علي بن أبي طالب. 2 - عبد الله بن عباس. 3 - طلحة بن عبيد الله. 4 - الزبير بن العوام. 5 - سعد بن أبي وقاص. 6 - عبد الله بن عمر (قبل مقتل عثمان). 7 - عائشة بنت أبي بكر (قبل مقتل عثمان). 8 - محمد بن أبي بكر (كما في كتاب علي إليه لما ولاه مصر). 9 - عبد الرحمن بن أبي بكر. 10 - أنس بن مالك. علما أن المروي عن ابن عمر كان هو المسح، فقد أخرج الطحاوي بسنده، عن نافع، عن ابن عمر، إنه كان إذا توضأ ونعلاه في قدميه مسح ظهور قدميه بيديه، ويقول: كان رسول الله يصنع هكذا (1)! إلا إنه غير موقفه في العهد الأموي، ونقلت عنه أحاديث في غسله الثلاثي للأعضاء ولا ننفي أن تكون تلك الأقوال المنسوبة إليه قد وضعت من قبل الأمويين، وأنه لم يقل بها أصلا مع تأكيدنا لتعاونه مع الدولة. وعليه.. فإن وضوء الناس في العهد الأموي لم يكن ضعيفا أمام أنصار الخليفة والحكومة، لكنه أخذ في الضعف شيئا فشيئا حتى انحصر ببعض التابعين وأهل بيت رسول الله، إذ ان الحكومة بما لها من قوة إعلامية وقدرة تنفيذية كانت


(1) شرح معاني الاثار 1: 35 / 160.

[ 262 ]

وراء ترسيخ فقه عثمان. وقد مر عليك أن عبد الرحمن بن أبي بكر وأخاه محمدا، وكذا ابن عمر كان وضوؤهم هو المسح، وذلك يدلل ويؤكد على أن سيرة المسلمين كانت هي المسح منذ عهد النبي الأكرم (ص) حتى عهد الشيخين (1)، لما اتضح لك من قبل من عدم وجود الخلاف في عهدهما، وترى الان فعل أبنائهما في الوضوء. وأن مواقف الصحابة وأبنائهم من أمثال أنس بن مالك وعبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن أبي بكر، كانت ذات بعد توجيهي، وهي تومئ الى ديمومة خط السنة النبوية، رغم مخالفة الحكام له. لقد أوصلنا البحث إذن إلى أن البعض من العشرة المبشرة، وزوجات النبي، وخدمه، وبعض كبار الصحابة من أمثال ابن عباس وعلي بن أبي طالب و... قد نقلوا لنا الوضوء الثنائي المسحي واعتبروه سنة نبوية يجب العمل بها. بهذا.. فقد وقفنا على بعض خلفيات المسألة، واتضح لنا جهل من يقول: هذا هو وضوء الرافضة أو الشيعة فقط، بل عرفت بأنه وضوء رسول الله، ووضوء كبار الصحابة. لماذا إذن؟! بعد هذا نتساءل: لماذا لا نرى قائلا بالمسح في المذاهب الأربعة اليوم رغم مشروعيته منذ زمن الرسول إلى هذا العهد ورغم تناقل الفقهاء والمحدثين ذلك في كتبهم؟ وكيف صار المسلمون لا يقبلون ذلك الوضوء وينظرون إليه بارتياب واستنكار؟! ولماذا يتهم القائل بالمسح بالزندقة والابتداع والخروج من الدين، رغم ثبوته والتزام كبار الصحابة به وفعلهم له؟! وكيف يقول ابن كثير: ومن أوجب من الشيعة مسحها كما يمسح الخف،


(1) أما ما نسب الى الخليفة عمر بن الخطاب من أنه كان يغسل رجليه، فهو مما نبحثه في الفصل الأول من هذه الدراسة إن شاء الله تعالى.

[ 263 ]

فقد ضل وأضل (1)، في حين نراه بعد أسطر من كلامه هذا ينقل عن جملة من الصحابة - يزيدون على العشرة - أنهم قد كانوا يقولون بالمسح! وكذا الحال بالنسبة للشهاب الخفاجي في قوله: ومن أهل البدع، من جوز المسح على الأرجل بدون الخف، مستدلا بظاهر الاية (2). وقال الالوسي: لا يخفى إن بحث الغسل والمسح، مما كثر فيه الخصام، وطالما زلت الأقدام... إلى أن يقول:... فلنبسط الكلام في تحقيق ذلك، رغما لأنوف الشيعة السالكين من كل سبل حالك (3). كيف يتحامل هؤلاء على الشيعة، والصحاح المعروفة مليئة بما يدل على مشروعية المسح؟! وهل أن أتباع رأي فقهي لا يرتضيه الاخرون، يعد في قاموس ابن كثير والخفاجي وأضرابهما ضلالة؟ ألم يكن معنى الضلالة، هو الابتعاد عن الطريق، وهل أن الشيعة الأمامية قد ابتعدوا حقا عن وضوء رسول الله (ص)، أم أنهم قد ثبتوا عليه رغم سياسات الحكام الضاغطة؟ وهل أن المسح على الأرجل هو وضوء المبتدعة، أم أنها سنة رسول الله وما نزل به القرآن؟ وهل أن أولئك الصحابة - الذين رووا المسح - كذبوا على رسول الله، أم أنه (ص) فعل ما يوقع الناس في الالتباس - والعياذ بالله - أم أن السياسة بوسائلها الأعلامية هي التي شوهت هذه السنة خلال العصور، لدواعي لها؟! ألم يكن وضوء الشيعة هو وضوء الناس الذين مثلوا الامتداد لوضوء النبي الأكرم (ص)، بعد أن عارضوا عثمان، وتمسكوا بوضوء رسول الله (ص) وكانوا


(1) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير 2: 45. (2) حاشية الشهاب على البيضاوي 3: 221. (3) روح المعاني 6: 74.

[ 264 ]

يتحدثون عنه؟ أولم تكن معارضتهم لعثمان، من أجل الثبات على السنة النبوية المباركة وتخطئتهم لاجتهاداته؟ فكيف يصح إذن أن يرمى الشيعة بالابتعاد عن خط السنة، وهم الثابتون عليه رغم كيد وقساوة الحاكم العامل بالرأي التارك للسنة النبوية؟! إن نقل الأخبار الحوارية والعينية لخلاف الناس مع الحكومة، نحسبه كافيا لرسم معلم الخلاف بين الأمة، وأنهم لا يستقرون ولحد العهد الأموي على وضوء واحد، بل كان لكلا الوضوئين أنصار وأتباع يذودون عما رووه وارتأوه. وإضاءة لهذه المسألة نذكر نصوصا أخرى لصحابة آخرين لم ترد أسماؤهم لحد الان، لكي نقف على ضعف وضحالة تلك النسب المكذوبة إلى مدرسة المسح، ولأثبات أن المسح هو حقيقة فعل رسول الله وكبار الصحابة وهو ما نزل به الوحي من عند الله (عز وجل).

[ 265 ]

أسماء بعض الصحابة الذين قالوا بالمسح عباد بن تميم بن عاصم المازني (1) أخرج الطحاوي بسنده، عن عباد بن تميم، عن عمه { عبد الله }: إن النبي توضأ، ومسح على القدمين، وأن عروة كان يفعل ذلك (2). وأخرج ابن الأثير بسنده، عن عباد بن تميم، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله توضأ، ومسح على رجليه (3). وجاء في الأصابة، عن عباد بن تميم المازني، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله يتوضأ، ويمسح على رجليه. قال: ورجاله ثقات (4) وقال الشوكاني: أخرج الطبراني، عن عبادة بن تميم، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله يتوضأ، ويمسح على رجليه (5). قال ابن حجر: روى البخاري في تاريخه، وأحمد في مسنده، وابن أبي شيبة، وابن أبي عمر، والبغوي، والباوردي.. وغيره، كلهم من طريق أبي الأسود. وجاء في كنز العمال: مسند تميم بن زيد، عن عبادة بن تميم، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله توضأ، ومسح بالماء على لحيته ورجليه. (ش، حم، خ في تاريخه، والعدني، والبغوي، والباوردي، وأبو نعيم قال في الأصابة: رجاله ثقات) (6).


(1) هو ابن أخ عبد الله بن زيد بن عاصم المازني الأنصاري صاحب حديث الوضوء. (2) شرح معاني الاثار 1: 35 / 162، وعروة هنا هو ابن الزبير الذي سيأتي ذكره بعد قليل. (3) أسد الغابة 1: 217. (4) الأصابة 1: 185. (5) نيل الأوطار 1: 210. (6) كنز العمال 9: 429 / 26822.

[ 266 ]

وهكذا رأينا أن عبادا هذا، قد روى الوضوء المسحي عن رسول الله بطريقين: الأول: عن أبيه، تميم بن زيد المازني، وقد جاءت أسانيده في أغلب المصادر. الثاني: عن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم وهو ما أخرجه الطحاوي في شرح معاني الاثار. ولم ترد عنه عن عمه رواية في الوضوء الثلاثي الغسلي، وهذا ما يعضد ويرجح أن يكون المروي عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني - عم عباد - في الثنائي المسحي هو الصحيح عنه، وبه يضعف المنسوب إليه من الوضوء الثلاثي الغسلي، وهذا ما سنبحثه في الفصل الأول من هذا الكتاب بإذن الله تعالى. أوس بن أبي أوس الثقفي أخرج المتقي بسنده إلى أوس بن أبي أوس الثقفي، أنه رأى النبي أتى كظامه قوم بالطائف فتوضأ، ومسح على قدميه (1) وأخرج الحازمي بسنده إلى أوس، إنه رأى النبي أتي كظامه قوم بالطائف فتوضأ، ومسح على قدميه (2) وأخرج الطبري بسنده عن أوس، قال: رأيت رسول الله أتي سباطه قوم فتوضأ، ومسح على قدميه (3). قال الشوكاني: أخرج أبو داود، عن حديث أوس بن أبي أوس الثقفي، إنه رأى رسول الله أتي كظامه قوم (بالطائف) فتوضأ، ومسح على نعليه وقدميه (4).


(1) كنز العمال 9: 476 / 27042. (2) الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الاثار 1: 61. (3) تفسير الطبري 6: 86. (4) نيل الأوطار 1: 209، سنن أبي داود 1: 41 / 160.

[ 267 ]

وأخرج ابن الأثير في أسد الغابة، وأحمد في مسنده، والمتقي في الكنز وغيرهم، بسندهم عن أوس بن أبي أوس، أنه قال: رأيت رسول الله توضأ، ومسح على نعليه، ثم قام إلى الصلاة (1). يوقفنا اختلاف الروايات عن أوس - بورود المسح على القدمين تارة، وعلى النعلين أخرى - على واحد من أمور ثلاثة: الأول: عدم اعتناء الرواة في ضبط الحديث عنه، ويحتمل أن يكون نقلهم عنه أنه مسح على النعلين، هو تسامح منهم، باعتقادهم أن كلا اللفظين يدلان على حقيقة واحدة في حين أن المسح على النعلين غير المسح على القدمين. الثاني: التأكيد في المسح على النعل، هو من صنع الحكام، حيث عرفنا أنهم قد قاموا بتدوين السنة الشريفة، وليس من البعيد اختلاقهم هذا الحديث عنه (ص) وغيره. الثالث: القول بما ذهب إليه أحمد بن محمد المغربي، في كتابه (فتح المتعال في أوصاف النعال)، والشيخ الطوسي في التهذيب: بأن الوضوء في النعال العربية لا تمنع المتوضي من المسح على قدميه حال لبسه وتنعله (2). وعليه.. فإن صدور المسح عنه - كما بيناه سابقا - ثابت، أما القول بزيادة لفظ (نعليه) في هذه الرواية، كما حكاه ابن أبي داود والشوكاني، أو تبديل لفظ (قدميه) ب‍ (نعليه) كما جاء في خبر ابن الأثير.. فلا يمنعان من إثبات المطلوب، ولا يخدشان في حجية الخبر. وقد وجدنا لدى ابن عبد البر في الاستيعاب تأييدا لما ذهبنا إليه، يقول: ولأوس بن حذيفة - وهو اسم أبي أوس - أحاديث منها: المسح على القدمين (3). وإن قال: في إسناده ضعف!!


(1) أسد الغابة 1: 140: مسند أحمد 4: 8 و 9 و 10، كنز العمال 9: 476 ح 27041. (2) تهذيب الأحكام 1: 65، من لا يحضره الفقيه 1: 30. (3) الاستيعاب 1: 120.

[ 268 ]

رفاعة بن رافع أخرج ابن ماجة، بسنده إلى رفاعة بن رافع، أنه كان جالسا عند النبي، فقال:) إنها لا تتم صلاة لأحد حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى، يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين (1) (. وأخرج الطحاوي في شرح معاني الاثار، خبر رفاعة مسندا كذلك (2). قال السيوطي: أخرج البيهقي في سننه، عن رفاعة بن رافع: إن رسول الله قال للمسئ صلاته:) إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله، يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين (3). وقد أخرج هذا الحديث كل من: ابن أبي داود في سننه (4)، والنسائي (5)، والحاكم (6). وقال الحاكم: إنه صحيح على شرط الشيخين.. ووافقه على ذلك الذهبي في تلخيصه. وقال العيني: حسنه أبو علي الطوسي، وأبو عيسى الترمذي، وأبو بكر البزاز وصححه: الحافظ ابن حبان، وابن حزم (7). نرى في جميع هذه النصوص جملة: (حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله) التي تشير إلى مسلك الرأي، وأنهم سيؤولون ويجتهدون في معنى الأسباغ


(1) سنن ابن ماجة 1: 156 / 460، ومثله في تفسير الطبري. (2) شرح معاني الاثار 1: 35 / 161. (3) الدر المنثور 2: 262. (4) سنن أبي داود 1: 227 / 858، وكذا سنن الدارمي 1: 305. (5) سنن النسائي 2: 225، وكذا في سنن ابن ماجة 1: 156 / 460. (6) مستدرك الحاكم 1: 241. (7) عمدة القاري 2: 240.

[ 269 ]

- وسيقف القارئ على ذلك في الفصل الأول من هذه الدراسة - وقد وقفت سابقا على كلام الحجاج وتعليله بأنه: (أقرب إلى الخبث)، أو قول عائشة لعبد الرحمن: (إن رسول الله قال ويل للأعقاب من النار) أو انه (ص) قال: (أسبغوا الوضوء) وأن عائشة وابن عمر وأبا هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص قد أدرجوا هاتين الجملتين معا للدلالة على الغسل، وقد مثل علماء الحديث للأدراج بها. فيحتمل أن يكون رسول الله (ص) قد أراد بقوله:) أن يسبغ كما أمره الله به (الأشارة إلى أن الأسباغ يتحقق بغسلتين لا أزيد، لما تواتر عنه (ص) وثبت عند الفريقين، اما تحقق الأسباغ بثلاث مرات فهذا ما لا تقبله مدرسة المسح وأتباع أهل البيت، وسنتعرض الى ذلك مفصلا في الفصلين الأول والثاني. ومن الظريف هنا أن نذكر عبارة لمحشي سنن ابن ماجة، حيث يقول، إن قوله:) يمسح برأسه ورجليه (يجب حمله على الغسل بأدلة خارجية، كما حمل القرآن عليه! وقد ترجم ابن حجر لرفاعة بن رافع، وقال عنه: شهد بدرا، وروى عن النبي وعن أبي بكر الصديق، وعبادة بن الصامت، وعنه ابناه عبيد ومعاذ، وابن أخيه يحيى بن خلاد وابنه على بن يحيى. مات في أول خلافة معاوية. قلت: وأبوه أول من أسلم من الأنصار، وشهد هو وابنه العقبة (1). وقال ابن عبد البر: وشهد رفاعة مع علي الجمل وصفين. وقال ابن قانع: مات سنة إحدى أو اثنين وأربعين (2). كانت هذه نماذج أخرى لوضوءات صحابة آخرين، تراهم يمسحون ويؤكدون على أن المسح هو من وضوء النبي (ص)، عرضناها لدحض اتهامات المغرضين الذاهبين لكل سبيل حالك! ونأتي بنماذج أخرى لوضوءات بعض التابعين، وبعض أهل البيت، حتى يتبين لنا استمرار خط المسح، للتأكيد على أن المسح ليس من مبتدعات الروافض والشيعة، كما يقولون.


(1) تهذيب التهذيب 3: 281، الأصابة 1: 517. (2) تهذيب التهذيب 3: 281.

[ 271 ]

وضوء بعض التابعين وأهل البيت عروة بن الزبير والوضوء: مر سابقا خبر عباد بن تميم عن عمه زيد بن عاصم المازني - صاحب حديث الوضوء - وانه أخبر بأن رسول الله كان يتوضأ ويمسح على رجليه، ونص الخبر هو: أخرج الطحاوي بسنده عن عباد بن تميم، عن عمه: ان النبي توضأ ومسح على القدمين، وان (عروة) كان يفعل ذلك (1). ففي هذا النص ترى عروة بن الزبير يمسح على القدمين. وجاء في المصنف لعبد الرزاق، عن هاشم بن عروة، أن أباه كان يقول بالمسح على الرجلين، لكنه رجع عنها إلى الغسل، لقوله: وأرجلكم إلى الكعبين، والنص: عبد الرزاق عن معمر عن هشام بن عروة، ان أباه قال: إن المسح على الرجلين رجع إلى الغسل في قوله: وأرجلكم إلى الكعبين (2). وقد اختلف الرجاليون في هشام (3) قدحا ومدحا، وفيما نسبه إلى أبيه. فقال يعقوب بن شيبة: ثبت، ثقة لم ينكر عليه شئ إلا بعدما صار إلى العراق، فإنه انبسط في الرواية عن ابيه، فأنكر ذلك عليه أهل بلده، والذي يرى أن هشاما يسهل لأهل العراق انه كان لا يحدث عن أبيه إلا بما سمعه منه، فكان تسهله أنه أرسل عن أبيه مما كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه. وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش: كان مالك لا يرضاه، وكان هشام


(1) شرح معاني الاثار 1: 35 / 162. (2) المصنف، لعبد الرزاق 1: 21، المصنف، لابن أبي شيبة 1: 31 - ح 9. (3) جميع الأقوال اللاحقة أخذت من تهذيب الكمال 30: 238 - 241.

[ 272 ]

صدوقا تدخل أخباره في الصحيح، بلغني ان مالكا نقم عليه حديثه لأهل العراق. وقال علي بن محمد الباهلي، عن شيخ من قريش: أهوى هشام بن عروة إلى يد أبي جعفر المنصور يقبلها فمنعه، وقال: يا ابن عروة إنا نكرمك عنها، ونكرمها عن غيرك. قال شعبة: لم يسمع هشام حديث أبيه في مس الذكر، قال يحيى، فسألت هشاما؟ فقال: أخبرني أبي. توفي هشام بن عروة، ومولى للمنصور في يوم واحد، فخرج المنصور بهما، فبدأ بهشام بن عروة فصلى عليه وكبر عليه أربع تكبييرات بالقرشية، وكبر على هذا خمس تكبيرات بالهاشمية. وفي رواية، قال: صلينا على هذا براية، وعلى هذا براية. أما عروة بن الزبير، (أبو هشام) فهو أخو عبد الله، وكان بينه وبين أخيه عبد الله بن الزبير عشرون سنة. وروى عن معمر عن هشام بن عروة: ان أباه حرق كتبا له فيها فقه، ثم قال: لوددت أني كنت فديتها بأهلي ومالي (1). وقال الأصمعي: عن عبد الرحمن بن أبي الزناد: قال عروة بن الزبير: كنا نقول: لا نتخذ كتابا مع كتاب الله فمحوت كتبي، فوالله لوددت ان كتبي عندي، ان كتاب الله قد استمرت مريرته (2). والان نتساءل: لماذا أحرق عروة كتابا له في الفقه ثم أحس بالندم والحسرة؟ ولم كان الأقدمون يدعون إلى حرق كتب الحديث والفقه، ويرشدون الناس إلى العمل بالقرآن؟ ألم يكن القرآن حمالا ذا وجوه، وهل يمكن الأخذ به بعيدا عن السنة؟! وهل يصح هذا النقل عن عروة، أم ان هشاما كان سهلا في النقل عن أبيه؟


(1) تهذيب الكمال 20: 19. (2) تهذيب الكمال 20: 19.

[ 273 ]

وكيف كان موقف عروة في الحديث، هل كان يأخذ بكل ما سمعه، أم كان يجد في الحصول على الصحيح منه؟! وهل كل ما صح عنده كان حقا هو الصحيح؟ أم بينها أحاديث لو درست بإمعان لكان الحال فيها غير ما كانت عنده؟ نترك هذا الحديث عنه، ونشير إلى صلاته بين العصر وغروب الشمس وهو الوقت الذي نهى الخليفة عمر بن الخطاب عن الصلاة فيه، ثم نعرج لما نحن فيه. روى الزهري عن عروة بن الزبير أنه قال: كنت غلاما لي ذؤابتان، فقمت أركع ركعتين بعد العصر، فبصر بي عمر بن الخطاب ومعه الدرة، فلما رأيته فررت، فأحضر في طلبي، حتى تعلق بذؤابتي قال: فنهاني فقلت: يا أمير المؤمنين لا أعود (1). وعن عروة، قال: خرج عمر على الناس فضربهم على السجدتين بعد العصر حتى مر بتميم الداري - صاحب رسول الله (2) - فقال: لا أدعها، صليتها مع من هو خير منك: رسول الله. فقال عمر: ان الناس لو كانوا كهيئتك لا أبالي (3). وفي آخر: ان تميما ركع ركعتين بعد نهي عمر بن الخطاب عن الصلاة بعد العصر، فأتاه عمر فضربه بالدرة، فأشار إليه تميم أن اجلس - وهو في صلاته - فجلس عمر، ثم فرغ تميم من صلاته. فقال تميم لعمر: لم ضربتني؟ قال: لأنك ركعت هاتين الركعتين، وقد نهيت عنهما. قال: اني صليتهما مع من خير منك: رسول الله. فقال عمر: انه ليس بي، أنتم الرهط، ولكن أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون ما


(1) تهذيب الكمال 20: 23. (2) انظر ترجمته في تهذيب الكمال 4: 326. (3) مجمع الزوائد 2: 222، وكذا رواه أحمد.

[ 274 ]

بين العصر إلى المغرب حتى يمروا بالساعة التي نهى رسول الله أن يصلوا فيها كما وصلوا ما بين الظهر والعصر (1). فعروة بن الزبير حين فر من درة عمر ثم عاهده أن لا يعود إليها لا يعني ان جميع الصحابة كانوا يخضعون لاجتهادات الخليفة، وقد شاهدت موقف تميم الداري وعدم تراجعه عن سنة رسول الله، وتحمله للضرب وهو في الصلاة، وهكذا الحال بالنسبة إلى زيد بن خالد الجهني، فإن عمر قد رآه في خلافته يركع بعد العصر ركعتين فمشى إليه فضربه بالدرة وهو يصلي كما هو، فلما انصرف قال زيد: اضرب يا أمير المؤمنين، فوالله لا أدعهما أبدا بعد أن رأيت رسول الله يصليهما. فجلس إليه عمر وقال: يا زيد بن خالد لولا أني أخشى أن يتخذها الناس سلما إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما (2). وجاء عن السائب بن يزيد انه رأى عمر بن الخطاب يضرب المنكدر في الصلاة بعد العصر. وعن الأسود: ان عمر كان يضرب على الركعتين بعد العصر، ومما يؤيد موقف زيد بن خالد والمنكدر وعروة بن الزبير، ما قالته عائشة ورواه أنس بن مالك وأبو أيوب الأنصاري. فقد جاء عن عائشة انها قالت: (ما ترك النبي السجدتين بعد العصر عندي قط) (3). أو قولها: (لم يكن رسول الله يدعهما سرا ولا علانية) (4). أو قولها: (ما كان النبي يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين) (5).


(1) مجمع الزوائد 2: 222 - 223. (2) مجمع الزوائد 2: 223، وكذا رواه أحمد في مسنده والطبراني في الكبير. (3) صحيح البخاري 1: 153، صحيح مسلم 1: 572 / 299، النسائي 1: 281. (4) صحيح مسلم 1: 572 / 300، صحيح البخاري 1: 153، النسائي 1: 281. (5) صحيح البخاري 1: 154، صحيح مسلم 1: 572 / 301.

[ 275 ]

وقد قيل لها: قد كان عمر يضرب عليهما وينهى عنهما. فقالت: قد كان يصليهما وقد اعلم ان رسول الله كان يصليهما، ولكن قومك من أهل اليمن قوم طغام، يصلون الظهر والعصر، ويصلون العصر ثم يصلون ما بين العصر والمغرب وقد أحسن عمر. وجاء عن طاووس ان أبا أيوب الأنصاري كان يصلي قبل خلافة عمر ركعتين بعد العصر، فلما استخلف عمر تركهما، فلما توفي ركعهما. فقيل له: ما هذا؟ فقال: ان عمر كان يضرب عليهما. وأخرج مسلم عن المختار بن فلفل، قال: سألت أنس بن مالك عن التطوع بعد العصر؟ فقال: كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر، وكنا نصلي على عهد النبي ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب. فقلت له: أكان (ص) صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا (1). إن مسألة الصلاة بعد العصر، ليختلف أمرها عن الوضوء، وان تخوف الصحابة أو التابعين من أمثال أبي أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك، وعروة بن الزبير وغيرهم من درة عمر وامتناعهم عن الأتيان بها ليس بأمر مشكل، ذلك ان الصلاة بعد العصر هي صلاة نافلة يثاب من صلاها وفعلها جائز وتركها مباح. أما موضوع الوضوء فليس كذلك وهناك بون شاسع بين الفريضة والنافلة وبين الوضوء في عهد عثمان والصلاة في عهد عمر! وعلى ضوء ما تقدم نستبعد أن يكون عروة بن الزبير قد رجع عن رأيه في المسح على القدمين إلى القول بالغسل، وما أخذ به ابنه هشام ضعيف لما عرفت من حاله ولما قدمه من دليل وذكره من تعليل وهي القراءة القرآنية، علما بأنا سنثبت في الفصل الثاني من هذه الدراسة إن شاء الله، وجوه القراءات القرآنية في


(1) صحيح مسلم 1: 573 / 302.

[ 276 ]

الاية (الجر، النصب، الرفع) وما احتمله أعلام كل مذهب، نترك مناقشة الاراء فيها إلى الفصول اللاحقة، ولما يميل إليه ويستنتجه الذوق العربي السليم المتنزه عن العصبية. الحسن البصري والوضوء: هو من أعلام التابعين، حضر يوم الدار، وكان كاتبا للربيع بن زياد الحارثي والي خراسان من جهة عبد الله بن عامر. روى عن أناس كثيرين، ولم يسمع عن بعضهم مثل أبي بن كعب، وأبي هريرة، ومعقل بن سنان الأشجعي، وعمر بن الخطاب، وعمار بن ياسر، وعثمان بن أبي العاص الثقفي، وأسامة بن زيد الكلبي وثوبان (1) وغيرهم. وولي القضاء في زمن عمر بن عبد العزيز (2). قال أبو هلال الراسبي، عن خالد بن رباح الهذلي: سئل أنس بن مالك عن مسألة، فقال: سلوا مولانا الحسن قالوا: يا أبا حمزة نسألك، تقول سلوا الحسن مولانا؟ قال: سلوا مولانا الحسن، فإنه سمع وسمعنا، فحفظ ونسينا (3). وقال موسى بن إسماعيل: سمعت عمران يقول: قل ما كانا يختلفان في الفتيا وفي الشئ، يعني الحسن وسعيد بن المسيب (4). قال الذهبي في سير الأعلام: قال قائل: إنما أعرض أهل الصحيح عن كثير مما يقول فيه الحسن: عن فلان، وإن كان مما ثبت لقيه فيه لفلان المعين، لأن الحسن معروف بالتدليس، ويدلس عن الضعفاء، فيبقى في النفس من ذلك، فاننا وإن ثبتنا سماعه من سمرة، يجوز أن يكون لم يسمع فيه غالب النسخة التي عن


(1) راجع ترجمته في تهذيب الكمال 6: 96. (2) سير أعلام النبلاء 4: 588. (3) تهذيب الكمال 6: 104. (4) تهذيب الكمال 6: 108.

[ 277 ]

سمرة. والله العالم (1). كان هذا بعض الشئ عن الحسن البصري، وفي مدحه الكثير، وقد مر عليك سابقا كلام أنس بن مالك - خادم الرسول - وكيف كان يوصي الناس للأخذ عن مولانا الحسن!! قال الزهري: العلماء أربعة: ابن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، ومكحول بالشام (2). فالحسن كان له اتصال وثيق بالحكام، وصدور هذه الأقوال فيه إنما جاء لهذا الغرض، حتى قيل بأن السياسة الأموية كانت مبتنية على دعامتين: لسان الحسن وسيف الحجاج ولولاهما لوئدت الدولة المروانية! والان نتساءل عن موقفه في الوضوء، وهل انه كان يدعو إلى مسح الأرجل أم إلى غسلها، والنصوص المنقولة عنه تحتمل كلا الوجهين؟ جاء في الاحتجاج للطبرسي: عن ابن عباس قال: لما فرغ علي من قتال أهل البصرة، وضع قتبا على قتب ثم صعد عليه فخطب، فحمد الله وأثنى عليه، فقال: (يا أهل البصرة، يا أهل المؤتفكة، يا أهل الداء العضال، أتباع البهيمة، يا جند المرأة، رغا فأجبتم، وعقر فهربتم، ماؤكم زعاق، ودينكم نفاق، وأخلاقكم دقاق)، ثم نزل يمشي بعد فراغه من خطبته فمشينا معه، فمر بالحسن البصري وهو يتوضأ فقال: يا حسن إسبغ الوضوء. فقال: يا أمير المؤمنين، لقد قتلت بالأمس أناسا يشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، يصلون الخمس، ويسبغون الوضوء! فقال أمير المؤمنين: فقد كان ما رأيت، فما منعك أن تعين علينا عدونا؟ فقال: والله لأصدقنك يا أمير المؤمنين، لقد خرجت في أول يوم فاغتسلت وتحنطت وصببت علي، وأنا لا أشك في أن التخلف عن أم المؤمنين عائشة هو


(1) سير أعلام النبلاء 4: 588. (2) مقدمة تحفة الأحوذي: ص 359.

[ 278 ]

الكفر، فلما انتهيت إلى موضع من الخربة ناداني مناد: يا حسن، إلى أين؟! ارجع فإن القاتل والمقتول في النار، فرجعت ذعرا، وجلست في بيتي، فلما كان في اليوم الثاني، لم أشك ان التخلف عن أم المؤمنين عائشة هو الكفر، فتحنطت... وخرجت أريد القتال حتى انتهيت إلى موضع من الخربة، فناداني مناد من خلفي: يا حسن، ارجع فإن القاتل والمقتول في النار. قال علي:... أفتدري من ذلك المنادي؟ قال: لا. قال علي: ذاك أخوك إبليس، وصدقك ان القاتل والمقتول منهم في النار. فقال الحسن البصري: الان عرفت يا أمير المؤمنين أن القوم هلكى (1). وفي أمالي المفيد، عن الحسن البصري: لما قدم علينا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب البصرة مر بي وأنا أتوضأ، فقال: يا غلام، أحسن وضوءك يحسن الله إليك، ثم جازني، فأقبلت أقفو أثره، فحانت مني التفاتة، فنظر إلي فقال: يا غلام، ألك حاجة؟ قلت: نعم، علمني كلاما ينفعني الله به. فقال: يا غلام، من صدق الله نجا، ومن أشفق على دينه سلم من الردى، ومن زهد من الدنيا قرت عينه بما يرى من ثواب الله.. (2) إلى آخر الخبر. فعلى خبر الاحتجاج، وما نقلناه عنه من حضوره يوم الدار، وتعاطفه مع الأمويين، يحتمل أن يكون الحسن البصري من الدعاة إلى الغسل ومن المستفيدين من مصطلح أسبغ الوضوء للتدليل عليه، وان الأمام عليا أراد بقوله: (يا حسن أسبغ الوضوء) أراد الأزدراء والتنقيص بما يذهب إليه الحسن في الوضوء. لكن هذا الاحتمال في غاية البعد، إذ لا يتوائم ذلك مع خلق الأمام، بل وعلى ضوء النصوص اللاحقة يتأكد العكس، إذ ان الحسن كان من المقلين في


(1) الاحتجاج: 171. (2) أمالي المفيد: 77.

[ 279 ]

ماء الوضوء، والأمام علي جاء يؤكد على لزوم الأسباغ وإحسان الوضوء وإعطاء الوضوء حقه. فقد جاء في مصنف ابن أبي شيبة وعبد الرزاق، انه كان يقول بالمسح على القدمين. حدثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن، انه كان يقول: إنما هو المسح على القدمين. وكان يقول: يمسح ظاهرهما وباطنهما (1). وجاء في مصنف عبد الرزاق: عن معمر، عن قتادة، عن عكرمة والحسن قالا في هذه الاية: يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين (2). قالا: تمسح الرجلين (3). قال الجصاص: قرأها الحسن بالخفض، وتأولوها على المسح (4). وقولنا السابق أن الحسن كان له اتصال وثيق بالحكام، أو أنه ولي القضاء في زمن عمر بن عبد العزيز وغيرها، لا يعني أن جميع أرائه مستقاة من السلطان، بل ان دوره في الفقه كان كدور سفيان الثوري وأبي حنيفة وأمثالهما من الذين كانت لهم شخصية علمية مستقلة، وان تعاطف هؤلاء العلماء مع الدولة كان تارة لأجل خوفهم من الاصطدام بالسلطة، وأخرى لتقارب وجهات النظر بينهما، وإليك هذا النص عن الحسن البصري لتقف على الحقيقة أكثر. قال محمد بن موسى الحرش: حدثنا ثمامة بن عبيدة، قال: حدثنا عطية بن محارب، عن يونس بن عبيد، قال: سألت الحسن، قلت: يا أبا سعيد إنك تقول: قال رسول الله، وانك لم تدركه!


(1) المصنف، لابن أبي شيبة 1: 30 ب 17 ح 2. (2) المائدة: 6. (3) المصنف 1: 18 ح 53. (4) أحكام القرآن 2: 345.

[ 280 ]

قال: يا ابن أخي، لقد سألتني عن شئ ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك، اني في زمان كما ترى - وكان في عمل الحجاج - كل شئ سمعتني أقول: قال رسول الله، فهو علي بن أبي طالب، غير اني في زمان لا أستطيع أن أذكر عليا (1). وقد اشتهر عنه أنه عندما كان يريد التحديث عن علي يقول: قال أبو زينب. وبعد أن نقلنا هذا النص عنه والنصوص الأخرى، ينبغي أن ندرس أحاديث الحسن البصري - كغيرها من أقوال الأعلام - لتبين لنا أنها تحت أي ظروف صدرت، إذ عرفت بأنه كان يتخوف - في كثير من الأحيان - من السلطة ولا يحدث عن علي إلا كناية، فلا يستبعد أن تكون بعض آرائه صدرت تحت ظروف سياسية خاصة، وأنه كان لا يؤمن بها ويخشى من نسبة تلك الأخبار إليه، وان أمره لابنه بحرق كتبه دليل عليها نقل الذهبي في سير الأعلام: عن موسى بن إسماعيل: حدثنا سهل بن الحصين الباهلي، قال: بعثت إلى عبد الله بن الحسن البصري، ابعث إلي بكتب أبيك، فبعث إلي أنه لما ثقل، قال لي: اجمعها، فجمعتها له وما أدري ما يصنع بها فأتيت بها. فقال للخادم: اسجري التنور، ثم أمر بها فأحرقت غير صحيفة واحدة، فبعث بها إلي وأخبرني انه كان يقول: ارو ما في هذه الصحيفة، ثم لقيته بعد، فأخبرني به مشافهة بمثل ما أدى الرسول (2). يتحصل مما تقدم أن الحسن البصري كان من كبار التابعين القائلين بالمسح، ومن كلامه نستشف انه من القائلين بتثنية الغسلات. قال الجصاص - بعد كلامه الأول -: والمحفوظ عن الحسن البصري استيعاب الرجل كلها بالمسح، ولست أحفظ عن غيره ممن أجاز المسح من السلف هو على


(1) تهذيب الكمال 6: 124. (2) سير أعلام النبلاء 4: 584.

[ 281 ]

الاستيعاب أو على البعض (1). إبراهيم النخعي والوضوء: جاء في طبقات ابن سعد (ترجمة إبراهيم): 1 - قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا فضيل بن عياض عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: من رغب عن المسح فقد رغب عن السنة، ولا أعلم ذلك إلا من الشيطان. قال فضيل: يعني تركه المسح. 2 - قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثني جعفر الأحمر عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: من رغب عن المسح فقد رغب عن سنة النبي (ص) (2). فالمعروف عن النخعي انه كان مواليا لأهل البيت ومشايعا لهم وقد عاش أغلب حياته في الكوفة قال عنه الأستاذ رواس قلعة چي: ان التقوى التي تمكنت في قلب النخعي وحرصه على اتباع رسول الله فرض عليه أن ينهج نهجا سياسيا معينا، فكان في صف آل بيت رسول الله الذين يمثلهم آنذاك علي بن أبي طالب (3). وكلامنا هذا لا يعني أن جميع الأقوال المنسوبة إليه كانت مستقاة من علي، بل قد يكون بين تلك الأقوال ما نسب إليه ولم يقل به، وقد يكون فيها ما أخطأ في استنباطه، لكن الذي تلزم الأشارة إليه هو دوره المخالف للحجاج الثقفي - الداعي للوضوء الغسلي - وأنه قد انضم إلى ثورة الأشعث ضده وأفتى بجواز لعنه (4). وان عدم رواية الأمام مالك في موطئه - برواية يحيى بن يحيى الليثي - حديثا


(1) أحكام القرآن، للجصاص 2: 345. (2) الطبقات الكبرى، لابن سعد 6: 275. (3) موسوعة فقه إبراهيم النخعي 1: 139. (4) طبقات الكبرى، لابن سعد 6: 279.

[ 282 ]

واحدا لإبراهيم النخعي، وغياب اسمه بين رجال الموطأ في كتاب (إسعاف المبطأ برجال الموطأ) للسيوطي رغم جلالة قدره وكونه صيرفي الحديث (1) لدليل على دور أيدي السياسة في الحديث والفقه. وهكذا الحال بالنسبة إلى رؤيته عن أبي هريرة. قال الذهبي: ونقموا عليه - أي على إبراهيم - لقوله: لم يكن أبو هريرة فقيها (2). وكان يقول: كان أصحابنا يدعون حديث أبي هريرة. وقال: ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة إلا ما كان من صفة جنة أو نار أو حث على عمل أو نهي عن شر جاء في القرآن (3). ولم يختص إبراهيم فيما قاله عن أبي هريرة بل قال ذلك طائفة أخرى من الكوفيين (4). هذا والمعروف عن إبراهيم النخعي انه كان تلميذ علقمة بن قيس، والأخير كان من أنصار علي في معركة صفين وقد أصيب أخوه في تلك المعركة، وقد وصف النخعي أستاذه علقمة بقوله: شهد علقمة صفين مع علي وخضب سيفه وعرجت رجله وأصيب أخوه - أبي الصلاة - وكان يسمى أبي الصلاة لكثرة صلاته (5). واشتهر علقمة بترسمه لخطى عبد الله بن مسعود، فكان يشبهه في هديه ودله وسمته (6) فأثر ذلك في إبراهيم، فكان يترسم خطى علقمة، فكان يشبه ابن مسعود أيضا، ولذلك قالوا: إذا رأيت علقمة فلا يضرك أن لا ترى عبد الله أشبه


(1) انظر: تهذيب التهذيب 10: 314، الجرح والتعديل 2: 144 - 145. (2) انظر: ميزان الاعتدال 1: 75. (3) البداية والنهاية 8: 113. (4) البداية والنهاية 8: 113. (5) طبقات الكبرى، لابن سعد 6: 88. (6) تذكرة الحفاظ 1: 48، وموسوعة فقه إبراهيم النخعي 1: 163، عن العبر 1: 67.

[ 283 ]

الناس به سمتا وهديا، وإذا رأيت إبراهيم فلا يضرك أن لا ترى علقمة (1). وبهذا ثبت أن نهج علقمة وابن مسعود وإبراهيم واحد، ولو قارنا الواحد منهم إلى الاخر لحصل لدينا ان إبراهيم النخعي يقول بالمسح إذ ان عبد الرزاق روى في مصنفه عن معمر عن قتادة: ان ابن مسعود قال: رجع إلى غسل القدمين في قوله: وأرجلكم إلى الكعبين (2). وفي نقل هذا المعنى عن ابن مسعود عناية، اما أن يراد به انه أرجع الضمير في أرجلكم إلى الغسل وكونها معطوفة على الوجوه والأيدي لا على الرؤوس حتى يمكن الاستدلال عليها في المسح، وفي هذا بحث مفصل بين الأعلام سنتعرض إليه في الفصل الثاني من هذه الدراسة إن شاء الله تعالى، ولكن المتبادر من الجملة ليس هذا. إما أن يراد منه ان ابن مسعود رجع إلى القول بالغسل بعد أن كان يقول بالمسح. ولو صح هذا فأين قوله بالجواز حتى نقول انه قد رجع عنها يا ترى؟! نعم، انها أقوال متناثرة لو قرن بعضها الى بعض لحصلنا على النتيجة. فقد روي عن إبراهيم النخعي كرهه الأسراف في الوضوء وعدم لزوم تخليل اللحية والدلك فيها، وكان يقول: تشديد الوضوء من الشيطان لو كان فضلا لأوثر به أصحاب محمد (ص) (3). أو قوله: لم يكونوا يلطمون وجوههم بالماء، وكانوا أشد استبقاء للماء منكم في الوضوء، وكانوا يرون أن ربع المد يجزي من الوضوء، وكانوا أصدق ورعا وأسخى نفسا وأصدق عند البأس (4). وفي قوله هذا تعريض بالذين يزيدون في الوضوء ويلتمسون الفضل بالغسل! وقد قال عنهم: من رغب عن المسح، فقد رغب عن السنة، ولا أعلم


(1) تهذيب التهذيب 7: 177. (2) المصنف 1: 20. (3) انظر: المغني 1: 117، كنز العمال 9: 473 / 27024. (4) كنز العمال 9: 473 / 20726.

[ 284 ]

ذلك إلا من الشيطان. وبذلك كان يريد أن يدلل على أن فعله تابع لفعل الصحابة وانه من أنصار مدرسة التعبد المحض لا الرأي والاجتهاد، فإنه لو رأى الصحابة قد مسحوا على ظفر لمسح عليها فقط، ولا يعمم المسح إلى جميع الرجل أو يتعدى فيها إلى الغسل، فاستمع لما رواه أبو حمزة عن إبراهيم، انه قال: لو ان أصحاب محمد (ص) لم يمسحوا إلا على ظفر ما غسلته التماس الفضل، وحسبنا من إزراء على قوم أن نسأل عن فقههم ونخالف أمرهم (1). وسيتضح لك حال ابن مسعود وموقفه من السنة في الفصل الأول من هذه الدراسة إن شاء الله تعالى. الشعبي قال السيوطي: أخرج عبد الرزاق بن جاروه، وابن أبي شيبة - في سننه -، وعبد بن حميد، وابن جرير في - تفسيره -، عن الشعبي، انه قال: نزل جبرئيل بالمسح على القدمين، ألا ترى أن التيمم أن تمسح ما كان غسلا، ويلغى ما كان مسحا (2). أخرج الطبري بسنده، عن ابي خالد، إنه: كان يقرأ الشعبي وأرجلكم بالخفض (3). وقال قبلها: إن جماعة من قراء الحجاز والعراق قرأوا: وأرجلكم في الاية بخفض الأرجل، وتأولها: إن الله إنما أمر عباده بالمسح للرجلين في الوضوء دون الغسل.. فذكر أسماءهم، وذكر من جملتهم عامر الشعبي (4). وقد أخرج عبد الرزاق بسنده الى الشعبي انه قال: (أما جبرئيل فقد نزل


(1) طبقات الكبرى، لابن سعد 6: 274. (2) الدر المنثور 2: 262، المصنف 1: 30 / 7، تفسير الطبري 6: 82. (3) تفسير الطبري 6: 83. (4) تفسير الطبري 6: 82.

[ 285 ]

بالمسح على القدمين) (1). وقال النيسابوري: اختلف الناس في مسح الرجلين وغسلها، فنقل القفال في تفسيره، عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وعكرمة، والشعبي: إن الواجب فيهما المسح، وهو مذهب الأمامية. ثم قال: وحجة من أوجب المسح قراءة الجر في أرجلكم عطفا على رؤوسكم، ولا يمكن أن يقال: إنه كسر على الجوار، كما في قوله: حجر ضب خرب لأن ذلك لم يجئ في كلام الفصحاء، وفي السنة وأيضا إنه جاء: لا لبس ولا عطف بخلاف الاية (2). فالشعبي - كما قرأت - كان يقول بالمسح رغم كل الضغوط السياسية والاجتماعية الحاكمة آنذاك. فقد أخرج أبو نعيم بسنده، عن الشعبي، أنه قال: أتي بي إلى الحجاج موثقا، فلما انتهيت الى باب القصر، لقيني يزيد بن أبي مسلم، فقال: إنا لله يا شعبي! لما بين دفتيك من العلم، وليس بيوم شفاعة، بوء للأمير بالشرك والنفاق على نفسك، فبالحري أن تنجو. ثم لقيني محمد بن الحجاج فقال لي مثل مقالة يزيد. فلما دخلت عليه، قال: وأنت يا شعبي فيمن


(1) المصنف، لعبد الرزاق 1: 19 / 56. (2) تفسير غرائب القرآن (تفسير الطبري 6): 73 - 74.

[ 286 ]

خرج علينا وكثر؟ قلت: أصلح الله الأمير، أحزن بنا المنزل... ثم سأله الحجاج عن الفريضة في الأخت، وأم الجد؟ فأجابه الشعبي باختلاف خمسة من أصحاب الرسول فيها: عثمان، زيد، ابن مسعود، علي، ابن عباس.. ثم بدأ بشرح كلام ابن عباس. فقال له الحجاج: فما قال فيها أمير المؤمنين - يعني عثمان -؟ فذكرها له. فقال الحجاج: مر القاضي فليمضها على ما أمضاها عليه أمير المؤمنين عثمان (1). هذه هي سياسة الحكومة، معلنة صريحة، فالذي يجب أن يتبعه القاضي ويفتي به في المنازعات، هو رأي عثمان لا غير!! وقول الحجاج (وأنت يا شعبي فيمن خرج علينا وكثر) إشارة إلى أنه خرج على طاعة السلطان وأخذ يفتي الناس ناقلا آراء الاخرين بجنب رأي عثمان، وقد عرفت عنه أنه كان لا يحبذ الأخذ بالرأي، بل يؤكد على لزوم اتباع المأثور، وإن كان يقول بها تحت ظروف خاصة، وستقف في الفصل الثاني على سياسة الحكام أكثر مما قلناه، وأنهم كانوا لا يحبذون نقل حديث رسول الله، بل يفضلون نقل اجتهادات الشيخين لقول عثمان عن السنة (إلا ما عمل في زمن الشيخين) ولثبات سياسة الحكام بتقوية مكانة الصحابة واعتبارهم عدولا يجب الأخذ بقولهم، وأن نقل الحديث المخالف لاجتهادات الصحابة كان مما يغضب السلطان! وأن كلام يزيد بن مسلم، لما لقيه عند باب القصر (لله يا شعبي لما بين دفتيك من العلم)، وقول الشعبي: (انما هلكتم بأنكم تركتم الاثار، وأخذتم بالمقاييس) (2)


(1) حلية الأولياء 4: 325. (2) حلية الأولياء 4: 320.

[ 287 ]

إشارة إلى هذه الحقيقة.. فلو كان الشعبي قد رأى بين الاثار الموجودة عنده ما يصفه عثمان من وضوء رسول الله، لما قال: (نزل جبرئيل بالمسح على القدمين)! ولأدى ما عليه من الفضل لعبد الملك بن مروان، الذي ثبت في التاريخ أنه كان حظيا عنده. إن إصرار الشعبي على المسح إذن، دليل على أصالته، وأنه وضوء رسول الله، وكبار الصحابة.. لا إنه وضوء علي والرافضة - كما يدعون - فقط. بعد هذا كله، كيف يتأتى للشعبي - وقد انخرط في سلك الدولة - أن يتوضأ بوضوء علي، وهو الذي أقسم بالله بأن عليا دخل حفرته وما حفظ القرآن (1).. بل وقد كذب كل من نادى بحب علي أو أشار إلى مناقبه وفضائله، كما فعله مع الحارث الهمداني وغيره؟! عكرمة أخرج الطبري في تفسيره بسنده، عن يونس، أنه قال: حدثني من صحب عكرمة إلى واسط، قال: فما رأيته غسل رجليه [ إنما كان ] يمسح عليهما حتى خرج منها (2). وبسنده، عن عبد الله العتكي، عن عكرمة، أنه قال: ليس على الرجلين غسل، إنما نزل فيهما المسح (3). وقال القرطبي - بعد كلام طويل -:... وكان عكرمة يمسح رجليه، وقال: ليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح (4). وقال الرازي في تفسيره (ما مضمونه): ذهب عكرمة إلى وجوب المسح في


(1) القرطين، لابن مطرف الكناني 1: 158، وعنه في البيان للسيد الخوئي: 537. (2) تفسير الطبري 6: 83. (3) تفسير الطبري 6: 82، وانظر: المصنف، لعبد الرزاق 1: 19 / 55. (4) تفسير القرطبي 6: 92.

[ 288 ]

الرجلين دون غسلهما (1). وفي تفسير النيسابوري: اختلف الناس في مسح الرجلين، والمنقول عن عكرمة: إن الواجب فيهما المسح (2). أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن عكرمة والحسن، قالا في هذه الاية يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم الى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم الى الكعبين قالا: تمسح الرجلين (3). وعنه عن ابن عباس قال: افترض الله غسلتين ومسحتين، ألا ترى انه ذكر التيمم فجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين، وقال رجل لمطر الوراق: من كان يقول المسح على الرجلين؟ فقال: فقهاء كثيرون (4). قال الجصاص، في أحكام القرآن: قرأ ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وحمزة، وابن كثير: وأرجلكم بالخفض، وتأولوها على المسح (5). وقد نقل الخطيب في الفقيه والمتفقه أن عكرمة أنكر مسح الخفين فقلت له: ان ابن عباس بلغني أنه كان يمسح؟ قال عكرمة: ابن عباس إذا خالف القرآن لم يؤخذ به (6). ومن هذا الكلام نفهم أصالة المسح، ووجود ترابط بين القول بالمسح على الرجلين وإنكار المسح على الخفين! وعلى ضوء ما سبق استبان أن عداوة عكرمة لعلي وشيعته لم تقل عن الشعبي، وان موقفه من الوضوء لدليل واضح على أن وضوء علي هو وضوء


(1) التفسير الكبير، للرازي 11: 161. (2) تفسير غرائب القرآن (تفسير الطبري) 6: 73. (3) المصنف لعبد الرزاق 1: 18 / 53. (4) المصنف لعبد الرزاق 1: 19 / 54. (5) أحكام القرآن 2: 345. (6) الفقيه والمتفقه 1: 76.

[ 289 ]

رسول الله، إذ لو كان الوضوء المسحي هو وضوء علي وحده لما تبعه رجال من أمثال الشعبي وعكرمة أبدا، لأن المعروف عن عكرمة أنه أول من نشر رأي الخوارج في المغرب، وهو القائل بأن قوله تعالى: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (1) نزلت في أبي بكر، خلافا لجميع المفسرين (2)، وهو القائل أيضا بأن آية التطهير نزلت في نساء النبي، واشتهر عنه انه كان يصيح في الأسواق: ليس كما تذهبون إليه، إنما نزلت في نساء النبي، كما كان يدعو الناس - من بغضه لعلي وأهل بيته - الى المباهلة في آية التطهير (3). ولم يوافقه في ذلك إلا مقاتل بن سليمان ونفر آخر، وله أحاديث أخرى كلها تدلل على بغضه وانتقاصه من علي. وقد نقل ابن أبي الحديد عن أبي جعفر الاسكافي: ان عروة بن الزبير كان من الذين استخدمهم معاوية لرواية أخبار قبيحة في علي تقتضي الطعن فيه والبراءة منه. وقد مر عليك كلام الزهري في عروة وعائشة وانه يتهمها في علي! وعليه، فإن مجئ أسماء أناس، كأنس بن مالك، والشعبي، وعكرمة، وعروة ابن الزبير وغيرهم في سجل الوضوء الثنائي المسحي، يقوم دليلا على أصالة هذا الخط، وأن هذا الوضوء هو وضوء رسول الله حقا. محمد بن علي الباقر أخرج الكليني بسنده، عن زرارة، قال: قال أبو جعفر (ع): (ألا أحكي لكم وضوء رسول الله)؟


(1) المائدة: 55. (2) تفسير ابن كثير 2: 119، تفسير القرطبي 6: 221، تفسير الطبري 6: 186، الكشاف 1: 649. (3) تفسير الطبري 22: 7 - 8، تفسير القرطبي 14: 182 - 184.

[ 290 ]

فقلنا: بلى. فدعا بقعب فيه شئ من ماء، فوضعه بين يديه، ثم حسر عن ذراعيه، ثم غمس فيه كفه اليمنى، ثم قال: (هكذا، إذا كانت الكف طاهرة)، ثم غرف ملأها ماء، فوضعها على جبينه، ثم قال: (بسم الله) وسدله على أطراف لحيته. ثم أمر يده على وجهه وظاهر جبينه، مرة واحدة. ثم غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها. ثم وضعه على مرفقه اليمنى، فأمر كفه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه. ثم غرف بيمينه ملأها، فوضعه على مرفقه اليسرى، فأمر على كفه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه، ومسح مقدم رأسه، وظهر قدميه، ببلة يساره، وبقية بلة يمناه (1). وفيه، عن عمر بن أذينة، عن زرارة وبكير، أنهما سألا أبا جعفر (ع) عن وضوء رسول الله.. فدعا بطست، أو تور فيه ماء، فغمس يده اليمنى، فغرف بها غرفة، فصبها على وجهه، فغسل بها وجهه، ثم غمس كفه اليسرى، فغرف بها غرفة، فأفرغ على ذراعه اليمنى، فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكف، لا يردها إلى المرافق، ثم غسل كفه اليمنى، فأفرغ بها على ذراعه اليسرى من المرفق، وصنع بها مثل ما صنع باليمنى، ثم مسح رأسه، وقدميه، ببلل كفه، لم يحدث لهما ماء جديدا، ثم قال: (ولا يدخل أصابعه تحت الشراك). قال: ثم قال: (إن الله يقول: با أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم فليس له أن يدع شيئا من وجهه إلا غسله، وأمر بغسل اليدين إلى المرفقين، فليس له أن يدع من يديه إلى المرفقين شيئا إلا غسله، لأن الله تعالى يقول: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، ثم قال: وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين، فإذا مسح بشئ من رأسه أو بشئ من قدميه، ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع، فقد أجزأه). قال: فقلنا: أين الكعبان؟ قال: ها هنا.. يعني: المفصل دون عظم الساق.


(1) الكافي 3: 25 / 4.

[ 291 ]

فقلنا: هذا ما هو؟ فقال: هذا عظم الساق، والكعب أسفل من ذلك (1). ورواه الشيخ الطوسي في التهذيب والاستبصار مع اختلاف في بعض الألفاظ (2). وأخرج الطوسي بسنده، عن ميسر، عن أبي جعفر (ع)، قال: (ألا أحكي لكم وضوء رسول الله؟.. ثم أخذ كفا من ماء فصبها على وجهه، ثم أخذ كفا فصبها على ذراعه، ثم أخذ كفا آخر فصبها على ذراعه الأخرى، ثم مسح رأسه وقدميه، ثم وضع يده على ظهر القدم، ثم قال:) هذا هو الكعب (.. قال: راويا بيده إلى أسفل العرقوب، ثم قال:) إن هذا هو الظنبوب (3). وأخرج الكليني بسنده، عن محمد بن مسلم، عن الباقر (ع)، إنه قال:) ألا أحكي لكم وضوء رسول الله؟ قلت: بلى. قال: فأدخل يده في الأناء ولم يغسل يده، فأخذ كفا من ماء فصبه على وجهه، ثم مسح جانبه حتى مسحه كله، ثم أخذ كفا آخر بيمينه فصبه على يساره، ثم غسل به ذراعه الأيمن، ثم أخذ كفا آخر فغسل به ذراعه الأيسر، ثم مسح رأسه ورجليه بما بقي في يديه (4). وبسنده، عن زرارة، قال: حكى لنا أبو جعفر (ع) وضوء رسول الله.. فدعا بقدح، فأخذ كفا من ماء فأسدله على وجهه ثم مسح وجهه من الجانبين جميعا، ثم أعاد يده اليسرى في الأناء فأسدلها على يده اليمنى ثم مسح جوانبها، ثم أعاد اليمنى في الأناء فصبها على اليسرى، ثم صنع بها كما صنع باليمنى، ثم مسح بما


(1) الكافي 3: 25 / 5. (2) التهذيب 1: 56 / 158، الاستبصار 1: 57 / 168. (3) التهذيب 1: 75 / 190. (4) الكافي 3: 24 / 3.

[ 292 ]

بقي في يده رأسه ورجليه، ولم يعدهما في الأناء (1). تلخص توقفنا النصوص السابقة على أمرين: 1 - استمرار اختلاف المسلمين في صفة وضوء رسول الله حتى عهد الأمام الباقر (الذي توفى سنة 114 ه‍)، حيث نرى زرارة وبكير يسألانه عن وضوء رسول الله، أو نرى الباقر يحكي لهم ذلك الوضوء (حكى لنا أبو جعفر وضوء رسول الله) أو قوله (ألا أحكي لكم وضوء رسول الله).. ففي الجملتين دلالة على أهمية طرح هذا الوضوء في ذلك العصر الذي ضاعت فيه تعاليم السماء بحيث كان أنس وغيره من الصحابة يبكون على حال الشريعة!.. لأن الناس - وعلى مر الأيام - أخذوا يتطبعون شيئا فشيئا بسيرة الحكام، رغبة أو رهبة، إذ ليس بين المتبقين من الصحابة من بإمكانه الوقوف أمام اجتهادات الحكام، بل أخذ الناس في تدوين السنة حسبما يرتضيه الحكام! وقد أراد الأمام محمد بن علي الباقر أن يحكي وضوء رسول الله لبعض أصحابه، لتبقى وثيقة تاريخية تشريعية في تاريخ المسألة، وليرتفع اللبس والخلط بين الناس، بوقوفهم على حقيقة صفة وضوء رسول الله (ص) وسيرة أهل بيته فيه!! 2 - عرفنا على ضوء ما تقدم أن للوضوء الثنائي المسحي أصالة.. حيث نرى أنس بن مالك والشعبي وعكرمة وعروة رغم مخالفتهم لعلي بن أبي طالب، قد رووا هذا الوضوء عن الرسول، وراؤه انه هو المنزل من السماء لا غير، وأن الحكام - رغم اتباعهم سياسة العنف في ترسيخ الشريعة التي يرغبون تطبيقها (من قال برأسه كذا، قلنا بسيفنا كذا) - لم يتمكنوا من مجابهة الوضوء المسحي، ولا نرى (التقية) تعمل - في الوضوء - عند أئمة أهل البيت حتى أواخر عهد الأمويين، ومن يراجع مرويات الباقر في الكتب الحديثية الأربعة يجد الأمام يصف وضوء رسول الله وهو غير مكترث بما قيل أو يقال، وأن الأمويين كانوا يجاملون الصحابة


(1) الكافي 3: 24 / 1، التهذيب 1: 55 / 157.

[ 293 ]

والتابعين، كأنس بن مالك ومحمد بن علي الباقر وعبد الله بن عباس في وضوئهم ولم يواجهوهم بالعنف، كما كانوا يواجهون الاخرين، وقد وقفت على حديث أبي مالك الأشعري، وكيف كان خائفا من بيان وضوء النبي أو صلاته لقومه. حتى وصل الأمر بالناس - في الوضوء - أن يعترضوا على فقهاء الدولة لمنعهم مسح الرجلين، متخذين اعتقاد الغالبية بمشروعيته أسلوبا في المواجهة. فقد أخرج عبد الرزاق عن ابن جريح، قال: قلت لعطاء: لم لا أمسح بالقدمين كما أمسح بالرأس، وقد قالها جميعا؟ قال: لا أراه إلا مسح الرأس وغسل القدمين، اني سمعت أبا هريرة يقول: ويل للأعقاب من النار. قال عطاء: وان أناسا ليقولون هو المسح، وأما أنا فأغسلهما (1). وأخرج الطحاوي عن عبد الملك قال: قلت لعطاء: أبلغك عن أحد من أصحاب رسول الله انه مسح القدمين؟ قال: لا (2). وترى عطاء يبت في أن (الكعبين) داخلان في الغسل، مع علمه بأن هذا يخالف جمعا غفيرا من الصحابة، لسؤالهم إياه: لم لا أمسح بالقدمين كما أمسح بالرأس، وقد قالها جميعا؟ فيقول لأبي جريح عندما سأله: قوله وأرجلكم الى الكعبين ترى الكعبين فيما يغسل من القدمين؟ قال: نعم، لا شك فيه (3). وقد أخرج عبد الرزاق عن محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة عن عثمان ابن أبي سويد انه ذكر لعمر بن عبد العزيز المسح على القدمين فقال: لقد بلغني عن ثلاثة من أصحاب محمد، أدناهم ابن عمك المغيرة بن شعبة، أن النبي غسل


(1) المصنف لعبد الرزاق 1: 20 / 58. (2) شرح معاني الاثار 1: 41 / 220. (3) المصنف، لعبد الرزاق 1: 25 / 78.

[ 294 ]

قدميه (1). وهناك نصوص كثيرة من هذا القبيل تدل جميعا على وجود خيوط ومؤشرات لكلا الاتجاهين، وأن الخلفاء ومن يدور في مدارهم كانوا يؤكدون على الغسل ويعتبرونه سنة رسول الله، أما الناس فكانوا يعترضون على عطاء، - فقيه الحكومة - ويذكرون مشروعية المسح على القدمين عند عمر بن عبد العزيز - خليفة المسلمين - سنوضح في الفصل الثاني من هذه الدراسة دور عبد الله بن عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وغيرهما ممن كانوا على اتصال بيهود المدينة في الوضوء وكيف كانوا يسعون لترسيخ وضوء عثمان بن عفان. هذا وان حالة المداراة للصحابة أو التابعين في الوضوء لم تستمر كثيرا بل نرى سياسة الحكام تتغير في العهد العباسي، حيث نرى ظاهرة التقية تجري في بعض روايات الصادق والكاظم، وهذا يجديدة في العهد العباسي، وستقف - بعد قليل - على أصول تلك السياسة. وبذلك.. فقد عرفنا مشروعية المسح، وأن جمعا غفيرا من الصحابة والتابعين كانوا يمسحون على أرجلهم ناسبين ذلك الفعل إلى رسول الله (ص) وليس الى علي! وقد ذكرنا أسماء عشرة منهم، وها نحن نضيف إليهم آخرين: 11 - أبو مالك الأشعري. 12 - عباد بن تميم المازني. 13 - تميم بن زيد المازني. 14 - عبد الله بن زيد المازني (2). 15 - عروة بن الزبير. 16 - الحسن البصري. 17 - إبراهيم النخعي. 18 - علقمة بن قيس.


(1) المصنف لعبد الرزاق 1: 21 / 61، والكنز تحت رقم 2197. (2) حسبما رواه ابن أخيه عنه في شرح معاني الاثار، وما جاء عنه في المصنف لابن أ بي شيبة.

[ 295 ]

19 - عبد الله بن مسعود. 20 - أوس بن أبي أوس الثقفي. 21 - رفاعة بن رافع. 22 - الشعبي. 23 - عكرمة. 24 - محمد بن علي الباقر. وهنا.. نعاود السؤال: لماذا يرمى القائلون بالمسح بالزندقة، إن كان ذلك الفعل صحيح النسبة إلى النبي (ص) وأتى به كبار الصحابة والتابعين؟! وما يعني هذا التهجم على الرافضة أو الشيعة.. ألم يكونوا معذورين في فعلهم باتباعهم سنة النبي (ص)؟! ولم يرمونهم بالضلالة والبدعة.. أتقديرا لثباتهم على خط السنة النبوية، أم استنصارا للعصبية وطاعة للسلطة؟!

[ 297 ]

وضوء الزيدية لرب سائل يسأل: كيف يمكن الاطمئنان إلى استنتاجكم، ونحن نرى الزيدية يتوضؤون وفق ما رووه عن الأمام زيد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن رسول الله: وأن رسول الله توضأ وفق ما حكاه عثمان بن عفان، ولا ينكر أحد كون زيد من العترة، ومن فقهاء أهل البيت، ومن معارضي الحكومة الأموية.. فلو صح تحليلكم، وكان وضوء الخليفة عثمان بن عفان عبارة عن تشريع سياسي، فكيف يتوضأ الأمام زيد بوضوئهم وهو المعروف بخروجه عليهم بالسيف؟ وحدة المرويات عند العلويين ثبت في التاريخ إن بني علي بن أبي طالب - الحسنيين منهم والحسينيين سواء - كانوا على فقه واحد، ولم يختلفوا في الأحكام، ولو راجعنا التاريخ لوقفنا على صحة المدعى، وهناك نصوص كثيرة تؤكد على أن فقه الطالبيين كان غير فقه الحكام، هذا وقد أيد بعض كبار الصحابة مواقف الطالبيين، لا لأنها علوية، بل لما ثبت عندهم بأن ذلك الفعل قد صدر عنه (ص)، وإليك بعض النصوص: 1 - وقت العصر عند الطالبيين: جاء في مقاتل الطالبيين: بأن رجلا عرض على الرشيد، فقال: يا أمير المؤمنين، نصيحة! فقال لهرثمة: إسمع ما يقول! قال الرجل: يا أمير المؤمنين، إنها في أسرار الخلافة. فأمره أن لا يبرح، ثم خلى به واستمع إلى خبره... قال الرجل: كنت في خان من خانات حلوان، فإذا بيحيى بن عبد الله بن الحسن ابن علي في دراعة صوف غليظة، وكساء صوف أحمر غليظ، ومعه جماعات

[ 298 ]

ينزلون إذا نزل، ويرتحلون إذا ارتحل، ويكونون معه ناحية، فيوهمون من رآهم إنهم لا يعرفونه، وهم أعوانه! مع كل واحد منهم منشور بياض يؤمن به إن عرض له. قال: أو تعرف يحيى؟ قال: قديما، وذلك الذي حقق معرفتي بالأمس له. قال: فصفه لي. قال: مربوع، أسمر، حلو السمرة، أجلح، حسن العينين، عظيم البطن. قال: هو ذاك، فما سمعته يقول؟ قال: ما سمعته يقول شيئا، غير أني رأيته ورأيت غلاما له أعرفه، لما حضر وقت صلاته، أتاه بثوب غسيل، فألقاه في عنقه، ونزع جبته الصوف ليغسلها، فلما كان بعد الزوال، صلى صلاة ظننتها العصر، أطال في الأولتين، وحذف الأخيرتين. فقال له الرشيد: لله أبوك! لجاد ما حفظت؟.. تلك صلاة العصر، وذلك وقتها عند القوم، أحسن الله جزاءك، وشكر سعيك، فما أنت؟ وما أصلك؟ فقال: أنا رجل من أبناء هذه الدولة، وأصلي مرو، ومنزلي بمدينة دار السلام، فأطرق مليا، ثم قال... (1) - الخبر -. يفهم هذا النص أن الخلاف الفقهي بين الخليفة وبني الحسن كان هو المعيار الشاخص في معرفتهم للطالبيين، وخصوصا في الظروف السياسية والوقائع الاجتماعية، وإنك ستتعرف لدى حديثنا عن العهد العباسي كيفية استخدام الحكام المذهب كوسيلة لعزل أبناء علي بن أبي طالب عن المسلمين، بل اعتبارهم مارقين وخارجين عن الأسلام! في حين أن الأصول لتؤكد على أنهم لا يقولون بشئ إلا وكانوا قد توارثوه كابر عن كابر، وأن أغلب حديثهم هو عن رسول الله (ص). إن إشاعة الخلاف المذهبي بين أوساط الأمة، إنما حركته النوازع والغايات السياسية، وما جاء إلا لعزل الشيعة عن غيرهم، فقول الرشيد للرجل: (لله أبوك!


(1) مقاتل الطالبيين: 466 - 467.

[ 299 ]

لجاد ما حفظت؟ تلك صلاة العصر، وذلك وقتها عند القوم) ليؤكد تلك الحقيقة. وبهذا، فلا يمكن أن يختلف أبناء علي في حكم ضروري يمارسه المسلم عدة مرات في اليوم، ولو تابعنا رأي الأمام زيد في وقت العصر لرأيناه نفس رأي الأمام الصادق وعبد الله بن عباس وغيرهم من أهل البيت. جاء في مسند الأمام زيد - باب أوقات الصلاة -: حدثني زيد بن علي، عن أبيه، عن جده (رضي الله عنهم)، عن علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه): قال رسول الله: (إنه سيأتي على الناس أئمة بعدي يميتون للصلاة كميتة الأبدان، فإذا أدركتم ذلك فصلوا الصلاة لوقتها، ولتكن صلاتكم مع القوم نافلة، فإن ترك الصلاة عن وقتها كفر) (1). وفيه كذلك: سمعت الأمام الشهيد أبا الحسين زيد بن علي رضي الله عنه - وقد سئل عن قوله تعالى أتم الصلاة لدلوك الشمس الى غسق الليل... - فقال رضي الله عنه: دلوك الشمس زوالها، وغسق الليل ثلثه حتى يذهب البياض من أسفل السماء، وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. وقال زيد بن علي رضي الله عنه: (أفضل الأوقات أولها، وإن أخرت فلا بأس) (2). فالأمام زيد يريد الأشارة الى أن أوقات الصلاة ثلاثة كما قال سبحانه في محكم كتابه وكما يعمل به شيعة علي. أن وقت فضيلة صلاة العصر، هو بعد الانتهاء من صلاة الظهر، وهو ما يذهب إليه الأمامان الباقر والصادق. ويحتمل أن يكون قول الأمام زيد في الخبر الأول (فإن ترك الصلاة عن وقتها كفر) إشارة إلى فعل الأمويين ودورهم في تغيير أوقات الصلاة ولزوم دعوة المؤمنين وإصرارهم لأتيانها في أوقاتها، لما ورد في فضيلة الصلاة لوقتها، ودحضا لعمل


(1) مسند الأمام زيد: 88، وقد أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة نحوه. (2) مسند الأمام زيد: 88.

[ 300 ]

المحدثين في الشريعة واستجابة لما أخبر به النبي (ص): سيكون عليكم أمراء تشغلهم أشياء عن الصلاة حتى يؤخروها، فصلوها لوقتها (1). وجاء في الأنساب للبلاذري أن أهل مصر أرسلوا وفدا لعثمان بسبب تلاعب ابن أبي سرح بمواقيت الصلاة. وفي تاريخ المدينة لابن شبة: فخرج من أهل مصر سبعمائة الى المدينة فنزلوا المسجد، وشكوا الى أصحاب النبي (ص) في مواقيت الصلاة ما صنع ابن سرح بهم (2). وقد ثبت في التاريخ أن سليمان بن عبد الملك أعاد الصلاة إلى أوقاتها (3). وفي نقل هذا الخبر عن الخليفة إشارة إلى أن اعتراض المسلمين على الحكام - في مسألة أوقات الصلوات - كان جماهيريا، وأن الخليفة قد استجاب لطلبهم حين رأى المصلحة في ذلك. وقد أخرج البخاري في صحيحه - باب تضييع الصلاة عن وقتها - حديثين عن أنس، أحدهما عن غيلان عن أنس قال: ما أعرف شيئا مما كان على عهد النبي! قيل: الصلاة؟! قال: أليس ضيعتم ما ضيعتم فيها! والاخر عن عثمان بن أبي رواد قال: سمعت الزهري يقول: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ فقال: لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت (4). هذا وقد روي عن الأمام الصادق قوله: لكل صلاة وقتان، وأول الوقتين أفضلهما، ولا ينبغي تأخير ذلك عمدا،


(1) مسند أحمد 5: 315. (2) تاريخ المدينة 4: 1158. (3) راجع: البداية والنهاية 9: 187، وغيره من كتب التاريخ. (4) صحيح البخاري 1: 141.

[ 301 ]

ولكنه وقت من شغل، أو نسي، أو سها، أو نام، وليس لأحد أن يجعل آخر الوقتين وقتا إلا من عذر، أو علة (1). وسأل عبيد بن زرارة الصادق عن وقت الظهر والعصر، فقال: إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر والعصر جميعا، إلا أن هذه قبل هذه، ثم أنت في وقت منهما جميعا حتى تغيب الشمس (2). مؤيدات ويؤيد موقف أهل البيت بعض الصحابة أيضا، ومن ذلك: 1 - ما أخرجه أحمد في مسنده، عن ابن عباس، قال: صلى رسول الله (ص) في المدينة سبعا وثمانيا (3).. (إشارة إلى صلاة المغرب والعشاء، والظهر والعصر). 2 - وأخرج مالك في الموطأ، عن ابن عباس، قال: صلى رسول الله (ص) الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، في غير خوف ولا سفر (4). 3 - وأخرج مسلم - في باب الجمع بين الصلاتين في الحضر - عن ابن عباس، قال: صلى رسول الله (ص) الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، من غير خوف ولا سفر (5). 4 - وعنه كذلك: جمع رسول الله بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا سفر..


(1) تهذيب الأحكام 2: 39 / 123، الاستبصار 1: 276 / 1003. (2) تهذيب الأحكام 2: 24 / 68 و 26 / 73، الاستبصار 1: 246 / 881، من لا يحضره الفقيه 1: 139 / 647. (3) مسند أحمد 1: 221، شرح معاني الاثار 1: 160 / 966، صحيح البخاري 1: 143 و 147. (4) الموطأ 1: 144 / 4، شرح معاني الاثار 1: 160 / 967، مسند أحمد 1: 283، سنن أبي داو د 2: 6 / 1210. (5) صحيح مسلم 1: 489 / 49، وفي شرح معاني الاثار 1: 160 / 967.

[ 302 ]

قال الراوي: قلت لابن عباس: لم فعل ذلك رسول الله؟ قال: كي لا يحرج أمته (1). وعن عائشة: كان رسول الله يصلي العصر والشمس لم تخرج من حجرتها. وفي آخر: إن رسول الله صلى العصر والشمس في حجرتها، لم يظهر الفئ من حجرتها. وفي ثالث: كان النبي يصلي صلاة العصر والشمس طالعة في حجرتي لم يظهر الفئ بعد (2). وروى مثل ذلك عبيد بن زرارة، أنه قال للصادق: يكون أصحابنا مجتمعين في منزل الرجل منا، فيقوم بعضنا يصلي الظهر، وبعضنا يصلي العصر وذلك كله في وقت الظهر؟ قال: (لا بأس، الأمر واسع بحمد الله ونعمته (3). 5 - وأخرج البخاري - في باب وقت العصر -، قال: سمعت أبا أمامة يقول: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك، فوجدناه يصلي العصر فقلت: يا عم! ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله التى كنا نصلي معه (4). وفي آخر عنه: كنا نصلي العصر ثم يخرج الأنسان الى بني عمرو بن عوف فنجدهم يصلون العصر. وقوله في آخر: كنا نصلي العصر ثم يذهب الذاهب منا الى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة. وبسند آخر: يذهب الذاهب الى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة، وبعض


(1) صحيح مسلم 1: 490 / 54. (2) صحيح البخاري 1: 144، الموطأ 1: 4 / 2. (3) قرب الاسناد: 164 / 601، وعنه في البحار 79: 331 / 2. (4) صحيح البخاري 1: 144.

[ 303 ]

العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه (1) 6 - وقد روى مسلم، في صحيحه، قال: خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة! الصلاة! قال: فجاءه رجل من بني تميم، لا يفتر ولا ينثني: الصلاة! الصلاة! فقال له ابن عباس: أتعلمني بالسنة لا أم لك! ثم قال: رأيت رسول الله جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. وفي رواية أخرى... قال للرجل: لا أم لك! أتعلمنا بالصلاة، وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله (2). 7 - وجاء في مقاتل الطالبيين، عن الحسن بن الحسين، قال: دخلت أنا والقاسم بن عبد الله بن الحسين بن علي بن الحسين، نغسل أبا الفوارس عبد الله بن إبراهيم بن الحسين، وقد صلينا الظهر، فقال لي القاسم: هل نصلي العصر؟.. فإنا نخشى أن نبطئ في غسل الرجل [ يعني به أبا الفوارس ]. فصليت معه.. فلما فرغنا من غسله، خرجت أقيس الشمس، فإذا ذلك أول وقت العصر، فأعدت العصر.. فأتاني آت في النوم، فقال: أعدت الصلاة وقد صليت خلف القاسم؟! قلت: صليت في غير الوقت! قال: قلب القاسم أهدى من قلبك (3). فاتضح مما سبق أن موقف الطالبيين - سواء الحسني منهم أو الحسيني - وكذا بعض الصحابة كعبد الله بن عباس (حبر الأمة) وأنس بن مالك (خادم الرسول) وعائشة (زوج النبي) وغيرهم، كان هو الجمع، أو نراهم يقررون الجمع. هذا وان روايات الجمع بين الصلاتين يوافق ما قيل عن دين الأسلام بأنه: دين يسر


(1) راجع صحيح البخاري 1: 145. (2) صحيح مسلم 1: 491، 492 / 57، 58. (3) مقاتل الطالبيين: 617.

[ 304 ]

لاعسر، وليس فيه حرج. ولا أدري بأي شرع نراهم يجوزون المسح على الخفين والجورب والعمامة ويأبون مسح الأرجل مع علمهم بأن تلك أجسام خارجية والماسح عليها كالماسح على الجدار، كما انهم لم يقولوا بالجمع بين الصلاتين في حين اتفق جميع المسلمين على جواز الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وسموه بجمع تقديم، والجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، وسموه جمع تأخير. وقد وقفت على مشروعيتها في مواقف أخرى، وبذلك لا يصح قول من قال بعدم مشروعية الجمع بين الصلاتين مطلقا، أو أن الجامع بينهما هو خارج عن الدين! 2 - المسح على الخفين: 1 - أخرج أبو الفرج الأصفهاني أخبار بعض المندسين في صفوف يحيى بن عبد الله بن الحسن، فقال: صحبه جماعة من أهل الكوفة، فيهم ابن الحسن بن صالح بن حي.. كان يذهب مذهب الزيدية البترية في تفضيل أبي بكر وعمر وعثمان في ست سنين من إمارته، والى القول بكفره في باقي عمره، يشرب النبيذ، ويمسح على الخفين.. وكان يخالف يحيى في أمره، ويفسد أصحابه. قال يحيى بن عبد الله: فأذن المؤذن يوما، وتشاغلت بطهوري، وأقيمت الصلاة، فلم ينتظرني وصلى بأصحابي فخرجت، فلما رأيته يصلي، قمت أصلي ناحية، ولم أصل معه، لعلمي انه يمسح على الخفين.. فلما صلى، قال لأصحابه: علام نقتل أنفسنا مع رجل لا يرى الصلاة معنا، ونحن عنده في حال من لا يرضى مذهبه؟ (1). 2 - وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده الحسين بن علي (رضي الله عنهما)، قال: إنا ولد فاطمة (رضي الله عنها) لا نمسح على الخفين ولا العمامة ولا كمه ولا خمار ولا جهاز (2).


(1) مقاتل الطالبيين: 468. (2) مسند الأمام زيد: 74.

[ 305 ]

وروى قول جده علي بن أبي طالب:) سبق الكتاب الخفين (1).. وقد مر عليك كلامه في عهد عمر. 3 - وروى ابن مصقلة، عن الأمام الباقر، أنه قال: فقلت: ما تقول في المسح على الخفين؟ فقال:) كان عمر يراه ثلاثا للمسافر، ويوما وليلة للمقيم، وكان أبي لا يراه في سفر ولا حضر (.. فلما خرجت من عنده، وقفت على عتبة الباب، فقال لي: ) أقبل (.. فأقبلت عليه.. فقال:) إن القوم كانوا يقولون برأيهم فيخطؤون ويصيبون، وكان أبي لا يقول برأيه (. وعن حبابة الوالبية، عن أمير المؤمنين، قالت: سمعته يقول:) إنا أهل بيت لا نمسح على الخفين، فمن كان من شيعتنا فليقتد بنا وليستن بسنتنا، فإنها سنة رسول الله (. وقال قيس بن الربيع: سألت أبا إسحاق عن المسح على الخفين فقال: أدركت الناس يمسحون حتى لقيت رجلا من بني هاشم، لم أر مثله قط، محمد ابن علي بن الحسين.. فسألته عنها، فنهاني عنه، وقال:) لم يكن علي أمير المؤمنين يمسح على الخفين، وكان يقول: سبق الكتاب المسح على الخفين. قال: فما مسحت منذ نهاني عنه. 4 - ومن المؤيدين لموقف أهل البيت في عدم المسح على الخفين، كل من: ابن عباس، وعائشة إذ المنقول عنهما انهما قالا: لاءن تقطع قدماي أحب إلي من أن أمسح على الخفين. و: لاءن أمسح على جلد حمار، أحب إلي من أن أمسح على الخفين. وغيرهما... (2). أما فيما يخص ابن عمر، فقد قال عطاء: كان ابن عمر يخالف الناس في المسح على الخفين، لكنه لم يمت حتى وافقهم (3).


(1) مسند الأمام زيد: 75. (2) انظر: التفسير الكبير 11: 163. (3) التفسير الكبير 11: 164.

[ 306 ]

وبهدا تبين لنا أن فقه بني الحسن والأمام زيد والأمام الباقر، وحتى عبد الله ابن عباس.. كان واحدا في المسح على الخفين، وأنه لم يكن بينهم أدنى اختلاف، لكن فقه الحاكمين ينسبون الى علي وبنيه القول بالمسح على الخفين.. وحتى في جزئيات مسائله. هذا وقد جاء في الأنساب للسمعاني أن أبا جعفر الموسائي - نسبة الى موسى بن جعفر - يقول: انا أهل بيت لا تقية عندنا في ثلاثة أشياء: كثرة الصلاة، وزيارة قبور الموتى، وترك المسح على الخفين (1). ومثله عن جعفر بن محمد الصادق - كما في التهذيب والاستبصار - (لا أتقي من ثلاث،...) وعد منها المسح على الخفين. 3 - حي على خير العمل: روى أبو الفرج الأصفهاني أن إسحاق بن عيسى بن علي ولي المدينة، في أيام موسى الهادي، فاستخلف عليها رجلا من ولد عمر بن الخطاب، يعرف بعبد العزيز بن عبد الله، فحمل على الطالبيين، وأساء إليهم، وأفرط في التحامل عليهم، وطالبهم بالعرض عليه كل يوم وكانوا يعرضون في المقصورة، وأخذ كل واحد بكفالة قريبه ونسيبه فضمن الحسين بن علي، ويحيى بن عبد الله بن الحسن: الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن... ثم عرضهم يوم الجمعة.. فدعا باسم الحسن بن محمد، فلم يحضر، فقال ليحيى والحسين بن علي: لتأتياني به أو لأحبسنكما، فإن له ثلاثة أيام لم يحضر العرض، ولقد خرج وتغيب، أريد أن تأتياني بالحسن بن محمد. فقال له الحسين: لا نقدر عليه، هو في بعض ما يكون فيه الناس، فابعث الى آل عمر بن الخطاب، فاجمعهم كما جمعتنا، ثم اعرضهم رجلا رجلا، فإن لم تجد فيهم من غاب أكثر من غيبة الحسن عنك، فقد أنصفتنا. فحلف العمري بطلاق زوجته وحرمة مماليكه، ليضربن الحسين ألف سوط،


(1) الأنساب 5: 405.

[ 307 ]

وليركبن إلى سويقة فيخربها، و... فوثب يحيى مغضبا، وأعطاه العهد بأن يأتيه إليه.. فبعث إلى الحسن بن محمد أن يأتي، فجاء يحيى، وسليمان، وإدريس - بنو عبد الله بن الحسن - وعبد الله بن الحسن الأفطس، وإبراهيم بن إسماعيل طباطبا، وعمر بن الحسن بن علي بن الحسن بن الحسين بن الحسن، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي، وعبد الله بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.. وأرسلوا إلى فتيان من فتيانهم ومواليهم، فاجتمعوا.. ستة وعشرين رجلا من ولد علي، وعشرة من الحاج، ونفر من الموالي. فلما أذن المؤذن للصبح.. دخلوا المسجد، ثم نادوا: (أحد، أحد)، وصعد عبد الله بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبي (ص)، عند موضع الجنائز، فقال للمؤذن: أذن ب‍ (حي على خير العمل).. فلما نظر إلى السيف في يده أذن بها. وسمعه العمري، فأحس بالشر، ودهش وولى هاربا، فصلى الحسين بالناس الصبح، ودعا الشهود العدول الذين كان العمري أشهدهم عليه أن يأتي بالحسن إليه، ودعى بالحسن، وقال للشهود: (هذا الحسن قد جئت به، فهاتوا العمري وإلا والله خرجت من يميني، ومما علي). ولم يتخلف عنه أحد من الطالبيين إلا الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن، فإنه استعفاه فلم يكرهه، وموسى بن جعفر بن محمد، فقال له: أنت في سعة (1). وجاء في مسند الأمام زيد: حدثني زيد بن علي (رضي الله عنه)، عن أبيه علي بن الحسين (رضي الله عنه)، إنه كان يقول في أذانه: (حي على خير العمل، حي على خير العمل) (2). وروى عن الحسين بن علي - صاحب فخ - أنه قد أذن بها (3) قال القوشجي، في شرحه للتجريد - في مبحث الأمامة -: إن عمر قال وهو


(1) مقاتل الطالبيين: 443 - 447 مختصرا. (2) مسند الأمام زيد: 83. (3) انظر: الأمام الصادق والمذاهب الأربعة 1: 276.

[ 308 ]

على المنبر: أيها الناس! ثلاث كن على عهد رسول الله، وأنا أنهى عنهن، وأحرمهن، وأعاقب عليهن: متعة النساء، ومتعة الحج، وحي على خير العمل. ثم اعتذر القوشجي عن الخليفة بقوله: إن ذلك ليس مما يوجب قدحا فيه، فإن مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية ليس ببدع! قلت: قإن كان ذلك كذلك فلم يوجب عليه العقوبة إذن؟ أولم يقل: (وأعاقب عليهن)؟! وإذا كان الأتيان بها غير جائز، فلم كان ابن عمر وأمامة بن سهل وغيرهما يقولون في أذانهم (حي على خير العمل)، كما حكاه ابن حزم في المحلى؟! وبهذا.. عرفنا كذلك أن الطالبيين جميعا كانوا يتحينون الفرص المناسبة للدعوة إلى السنة الشريفة، وإرجاع الناس إليها.. وإن ابن النباح كان يقول في أ ذانه: حي على خير العمل، حي على خير العمل.. فإذا رآه علي، قال: (مرحبا بالقائلين عدلا، وبالصلاة مرحبا وأهلا) (1). ويدل هذا النص، وغيره، على أن أتباع السنة النبوية كانوا قلة في عهده، إذ أن معظمهم قد أخذوا بكلام الخليفة عمر بن الخطاب وسيرته، واعتادوا على ذلك، سوى أهل البيت وبعض الصحابة! 4 - الصلاة على الميت: يختلف بنو علي مع الاخرين في عدد التكبيرات على الميت، فهم يؤكدون على أنها خمس تكبيرات أما عمر، فقد جمعهم على الأربع، لما كانوا يختلفون فيه! فقد جاء في مقاتل الطالبيين: حدثني يحيى بن علي، وغير واحد، قالوا: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن أبي الكرام الجعفري، قال: 1 - صلى إبراهيم بن عبد الله بن الحسن على جنازة بالبصرة، فكبر عليها


(1) من لا يحضره الفقيه 1: 187 / 890، وعنه في وسائل الشيعة 5: 418 / 6973.

[ 309 ]

أربعا.. فقال له عيسى بن زيد: لم نقصت واحدة، وقد عرفت تكبير أهلك؟ قال: إن هذا أجمع للناس، ونحن إلى اجتماعهم محتاجون، وليس في تكبيرة تركتها ضرر إن شاء الله. ففارقه عيسى واعتزله، وبلغ أبا جعفر [ أي المنصور ] فأرسل إلى عيسى يسأله أن يخذل الزيدية عن إبراهيم، فلم يفعل، ولم يتم الأمر حتى قتل إبراهيم، فاستخفى عيسى بن يزيد، فقيل لأبي جعفر: ألا تطلبه؟ فقال: لا والله، لا أطلب منهم رجلا بعد محمد وإبراهيم، أنا أجعل لهم بعد هذا ذكرا؟! قال أبو الفرج الأصفهاني: وأظن هذا وهما من الجعفري الذي حكاه، لأن عيسى لم يفارق إبراهيم في وقت من الأوقات، ولا اعتزله، قد شهد معه باخمرى حتى قتل إبراهيم، فتوارى عيسى الى أن مات (1)... ثم أتى بخبر عدم مفارقة عيسى لإبراهيم في ص 413. في النص المذكور عدة أمور ينبغي التدبر فيها: 1 - لم نقصت واحدة، وقد عرفت تكبيرة أهلك؟ 2 - إن هذا أجمع للناس، ونحن إلى اجتماعهم محتاجون. 3 - ليس في تكبيرة تركتها ضرر إن شاء الله، ففارقه عيسى واعتزله. 4 - بلغ أبا جعفر، فأرسل إلى عيسى يسأله أن يخذل الزيدية عن إبراهيم، فلم يفعل، ولما قتل إبراهيم، اختفى. ويؤيد موقف عيسى الفقهي ما جاء في مسند الأمام زيد: 2 - حدثني زيد بن علي، عن أبيه، عن جده علي (رضي الله عنهم) في الصلاة على الميت، قال: تبدأ في التكبيرة الأولى: بالحمد والثناء على الله تبارك وتعالى، وفي الثانية: الصلاة على النبي، وفي الثالثة: الدعاء لنفسك والمؤمنين والمؤمنات، وفي الرابعة: الدعاء للميت، والاستغفار له، وفي


(1) انظر: مقاتل الطالبيين: 335 و 408 الى 413.

[ 310 ]

الخامسة: تكبر وتسلم (1). 3 - وما أخرجه أحمد في مسنده، عن عبد الأعلى، قال: صليت خلف زيد ابن أرقم على جنازة، فكبر خمسا.. فقام إليه أبو عيسى - عبد الرحمن بن أبي ليلى - فأخذ بيده فقال: نسيت؟! قال: لا، ولكني صليت خلف أبي القاسم خليلي (ص)، فكبر خمسا، فلا أتركها أبدا (2). 4 - روى البغوي من طريق أيوب بن النعمان، عن زيد بن أرقم، مثله (3). 5 - وأخرج الطحاوي بسنده، عن يحيى بن عبد الله التميمي، قال: صليت مع عيسى - مولى حذيفة بن اليمان - على جنازة، فكبر عليها خمسا.. ثم التفت إلينا، فقال: ما وهمت، ولا نسيت، ولكني كبرت كما كبر مولاي، وولي نعمتي - يعني حذيفة بن اليمان - صلى على جنازة، فكبر عليها خمسا، ثم التفت إلينا، فقال: ما وهمت، ولا نسيت، ولكني كبرت كما كبر رسول الله (4). وبعد هذا فقد وقفت على بعض الأخبار عن ولد علي وأنهم كانوا لا يكبرون على الميت إلا خمسا! وقد جاء في مقاتل الطالبيين: ان الحسن بن علي صلى على الأمام علي وكبر خمس تكبيرات (5). إن الدس، ووضع الأحاديث المعارضة المختلقة هي من صنيعة الأمويين، لكي يتمكنوا من تضعيف روايات السنة أمام السواد الأعظم من هذه الأمة الممتحنة! إن مواقف أهل البيت المسطرة على صفحات التاريخ لتدلل، بكل وضوح، على أن أصولهم واحدة واتجاههم واحد، وأنهم ما حادوا يوما عن منهج علي بن


(1) مسند الأمام زيد: 149. (2) مسند الأمام أحمد بن حنبل 4: 370، شرح معاني الاثار 1: 494 / 2827، التلخيص: 112 رقم 257. (3) الأصابة 2: 22. (4) شرح معاني الاثار 1: 494 / 2828. (5) مقاتل الطالبيين: 41، وكذا في درر الأحاديث النبوية بالأسانيد اليحيوية: 22، 93.

[ 311 ]

أبي طالب الذي هو التجسيد الحقيقي لما أراده رسول الله (ص) وبينه فعلا وقولا وتقريرا. وأن ظاهرة التشكيك في فقه العلويين، ونقل المتناقضات عنهم، ما هي إلا خطة حكومية قد وضعت لبنة أساسها الحكومة الأموية، وسارت على منوالها الحكومة العباسية، كما سنبين فيما بعد. نعم، لقد كان الطالبيون أصحاب دين واحد ولهم عدو مشترك متمثل بالحكام.. وتتجلى هذه الحقيقة في كلام عبد الله بن الحسن لبني هاشم.. حيث يقول: إنكم أهل البيت، قد فضلكم الله بالرسالة، واختاركم لها. وأكثركم بركة يا ذرية محمد (ص) بنو عمه وعترته. وأولى الناس بالفزع في أمر الله، من وضعه الله موضعكم من نبيه (ص)، وقد ترون كتاب الله معطلا، وسنة نبيه متروكة، والباطل حيا، والحق ميتا، قاتلوا لله في الطلب لرضاه بما هو أهله، قبل أن ينزع منكم اسمكم، وتهونوا عليه كما هانت بنو إسرائيل (1). وهذا الموقف يشابه ما ذكرناه من موقف علي بن الحسين وكلامه فيما آلت إليه الشريعة في العهد الأموي. ولا تفوتنا الأشارة هنا الى موقف يحيى بن عبد الله ابن الحسن في رده على الخليفة العباسي الرشيد، حينما أراد أن يفتخر بقرابته من النبي (ص) يشابه إلى حد كبير جواب موسى بن جعفر المشهور. فانظر إلى محاورة يحيى مع الرشيد: قال يحيى: يا أمير المؤمنين، لو عاش رسول الله (ص)، وخطب ابنتك، أكنت تزوجه؟ قال: إي والله! قال يحيى: فلو عاش فخطب إلي، أكان لي أن أزوجه؟ قال: لا، وهذا جواب ما سألت.


(1) مقاتل الطالبيين: 254.

[ 312 ]

فغضب الرشيد، وقام من مجلسه (1). استنتاج استبان من هذا كله أن فقه الأمام زيد لا يبتعد عن فقه عبد الله بن الحسن ومحمد الباقر وجعفر الصادق، بل كلهم سليل بيت النبوة، وأبناء علي والزهراء، وأن الارتباط والائتلاف الديني ملحوظ بينهم، وقد وقفت على بعض النصوص الدالة على ذلك. فلو كان مذهب زيد غير مذهب الباقر والصادق، لما ترحموا عليه، ولما كان يذكر بتلك الجلالة في كتب الرجال عند الشيعة، ولما قالوا عنه بأنه يعرف ناسخ القرآ ن من منسوخه، وأنه سيد أهله، و... وكذا الحال بالنسبة إلى بني الحسن، فقد دعا الصادق لهم: جاء في مقاتل الطالبيين، عن أبي غسان، قال: إني لواقف بين القبر والمنبر إذ رأيت بني الحسن يخرج بهم من دار مروان مع أبي الأزهر، يراد بهم الربذة، فأرسل إلي جعفر بن محمد، فقال: (ما وراءك؟) قلت: رأيت بنى الحسن يخرج بهم في محامل! فقال: (أجلس. فجلست... فقال: فدعا غلاما له، ثم دعا ربه كثيرا، ثم قال لغلامه:) اذهب، فإذا حملوا فأت فأخبرني (. قال: فأتاه الرسول، فقال: قد أقبل بهم. فقام جعفر، فوقف وراء ستر شعر أبيض من ورائه، فطلع بعبد الله بن الحسن، وإبراهيم بن الحسن، وجميع أهلهم، كل واحد منهم معادله مسود.. فلما نظر إليهم جعفر بن محمد، هملت عيناه حتى جرت دموعه على لحيته، ثم أقبل علي، فقال:) يا أبا عبد الله، والله ما وفت الأنصار، ولا أبناء الأنصار لرسول الله (ص) بما أعطوه من البيعة على العقبة (!... ثم روى الصادق عن جده


(1) مقاتل الطالبيين: 473 - 474، ضمن حديث طويل.

[ 313 ]

علي، عن رسول الله، أنه قال له:) خذ عليهم البيعة بالعقبة (. فقال: كيف آخذ عليهم؟ قال:) خذ عليهم يبايعون الله ورسوله (.. وفي آخر:) على أن تمنعوا رسول الله وذريته مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم (. ثم قال جعفر:) فوالله ما وفوا له حتى خرج من بين أظهرهم، ثم لا أحد يمنع يد لامس، اللهم فاشدد وطأتك على الأنصار (1). مبررات الخلاف وعليه.. فلو كان ثمة اختلاف بينهم، لحمل على ثلاثة عوامل: 1 - سيطرة الروح الثورية على بني الحسن والزيدية. 2 - محاولة الحكام إشاعة الفرقة بين صفوف الطالبيين. 3 - نجاح الفقهاء الاخرين في احتواء الزيدية. أما العامل الأول: فهو سيطرة الروح الثورية على بني الحسن وجماعة زيد، واستغلال الحكام والمندسين هذه الروح لتشكيكهم في أقوال الصادق وحمل وتفسير كلمات الأمام محمد الباقر وجعفر بن محمد الصادق لبني الحسن على أنها كانت بدافع الحسد والتنافس أو الخوف من القتال، وما شابه ذلك! لكن المدقق في أقوال الباقر والصادق لا يستشم فيها شيئا من هذا، فأقوالهما لا تشير إلى تخطئتهم لقيام محمد النفس الزكية أو ثورة زيد بن علي أو... بقدر ما هي ايضاح وكشف أن جهودهم لت تثمر الثمرة المرجوة، لأن الظروف التى كانت سائدة، لا هي ظروف ثورة ولا الزمان زمان ثورة، وهذا ما عرفوه ببصائرهم، وما ورثوه عن آبائهم في تحليلهم ومعرفتهم للوقائع والأحداث. جاء في مقاتل الطالبيين، عن ابن داحة:


(1) مقاتل الطالبيين: 219 - 220.

[ 314 ]

إن جعفر بن محمد قال لعبد الله بن الحسن: (إن هذا الأمر، والله ليس إليك، ولا إلى ابنيك، وإنما هو لهذا - يعني السفاح - ثم هذا - يعني المنصور - ثم لولده من بعده، لا يزال فيهم حتى يؤمروا الصبيان، ويشاوروا النساء).. فقال عبد الله: والله يا جعفر، ما أطلعك الله على غيبه، وما قلت هذا إلا حسدا لابني! فقال: (لا والله! ما حسدت ابنك، وإن هذا - يعني أبا جعفر المنصور - يقتله على أحجار الزيت، ثم يقتل أخاه بعده بالطفوف، وقوائم فرسه في الماء). ثم قام مغضبا يجر رداءه.. فتبعه أبو جعفر المنصور، فقال: أتدري ما قلت يا أبا عبد الله؟! قال: (إي والله أدريه، وإنه لكائن) (1). ثم قال الراوي: فلما ولي أبو جعفر الخلافة، سمى جعفرا الصادق، وكان إذا ذكره قال: قال لي الصادق جعفر بن محمد كذا وكذا، فبقيت عليه (2). وقد روى السيد رضي الدين علي بن طاووس بسنده إلى الصادق: إنه كتب إلى عبد الله بن الحسن، حين حمل هو وأهل بيته، يعزيه عما صار إليه: بسم الله الرحمن الرحيم إلى الخلف الصالح والذرية الطيبة من ولد أخيه وابن عمه. أما بعد: فلاءن كنت تفردت أنت وأهل بيتك ممن حمل معك بما أصابكم، ما انفردت بالحزن والغيظ والكآبة، وأليم وجع القلب دوني، فلقد نالني ذلك من


(1) قال ابن خلدون في تاريخه في الفصل الثالث والخمسين 1: 589 عن الأمام الصادق (ع): (وقد صح عنه انه كان يحذر بعض قرابته بوقائع تكون لهم، فتصح كما يقول، وقد حذر يحيى - ابن عمه زيد - من مصرعه وعصاه، فخرج وقتل بالجوزجان كما هو المعروف، وإذا كانت الكرامة تقع لغيرهم فما ظنك علما ودينا وآثارا من النبوة، وعناية من الله بالأصل الكريم تشهد لفروعه الطيبة) انتهى بلفظه. (2) مقاتل الطالبيين: 255 - 256.

[ 315 ]

الجزع والقلق، وحر المصيبة مثل ما نالك (1)... - الخبر -. وبهذا يفهم أن الاختلاف بين عبد الله بن الحسن، وجعفر بن محمد، لم يكن مذهبيا، بل إنه ناشئ عن سوء فهم بني الحسن والزيدية مواقف الصادق، إذ أن في كلمة الصادق: (إلى الخلف الصالح) إشارة إلى كونه لم يحد عن الجادة، وكذا الأمر بالنسبة إلى الأمام زيد بن علي بن الحسين، فقد جاء في تاريخ الشام، عن عمرو بن القاسم: إن جعفر بن محمد ذكر عمه زيدا فترحم عليه وقال: (كان والله سيدا، والله ما ترك فينا لدنيانا ولاخرتنا مثله). وجاء في (الخطط المقريزية)، عن جعفر بن محمد، أنه قال لجماعة تبرأوا من بيعة زيد بن علي: (برئ الله ممن تبرأ من عمي زيد). وذكر ابن حجر في ترجمة حكيم بن عياش، في الأصابة: جاء رجل إلى جعفر بن محمد الصادق، فقال له: سمعت حكيم بن عياش ينشد هجاءكم بالكوفة. فقال: (هل علقت منه بشئ؟) فقال: سمعته يقول: صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة ولم نر مهديا على الجذع يصلب وقستم بعثمان عليا سفاهة وعثمان خير من علي وأطيب فرفع يديه وهما ترعشان، وقال: (اللهم إن كان عبدك كاذبا فسلط عليه كلبك).. فبعثه بنو أمية إلى الكوفة، فبينا هو يدور في سككها، إذ افترسه الأسد، واتصل خبره بجعفر، فخر ساجدا ثم قال: (الحمد لله الذي أنجزنا وعده) (2). وقد روي عنه انه قال: (لعن الله قاتله وخاذله، والى الله أشكو ما نزل بأهل بيت نبيه بعد موته، ونستعين بالله على عدونا وهو المستعان). وجاء في عيون الأخبار: لما خرج زيد بن موسى بن جعفر على المأمون، وظفر المأمون به، عفاه لمكان الرضا منه، فقال للرضا: يا أبا الحسن، لئن خرج


(1) إقبال الأعمال: 579. (2) الأصابة 1: 395.

[ 316 ]

أخوك، وفعل ما فعل، فلقد خرج قبله زيد بن علي، فقتل، ولولا مكانك مني لقتلته. فقال الرضا: (يا أمير المؤمنين، لا تقس أخي زيدا إلى زيد بن علي، فإنه من علماء آل محمد، غضب لله فجاهد أعداءه حتى قتل في سبيله، ولقد حدثني أبي انه سمع أباه جعفرا يقول: رحم الله عمي زيدا، إنه دعا إلى الرضا من آل محمد، ولو ظفر لوفى بما دعا إليه، وقد استشارني في خروجه، فقلت له: يا عم إن رضيت أن تكون المقتول بالكناسة فشأنك) (1). ففي قول الصادق إشارة إلى إخبار الرسول وإخبار علي بن أبي طالب والحسين بن علي، وغيرهم: (بأن رجلا من ولده يصلب بالكناسة) (2). وحدة المواقف الدينية اتضح مما مضى ان مذهب الأمام زيد لا يخالف مذهب الباقر والصادق، وكذا الحال بالنسبة إلى بني الحسن، وإن اختلفوا في بعض المواقف السياسية، إذ كيف يمكن تصور مخالفة زيد لأخيه الأكبر محمد الباقر، وكلاهما ابنا علي بن الحسين بن علي، والجميع يشهد بفضلهما وجلالة قدرهما ومكانهما من الفقه والشريعة؟!. فقد روي عن الأمام زيد أنه قال: (من أراد الجهاد فإلي، ومن أراد العلم فإلى ابن أخي). كما قال الأمام جعفر بن محمد الصادق: (القائم إمام السيف، والقاعد إمام علم) (3). وهذا ما يبين أن أهل البيت كانوا يواجهون الحكام على الصعيدين العلمي والسياسي. ومن المعلوم أن الاختلاف في المنهجية والأسلوب، لا يعني


(1) عيون الأخبار 1: 194 / 1، وقريب منه في تهذيب تاريخ دمشق 6: 20. (2) عيون الأخبار 1: 195، 196 / 2، 4، مقاتل الطالبيين: 130. (3) انظر: جهاد الشيعة، للدكتورة سميرة الليثي: 190.

[ 317 ]

الاختلاف في العقيدة وأصول التشريع، وكان أهل البيت من المعتقدين بضرورة الحفاظ على كلا الأسلوبين في مجال تبيين الأحكام والسياسة، من أجل استمرار المواجهة على مر الأيام. وصحيح أن القيام والقعود خطان متوازيان، لكنهما يصبان في هدف واحد مشترك، وهو دوام نهج السنة النبوية الشريفة، ولهذا السبب نرى في تاريخ الشيعة تيارين حاكمين عبر جميع فترات تاريخهم، التيار الثوري الرافض، والتيار المنتظ ر المحافظ، ومن التيارين السالب والموجب - كما يقول علماء الفيزياء - يحدث النور، وهكذا الأمر بالنسبة للحركة، فهي لا تنتج إلا بتقديم رجل وتأخير أخرى وكلاهما ضروري للتقدم والسير. فصدور بعض النصوص عن الصادق في زيد أو غيره، لا يعني التشكيك في قيامه، بل يرجح أن يكون صدور تلك الأخبار عنه عبارة عن موقف تكتيكي اقتضته الظروف السياسية الخاصة آنذاك. ولأجل ذلك قال الرسول عن الحسن والحسين أنهما إمامان قاما أو قعدا! وعليه، فوحدة الفكر والمذهب والمنحى السياسي بين بني الحسن والزيدية والجعفرية لا انفصام لها، إذ لو لم تكن كذلك، لما رأينا يحيى بن عبد الله بن الحسن يخاطب جعفر بن محمد الصادق ب‍ (حبيبي). فقد جاء في مقاتل الطالبيين: كان يحيى يسميه (أي الصادق) حبيبي، وكان إذا حدث عنه قال: (حدثني حبيبي جعفر بن محمد) (1). وكان الصادق قد أوصى إليه، كما أوصى إلى ابنه موسى وأم ولد كانت عنده بأمور (2). ألا ترى أن هذه الكلمات تدل على وحدة الهدف وتقارب الفكر والاستدلال؟ وإذا لم يكونا متحدين، فكيف يولي أبو السرايا: إبراهيم بن موسى بن جعفر


(1) مقاتل الطالبيين: 464. (2) مقاتل الطالبيين: 464.

[ 318 ]

اليمن، وزيد بن موسى بن جعفر الأهواز (1)؟ وكيف يقف علي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين أمام الجعفري صاحب البصرة أيام المنصور (2)؟ وإذا لم يكونا على تفاهم في الأمر، فبم نفسر هذا الخبر: حدثنا إبراهيم بن إسحاق القطان، قال: سمعت الحسين بن علي (صاحب فخ)، ويحيى بن عبد الله، يقولان: (ما خرجنا حتى شاورنا أهل بيتنا، وشاورنا موسى بن جعفر، فأمرنا بالخروج) (3). ولما جاء الجند برؤوس شهداء فخ إلى موسى والعباس، وعندهم جماعة من ولد الحسن والحسين، يتكلم أحد منهم بشئ إلا موسى بن جعفر، فقال له: هذا رأس الحسين؟ فقال: (نعم، إنا لله وإنا إليه راجعون، مضى والله مسلما، صالحا، صواما، قو اما، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، ما كان في أهل بيته مثله) فلم يجيبوه (4). فإذا كانوا على اختلاف في الفقه، فهل يمكن صدور مثل هذا النص من قبل موسى بن جعفر؟ وهل يمكن أن يقول يحيى بن عبد الله بن الحسن للصادق: (حبيبي)؟ وكذا الحال بالنسبة للحسين بن علي ويحيى في قولهما: (ما خرجنا حتى شاورنا أهل بيتنا، وشاورنا موسى بن جعفر، فأمرنا بالخروج)؟ وعلى ضوء ذلك، فما الفاصل بين وضوء بني الحسن والزيدية إذن؟ فهل كانا يمثلان خطين متضادين، أم هما على وفاق فيه؟ وهل ان وضوء علي بن الحسين وزيد بن علي وعبد الله بن الحسن كان موافقا لوضوء عثمان بن عفان وعمرو بن العاص والربيع بنت معوذ، أم انهم


(1) مقاتل الطالبيين: 533. (2) مقاتل الطالبيين: 534. (3) مقاتل الطالبيين: 457. (4) مقاتل الطالبيين: 453.

[ 319 ]

يعتقدون بما حكاه علي بن أبي طالب وأوس بن أبي أوس وعبد الله بن عباس؟ إن المتتبع لموضوع الوضوء في كتب الحديث والرجال ليقف على حقيقة قد تكون جلية، خلاصتها: أن بني هاشم لم يكونوا يمسحون على الخفين، ولا يغسلون الرجلين، بل يدعون إلى مسح الأرجل، وكانت لهم مواقف اعتراضية على من نسب الغسل إلى رسول الله (ص): أ - اعتراض ابن عباس على الربيع بنت معوذ. ب - كلام علي بن أبي طالب في الرحبة: (هذا وضوء من لم يحدث). ج - وقوله: (لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدم أولى بالمسح من ظاهره، إلا اني رأيت رسول الله توضأ هكذا). د - ما سيأتي في العهد العباسي من هذه الدراسة من أقوال الصادقين من آل رسول الله، وأنهم اعتبروا الغسل الثالث للأعضاء وغسل الرجلين بدعة وليس من فعل رسول الله، واعترضوا على من يذهب الى ذلك الرأي. فظاهرة الغسل - كما عرفت - حكومية، ولم تكسب شرعيتها من القرآن (1)، لاعتراض ابن عباس على الربيع، وقوله: (أبى الناس إلا الغسل، ولا أجد في كتاب الله إلا المسح)، وقول أنس بن مالك والشعبي وعكرمة: (نزل القرآن بالمسح).. وما إلى ذلك من النصوص التي سلف ذكرها. أما الان، فمع نص آخر نستشف منه: موقف علي بن الحسين في الوضوء: أخرج البيهقي في السنن الكبرى، عن سفيان بن عيينة، قال: حدثنا عبد الله ابن محمد بن عقيل: إن علي بن الحسين أرسله إلى الربيع بنت معوذ ليسألها عن وضوء رسول الله (ص)، فذكر الحديث في صفة وضوء النبي (ص)، وفيه قالت: (... ثم غسل رجليه...).. قالت: (وقد أتاني ابن عم لك - تعني ابن عباس - فأخبرته، فقال: ما أجد في


(1) سيتضح لك ذلك أكثر في الفصل الثاني من هذه الدراسة.

[ 320 ]

كتاب الله إلا غسلتين ومسحتين) (1). في النص المذكور إشارات عديدة يهمنا منه بعض أمور: 1 - صدور هذا النص في العهد الأموي، إذ ان عبد الله بن محمد بن عقيل قد توفى سنة 145، وعلي بن الحسين سنة 92، وبه يكون عبد الله بن محمد قد ولد في العهد الأموي. 2 - كون عبد الله بن محمد بن عقيل أصغر سنا، وموقعا اجتماعيا من علي ابن الحسين، لفارق الوفاة إذ عد أصحاب الطبقات ابن عقيل من الطبقة الرابعة من التابعين وابن الحسين من الثانية. 3 - لا يعني إرسال علي بن الحسين ابن عمه عبد الله بن محمد بن عقيل إلى الربيع لأجل الوقوف على حكم الوضوء، إذ لا يعقل أن لا يعرف علي بن الحسين أو عبد الله - وهما ابنا رسول الله، وعاشا في بيت النبوة - حكم أمر عبادي، يمارسه المسلم عدة مرات في اليوم، ثم كيف يعقل أن يكون علي بن الحسين وهو بهذا العمر لا يعرف الوضوء، وأبوه الحسين بن علي، وعماه الحسن وابن الحنفية، أضف إلى ذلك كونه أحد أئمة المسلمين وفقهاء أهل البيت؟! فهل يمكن قبول كون الأمر تعليميا، وراوي الخبر السابق سفيان بن عيينة يقول عنه: (ما كان أكثر مجالستي مع علي بن الحسين، وما رأيت أحدا أفقه منه) (2)؟! وحدث عبد الله محمد القرشي، قال: كان علي بن الحسين إذا توضأ اصفر لونه، فيقول له أهله: ما هذا الذي يغشاك؟ فيقول: (أتدرون لمن أتأهب للقيام بين يديه؟) (3). فمن هذه حاله، هل يصدق أن لا يعرف حكم الوضوء، فيرسل عبد الله بن


(1) السنن الكبرى 1: 72. (2) تهذيب الكمال 20: 386. (3) مختصر تاريخ دمشق 17: 236، سير أعلام النبلاء 4: 392، طبقات ابن سعد 5: 216: حلية الأولياء 3: 133، تهذيب الكمال 20: 390.

[ 321 ]

محمد بن عقيل إلى الربيع ليسألها عن وضوء رسول الله، ليأخذ منها؟! ومن هو عبد الله بن محمد بن عقيل؟ ألم يكن ابن زينب الصغرى - بنت علي بن أبي طالب - وخاله ابن الحنفية و... وهل يصدق أن لا يعرف - مثل هذا - حكم الوضوء؟ فما الغاية من الأرسال والسؤال إذن، إن صحت الرواية؟ من الجلي أن إرسال علي بن الحسين ابن عمه عبد الله بن محمد بن عقيل إلى الربيع وسؤالها عن الوضوء لم يكن استفهاميا تعليميا كما صوره البعض، بل هو استفهام إنكاري منهم على ما تدعيه، ومعناه: كيف بنا - ونحن أهل البيت - لا نعرف ما تروينه عن رسول الله (ص)! ويتأكد هذا المدعى بقولها له: (وقد أتاني ابن عم لك)، وعدم بيانها لصفة وضوء رسول الله، إذ ان موقف ابن عباس كان اعتراضيا، وكذا الحال بالنسبة إلى موقف عبد الله. هذا، وان عدم مجئ علي بن الحسين إليها ينبئ بأنه لا يريد أن يعطي لوضوئها المشروعية بمجيئه إليها، وأن إرسال عبد الله، وهو يومئذ صغير السن، يكفي في التدليل على اعتراضهم على هذا الأمر. وقد أراد البعض - بنقلهم رواية عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع، بأنه (ص): (مسح رأسه، ومسح ما أقبل منه وما أدبر، وصدغيه وأذنيه مرة واحدة) (1) - إثبات كون عبد الله من القائلين بالمسح الشمولي في الرأس، كما يقول بذلك الأمام مالك! إن قول الربيع: (وقد أتاني ابن عم لك...) ليشير بكل وضوح إلى معرفتها وتوجهها لمغزى سؤال ابن عقيل وكونه استنكاريا وليس حقيقيا، وهي بذلك أرادت أن تفهمه بأنها ثابتة على رأيها على الرغم من عدم استساغة العلويين لما قالته، هذا أولا. وثانيا: في سنده هذه الرواية، رجال أمويون غير معتمدين في السند كمحمد


(1) سنن الترمذي 1: 26 / 34.

[ 322 ]

ابن عجلان القرشي - مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة - الذي أغرق الرجاليون في (مدحه!) حتى نقل عن ابنه عبد الله انه قال: (حمل بأبي أكثر من ثلاث سنين) (1)! ثالثا: المنقول في حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع في حكم الرأس لا يرد في الوضوءات البيانية الأخرى المحكية عن عثمان وغيره، إلا في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني وما حكى عن معاوية. وعليه، فلا يمكن القول بأن ذلك سنة متبعة كان رسول الله (ص) يفعلها على نحو التشريع، مضافا إلى ان المروي عن جابر - بطريق عبد الله بن محمد بن عقيل - عن رسول الله انه قال: إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه (2)، أو قوله: رأيت رسول الله يدير الماء على المرافق... مما يؤكد حقيقة أخرى تخالف ما نسب إليه، وسنشير إليها لاحقا إن شاء الله تعالى. ولأجل مواقف ابن عقيل نرى ابن سعد يذكر عبد الله بن محمد بن عقيل في الطبقة الرابعة ويقول عنه: (منكر الحديث، لا يحتجون بحديثه، وكان كثير العلم) (3). وقال الحسن بن علي الحلواني عن علي بن المدائني، عن بشر بن عمر الزهراني: (كان مالك لا يروي عنه) (4). وقال يعقوب بن شيبة، عن علي بن المدائني: (لم يدخل مالك في كتبه ابن عقيل ولا ابن فروة) (5). لماذا؟ العدم صدقه، أم لمواقف الأمام مالك من العباسيين وعدم ارتضائهم للطالبيين؟ أم لشئ آخر.


(1) تهذيب الكمال 21: 107. (2) السنن الكبرى، للبيهقي 1: 56 باب إدخال المرفقين في الوضوء. (3) تهذيب الكمال 16: 80، تهذيب التهذيب 6: 14 عن الطبقات. (4) الضعفاء، للعقيلي: 2: 299، وعنه في تهذيب الكمال 16: 80، وتهذيب التهذيب 6: 14. (5) الكامل، لابن عدي 4: 1447، تهذيب الكمال 16: 80، تهذيب التهذيب 6: 14.

[ 323 ]

ولماذا يترك ابن سعد حديثه مع شهادته بكثرة علمه؟! وهل ان عدم رواية مالك حديثا عنه دليل على ضعفه حقا؟ فلو كان كذلك فالأمام علي بن أبي طالب هو أول الضعفاء في منطق المدائني ومالك ومن يقول بهذا، إذ ليس لعلي حديث في الموطأ، قيل انه لما سئل عن ذلك قال: انه لم يكن بالمدينة (1)!! وكيف نرى الأمام مالكا يستجيب للمنصور في كتابة الموطأ، مع علمه بوجود من هو أعلم منه (2)؟! وما يعني كلام المنصور له: هل أخذت بأحاديث ابن عمر؟ فقال: نعم. فقال المنصور: خذ بقوله، وإن خالف عليا وابن عباس (3)! هل هناك منهجان في التحديث عن رسول الله، يتزعم أحدهما ابن عمر وهوى الحكام، والاخر علي وابن عباس؟ وما دلالة مثل هكذا نصوص؟ وهل تراه يضعف ابن عقيل حقا؟ فإن كان ضعيفا وكذابا عند الأمام مالك، فكيف تأخذ المالكية إذن بحديثه في مسح جميع الرأس؟! عود على بدء نرجع إلى صلب الموضوع للتأكيد على وحدة الطالبيين فكريا وفقهيا وسياسيا، بعدما عرفت اتجاه علي بن الحسين وابن عقيل وابن عباس وعلي بن أبي طالب في الوضوء، ومن خلاله يمكننا معرفة وضوء الأمام زيد بن علي بن الحسين، وأنه لم يكن موافقا للربيع وقد سردنا مواقف غيرهم من بني هاشم كابن عباس، أخذا عن آبائهم.


(1) انظر: مقدمة موطأ مالك، بقلم الدكتور محمد كامل حسين (جك) وغيرها. (2) انظر: المصدر السابق وغيره من كتب التراجم عن الأمام مالك. (3) طبقات ابن سعد 4: 147.

[ 324 ]

قال الشيخ أبو زهرة في كتابه (تاريخ المذاهب الأسلامية) عن الأمام زيد: (.... قد مات أبوه عام 94 ه‍، أي وهو في الرابعة عشرة من عمره، فتلقى الرواية عن أخيه محمد الباقر، الذي يكبره بسن يسمح بأن يكون له أبا، إذ أن الأمام جعفر بن محمد الباقر كان في سن الأمام زيد رضي الله عنهم أجمعين. وما كان من المعقول أن يجمع الأمام زيد وهو في سن الرابعة عشرة كل علم أهل البيت، فلابد أن يكمل أشطره من أخيه، الذي تلقى علم أبيه كاملا. وقد كان الباقر إماما في الفضل والعلم، أخذ عنه كثيرون من العلماء، ورووا عنه، ومن هؤلاء أبو حنيفة شيخ فقهاء العراق. وقد نال الباقر فضل الأمامة العلمية حتى انه كان يحاسب العلماء على أقوالهم وما فيها من خطأ وصواب... (1)) والان نتساءل: كيف جاء هذا النقل عن الأمام زيد إذن؟ وهل حقا انه حدث أصحابه عن أبيه عن جده بذلك؟ أم ان الأخبار تظافرت عنه دون معرفة ملابسات الحكم الشرعي؟! وانا بطرحنا العاملين الثاني والثالث - من أسباب اختلاف الطالبيين - سيتضح إن شاء الله جواب هذا السؤال وغيره. وأما العامل الثاني (2): فهو محاولة الحكام إشاعة حالة الفرقة والخلاف بين الطالبيين، لتضعيفهم ثم احتوائهم فكريا وسياسيا. فقد مر عليك خبر ابن الحسن بن صالح بن حي مع يحيى بن عبد الله بن الحسن في (المسح على الخف)، وكيف كان يخالف يحيى في أمره، ويفسد أصحابه عليه، وقول يحيى بن عبد الله: (فأذن المؤذن يوما، وتشاغلت بطهوري وأقيمت الصلاة، فلم ينتظرني، وصلى بأصحابي.. فخرجت، فلما رأيته يصلي قمت أصلي ناحية، ولم أصل معه لعلمي انه يمسح على الخفين).


(1) تاريخ المذاهب الأسلامية: 653. (2) قد مرت الأشارة الى العامل الأول منه في ص 313.

[ 325 ]

ففي الجملة الأخيرة إشارة إلى ان يحيى بن عبد الله وغيره من أهل البيت كانوا لا يرون مشروعية الصلاة خلف الذي يمسح على الخفين، وكذا لا يرون الاقتصار على التكبيرة الرابعة في صلاة الميت. وإذا ظهر منهم ما يخالف مذهبهم فإنما جاء امتثالا لأمر الرسول (ص) بلزوم الحفاظ على وحدة الصف الأسلامي وعدم الانشغال بجزئيات الشريعة، ولا يدل موقفهم ذلك على كون هذا الفعل المأتي به هو سنة رسول الله! نعم، إن أبا الحسن بن صالح بن حي كان يريد بث الفرقة في صفوف أصحاب يحيى وإثارة المشاعر بقوله: (علام نقتل أنفسنا مع رجل لا يرى الصلاة معنا، ونحن عنده في حال من لا يرتضى مذهبه؟) فالأمام يحيى لا يرتضي الصلاة خلفه لعدم رعايته لحقوق الأمرة والاخوة وسعيه في بث الفرقة بين المجاهدين. وقد استغل أبو الحسن بن صالح الخلاف المذهبي في إثارة هذه النعرة بين صفوف الثوار، وهو ما كان يسعى إليه الحكام ويبذلون من أجله الأموال. وحكى يحيى بن عبد الله نصا آخر عن دور ابن حي التخريبي في صفوف الثوار، فقد جاء في مقاتل الطالبيين: (... وأهديت إلي شهدة في يوم من الأيام، وعندي قوم من أصحابي فدعوتهم الى أكلها، فدخل (ابن حي) في إثر ذلك، فقال: هذه الأثرة! أتأكله أنت وبعض أصحابك دون بعض؟! فقلت له: هذه هدية أهديت إلي وليست من الفئ الذي لا يجوز هذا فيه. فقال: لا، ولكنك لو وليت هذا الأمر لا ستأثرت ولم تعدل. وأفعال مثل هذا من الاعتراض (1)). وجاء في مقاتل الطالبيين كذلك: ان إدريس بن عبد الله بن الحسن أفلت من وقعة فخ وكان الرشيد يتابع خبره، فلما بلغه انه قدم مصر متوجها الى افريقية غم كثيرا لعدم إمكانه القبض عليه، فشكا ذلك الى يحيى بن خالد، فقال: أنا أكفيك أمره، ودعا سليمان بن جرير الجزري، وكان من متكلمي الزيدية البترية، ومن


(1) مقاتل الطالبيين: 468.

[ 326 ]

أولي الرياسة فيهم، فأرغبه ووعده عن الخليفة بكل ما أحب على أن يحتال لإدريس حتى يقتله، ودفع إليه غالية مسمومة، فحمل ذلك وانصرف من عنده، فأخذ معه صاحبا له وخرج يتغلغل في البلدان حتى وصل الى إدريس بن عبد الله فمت إليه بمذهبه، وقال: إن السلطان طلبني لما يعلمه من مذهبي فجئتك، فأنس به واجتباه، وكان ذا لسان وعارضة، وكان يجلس في مجلس البربر فيحتج للزيدية ويدعو الى أهل البيت كما كان يفعل، فحسن موقع ذلك من إدريس الى أن وجد فرصة لإدريس، فقال له: جعلت فداك، هذه قارورة غالية حملتها إليك من العراق ليس في هذا البلد من هذا الطيب شئ، فقبلها وتغلل بها وشمها وانصرف سليمان الى صاحبه، وقد أعد فرسين، وخرجا يركضان عليهما. وسقط إدريس مغشيا عليه من شدة السم، فلم يعلم من بقربه ما قصته، وبعثوا الى راشد مولاه، فتشاغل به ساعة يعالجه وينظر ما قصته. فأقام إدريس في غشيته هاته نهاره حتى قضى عشيا، وتبين راشد أمر سليمان فخرج في جماعة يطلبه... (1) الخبر. كانت هذه إحدى طرق التصفية الجسدية عند الحكام، وقد وقفت على أسلوبهم وكيفية استغلالهم المذهب كسلاح ضد الطالبيين، وان سليمان بن جرير مع كونه من متكلمي الزيدية البترية وأولي الرياسة فيهم، تراه يدخل ضمن المخطط، وأن جملة سليمان: (ان السلطان طلبني لما يعلمه من مذهبي) فيها إشارة الى أن فقه الطالبيين هو غير فقه السلطان وأن الحكام استخدموا الشريعة لصالح السياسة ليتعرفوا على الطالبيين وفق ما يؤدونه من العبادات! ومن خلال موقف سليمان نصل الى انه كان من المندسين الفكريين في صفوف الزيدية، ومن ثم استخدمه السلطان للغدر والخيانة. ونود أن نوضح هنا نقطة ذكرها بعضهم للطعن في الشيعة وهي: إن الشيعة اجتمعوا الى زيد وسألوه عن أبي بكر وعمر، وما هو رأيه فيهما؟ أو أنهم سألوه البراءة منهما؟ فأجابهم بخلاف ما أرادوا من الطعن في الشيخين،


(1) مقاتل الطالبيين: 489.

[ 327 ]

فتفرقوا عنه فسماهم الرافضة! فلفظ الرافضة - على هذا التصور - قد جاء من إطلاق الأمام زيد عليهم هذه التسمية، وذلك لرفضهم الشيخين، لا غير! الحقيقة أن الشيعة لم يسألوا زيدا عن الشيخين ورأيه فيهما، وخاصة في ذلك الموقف الحرج، بل إن الحكام وأذيالهم كانوا يريدون بث روح الفرقة بين صفوف الأمام زيد، وكان المخطط لهذه المكيدة الوالي يوسف بن عمر. قال ابن عساكر: (... فخرج زيد في أربعة آلاف بالكوفة، فاحتال عليه بعض من كان يهوى هشاما، فدخلوا عليه.. وقالوا: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فقال زيد: رحم الله أبا بكر وعمر، صاحبي رسول الله، ثم قال: أين كنتم قبل اليوم) (1). أراد المندسون بإثارتهم هذا السؤال أحد أمرين، وفي كليهما نجاح تلك الخدعة، فهو إما أن يتبرأ زيد من الشيخين ويسئ القول فيهما، فيتخذ ذلك ذريعة لسفك دمه، وتلك وسيلة اتخذها الحكام على طول التاريخ للأطاحة بالعلويين، وإما أن لا يتبرأ، فيثار ضده السؤال: كيف لا يتبرأ زيد ممن ظلم العلويين وغصب حقهم؟ وقد نجحت المؤامرة حقا وتفرق عنه أهل الغدر وذوو الاطماع. يقول الأستاذ الخربوطلي: (ولجأ يوسف بن عمر الى الحيلة، فدس لزيد بين أنصاره من يسأله عن رأيه في أبي بكر وعمر... (2)). وفي الطبري: إن يوسف بن عمر هذا أعطى لبعض جواسيسه الأموال ليتعرف على أصحاب زيد، وان في قول زيد (أين كنتم قبل اليوم) إشارة الى أن المخاطبين ليسوا من الشيعة بل هم من أتباع الوالي، لأن الشيعي لا يجهل رأي أهل البيت فيما طرح، وعليه فما معنى إثارة هذا السؤال في ذلك الموقف الحرج، في ساعة حرب وتأهب، وهياج وتحزب؟! كما انهم يعرفون الجند واختلاطهم


(1) تهذيب تاريخ دمشق، لابن عساكر 6: 25. (2) الدولة العربية الأسلامية: 305، عنه في: الأمام الصادق 1: 126.

[ 328 ]

من عناصر مختلفة، فكيف يهبط بهم الشذوذ في التفكير الى هذا المستوى، في حين هم الى الاجتماع أحوج منهم إلى الفرقة واختلاف الرأي؟! وبهذا، تجلى لنا أن الحكام قد اتبعوا طرقا لاحتواء الزيدية، منها: 1 - دس علماء السوء بين صفوفهم، وكانت مهمتهم: محاولة إبعاد الفصائل الثورية الزيدية عن فقه علي بن أبي طالب. 2 - بث النعرات المذهبية بين صفوف الزيدية. 3 - محاولة خلق فجوة خلاف بين الطالبيين وغيرهم، وسواها الكثير. أما العلويون فكانوا - بقدر المستطاع - يسعون للمحافظة على وحدتهم سياسيا وفكريا، مما دعا المنصور لأن يعتب على الزيدية لتعاونهم مع بني الحسن بقوله: (ما لي ولبني زيد! وما ينقمان علينا؟! ألم نقتل قتلة أبيهما ونطلب بثأره ونشفي صدورهما من عدوهما (1)؟! وكيف لا ينقمون على العباسيين وهم يرون بأم أعينهم ذلك الدور التخريبي الذي يمارسونه والذي فاق دور وممارسات الأمويين خسة وحقدا! وأما العامل الثالث: فهو احتواء بعض الفقهاء لثورة زيد بن علي. من الثابت في كتب التاريخ ان الأمام النعمان بن ثابت (أبا حنيفة) كان من المؤيدين للثورات العلوية، كثورة زيد بن علي بالكوفة، ومحمد النفس الزكية في المدينة، وأخيه إبراهيم في البصرة، وكان من الداعين للخروج على طاعة السلطان الفاسد. ومن الطبيعي أن تؤثر هذه المواقف على نفسيات المجاهدين مما يولد لديهم حالة من التعاطف مع الأمام أبي حنيفة، مضافا الى أن أصول فقه أبي حنيفة كانت توافق الرأي وترتسم وفق القياس، وانه كان يجادل مخالفيه الفقهيين ويبين لهم وجوها من الرأي مما كان يعجب كثيرا من الناس، هذا من


(1) مقاتل الطالبيين: 406 - 407.

[ 329 ]

جهة. ومن جهة ثانية، كان الأمام أبو حنيفة يعيش في الكوفة، ويرى ان غالب أهلها علويون فكرا، فكان عليه أن يتسلح بسلاح الحديث والمأثور الى جوار ما يحمله من الاستدلال والرأي، فذهب الى المدينة للاستزادة من حديث محمد الباقر وجعفر الصادق لتقوية مكانته الاجتماعية في الكوفة أكثر من ذي قبل. قال المستشرق رونلد سن: إن الشيعة كانوا يحترمون ويجلون أبا حنيفة لصلاته الودية بالأمام جعفر الصادق، وقد ازداد إعجابهم به حينما قال عن العباسيين: إنهم لو أرادوا بناء مسجد وأمروه بإحصاء الاجر فانه لا يفعل، لأنهم فاسقون والفاسق لا يتولى الأمامة (1). أما الأمامان الباقر والصادق فكانا يتخوفان على شيعتهم من الأمام أبي حنيفة وأشاروا عليهم بالحيطة والحذر من آرائه لمخالفتها أصول مدرستهم (مدرسة السنة والتعبد) بل ولموافقة اجتهاد الأمام أبي حنيفة للرأي والقياس، في حين يرى أهل البيت أن دين الله - أي التشريع - لا يقاس بالعقول. هذا وان القول بالرأي لا يدل على كون قائله من المتأثرين بالحكومة قطعا، أو هو من أتباع السياسة الأموية، بل ان الفقيه قد يوافق السلطان في رأيه وقد لا يوافقه، ومن ذلك ما قلناه في مسألة الوضوء العثماني، فإن ذهاب أبي حنيفة الى وضوء عثمان لا يعني انه قد استجاب للسلطان أو تأثر بالأجواء الحاكمة، بل انه تبنى هذه الوجهة لموافقتها للأصول التي رسمها لنفسه وبنى عليها فقهه. وعليه، فإن توافق الاراء لا يعني تطابق السياسة والمنحى، وقد عرف عن الأمام أبي حنيفة انه كان الوحيد في الكوفة الذي يترحم على عثمان بن عفان. وقد نقل سعيد بن عروبة ذلك بقوله: (قدمت الكوفة، فحضرت مجلس أبي حنيفة، فذكر يوما عثمان فترحم عليه. فقلت له: وأنت يرحمك الله!! فما سمعت أحدا في هذا البلد يترحم على عثمان


(1) عقيدة الشيعة: 143.

[ 330 ]

غيرك؟) (1). ولنوضح ما قلناه بتقرير آخر: مضى على الوضوء العثماني والى أيام ثورة الأمام زيد بن علي ما يقارب القرن من الزمن، فلا يعقل أن لا يترك هذا الوضوء بصماته على الحديث ومواقف التابعين، مع ما عرفت من سعي الحكومة في تبني فقه الخليفة عثمان ونشر ارائه، مضافا الى ان مدرسة عثمان في الوضوء - كما سيتضح لك لاحقا - كانت تبتني على الرأي والاستحسان. وهذه الرؤية كانت تتحد في بعض أصولها مع فكر الأمام أبي حنيفة، فذهاب أبو حنيفة الى الوضوء الثلاثي الغسلي إنما جاء لاعتقاده بصحة تلك الأحاديث المنقولة وموافقتها لأصول مذهبه وليس لتأثره بالاتجاه الحكومي، إذ انه قد حضر عند عطاء بن رباح في مكة، ونافع مولى ابن عمر في المدينة، وأخذ عن عاصم بن أبي النجود، وعطية العوفي وعبد الرحمن بن هرمز مولى ربيعة بن الحارث، وزياد بن علاقة، وهشام بن عروة وآخرين، وغالب هؤلاء كانوا يتحدون في الفكر والاراء. وعلى هذا، تكون الزيدية قد تأثرت بالفقه الحنفي للعلاقات والمواقف التي وقفها الأمام لهم، فإنهم قد تمسكوا بالفقه الحنفي وتركوا ما كان رسمه لهم زيد من فقه آبائه عن رسول الله (ص)، وذلك لعاملين: 1 - خلو الكوفة من علماء الزيدية - بعد مقتل الأمام زيد - وانشغال الطالبيين بمقارعة الظالمين، وبذلك تهيأت الأرضية لأبي حنيفة لاحتوائهم فكريا لقربه إليهم مكانيا وسياسيا. 2 - ابتعادهم عن فقهاء الطالبيين الموجودين في المدينة، كعبد الله بن الحسن وجعفر بن محمد الصادق، وسعي المندسين في صفوف الثوار لبث روح الفرقة بين صفوفهم وإشاعة كون عبد الله بن الحسن ليس بفقيه ولا يجوز الرجوع إليه، وأن جعفر بن محمد لا يمكن الأخذ عنه لتقاعسه عن الجهاد مع زيد، وما شاكل ذلك من الشبهات، كل ذلك ليحصروا الأخذ في الأمام أبي حنيفة.


(1) تاريخ المذاهب الأسلامية: 261، عن الانتقاء لابن عبد البر: ص 130.

[ 331 ]

وقد ثبت في علم الاجتماع أن الخلاف بين الأقارب - سواء في العقيدة أو النسب - يكون أكثر وضوحا من الخلاف بين الأباعد، فلو لحظنا - مثلا - الخلاف بين الشيعي والسني - في العقائد وغيرها - لرأيناه يشغل كثرا من وقت المسلمين، مع تقارب نظرهم واستقائهم من أصول واحدة واتحادهم في كثير من الميادين والأصول، في حين لا نرى مثل هذه المواجهة بين المسلم وبين اليهودي أو المسيحي مع اختلافهم معهم في أكثر من أمر، وهكذا الأمر بالقياس الى الخلاف النسبي بين الأقارب، فإن الخلاف بين الأخوة وبين الأعمام تظهر ملامحه سريعا على عكس الخلاف بين الأباعد. ولما كان الفقه الزيدي يستوحي فقهه من العترة وأن الأمام جعفر بن محمد الصادق هو ابن أخ الأمام زيد بن علي، فإن المندسين بين صفوف الزيدية يسعون لتكدير الموقف بين الزيدية والجعفرية عن طريق رفع مستوى التوقعات وطرح بعض الشبهات، ليبعدوا أنظار الزيدية عن أعلام الطالبيين في المدينة، حتى يسهل الالتفاف عليهم لاحتوائهم فكريا. وتبين بهذا أن القريب دوما يتوقع من قريبه - أكثر من البعيد أو المختلف معه - أن يؤازره وينصره، وأن يسير معه، وحينما لا يلمس هذا التعاون - رغم ما بهذا من مسوغات وأدلة - نراه يبتعد شيئا فشيئا عن قريبه، ولربما بلغ به الأمر أن يجعله في ضمن أعدائه ومناوئيه، وخصوصا إذا لحظنا بعد المسافة بين الكوفة والمدينة ووجود أعلام كالأمام أبي حنيفة في الكوفة! ولأجل كل هذا، نرى بصمات الفقه الحنفي ظاهرة على الفقه الزيدي، ويمكننا أن نعد أكثر من ثلثيه مأخوذا عن الأمام أبي حنيفة، وقد أكد هذه الحقيقة الشيخ محمد بخيت - مفتي الديار المصرية في أوانه - في تقريظه لمسند الأمام زيد بن علي، بقوله: أما بعد، فاني اطلعت على هذا المجموع الفقهي الذي جمعه الأمام عبد العزيز بن إسحاق، المنسوب بالسند الصحيح الى الأمام الشهيد زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي ابن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه، صهر الرسول وزوج البتول بضعة الرسول (ص)، وقرأته على راويه حضرة الأستاذ الشيخ

[ 332 ]

عبد الواسع، فوجدته مجموعا جمع من المسائل الفقهية والأحكام الشرعية ما هو مدلل عليه بالايات القرآنية والأحاديث النبوية، وهو موافق في معظم أحكامه لمذهب الأمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، وحيث ان مذهب الزيدية في العلوم الشرعية لم يشتهر في الديار المصرية... (1). وبهذا، يحتمل أن يكون مجئ الأمام أبي حنيفة الى المدينة - مضافا الى تقوية مكانته الاجتماعية في الكوفة - إنما كان لاختراق صفوف الشيعة الأمامية. أما حيطة الأمام جعفر بن محمد الصادق وتركيزه على الأخذ بالمأثور وترك الرأي والقياس وتنظيمه لحلقات الدرس وقوله: (ليت السياط على رؤوس أصحابي حتى يتفقهوا) وتأكيده على الفقه.. فإنه هو الذي أحبط بادرة الأمام أبي حنيفة في محاولة اختراقه للفقه الشيعي، بخلاف الزيدية الذين انشغلوا بالحرب والكفاح المسلح وعدم وجود أئمة من أهل البيت بينهم مما أدى الى خلق فجوة وفراغ فقهي عندهم اضطرهم الى الالتجاء لفقه أبي حنيفة. بين وضوء زيد ووضوء الزيدية وعلى هذا فالوضوء المتداول بين الزيدية اليوم لم يكن وضوء الأمام زيد بن علي، إذ انه ليس بوضوء أبيه علي بن الحسين، وليس بوضوء جده علي بن أبي طالب وليس بوضوء أخيه الباقر، ولا ابن أخيه الصادق، وليس بوضوء ابن عمه عبد الله بن محمد بن عقيل، ولا هو وضوء عبد الله بن عباس وغيرهم من الطالبيين، بل هو وضوء الأمام أبي حنيفة وفق ما ثبت عنده من الأصول والمباني، ومثل هذا الحكم الشرعي كثير في فقه الزيدية. قد جاء في مقدمة مسند الأمام زيد: ومما جرى عليه الناس ولم يعرفوا سبب ذلك هو عدم ذكر


(1) من مقدمة مسند الأمام زيد بن علي: 36، وحكى المامقاني في تنقيح المقال 1: 3 36 عن الوحيد البهبهاني (في ترجمة الحسين بن علوان) ان الزيدية في الفروع مثل العامة.

[ 333 ]

آل رسول الله (ص) في الكتابة في كتبهم في لصلاة. وسبب عدم ذكرها ان الأموية شددت في ذكر الال كما هو مشهور من قتلهم وتشريدهم في البلاد، حتى ان الحجاج منع من التحديث عن علي كرم الله وجهه، حتى كان الحسن البصري جماعة من التابعين إذا رووا حديثا وكانوا في الجوامع لم يقدروا أن يصرحوا بذكر علي خوفا من سيف الحجاج، فكانوا يقولون: وعن أبي زينب عن النبي (ص) فجرى الناس على ذلك من عدم ذكر الال، والان بحمد الله زال المانع وذلك الزمن المخوف، والان كتب الهند وبعض الكتب المصرية الحديثة وأمثالها الذين أهلها متنورون، صاروا يذكرون الال في الصلاة بعد ذكر النبي فيجعلونها من جملة الصلاة، والصلاة على النبي التي لا يذكر فيها تسمى الصلاة البتراء المنهي عنها كما في الحديث: (لا تصلوا علي الصلاة البتراء) قيل: يا رسول الله، وما الصلاة البتراء؟ قال: (أن تصلوا علي ولا تصلوا على آلي). وأخرج الدارقطني والبيهقي في حديث: (من صلى علي ولم يصل على أهل بيتي لم تقبل منه) وأخرج مسلم وغيره... (1) هذا ولو سلمنا جدلا بأن الأمام زيد بن علي كان قد توضأ وغسل رجليه - مع انا قد أوضحنا عدم وقوع ذلك - فهو لا يدل على مشروعية ذلك الفعل وكونه سنة رسول الله، إذ ان الأمام زيدا كان موقفه موقف الأمام العادل الذي يجب عليه التحلي بجميع فضائل الأمام العادل المجاهد ضد أئمة الجور، وأن يحذر كل الحذر من إشغال أصحابه في الجزئيات والفروع، خوفا من وقوع الخلاف بينهم، وقد التف بالفعل حوله أغلب الفرق الأسلامية، حتى المرجئة والخوارج،


(1) مقدمة مسند الأمام زيد: 34.

[ 334 ]

فيحتمل أن يكون الأمام زيد قد أتى بالوضوء الغسلي رعاية لحال غالبية الجند ووحدة الصف وإن كان لا يعتقد بمشروعيته، وقد لحظ مثل هذا الموقف في كلام إبراهيم بن عبد الله بن الحسن في الصلاة على الميت وقوله: (هذا أجمع لهم، ونحن الى اجتماعهم محتاجون، وليس في تكبيرة تركتها ضرر إن شاء الله) (1). وقد صدرت عن الصادق نصوص كثيرة في صلاة الجماعة مع العامة رعاية للصف الأسلامي ولزوم الصلاة معهم، فقال: (ومن صلى معهم في الصف الأول كمن صلى خلف رسول الله في الصف الأول) (2). وقوله: (يا إسحاق، أتصلي معهم في المسجد؟) قلت: نعم قال: (صل معهم، فإن المصلي معهم في الصف الأول كالشاهر سيفه في سبيل الله) (3) وقوله: (إذا صليت معهم، غفر الله لك بعدد من خالفك) (4). تلخص مما سبق بهذا عرفت أن موقف الأمام زيد في الوضوء لا يمكن أن يخالف موقف جعفر بن محمد الصادق وبني الحسن، بل ان فقه الجميع واحد كما رأيت دعوتهم وتأكيدهم على وحدة الصف الأسلامي في أمور متشعبة ومختلفة. وان الخلاف لو حدث بينهم إنما كان لأحد العوامل التالية: 1 - سيطرة الروح الثورية على بني الحسن والزيدية وتأثرهم بأقوال المندسين بين صفوفهم وقناعتهم بتلك الشبهات، مثل ان جعفر بن محمد الصادق لا يجوز الأخذ بكلامه لقعوده عن القتال مع زيد والنفس الزكية و...!


(1) مقاتل الطالبيين: 406. (2) من لا يحضره الفقيه 1: 250 / 1126، أمالي الصدوق 300 / 14، الكافي 3: 380 / 6. (3) تهذيب الأحكام 3: 277 / 809. (4) من لا يحضره الفقيه 1: 265 / 1211.

[ 335 ]

2 - دور الحكام في اتساع الفجوة بين الزيدية والأمام الصادق، بل التمهيد وبصورة غير مباشرة الى الأخذ بفقه الأمام أبي حنيفة. 3 - حصول فراغ فكري في الطائفة الزيدية - بعد مقتل الأمام زيد بن علي عام 120 - لمدة تقارب الثلاثين عاما، أي حتى عام 150، وهي المدة التي استطاع الفكر الحنفي أن يخترق خلالها صفوف الفقه الزيدي. وقلنا بأن تعلق الزيدية بفقه الأمام أبي حنيفة كان لعاملين: أ - قرب الأمام أبي حنيفة منهم مكانيا وسياسيا، وتعاطفه مع المجاهدين منذ عهد الأمام زيد وحتى قيام محمد النفس الزكية بالمدينة وأخيه إبراهيم بالبصرة. ب - عدم وجود فقيه من أهل البيت في الكوفة، ولو اعتبرنا الأمام يحيى بن زيد هو الفقيه من أهل البيت فإنه لم يعش إلا خمس سنوات بعد والده وقد خذلته الزيدية. وإن قلنا انه أحمد بن عيسى بن زيد، فإن جل فقهه مأخوذ من تلامذة الأمام أبي حنيفة، وكذا الأمر بالنسبة الى القاسم بن إبراهيم الرسني الحسني، ويحيى بن الحسين بن القاسم، وغيرهم من أعلام العلويين. والذي يؤكد حقيقة ما قلناه من تبدل الفقه الزيدي وبعده عن آراء زيد، هو اضطراب مباني الفقه الزيدي اليوم، فتراها ملفقة وخليطا من مباني عدة مذاهب، فهم يقولون بحجية المصالح المرسلة في حين أن الحنفية والشافعية والحنبلية لم يعدوها من أصولهم، ثم يقولون بالقياس في حين أن الأمامية والظاهرية يأبيانه، وهكذا في كثير من مبانيهم الفقهية. الى هنا ننهي الكلام عن الوضوء في العهد الأموي، وننتقل الى دراسة الوضوء حتى نهاية العصر العباسي الأول.

[ 337 ]

العهد العباسي الأول (132 - 227 ه‍) طال العهد العباسي أكثر من خمسة قرون، وقد حفل بأحداث سياسية وتيارات فكرية وحركة علمية، ومظاهر حضارية، فلا يمكننا بهذه العجالة اعطاء صورة تفصيلية وتقديم فكرة شاملة لها، بل نقتصر في الكلام عن العهد العباسي الأول - أي من عام 132 لغاية 232 - إذ تأسست فيه المذاهب الأربعة، وتأصلت العلوم، ونشطت حركة الترجمة، واختيار المعلمين لأبنائهم، والسعي في تدوين الفقه والتاريخ واللغة وغيرها من أصول الثقافة الأسلامية، ونظرا لعناية الحكام بالجانب الثقافي والسعي في تدوين العلوم، أحببنا تناول موضوع واحد من تلك المواضيع الكثيرة المتشعبة، لنسلط عليه الضوء، ألا وهو: الفقه ودور الحكام فيه المعروف عن الحركة العباسية - في بداية أمرها - انها كانت حركة دينية تدعو إلى (الرضا من آل محمد). وقد شمل هذا الشعار بالفعل جميع فصائل المعارضة الأسلامية ضد الأمويين، إذ أنه شعار جماهيري نبع من ضمير الأمة، أدركته الأمة وتفاعلت معه، منذ مقتل الحسين بن علي بكربلاء وسبي نسائه إلى الشام، وحتى سقوط الدولة الأموية. وقد اتخذ العباسيون اللون الأسود شعارا لهم، ليظهروا به الحزن والحداد على أهل البيت، وليعلموا الناس بأنهم يريدون الانتقام ومحاربة الضلالة الأموية. فالتوابون ثاروا أولا - قبل العباسيين - على النظام الأموي الفاسد وطالبوا بثأر الحسين، ثم تلت ثورتهم ثورة المختار الثقفي، وزيد الشهيد، وابنه يحيى، وعبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب وسواها. ان الثورات والانتفاضات - في أواخر العهد الأموي - كافة كانت تدعو الى الرضا من آل محمد (ص)، وبنو العباس كانوا من أولئك الذين قاتلوا تحت هذا

[ 338 ]

الغطاء، ونظموا الحركات السرية باسم هذا الشعار، لكن سرعان ما بدأوا يغيرون رأيهم عندما أخذوا يشعرون بقوتهم، وظهور بوادر الانتصار على الأمويين، فسعوا للابتعاد عن العلويين وعن هذا الشعار شيئا فشيئا، فبدأوا يطرحون مفاهيم وآراء مستقلة جديدة، بل ادعوا أن أبا هاشم العلوي، ابن الأمام محمد بن علي بن أبي طالب - إمام الكيسانية في وقته - قد أوصى لمحمد بن علي بن عبد الله بن العباس بالخلافة من بعده، عندما قربت وفاته وهو في الحميمة - وهي القرية التي أهداها عبد الملك بن مروان لعلي بن عبد الله بن العباس جد العباسيين الثاني لترضيته! أما العلويون فلم يقبلوا بشرعية خلافة بني العباس، خاصة بعدما ادعاه العباسيون من وصية أبي هاشم بن محمد بن الحنفية لعلي بن محمد بن عبد الله ابن العباس، ذلك لأن العلويين كانوا يرون الخلافة للفقهاء من آل محمد، وهم الأئمة من آل البيت الموجودون ذلك اليوم. فتراهم ينددون بالعباسيين في أكثر من موقف وقضية ويعتبرونهم قد تستروا بغطاء (الرضا من آل محمد) ليحرفوا مسيرة الثورة ويزوروا آمال الجماهير المؤمنة. وشك أن الدعوة تحت هذا الشعار تعني كون الأمر إلى آل البيت النبوي، وهم: علي وأبناؤه الميامين والمضطهدون في العهد السابق، الذين تحملوا ألوان الأذى وأنواع الرزايا والمحن، من سم الحسن المجتبى، وقتل الحسين الشهيد، وسب علي بن أبي طالب.. وأن الدعوة تحت هذا الشعار تعني أن الناس كانوا يدركون موضع أهل البيت، وأنهم كانوا يريدون ويسعون إلى إيصال الحق لأهله. غير أن بني الأعمام - عندما وصل الأمر إليهم - قد قلبوا للعلويين ظهر المجن، فسعوا لتحريف معنى الال والتأكيد على أن هذا اللقب والشعار كان لهم هم دون العلويين، فانهم المعنيون بآل محمد، ثم راحوا يعضدون مدعاهم بالشاهد تلو الشاهد، وقد رغب الحكام الشعراء لنظم الشعر في ذلك فأخذت القصائد تنشد تلو القصائد (1).


(1) انظر: تاريخ بغداد 13: 142 - 143.

[ 339 ]

والحق أن الثابت في التاريخ هو أن العباس بن عبد المطلب - جد العباسيين الأول - وابنه عبد الله كانوا من الحماة والمدافعين عن علي بن أبي طالب في كل الظروف والمواقف، وان ما حفظه التاريخ من كلامهم ومواقفهم ليؤكد على أنهم كانوا يؤمنون بخلافة علي، بل كانوا يصرحون بوصاية الرسول لعلي بن أبي طالب. وقد تناقلت المصادر أن العباس بن عبد المطلب قد تخلف عن بيعة أبي بكر، ولم يشارك في اجتماع السقيفة، بل بقي بجنب علي يجهزان الرسول حتى واروه التراب، دعما لعلي، وأن مواقفه في الشورى - بعد مقتل عمر - وغيرها تؤكد هذه الحقيقة. وهكذا الحال بالنسبة إلى عبد الله بن عباس، فإنه كان من المحامين والمدافعين والمقرين بفضل علي بن أبي طالب وحقه، وأنه وأولاده هم أحق بالأمر من غيرهم وقد نقلت هذه الحقيقة عنه تلويحا وتصريحا في أكثر من موقف وقضية. وإنا لا نرى ضرورة في تفصيل هذه الأمور ونقتصر فيه على ما دار بين الرشيد وشريك القاضي بحضور المهدي العباسي: قال الرشيد لشريك القاضي: ما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال: ما قال فيه جدك العباس وعبد الله. قال: وما قالا فيه؟ قال: فأما العباس فمات وعلي عنده أفضل الصحابة، وكان يرى كبراء المهاجرين يسألونه عما ينزل من النوازل، وما احتاج هو (ع) إلى أحد حتى لحق بالله. وأما عبد الله فانه كان يضرب بين يديه بسيفين، وكان في حروبه رأسا منيعا وقائدا مطاعا. فلو كانت إمامته على جور، كان أول من يقعد عنها أبوك لعلمه بدين الله وفقهه في أحكام الله، فسكت المهدي، ولم يمض بعد هذا المجلس إلا قليلا حتى عزل شريك (1). لكنا، ماذا نقول عن الأبناء وموقفهم من علي وأبنائه، فحب السلطان وزخارف الدنيا قد أعمى بصائرهم، فنراهم يقدمون الدين فداء للدنيا، والشريعة


(1) تاريخ بغداد 9: 292.

(1) الأنعام: 153.

[ 340 ]

قربانا للسلطان، وصاروا يدعون ما ليس لهم، فنرى الأحكام الألهية في عهدهم تأخذ طابعا سياسيا ويستخدمون الدين ضد الدين كما عهدناه سابقا في الحكم الأموي، فتتأصل فيه أراء فقهية وترى وضع الأحاديث ينساب ويتتالى تقربا إلى السلطان، وأن القارئ سيقف على بعضها، حينما يقتضي السياق بيان ذلك. وسنبين حال الوضوء في هذا العهد وهل تأثر بالسياسة أم بقي بعيدا عن المجريات الحكومية؟ وذلك بعد تقديمنا عرضا تاريخيا للعهد العباسي الأول، ودور الحكام في حدوث المذاهب الفقهية ودعمهم لها، وما أصاب العلويين من الظلم، وانه كان أضعاف ما أصابهم في عهد الأمويين، حتى قال الشاعر: فليت ظلم بني مروان دام لناوليت عدل بني العباس في النار وكذلك: تالله ما فعلت أمية فيهمومعشار ما فعلت بنو العباس ولعل فيما عرضناه ما يساهم في معرفة واقع الأمة الاجتماعي والسياسي، ويوقفنا على ملابسات اختلاف المسلمين في الأحكام الشرعية. وان الخوض في مثل هذه البحوث من شأنه أن يقدم للفقيه والمحقق الباحث ومن يهتم بمسائل الخلاف بين المسلمين وغيرهم رؤية دقيقة وتكشف عن أمور لم تدرس من قبل في مجال الفقه والشريعة، مع أنها بحوث كانت جديرة بالدراسة قبل اليوم، وخصوصا في الفروع الفقهية المختلف فيها بين الأمة. وإن محاولتنا في الوضوء هي خطوة أولية في هذا الباب، نأمل أن تتبعها محاولات أخرى من قبل الأعلام. وإذ كانت هذه المحاولة - التي قدمناها في الوضوء - هي حديثة عهد ولم يقدم فيها نموذج تطبيقي لحد الان، كان التفصيل في بعض المجالات وخصوصا تاريخ حدوث المذاهب وبيان أسباب اختلاف المسلمين ضروريا في غاية الضرورة، إذ لا يعقل أن يختلف المسلمون الى هذا الحد في بيان حكم الله الأحد، والمنزل في الكتاب المتفق عليه عند الجميع، والمبين من قبل الرسول المعروف عند الجميع إمكان تصحيح كل النقولات عنه (ص) وذلك لأيماننا:

[ 341 ]

بعدالة كل الصحابة، أو قولنا بمعذورية الأخذ بأيهما لقوله (ص): (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، وكيف يصح الاختلاف في أمة هي خير الأمم لقوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس...، والان نتساءل: هل حقا أن رأي الجميع حجة؟ وكل القواعد المرسومة في الفقه هي قواعد صحيحة سديدة تماما لا مجال فيها لخطأ أو اشباه؟! أم أن هناك بعض المفاهيم والرؤى حكومية المنبع يجب التوقف عندها ومعاودة النظر؟! تغيير بعض المفاهيم الروائية هل يصح ما قيل عن اختلاف الأمة وأن هذا الاختلاف رحمة للمؤمنين، لأنهم في الخيار: من أين مذهب شاءوا أخذوا؟! وكيف يتطابق هذا المفهوم مع ما قيل عن رسول الله (ص): (ستفترق أمتي إلى نيف وسبعين فرقة. فرقة ناجية، والباقي في النار)؟! ومن هي تلك الفرقة الناجية؟ وكيف تكون الفرقة الناجية واحدة من بين الجميع، ويكون عمل الجميع صحيحا؟ ولم لم يقل النبي (ص) مثلا: كلها ناجية وواحدة في النار؟! أليس هناك تضارب بين هذه الروايات إن لم نقل التناقض؟! وما هو حكم الله الأحد والمنزل في الكتاب الواحد؟ وهل حقا أن مفهوم (اختلاف أمتي رحمة) هو مما قاله فقهاء العامة، أم ما قاله الصادق من آل محمد وهو في معرض جوابه عن اعتراض السائل: إذا كان اختلافهم رحمة.. فباجتماعهم نقمة؟! قال جعفر بن محمد الصادق: ليس حيث ذهبت ويذهبون - يعني في تفسير هذا الحديث - إنما قصد رسول الله (ص) اختلاف بعضهم إلى بعض، يعني يسافر بعضهم إلى بعض وينظر إليه ويقصده لأخذ العلم عنه، واستدل على ذلك بقوله تعالى: (فلولا نفر من كل طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) ثم أضاف قائلا: فإذا اختلفوا في الدين صاروا حزب إبليس.

[ 342 ]

وعلى ضوء هذا التفسير نفهم بأن الله تعالى أرسل النبي (ص) بوحدة العقيدة لا للاختلاف فيها كما يريده الحكام، وأن الايات القرآنية تؤكد على الاعتصام بحبل الله ونبذ التفرق سواء في الفقه أو في العقيدة، وتشير بوضوح الى أن صراطه مستقيم لا التباس فيه ولا التواء، لقوله تعالى وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (1). خلط واستدراج اتضح مما سبق ان العباسيين كانوا يسعون لتغيير بعض المفاهيم وتأصيل مفاهيم أخرى مكانها، كما فعل الأمويون قبلهم، وأن ادعاءهم شرف النسبة إلى رسول الله وأنهم هم آل محمد إنما كان من ضمن تلك الخطة السياسية. جاء في التاريخ أن أبا العباس السفاح لما ولي الخلافة في 12 ربيع الأول سنة 132 خطب في الكوفة ووصف بني العباس بأنهم حملة الأسلام وكهفه وحصنه والقوام به والذابون عنه الناصرون له. ثم أشار إلى قرابة العباسيين من رسول الله، وتهجم على العلويين، وادعى أن الله خص بني العباس برحم رسول الله وقرابته، ثم تلا عدة أيات قرآنية تشيد بذوي القربى من الرسول. ثم استخدم بعض التهم القديمة التي طرحتها الحكومة الأموية من قبل، فقال: (وزعمت السبئية الضلال أن غيرنا أحق بالرياسة والسياسة والخلافة منا، شاهت وجوههم)! ثم علل أبو العباس سبب أحقيتهم بالخلافة بقوله: (بنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، وبصرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هلكتهم، وأظهر بنا الحق، ودحض بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسدا، ورفع بنا الخسيسة، وتمم بنا النقيصة، وجمع الفرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة


(1) الأنعام: 153.

[ 343 ]

أهل تعاطف وبر ومواساة). ثم أشار إلى اغتصاب أمية الخلافة فقال: (ورد علينا حقنا، وتدارك بنا أمتنا... (1)) إلى آخر الخطبة. إن هذه الكلمات التي رددها أبو العبا العلويين، بل تجعلهم جميعا في مستوى واحد، وأن استعانته بالكلام عن السبئية وتعريضه بهم يشير إلى وجود تضاد مفهومي وسياسي بينهم، وأن الخليفة بهجمته هذه على السبئية واستغلاله شرف النسبة إلى رسول الله إنما أراد تصحيح خلافته وإسباغ السمة الشرعية عليها. لكن هنا سؤالا يطرح نفسه: لو كان العباسيون حقا هم أصحاب الحق الشرعي، فما معنى تلك المواقف التي وقفها جدهم الأول العباس وابنه عبد الله لمصلحة علي؟!! علما بأنا لم نقف على نص واحد يدل على ان الأجداد قد طالبوا بالخلافة لأنفسهم، بل العكس هو القائم الموجود. فالعباسيون - كما قلنا - استغلوا التعاطف الجماهيري مع أهل البيت لمصلحة دولتهم، وأن عملهم تحت شعار (الرضا من آل محمد) كان يعني انتهاج فقه علي والأخذ بكلام العترة من آله الذي هو امتداد لسنة رسول الله. فقد جاء من الأشارة الى هذا الأمر فيما كان العباسيون أيام الثورة يأخذونه من ميثاق وما يطرحونه من تساؤلات، مثل قولهم: هل فيكم أحد ينكر أن الله بعث محمدا (ص) واصطفاه وبعثه الى جميع خلقه؟ قالوا: لا. قال: أفتشكون أن الله أنزل عليه كتابه فيه حلاله وحرامه وشرائعه وأنباؤه، وأخبر بما كان قبله وبما يكون بعده؟ قالوا: لا. قال: أفتشكون أن الله قبضه إليه بعد أن أدى ما عليه من رسالة ربه؟ قالوا: لا. قال: أفتظنون أن العلم الذي أنزله إليه رفع معه أو خلفه؟ قالوا: بل خلفه.


(1) الكامل في التاريخ 5: 412 - 413 حوادث سنة 132.

[ 344 ]

قال: أفتظنون خلفه عند غير عترته وأهل بيته الأقرب فالأقرب؟ قالوا: لا. قال: أفتشكون أن أهل البيت معدن العلم، وأصحاب ميراث رسول الله (ص) الذي علمه الله؟ قالوا: اللهم لا (1). كانت هذه سياسة العباسيين في بدء الأمر، لكنا نراهم ينحرفون عن هذا النهج، فصاروا لا يسمحون لشيعة علي بالتحديث (2) عنه وعن رسول الله! وفي نفس الوقت يدعون أنهم هم آل محمد الذين أكد الرسول على محبتهم، والمطالبة بحقهم. جاء في خطبة أبي العباس السالفة الذكر: (يا أهل الكوفة، أنتم محل محبتنا، ومنزل مودتنا، أنتم الذين لم تتغيروا عن ذلك، ولم يثنكم ذلك تحامل أهل الجور عليكم، حتى أدركتم زماننا، وأتاكم الله بدولتنا، فأنتم أسعد الناس بنا، وأكرمهم علينا، وقد زدتكم في أعطياتكم بمائة درهم (3). وهو مما يؤكد على هذه الحقيقة، فانه بعدما طرح أسلوب اللين أردفه بالأسلوب التوعدي والتوبيخي فأخذ يقول: أنا السفاح المبيح، والثائر المبير... بهذا الأسلوب سعوا للسيطرة على الأمة وساقوهم إلى ما يريدون. وإن استغلال الشرف الهاشمي كان أنجح أسلوب اتبعوه في سياستهم، ولم يكونوا كالأمويين في تعاملهم مع أولاد علي، بل تستروا بقناع الدعوة إلى أهل البيت والدفاع عن حقوق المظلومين، ثم ادعوا أنهم أهل البيت وأخذوا في تحريف


(1) الكامل في التاريخ 5: 362 - سنة 129. (2) انظر: الكامل في التاريخ وتاريخ بغداد ومقاتل الطالبيين: ص 362 وغيرها من كتب التاريخ وقد وقفت على دور الأمويين قبل ذلك وللمزيد انظر الكامل 3: 430. (3) الكامل في التاريخ 5: 413 - سنة 132.

[ 345 ]

بعض المفاهيم. وكانت هذه الخطة أذكى من أختها بكثير. هذا والمعروف عن العباسيين في الأيام الأولى من عهدهم، أنهم كانوا يجاملون ويدارون أولاد علي، حتى جاء في التاريخ أن السفاح دعا الأمام جعفر ابن محمد الصادق إلى العراق حتى يدله على قبر الأمام علي في النجف ليزوره. لكن سرعان ما تغيرت سياستهم نحو أهل البيت في عهد المنصور، وخصوصا بعد قيام محمد بن عبد الله بن الحسن (ذي النفس الزكية) وأخيه إبراهيم الأمام، فبدأ التشديد والضغط على الطالبيين شيئا فشيئا، وأخذ في النمو والتزايد، واستمر حتى أواخر العهد العباسي. وان التشريع الحكومي - كما ستعرف - قد انتهى بغيبة الأمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت، فجاء الحكام يدعون الناس للجمود على آراء المذاهب، وأطلقوا حرية الأخذ بأيها شاءوا، أما الأخذ بمذهب أهل البيت فهو المحظور الذي يعني الخروج عن الجماعة بل عن الدين!. خيوط السياسة العباسية إن الخلفاء في الفترة الأولى من العهد العباسي بالخصوص أخذوا يرسمون الخيوط العامة لسياستهم المستقبلية في إبعاد بني علي وفاطمة وعزلهم إلى الأبدعن الجماهير المسلمة. ومؤشرات ذلك المخطط كثيرة، نقدم بعضها على نحو الأجمال: 1 - التأكيد على أن خلافتهم كانت شرعية، وأنهم هم آل الرسول المعنيون في الأحاديث النبوية الشريفة، ومنه كسبوا الشرف وأضفوا الشرعية على ممارساتهم وتصحيح ادعاءاتهم الدينية، وأنهم يريدون تطبيق ما أمر به الرسول وتطبيق سنته وإحياء دينه، ولهذا تلقبوا بألقاب تحمل هذا المعنى: الهادي، المهدي، الرشيد، المنصور، الناصر لدين الله، المعز لدين الله، المتوكل على الله و... هذه القضايا كلها تدلل على أنهم قد استخدموا الدين لخدمة أهدافهم السياسة، حتى نراهم يدعون بأن العم يحجب البنت عن الأرث، لكي يحرموا أبناء فاطمة الزهراء بنت محمد رسول الله من كل شئ وحتى يكون العباس - عم

[ 346 ]

النبي - هو الوارث الشرعي! 2 - توسعة دائرة النقاش العلمي بين الفقهاء وأولاد علي، وتنظيم الحلقات العلمية بين المذاهب الكلامية، لتكثير الشبهات والتشكيك في الأسلام، لكي يحرجوا من يدعي العلم من أهل بيت النبوة وفقهاء بني فاطمة، ثم يسقطوهم اجتماعيا وعلميا وسياسيا. 3 - الدعوة إلى ترجمة كتب اليونان والهند والفرس وإدخال بعض علومهم كالفلسفة و.. ضمن العلوم الأسلامية، مع ما تحمل من شبهات برهانية عقلية لنفس الغرض السابق، وإشغال أئمة المسلمين بإجابة تلك المسائل وإبعادهم عن معترك الصراع السياسي والكفاح المسلح ضد السلطة، وليكونوا تحت أنظار وسيطرة الحكومة ورقابتها دائما. 4 - لصق تهمة الزندقة بمعارضيهم، فقد جاء: ان شريك بن عبد الله القاضي كان لا يرى الصلاة خلف المهدي، فأحضره وتكلم معه. فقال له المهدي في جملة كلامه: يا ابن الزانية!! فقال شريك: مه مه يا أمير المؤمنين، فلقد كانت صوامة قوامة. فقال له المهدي: يا زنديق لأقتلنك. فضحك شريك، وقال: يا أمير المؤمنين، ان للزنادقة علامات يعرفون بها: شربهم القهوات واتخاذهم القينات! فأطرق المهدي (1) 5 - السعي إلى تقوية البنية العلمية لأولاد الخلفاء، وتخصيص مربين لهم يعلمونهم كل شئ، حتى يمكنهم بذلك الحفاظ على الملك بابتكار طرق وحلول سياسية جديدة تواكب المرحلة. وبذلك عرفنا: أن الحركة العلمية في العهد العباسي لم تكن خالصة لنشر العلم، بل كانت تستبطن أمرا سياسيا كذلك، وأن دور الخلفاء وسعيهم لاحتواء الفقهاء والمحدثين والقراء والشعراء.. كان ملحوظا فيه الجانب السياسي وتطبيق


(1) البداية والنهاية 10: 157.

[ 347 ]

الأهداف التي ترسمها الحكومة في الشريعة. النفس الزكية والمنصور إن استفادة الحكام من الشريعة لمصلحة الحكم والنظام لم تكن وليدة ساعتها، بل هي خطة، رسمت أصولها وبذرت نواتها في أواخر عهد الشيخين، وأثمرت في العهد الأموي، وأينعت في العهد العباسي، ومن يقرأ رسالة محمد (ذي النفس الزكية) إلى المنصور يؤمن بأن النزاع بينهم كان في المفاهيم، وأن محمدا كان يدعي أنه أحق بالأمر، لأنه هو من الال، فقد جاء في جواب محمد (ذي النفس الزكية) على رسالة المنصور التي أعطاه فيها الأمان: (فإن الحق حقنا، وإنما ادعيتم هذا الأمر بنا، وخرجتم له بشيعتنا، وحظيتم بفضلنا، وإن أبانا عليا كان الوصي، وكان الأمام، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء؟). ثم افتخر على المنصور بانتسابه إلى فاطمة بنت رسول الله، وإلى خديجة أم المؤمنين، وإلى الحسن والحسين سبطي رسول الله (ص). وسخر من الأمان الذي عرضه المنصور عليه، حيث عرف بأنه ينكث العهود والمواثيق إذ المنصور كان قد أعطى البيعة لمحمد بن عبد الله مرتين إحداهما بمكة في المسجد الحرام، والأخرى عندما خرج من بيته فقد أخذ بزمام فرسه وقال: (هذا مهدينا أهل البيت) (1) فمحمد أراد الأشارة إلى هذه الحقيقة، فقا ل: (وأنا أولى بالأمر منك، وأوفى بالعهد، لأنك أعطيتني من العهد والأمان ما أعطيته رجالا قبلي، فأي الأمانات تعطيني، أمان ابن هبيرة؟ أم أمان عمك عبد الله بن علي؟ أم أمان أبي مسلم؟). ولما وصل الى المنصور كتاب محمد غضب غضبا شديدا، وفكر في أن يسحب منه كل ما يتكئ عليه، ويغير المفاهيم التي يستند عليها الطالبيون، منها كونهم أولاد فاطمة، يجب أن تكون الخلافة فيهم، أو أن الرسول قد أوصى إلى


(1) مقاتل الطالبيين: ص 239.

[ 348 ]

علي من بعده... فالمنصور إذ أراد أن يغير هذه الأصول ركز في جوابه لمحمد على قضايا: 1 - نفي كون النفس الزكية هو ابن رسول الله لقوله تعالى: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم بل هو ابن بنت الرسول، وأن هذه النسبة لا تجوز الميراث ولا تورث الخلافة بل لا تجوز لها الأمامة. 2 - ثم ذكر المنصور في جوابه لمحمد أمرا آخر وهو: ان المسلمين اختاروا أبا بكر وعمر وعثمان خلفاء دون علي بن أبي طالب، ليرغم بقوله هذا أنف محمد وغيره من الطالبيين، وقوله: (دون علي) إشارة إلى دور الحكومة العباسية في إبعاد علي ونهجه وعدم اعتباره حتى رابعا من الخلفاء الأربعة.. إلى أن اعتبر كذلك في عهد أحمد بن حنبل، وتقريب الشيخين وعثمان بل كل الصحابة والسير على نهجهم دون علي (ع). فالحكومة الأموية قد رجحت من قبل عثمان على سائر الخلفاء الراشدين لكونه منهم، فقربوا نهجه وأبعدوا نهج علي لبغضهم إياه، فانحسر فقه علي وخط السنة آنذاك. وعندما تسلم العباسيون زمام السلطة احتضنوا نهج الشيخين، وأبعدوا عثمان بغضا للأمويين، وعليا بغضا للعلويين، فبقيت السنة النبوية (نهج علي) في اضطهاد طيلة فترة الحكمين الأموي والعباسي. 3 - ويفهم من رسالته وأصول سياسته أنه رأى من الضروري الاستعانة بالفقهاء وتقريبهم إليه، لاكتساب الشرعية والوقوف على المبررات والحلول في المواقف الحرجة، إذ أنه بتقريبه الفقهاء والعلماء قد جمع في قبضته بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في آن واحد. ولا غرابة في أسلوب المنصور هذا - وهو الداهية - وفي كيفية استغلاله للشريعة، وقد كانت هذه هي سيرة أغلب الحكام من قبله، إذ كانت الاستعانة بالشريعة خير طريقة للتعرف على مخالفيهم وخصومهم، وقد مر عليك سابقا كيفية تشخيص ابن أبي سرح - والي عثمان على مصر - لمحمد بن أبي حذيفة على أنه من مخالفي عثمان وذلك على أثر تكبيرة الأحرام أو الجهر بالقراءة والبسملة. وقد عرفت أن الصحابة كانوا يعترضون على هذه السياسة، وقد أرسلوا وفدا

[ 349 ]

الى عثمان بسبب تغيير ابن أبي سرح أوقات الصلاة ليتعرف عن طريق هذا الأسلوب على مخالفيهم. فالحكام - وكما قلنا - كانوا يريدون التعرف على من يخالفهم في الرأي بتأكيدهم على بعض المفردات العبادية المختلف فيها بين الصحابة، إذ ان الملتزم بخط السنة النبوية لا يمكنه - رغم كل الظروف - أن يتخلى عما يعتقد به إلا أن تكون حالة خاصة تستوجب التستر دفعا للتهلكة عن النفس. وعليه فقد عرفت ان الدعوة للأخذ بالأحكام السلطانية واتباع الحاكم (وان ضرب ظهرك وأخذ مالك) هي دعوة سلطوية بذرت نواتها في أواخر عهد الشيخين وعهد عثمان، ثم نمت في العهد الأموي، ونضجت في العهد العباسي. ويؤكد هذ المعنى قضايا كثيرة منها دعوة عبد الله بن عمر الأمة الى الأخذ بفقه عبد الملك بن مروان، وكلام سعيد بن جبير عن رجاء بن حيوة - أحد الفقهاء السبعة في العهد الأموي - وقوله: ولكن كنت إذا حركته وجدته شاميا يقول قضى عبد الملك بن مروان بكذا وكذا. وأن منادي الدولة الأموية كان ينادي: أن لا يفتي إلا عطاء بن رباح، ومنادي الدولة العباسية: ألا لا يفتي الناس إلا مالك بن أنس وابن أبي ذؤيب. ومنها إرسال نافع الديلمي مولى ابن عمر إلى مصر ليعلمهم السنن، وتصدر سليمان بن أبي موسى ومكحول للأفتاء بدمشق، وما قاله الذهبي عن عبد الله بن ذكوان وانه: ولي بعض أمور بني أمية. وبهذا اتضح بأن الحكام كانوا يستغلون الشريعة لمصالحهم السياسة ولكشف المخالفين، وان العباسيين كانوا أذكى في تعاملهم في هذه المسألة من الأمويين حيث كانوا يفرضون آراءهم تحت غطاء البحوث العلمية والمناقشات الحرة ليتصيدوا في الماء العكر. مطارحة بين الصادق وأبي حنيفة نقل الأمام أبو حنيفة قصة حواره مع الأمام جعفر بن محمد الصادق فقال: قال لي أبو جعفر المنصور: يا أبا حنيفة ان الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهيئ

[ 350 ]

له من المسائل الشداد. فهيأت له أربعين مسألة، والتقينا بالحيرة. ثم قال: أتيته، فدخلت عليه وجعفر بن محمد عن يمينه، فلما بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر بن محمد ما لم يدخلني لأبي جعفر المنصور، فسلمت عليه، وأومأ، فجلست، ثم التفت إليه وقال: يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة! فقال: نعم، ثم التفت إلي فقال: يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد الله من مسائلك. فجعلت ألقي عليه فيجيبني، فيقول: أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا، فربما تابعنا، وربما تابعهم، وربما خالفنا جميعا، حتى أتيت على الأربعين مسألة، وما أخل منها بمسألة. ثم قال أبو حنيفة: ان أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس (1). والنص السابق يوقفنا على عدة أمور: 1 - استغلال المنصور الأمام أبا حنيفة رغم كونه من المخالفين للحكام ومن الذين لم يقبلوا مهنة القضاء في العهدين الأموي والعباسي، أما حينما دخل الاقتراح تحت إطار النقاش العلمي بين الأئمة وبيان الاقتدار الفقهي، فإن أبا حنيفة ساهم في المناظرة، مع علمه بأن الصادق من فقهاء أهل البيت ومن أولاد علي، ومن الذين يكن لهم الاحترام ويعترف بفضلهم وعلمهم. وإن قوله (دخلني من الهيبة لجعفر بن محمد ما لم يدخلني لأبي جعفر المنصور) ليؤكد على هذه الحقيقة وتدل على أن إعداد أربعين مسألة إنما جاء بطلب حكومي وتحت غطاء نشر العلم وبث المعارف. 2 - إن اللقاء كان معدا له من قبل المنصور، لقول أبي حنيفة (قال لي أبو جعفر المنصور: يا أبا حنيفة ان الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهيئ له من المسائل الشداد)، وقول المنصور لأبي حنيفة (ألق على أبي عبد الله مسائلك، فجعلت ألقي عليه فيجيبني).. يفهم منه أنه المبادرة في السؤال كانت بيد أبي حنيفة وأن الأمام الصادق لم يسبق بما سيطرحه أبو حنيفة من مسائل لكي


(1) انظر: الأمام الصادق والمذاهب الأربعة 1: 53، عن مناقب أبي حنيفة للموفق 1: 73، جامع أسانيد أبي حنيفة 1: 222. وانظر تذكرة الحفاظ 1: 166 - 167.

[ 351 ]

يستعد للأجابة، وان قول أبي حنيفة (وما أخل منها بمسألة) ثم قوله (ان أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس) تؤكد على ان الصادق كان أعلم أهل زمانه. 3 - إن جملة (فيجيبني فيقول: أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا، فربما تابعنا وربما تابعهم، وربما خالفنا جميعا) تنبئ عن وجود ثلاثة خطوط فكرية في الشريعة: أ - قول أهل العراق. ب - قول أهل المدينة. ج - قول أهل البيت. وأن مدرستي العراق والمدينة - كما ستعرف - كانتا مدرستين في قبال مدرسة أهل البيت، إذ كان بعضهم يفتي طبق الأثر والاخر طبق الرأي، ولم يكونوا على اختلاف مع السلطة، بل نراهم دوما يخضعون لها ويأمرون بمسايرتها ويرون وجوب إطاعة السلطان برا كان أم فاجرا، ويقولون بجواز الصلاة - وهي عمود الدين - خلفه. وان جملة أبي حنيفة (فربما تابعنا، وربما تابعهم، وربما خالفنا جميعا) تؤكد على أن الأحاديث المروية عن النبي (ص) في المدونات ليست جميعها صحيحة النسبة إليه (ص)، فترى الصادق - وهو من أهل البيت - وأهل البيت أدرى بما فيه يوافق أهل العراق لصحة مروياتهم عن رسول الله تارة، ويوافق أهل المدينة لصحة نقلهم عنه (ص) تارة أخرى وفي ثالثة يخالفهم جميعا ويبين موقف أهل بيت الرسالة فيه. وعليه فان موافقته لأحد هاتين المدرستين تدل على وجود جذور لمدرسة أهل البيت عندهم. وبه يرد كلام الدكتور محمد كامل حسين في مقدمته لموطأ مالك: (ويروي الشيعة عن طريقه (أي الصادق) أحاديث لا نجدها إلا في كتب الشيعة (1). كما يرد كلام ابن سعد في طبقاته حيث قال: (إن جميع ما روي عن الباقر لا


(1) موطأ مالك: المقدمة (اك).

[ 352 ]

يحتج به) (1). فإن كلامهما يفنده كلام أبي حنيفة، ويفنده الواقع الفقهي للمسلمين، ويدلك على انه ليس من الحقيقة بشئ وإنما هو محض تعصب وتجن على فقه المسلمين. وبذلك تبين لنا أن فقه الصادق ليس بأجنبي عن فقه الصحابة، فقد ترى شيئا منه تارة عند أنس وشيئا آخر عند عائشة وغيره عند حذيفة وهذا... وبهذه يمكننا القول عن فقه الصادق انه فقه رسول الله (ص) إذ نراه تارة عند الأمام أبي حنيفة وأخرى عند مالك وثالثة عند آخر. أما إذا رأيته يشذ عن آراء الجميع ويقول بشئ آخر فيلزم التحقيق في أطرافه، لنتبين إن كان هناك رواسب حكومية ونزعات إقليمية وظروف اجتماعية وسواها؟!! هذا وقد علق الأستاذ أبو زهرة بعد نقله قصة الأمام أبي حنيفة مع الصادق فقال: وقد صدق أبو حنيفة فيما قال، لأن العلم باختلاف الفقهاء وأدلة آرائهم، ومناهج استنباطهم يؤدي إلى الوصول إلى أحكم الاراء، سواء أكان من بينها أم من غيرها، فيخرج من بعد ذلك بالميزان الصحيح الذي يوزن به الاراء، ويخرج بفقه ليس بفقه العراق وليس بفقه المدينة وهو لون آخر غيرهما، وإن كانت كلها في ظل كتاب الله تعالى وسنة رسوله (2). هذا وقد عرفت أن العباسيين لم ينجحوا في تطبيق مخططهم في الأزراء بالصادق والغلبة عليه علميا كما كانوا يهدفون وقد أنبأك الأمام أبو حنيفة عن ذلك، بل ان هذه المناقشات قد عززت منزلة الصادق علميا واجتماعيا، فأخذ الأقبال عليه يزداد يوما بعد يوم، وان قبائل بني أسد ومخارق وطي وسليم


(1) انظر كتاب الأمام الصادق لأسد حيدر 1: 440 عن الطبقات. (2) تاريخ المذاهب الأسلامية: ص 693.

[ 353 ]

وغطفان وغفار والأزد وخزاعة وخثعم ومخزوم وبني ضبة وبني الحارث وبني عبد الطلب أخذت ترسل فلذات أكبادها إلى الأمام للتعلم (1) بل نرى كبار العلماء والمحدثين يقصدونه للاستزادة من علمه كيحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريح، ومالك بن أنس، وأبي حنيفة، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، وأيوب السجستاني وفضيل بن عياض اليربوعي وغيرهم (2). وليس هناك أحد يمكنه التعريض بعلم الأمام الصادق والمساس بمكانته، فالجميع يعترفون بأن مدرسته أنجبت خيرة العلماء وصفوة المجتهدين وجهابذة العلم والدين، وان الحضارة الأسلامية والفكر العربي بالخصوص لمدين لهذا العلم الفطحل. أما المنصور فكان يسعى - كما ذكرنا - لتضعيف مكانة الصادق علميا واجتماعيا. لكن جهوده ذهبت سدى، لكنه بعد ذلك عرج على شيعة علي والصادق للنيل منهم، فقد نقل عنه انه أتى الكوفة، قبل تأسيس بغداد، مع خمسمائة من جنده وهو يزعم ان أهلها من شيعة محمد بن عبد الله (النفس الزكية) فأمرهم بصبغ ملابسهم باللون الأسود، حتى قيل بأن دور الصباغة صارت لا تتمكن من القيام بمهامها، وان البقالين كانوا يصبغون ثيابهم بالأنقاش (المداد) ويلبسون السواد (3). وكذا نقل عنه انه استغل - في أوائل خلافته - النزاع الفكري الذي حدث بين أهل العراق وأهل المدينة، فأخذ يقوي جانب العراقيين ويشد أزر الأمام أبي حنيفة وأصحابه ويستغل الموالي ليحط بذلك أنفة العرب، وخصوصا المدنيين منهم الذين كانوا يصرحون بعدم شرعية خلافة بني العباس.


(1) انظر: جعفر بن محمد، سيد الأهل. (2) انظر: الأمام الصادق، لأسد حيدر 1: 39، عن مطالب السؤول 2: 55. (3) مقاتل الطالبيين: ص 319.

[ 354 ]

التزام الحكام الفقه المغاير للعلويين والباحثون يعلمون ان تقوية مدرسة أهل الرأي قبال أنصار الأثر كان له بعد سياسي، وانه إجراء مؤقت وليس بسياسة عامة للحكام ولا دائمة، وان المنصور قد استفاد بالفعل من هذا التقريب كما رأيت في مناظرة أبي حنيفة مع الصادق، لكنا نراه فيما بعد يغير سياسته مع الفقهاء، ويسعى لتقريبهم، فيطلب من الأمام مالك بن أنس أن يكتب موطأه ويقول له: يا أبا عبد الله ضع هذا العلم ودونه، ودون منه كتبا وتجنب فيه شواذ عبد الله بن مسعود، ورخص ابن عباس، و شدائد ابن عمر، واقصد إلى أوسط الأمور، وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة رضي الله عنهم، لنحمل الناس إن شاء الله على علمك وكتبك ونبثها في الأمصار ونعهد إليهم ألا يخالفوها، ولا يقضوا بسواها. فقال مالك: أصلح الله الأمير، إن أهل العراق لا يرضون علمنا، ولا يرون في علمهم رأينا. وفي رواية أخرى، قال المنصور لمالك: اجعل العلم يا أبا عبد الله علما واحدا. فقال مالك: إن أصحاب رسول الله تفرقوا في البلاد فأفتى كل في مصره بما رأى، وان لأهل البلد - يعني مكة - قولا، ولأهل المدينة قولا، ولأهل العراق قولا تعدوا فيه طورهم. فقال المنصور: أما أهل العراق فلا أقبل منهم صرفا ولا عدلا، وأما العلم عند أهل المدينة، فضع للناس العلم (1). فإن جملة المنصور: (أما أهل العراق فلا أقبل منهم صرفا ولا عدلا) فيها إشارة إلى يأسه منهم لكونهم علويين عقيدة، ولوجود أبي حنيفة بينهم الذي لم يكن على وفاق مع الحكام. ولأجل ذلك نرى المنصور يولي مالكا عناية خاصة ويطلب منه أن يكتب الموطأ ويقول له: (لنحمل الناس إن شاء الله على علمك وكتبك ونبثها في


(1) انظر: الأمام مالك، للدكتور مصطفى الشكعة: ص 133، عن ترتيب المدارك: 30 - 33.

[ 355 ]

الأمصار، ونعهد إليهم ألا يخالفوها، ولا يقضوا بسواها). وقوله: إنما العلم عند أهل المدينة، فضع للناس العلم. وكيف لا يقول (لا أقبل صرفا وعدلا) وقد اشتهر بعدائه لعلي؟! قال صاحب كتاب (موقف الخلفاء العباسيين من أئمة المذاهب الأربعة): فإذا تأملنا آراء مالك فيما يتعلق بقضية التفضيل بين الخلفاء الراشدين، نجد الأ مام ينفرد عن غيره، فهو يرى أنهم ثلاثة لا أربعة، وهو يجعل خلافة الراشدين في أبي بكر وعمر وعثمان، ويجعلهم في مرتبة دونها سائر الناس. وأما علي فإنه في نظره واحد من جملة الصحابة، لا يزيد عنهم بشئ (1) وقد عزا البعض من الكتاب سبب تعديل المنصور سياسته نحو أهل الأثر وتقريبه لمالك بن أنس والطلب من مالك أن يضع الموطأ بقوله (ضعه فما أحد أعلم منك (2)) انه كان خوفا من ازدياد نفوذ الأمام الصادق سياسيا وعلميا، إذ ان اجتماع أربعة آلاف راو عنده كل يوم يأخذون عنه العلم لم يكن بالشئ السهل على الخليفة، وان تقوية هذه الحلقة تعني تضعيف المخطط الحكومي والسياسة العامة للبلاد (3). لكنا نرجح أن يكون - الطلب مضافا إلى ما قيل - كان يخضع إلى عامل سياسي آخر، أملته عليهم الظروف السياسية الحاكمة آنذاك، خصوصا بعد قيام النفس الزكية في المدينة وأخيه إبراهيم في البصرة، فالمنصور قد شدد سياسته ضد العلويين بعد الظفر بمحمد وأخيه إبراهيم، وانك ستقف لاحقا على نماذج من تلك السياسة المبتنية على الرعب والأرهاب وأساليب كشف المخالفين والمناوئين وفق عباداتهم وفقههم، وبذلك يحتمل أن يكون طلب المنصور من مالك تدوين السنة جاء لتأصيل الفقه والحديث وتوحيد العلم وإبعاد فقه الطالبيين


(1) موقف الخلفاء العباسيين: ص 170. (2) انظر: الأئمة الأربعة، للشرباصي: ص 92، إسلام بلا مذاهب: ص 415، الأئمة الأربعة، لشكعة: ص 412. (3) انظر: مالك بن أنس، للخولي: ص 371.

[ 356 ]

واعتبار آرائهم شواذ من بين الاراء، فقد قال المنصور: اجعل العلم يا أبا عبد الله علما واحدا. هذا والمعروف ان مالكا قد وضع الموطأ وما كان يفرغ منه حتى مات المنصور (1)، أي أنه ألفه في أواخر عهد المنصور. واتفق المؤرخون على أن مالكا بدأ بكتابة الموطأ سنه 148، واستمر يعيد النظر فيه ويمحصه ويحققه حتى انتهى منه سنة 159 (2)، وهو دليل على أن فكرة التدوين كانت بعد الظفر بمحمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن. على أننا لا ننكر ان المنصور - قبل قيام النفس الزكية - قد فكر في تدوين هذا الأمر وشجع العلماء على ذلك، وانهم كانوا بالفعل قد بدأوا في تأصيل العلوم، نقل السيوطي في تاريخ الخلفاء عن الذهبي: (في سنة 143 شرع علماء الأسلام في تدوين الحديث والفقه والتفسير فصنف ابن جريح بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والأوزاعي بالشام، وابن أبي عروية وحماد بن سلمة بالبصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنف ابن إسحاق المغازي، وصنف أبو حنيفة الفقه بالرأي....) (3) وبهذا تجلى ان وضع الموطأ وتدوينه كان حكوميا. سياسة الترهيب والترغيب تجاه الفقهاء نقل الصيمري في أخبار أبي حنيفة، وابن قتيبة في الأمامة والسياسة وغيرهم عن الأمام مالك سبب خوف المنصور وحيطته من أهل المدينة وأصحاب الأثر في أوائل الأمر، بقوله: لما ولي أبو جعفر المنصور الخلافة وأتي إليه الملاقون المشاؤون بالنميمة عني بكلام كان قد حفظ علي، فأتاني رسوله ليلا ونحن بمنى وقال: أجب أمير المؤمنين، وذلك بعد مفارقتي له وخروجي عنه، فلم أشك انه


(1) انظر: حياة مالك، لأبي زهرة: ص 180، ترتيب المدارك 1: 192. (2) انظر: الأئمة الأربعة، للشرباصي: ص 92، إسلام بلا مذاهب: ص 415، الأئمة الأربعة، لشكعة: ص 412. (3) انظر: تاريخ الخلفاء: ص 261. وغيره من كتب التاريخ.

[ 357 ]

القتل، ففرغت من عهدي، واغتسلت وتوضأت ولبست كفني وتحفظت ثم نهضت فدخلت عليه السرادق، وهو قاعد على فراش قد نظم بالدر الأبيض والياقوت الأحمر والزمرد الأخضر، وابن أبي ذؤيب وابن سمعان قاعدان بين يديه. ثم التفت إلي وقال: أما بعد - معشر الفقهاء - فقد بلغ أمير المؤمنين عنكم ما أخشى صدره، وضاق به ذرعه، وكنتم أحق الناس بالكف عن ألسنتكم، والأخذ بما يشبهكم، وأولى الناس بلزوم الطاعة والمناصحة في السر والعلانية لمن استخلفه الله عليكم. قال مالك، فقلت: يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا. فقال أبو جعفر: ذلك أي الرجال أنا عندكم؟ أمن أئمة العدل أم من أئمة الجور؟ فقال مالك: يا أمير المؤمنين، انا نتوسل إليك بالله تعالى وأتشفع إليك بمحمد وبقرابتك منه إلا ما أعفيتني عن الكلام في هذا. فقال: قد أعفاك أمير المؤمنين. ثم التفت إلى ابن سمعان فقال له: أيها القاضي، ناشدتك الله تعالى، أي الرجال أنا عندك؟ فقال ابن سمعان: أنت والله خير الرجال يا أمير المؤمنين، تحج بيت الله الحرام، وتجاهد العدو، وتؤمن السبل ويأمن الضعيف بك أن يأكله القوي وبك قوام الدين، فأنت خير الرجال وأعدل الأئمة. ثم التفت إلى ابن أبي ذؤيب فقال له: ناشدتك الله، أي الرجال أنا عندك؟ فقال: أنت والله عندي شر الرجال، استأثرت بما لله ورسوله، وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين، وأهلكت الضعيف، وأتعبت القوي، وأمسكت أموالهم فما حجتك غدا بين يدي الله؟ فقال له المنصور: ويحك ما تقول؟ أتعقل؟ انظر ما أمامك؟ قال: نعم، قد رأيت أسيافا، وإنما هو الموت ولابد منه، عاجله خير من آجله. ثم خرجا وجلست، قال المنصور: اني لأجد رائحة الحنوط عليك؟ قلت: أجل لما نمى إليك عني ما نمى جاءني رسولك في الليل ظننت القتل،

[ 358 ]

فاغتسلت وتطيبت ولبست كفني. فقال أبو جعفر: سبحان الله، ما كنت لأثلم الأسلام وأسعى في نقضه، أو ما تراني أسعى في أود الأسلام، واعزاز الدين، عائذا الله مما قلت يا أبا عبد الله، انصر ف إلى مصيرك راشدا مهديا وإن أحببت ما عندنا فنحن ممن لا يؤثر عليك أحدا، ولا يعدل بك مخلوقا. فقلت: إن يجبرني أمير المؤمنين على ذلك فسمعا وطاعة وإن يخيرني أمير المؤمنين أخترت العافية. فقال: ما كنت لأجبرك ولا أكرهك، انقلب معافى مكلوءا. قال: فبت ليلتي، فلما أصبحنا أمر أبو جعفر بصرر دنانير في كل صرة خمسة آلاف دينار، ثم دعا برجل من شرطته فقال له: تقبض هذا المال، وتدفع لكل رجل منهم صرة، أما مالك بن أنس إن أخذها فبسبيله وإن ردها لا جناح عليه فيما فعل، وإن أخذها ابن أبي ذؤيب، فأتني برأسه وإن ردها عليك فبسبيله لا جناح عليه، وإن يكن ابن سمعان ردها فأتني برأسه وإن أخذها فهي عافيته. فنهض إلى القوم، فأما ابن سمعان فأخذها فسلم، وأما ابن أبي ذؤيب فردها فسلم، وأما أنا فكنت والله محتاجا إليها فأخذتها، ثم رحل أبو جعفر متوجها إلى العراق (1). وجاء في غالب كتب التاريخ أن سفيان الثوري لقي المنصور بمنى سنة 140 أو 144 واعترض على إسراف المنصور وتبذيره.. فقال له المنصور: فإنما تريد أن أكون مثلك؟ فقال الثوري: لا تكن مثلي، ولكن كن دون ما أنت منه، وفوق ما أنا فيه فقال له المنصور: أخرج. فخرج الثوري من عنده وأتى الكوفة فجعل يأخذ عليه ما يفعل بالمسلمين من الجور والقهر، فصبر عليه المنصور مدة، وأخيرا أمر بأخذه، فاختفى. ولما


(1) الأمامة والسياسة 2: 144 - 145، أخبار أبي حنيفة: ص 59، موقف العباسيين: ص 195.

[ 359 ]

مات أبو جعفر 158 ظن الثوري ان الخلاف الذي بينه وبين الحكومة قد دفن معه، وكان قد عاش الشدة حين اختفائه بمكة، فجاء الى المهدي وسلم عليه تسليم العامة. فقال له المهدي: يا سفيان، تفر منا ههنا وههنا، وتظن انا لو أردناك بسوء لم نقدر عليك، فقد قدرنا عليك الان، إنما تخشى أن نحكم فيك بهوانا؟ قال سفيان: إن تحكم في بحكم، يحكم فيك ملك قادر يفرق بين الحق والباطل. فقال الربيع للمهدي - وكان قائما على رأس سفيان -: ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا؟ ائذن لي أن أضرب عنقه. فقال له المهدي: اسكت ويلك! وهل يريد هذا وأمثاله إلا أن نقتلهم فنشقى بشقاوتهم، اكتبوا عهده على قضاء الكوفة على أن لا يعترض عليه في حكم (1). فالحكام وبتولية الفقهاء القضاء كانوا يريدون القضاء على شخصيتهم، وما نقلناه كان خير شاهد على ذلك. فقد نقل المباركفوري في تحفة الأحوذي عن شعيب بن جرير انه طلب من سفيان الثوري أن يحدثه بحديث السنة، فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم: القرآن كلام غير مخلوق.... إلى أن يقول: يا شعيب لا ينفعك ما كتبت حتى ترى المسح على الخفين، وحتى ان إخفاء بسم الله الرحمن الرحيم أفضل من الجهر، وحتى تؤمن بالقدر، وحتى ترى الصلاة خلف كل بر وفاجر، والجهاد ما مضى إلى يوم القيامة، والصبر تحت لواء السلطان جائرا أو عادلا. فقلت: يا أبا عبد الله، الصلاة كلها؟ قال: لا، ولكن صلاة الجمعة والعيدين، صل خلف من أدركت، أما سائر ذلك فأنت مخير لا تصلي إلا من تثق به وتعلم انه من أهل السنة (2).


(2) تاريخ بغداد 9: 152 - 153، مقدمة تفسير سفيان الثوري / طبعة دار الكتب العلمية - بيروت - 1403. (1) تحفة الأحوذي: ص 352 (المقدمة).

[ 360 ]

وهذا النص يوقف القارئ على ان أصول سياسة الحكام كانت مبتنية على مخالفة علي في نهجه وفقهه، وان في قول سفيان (يا شعيب لا ينفعك ما كتبت حتى ترى المسح) إشارة إلى أن السنة الحكومية هي القول بالمسح على الخفين وإخفاء بسم الله الرحمن الرحيم و... وكل هذه القضايا مخالفة لفقه علي بن أبي طالب ونهجه، وبل إنها لتؤكد على إطاعة السلطان برا كان أم فاجرا! كانت هذه هي سياسة المنصور، وتراها مبتنية على الترهيب والترغيب، والمطالع في هذا النص يقف على دهاء المنصور وكيف كان يتعامل مع كل فرد حسب نفسيته. وننقل نصا آخر يوضح طريقة اختباره لأعدائه وطرق تجسسه، وان نقل هذه النصوص يعطي للمطالع صورة قد تكون قريبة من الواقع. طلب المنصور عقبة بن مسلم بن نافع من الأزد يوما وأناط به مهمة، فقال له: اني لأرى لك همة وموضعا، واني أريدك لأمر أنا معني به. قال: أرجو أن أصدق ظن أمير المؤمنين؟ قال: فأخف شخصك وائتني في يوم كذا، فأتيته.. فقال: ان بني عمنا هؤلاء قد أبوا إلا كيدا لملكنا، ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا يكاتبونهم، ويرسلون إليهم بصدقات وألطاف، فاخرج بكسى وألطاف حتى تأتيهم متنكرا بكتاب تكتبه عن أهل القرية، ثم تسير ناحيتهم، فإن كانوا نزعوا عن رأيهم فأحبب والله بهم وأقرب، وإن كانوا على رأيهم علمت ذلك، وكنت على حذر منهم، فاشخص حتى تلقى عبد الله بن الحسن متخشعا، فإن جبهك - وهو فاعل - فاصبر، وعاوده أبدا حتى يأنس بك، فإذا ظهر لك ما قبله فاعجل علي. ففعل ذلك، وفعل به حتى آنس عبد الله بناحيته، فقال له عقبة: الجواب؟ فقال: أما الكتاب فإني لا أكتب إلى أحد، ولكن أنت كتابي إليهم فاقرأهم السلام، واخبرهم ان ابني خارج لوقت كذا وكذا؟ فشخص عقبة حتى قدم على أبي جعفر فأخبره الخبر (1). وقد امتحن المنصور الصادق وعبد الله بن الحسن وابنيه محمدا وإبراهيم


(1) انظر: مقاتل الطالبيين: ص 211 - 212، والطبري وغيره من كتب المؤرخين.

[ 361 ]

وغيرهم من الطالبيين في عدة قضايا وأراد أن يقف على رأيهم من الأموال والسياسة، فانخدع عبد الله بن الحسن وابناه وغيرهم بطرق التمويه العباسية، أما الصادق فكان الوحيد من البيت العلوي الذى لا تخدعه الأساليب (1). ومما نقله المؤرخون أن المنصور كان يسعى في استمالة الصادق وجذب عطفه للنظام، وكان يقول له: لم لا تغشانا كالناس؟ فأجابه الصادق: ليس لنا ما نخافك من أجله، ولا عندك من أمر الاخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنيك فيها ولا تراها نقمة حتى نعزيك عليها. ويقول له في نص آخر: تصحبنا لتنصحنا؟ فقال له الصادق: من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الاخرة لا يصحبك. هذه الأساليب كانت لا تجدي نفعا ولا تثمر إذ ان الصادق كان يرى المنصور يتلاعب بالأحكام وانه قد جعل الشريعة جسرا يعبر عليه إلى مقاصده كالأمويين.. فكيف به يتعاون مع شخص كهذا. ولما اتضح للمنصور أنه لا يمكنه التوافق مع الأمام واحتواء العلويين فكريا وسياسيا وخصوصا بعد مقتل النفس الزكية.. بدأ يغير سياسته متخذا التضليل والعنف أصولا في سياسته. فقد نقل المفيد والكنجي وابن الجوزي وغيرهم أن المنصور حج في سنة 147 ودخل المدينة وأمر الربيع بإحضار الأمام الصادق فتغافل الربيع، ثم أعاد ذكره وقال: أرسل إليه من يأتيني به؟ فلما بصر به المنصور قال له: قتلني الله إن لم أقتلك، أتلحد في سلطاني وتبغيني الغوائل؟ فقال الصادق: والله ما فعلت ولا أردت، فإن كان بلغك فمن كاذب. ولو كنت فعلت لقد ظلم يوسف فغفر، وابتلى أيوب فصبر، وأعطي سليمان فشكر، فهؤلاء أنبياء وإليهم يرجع نسبك. فقال له المنصور: أجل.. ارتفع هاهنا، فارتفع، فقال له: ان فلان بن فلان أخبرني


(1) انظر: مناقب آل أبي طالب، لابن شهرآشوب 4: 220.

[ 362 ]

عنك بما ذكرت. فقال: أحضره يا أمير المؤمنين ليواقفني على ذلك، فاحضر الرجل المذكور. فقال له المنصور: أنت سمعت ما حكيت عن جعفر؟ قال: نعم. فقال أبو عبد الله: فاستحلفه على ذلك. فقال له المنصور: أتحلف؟ قال: نعم، وابتدأ باليمين. فقال له أبو عبد الله: دعني يا أمير المؤمنين أحلفه أنا. فقال له: افعل. فقال أبو عبد الله للساعي: قل، برئت من حول الله وقوته والتجأت إلى حولي وقوتي، لقد فعل كذا وكذا جعفر، وقال كذا وكذا جعفر. فامتنع منها هنيهة ثم حلف بها، فما برح حتى ضرب برجله. فقال أبو جعفر: جروا برجله، فاخرجوه، لعنه الله. قال الربيع: وكنت رأيت جعفر بن محمد حين دخل على المنصور يحرك شفته فكلما حركهما سكن غضب المنصور، حتى أدناه منه وقد رضي عنه، فلما خرج أبو عبد الله من عند أبي جعفر اتبعته فقلت: ان هذا الرجل كان من أشد الناس غضبا عليك، فلما دخلت عليه وأنت تحرك شفتيك، وكلما حركتهما سكن غضبه، فبأي شي كنت تحركهما؟ قال: بدعاء جدي الحسين بن علي. قلت: جعلت فداك، وما هذا الدعاء؟ قال: يا عدتي عند شدتي ويا غوثي عند كربتي، احرسني بعينك التي لا تنام واكنفني بركنك الذى لا يرام (1). قال الربيع: فحفظت هذا الدعاء فما نزلت بي شدة قط إلا دعوت به ففرج


(1) نقل أسد حيدر في كتابه (الأمام الصادق 1: 465) عن عيون الأدب والسياسة، لابن هذيل: ص 163 دعاء آخر أكمل من هذا فراجع.

[ 363 ]

عني. قال: وقلت لجعفر بن محمد: لم منعت الساعي أن يحلف بالله؟ قال: كرهت أن يراه الله يوحده ويمجده فيحلم عنه ويؤخر عقوبته، فاستحلفته بما سمعت فأخذه أخذة رابية (1). هذا وان المنصور - من أوائل حكمه - كان قد بدأ بسياسة خاصة مع الصادق، فكان يكتب رسائل مزورة على لسان بعض شيعة أهل البيت ويرسلها بيد أعوانه، ويحاول أن ينال غرضه عندما يحصل على جوابها، لكن أحلامه باءت بالفشل ولم يظفر بشئ من ذلك، للخطة التي اتخذها الأمام ولنظرته الصائبة ورأيه السديد. وان المنصور - كما قال السيوطي - كان أول من أوقع الفتنة بين العباسيين والعلويين، وكانوا قبلها شيئا واحدا (2). وقد زادت سياسة التنكيل والبطش بالعلويين بعد قمع ثورتي النفس الزكية في المدينة وإبراهيم في البصرة، فجمع المنصور بني هاشم في الربذة وأثقلهم بالحديد والضرب بالسياط حتى اختلطت بدمائهم ولحومهم، ثم حملهم إلى العراق على أخشن مركب وتوجه بهم إلى الكوفة، وأودعهم ذلك السجن المظلم الضيق الذي لا يعرف فيه الليل من النهار إلا بأجزاء كان يرتلها علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن (3). وسلط عليهم شرطة جفاة بعيدين عن الرقة كابتعاده عن الأنسانية فعذبوهم بأمره، كما انه أمر أن تترك أجساد الموتى منهم في السجن، فاشتدت رائحة الجثث على الأحياء، فكان الواحد منهم يخر ميتا إلى جنب أخيه.


(1) انظر: الأرشاد 2: 184، كفاية الطالب، لكنجي الشافعي: ص 455، تذكرة الخو اص: ص 309، صفوة الصفوة 2: 96، الفصول المهمة، لابن الصباغ: ص 225، وعنهم المجلسي في البحار 47: 174 / 21. (2) تاريخ الخلفاء: ص 261. (3) انظر: مقاتل الطالبيين: 192 - 194، وتاريخ الطبري.

[ 364 ]

ولما قتل إبراهيم بن عبد الله أرسل برأسه إلى أبيه مع الربيع وهو في السجن. وكان أبوه عبد الله يصلي، فقال له أخوه إدريس: اسرع في صلاتك يا أبا محمد، فالتفت إليه وأخذ رأس ولده، وقال: أهلا وسهلا يا أبا القاسم، والله لقد كنت من الذين قال الله عز وجل فيهم: الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل... فقال له الربيع: كيف أبو القاسم في نفسه؟ قال: كما قال الشاعر: فتى كان يحميه من الذل سيفه ويكفيه أن يأتي الذنوب اجتنابها ثم التفت إلى الربيع فقال: قل لصاحبك قد مضى من يومنا أيام والملتقى القيامة؟ فمكثوا في ذلك السجن، لا يعرفون أوقات صلاتهم إلا بأجزاء من القرآن.. حتى كانت نهاية أمرهم أن أمر المنصور بهدم السجن على الأحياء منهم (1) ليذوقوا الموت من بين ألم القيود وثقل السقوف والجدران. وكان منهم من سمر يديه بالحائط، ولما خشي المنصور عاقبة فعله مع أبناء الحسن قام خطيبا بالهاشمية بلسان سياسي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل خراسان أنتم شيعتنا وأنصارنا، ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا خيرا منا، وان ولد ابن أبي طالب تركناهم والذي لا إله إلا هو فلم نعرض لهم بقليل ولا بكثير. إلى أن يقول: ثم وثب بنو أمية علينا فأماتوا شرفنا وأذهبوا عزنا والله ما كانت لهم عندنا ترة يطلبونها، وما كان ذلك كله إلا بسببهم وخروجهم - يعني العلويين - فنفونا من البلاد فصرنا مرة بالطائف ومرة بالشام ومرة بالسراة حتى ابتعثكم الله لنا شيعة وأنصارا... ونحن لا نريد مناقشة هذه الخطبة وغيرها ونضع النقاط على الحروف بل نريد أن نعكس لهجة المنصور لأرضاء أنصاره وخشيته من إنكارهم عليه. وينقل جعفر بن محمد الصادق نصا آخر، نرى فيه صورة أخرى عن ظلامة


(1) انظر: مروج الذهب 3: 299، الكامل في التاريخ 5: 551 وغيره.

[ 365 ]

الهاشميين وما نزل بهم من المكاره، فقال: لما قتل إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بباخمرى حسرنا عن المدينة ولم يترك منا محتلم حتى قدمنا الكوفة، فمكثنا فيها شهرا نتوقع فيها القتل، ثم خرج إلينا الربيع الحاجب فقال: أين هؤلاء العلوية؟ ادخلوا على أمير المؤمنين رجلين منكم ذوي الحجى. قال: فدخلنا إليه أنا والحسن بن زيد، فلما صرت بين يديه.. قال لي: أنت الذي تعلم الغيب؟ قلت: لا يعلم الغيب إلا الله. قال: أنت الذي يجئ إليك الخراج؟ قلت: إليك يجئ يا أمير المؤمنين الخراج. قال: أتدرون لم دعوتكم؟ قلت: لا. قال: أردت أن أهدم رباعكم، وأروع قلوبكم، وأعقر نخلكم، وأترككم بالسراة لا يقربكم أحد من أهل الحجاز وأهل العراق، فإنهم لكم مفسدة. وقد ذكر المؤرخون ومنهم الطبري بأن المنصور لما عزم على الحج دعا ريطة بنت أبي العباس امرأة المهدي - وكان المهدي بالري فأوصاها بما أراد وعهد إليها ودفع إليها مفاتيح الخزائن على أن تدفعها للمهدي، فلما قدم المهدي من الري إلى مدينة السلام دفعت إليه المفاتيح وأخبرته عن المنصور انه أخذ عهدا منها ألا يفتحه أحد حتى يصح عندها موته، فلما انتهى إلى المهدي موت المنصور وولي الخلافة فتح الباب ومعه ريطة، فإذا أزح كبير فيه جماعة من قتلى الطالبيين وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم، وإذا فيهم أطفال ورجال شباب ومشايخ عدة كثيرة، فلما رأى ذلك المهدي ارتاع وأمر فحفرت لهم حفيرة فدفنوا فيها وعملوا عليها دكانا. وبهذا الأسلوب كانوا يريدون السيطرة على العلويين فكريا وسياسيا. علما بأن الشيعة كانوا لا يرون قيمة للسلطان لأنه لا يتمسك بحكم الشرع ولا يتنزه عن الظلم ولا يتورع عن محارم الله هذا من جهة.

[ 366 ]

ومن جهة أخرى كانوا يرون أحقية أهل البيت بالأمر، وان رسول الله قد أوصى لهم وانهم الدعاة إلى أمره ومن الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم. فإن هذا المعنى والمفهوم كان لا يرضي الخليفة العباسي إذ كان ينظر إليهم نظرة خصم لا تلين قناته ولا يعمل الأرهاب عمله فيهم، واعتبرهم رافضة يجب التنكيل بهم لأن الأعراض عن طلبات السلطان يعني الرفض، والرفض غالبا ما يردف التنكليل والتحزب وإلصاق التهم والخروج عن الدين! تهمة سب الشيخين ومواجهة الصادق (ع) لها: على ضوء ما قدمنا عرفت أن السياسة العامة كانت قائمة على مخالفة الحكومة لنهج علي بن أبي طالب وفقهه، وتقوية فقه الشيخين وعثمان، كما مر عليك في رسالة المنصور الى محمد النفس الزكية وغيرها. ومن النقاط التي ركزت عليها الحكومة وأثارتها ضد أتباع علي (ع) هي اتهامهم بسب الشيخين والصحابة، وكان مصير كل من ثبتت عليه هذه التهمة هو رميه بالخروج عن الدين وتكفيره ومن ثم الحكم عليه بالموت، وهذا السلاح الخطير شهرته الحكومة العباسية بوجه العلويين لأضعافهم فقهيا وسياسيا واجتماعيا، وكأن الخلاف منحصر في هذه التهمة التي ألقيت عهدتها على عاتق مدرسة علي بن أبي طالب. لذلك نرى الأمام الصادق يقف إزاء هذه التهمة موقفا حازما فيردها كما رد تهمة الغلو التي أرادتها الحكومة العباسية، فنهى الأمام الصادق عن سب الشيخين في أكثر من مورد وموطن، فقال: (لا تسبوا أبا بكر فإنه أولدني مرتين). وقال: (لا تكونوا سبابين ولا لعانين). وقد نقل من قبل رد وردع الأمام السجاد لمثل ضده النعرة التي أثارتها الحكومة، ولعلها أرسلت عينا وجاسوسا على الأمام السجاد يسأله عن رأيه في انه يحب أبا بكر وعمر ويتولاهما، فأجابه الأمام بما يردع ويقمع هوى الحكومة الأموية، فقال له: (إذهب وأحب أبا بكر وعمر وتولهما، فما كان من إثم خفي عني). إن الأئمة كانوا لا يريدون أن ينشغل المسلمون بمثل تلك الجزئيات ويتركوا

[ 367 ]

أمهات المسائل وأصول الحكم والعدالة التي تلاعبت بها الحكومة وأشعلت نار الخلافات والفتن بين المسلمين لأبعاد أنظارهم عما تفعله هي من مساوئ وتحريفات في الدين. ثم إن سب الشيخين لا يتلائم ومنطق الأمور، ذلك لأن الشيعة كانوا هم المضطهدين الملاحقين المشتومين.. فكيف يمكن تصور صدور هذا السباب منهم وهم في تلك الحالة من المراقبة والحصار؟! نعم، ينسجم ذلك إذا اعتبرنا قضية السباب غطاء تستر به النظام لأسقاط خصمه وتمرير مخططاته بعيدا عن أنظار المسلمين، وهذا ما ليس بوسع باحث إنكاره. قال صاحب المنتظم: ان الحكومة إذا أرادت أن تعاقب شيعيا لمذهبه لم تذكر اسم علي، بل تجعل سبب العقوبة انه شتم أبا بكر وعمر. وقد كانت الحكومة العباسية قد وضعت الحجر الأساس وأرست قاعدة لا تقبل النقاش والجدل، مفادها تقديم الشيخين على جميع الصحابة. فقد دخل مالك على المنصور العباسي، فسأله المنصور: من أفضل الناس بعد رسول الله؟ فقال له مالك: أبو بكر وعمر. فقال المنصور: أصبت، وهذا رأي أمير المؤمنين - يعني نفسه (1). إن المنصور يريد أن يؤكد للفقهاء التزامه بفكرة تقديم أبي بكر وعمر على سائر الصحابة ومنهم علي بن أبي طالب - وهو المقصود بالذات من هذه الفكرة - لأبعاد فكره ونهجه عن الفقه، ولطرحه فيما إذا تعارض مع رأي الشيخين. واستمر ذلك النهج أكثر شدة وإغراقا في النزع، فاضطرت الحكومة العباسية الى تقديم عثمان - رغم قربه من بني أمية - على علي بن أبي طالب - مع قربه منهم، لترسيخ الفقه المطلوب وضرب الفقه العلوي والحركات العلوية. روى مصعب - تلميذ مالك - انه سأل مالكا: من أفضل الناس بعد


(1) البداية والنهاية 10: 125.

[ 368 ]

رسول الله؟ فقال مالك: أبو بكر. قال: ثم من؟ قال: عمر. قال: ثم من؟ قال: عثمان. إلصاق التهم وبث الغلاة في صفوف العلويين هذا وان الحكومة العباسية لم تكتف بسياسة تقديم الشيخين وإخراج علي من بين الخلفاء الأربعة، بل أمعنت أكثر، فراحت تلصق التهم بجعفر بن محمد الصادق والادعاء بانه يقول اني إله أو نبي أو ينزل علي الوحي وما شابه ذلك، بعد أن يئسوا من احتوائه، والخدش في عقيدته وأفكاره! وقد كانت تهمة نزول الوحي وغيرها من أهم المشاكل التي لاقاها الأمام الصادق إذ ان بعض السذج من الناس وبسطاء العقيدة كانوا يتفاعلون مع هذه الشائعات الحكومية لما يرون من ملكات باهرة عند الأمام ومن فقه رفيع وكرامات قدسية وقد كان صائد الهندي ومحمد بن مقلاس ووهب بن وهب القاضي والمغيرة بن شعبة وسالم بن أبي حفصة العجلي وغيرهم.. ممن كانوا يبثون الأحاديث المغالية في الأئمة. وقد كذبهم الأمام وأعطى قاعدة عامة لأصحابه فقال: (لا تقبلوا علينا حديثا إلا ما وافق القرآن والسنة أو تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدمة، فإن المغيرة ابن سعيد لعنه الله دس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها، فاتقوا الله ولا تقبلوا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا). وقال: (لعن الله المغيرة بن سعيد ولعن الله يهودية كان يختلف إليها). قال ابن عدي: لم يكن بالكوفة ألعن من المغيرة بن سعيد، كان يكذب على أهل البيت. وقال ابن داود عن سالم بن أبي حفصة العجلي: كان يكذب على أبي جعفر وقد لعنه الأمام الصادق.

[ 369 ]

وقد لعن الصادق أبا الخطاب في أكثر من مرة. وهناك نصوص كثيرة تدل على موقف الأمام الحازم من الغلاة والبراءة منهم، فقد كتب إلى أصحابه: (لا تقاعدوهم ولا تواكلوهم ولا تشاربوهم ولا تصافحوهم ولا توارثوهم). وكان يقول: (والله ما الناصب لنا حربا بأشد علينا مؤونة من الناطق علينا بما نكره). ويقول: (ان الناس قد أولعوا بالكذب علينا، واني أحدث أحدهم بالحديث فلا يخرج من عندي حتى يتأوله على غير تأويله، وذلك انهم كانوا لا يطلبون بأحاديثنا ما عند الله وإنما يطلبون الدنيا وكل يحب أن يدعى رأسا). وعن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله إنهم (أي الخطابية) يقولون: انك تعلم قطر المطر وعدد النجوم وورق الشجر ووزن ما في البحر، وعدد ما في التراب. فرفع الأمام الصادق يده وقال: (سبحان الله، سبحان الله، والله ما يعلم هذا إلا الله). وعن سدير عن أبيه قال: قلت لأبي عبد الله: إن قوما يزعمون أنكم آلهة يتلون علينا بذلك قرآنا. قال: (يا سدير، سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاء براء، برئ الله منهم ورسوله، ما هؤلاء على ديني ودين آبائي. والله لا يجمعني وإياهم يوم إلا وهو عليهم ساخط). والشيعة قد تلقوا تلك الأوامر بالقبول والامتثال فأعلنوا البراءة من هؤلاء الغلاة وملأوا كتبهم بالتبرئ منهم، وأفتوا بحرمة مخالطتهم. ومن يرجع إلى كتب الفتاوى لفقهاء الشيعة يقف على هذه الحقيقة، بل يجد أنهم قد أجمعوا على نجاسة الغلاة وعدم جواز غسلهم ودفن موتاهم وتحريم أعطيتهم ولم يجوزوا للمغالي أن يتزوج المسلمة ولا يجوز للمسلم أن يتزوج الغالية، ولا توارث بينهم. فلو صح ما ينسب إلى الشيعة وأنهم يغالون في أئمتهم، فما معنى هذه الأحكام في كتبهم الفقهية؟!

[ 370 ]

وما معنى لعن الصادق المغيرة بن سعيد وأبا الخطاب والعجلي؟ وما معنى قوله لمرازم: (قل للغالية: توبوا إلى الله فإنكم فساق كفار مشركون). وقال له أيضا: (إذا قدمت الكوفة فأت بشار الشعيري وقل له: يقول لك جعفر بن محمد: يا كافر يا فاسق، أنا برئ منك). وقال لبشار الشعيري لما دخل عليه: (أخرج لعنك الله، والله لا يظلني وإياك سقف أبدا). فلما خرج قال الأمام: (ويله ما صغر الله أحدا تصغيره هذا الفاجر، انه شيطان ابن شيطان، خرج ليغوي أصحابي وشيعتي فاحذروه، وليبلغ الشاهد الغائب اني عبد الله وابن أمته جمعتني الأصلاب والأرحام، واني لميت ومبعوث ثم مسؤول). ان حركة الغلو بدأت من زمان الأمام علي وطورتها وأيدتها الحكومات الأموية والعباسية، لأنها خير مبرر لاستنقاص أهل البيت، وان هذه الظاهرة كانت موجودة حتى عهد المهدي من ولد الحسن العسكري. فقد كتب الأمام الحسن العسكري إلى أحد مواليه: (اني أبرأ إلى الله من ابن نصير الفهري وابن بابا القمي فابرأ منهما، واني محذرك وجميع موالي ومخبرك أني ألعنهما، عليهما لعنة الله، يزعم ابن بابا اني بعثته نبيا وانه باب ويله لعنه الله، سخر منه الشيطان فأغواه فلعن الله من قبل منه، يا محمد إن قدرت أن تشدخ رأسه فافعل). وبهذه النصوص وهذه المواقف كان الأئمة يسعون لدفع تهم التاهمين وافتراء المفترين ويعملون لتوعية البسطاء والمغفلين للوقوف أمام إشاعات الساسة والمغرضين. والان لنرجع إلى ما ألزمنا به أنفسنا من البحث في أطراف الحركة العلمية في العهد العباسي وسعي الخلفاء لاحتواء الفقهاء سياسيا وفكريا، فالخلفاء رغم جهودهم المتواصلة لم يوفقوا لاحتواء الأمامين جعفر الصادق وأبي حنيفة. أما الأمام مالك فقد تعاون مع السلطة ودخل في سلكها بعد الفتنة والأطاحة بثورة النفس الزكية وأخيه إبراهيم فدون لها الموطأ، علما بأن الأمام مالكا - وقبل توجه

[ 371 ]

الحكومة إليه - لم تكن له تلك المكانة، وان والده أنس بن مالك بن أبي عامر لم يكن معروفا عند العلماء ولم يفصح التاريخ بشئ من حياته ولا تاريخ وفاته، بل كل ما كان يقال عن مالك بأنه أخو النضر، وذلك لشهرة النضر بن أنس أخو مالك، وهو الذي روى عن ابن عباس. ونقل أبو بكر الصنعاني: أتينا مالك بن أنس فحدثنا عن ربيعة الرأي - وهو أستاذ مالك ومعلمه - فكنا نستزيده، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة وهو نائم في ذاك الطاق؟ فأتينا ربيعة، فقلنا: كيف يحط بك مالك ولم تحط أنت بنفسك؟ فقال: أما علمتم ان مثقالا من دولة خير من حمل علم (1). وفي هذا النص إشارة إلى دور السياسة والحكومة في ترسيخ المذاهب وتقديم المفضول مع وجود الفاضل (2)! وقد جاء في تاريخ بغداد ان أبا العباس أمر لربيعة الري بجائزة فرفض أن يقبلها، فأعطاه خمسة آلاف درهم ليشتري بها جارية فامتنع عن قبولها (3). ولابد هنا من الأشارة إلى ما ذكره بعضهم من تعليل سبب المحنة التي لاقاها مالك وضرب بسببها بالسياط وتعاطفه بعدها مع السلطة الحاكمة، فقال ان السبب هو قوله بتحريم نكاح المتعة خلافا لابن عباس هو جد العباسيين!! وانا نرى هذا الرأي في غاية الضحالة لأن الساسة تهمهم غالبا مصالحهم ولا يعيرون لابائهم ولا لأبنائهم أي اهتمام، وقد نقلنا سابقا كلام المنصور لمالك وسؤاله عن آراء ابن عمر وقوله له: خذ بها وإن خالف عليا وابن عباس! وفي نص آخر: يا مالك، أراك تعتمد على قول ابن عمر دون أصحاب رسول الله (ص)؟ فقال: يا أمير المؤمنين، انه آخر من بقي عندنا من أصحاب رسول الله، فاحتاج


(1) انظر: طبقات الفقهاء، لأبي إسحاق: ص 68، تاريخ بغداد 8: 424. (2) قد ذهبت أغلب المذاهب الأسلامية الى ذلك، انظر: الأمام الصادق والمذاهب الأربعة 1: 183. (3) تاريخ بغداد 8: 425.

[ 372 ]

الناس إليه، فسألوه وتمسكوا بقوله. فقال: يا مالك، عليك بما تعرف أنه الحق عندك، ولا تقلدن عليا وابن عباس (1). فترجيح رأي ابن عمر وإن خالف رأي ابن عباس هو من سياسة الدولة العباسية في دحض نهج السنة وإن كان ابن عباس من رواده. وباعتقادنا ان الأحاديث المضطربة المنسوبة الى ابن عباس في الفقه هي من صنع هؤلاء الحكام لكسب المبرر والقول بأن ما يقولونه ليس مخالفا لاراء آبائهم وأجدادهم، بل هو المنقول عنهم بحذافيره! وان إثبات هذا المدعى يحتاج إلى بحث وتحقيق أكثر، نتركه للسادة العلماء والباحثين في أمور الشريعة. هذا وقد أنكر الأستاذ أبو زهرة ما ذكره المؤرخون في سبب محنة الأمام مالك بقوله: (وهذا لا يصلح سببا، لأنه ما عرف ان المنصور كان يستبيح المتعة، ولأن أكثر الرواة على أن ابن عباس رجع عنها بعد أن لامه على ذلك ابن عمه علي ابن أبي طالب). نحن نترك نص الأستاذ بدون أي تعليق حتى يقف القارئ الكريم بنفسه على كيفية نسبة الأقوال إلى هذا ورفعها عن ذاك ومدى تدخل السياسة والأهواء في ارتسام تلك الاراء. نعم ان الذي نرجحه في محنة الأمام مالك هو أنه عندما رأى قوة العلويين تتزايد في المدينة وتلتها ثورة إبراهيم بالبصرة وهجوم العلويين على معسكر الفقهاء (2) وظهور بوادر النصر العلوي أخذ يتعاطف معهم حتى ان روايته لحديث (ليس على مكره يمين) وغيرها إنما جاءت لهذا الغرض. قال الشيخ أبو زهرة: ان سبب المحنة ليس هو التحديث بالحديث وحده، بل التحديث بدأ في وقت قيام هذه الثورة العلوية واستفادة الثوار منها لتحريض الناس في الخروج على الحكومة.


(1) راجع: الأمام الصادق والمذاهب الأربعة 1: 504. (2) انظر: مقاتل الطالبيين: ص 363.

[ 373 ]

ونحن نرى أن الأمام مالكا ان يعيش في خوفين: الأول: خوف من السلطة وكيف إذا خرج عن طاعة السلطان ودخل في الفتنة. الثاني: خوف من قيام الدولة العلوية والأطاحة بالحكم العباسي لأنه قد رأى بوادر الانتصار تلوح فمال الى التعاون مع العلويين لكي لا يلاقي مشكلة معهم في المستقبل. وقد نقل ابن قتيبة أن أحد العلويين قدم على مالك يعرض عليه ما نالهم من أذى واضطهاد، فقال مالك: اصبر حتى يجئ تأويل هذه الايه: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (1) مشيرا بذلك إلى ظهور بوادر الانتصار، والى ان هذه الدولة ظالمة وان تعاونه معها إنما كان عن إكراه. هذا وان المنصور لما أطاح بالنفس الزكية وأخيه إبراهيم واستقر الأمر له.. أمر ولاته بالتنكيل بالعلويين. ومن أولئك الولاة جعفر بن سليمان - واليه على المدينة - فقد ضرب مالكا في سنة 146 بالسياط لتعاونه مع العلويين ولأفتائه: (ليس على مكره يمين) لأنه ينطوي على تأييد تلويحي للحركة العلوية، وانه لا حنث على من خلع المنصور بعد البيعة. ثم ان المنصور أراد أن يرغب الأمام مالكا بعد أن أرهبه، فلما جاء إلى الحجاز حاجا، أرسل إلى مالك يدعوه ليعتذر إليه. ومالك ينقل لنا الخبر: لما دخلت على أبي جعفر، قال لي: والله الذي لا إله إلا هو، ما أمرت بالذي كان ولا علمته! انه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم، واني أخالك أمانا لهم من عذاب، ولقد رفع الله بك عنهم سطوة عظيمة، فإنهم أسرع الناس إلى الفتن. ولقد أمرت بعدو الله أن يؤتى به - أي الوالي - على قتب وأمرت بتضييق محبسه والاستبلاغ في امتهانه، ولابد أن أنزل به العقوبة أضعاف ما نالك منه. فقلت: عافى الله أمير المؤمنين وأكرم مثواه، فقد عفوت عنه لقرابته من رسول الله


(2) انظر: جهاد الشيعة: ص 225.

[ 374 ]

وقرابته منك. قال: فعفا الله عنك ووصلك (1). بهذه السياسة هيمن العباسيون على عواطف المسلمين واستمالوا الأمام مالكا وأناطوا به مسؤولية تدوين السنة والأفتاء وغيرهما. أما الأمامان الصادق وأبا حنيفة فلم يثنهما المنصور عما رسماه لأنفسهما وهو مقاطعة السلطة، لكن الحكام تمكنوا - بمرور الايام - من احتواء نهج الأمام أبي حنيفة بتقريبهم الأمام أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني والحسن بن زياد اللولوي، وإناطة القضاء والأفتاء بهم. وكان ذلك بالطبع بعد وفاة أبي حنيفة. لكنهم رغم كل المحاولات لم يمكنهم اختراق صفوف الشيعة لتولي عدول من أهل البيت شؤون قيادتهم، فكانوا ينفون عن فكرهم بدع المبدعين. وان سياسة العصيان المدني الذي رسمه الأئمة وأرشدوا إليه شيعتهم في الخروج عن طاعة السلطان الفاجر وتأكيدهم على عدم جواز المرافعة إلى الحكام والركون إليهم، وقولهم: (الفقهاء أمناء الرسل، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركبوا إلى السلاطين فاتهموهم)، ودعوتهم للأءمر بالمعروف والنهي عن المنكر رغم الرقابة المشددة عليهم، كلها سبل هادفة لتوعية الأمة واطلاعها على الحقيقة، إذ ان عدم التعاون يعني رفض الحكام ويعني سلب أهلية الحاكم لتولي الحكم، وأنهم ولاة جور وان قول الصادق: (أيما مؤمن قدم مؤمنا في خصومة إلى قاض أو سلطان جائر، فقضى عليه بغير حكم الله، فقد شركه الأثم). وقوله: (ما أحب أن أعقد لهم - أي الظلمة - عقدة أو وكيت لهم وكاء، ولا مدة بقلم. إن الظلمة وأعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد). وقوله: (أيما رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حق فدعاه إلى رجل من


(1) تاريخ المذاهب الأسلامية: ص 417، ترتيب المدارك 1: 229، الأئمة الأربعة، للشرباصي: ص 89.

[ 375 ]

إخوانكم ليحكم بينه وبينه، فأبى الا أن يرافعه إلى هؤلاء، كان بمنزلة الذين قال الله عز وجل فيهم: ألم تر الذين يزعمون انهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به). وسئل الصادق عن قاض بين قريتين يأخذ من السلطان عن القضاء الرزق؟ فأجاب: (ان ذلك سحت، وان العامل بالظلم والمعين له والراضي به كلهم شركاء). وعليه فقد عرفت أن الشيعة سموا بالرافضة لرفضهم التعاون مع الحكام لا لرفضهم الأسلام كما ينادي به أعوان الظلمة! كل هذه النصوص تدلل على تضاد في الرؤى والأهداف بين السلطة وأهل البيت، وان صدور هذه النصوص عن أئمة أهل البيت في تلك الفترة يعني أن الحكومة غير شرعية. ومن الطبيعي أن تكون هذه الرؤية مما يزعج الحكام إذ يرون السلطتين التشريعية والتنفيذية في أيديهم، وهم يسعون بما يقدمونه من آراء أن ينالوا ثقة الناس، فكيف يسمح لهؤلاء أن يحطوا من لا يرون قيمة للسلطان؟! وعليه فإن مخالفة الشيعة للحكام لم تكن لغصبهم الخلافة وكونهم خلفاء غير شرعيين فحسب بل لجهلهم بكتاب الله وسنة نبيه. وستقف على أقوالهم لاحقا. ان السلطة الحاكمة اعتبرت هذا التصور خروجا عن الطاعة، ومن هنا كانوا يعتبرون اتهامهم الأئمة وشيعتهم بسوء العقيدة والخروج عن الأسلام، ثم دعوة وعاظ السلاطين للنيل منهم والتهجم عليهم، ضرورة سياسية يفرضها الواقع الاجتماعي. وان تهمة الغلو في الأئمة وما واكبها من مصاعب كان من تأثيرات السياسة، وان الساسة كانوا وراءها، فانهم لم يكتفوا بما أشاعوه عن الصادق بل نسبوا إلى مخالفيهم السياسيين الاخرين كسفيان الثوري وأبي حنيفة تهما أيضا، وذلك لأن الأمام أبا حنيفة ناصر الثورات العلوية كثورة زيد بن علي ومحمد النفس الزكية وإبراهيم الأمام وانه كان يفتي برأي علي بن أبي طالب، وقال بأن الخلافة هي حق ولد علي من فاطمة وان الخلفاء قد غصبوا هذا الحق، وذهب إلى أن عليا كان محقا في قتاله أهل الجمل، وقال عن يوم الجمل: سار علي فيه بالعدل وهو

[ 376 ]

أعلم المسلمين في قتال أهل البغي، وقوله: ما قاتل عليا إلا وعلي أولى. وقال: ان أمير المؤمنين عليا إنما قاتل طلحة والزبير بعد أن بايعا وخالفا. وقال يوما لأصحابه معللا بغض أهل الشام لهم: أتدرون لم يبغضنا أهل الشام؟ قالوا: لا. قال: لأنا لو شهدنا عسكر علي بن أبي طالب ومعاوية لكنا مع علي. وقال: أتدرون لم يبغضنا أهل الحديث؟ قالوا: لا. قال: لأنا نحب أهل بيت رسول الله ونقر بفضائلهم. وفي رواية أخرى انه قال: أتدرون لم يبغضنا أصحاب الحديث؟ قالوا: لا. قال: لأنا نثبت خلافة علي وهم لا يثبتونها. فإنه بنقله هذه النصوص كان يريد الأشارة إلى سياسة الحكام في الحديث، وانه قد ترك الكثير من هذه الأحاديث الحكومية لعرفانه بدور السلطة في وضع الحديث وليس كما علله مقدم كتاب المنذري (1) وابن خلدون (2) من انه قد ترك الحديث لأن كثيرا من الزنادقة في عصره كانوا يضعون الأحاديث وان أهل الغفلة من المحدثين كانوا يروونها، وان الأمام قد تركها لذلك! فالرجل حضر عند علماء الأمة وأخذ عن نافع مولى ابن عمر وعاصم بن أبي النجود وعطية العوفي وعطاء بن رباح وزياد بن رباح وزياد بن علاقة وهشام بن عروة والباقر والصادق وعبد الله بن الحسن وزيد بن علي بن الحسين وآخرين.. حتى قيل ان شيوخه بلغوا أربعة آلاف (3) منهم في الكوفة والبصرة والمدينة ومكة والشام، فلا يعقل أن يقل حديثه إلى هذا الحد، ونحن وإن كنا لا ننكر أنه كان


(1) انظر: الترغيب والترهيب 1: 13 (المقدمة). (2) المقدمة: ص 410. (3) موقف الخلفاء العباسيين: ص 30.

[ 377 ]

قياسا متشددا في الرؤية ولا يقبل الخبر إلا إذا رواه جماعة عن جماعة، أو كما يقول أصحابه: إذا كان خبر عامة عن عامة، أو اتفق علماء الأمصار على العمل به، إلا أنه قد طرح كثيرا من أحاديث السلطة وقبل أحاديث أخرى. أما أصحابه فلم يتشددوا في قبول الرواية كما كان هو، فأبو يوسف - مثلا - قد أدخل في فقه أبي حنيفة أحاديث كثيرة، وهكذا كان شأن محمد بن الحسن الشيباني الذي لقي مالكا وقرأ الموطأ وتأثر به وطبق مذهب أصحابه على الموطأ مسألة مسألة (1). قال مالك بن مغول: قال لي الشعبي ونظر الى أصحاب الرأي: ما حدثك هؤلاء عن أصحاب محمد فاقبله، وما خبروك به عن رأيهم فارم به الحش، قال: إياكم والقياس فإنكم إن أخذتم به حرمتم الحلال وأحللتم الحرام (2). وان تضعيف البخاري وابن الجوزي وابن عدي وغيرهم من المحدثين والرجاليين لأبي حنيفة دليل على مخالفته لنهج الحكومة وذهابه إلى آراء لا يستسيغها الحكام، فنسبوا إليه آراء يدل التتبع والتحقيق على انه لم يقلها، منها: ما رواه الترمذي من رواية عبد الحميد الحماني ان أبا حنيفة قال: ما رأيت أكذب من جابر الجعفي ولا أفضل من عطاء. فلو صح هذا النقل عنه، فكيف نرى اسم الجعفي في ضمن أسماء مشايخه؟ وقد ورد اسمه كثيرا في أسانيده، وكيف ينسب إليه: ما سألت جابر الجعفي عن مسألة قط إلا أورد فيها حديثا. وكيف يصح القول بكذب الجعفي ونرى كبار التابعين يوثقونه كسفيان الثوري وزهير وشعبة ووكيع وغيرهم. وقد جاء في جامع أسانيد أبي حنيفة عن زهير انه قال: إذا قال جابر بن يزيد الجعفي: حدثني أو سمعت.. فهو من أصدق الناس (3).


(1) انظر: رسالة الأنصاف: ص 8. (2) تأويل مختلف الحديث: 58. (3) جامع أسانيد أبي حنيفة 1: 305، عنه في الأمام الصادق والمذاهب الأربعة 1: 298.

[ 378 ]

وكلامنا هذا عن الأمام لا يعني أنه كان شيعيا أو ان الأمام الصادق قد رضي عنه أو ترضى عليه، أو صحح رؤاه العقائدية والفقهية أو خذ عنه، بل نقول إن كثيرا من الطعن الذي لحقه كان بسبب بعض مواقفه المعارضة للحكومة والمؤيدة للعلويين وغيرهم من أعداء خط السلطة العقائدي الفقهي، بل ان أهل البيت كانوا لا يرتضون القياس ولا أحكامه المبتنية عليه. قال الأستاذ عبد الحليم الجندي: لو كانت الحكومة تدرك بأن أبا حنيفة يعتنق مذهب التشيع لما تركته يلقي دروسه في الكوفة - مركز السنة - سنوات عديدة (1)! وهناك نصوص حوارية كثيرة بين الصادق وأبي حنيفة تؤكد رفض الصادق لارائه القياسية. وقد ألف علماء الشيعة وأصحاب الأئمة في رد القياس كتبا كثيرة، لكن المهم الذي نؤكد عليه هو دور السياسة في احتواء الفقهاء فكريا وسياسيا وبثهم الدعايات والتهم والشائنة ضد من لم يمكن احتواؤهم، بل إنهم قد جندوا الطاقات والعلماء الاخرين لكي ينسبوا إليهم ما لم يقولوه، أو لكي يحرفوه أو ليضخموه فيصبغوه صبغة هو بعيد عنها. وقد وقفت على دور أبي هريرة والسيدة عائشة وابن عمر والزهري وفقهاء المدينة السبعة في العهد الأموي. وعرفت شدة تأكيد الحكومة على الأخذ بأقوالهم. ومر عليك قول ابن عمر وإرجاعه الناس للأخذ بفقه عبد الملك بن مروان وتأكيد المنصور على الأخذ بفقه ابن عمر. وقد عرفت أن فقهاء الحكومة قبل مالك وأبي يوسف في العهد العباسي كانوا: ابن شبرمة وابن أبي ليلى - وقد بقيا إلى عهد متأخر، وان الحكام أمكنهم تقريب أبي يوسف واستمالته للتأثير على معتنقي الحنفية، فكان أول من قلد منصب قاضي القضاة في الأسلام. وقد صرح أكثر من واحد من المؤرخين أن أبا يوسف اختلف عن أستاذه في توليه المناصب العامة في الدولة العباسية لفقره خاصة) (2).


(1) انظر: أبو حنيفة: ص 213. (2) انظر: الفهرست: ص 286.

[ 379 ]

وعليه فإن ابن شبرمة وابن أبي ليلى وأضرابهم كانوا فقهاء الدولة منذ أواخر العهد الأموي وحتى زمن أبي العباس السفاح وشطرا من خلافة المنصور، وان المنصور بتقريبه مالكا وإعطائه المكانة العليا، وتوحيد الحديث والفقه على يده قد قلل من نفوذ الاخرين! ومنذ أواخر عهد المنصور وحتى أواخر عهد الرشيد تمكنت الحكومة من السيطرة على الاتجاهين: اتجاه الرأي واتجاه الأثر، وذلك بتقريبهم أبا يوسف ومحمد ابن الحسن الشيباني في بغداد وتقليدهم منصب القضاء، ووجود مالك في المدينة من قبل في ركابهم. رأي آخر وبعد هذا العرض السريع الذي بينا فيه بعض الرؤى - نحاول أن نطرح رؤية أخرى هي في سبب تسمية المذهب الشيعي الاثني عشري بمذهب جعفر بن محمد الصادق. ذلك أن ما قيل بأن الأمام عاش بين فترة الشيخوخة الأموية والطفولة العباسية، وان هذه الفترة كانت مواتية لنشر المذاهب، لم تكن السبب الوحيد في ذلك بل هناك أمور أخر، منها: دور الحكام في الأحكام الشرعية واحتواؤهم للفقهاء والمحدثين والقراء وسوهم. فإن الصادق لما رأى دورهم في تدوين الحديث ثم تأصيل المذاهب وتقريب المحدثين والقراء والشعراء، والاهتمام بالحركة العلمية، كان واضحا لديه أن هذه المبادرة الحكومية هي ثورة ثقافية ضد الأصول العقائدية والفقهية والتاريخية للمسلمين، فالأمام أبو حنيفة يبث أفكاره في الكوفة مركز العلويين، وبين أفكاره وما يطرحه من رؤى ما يخالف الصريح من كلام الرسول. والأمام مالك يسيطر على مركز الدعوة الأسلامية ويفتي الناس بالمدينة. والليث بن سعد يفتي الناس بمصر. وقيل إن أهل مصر كانوا ينتقصون من عثمان، فنشأ فيهم الليث فحدثهم بفضائل عثمان. والأوزاعي يفتي الناس بالشام وقد عرف انحرافه عن أهل البيت، فكان في كل مصر فقه خاص واعتقاد خاص يبتعد في غالبه عن

[ 380 ]

الأصول النبوية والاراء الفقهية الصحيحة في القليل أو الكثير. ولما رأى الصادق دعم الحكومة لهؤلاء الفقهاء - تلويحا وتصريحا - أحس بالخطر وضرورة مواجهة الغزو الفكري والفورة الثقافية التي شنتها الحكومة العباسية على النهج العلوي، فكان أن بدأ في مواجهة هذه الحملة مواجهة في غاية الجد، وأخذ أصحابه في التوجه إلى الفقه وتعلم الأحكام وقد تخوف على شيعته من تأثرهم بالخطوط الفكرية العاملة آنذاك، فأخذ يوضح لهم ما وصل إليه من كلام رسول الله، ويعنعن إسناده إليه (ص) حتى لا تكون ذريعة بيد المغرضين للنيل منه. وبهذا تبين تلويحا سبب عدم مشاركة الأمام الصادق في الثورات العلوية، إذ نراه يتبنى مسألة هي أهم بكثير مما عليه المقاتلون إذ انهم يرابطون على الثغور العسكرية، في حين كان الصادق يرابط على ثغور العقيدة والفكر. وان توزيع الأمام الصادق البحوث العلمية والنشاطات المعرفية التي تحتاج إليها الساحة بين أصحابه لهو أمر ثابت في التاريخ. فقد أمر أبان بن تغلب أن يجلس في المسجد ويفتي الناس. وأوكل إلى حمران بن أعين الأجابة عن مسائل علوم القرآن. وعين زرارة للمناظرة في الفقه. ومؤمن الطاق للمساجلة في الكلام. والطيار للمناظرة في الأمامة وغيرها. وهشام بن الحكم للمناظرة في الأمامة والعقائد. وبطون الكتب حافلة بمحاورات هؤلاء الأصحاب ومناظراتهم، وقد أشارت كتب الفهارس إلى أسماء ما ألفوه في كل الميادين، حتى أحصي ما دونوه في عصره فكانت أربعمائة مؤلف لأربعمائة مؤلف في الحديث فقط، وهي التي عرفت بالأصول الأربعمائة التي عليها مدار الفقه الشيعي. بعد هذا لا نشك أن تكون السلطة وراء طرح بعض الاراء الفقهية التي لا يقبلها الطالبيون، إذ ان في طرح تلك الرؤى تأصيلا لنهج وفقه الحكومة وتعرفا على مخالفيها، وان الأحكام الفقهية خير ميدان للتعرف على الرافضة ومن لا يقبل

[ 381 ]

سلطان الدولة. وقد مر عليك سابقا خبر الرجل الذى جاء الرشيد مخبرا بمكان اختفاء يحيى بن عبد الله بن الحسن وتعرفه عليه إثر جمعه بين الصلاتين، وقول الرشيد له: لله أبوك لجاد ما حفظت تلك صلاة العصر وذلك وقتها عند القوم. وقول سليمان بن جرير لإدريس بن عبد الله بن الحسن: ان السلطان طلبني لما يعلمه من مذهبي، فجئتك... وقد نقلنا قبل ذلك حديث أبي مالك الأشعري، وكيف كان يتخوف من إتيان صلاة رسول الله، ويقول: هل فيكم أحد غيركم؟ فقالوا: لا، إلا ابن أخت لنا. قال: ابن أخت القوم منهم، فدعا... وغيرها الكثير. وهي جميعها تؤكد على أن الفقه الأسلامي صار يستقي منابعه من طريقين: 1 - السلطان ومن يعمل معه. 2 - الطالبيون، وقد انحصر هذا الخط بجعفر بن محمد الصادق وآله. وان الفقهاء والمحدثين والقراء غالبا ما كانوا يدورون في فلك السلطان يرسمون القواعد ويوقفون الخليفة على الحلول، وكان الخليفة يقرب من العلماء من يخدم أهداف السلطان ويبعد من لا يرتضي التعاون معه بل يرفضه! فقد نقل المؤرخون: ان الرشيد أعطى الأمان ليحيى بن عبد الله بن الحسن، ثم ظفر به وبعد ذلك سعى لنقض الأمان، فاستعان بالفقهاء لتسويغ غدره هذا. نترك تفاصيل الخبر لأبي الفرج الأصفهاني، قال في سياقه خبر مقتل يحيى ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب: ثم جمع له الرشيد الفقهاء وفيهم: محمد بن الحسن صاحب أبي يوسف القاضي، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وأبو البختري وهب بن وهب، فجمعوا في مجلس وخرج إليهم مسرور الكبير بالأمان، فبدأ محمد بن الحسن فنظر فيه فقال: هذا أمان مؤكد لا حيلة فيه - وكان يحيى قد عرضه بالمدينة على مالك، وابن الدراوردي وغيرهما، فعرفوه انه مؤكد لا علة فيه. قال: فصاح عليه مسرور وقال: هاته، فدفعه إلى الحسن بن زياد اللؤلؤي

[ 382 ]

فقال بصوت ضعيف: هو أمان. واستلبه أبو البختري وهب بن وهب فقال: هذا باطل منتقض، قد شق عصا الطاعة وسفك الدم فاقتله، ودمه في عنقي! فدخل مسرور إلى الرشيد فأخبره فقال له: اذهب فقل له: خرقه إن كان باطلا بيدك، فجاءه مسرور فقال له ذلك، فقال: شقه يا أبا هاشم. قال له مسرور: بل شقه أنت إن كان منتقضا. فأخذ سكينا وجعل يشقه ويده ترتعد حتى صيره سيورا، فأدخله مسرور على الرشيد فوثب فأخذه من يده وهو فرح وهو يقول له: يا مبارك يا مبارك! ووهب لأبي البختري ألف ألف وستمائة ألف، وولاه القضاء وصرف الاخرين، ومنع محمد بن الحسن من الفتيا مدة طويلة، وأجمع على إنفاذ ما أراده في يحيى ابن عبد الله (1). بهذه الطريقة كانوا يستخدمون الفقهاء، ويغيرون الأحكام الشرعية. وان السياسة العباسية - كغيرها من السياسات - كانت مبتنية على الترغيب والترهيب، وان الطالبيين من أبناء علي كانوا أكثر الناس ظلامة. ولو درسنا حال يحيى بن عبد الله بن الحسن، وهو أحد الطالبيين، وما جرى عليه من الظلم لوقفت على الحقيقة، ولننقل خبر يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين وكيف كان يريد الالتقاء بعمه عيسى بن زيد. قال يحيى بن الحسين بن زيد: قلت لأبي: يا أبه، اني أشتهي أن أرى عمي عيسى بن زيد، فإنه يقبح بمثلي أن لا يلقى مثله من أشياخه، فدافعني عن ذلك مدة، وقال: إن هذا أمر يثقل عليه، وأخشى أن ينتقل عن منزله كراهية للقائك إيا ه فتزعجه. فلم أزل به أداريه وألطف به حتى طابت نفسه لي بذلك، فجهزني إلى الكوفة وقال لي: إذا صرت إليها فاسأل عن دور بني حي، فإن أدللت عليها فاقصدها في السكة الفلانية، وستري في وسط السكة دارا لها باب صفته كذا وكذا، فاعرفه


(1) مقاتل الطالبيين: ص 479 - 480.

[ 383 ]

واجلس بعيدا منها في أول السكة، فإنه سيقبل عليك عند المغرب كهل طويل مسنون الوجه قد أثر السجود في جبهته، عليه جبة صوف، يستقي الماء على جمل [ وقد انصرف يسوق الجمل ] لا يضع قدما ولا يرفعها إلا ذكر الله عز وجل ودموعه تنحدر، فقم وسلم عليه وعانقه، فإنه سيذعر منك كما يذعر الوحش، فعرفه نفسك وانتسب له، فإنه يسكن إليك ويحدثك طويلا، ويسألك عنا جميعا ويخبرك بشأنه ولا يضجر بجلوسك معه، ولا تطل عليه وودعه، فإنه سوف يستعفيك من العودة إليه، فافعل ما يأمرك به من ذلك. فإنك إن عدت إليه توار ى عنك، واستوحش منك وانتقل عن موضعه، وعليه في ذلك مشقة!! فقلت: أفعل كما أمرتني، ثم جهزني إلى الكوفة وودعته وخرجت، فلما وردت الكوفة قصدت سكة بني حي بعد العصر، فجلست خارجها بعد أن تعرفت الباب الذي نعته لي، فلما غربت الشمس إذا أنا به قد أقبل يسوق الجمل، وهو كما وصف لي أبي: لا يرفع قدما ولا يضعها إلا حرك شفتيه بذكر الله، ودموعه ترقرق في عينيه وتذرف أحيانا، فقمت فعانقته، فذعر مني كما يذعر الوحش من الأنس. فقلت: يا عم، أنا يحيى بن الحسين بن زيد ابن أخيك، فضمني إليه وبكى حتى قلت قد جاءت نفسه! ثم أناخ جمله وجلس معي فجعل يسألني عن أهله رجلا رجلا، وامرأة امرأة، وصبيا صبيا، وأنا أشرح له أخبارهم وهو يبكي، ثم قال: يا بني أنا أستقي على هذا الجمل الماء، فأصرف ما أكتسب - يعني من أجرة الجمل إلى صاحبه وأتقوت باقيه، وربما عاقني عائق عن استقاء الماء فأخرج إلى البرية - يعني بظهر الكوفة - فألتقط ما يرمي الناس به من البقول فأتقوته! وقد تزوجت إلى هذا الرجل ابنته وهو لا يعلم من أنا إلى وقتي هذا! فولدت مني بنتا، فنشأت وبلغت وهي أيضا لا تعرفني ولا تدري من أنا، فقالت لي أمها: زوج ابنتك بابن فلان السقاء - لرجل من جيراننا يسقي الماء - فإنه أيسر منا وقد خطبها، وألحت علي، فلم أقدر على إخبارها بأن ذلك غير جائز، ولا هو بكف ء لها، فيشيع خبري فجعلت تلح علي فلم أزل أستكفي الله أمرها حتى ماتت بعد أيام، فما أجدني آسى على شئ من الدنيا أساي على أنها ماتت ولم تعلم

[ 384 ]

بموضعها من رسول الله (ص)! قال: ثم أقسم علي أن أنصرف ولا أعود إليه وودعني. فلما كان بعد ذلك صرت إلى الموضع الذي انتظرته فيه لأراه فلم أره، وكان آخر عهدي به (1). نعم، إن وضع الطالبيين كان هكذا، بل أسوأ حالا، نكتفي منه بهذا العرض التاريخي الموجز، وننتقل إلى حديث الوضوء ودور الطالبيين في ترسيخ ما سمعوه عن آبائهم من وضوء رسول الله. المنصور والوضوء جاء في كتاب الرجال للكشي عن حمدويه وإبراهيم ابني نصير، عن محمد ابن إسماعيل الرازي، عن أحمد بن سليمان، عن داود الرقي قال: دخلت على أبي عبد الله - أي الصادق - فقلت له: جعلت فداك، كم عدة الطهارة؟ فقال: (ما أوجبه الله فواحدة، وأضاف إليها رسول الله واحدة لضعف الناس، ومن توضأ ثلاثا ثلاثا فلا صلاة له)، أنا معه في ذا حتى جاءه داود بن زربي، فسأله عن عدة الطهارة؟ فقال له: (ثلاثا ثلاثا، من نقص عنه فلا صلاة)! قال: فارتعدت فرائصي، وكاد أن يدخلني الشيطان، فأبصر أبو عبد الله إلي وقد تغير لوني، فقال: (اسكن يا داود، هذا هو الكفر أو ضرب الأعناق). قال: فخرجنا من عنده، وكان ابن زربي إلى جوار بستان أبي جعفر المنصور، وكان قد ألقى إلى أبي جعفر أمر داود بن زربي، وأنه رافضي يختلف إلى جعفر بن محمد. فقال أبو جعفر: اني مطلع إلى طهارته، فإن توضأ وضوء جعفر بن محمد - فإني لأعرف طهارته - حققت عليه القول وقتلته. فاطلع وداود يتهيأ للصلاة من حيث لا يراه، فأسبغ داود بن زربي الوضوء


(1) مقاتل الطالبيين: ص 409 - 410.

[ 385 ]

ثلاثا ثلاثا كما أمره أبو عبد الله، فما تم وضوءه حتى بعث إليه أبو جعفر المنصور فدعاه. قال: فقال داود: فلما أن دخلت عليه رحب بي وقال: يا داود قيل فيك شئ باطل، وما أنت كذلك، قد اطلعت على طهارتك وليس طهارتك طهارة الرافضة، فاجعلني في حل، وأمر له بمائة ألف درهم! قال: فقال داود الرقي: التقيت أنا وداود بن زربي عند أبي عبد الله، فقال له داود بن زربي: جعلت فداك، حقنت دماءنا في دار الدنيا، ونرجو أن ندخل بيمنك وبركتك الجنة. فقال: (فعل الله ذلك بك وبإخوانك من جميع المؤمنين). فقال أبو عبد الله لداود بن زربي: (حدث داود الرقي بما مر عليكم حتى تسكن روعته). قال: فقال أبو عبد الله: (لهذا أفتيته، لأنه كان أشرف على القتل من يد هذا العدو) ثم قال: (يا داود بن زربي توضأ مثنى مثنى ولا تزيدن عليه، فإنك إن زدت عليه فلا صلاة لك) (1). فالحكومة والحكام بتقويتهم للخلافات الفقهية السابقة بين الصحابة وتبنيهم لاراء المخالفين لعلي وولده، كانوا يسعون الى إثارة الرأي العام ضد أتباع علي والاخذين بفقه جعفر بن محمد الصادق بحجة انهم قد خرجوا عن إرادة الأمة وأتوا بالذي لا تأنسه العامة، وان الخروج عن الجماعة فسق!! والأمام الصادق كان لا يريد إعطاء المبرر بيد الحكام للنيل من شيعته ومواليه. ومن خلال انتهاجه التقية كان يريد الحفاظ على المؤمنين من شيعته وصونهم من بطش السلطة، وقد نقل عنه بأنه مسح أذنيه (2) وعنقه (3) وأخذ ماء


(1) رجال الكشي ص 312 رقم 564، التهذيب 1: 82 / 214، الاستبصار 1: 71 / 219، الوسائل 1: 443. (2) وسائل الشيعة 1: 405 ح 1052. (3) وسائل الشيعة 1: 411 ح 1070 و 1072.

[ 386 ]

جديدا لمسح الرأس (1) بل مسح جميع رأسه (2) وغسل رجليه (3)، فتحمل جميع هذه الروايات على التقية لما علم من مذهبه في الوضوء ولما ثبت صدوره عنه. هذا وان ضغط الحكام على الصادق وغيره من أئمة أهل البيت لم يقتصر على الوضوء بل كانوا يريدون توحيد المسلمين على فقه مالك بن أنس وفي جميع أبواب الفقه لقول المنصور له: (لنحمل الناس على علمك) أو قوله: (لنجعل العلم علما واحدا). وقد ثبت في التاريخ أن السلطة حصرت الأفتاء أيام الموسم بمالك، وكان مناديها يهتف: لا يفتي الناس إلا مالك؟!. وقد جاء في وسائل الشيعة بأن الصادق كان يقول بناقضية القبلة للوضوء وكذا مس باطن الدبر والأحليل (4) وغيرها. وقد حمل فقهاء الشيعة تلك الأخبار على التقية، وبرهنوا على ان تلك الأخبار - كغيرها من أخبار التقية - تدل بنفسها على نفسها بأنها صدرت تقية لمخالفتها للنصوص القرآنية والثابت الصحيح من مروياتهم. فقد جاء في التهذيب والاستبصار عن سماعة أنه سأل الصادق عن الرجل لمس ذكره أو فرجه أو أسفل من ذلك وهو قائم يصلي، يعيد وضوءه؟ فقال: (لا بأس بذلك، إنما هو من جسده) (5). وجاء في تفسير العياشي عن قيس بن رمانة أنه سأل الصادق: أتوضأ ثم أدعو الجارية فتمسك بيدي فأقوم فأصلي، أعلي وضوء؟


(1) وسائل الشيعة 1: 408 ح 1060 و 1061 و 1062. (2) وسائل الشيعة 1: 412 ح 1071. (3) مستدرك الوسائل 1: 327. (4) وسائل الشيعة 1: 272 ح 712 عن التهذيب 1: 22 / 56 و 45 / 127، الاستبصار 1: 88 / 280 و 284. (5) التهذيب 1: 346 / 1015، الاستبصار 1: 88 / 283.

[ 387 ]

قال: (لا). قال: يزعمون أنه اللمس؟ قال: (لا والله، ما اللمس إلا الوقاع) - يعني الجماع - ثم قال: (كان أبو جعفر - أي الباقر - بعدما كبر يتوضأ ثم يدعو الجارية فتأخذ بيده فيقوم فيصلي) (1). نعم ان صدور مثل هذه الروايات عن الصادق تدلل على ان الوضع الديني لم يكن عاديا، بل نرجح - على فرض صدور الروايات عنه - أن صدورها كان في السنين الثلاث الأخيرة من عمره الشريف، أي بعد الأطاحة بثورتي النفس الزكية في المدينة وأخيه إبراهيم الأمام بالبصرة. وان الواقف على مجريات الأحداث في العهد العباسي وخصوصا في النصف الثاني من عهد المنصور إلى أواخر عهد الرشيد، والعارف بأساليب الحكام والأرهاب ضد أولاد علي وشيعته.. يدرك مدى الظلم الواقع على أهل البيت آنذاك. وقد مر عليك سابقا خبر ريطة وجثث الهاشميين وتسليم تلك الخزانة للمهدي العباسي، وخبر يحيى بن عبد الله بن الحسن وأنه لم يكن قادرا أن يصرح بأن بنته هي بنت رسول الله وليس له أن يزوجها لذلك السقاء. وقرأت قبلها عن بني الحسن وكيف سامهم المنصور إذلالا وأودعهم بطون السجون المظلمة بحيث كانوا لا يعرف وقت الصلاة فيها إلا بتلاوة علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن (2). إن من يقف على هذه الأمور يدرك أن التقية كانت هي السبيل الأوحد لبقاء فقه العلويين ونهجهم، علما بأن التقية لم تكن نفاقا كما يطرحه البعض، إذ ان النفاق هو إظهار الأيمان مع كتمان الكفر. أما التقية فهي إظهار المسايرة والموافقة والعمل بخلاف الواقع لحفظ الدماء والأعراض وما شابه ذلك، وكتمان الأيمان.. ضمانا لاستمرار مسيرة الخط الأسلامي الأصيل. بعبارة أخرى: الكافرون هم الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، مثل


(1) تفسير العياشي 1: 243 / 142. (2) مقاتل الطالبيين، ص 192 و 194.

[ 388 ]

قوله: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن). فهذا.. إيمان ظاهر + كفر باطن = نفاق. أما أهل التقية فمثلهم مثل مؤمن آل فرعون، فإنه كان يكتم في الباطن إيمانه ولا يعلم به إلا الله، ويتظاهر لفرعون وللناس جميعا على انه على دين فرعون، خوفا على نفسه من القتل. وقد عظم الله تعالى مبادرته هذه وأشاد بذكره في محكم كتابه: وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه. وقد ذهب إلى العمل بالتقية أكثر العلماء وقد ثبت عن الأمام أبي حنيفة أنه أباح قذف المحصنات وترك الصلاة والأفطار في شهر رمضان تقية وحيث كان مكرها، وهكذا الحال بالنسبة الى مالك فإنه اتقى الأمويين والعباسيين واستدل بقوله تعالى إلا أن تتقوا منهم تقاة على جواز التقية في معرض حديثه عن طلاق المكره، اما الأمام الشافعي فلا يرى كفارة على الأنسان الذي حلف بالله كذبا تحت الأكراه، والنووي الشافعي لا يرى القطع بحق السارق كرها وهكذا الحال بالنسبة الى الأحناف والظاهري والطبري والزيدي (1)، وقال الأمام الغزالي في إحياء علوم الدين: (إن عصمة دم المسلم واجبة، فمهما كان القصد سفك دم مسلم قد اختفى من ظالم فالكذب فيه واجب). وأخرج جلال الدين السيوطي في كتاب الأشباه والنظائر: قال: (ويجوز أكل الميتة في المخمصة، وإساغة اللقمة في الخمر، والتلفظ بكلمة الكفر. ولو عم الحرام قطرا بحيث لا يوجد فيه حلال إلا نادرا فإنه يجوز استعمال ما يحتاج إليه). وأخرج أبو بكر الرازي الجصاص في كتابه أحكام القرآن في تفسير قوله تعالى: إلا أن تتقوا منهم تقاة (2).


(1) نقل الأستاذ ثامر العميدي آراء علماء أهل السنة في التقية في كتابه (دفاع عن الكافي) 1: 627 - 656. فراجع. (2) آل عمران: 28.

[ 389 ]

قال: يعني أن تخافوا تلف التفس أو بعض الأعضاء فتتقوهم بإظهار الموالاة من غير اعتقاد لها، وهذا هو ظاهر اللفظ، وعليه الجمهور من أهل العلم، كما جاء عن قتادة في قوله تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. قال: لا يحل لمؤمن أن يتخذ كافرا وليا في دينه، وقوله تعالى: إلا أن تتقوا منهم تقاة يقتضي جواز إظهار الكفر عند التقية (1). وأخرج البخاري في صحيحه عن قتيبة بن سعيد عن سفيان عن ابن المكندر، حدثه عن عروة بن الزبير ان عائشة أخبرته: انه استأذن على النبي (ص) رجل، فقال: (إئذنوا له فبئس ابن العشيرة) أو (بئس أخو العشيرة) فلما دخل ألان له الكلام، فقلت: يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له في القول؟ فقال النبي (ص): (اي عائشة، إن شر الناس منزلة عند الله من تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه) (2). فعليه ان مشروعية التقية ثابتة في التاريخ، وقد عمل بها الرسول (ص) مع المشركين. وان قضية عمار مشهورة قد أنزل الله فيها آية، وقد مر عليك خبر مؤمن آل فرعون، ونحن على اطمئنان بأن المسلم الذي لا يقر بالتقية سيمارسها حتما لو نزل به الظلم والأرهاب وعاش ظروف الشيعة، وان التقية حقيقة فطرية يتمسك بها الأنسان في المهمات والملمات. المهدي العباسيي والوضوء تولى المهدي العباسي الخلافة عام 158 بعدما امتنع عيسى بن موسى ولي عهده عن التنازل إلى ابنه محمد المهدي، فبدأ سياسته بالنظر في المظالم، والكف عن القتل وإطلاق سراح السجناء السياسيين، حتى نرى الحسن بن زيد


(1) أحكام القرآن، للجصاص 2: 9 - 10. (2) صحيح البخاري 8: 20 - 21 كتاب الاداب - باب 40 ما يجوز من اغتياب أهل الفسا د والريب.

[ 390 ]

يبايع المهدي بصدر منشرح ونفس طيبة. ورأى المهدي ان الحجاز، وخصوصا بعد مقتل محمد النفس الزكية، أصبحت مركزا رئيسيا من مراكز الحركة الشيعية، فرحل إليها عام 160 ليستميل إليه أهلها حتى لا يشاركوا العلويين في حركاتهم، فأعلن المهدي في الحجاز بداية سياسة جديدة والعفو العام، وبالغ في التقرب إليهم، حتى قيل بأن عدد الثياب المهداة إلى أهالي مكة مائة وخمسون ألف ثوب، وصرف عليهم أموالا طائلة واهتم بالأماكن المقدسة فيها. والشيعة كانوا على حيطة من سياسة المهدي وتعاملوا معها بحذر. والمعروف عن المهدي انه كان يتخوف من ثلاثة أشخاص: 1 - عيسى بن موسى، ولي عهد المنصور سابقا. 2 - عيسى بن زيد، أخو الحسن الذي بايع المهدي أولا. 3 - علي بن العباس بن الحسن. وقد نصح المنصور المهدي بقوله: (يا بني اني قد جمعت لك من الأموال ما لم يجمعه خليفة قبلي وبنيت لك مدينة لم يكن في الأسلام قبلها، ولست أخاف عليك إلا أحد رجلين: عيسى بن موسى، وعيسى بن زيد، فأما عيسى بن موسى فقد أعطاني من العهود والمواثيق ما قبلته، ووالله لو لم يكن إلا أن يقول قولا لما خفته عليك، فاخرجه من قلبك. وأما عيسى بن زيد فانفق هذه الأموال واقبل هؤلاء الموالي واهدم المدينة حتى تظفر به ثم لا ألومك). علما بأن عيسى كان قد اتخذ الكوفة مركزا لنشاطه السياسي بعد أن كان في البصرة يقاتل العباسيين مع إبراهيم حتى قتل، فالعباسيون كانوا يراقبون تحركات الشيعة للوقوف على مكان عيسى وغيره من المجاهدين. وكانوا يسعون للعثور عليهم على ضوء ما يمارسونه من عبادات. وقد مرت عليك النصوص السابقة وكيف تعرفوا على يحيى، وان سليمان بن جرير جاء إلى إدريس وقال: ان السلطان طلبني لما يعلمه من مذهبي. ومن المستحسن أن نذكر خبرا آخر عن عيسى بن زيد حتى نقف على ظلامة الطالبيين، ثم نعرج على رواية الوضوء في هذا العهد.

[ 391 ]

جاء في مقاتل الطالبيين عن المنذر بن جعفر العبدي عن ابنه، قال: خرجت أنا والحسن وعلي بن صالح ابنا حي، وعبد ربه بن علقمة، وجناب بن نسطاس مع عيسى بن زيد حجاجا بعد مقتل إبراهيم، وعيسى بيننا يستر نفسه في زي الجمالين، فاجتمعنا بمكة ذات ليلة في المسجد الحرام، فجعل عيسى بن زيد والحسن بن صالح يتذاكران أشياء من السيرة، فاختلف هو وعيسى في مسألة منها - وغالبا ما كانوا يختلفون - فلما كان من الغد دخل علينا عبد ربه بن علقمة فقال: قدم عليكم الشفاء فيما اختلفتم فيه، هذا سفيان الثوري قد قدم، فقاموا بأجمعهم فخرجوا إليه، فجاءوه وهو في المسجد جالس، فسلموا عليه. ثم سأله عيسى بن زيد عن تلك المسألة، فقال: هذه مسألة لا أقدر على الجواب عنها لأن فيها شيئا على السلطان (مع العلم ان الثوري كان من المخالفين للسلطان وكان متواريا عن الأنظار). فقال له الحسن: انه عيسى بن زيد، فنظر إلى خباب بن نسطاس مستثبتا. فقال له جناب: نعم، هو عيسى بن زيد، فوثب سفيان فجلس بين يدي عيسى وعانقه وبكى بكاء شديدا واعتذر إليه مما خاطب به من الرد، ثم أجابه عن المسألة وهو يبكي. وأقبل علينا فقال: ان حب بني فاطمة والجزع لهم مما هم عليه من الخوف والقتل والتشريد ليبكي من في قلبه شئ من الأيمان. ثم قال لعيسى: قم بأبي أنت، فاخف شخصك لا يصيبك من هؤلاء شئ نخافه، فقمنا فتفرقنا (1). هذا والمعروف عن المهدي انه كان يراقب حركات الشيعة، وكان قد أمر واليه على الكوفة أن يخبره عن مكان اختفاء عيسى. ولما اجتمع بعض زعماء الزيدية في بيت عيسى هجم عليهم الوالي مع عدد من جيشه، وألقى القبض على المجتمعين وبعثهم إلى المهدي، فأمر بسجنهم، وظل عيسى في السجن حتى مات. وبذلك تتأكد لنا وحدة كلمة الطالبيين - حسنيين وحسينيين - وأن فقههم كان


(1) مقاتل الطالبيين: ص 415 - 416.

[ 392 ]

غير فقه الحكام، وأن الحكام كانوا يستخدمون الشريعة للتعرف على الطالبيين. وقد قدمنا شواهد وإليك نصا آخر: أخرج الشيخ الطوسي بسنده إلى داود بن زربي قال: سألت الصادق عن الوضوء؟ فقال لي: (توضأ ثلاثا ثلاثا) ثم قال لي: (أليس تشهد بغداد وعساكرهم؟!). قلت: بلى قال [ داود ]: فكنت يوما أتوضأ في دار المهدي، فرآني بعضهم وأنا لا أعلم به، فقال: كذب من زعم أنك رافضي وأنت تتوضأ هذا الوضوء. قال: فقلت: لهذا والله أمرني (1). وقد نقل الطبري لنا نصا يكفينا تعريفا بالمهدي وشدة بغضه لعلي، فقد جاء في الطبري أن القاسم بن مجاشع التميمي عرض على المهدي وصيته - وكان فيها بعد الشهادة بالوحدانية ونبوة محمد (وان علي بن أبي طالب وصي رسول الله ووارث الأمامة من بعده) - فلما بلغ المهدي إلى هذا الموضع رمى بالوصية ولم ينظر فيها (2). الرشيد والوضوء جاء في الأرشاد للمفيد: عن محمد بن الفضل قال: اختلفت الرواية من بين أصحابنا في مسح الرجلين في الوضوء، أهو من الأصابع إلى الكعبين أم من الكعبين إلى الأصابع؟ فكتب علي بن يقطين إلى أبي الحسن موسى بن جعفر: جعلت فداك، إن أصحابنا قد اختلفوا في مسح الرجلين، فان رأيت أن تكتب إلي بخطك ما يكون


(1) التهذيب 1: 82 / 214، الاستبصار 1: 71 / 219، وسائل الشيعة 1: 443. (2) انظر: تاريخ الطبري 8: 176 حوادث 169.

[ 393 ]

بحسبه، فعلت إن شاء الله. فكتب إليه أبو الحسن: (فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء، والذي آمرك به في ذلك أن تتمضمض ثلاثا وتستنشق ثلاثا، وتغسل وجهك ثلاثا، وتخلل شعر لحيتك وتغسل يدك إلى المرفقين ثلاثا، وتمسح رأسك كله، وتمسح ظاهر أذنيك وباطنهما، وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثا، ولا تخالف ذلك إلى غيره). فلما وصل الكتاب إلى علي بن يقطين، تعجب مما رسم له مما أجمع العصابة على خلافه، ثم قال: مولاي أعلم بما قال، وأنا ممتثل أمره، فكان يعمل في وضوئه على هذا الحد، ويخالف ما عليه جميع الشيعة، امتثالا لأمر أبي الحسن. وسعي بعلي بن يقطين إلى الرشيد، وقيل له: انه رافضي مخالف لك. فقال الرشيد لبعض خاصته: قد كثر عندي القول في علي بن يقطين، والقرف - أي الاتهام - له بخلافنا، وميله إلى الرفض، ولست أرى في خدمته لي تقصيرا، وقد امتحنته مرارا، فما ظهر منه علي ما يقرف به، وأحب أن استبري أمره من حيث لا يشعر بذلك فيتحرز مني فقيل له: ان الرافضة يا أمير المؤمنين تخالف الجماعة في الوضوء فتخففه، ولا ترى غسل الرجلين، فامتحنه من حيث لا يعلم بالوقوف على وضوئه. فقال: أجل، إن هذا الوجه يظهر به أمره. ثم تركه مدة وناطه بشئ من الشغل في الدار حتى دخل وقت الصلاة، وكان علي بن يقطين يخلو في حجرة في الدار لوضوئه وصلاته، فلما دخل وقت الصلاة وقف الرشيد من وراء حائط الحجرة بحيث يرى علي بن يقطين ولا يراه هو، فدعا بالماء للوضوء، فتمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه، وخلل شعر لحيته وغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا، ومسح رأسه وأذنيه، وغسل رجليه، والرشيد ينظر إليه، فلما رآه الرشيد فعل ذلك لم يملك نفسه حتى أشرف عليه بحيث يراه، ثم ناداه: كذب [ يا علي بن يقطين ] من زعم انك من الرافضة، وصلحت حاله عنده.

[ 394 ]

وبعد ذلك ورد عليه كتاب من أبي الحسن: (ابتدئ من الان يا علي بن يقطين، توضأ كما أمر الله، اغسل وجهك مرة فريضة وأخرى إسباغا، واغسل يديك من المرفقين كذلك، وامسح بمقدم رأسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما كان يخاف عليك، والسلام) (1). العباسيون وتأصيل المذاهب الأربعة قدمنا سابقا عناية الحكومة العباسية بالفقه المخالف لال البيت واحتواء العباسيين لخطي الأثر والرأي. لما في انتشار مذهب آل البيت من تضعيف لخط الحكومة وتقوية لمنافسيهم على منصب الخلافة. وان احتواءهم لخطي الأثر والرأي هو تعضيد لحكمها وتمسك بالصفة شرعيتها، لأن رواد الخط الأول لا يرتؤون شرعية الخلافة العباسية خلافا لرواد الخط الثاني، فانهم انخرطوا في سلك الدولة وترعرعوا في أحضانها وتولوا منصب القضاء، واستغلت الدولة قدراتهم وطاقاتهم العلمية في صالحها، ولذلك ترى الحكومة العباسية تؤكد على رفض آراء الخط الأول، وإن كان عبد الله بن عباس - جدهم الأعلى - من روادها والدعاة إليها. بعد كل ذلك نحاول المرور سريعا بالمذاهب الأربعة التي أصلت آنذاك قبال مذهب علي وعبد الله بن عباس وأهل البيت، لنأخذ فكرة إجمالية عنها، وكيف أن هذه المذاهب جعلت الوضوء الثلاثي الغسلي الذي ركزت عليه الحكومة العباسية كنقطة من نقاط الاختلاف التي يمكن من خلالها معرفة مخالفيها العقائديين والفقهيين.


(1) الأرشاد 2: 227، المناقب، لابن شهرآشوب 4: 288، الخرائج والجرائح 1: 335 / 26، أعلام الورى: ص 293، البحار 48: 38 / 14، وسائل الشيعة 1: 444 / 1173، جامع أحاديث الشيعة 2: 291.

[ 395 ]

مذهب الأمام أبي حنيفة وأول مذهب يطالعنا في ذلك العصر وأقدمه هو مذهب الأمام أبي حنيفة، فإن الأمام كان من أوائل الذين تقدموا لمبايعة أبي العباس السفاح في جملة من بايعه من الفقهاء، حيث أن الناس كانوا يتشوقون لحكم وعدهم بإقامة العدل والسنة لينقذهم من جور الأمويين. لكن أبا حنيفة سرعان ما أدرك انحراف العباسيين وشراءهم لضمائر بعض الفقهاء والعلماء، فابتعد عن السلطة ورفض أن يتولى القضاء للمنصور العباسي رغم كل السبل التي اقتفاها لاحتوائه، فكلما ازدادوا إلحاحا عليه ازداد ابتعادا عنهم ورفضا لتولي القضاء، حتى وصل الأمر الى سجنه وتعذيبه، وقيل: انه مات مسموما على أيدي العباسيين. وعلى كل حال فإنه لم يدون فقهه للسلطان ولا لغيره، اللهم إلا وريقات باسم (الفقه الأكبر) في العقائد نسبت إليه، ولم يصح ذلك على وجه القطع واليقين. ثم أن السلطات بعد وفاة الأمام أبي حنيفة استطاعت أن تحتوي اثنين من أكبر تلامذته، هما: أبو يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن الشيباني اللذين كانا ينسبان كل ما وصلا إليه من رأي الى أبي حنيفة! وكان أبو يوسف قد انضم الى السلطة العباسية أيام المهدي العباسي سنة 158 وظل على ولائه أيام الهادي والرشيد، ودون من كتب الفقه: الصلاة، الزكاة، الصيام، الاثار، الفرائض، البيوع، الحدود، الوكالة، الوصايا والصيد، الذباحة، وكتاب اختلاف الأمصار، وكتاب الرد على مالك بن أنس. وأهم كتبه: كتاب الخراج، الذي ألفه بناء على طلب من الخليفة هارون الرشيد في جباية الخراج، فالمؤلف خرج عن حدود تلك الدائرة الى موضوع الأمامة والخلافة وشؤون القضاء والحرب! وقد ذكر المؤرخون سبب اتصال أبي يوسف بالرشيد وتوثيق علاقاته معه: ان بعض القواد حنث في يمين، فطلب فقيها يستفتيه فيها، فجئ بأبي يوسف، فأفتاه انه لم يحنث، فوهب له دنانير وأخذ له دارا بالقرب منه واتصل به.

[ 396 ]

فدخل القائد يوما على الرشيد فوجده مغموما، فسأله عن سبب غمه، فقال: شئ من أمر الدين قد حزبني، فاطلب لي فقيها أستفتيه، فجاءه بأبي يوسف. قال أبو يوسف: فلما دخلت الى ممر بين الدور، رأيت فتى حسنا أثر الملك عليه { الظاهر انه الامين بن الرشيد } وهو في حجرة في الممر محبوس، في الممر محبوس، فأومأ إلى بإصبعه مستغيثا، فلم أفهم عنه إرادته، وأدخلت الى الرشيد، فلما مثلت بين يديه، سلمت، ووقفت. فقال لي: ما اسمك؟ قلت: يعقوب، أصلح الله أمير المؤمنين. قال: ما تقول في إمام شاهد رجلا يزني، هل يحده؟ قلت: لا يجب ذلك. قال: فحين قلتها سجد الرشيد، فوقع لي أنه قد رأى بعض أولاده الذكور على ذلك، وأن الذي أشار إلي بالاستغاثة هو الابن الزاني! قال: ثم رفع رأسه وقال: ومن أين قلت هذا؟ قلت: لأن النبي (ص) قال (ادرؤوا الحدود بالشبهات)، وهذه شبهة يسقط الحد معها. فقال: وأي شبهة مع المعاينة؟ قلت: ليس توجب المعاينة لذلك أكثر من العلم بما جرى، والحكم في الحدود لا يكون بالعلم. قال: ولم؟ قلت: لأن الحد حق الله تعالى، والأمام مأمور بإقامة الحد، فكأنه قد صار حقا له، وليس لأحد أخذ حقه بعلمه، ولا تناوله بيده، وقد أجمع المسلمون على وقوع الحد بالأقرار والبينة، ولم يجمعوا على إيقاعه بالعلم. قال: فسجد مرة أخرى، وأمر لي بمال جليل، ورزق في الفقهاء في كل شهر، وأن ألزم الدار. قال: فما خرجت حتى جاءتني هدية الفتى وهدية أمه وأسبابه، فحصل لي

[ 397 ]

من ذلك ما صار أصلا للنعمة، وانضاف رزق الخليفة الى ما كان يجريه علي ذلك القائد. ولزمت الدار، فكان هذا الخادم يستفتيني، وهذا يشاورني، فأفتي وأشير، فصارت لي مكنة فيهم، وحرمة بهم، وصلاتهم تصل إلي وحالتي تقوى. ثم استدعاني الخليفة وطاولني واستفتاني في خواص أمره وأنس بي، فلم حالي تزل تقوى معه حتى قلدني قضاء القضاة (1). هذا حال أشهر تلامذة الأمام أبي حنيفة الناشر لفقهه والمدون لارائه. وقد وقفت على دور الدولة في الأخذ بفتواه والعمل برأيه وجعله قاضيا للقضاة، وجلوسه في البيت لأفتاء الناس!! أما محمد بن الحسن الشيباني، فهو ثاني أبرز تلامذة أبي حنيفة، وقد درس عليه وناظر وسمع الحديث، لكن غلب عليه الرأي. قدم بغداد ودرس فيها، ثم خرج الى الرقة وفيها هارون الرشيد، فولاه قضاء الرقة، وأخرجه هارون معه الى الري فمات بها. كان ملازما للسلطة العباسية وألف في الفقه الكثير. قال أبو علي الحسن بن داود: فخر أهل البصرة بأربعة كتب، منها: كتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب الحيوان له، وكتاب سيبويه، وكتاب الخليل في العين، ونحن نفخر بسبعة وعشرين ألف مسألة في الحلال والحرام عملها رجل من أهل الكوفة يقال له محمد بن الحسن الشيباني قياسية عقلية لا يسع الناس جهلها (2). وقد ألف كتاب (الجامع الصغير) عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، و (الجامع الكبير)، وله مؤلفات فقهية أخرى، منها: (المبسوط في فروع الفقه) و (الزيادات‍) و (المخارج من الحيل) و (الأصل) و (الحجة على أهل المدينة) وغيرها من


(1) نقلنا النص عن نشوار المحاضرة 1: 252، وانظر: وفيات الأعيان ذلك. (2) تاريخ بغداد 2: 177.

[ 398 ]

الكتب (1). فهذا حال التدوين عند أصحاب أبي حنيفة والمسائل التي سار عليها طائفة كبيرة من المسلمين. وبذلك اتضح لك دور السلطة في انتشار مذهب أو التعتيم على آخر، وأن مهنة القضاء وتوجه الحكام الى البعض من العلماء كان له الدور الأكبر في تعرف الناس على ذلك المذهب أو الفقيه. وقد عرفت بأن ازدياد عدد أتباع هذا المذهب أو ذاك يرجع الى العوامل الجانبية والسياسية لا المقومات الأساسية وقوة دليل المذهب، بل لمسايرته الساسة جنبا الى جنب. ولأجل تولي مهنة القضاء والتقرب الى السلطان وغيره ترى الكثير من العلماء يتحولون من مذهب الى آخر طلبا لرفد السلطان. فهذا الأمير يلبغا بن عبد الله الخاصكي الناصري كان يتعصب لمذهب أبي حنيفة، ويعطي لمن تحول إليه العطاء الجزيل (2). وقيل عن أبي البركات الحنفي: انه تحول الى المذهب الحنبلي (3). وأبو بكر البغدادي: انه تحول الى الشافعي وولي القضاء. وكان أبو المظفر يوسف بن فرغلي سبط ابن الجوزي حنبليا، نقله الملك المعظم الى مذهب أبي حنيفة (4)، وغيرهم. إذن، فمهنة القضاء كانت من المناصب التي يمكن اعتبارها إحدى أسباب التحول من مذهب الى آخر. مذهب الأمام مالك بعد يأس المنصور من احتواء الأمام أبي حنيفة، توجه الى الأمام مالك


(1) الأعلام، للزركلي 6: 80. (2) شذرات الذهب 6: 213 - 214. (3) انظر أخباره في كتب التراجم. (4) شذرات الذهب 5: 267.

[ 399 ]

ليكتب له (الموطأ)، وقال له: انه سيحمل الناس على ذلك، ويجعل العلم علما واحدا! وبعد وفاة المنصور تمكن المهدي العباسي من احتواء كلا الخطين، إذ أناط الى أبي يوسف مهنة القضاء وقربه إليه، في حين كان المنصور قبله قد كسب الأمام مالكا، وقد قرأت ذلك سابقا وعرفت تفانيه في خدمة المنصور. وقد نقل عن الأمام مالك انه قال للمنصور: (لو لم يرك الله أهلا لذلك ما قدر لك ملك أمر الأمة، وأزال عنهم الملك من بعد نبيهم ولقرب هذا الأمر الى أهل بيته. أعانك الله على ما ولاك وألهمك الشكر على ما خولك، وأعانك على ما استرعاك) واتخاذ هذا الموقف من قبل مالك لصالح الحكام جعل أستاذه ربيعة الرأي يبتعد عنه ويكرهه، لأنه كان لا يداهن السلطان ولا يرتضي التعامل معهم، فلذلك هجر الناس - تبعا للحكومة - ربيعة الرأي، والتفوا حول مالك. وعلى أي حال، فقد اعتذر المنصور من مالك في سنة 150 أو 151 لما أصابه من الضرب على يد والي المدينة، فقربه ولاطفه وطلب منه أن يؤلف له كتابا في الفقه ليكون المعول عليه عند المسلمين. فقال: (يا عبد الله، ضع هذا العلم ودونه، وتجنب فيه شواذ عبد الله بن مسعود ورخص ابن عباس وشدائد ابن عمر، واقصد الى أوسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة، لنحمل الناس إن شاء الله على علمك وكتبك ونبثها في الأمصار، ونعهد إليهم ألا يخالفوها ولا يقضوا بسواها) (1). فاستجاب مالك لطلب المنصور، وألف (الموطأ) مع علمه بأن أهل العراق لا يستجيبون لما كتبه، لكن المنصور طمأنه بأنه سيحملهم عليها بالقوة والسلطان!! فصار (الموطأ) دستور الحكومة، وأول كتاب دون في الحديث للدولة العباسية. وقد روي أن أبا يحيى معن بن عيسى القزاز قرأ الموطأ على مالك للرشيد


(1) الأمامة والسياسة 2: 150.

[ 400 ]

وبينه، وكان القزاز هذا قد أخذ أربعين ألف مسألة عن مالك (1). وأمر الرشيد عامله على المدينة بأن لا يقطع أمرا دون مالك، واشتهر عن الرشيد أنه كان يجلس على الأرض أمامه لاستماع حديثه. قال ابن حزم: مذهبان انتشرا في مبدأ أمرهما بالرياسة والسلطان، مذهب أبي حنيفة، فإنه لما ولي أبو يوسف القضاء كان لا يولي قاضيا إلا من أصحابه والمنتسبين الى مذهبه، والثاني مذهب مالك... (2). فلاحظ كيف صار فقه رسول الله يدون من قبل الحكام الذين لا يهمهم إلا الحكم!! وكيف استغلوا الفقهاء لترجيح الاراء المخالفة لفقه الطالبيين وأنصار التعبد المحض، ليكون نهجا في الحياة دون فقه أهل البيت. وقد طمأن مالك المنصور بأن الفقه سيبقى في أيديهم وليس لأهل البيت نصيب فيه، فجاء فيما قاله: يا أمير المؤمنين، لا تفعل، أما هذا الصقع فقد كفيتكه، وأما الشام ففيه الرجل الذي علمته - يعني الأوزاعي. وأما أهل العراق فهم أهل العراق!! وأن جملة (وأما الشام ففيه الرجل الذي علمته) تعني عداءه وبغضه لأهل البيت، وأنها هي المطلوبة، أي أنك قد حصلت على النتيجة دون مقدمات. وقد عرف عن المنصور أنه كان يعظمه ويراسله لما عرف عنه من الانحراف عن آل محمد. قال الدهلوي في حجة الله البالغة: (فأي مذهب كان أصحابه مشهورين وأسند إليهم القضاء والأفتاء واشتهرت تصانيفهم في الناس، ودرسوا درسا ظاهرا انتشر في أقطار الأرض، لم يزل ينتشر كل حين. وأي مذهب كان أصحابه خاملين، ولم يولوا القضاء والافتاء، ولم يرغب فيهم الناس اندرس بعد حين) (3).


(1) طبقات الفقهاء، لأبي إسحاق الشيرازي: 148. (2) وفيات الأعيان 6: 144. (3) الأمام الصادق والمذاهب الأربعة 2: 11، عن حجة الله البالغة 1: 151.

[ 401 ]

هذا بالنسبة الى المذاهب الحكومية، أما مذهب أهل البيت فلم يكن يسمح بتداوله، بل إن اتباع هذا المذهب، بممارساتهم الطقوس الدينية والعبادات الشرعية، يعرفون أنهم من المخالفين لنظام السلطة. هذا وان أشهر كتب المذهب المالكي هي: المدونة، الواضحة، العتيبة، الموازنة. لنرجع قليلا وندرس هدف المنصور من توحيد الفقه وجعله فقها واحدا وهنا آراء عدة: أولها: حرص المنصور على الأسلام والدين حدا به أن يسعى لردم هوة الخلاف وتوحيد المذاهب في مذهب واحد!! إلا أن هذا الرأي منقوض بما عرف عن عدم تدين المنصور وشدة ولعه بالدماء، وعدم رعايته لما أوجبه الله، بل تهتكه وإهانته للعلماء. ولو سلمنا جد لا بسلامة نيته، فلماذا يكون مذهب مالك هو المختار دون غيره؟ ولم يكون مذهبه دون غيره مجزيا ومبرئا للذمة، مع وجود فقهاء آخرين كربيعة الرأي مثلا؟ ولماذا نراه يعلم الأمام مالكا ويرسم له طريق التدوين (تجنب شدائد ابن عمر، وشواذ ابن مسعود، ورخص ابن عباس) إن كان مالك مختارا؟!! ولماذا يقول له: (خذ بكلام ابن عمر وإن خالف عليا وابن عباس)؟! وغيرها. ثانيها: المعروف أن المنصور طلب من مالك أن يدون الفقه لما علم من رسالة ابن المقفع الى جمع من الصحابة ذاكرا فيها نقائص وعيوب نظام القضاء - في عهد المنصور بالقياس الى ما كان في عهد الدولة الأموية -. وهذا الرأي أيضا لا يصمد للتحقيق والنقد، إذ نراه يواجه نفس الأشكال السابق وهو فقدان المرجح الذي يرجح مذهب مالك على سائر المذاهب، واختصاص كتابه (الموطأ) به مع وجود علماء كبار يشهد مالك بأنهم أفضل منه وأعلم. ثم إن خلل نظام القضاء يزعزع كيان الدولة، فلو كان ذلك هو الباعث على

[ 402 ]

طلب المنصور من مالك توحيد الفقه لكان الوقت أهم ما يراد اختزاله وعدم التفريط به، إذ كان بإمكان المنصور جمع عدد كبير من الفقهاء لتعيين دستور فقهي موحد للدولة بأسرع وقت، لا أن يستغرق مالك عشر سنين أو أكثر لتدوين كتاب واحد، والناس أحوج ما يكونون إليه. فقد بدأ مالك بتأليف الموطأ سنة 148 ه‍ وانتهى منه سنة 159 ه‍، فلا يعقل أن يتعطل قضاء أكبر دولة ويبقى مختلا كل هذه المدة المديدة. ثالثها: هو ما يوصلنا إليه البحث الموضوعي، ويعضده ما نعرف من دهاء المنصور ومسلكه في التضليل، وهو: ان المنصور خاف من انتشار مذهب أهل البيت بعد أن اجتمع بباب جعفر بن محمد الصادق نحو أربعة آلاف راو يأخذون عنه العلم، فخشي المنصور من ميل الناس إليه، خصوصا وأن آراءه وأفكاره مما يرتضيه المنطق والعقل وتستند الى التقوى والورع، وتؤكد على عدم التعاون مع الحكام، بل رفض كل مبدأ فاسد، وتدعو الى العدل والصلاح. وأن ذلك مما حدا بالحكام أن يرجحوا كفة أبي حنيفة ومالك ويتخذوهما أئمة دون غيرهم من الفقهاء ويؤكدوا على الأخذ برأيهم، واعتزال مذهب الصادق والباقر من أهل البيت، لأن تقوية مدرسة أهل البيت يشكل خطرا على الدولة ويخرج الأمر من يد الحكام، إذ عرفوا أن حبس الصادق أو قتله لا يجدي نفعا بعد شيوع فقهه في الناس، فرأوا محاربة الفكر بالفكر والفقه بالفقه هي الخط وة الناجحة، وبالفعل حققت هذه العملية أهدافها بعد حين، خصوصا مع ما عرف عن عامة الناس بأنهم على دين ملوكهم! ولا يسعني هنا إلا أن أنقل كلاما للدهلوي في حجة الله البالغة، مضمونه: إن أبا يوسف ومحمد بن الحسن صارا يكبران في العيدين تكبير ابن عباس، لأن هارون الرشيد كان يحب تكبيرة جده (1)! وقد ذكر الشاطبي - في القسم الخامس من الموافقات (كتاب الاجتهاد) - ما صار إليه كثير من مقلدة الفقهاء بحيث صار أحدهم يفتي قريبه أو صديقه بما لا


(1) الأمام الصادق والمذاهب الأربعة 2: 166، عن حجة الله البالغة 1: 158.

[ 403 ]

يفتي به غيره من الأقوال (1) اتباعا لغرضه وشهوته، ثم ساق أحاديث في ذلك. وقال الأستاذ السيد محمد رشيد رضا في الاعتصام معلقا على كلام الشاطبي: (ومن فروع هذه البدعة أن بعضهم يستحل أن يجعل المرجح لأحد القولين في الفتوى ما يعطيه المستفتون من الدراهم، فإذا جاء مستفتيان في مسألة واحدة فيها خلاف، يطلب أحدهما الفتوى بالجواز أو الحل، والاخر يطلب الفتوى بالمنع أو الحرمة، يفتي من كان منهما أكثر بذلا للمفتي، فهو تارة يفتي بالحل وتارة يفتي بالحرمة. والقاعدة في ذلك ما صرح به بعض الفقهاء في بعض الكتب التي تدرس في الأزهر (نحن مع الدراهم قلة وكثرة)! فإذا كان القولان المتناقضان صحيحين في المذهب، جاز أن يكون السحت هو المرجح في الفتوى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (2). وقال الشيخ محمد بن عبد الله دراز شارح الموافقات: (بل أخرجوا الأمر عن كونه قانونا شرعيا وعدوه متجرا، حتى كتب بعض المؤلفين في الشافعية ما نصه: (نحن مع الدراهم قلة أو كثرة))! مذهب الأمام الشافعي أما الأمام الشافعي، فإنه ارتبط بالفقه المالكي وحفظ الموطأ منذ صباه، وأحب أن يتصل بمالك فأخذ كتابا من والي مكة الى والي المدينة ليدخله على مالك، فلما وصل الى المدينة وقدم الى واليها الكتاب، قال الوالي: إن المشي، من جوف المدينة الى جوف مكة حافيا راجلا أهون علي من المشي الى باب مالك، فلست أرى الذل حتى أقف على بابه. يبدو من هذا الكلام أن الشافعي أراد الاتصال بمالك بعد سطوع نجمه وارتقاء محله عند العباسيين، بحيث أن والي المدينة يشعر بالذلة والتصاغر أمام مالك والوقوف ببابه!


(1) الموافقات 4: 98. (2) الأمام الصادق والمذاهب الأربعة، عن الاعتصام 3: 268.

[ 404 ]

وقيل عن مالك أنه لما قرأ الكتاب، قال: (سبحان الله، أو صار علم رسول الله يؤخذ بالوسائل). فتهيبه الوالي أن يكلمه، ثم كلمه الشافعي، فرق له ووعده أن يأتي من بعد ليدرس عنده (1). وقد طالت تلمذة الشافعي على يد مالك ما يقارب تسع سنين، ثم إن الشافعي أملق أشد الأملاق بعد موت مالك فرجع الى مكة، وصادف ذلك أن قدم الى الحجاز والي اليمن، فكلمه بعض القرشيين، فأخذه الوالي معه، وأعطاه عملا من أعماله، وهي ولاية نجران. ثم وشي به عند الرشيد بتهمة كونه ذا ميول علوية ويحاول الخروج على الحكم، فأرسلوه الى بغداد مكبلا بالحديد، فتبرأ من تهمة انخراطه مع العلويين، وأكد إخلاصه للسلطة وشهد له صديقه محمد بن الحسن الشيباني - الذي كان قد تعرف عليه عندما كان يدرس عند مالك ثلاث سنين، - بأنه ثقة ومن أتباع الدولة، فخلى سبيله. وبعد هذا توطدت علاقته وصلاته بالشيباني، فأخذ يدرس عليه آراء أبي حنيفة في الرأي والقياس. لكن الخطيب البغدادي يحدثنا عن اختلافهما في أهل البيت، فقال: قال الشافعي: لم يزل محمد بن الحسن عندي عظيما جليلا، أنفقت على كتبه ستين دينارا حتى جمعني وإياه مجلس عند الرشيد، فابتدأ محمد بن الحسن فقال: يا أمير المؤمنين، إن أهل المدينة خالفوا كتاب الله نصا، وأحكام رسول الل‍ ه (ص) وإجماع المسلمين. فأخذني ما قدم وما حدث، فقلت: ألا أراك قد قصدت لأهل بيت النبوة ومن نزل القرآن فيهم وأحكمت الأحكام فيهم، وقبر رسول الله (ص) بين ظهرانيهم، عمدت تهجوهم، أرأيتك أنت بأي شئ قضيت بشهادة امرأة واحدة قابلة حتى تورث ابن خليفة ملك الدنيا ومالا عظيما؟


(1) معجم الأدباء 17: 287، مناقب الفخر الرازي: 10.

[ 405 ]

قال: بعلي بن أبي طالب. قلت: إنما رواه عن على رجل مجهول يقال له عبد الله بن نجي... الى آخر الخبر (1). إذن فالشافعي أخذ من كلا المدرستين (1 - مدرسة الرأي والقياس، بواسطة محمد بن الحسن، 2 - مدرسة الأثر، من مالك بن أنس)، فكان نتاجه مدرسة جديدة خاصة به أشاعها في مصر بعدما عاد إليها من بغداد عام 199 ه‍ مع أميرها العباس بن عبد الله بن العباس. والمعروف عن الأمام الشافعي أنه قدم بغداد ثلاث مرات: الأولى: سنة 184، وكانت من اليمن بسبب اتهامه بالميول العلوية. والثانية: سنة 195، بعد أن مات الرشيد. والثالثة: سنة 198، ومنها خرج بصحبة والي مصر العباس بن عبد الله بن العباس الى مصر. فنزل ضيفا على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم - وكان من أكبر أنصار مذهب مالك - وكانت له مكانة ورياسة، فأكرم مثوى الشافعي وآزره. قال ابن حجر: (إن الرشيد سأل الشافعي أن يوليه القضاء، فامتنع. فقال: سل حاجتك. قال: حاجتي أن أعطى من سهم ذوي القربى بمصر، وأخرج إليها. ففعل ذلك وكتب له الى أميرها (2)). وأنه بدأ في تقوية بناء مدرسته، فهاجم مالكا لتركه الأحاديث الصحيحة لقول واحد من الصحابة أو التابعين أو لرأي نفسه، وهاجم أبا حنيفة وأصحابه لأنهم يشترطون في الحديث أن يكون مشهورا ويقدمون القياس على خبر الاحاد وإن صح سنده، وأنكر عليهم تركهم بعض الأخبار لأنها غير مشهورة وعملهم بأحاديث لم تصح لأنها مشهورة، فاستاء منه المالكيون وأخذوا يبتعدون عنه، لأنه أخذ يغير أراءه القديمة التي كان يقول بها سابقا والتي كانت موافقة لرأي مالك في الغالب - ويرسم مكانها رأيه الجديد


(1) تاريخ بغداد 2: 178. (2) الأمام الصادق والمذاهب الأربعة 2: 229، عن توالي التأسيس: 77.

[ 406 ]

المتخذ على ضوء القياس والرأي المخلوط بالأثر. ولما استقر مذهبه الجديد شغب عليه بعض عوام أصحاب مالك فقتلوه (1). ومن الظريف هنا أن أنقل كلاما عن الأستاذ علي فكري والذي مر اسمه في عهد علي بن أبي طالب وكيف كان يغير التراث ويختم على ما يصدر من دار الكتب (راجعته اللجنة المغيرة للكتب)، وملخص الكلام هو: إن الأستاذ نسب في كتابه (أحسن القصص) الى الشافعي انه دخل الكوفة واجتمع بأبي يوسف وجرت بينهما مناظرات، وسافر الى بلاد فارس وحولها من بلاد العجم، ثم سافر الى بلاد ربيعة ومضر وشمال العراق حتى وصل الى جنوب بلاد الروم - وهي الأناضول الان - وعرج على حران وأقام زمنا... الى آخره. في حين نعلم أن أبا يوسف القاضي قد توفي سنة 182 أي قبل ورود الشافعي الى العراق في المرة الأولى بعامين. وكذا الحال بالنسبة الى دخوله الكوفة، فلم أعثر على نص يثبت ذلك، وهكذا الحال بالنسبة الى ما سرده من حديث عن رحلاته. نعم، لقد بات يرسم التراث رجال من أمثال علي فكري وأضرابه الذين هم في خدمة السلطان ومن يهمه تحريف الحقائق أكثر من تدوين الوقائع ونقل الوثائق! هذا ويحتمل كون بعض الطعون الواردة على الشافعي، كعدم نقل البخاري ومسلم حديثا عنه في صحاحهم، وما نقله أحمد بن حنبل عن الشافعي وقوله: أنتم أعلم بالأخبار الصحاح منا، وقول أبي ثور: ما كان الشافعي يعرف الحديث، وإنما كنا نوقفه عليه ونكتبه (2)، وغيرها.. طعونا عصبية، فإن ترك البخاري وم‍ سلم التحديث عن الشافعي لم يكن دليلا على الجرح فيه، إذ لم يكن ذلك دائرا مدار الواقع، فإن الصحيح هو ما صح عندهما وإن كان مخالفا للواقع، فنراهما كثيرا ما


(1) معجم الأدباء 17: 289. (2) البداية والنهاية 9: 327، طبقات الحنابلة 1: 282، آداب الشافعي: 95.. اعت‍ مادا على ما نقله أسد حيدر في الأمام الصادق والمذاهب الأربعة عنها، انظر 2: 244.

[ 407 ]

يرويان عن أشخاص ضعاف أو عرفوا بالكذب، واعتبرت تلك الروايات بمنزلة الصحاح، وان المؤاخذات على البخاري لم تنحصر بهذا فقط. وعلى هذا يحتمل أن يكون عدم تحديث البخاري ومسلم، وغيرها من الطعون المذكورة فيه، إنما جاءت لقوله: إن علي بن أبي طالب هو الأمام الحق في عصره، وأن معاوية وأصحابه كانوا الفئة الباغية. وقد اتخذ الشافعي في كتاب السير من فقهه سنة علي (ع) في معاملة البغاة، وإظهاره حب آل محمد رغم وقوف الحكام في طريق ذلك، وقد اشتهر عنه قوله: إن كان رفضا حب آل محمد فليشهد الثقلان اني رافضي فهذه المواقف كانت لا ترضي الحكام، وهي التي أوجدت نسبة تلك الطعون وأمثالها فيه. مذهب الأمام أحمد بن حنبل ولد الأمام أحمد بن حنبل في عهد المهدي سنة 164 ه‍، ونشأ ببغداد وتربى بها، واتجه الى طلب العلم وهو ابن خمس عشرة سنة، ورحل الى الأقطار، وكتب عن الشيوخ، وأخذ عن الشافعي واتصل به اتصالا وثيقا، ولازمه مدة إقامته في بغداد. وكان أول تلقيه العلم على القاضي أبي يوسف المتوفى سنة 182، وصرح أحمد بأنه كان أول من كتب عنه الحديث، إلا أنه لم يبق طويلا معه، وانصرف الى فقه الأثر الذي كان يمثله هشيم بن بشير الواسطي، ولازمه الى أن توفي هشيم سنة 183. وقد أخذ عن كثير من المحدثين، وأخذ على نفسه أن يلتزم مدرسة الأثر ويخالف مدرسة الرأي والقياس، فقرأ على محدث البصرة عبد الرحمن بن مهدي الموطأ لمالك أربع مرات، وكان معجبا بالشافعي، وتصدر للتحديث في مسجد الخيف سنة 198، وقيل: انه ما أفتى ولا درس حتى بلغ سن الأربعين في سنة 204 ه‍!! وقد أيد العباسيين منذ صباه، فروى فيهم حديثين انفرد بهما، يبشر فيهما

[ 408 ]

بظهور أبي العباس السفاح والدولة العباسية وشعارها السواد (1)، وكان يقول: (إ ن العباس أبو الخلفاء) (2). وثبت على ولائه رغم ما أصابه من محنة خلق القرآن وضربه بالسياط. وقد استفتاه جماعة في الخروج على الواثق فرفض ذلك وأقر خلافته بقوله: (إن الخارج عليه شاق لعصا المسلمين ومخالف للاثار عن رسول الله). ويعزى تحرجه عن أخذ أموال بني العباس لكونها مغصوبة لا خدشة في مشروعية خلافتهم! وكان يرى عليا رابع الخلفاء الراشدين، في الوقت نفسه لم يلتزم أن يكون معاوية باغيا على الأمام علي - كما ذهب إليه الشافعي. والجدير ذكره أن الأمام أحمد لم يشتهر كباقي أصحاب المذاهب، ويرجع البعض سبب ذلك الى أنه كان محدثا ولم يكن فقيها، حتى قيل أن ما شهرته كانت بسبب عدم قوله بخلق القرآن وقد قال بها بعدما ضرب ثمانية وثلاثين سوطا أيام المعتصم. ولما تولى الواثق أعاد امتحان أحمد، لكنه لم يصبه بأذى، واكتفى بمنعه من الاجتماع بالناس، فأقام أحمد مختفيا لا يخرج الى الصلاة ولا الى غيرها حتى مات الواثق. وتولى المتوكل الخلافة سنة 232 ه‍ واشتدت وطأته على العلويين، وعرف ببغضه لأهل البيت، وطرد المعتزلة من حاشيته، ونكل بابن أبي دواد ومحمد بن عبد الملك الزيات وصادر أموالهم، وأخذ يقرب أصحاب الحديث ويأمر المحدثين أن يجلسوا للناس ويتحدثوا إليهم، وأعطاهم الأموال والمكانة، حتى أن ابن كثير نقل ان تولية يحيى بن أكثم كانت بمشورة الأمام أحمد بن حنبل (3)، وفي نص آخر ان المتوكل قال له: يا أحمد، اني أريد أن أجعلك بيني وبين الله حجة فأظهرني على السنة والجماعة، وما كتبته عن أصحابك عما كتبوه عن


(1) البداية والنهاية 10: 53 و 61. (2) إسلام بلا مذاهب، للشكعة: 466. (3) البداية والنهاية 10: 330.

[ 409 ]

التابعين مما كتبوه عن أصحاب رسول الله (1). وقد وشى البعض بأحمد عند المتوكل بأنه يشتم آباءه ويرميهم بالزندقة، فأمر المتوكل بضرب ذلك الرجل الواشي، وعندما سئل عن ذلك قال: (لأنه قذف هذا الشيخ الرجل الصالح أحمد بن حنبل) (2). نعم، لقد استمع المتوكل الى أقوال الجواسيس بأن أحمد يؤوي أحد العلويين الهاربين من المتوكل، فأمر بكبس داره وتفتيشها، فلما تحققوا من كذب ذلك عفا عنه المتوكل (3). وكان المتوكل يصله بصلات سنية، ويعطف عليه، وعين له في كل شهر أربعة آلاف درهم، وطلبه الى سامراء ليتبرك برؤياه، وينتفع بعلمه، فامتنع أحمد، ثم قبل ذلك (4). وروي عنه أنه قال: (ما أرى الرافضة على الأسلام) (5). فقد كسب عطف المتوكل حتى قيل: إن بعض أمراء المتوكل قالوا له: إن أحمد لا يأكل لك طعاما ولا يشرب لك شرابا ولا يجلس على فراشك ويحرم ما تشربه. فقال المتوكل لهم: والله لو نشر المعتصم وكلمني في أحمد ما قبلت منه (6)! في مثل تلك الظروف التي قمع فيها الشيعة والمعتزلة وقرب المحدثين.. سطع نجم أحمد بن حنبل، وألف كتابه (المسند). وكان إذا سئل عن حديث، قال: (انظروا، فإن كان في المسند فنعم، وإلا فليس بحجة). وكان أحمد قد جمع المسند في أوراق منفردة، وفرقه في أجزاء متفرقة،


(1) التنبيه والرد، لابن الحسين الملطي: 17. (2) البداية والنهاية 10: 354. (3) مناقب أحمد، لابن الجوزي: 36. (4) البداية والنهاية 10: 350. (5) المناقب، لابن الجوزي: 214. (6) البداية والنهاية 10: 354.

[ 410 ]

فمات قبل تنقيحه وتهذيبه، فبقي على حاله، ثم أن ابنه عبد الله ألحق به ما يشاكله وضم إليه من مسموعاته ما يشابهه ويماثله. فإذا علمنا أن أحمد توفي في خلافة المتوكل، وأنه مات ولم ينقح مسنده - كما يقولون - علمنا أنه ألفه وجمعه في ظل العطف المتوكلي، وأنه كما قدمنا استقى كثيرا من أحاديث الموطأ وسار على نهج مالك، وقد اتحد نتاجهما في كونهما كتبا أيام العباسيين، فمالك - كما عرفت - كتبها للمنصور، وأحمد كتبها أيام المتوكل. ولم يعرف عن أحمد كتاب في الفقه إلا بعض الكراسات، وقيل أنه كان ينهى عن تدوين آرائه الفقهية، لكن أصحابه كتبوا ذلك في أكثر من ثلاثين سفرا. وقد نسبت إليه رسالة في الصلاة، كتبها الى إمام صلى وراءه فأساء في صلاته، والمناسك الكبير والمناسك الصغير. وليس فيما كتب استنباط وإعمال فكر، بل يغلب فيه الأثر.

[ 411 ]

بعد عرضنا السريع لنشوء المذاهب الأربعة، نستطيع أن نفهم وبكل وضوح أن روايات الوضوء المروية في هذه الكتب هي نسخ متكررة من الوضوء العثماني والفقه المخالف لمدرسة التعبد وما ذهب إليه علي بن أبي طالب وابن عباس. لأن الفقه والرواية - كما قلنا - نشآ وترعرعا في أحضان الحكومتين الأموية والعباسية، وقد وقفت على دورهم التخريبي في الشريعة واحتمائهم بالفقهاء وبعض التابعين، لأبعاد الناس عن الأخذ بفقه علي، إذ أنهم كانوا يتصورون أن الأخذ بفقه علي هو مقدمة لأبعادهم عن الحكم وتقرب الناس الى أهل بيت النبوة، وهذا ما كان يزعج الحكام ولا يرضيهم، فتراهم يؤكدون على الأخذ بكلام ابن عمر وإن خالف عليا وابن عباس. وأليك نصا آخر: دخل مالك بن أنس على المنصور فقال له: يا مالك مالي أراك تعتمد على قول ابن عمر دون أصحاب رسول الله؟ فقال مالك: يا أمير المؤمنين إنه آخر من بقي عندنا من أصحاب رسول الله (ص) فاحتاج الناس إليه، فسألوه وتمسكوا بقوله. فقال: يا مالك عليك بما تعرف أنه الحق عندك، ولا تقلدن عليا وابن عباس (1). بعد هذا لا يمكننا الاطمئنان الى مرويات هذه الكتب بلا تحقيق وتمحيص سندا ودلالة وزيادة ونقيصة، وبدون معرفة الملابسات التاريخية لصدور الأحكام، لأن ما تحتوي عليه مما طالته السياسة. وقد عرفت أنها تريد تدوين ما ترتضيه وترك ما لا ترتضيه. الوضوء الثلاثي الغسلي في العصر العباسي بعد أن أخذنا صورة عن تأسيس المذاهب الأربعة، ووقفنا على أهداف الحكام من احتواء الفقهاء، وتدوين الفقه وحصره بهذه المذاهب، لابد من ملاحظة السير التاريخي لمسألة الوضوء في هذا العصر، ولابد من نقل آراء علماء


(1) انظر: الأمام الصادق والمذاهب الأربعة 1: 504 - 505.

[ 412 ]

المذاهب فيه رواية وفتوى، ثم مقابلتها بآراء أئمة مذهب التعبد المحض (مذهب أهل البيت)، وتشخيص امتداد موارد الخلاف التي حدثت في عهد عثمان، وما أضيف إليها من جزئيات وفروع في العصور اللاحقة. إن التثليث في غسل الأعضاء وغسل الأرجل كان المدار الأول للاختلاف بين المسلمين في عهد عثمان، لكنا نراه يتطور، فنرى ابن عمر يغسل رجليه سبع مرات ويعتبر الوضوء هو الأنقاء. ويروى عن معاوية أنه توضأ للناس، فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر، ثم مسح من مقدمه الى مؤخره ومن مؤخره الى مقدمه (1). أما مدرسة التعبد المحض فلم ترتض هذا التغيير في الوضوء، لأنها تعتبر الوضوء من الأمور التوقيفية التعبدية التي يجب فيها الرجوع الى الشرع، وأن الوضوء لم يكن عندهم هو الأنقاء حسب قول ابن عمر، بل هو إتيان ما أمر به الله، ونزل به القرآن، وأكد عليه الرسول. وقد وقفت سابقا على كلام أنس بن مالك مع الحجاج وقوله: (نزل القرآن بالمسح)، وكلام ابن عباس مع الربيع (أبى الناس إلا الغسل ولا أجد في القرآن إلا المسح) وغيرهم. وتأكيد الجميع على لزوم اتباع ما نزل به الوحي وأتى به رسول الله على نحو السنة. أما ما رواه ابن عمر عن رسول الله أنه (ص) قال لما أتى بالغسل الثالث (هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي) فليس فيه دلالة على كون الفعل قد جئ به على نحو السنة، بل هو أدل على عدم مشروعية هذا الفعل للناس واختصاصه به (ص)، لأتيانه به بعد الثاني الذي هو فضل وقوله (ص) عنه: (يعطى عليه كفلين) أو (يؤجر عليه مرتين)، وهو معنى آخر للسنة، وتصريحه (ص) في الغسل الثالث: بقوله (هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي) لتدل على أنها من مختصاته، إذ لا معنى لفضل بعد فضل!! وعليه فإن هذا الحديث لنفي التثليث


(1) سنن أبي داود 1: 31 / 124.

[ 413 ]

أدل من كونه دليلا له. أما موضوع أخذ معاوية غرفة ماء جديد في الوضوء (ووضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر، ثم مسح من مقدمه الى مؤخره ومن مؤخره الى مقدمه) فلم يشاهد في الوضوءات البيانية الأخرى - إلا المحكي عن عبد الله ابن زيد ابن عاصم، والربيع بنت معوذ، وحتى أن صحاح مرويات الخليفة عثمان ليس فيها ذلك - وانا سنشير الى كيفية نسبة هذا الخبر الى عبد الله بن زيد والسير الفقهي لهذه المسألة وغيرها من التعريفات في الفصول اللاحقة من هذا الكتاب، لكن الذي يجب الأشارة إليه هنا هو: إن موضوع مسح الرأس قد تغير من أيام معاوية وأخذ يفقد حكمه، حتى ترى فقهاء المذاهب اليوم يجوزون غسل الرأس بدلا من مسحه، وإن ذهب البعض منهم الى القول بالكراهة! بعد ذلك لا نرى للمسح حكما الزاميا في وضوء مسلمي المذهب الأربعة اليوم (1)! كانت هذه إشارة عابرة الى هذا الأمر نترك تفصيلها الى الاجزاء الأخرى من الكتاب. ولنعد الى أصل البحث وبيان الوضوء الثلاثي الغسلي عند أئمة المذاهب:


(1) جاء في الفقه على المذاهب الأربعة، للجزيري 1: 57 عند بيانه وضوء الحنفية: (وإذا غسل رأسه مع وجهه، أجزأه عن المسح). وعن وضوء المالكية 1: 58 قال: (الفرض الرابع: مسح جميع الرأس من منابت شعر الرأس الى نقرة القفا من الخلف) علما بأنهم يشترطون أخذ ماء جديد للرأس، وبأمرار المكلف يده من منايت الشعر الى نقرة القفا يحصل الغسل!! وقال عن وضوء الشافعية 1: 61 (إذا غسل رأسه بدل مسحها، فإنه يجزئه ذلك، ولكنه خلاف الأولى.). أما عن وضوء الحنابلة 1: 62 فقال: (وغسل الرأس يجزئ عن مسحها، كما قال غيرهم، بشرط إمرار اليد على الرأس، وهو مكروه كما عرفت).

[ 414 ]

1 - الفقه الحنفي اتفقت الحنفية على هذا الوضوء الثلاثي الغسلي والمراجع لكتبهم المهمة كأحكام القرآن للجصاص (م 370)، وشرح معاني الاثار للطحاوي (م 321)، وبدائع الصنائع للكاساني (م 587)، وعمدة القارئ للعيني (م 855)، وشرح فتح القدير لابن همام (م 681)، والمبسوط للسرخسي (م 483)، والفتاوي الهندية وغيرها، يقف على ما قلناه. وإليك نصا أخذناه من كتاب المبسوط للسرخسي، إذ مر عليك أن محمد بن الحسن الشيباني صنف ما فرعه أبو حنيفة وأسمى كتابه (المبسوط)، ثم اختصر محمد بن أحمد المروزي ذلك الكتاب فسماه (بالمختصر)، ثم جاء شمس الدين السرخسي فشرح المختصر وسماه (المبسوط). ونحن نأخذ آراء أبي حنيفة من هذا الكتاب لما عرفت، ونقتصر على نقل متن المختصر للمروزي إن لم نحتج الى شرح السرخسي، فقد جاء في الوضوء عنه: (ثم يغسل وجهه ثلاثا، ثم يغسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا، ثم يمسح برأسه وأذنيه مرة واحدة). والمسنون في المسح مرة واحدة بماء واحد عندنا، وفي المجرد عن أبي حنيفة ثلاث مرات بماء واحد (ثم يغسل رجليه الى الكعبين ثلاثا ثلاثا) (1). 2 - الفقه المالكي نهجت المالكية نهج الخليفة عثمان بن عفان في الوضوء، ومن يقرأ في كتبهم المهمة يقف على هذه الحقيقة، كأحكام القرآن للقرطبي (م 340)، وأحكام القرآن لابن العربي (م 543)، وبداية المجتهد لابن رشد (م 595)، وغيرها من كتبهم حتى المدونة الكبرى والموطأ لمالك. وإليك نصا أخذناه من الموطأ (كتاب الطهارة، الحديث الأول في باب العمل في الوضوء):


(1) المبسوط، للسرخسي 1: 6 - 8.

[ 415 ]

(حدثني يحيى بن مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، انه قال لعبد الله بن زيد بن عاصم، وهو جد عمرو بن يحيى المازني، وكان من أصحاب رسول الله: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله يتوضأ؟. فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء، فأفرغ على يده، فغسل يديه مرتين، ثم تمضمض، واستنثر ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين الى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما الى قفاه، ثم ردهما، حتى رجع الى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه) (1). لم يوقت مالك في الموطأ غسلات الوضوء بمرة ولا مرتين، ولا ثلاث مرات، ولم يبوب بابا في الافراد والتثنية والتثليث، وإنما اقتصر على هذه الروا ية التي لم يرد فيها إلا تثليث غسل الوجه وغسل الرجلين، لكن ابن رشد والقرطبي المالكي قال: (اتفق العلماء على الواجب من طهارة الأعضاء المغسولة هو مرة مرة إذا أسبغ وأن الاثنين والثلاث مندوب إليها) (2). فالمالكية استنتجوا من قول مالك وسائر المرويات أن التثليث أيضا مندوب إليه، وأنه وضوء مجز وإن كان يتحقق فعله بواحدة على نحو الأسباغ. ولابن العربي في أحكام القرآن تحقيق انفرد به، وهو: (إن قول الراوي ان النبي (ص) توضأ مرتين وثلاثا، انه أوعب بواحدة، وجاء بالثانية والثالثة زائدة، فإن هذا غيب لا يدركه بشر، وإنما رأى الراوي أن النبي (ص) قد غرف لكل عضو مرة فقال: توضأ مرة، وهذا صحيح صورة ومعنى، ضرورة أنا نعلم قطعا انه لو لم يوعب العضو بمرة لأعاد، وأما إذا زاد على غرفة واحدة في العضو أو غرفتين فإننا لا نتحقق أنه أوعب الفرض في الغرفة الواحدة وجاء ما بعدها فضلا، أو لم يوعب في الواحدة ولا في الاثنين حتى زاد عليها بحسب الماء وحال الأعضاء في النظافة، وتأتي حصول التلطف في إدارة الماء القليل والكثير عليها، فيشبه - والله


(1) الموطأ لمالك 1: 18 / 1. (2) بداية المجتهد 1: 13.

[ 416 ]

أعلم - ان النبي (ص) أراد أن يوسع على أمته بأن يكرر لهم الفعل، فإن أكثرهم لايستطيع أن يوعب بغرفة واحدة، فجرى مع اللطف بهم والأخذ لهم بأدنى أحوالهم الى التخلص، ولأجل هذا لم يوقت مالك في الوضوء مرة ولا مرتين ولا ثلاثا إلا ما أسبغ. قال: وقد اختلفت الاثار في التوقيت، يريد اختلافا يبين أن المراد معنى الأسباغ لا صورة الأعداد. وقد توضأ النبي (ص) كما تقدم، فغسل وجهه بثلاث غرفات، ويده بغرفتين، لأن الوجه ذو غضون ودحرجة واحديداب، فلا يسترسل الماء عليه في الأغلب من مرة، بخلاف الذراع فإنه مسطح فيسهل تعميمه بالماء وإسالته عليها أكثر مما يكون ذلك في الوجه. فإن قيل: فقد توضأ النبي (ص) مرة مرة وقال: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به)، وتوضأ مرتين مرتين وقال: (من توضأ مرتين مرتين آتاه الله أجره مرتين)، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا وقال: (هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، ووضوء أبي إبراهيم)، وهذا يدل على أنها أعداد متفاوتة زائدة على الأسباغ، يتعلق الأجر بها مضاعفا على حسب مراتبها. قلنا: هذه الأحاديث لم تصح، وقد ألقيت إليكم وصيتي في كل وقت ومجلس ألا تشتغلوا من الأحاديث لما لا يصح سنده، فكيف ينبني مثل هذا الأصل على أخبار ليس لها أصل، على أن له تأويلا صحيحا، وهو انه توضأ مرة مرة وقال: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به)، فإنه أقل ما يلزم، وهو الأيعاب على ظاهر هذه الأحاديث بحالها، ثم توضأ بغرفتين وقال: (له أجره مرتين في كل تكلف غرفة ثواب)، وتوضأ ثلاثا وقال: (هذا وضوئي)، معناه الذي فعلته رفقا بأمتي وسنة لهم، ولذلك يكره أن يزاد على ثلاث، لأن الغرفة الأولى تسن العضو للماء، وتذهب عنه شعث التصرف، والثانية ترحض { أي تغسل } وضر [ الوضر: سوخ الدسم واللبن ] العضو، وتدحض وهجه، والثالثة تنظفه، فإن قصرت دربة أحد عن هذا كان بدويا جافيا، فيعلم الرفق حتى يتعلم، ويشرع له سبيل الطهارة حتى ينهض إليها، ويتقدم، ولهذا قال من قال: (فمن زاد على

[ 417 ]

الثلاث فقد أساء وظلم) (1). قلت: لنا تحقيق آخر قريب لما قاله ابن العربي سنذكره في الفصل الأول من هذه الدراسة، فتابع معنا. 3 - الفقه الشافعي كتب علماء الشافعية كثيرا في الأحكام، وبمراجعتنا لكتبهم المهمة يمكننا الوقوف على وضوئهم، وأنه لا يختلف متأثرا بما حكاه الخليفة عثمان بن عفان عن رسول الله. وأهم كتب الشافعية هي: اختلاف العلماء للمروزي (م 294)، والأم للشافعي (م 204)، والمختصر للمزني (م 264)، ومعالم السنن للخطابي (م 388)، والمهذب للفيروز آبادي (م 476)، والمجموع للنووي (م 676)، وفتح الباري للعسقلاني (م 852)، وغيرها. وقد حكى الشافعي ذلك الوضوء عن ابن عباس وانه قال: (توضأ رسول الله (ص) فأدخل يده في الأناء فاستنشق وتمضمض مرة واحدة ثم أدخل يده فصب على وجهه مرة وصب على يديه مرة ومسح برأسه وأذنيه مرة واحد) (2). ثم نقل بعدها رواية عن حمران مولى عثمان عن عثمان أنه توضأ بالمقاعد ثلاثا ثلاثا (3). ثم قال الشافعي: وليس هذا اختلافا، ولكن رسول الله (ص) إذا توضأ ثلاثا وتوضأ مرة، فالكمال والاختيار ثلاث، واحدة تجزئ، فأحب للمرء أن يوضئ وجهه ويديه ورجليه ثلاثا ثلاثا ويمسح برأسه ثلاثا، ويعم بالمسح رأسه، فان اقتصر في غسل الوجه واليدين والرجلين على واحدة تأتي على جميع ذلك أجزأه، وإن اقتصر في الرأس على مسحة واحدة بما


(1) أحكام القرآن، لابن العربي 2: 582 - 583. (2) الأم 1: 31 - 32. (3) الأم 1: 32.

[ 418 ]

شاء من يديه أجزأه ذلك. وذلك أقل ما يلزمه، وإن وضأ بعض أعضائه مرة وبعضها اثنين وبعضها ثلاثا أجزاه، لأن واحدة إذا أجزأت في الكل أجزأت في البعض منه. ثم نقل رواية عبد الله بن زيد بن عاصم، ثم قال بعدها: (ولا أحب للمتوضئ‌أن يزيد على ثلاث، وإن زاد لم أكرهه إن شاء الله) (1). 4 - الفقه الحنبلي لا يختلف الوضوء عند الحنابلة في الأصول مع المذاهب الأخرى، والكل يستقي مصدره عن الأحاديث السابقة الذكر. وقد مر كلام عن أسباب إحداث عثمان هذا الوضوء وكيفية تبني الحكام للوضوء بغضا للطالبيين، وسببا في التعرف عليهم. وللأمام أحمد مضافا الى مسنده كتابان يمكن الرجوع إليهما لأخذ الأحكام منهما، أحدهما مسائل ابنه عبد الله بن أحمد، والاخر مسائل أحمد التي جمعها أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني. علما أن أشهر كتاب عند الحنابلة في الفقه هو المغني لابن قدامة (م 620)، والمحرر في الفقه لابن تيمية (م 652)، والأنصاف للمرداوي (م 885)، وقد أخذنا بعض الروايات عن المسند لنقف على حقيقة الحال. أخرج أحمد بسنده عن بسر بن سعيد عن عثمان أنه توضأ بالمقاعد وغسل وجهه ثلاثا ويديه ثلاثا ثلاثا، ثم مسح برأسه ورجليه ثلاثا ثلاثا (2). وأخرى عن بسر بن سعيد عن عثمان أنه توضأ ثلاثا ثلاثا (3). وروى أيضا رواية أخرى عن حمران عن عثمان، وأنه غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يديه الى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح برأسه... ثم غسل رجليه الى الكعبين ثلاث مرات.


(1) الأم 1: 32. (2) مسند أحمد 1: 67. (3) مسند أحمد 1: 67 - 68.

[ 419 ]

وثالثة عن حمران عن عثمان أنه توضأ بالمقاعد:... فغسل ثلاثا ثلاثا. وقد تتبعنا روايات عثمان في مسند أحمد، فرأيناه ينقل المرويات الثلاثية عنه (ص) وليس فيها حتى رواية واحدة أنه (ص) توضأ المرة أو المرتين. أما الروايات الثلاثية فهي أكثر من اثنتي عشرة رواية، وفي بعضها انه مسح برأسه ثلاثا وثلث غسل الرجلين، اللهم إلا رواية واحدة جاء فيها (ومسح برأسه وظهر قدميه) (1). وفي الحديث الأول: (ثم مسح برأسه ورجليه ثلاثا) (2). فنلاحظ أن أحمد نقل الوضوء العثماني الموافق لرأي المتوكل وحكومة بني العباس، الذي هو امتداد لنهج الأمويين وعثمان بن عفان. وينسب هذا الوضوء كذلك الى علي بن أبي طالب (3)! ولا نريد أن نتهم الأمام أحمد بالكذب أو الوضع، فقد نقل الكثير من فضائل علي، لكنه والفقهاء الثلاثة الاخرين تتلمذوا في العهدين الأموي والعباسي، وكانوا على اتصال بالحكام، وأخذوا العلم عن أساتذة أمويين وعباسيين، فكان ما تلقوه - قد تأثر بالحكام، فلا تراهم ينقلون رأي علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأوس بن أبي أوس وعباد بن تميم وغيرهم في الوضوء إلا نادرا، وفي أغلب الأحيان محرفا. فنلخص مما سبق وكما سترى، أن المذاهب الأربعة تتحد في وضوئها وتشترك فيما بينها في النقاط التالية: 1 - محبوبية الغسل الثالث في الأعضاء الغسلية، والتأكيد على أنه سنة رسول الله. 2 - لزوم غسل الأرجل وأن رسول الله قد فعله. 3 - غسل اليدين مع المرفقين.


(1) مسند أحمد 1: 58. (2) مسند أحمد 1: 67. (3) مسند أحمد 1: 78 و 82، 103، 110، 114.

[ 420 ]

4 - جواز غسل الرأس، وإن ذهب البعض الى كراهته! أما أعضاء الوضوء وأركانه فهي عند المسلمين واحدة - اتباعا للتنزيل -: 1 - غسل الوجه. 2 - غسل اليدين. 3 - مسح الرأس. 4 - الأرجل. وان اختلافهم في الأرجل هل تمسح أم تغسل، وان الرأس يمسح ببعضه أم كله و.. تحصل مما سبق أن المذاهب الأربعة اتفقت على تثليث الأعضاء الغسلية، وجواز غسل الرجلين ثلاثا أيضا. وحتى إننا نراهم يجوزون غسل الرأس بدل المسح، لكن البعض منهم ذهب الى القول بالكراهة! بذلك يمكننا أن نطلق على المدرسة الوضوئية في العهد العباسي الأول مدرسة (تثليث الغسلات وغسل الممسوحات). وقد تبين للمطالع أن علومهم أخذت تدون وتكثر تفريعاتها وتختلف طرق الاستدلال لها، وتأصلت المذاهب فتوائيا بعد أن كانت روائيا، وصيغت المسائل الشرعية بشكل فتاوى لا محيص عنها. ففرائض الوضوء تكون عند الأمام أبي حنيفة أربعة: 1 - غسل الوجه. 2 - غسل اليدين مع المرفقين. 3 - مسح ربع الرأس، ويقدر الربع بقدر الكف كلها، وإذا غسل رأسه مع وجهه أجزأه عن المسح، ولكنه يكره. 4 - غسل الرجلين مع الكعبين، وقالوا: إن غسل العضو كله بالماء مرة واحدة فرض والغسلة الثانية والثالثة سنتان مؤكدتان على الصحيح. وأما فرائض الوضوء في مذهب المالكية، فهي سبعة: 1 - النية. 2 - غسل الوجه. 3 - غسل اليدين مع المرفقين. 4 - مسح جميع الرأس، وإذا غسل رأسه، فإنه يكفيه عن المسح إلا أنه

[ 421 ]

مكروه. 5 - غسل الرجلين مع الكعبين. 6 - الموالاة. 7 - دلك الأعضاء الغسلية، وقالوا: إن الغسلة الثانية والثالثة في كل مغسول حتى الرجلين يعد من الفضائل. وهي في مذهب الشافعية ستة: 1 - النية. 2 - غسل الوجه. 3 - غسل اليدين مع المرفقين. 4 - مسح بعض الرأس ولو قليلا، وإذا غسل رأسه بدل المسح أجزأه، ولكنه خلاف الأولى وليس بمكروه. 5 - غسل الرجلين مع الكعبين. 6 - الترتيب بين الأعضاء الأربعة المذكورة في القرآن. وقالوا: إن الغسلة الثانية والثالثة سنة مستحبة، مندوب إليها، وكلها بمعنى واحد. وهذه الفرائض في مذهب الحنابلة ستة أيضا: 1 - غسل الوجه. 2 - غسل اليدين مع المرفقين. 3 - مسح جميع الرأس، وغسل الرأس يجزئ عن المسح وهو مكروه. 4 - غسل الرجلين مع الكعبين. 5 - الترتيب. 6 - الموالاة. وقالوا: إن الغسلة الثانية والثالثة في المغسولات سنة مستحبة مندوب إليها، وكلها بمعنى واحد (1).


(1) أخذنا فرائض الوضوء من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري: المجلد ا لأول - باب الوضوء. فراجع.

[ 423 ]

الوضوء الثنائي المسحي في العصر العباسي بعد أن تكونت لدينا صورة عن المذاهب الأربعة، ووقفنا على أهداف الحكام من احتواء الفقهاء، وبينا جذور الوضوء الثلاثي وكيفية تأثر المذاهب الأربعة به في العهد العباسي.. لابد من ملاحظة السير التاريخي لمسألة الوضوء وكيفيته عند نهج (التعبد المحض) في هذا العصر، والمتمثل بأهل البيت (ع). وإذا أخذنا بعين الاعتبار معاصرة كل من الأمام أبي حنيفة ومالك للدولة الأموية وتتلمذهم فيها، فإن الأمام الشافعي وأحمد كانا صورتين مكررتين لفقه مالك وأبي حنيفة في العهد العباسي، وإن كان لكل منهما أصول يختص بها. إنه لابد هنا من معرفة رأي أئمة أهل البيت وكيفية امتداد وضوئهم في العصر العباسي. نبدأ بذكر وضوء محمد بن علي بن الحسين (الباقر) والذي صدر في العهد الأموي، ثم نردفه بوضوء الأئمة من ولده مبينين سر تأكيدهم على بيان بعض الجزئيات في الوضوء، علما أن الباقر - كما قلنا سابقا - كان لا يتقي في الوضوء، إذ أن الوضوء الذي يصفه لا يمكن الخدش فيه، فتراه يؤكد على المرة والمرتين، وهو ثابت في الأحاديث النبوية المتواتر صدورها في الصحاح والمسانيد عنه (ص)، وأن رسول الله (ص) قد توضأهما. أما تأكيد عثمان على الغسل الثالث فمختلف فيه، وعليه فإن ما طرحه الباقر متفق عليه بين المسلمين ولا اختلاف فيه. والان لنسرد بعض الروايات المروية عنه: 1 - قال عن زرارة: قال أبو جعفر (أي الباقر): (ألا أحكي لكم وضوء رسول الله (ص)؟) قلنا: بلى، فدعا بقعب فيه شئ من ماء، فوضعه بين يديه، ثم حسر عن ذراعيه، ثم غمس فيه كفه اليمنى، ثم قال: (هكذا، إذا كانت الكف طاهرة)،

[ 424 ]

ثم غرف بملئها ماء، فوضعه على جبينه، ثم قال: (بسم الله)، وسدله على أطراف لحيته، ثم أمر يده على وجهه وظاهر جبينيه مرة واحدة. ثم غمس يده اليسرى، فغرف بها فملأها، ثم وضعه على مرفقه اليمنى، فأمر كفه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه. ثم غرف بيمينه ملأها، فوضعه على مرفقه اليسرى، فأمر كفه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه، ومسح مقدم رأسه وظهر قدميه ببلة يساره وبقية بلة يمناه. قال: وقال أبو جعفر: (إن الله وتر، يحب الوتر، فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه، واثنتان للذراعين، وتمسح ببلة يمناك ناصيتك، وما بقي من بلة يمينك ظهر قدمك اليمنى، وتمسح ببلة يسارك ظهر قدمك اليسرى). قال زرارة: قال أبو جعفر: (سأل رجل أمير المؤمنين عن وضوء رسول الله، فحكى له مثل ذلك) (1). 2 - وجاء عن زرارة وبكير أنهما سألا أبا جعفر عن وضوء رسول الله (ص)، فدعا بطشت أو تور فيه ماء، فغمس يده اليمنى، فغرف بها غرفة، فصبها على وجهه، فغسل بها وجهه، ثم غمس كفه اليسرى، فغرف بها غرفة، فأفرغ على ذراعه اليمنى، فغسل بها ذراعه من المرفق الى الكف، لا يردها الى المرفق، ثم غمس كفه اليمنى، فأفرغ بها على ذراعه اليسرى من المرفق، وصنع بها مثل ما صنع باليمنى، ثم مسح رأسه وقدميه ببلل كفه لم يحدث لهما ماء جديدا، ثم قال: (ولا يدخل أصابعه تحت الشراك)، قال: ثم قال: (إن الله تعالى يقول يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم فليس له أن يدع شيئا من وجهه إلا غسله، وأمر بغسل اليدين الى المرفقين، فليس له أن يدع من يديه الى المرفقين شيئا إلا غسله، لأن الله تعالى يقول فاغسلوا وجوهكم وأيديكم الى المرافق، ثم قال: وامسحوا


(1) الكافي 3: 25 / 4، من لا يحضره الفقيه 1: 24 / 74، وما رواه الأمام الباقر عن أمير المؤمنين قد جاء في كنز العمال 9: 448 / 26908 وعهد الأمام علي من هذا الكتاب.

[ 425 ]

برؤوسكم وأرجلكم الى الكعبين فإذا مسح بشئ من رأسه أو بشئ من قدميه ما بين الكعبين الى أطراف الأصابع، فقد أجزأه). قال: فقلنا: أين الكعبان؟ قال: (ها هنا)، يعني المفصل دون عظم الساق. فقلنا: هذا ما هو؟ فقال: (هذا من عظم الساق، والكعب أسفل من ذلك) (1). وان في جملة (لا يردها الى المرافق) و (ثم مسح رأسه وقدميه ببلل كفه لم يحدث لهما ماء جديدا) إشارة الى فعل بعض الناس في رد الماء الى المرفق وفي المسح بماء جديد، وهو ربما يعدونه من سنة رسول الله، فالراوي أراد أن يؤكد على أن ما شاهده من وضوء الباقر ليس فيه شئ من هذا الذي يقال. 3 - وعن بكير بن أعين، عن أبي جعفر، أنه قال: (ألا أحكي لكم وضوء رسول الله (ص)؟)، فأخذ بكفه اليمنى كفا من ماء فغسل به وجهه، ثم أخذ بيده اليسرى كفا فغسل به يده اليمنى، ثم أخذ بيده اليمنى كفا من ماء فغسل به يده اليسرى، ثم مسح بفضل يديه رأسه ورجليه (2). 4 - وعن ميسر، عن أبي جعفر، قال: (ألا أحكي لكم وضوء رسول الله؟)، ثم أخذ كفا من ماء، فصبها على وجهه، ثم أخذ كفا فصبها على ذراعه، ثم أخذ كفا آخر فصبها على ذراعه الأخرى، ثم مسح رأسه وقدميه، ثم وضع يده على ظهر القدم، ثم قال: (هذا هو الكعب). قال: وأومأ بيده الى أسفل العرقوب، ثم قال: (إن هذا هو الظنبوب)، [ وفي القاموس: الظنبوب: حرف الساق أو عظمه (3) ]. من هذا النص وما مر في رقم (2) نعرف أن الاختلاف في مفهوم الكعب والمناقشات فيه قد بدأت ملامحه في عهد الأمام الباقر.


(1) الكافي 3: 25 - 26 ح 5، التهذيب 1: 76 / 191 و 81 / 211. (2) الكافي 3: 24 / 2. (3) التهذيب 1: 75 / 190.

[ 426 ]

5 - عن ابن أذينة، عن بكير وزرارة بن أعين، أنهما سألا أبا جعفر عن وضوء رسول الله (ص)؟ فدعا بطشت أو بتور فيه ماء، فغسل كفيه، ثم غمس كفه اليمنى في التور فغسل وجهه بها، واستعان بيده اليسرى بكفه على غسل وجهه، ثم غمس كفه اليمنى في الماء، فاغترف بها من الماء، فغسل يده اليمنى من المرفق الى الأصابع لا يرد الماء الى المرفقين، ثم غمس كفه اليمنى في الماء فاغترف بها من الماء، فأفرغه على يده اليسرى من المرفق الى الكف لا يرد الماء الى المرفق، كما صنع باليمنى، ثم مسح رأسه وقدميه الى الكعبين بفضل كفيه، لم يجدد ماء (1). في هذا الحديث وما في رقم (2) دلالة على أن بعض الناس كانوا يردون الماء عند غسلهم الى المرافق ويجددون الماء في المسح، فالراوي أراد التأكيد على أن الباقر لم يرد الماء الى المرفقين في وضوئه ولم يجدد ماء عند مسحه! 6 - عن جميل بن دراج، عن زرارة بن أعين، قال: حكى لنا أبو جعفر وضوء رسول الله (ص)، فدعا بقدح من ماء، فأدخل يده اليمنى فأخذ كفا من ماء، فأسدلها على وجهه من أعلى الوجه، ثم مسح بيده الجانبين جميعا، ثم أعاد اليسرى في الأناء، فأسدلها على اليمنى، ثم مسح جوانبها، ثم أعاد اليمنى في الأناء، ثم صبها على اليسرى، فصنع بها كما صنع باليمنى، ثم مسح ببلة ما بقى في يديه رأسه ورجليه، ولم يعدهما في الأناء (2). 7 - عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر، انه قال: (يأخذ أحدكم الراحة من الدهن فيملأ بها جسده، والماء أوسع، ألا أحكي لكم وضوء رسول الله؟) قلت: بلى، قال: فأدخل يده في الأناء، ولم يغسل يده، فأخذ كفا من ماء، فصبه على وجهه، ثم مسح جانبيه حتى مسحه كله، ثم أخذ كفا آخر بيمينه، فصبه على يساره، ثم غسل به ذراعه الأيمن، ثم أخذ كفا آخر، فغسل ذراعه


(1) التهذيب 1: 56 / 158، الاستبصار 1: 57 / 168، الكافي 3: 25 / 5. (2) التهذيب 1: 55 / 157، الاستبصار 1: 58 / 171، الكافي 3: 24 / 1.

[ 427 ]

الأيسر، ثم مسح رأسه ورجليه بما بقى في يديه (1). وعن أبان وجميل، عن زرارة، قال: حكى لنا أبو جعفر وضوء رسول الله، فدعا بقدح، فأخذ كفا من ماء فأسدله على وجهه، ثم مسح وجهه من الجانبين جميعا، ثم أعاد يده اليسرى في الأناء، فأسدلها على يده اليمنى، ثم مسح جوانبها، ثم أعاد اليمنى في الأناء، فصبها على اليسرى، ثم صنع بها كما صنع باليمنى، ثم مسح بما بقي في يده رأسه ورجليه، ولم يعدهما في الأناء (2). 8 - عن داود بن فرقد، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (إن أبي كان يقول: إن للوضوء حدا، من تعداه لم يؤجر. وكان أبي يقول: إنما يتلدد، فقال له رجل: وما حده؟ قال: تغسل وجهك ويديك، وتمسح رأسك ورجليك) (3). وقد عرف المجلسي معنى (يتلدد) بمن يتجاوز عن حد الوضوء ويتكلف مخاصمة الله في أحكامه، من اللدد وهو الخصومة ونقل ما قاله ابن الأثير في النهاية (4). وعلق الحر العاملي على الخبر السابق بقوله: (والمراد أن من تعدى حد الوضوء فإنما يوقع نفسه في التحير والتردد والتعب بغير ثواب، لأنه لم يؤمر بأ كثر من مسمى الغسل والمسح) (5). وقد روينا سابقا عن الأمام الباقر والصادق في معنى التعدي، وأن الباقر لما سئل عن معنى كلام الأمام أمير المؤمنين (هذا وضوء من لم يحدث): فأي حدث أحدث من البول؟ فقال: (إنما يعني بذلك التعدي في الوضوء، أن يزيد على حد الوضوء) (6).


(1) الكافي 3: 24 / 3. (2) الكافي 3: 24 / 1، التهذيب 1: 55 / 157. (3) الكافي 3: 21 / 3. (4) مرآة العقول 13: 67. (5) وسائل الشيعة 1: 387 / 1 انظر: هامش الخبر. (6) معاني الأخبار: 248، وعنه في الوسائل 1: 440.

[ 428 ]

وأخرج الكليني بسنده الى حماد بن عثمان، قال: كنت قاعدا عند أبي عبد الله (أي الصادق) فدعا بماء فملأ به كفه فعم به وجهه، ثم ملأ كفه فعم به يده اليمنى، ثم ملأ كفه فعم به يده اليسرى، ثم مسح على رأسه ورجليه، وقال: (هذا وضوء من لم يحدث) يعني به التعدي في الوضوء (1). وجاء عنه (ع): (إنما الوضوء حد من حدود الله، ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه، وإن المؤمن لا ينجسه شئ، إنما يكفيه مثل الدهن) (2). فالأمام الباقر بقوله هذا الكلام أراد التعريض بالذين تعمقوا، من عند أنفسهم، في الدين وأدخلوا فيه ما ليس منه وأبدلوا المسح بالغسل، وزادوا في عدد الغسلات.. كل ذلك اعتقادا منهم انه الأسباغ وإتمام للوضوء! فالباقر بقوله (يكفيه مثل الدهن) أراد الأشارة الى عدم ضرورة تعدد الغسلات، وأن طهارة الوضوء ليست حقيقية، بل هي طهارة حكمية، فالامتثال يتحقق بإتيانه كالدهن، إذ المؤمن لا ينجسه شئ. وتلخص مما سبق: 1 - أن الأمام الباقر لا يرتضي الغسل الثالث في الوضوء، ويرى الأتيان به مرة تسقط ما في ذمة المكلف، وقد توضأها رسول الله (ص). أما الغسلة الثانية فهي سنته (ص) وعليها يعطى الأجر مرتين، إذ أن طهارة الوضوء ليست حقيقية - كرفع النجاسة - بل هي طهارة حكمية يمكن تحققها والامتثال بالمرة، إذ المؤمن لا ينجسه شئ ويكفي في طهارته من المقدار كالدهن! 2 - لزوم مسح الرأس والأرجل ببل يديه، فإنه ولما توضأ قال: (هذا وضوء من لم يحدث) ويعني بالمحدث الذي تعدى في الوضوء! 3 - غسل اليدين من المرفقين، فلا يجوز عندهم رد الماء الى المرافق بعد أن صب عليها. 4 - عدم جواز غسل الرأس بل لزوم مسح مقدمه، وإن مسح بشئ من


(1) الكافي 3: 27 / 8. (2) الكافي 3: 21 / 2.

[ 429 ]

رأسه أجزاه. وهناك اختلافات أخرى منها في حد الوجه ومنها ما يتعلق بأمور أخرى نشرحها مفصلا تحت العنوان التالي: خلافيات الوضوء في العهد الأموي فقد عرفنا - مضافا الى ما سبق - ان المسائل الخلافية الجديدة في الوضوء في العهد الأموي كانت كالاتي: 1 - اختلاف المسلمين في جواز رد الماء في غسل الذراعين، فذهب بعضهم الى جوازه، وذهب غيرهم الى عدم جوازه، وأن الراوي بنقله الخبر رقم (2) و (5) أراد أن يشير الى أن الأمام الباقر كان لا يرد الماء من رؤوس الأصابع الى المرافق بعد صب الماء على المرافق، مؤكدا أن هذا كان فعل النبي وهو من جملة وضوئه. 2 - اختلافهم في جواز أخذ ماء جديد لمسح الرأس والرجلين، فالراوي بنقله (ثم مسح رأسه وقدميه، ببلل كفه، لم يحدث لهما ماء جديدا) كما في الخبر (2)، و (ثم مسح رأسه وقدميه الى الكعبين بفضل كفيه، لم يجدد ماء) كما في الخبر (5) أراد الأشارة الى أن المسح يمكن تحققه بدون وجود الماء، وهو خلاف الغسل، الذي يتوقف تحققه عليه، وأن الباقر كان يمسح ببلل كفه لم يحدث ماء جديدا لها. 3 - جواز المسح بجزء الرأس أو الرجل، بعكس العضو الغسلي فإن الغسل يجب تعميمه واستيعابه لجميع أجزاء العضو المغسول، كما رأيت ذلك في الخبر رقم (2). 4 - اختلافهم في معنى ومفهوم الكعب، وأن الأمام الباقر أكد أن الكعب هو على قبة القدم ومعقد الشراك، وليس القبتان على طرفي الساق، بل الكعب أسفل من ذلك، انظر رقم (2) و (5). 5 - التأكيد على أن المرة قد أتى بها رسول الله. أما المرتان فهي وضوء رسول الله وسنته - وهو الملاحظ في أغلب المرويات - وأن المتجاوز عن حده انما يتلدد.

[ 430 ]

وقد فسر الصادق والباقر معنى التعدي بالزيادة عن الحد الذي فرضه الله في كتابه، وأن الوضوء المتعدى هو وضوء المحدث في الدين لقوله (هذا وضوء من لم يحدث). ومن المسائل التي أثيرت في عهد الأمام الباقر، هي: هل العذار أو الصدغ من الوجه أم لا؟ فجاء الباقر يوضح لنا حد الوجه، وقد سأله زرارة عن ذلك، بقوله: أخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي أن يوضأ الذي - قال الله عز وجل؟ فقال الباقر: (الوجه الذي قال الله وأمر بغسله الذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه ولا ينقص منه، إن زاد عليه لم يؤجر، وإن نقص منه أثم: ما دارت عليه الوسطى والأبهام، من قصاص الشعر الى الذقن. وما جرى عليه الأصبعان مستديرا، فهو من الوجه. وما سوى ذلك فليس من الوجه). فقال له: الصدغ من الوجه؟ فقال: (لا) (1). ومن تلك المسائل حكم الأذنين، هل هو الغسل أم المسح؟ وهل يصح ما قاله البعض بأن باطن الأذنين من الوجه وظاهره من الرأس. ورد في الكافي والتهذيب: ان زرارة قال: قلت: إن ناسا يقولون إن بطن الأذنين من الوجه، وظهرها من الرأس؟ فقال الباقر: (ليس عليهما غسل ولا مسح) (2). ولنتكلم قليلا عن اختلافهم في مفهوم الكعب، لأن هذه المسألة من أهم ما طرح في ذلك العهد. أخرج الكليني - كما مر عليك - حديثا عن الباقر.. الى أن يقول: ثم قال: (... وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم الى الكعبين فإذا مسح بشئ من رأسه أو


(1) من لا يحضره الفقيه 1: 28 / 88، تفسير العياشي 1: 299 ح 52. (2) الكافي 3: 29 / 10، التهذيب 1: 55 / 156، 94 / 249، الاستبصار 1: 63 / 187.

[ 431 ]

بشئ من قدمه ما بين الكعبين الى أطراف الأصابع فقد أجزأه). فقال: فقلنا: أين الكعبان؟ قال: (ها هنا)، يعني المفصل دون عظم الساق. فقلنا: هذا ما هو؟ قال: (هذا من عظم الساق، والكعب أسفل من ذلك) (1). وفي آخر: ثم وضع يده على ظهر القدم، ثم قال: (هذا هو الكعب). قال: وأومأ بيده الى أسفل العرقوب، ثم قال: (إن هذا هو). وجاء في دعائم الأسلام: إن الامام الباقر بين جواز المسح بالبعض لمكان الباء، بقوله (إن المسح إنما هو ببعضها لمكان الباء في قوله برؤوسكم كما في التيمم فامسحوا بوجوهكم وأيديكم وذلك انه علم عز وجل أن غبار الصعيد لا يجري على الوجه ولا كل اليدين، فقال: بوجوهكم وأيديكم، وكذلك مسح الرأس والرجلين في الوضوء) (2). ونقل الشهيد الأول في (الذكرى)، بعد نقله كلام الأصمعي: انه الناتي في أسفل الساق عن يمين وشمال: وأخبرني سلمة، عن الفراء، قال: هو في مشط الرجل، وقال هكذا برجله، قال أبو العباس: فهذا الذي يسميه الأصمعي الكعب هو عند العرب المنجم. قال: وأخبرني عن الفراء، قال: قعد محمد بن علي بن الحسين في مجلس كان وقال: (ها هنا الكعبان). فقالوا: هكذا؟ فقال: (ليس هو هكذا، ولكنه هكذا)، وأشار الى مشط رجله. فقالوا له: إن الناس يقولون: هكذا؟ فقال: (هذا قول الخاصة، وذلك قول العامة) (3).


(1) الكافي 3: 25 / 5، تفسير العياشي 1: 298 ح 51. (2) دعائم الأسلام 1: 109. (3) ذكرى الشيعة: 88، وعنه في البحار 80: 299.

[ 432 ]

وجاء عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر: ألا تخبرني من أين علمت وقلت إن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك، وقال: (يا زرارة، قاله رسول الله، ونزل به الكتاب من الله عز وجل، لأن الله عز وجل قال: فاغسلوا وجوهكم فعرفنا أن الوجه كله ينبغي أن يغسل، ثم قال: وأيديكم الى المرافق فوصل اليدين الى المرفقين بالوجه، فعرفنا أنه ينبغي لهما أن يغسلا الى المرفقين، ثم فصل بين الكلام، فقال: وامسحوا برؤوسكم فعرفنا حين قال برؤوسكم أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه، فقال: وأرجلكم الى الكعبين فعرفنا حين وصلها بالرأس أن المسح على بعضها، ثم فسر ذلك رسول الله للناس فضيعوه) (1). ومن يراجع الى نصوص الأئمة من أهل البيت يقف على سير الكثير من التفريعات الفقهية، وأن ما نقل عن الأمام الباقر وتأكيده على لزوم الترتيب بين أعضاء الوضوء قد يكون ناظرا الى ما ذهب إليه أمثال أبي حنيفة ومالك من عدم لزوم الترتيب بين أعضاء الوضوء. وهكذا الحال بالنسبة الى غيرها من التفريعات الفقهية، فالباحث لو قرن كلام الأمام الباقر مع الاراء المطروحة في عصره لعرف الحكم الشرعي من زاوية قربه للواقع. كان هذا بعض الشئ عن سير المسألة في العهد الأموي وما ورد عن الأمام الباقر فيه. وسنشير الى كلمات الأئمة من ولده ممن عايشوا الحكم العباسي ليقف المطالع على حقيقة الحال أكثر وينجلي له المجهول. خلافيات الوضوء في العهد العباسي إن الأمام الصادق - والأئمة من بعده - قد ساروا على نهج آبائهم، واجهوا


(1) الفقيه 1: 56 / 212، الكافي 3: 30 / 4، علل الشرائع: 279 / 1، التهذيب 1: 61 / 168، الاستبصار 1: 62 / 186.

[ 433 ]

المجيزين للمسح على الخفين بصلابة (1)، وأكدوا أن المسح يلزم أن يكون على مقدم الرأس (2)، ولزوم مسح الرجلين، وعدم جواز غسلهما. وجاء عنه أنه قال: (إن الرجل ليعبد الله أربعين سنة وما يطيعه في الوضوء، لأنه يغسل ما أمر الله بمسحه) (3). وفي آخر: (انه يأتي على الرجل ستون وسبعون سنة ما قبل الله منه صلاة). قلت: كيف ذاك؟ قال: (لأنه يغسل ما أمر الله بمسحه) (4). وقد عارض الأمام الصادق أن تكون الأذنان من الرأس أو الوجه، لقوله: (الأذنان ليسا من الوجه ولا من الرأس) (5). وهذا يفهم بأن هناك فريقا من المسلمين يدخلون الأذنين في ضمن الوضوء على اعتبارهما من الوجه، وهناك بعض آخر يدخلهما في ضمن الوضوء باعتبارهما من الرأس، فالصادق أراد الأشارة الى أن الأذن هما بنفسها حقيقة مستقلة لا ربط بينها وبين الرأس والوجه. وعلى فرض اعتباره من الرأس فذلك لا يوجب مسحه جميعا، لأن المسح كما عرفت يتحقق بالبعض ولا ضرورة لشموله جميع الرأس. أما ما نسب الى الصادق من أنه مسح الأذنين، أو أخذ ماء جديدا لرأسه وغيرها، فإنا لا نستبعدها - لو صح عنه - إذ أنه كان يعيش - وخصوصا في أوخر عهد المنصور وظفر المنصور بالهاشميين وإبعادهم الى الكوفة - في أشد حالة من حالات الضغط والأرهاب.


(1) انظر: قرب الأسناد: ص 162 حديث 591. (2) انظر: وسائل الشيعة 1: 418. (3) انظر: وسائل الشيعة 1: 422. (4) الكافي 3: 31 / 9، علل الشرائع: 289 / 2، التهذيب 1: 92. (5) الكافي 3: 29 / 2، وعنه في الوسائل 1: 404.

[ 434 ]

هذا وقد حصر الصادق نواقض الوضوء في البول والريح والنوم والغائط والجنابة (1)، وفي ذلك إشارة الى عدم ناقضية ما مسته النار وعدم ناقضية مس الذكر وخروج الدم وغيرها مما تقوله العامة اليوم. إن، هذه المسائل كانت إذن من الأمور المطروحة في عهد الصادق، وقد جاء في الفقيه: عن عمرو بن أبي المقدام، قال: حدثني من سمع أبا عبد الله يقول: (إني لأعجب ممن يرغب أن يتوضأ اثنتين اثنتين، وقد توضأ رسول الله اثنتين اثنتين) (2). وروي عنه أنه قال: (الوضوء واحدة فرض، واثنتان لا يؤجر، والثالثة بدعة) (3). ثم فسر قوله هذا في رواية أخرى ب‍: (الوضوء مثنى مثنى فمن زاد لم يؤجر) (4) أي من لم يستيقن أن واحدة من الوضوء تجزيه، لم يؤجر على الثنتين وهكذا الحال بالنسبة للذي يأتي بأكثر من اثنتين. بهذا الأسلوب كان الأمام الصادق يواجه الذين تعدوا حدود الله في الوضوء. وقد صدرت عنه نصوص كثيرة تؤيد ما قلناه، منها قوله بعدم جزئية المضمضة، معللا ذلك بقوله (لأنها من الجوف)، فإنه قال بذلك ليقف أمام اجتهادات أمثال ابن عمر الذي عرف عنه بأنه كان يقول افتحوا أعينكم عند الوضوء لعلها لا ترى نار جهنم! فترى الصادق يقول: (لا تضربوا وجوهكم بالماء إذا توضأتم، ولكن شنوا الماء شنا) (5). وقد جاء عن موسى بن جعفر الكاظم نص قريب مما سبق..


(1) راجع وسائل الشيعة 1: 397. (2) من لا يحضره الفقيه 1: 25 / 80. (3) التهذيب 1: 81 / 212، الاستبصار 1: 71 / 217. (4) التهذيب 1: 80 / 210، الاستبصار 1: 70 / 215. (5) التهذيب 1: 357 / 1072، الاستبصار 1: 69 / 208.

[ 435 ]

قال أبو جرير الرقاشي: قلت لأبي الحسن موسى: كيف أتوضأ للصلاة؟ فقال: (لا تعمق في الوضوء، ولا تلطم وجهك بالماء، ولكن اغسله من أعلى وجهك الى أسفله بالماء مسحا) (1). فموسى بن جعفر أجاب السائل بجواب يستبطن الأشارة الى شيوع ظاهرة التعمق في الوضوء والمبالغة في صب الماء الى حد الأسراف، وذلك ما حدا بالأمام أن يقدم له مقدمة ربما لا ترتبط بسؤال السائل، لأن السائل طلب بيان كيفية الوضوء، والأمام أجاب بقوله (لا تعمق في الوضوء). وفي جواب الأمام دلالة على قضية مهمة، هي شيوع ظاهرة تكثير الغسلات، وغسل الممسوحات، فالأمام قدم هذه المقدمة ليوضح للسائل ماهية الوضوء وأنه ليس كما يصوره البعض بلطم الماء بالوجه وإدخاله في العين وعدم جواز رد سلام القادم وما شابه، فإن كل هذه من التعمق المنهي عنه في الدين. وقد حمل الفقهاء المسح - الوارد في ذيل هذه الرواية - أولا على المجاز بمعنى الغسل، ثم على الحقيقة، وذلك عين الصواب. فإن الأمام عبر عن الغسل هنا بالمسح مجازا لبيان أن المطلوب من الوضوء هو المرة الواحدة التي يصدق بها الغسل والطهارة الشرعية، ولذلك بالغ في إجزائها فعبر بالمسح على الذراعين، وكان قبلها بين غسل الوجه بقوله (اغسله... مسحا) فعبر بالمسح أيضا مبالغة في إجزاء الغسل المأمور به وعدم إجزاء تكثير الغسلات وغسل الممسوحات، دحضا للمدرسة الوضوئية التي تبناها أتباع مدرسة الرأي والاجتهاد. كما روى الكاظم للناس الوضوء الذي أمر الله به نبيه: عن عيسى بن المستفاد عن أبي الحسن موسى بن جعفر عن أبيه أن رسول الله (ص) قال لعلي وخديجة لما أسلما: (إن جبرئيل عندي يدعوكما الى بيعة الأسلام، ويقول لكما: إن للأسلام شروطا، أن تقولا: نشهد أن لا إله إلا الله...)


(1) قرب الأسناد: ص 312 الحديث 1215، وعنه في وسائل الشيعة 1: 431.

[ 436 ]

الى أن يقول: (وإسباغ الوضوء على المكاره، الوجه واليدين والذراعين ومسح الرأس ومسح الرجلين الى الكعبين) (1). وفي رواية أخرى عن الأمام موسى بن جعفر، عن أبيه: (إن رسول الله قال للمقداد وسلمان وأبي ذر: أتعرفون شرائع الأسلام؟ قالوا: نعرف ما عرفنا الله ورسوله. فقال: هي أكثر من أن تحصى: أشهدوني على أنفسكم بشهادة أن لا إله إلا الله... والوضوء الكامل على الوجه واليدين والذراعين الى المرفقين، والمسح على الرأس والقدمين الى الكعبين لا على خف ولا على خمار ولا على عمامة... الى أن يقول: فهذه شروط الأسلام، وقد بقي أكثر) (2). وهذه الرواية تشبه سالفتها في التأكيد على أهمية الوضوء وأنه من شرائط الأسلام، ثم تبين حدوده ومغسولاته وممسوحاته. وعلى ضوء ما تقدم تأكد لدينا أن مدرسة الباقر والصادق والكاظم والرضا هي مدرسة واحدة، وأنها امتداد لمدرسة رسول الله (ص)، فترى الكاظم يقول بقول الصادق، والصادق يقول بقول أبيه، وهكذا الى نهاية السلسلة، ومن ذلك: ما جاء عن الهيثم بن عروة التميمي، قال: سألت أبا عبد الله عن قوله: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم الى المرافق، فقلت: هكذا؟ ومسحت من ظهر كفي الى المرافق. فالصادق (ع) لم يرتض فعل الهيثم ثم أمر يده من مرفقه الى أصابعه. وهو معنى آخر لما نقلناه عن الأمام الباقر، من أنه كان لا يرد الماء الى المرافق. وهكذا الحال بالنسبة الى مفهوم التعدي في الوضوء، فهو واحد عند الباقر والصادق والكاظم وغيرهم من أئمة أهل البيت.


(1) الطرف: 5، وعنه في وسئل الشيعة. (2) الطرف: 11، وعنه في وسائل الشيعة.

[ 437 ]

روى حماد بن عثمان، قال: كنت قاعدا عند أبي عبد الله، فدعا بماء فملأ به كفه فعم به وجهه، ثم ملأ كفه فعم به يده اليمنى، ثم ملأ كفه فعم به يده اليسرى، ثم مسح على رأسه ورجليه، وقال: (هذا وضوء من لم يحدث)، يعني التعدي في الوضوء (1). وقال: (من تعدى في وضوئه كان كناقضه) (2)، وهي إشارة الى قوله تعالى ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه. وقد جاء عن الأمام علي بن موسى الرضا - كما في عيون الأخبار - أنه قال: (الوضوء مرة فريضة، واثنتان إسباغ) (3). وفي كتابه الى المأمون العباسي: (ثم إن الوضوء كما أمر الله في كتابه: غسل الوجه واليدين الى المرفقين، ومسح الرأس والرجلين مرة واحدة). وفي جملة الأمام (كما أمر الله في كتابه) إشارة الى أن حقيقة الطلب تتحقق بالمرة، فلا يجب التكرار فيها. وستعرف أن المفروض والمأمور به في الكتاب هو المرة لا أكثر، وهو فعل رسول الله، وقد تواتر عن الصحابة نقل ذلك عنه (ص). هذا وقد علل الأمام علي بن موسى الرضا سبب مسح الرأس والرجلين وعدم غسلهما بما يلي: (... وإنما أوجب الغسل على الوجه واليدين، والمسح على الرأس والرجلين، ولم يجعل غسلا كله ولا مسحا كله لعلل شتى: منها: إن العبادة العظمى إنما هي الركوع والسجود، وإنما يكون الركوع والسجود بالوجه واليدين، لا بالرأس والرجلين. ومنها: إن الخلق لا يطيقون في كل وقت غسل الرأس والرجلين ويشتد عليهم ذلك في البرد والسفر والمرض والليل والنهار. وغسل الوجه واليدين أخف من غسل الرأس والرجلين، وإنما وضعت الفرائض على قدر أقل الناس


(1) الكافي 3: 27 / 8، وعنه في وسائل الشيعة 1: 437 أبواب الوضوء ب 31 ح 8. (2) من لا يحضره الفقيه 1: 25 / 79. (3) عيون أخبار الرضا 2: 125 / 2.

[ 438 ]

طاقة من أهل الصحة، ثم عم فيها القوي والضعيف. ومنها: إن الرأس والرجلين ليس هما في كل وقت باديان وظاهران كالوجه واليدين لموضع العمامة والخفين والجورب وغيرها...). وفي خبر آخر عنه، انه سئل عن وضوء الفريضة في كتاب الله؟ فقال: (المسح، والغسل في الوضوء للتنظيف). وجاء عن أيوب بن نوح، قال: كتبت الى أبي الحسن أسأله عن المسح على القدمين؟ فقال: (الوضوء المسح، ولا يجب فيه إلا ذاك، ومن غسل فلا بأس) (1). قال الشيخ الحر العاملي: (حمله الشيخ - الطوسي - على التنظيف لما مر، ويمكن حمله على التقية، فإن منهم من قال بالتخيير). وعن المسح على العمامة والخفين، قال الأمام الرضا: (لا تمسح على عمامة ولا قلنسوة ولا على خفيك) (2). وفي دعائم الأسلام: ونهوا عليهم السلام عن المسح على العمامة والخمار والقلنسوة والقفازين والجوربين والجرموقين، إلا أن يكون القبال غير مانع من المسح على الرجلين كليهما (3). وفي فقه الرضا: روي عن العالم: (لا تقية في شرب الخمر ولا المسح على الخفين، ولا تمسح على جوربك إلا من عذر أو ثلج تخاف على رجليك) (4). ومن كل ما مر وضح، بما لا مزيد عليه، أن نهج التعبد المحض الذي رسمه الله لنبيه وقاده علي بن أبي طالب وابن عباس وكبار (الناس).. كان قد استمر الى عهد التابعين وتابعي التابعين، ثم واصله أئمة أهل البيت والخلف العدول منهم في أحرج الظروف وأصعبها، ولذلك ترى أحاديثهم الوضوئية ووضوءاتهم البيانية


(1) التهذيب 1: 64 / 180، الاستبصار 1: 65 / 194. (2) فقه الرضا: 68، المستدرك 1: 330 أبواب الوضوء ب 32 ح 1. (3) دعائم الأسلام 1: 110. (4) فقه الرضا: 68، مستدرك وسائل الشيعة 1: 331 أبواب الوضوء ب 33 ح 1.

[ 439 ]

التي استعرضناها لا تضارب بينها ولا اختلاف، على عكس وضوء المذاهب الأربعة حيث ترى الخلاف بينهم واضحا ومشهورا، فالبعض يذهب الى أن فرائض الوضوء سبعة، والاخر يرى أنها أربعة، وثالث يقول أنها ستة، وإن كان الجميع يتحدون في تثليث الغسلات وغسل الممسوحات! وهذا يوضح التأكيد الحكومي على بعض المفردات الوضوئية وتشديد المخالفة مع نهج التعبد المحض، وهو الذي دعا الأمام الصادق أن يقول: (الوضوء واحدة فرض، واثنتان لا يؤجر، والثالثة بدعة). ثم فسر قوله في رواية أخرى: (أي من لم يستيقن أن واحدة من الوضوء تجزئه لم يؤجر على الثنتين) (1). وأن زرارة بن أعين روى عنه قوله: (الوضوء مثنى مثنى، من زاد لم يؤجر عليه) (2). وقد سئل مرة عن الوضوء، فقال: (ما كان وضوء علي إلا مرة مرة) (3). وسأله بعض خلص أصحابه وخاصتهم، عن الوضوء للصلاة، فقال: (مرة مرة) (4). وفي رواية أخرى يقسم بالله أن وضوء النبي ما كان يتوضأ إلا مرة مرة، بقوله: (والله ما كان وضوء رسول الله إلا مرة مرة) (5). ثم أكد الأمام على أن الوسواس ليس من الأيمان وليس من الطهارة في شئ، فمن توضأ أكثر من مرة وهو يرى أن المرة لا تجزئه لم يكن وضوؤه صحيحا وكان مخالفا لما أمر الله به، ولذلك يقول: (توضأ النبي مرة مرة، وهذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به).


(1) التهذيب 1: 81 / 212، الاستبصار 1: 71 / 217. (2) التهذيب 1: 80 / 210، الاستبصار 1: 70 / 215. (3) الكافي 3: 27 / 9، التهذيب 1: 80 / 207. (4) الكافي 3: 26 / 6، التهذيب 1: 80 / 206، الاستبصار 1: 69 / 211. (5) من لا يحضره الفقيه 1: 25 / 76، الاستبصار 1: 70 / 212.

[ 440 ]

وقد روي عنه: (ان الوضوء حد من حدود الله، ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه، وان المؤمن لا ينجسه شئ وإنما يكفيه مثل الدهن). وجاء عنه: (... هذه شرائع الدين لمن أراد أن يتمسك بها وأراد الله هداه، إسباغ الوضوء كما أمر الله في كتابه الناطق: غسل الوجه واليدين الى المرفقين، ومسح الرأس والقدمين الى الكعبين، مرة مرة، ومرتان جائز) (1). وهذه الكلمات إما صريحة أو ملوحة أو ناظرة الى أن تثليث الغسلات بدعة وتعد ومخالفة لفعل النبي وقوله، ولفعل علي، ومخالف للأسباغ الذي أمر الله به، ولم يعط للفاعل أجرا، بل إنه يعاقب على فعله. وقد روى عن الصادق والباقر أنهما قالا: (إن الفضل في واحدة، ومن زاد على اثنتين لم يؤجر) (2). وفي حديث آخر: (ان المرتين إسباغ) (3). وعلى ضوء ما تقدم تأكد لدينا أن مدرسة الأمام الصادق هي امتداد لمدرسة أبيه الباقر وجده علي بن الحسين وأنهم قد أخذوا علمهم عن رسول الله، لأنه خص عليا لكتابة صحيفته، وهي الموجودة بعده عند ولده، وقد عرفت أنهم لا يجيزون في الرأس والرجلين إلا المسح، وكذا لا يجيزون تثليث الغسلات ويعتبرونها بدعة، إذ أن الرسول لا يرتضي للمسلمين فعله! وقد عرفت أنهم لم يأخذوا ماء جديدا لمسح الرأس والرجلين، لما مر عليك من أخبار الرواة: (ثم مسح بما بقى في يده رأسه ورجليه ولم يعدهما في الأناء) (4). وفي أخرى: (ثم مسح رأسه ورجليه بما بقى في يديه) (5).


(1) الخصال 603 / 9. (2) السرائر: 473. (3) وسائل الشيعة 1: 439 أبواب الوضوء ب 31 ح 20. (4) الكافي 3: 24 / 1، التهذيب 1: 55 / 157. (5) الكافي 3: 24 / 3.


[ 441 ]

وفي أخرى: (ثم مسح بفضل الندى رأسه ورجليه) (1). وفي أخرى: (ثم مسح ببلة ما بقى في يديه رأسه ورجليه ولم يعدهما في الأناء) (2). وفي أخرى: (ثم مسح رأسه وقدميه الى الكعبين بفضل كفيه، لم يجدد ماء) (3). وقد مر عليك تفسيرهم للأسباغ ومعنى التعدي في الوضوء والأحداث وهو يختلف عما استفادت منه السلطة لتقوية الوضوء العثماني والذي أخذ به الفقهاء في العصور المتلاحقة سواء عن علم أو عن غفلة!! فدونوه في كتبهم وبنوا عليه آراءهم الوضوئية، ثم أخذ بها من جاء بعدهم. وقد اطلعت سابقا على موقف المهدي العباسي والمنصور والرشيد في الوضوء، واطلعت على تنكيلهم بالهاشميين والأئمة من أهل البيت، خصوصا بعد الظفر بمحمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية) وهو ما جعل الامام الصادق يرشد داود ابن زربي الى التقية للحفاظ على دينه ونفسه. وهكذا الحال بالنسبة الى علي بن يقطين، وقد مرت عليك رسالة موسى بن جعفر إليه وإرشاده الى العمل بخلاف ما هو ثابت عنده، للنجاة بنفسه والحفاظ على دينه. وزبدة المروي عن نهج التعبد المحض هو أن الوضوء المجزي والمأمور به إنما هو مرة واحدة، والثانية هي فعل الرسول وسنته، ومن تجاوز عن ذلك فلا يؤجر، مع الاخذ بنظر الاعتبار أن المقصود من كلامهم وتأكيدهم على المرة ليس وحدة الصب وإن لم يكف في الغسل، بل معناه هو تحقق الغسل الواحد وإن تعدد الصب على العضو، والمرة الثانية بعدها هي السنة، أما المرة الثالثة فهي إسراف وإبداع وليس من الدين.


(1) التهذيب 1: 58 / 162، الاستبصار 1: 58 / 172. (2) الاستبصار 1: 58 / 171. (3) التهذيب 1: 56 / 158، الاستبصار 1: 57 / 168.

[ 442 ]

أسماء بعض المؤيدين للوضوء المسحي في العهد العباسي اتضح لنا مما سبق تكامل بنى المدرستين الوضوئيتين في هذا العصر، فكان رواد مدرسة الوضوء الثلاثي الغسلي هم فقهاء المذاهب الأربعة. وهؤلاء الفقهاء قد أخذوا بوضوء الخليفة عثمان بن عفان الذي نسبه الى رسول الله، إما اعتقادا منهم بصحة تلك المرويات عنه (ص) وثبوت طرقها لديهم وحجية صدورها عندهم، وإما تأثرا بالسلطة التي تريد إبعاد الناس عما ينسبه أولاد علي بن أبي طالب الى رسول الله، لأن مصلحة العباسيين كانت في عزل الناس عن العلويين، وذلك لأمرين: الأول: إمكان التعرف عليهم للنيل منهم، لأنهم المخالفون للخلفاء العباسيين والمطالبون بالحكم. الثاني: رسم المبرر للتنكيل بالعلويين لأنهم خرجوا عن جماعة المسلمين، وسعوا لبث الفرقة بينهم، إذ أن عبادتهم غير عبادة المسلمين، ووضوؤهم غير وضوء المذاهب الأربعة! نعم، إن تأكيدنا على الشق الثاني من وجوه الاحتمال في سبب أخذ المذاهب الأربعة برأي عثمان في الوضوء - المار الذكر في الصفحات السابقة - إنما كان بسبب حملة التعتيم الاعلامي التي مارستها السلطة ومنعت العلماء والأساتذة من التفوه بما يعرف بوجود ما يعارض ذلك. وحينما رأيت التأكيد على الوضوء الغسلي - حتى شاع بين المسلمين - أحببت أن أكشف عن الوجه الاخر في الوضوء، وأشير الى أسماء الذين فعلوا المسح وعملوا به في العهد العباسي الأول، ولا أبغي منه الجرد الكلي للأسماء بل العدد الذي يثبت به ما نقلناه، وحيث وصل عدد القائلين بالمسح - على ضوء الصفحات السابقة - الى (24) صحابيا وتابعيا، نظيف إليه أسماء أخرى مراعين

[ 443 ]

التسلسل السابق: 25 - موسى بن جعفر الكاظم. 26 - علي بن موسى الرضا. 27 - داود بن فرقد. 28 - علي بن يقطين. 29 - بكير بن أعين. 30 - زرارة بن أعين. 31 - محمد بن مسلم. 32 - أبان بن عثمان. 33 - ابن أبي عمير. 34 - عمر بن أذينة. 35 - جميل بن دراج. 36 - علي بن رئاب. 37 - محمد بن قيس. 38 - الفضل بن شاذان. 39 - ابن محبوب. 40 - أبو جرير الرقاشي. 41 - علي بن إبراهيم بن هاشم. 42 - عيسى بن المستفاد... وآخرون من أصحاب الأئمة. ولو أردنا أن نضيف أسماء القراء الذين قرأوا الاية وأرجلكم بالجر - كما فعله كبار فقهاء العامة، والاخرون من أصحاب أئمة أهل البيت - وندخلهم ضمن هذه القائمة لتجاوز عددهم العشرات ودخل حيز المئات. وهنا مسألة يلزم الأشارة إليها، وهي: إن مشروعية المسح - كما قلنا - كان ذا أصالة، وقد التزم به كبار الصحابة والتابعين ودافعوا عنه، وأن الغسل لم يكن متواترا عند المسلمين - على مر الزمان - بل كان بين الأعلام بعض الكلام فيه، فترى آراء القائلين بالمسح تطرح في

[ 444 ]

كتب السلف ويشيرون الى أن هذا الرأي مستقى من القرآن، فلو كان غسل الأرجل هو ما اتفق عليه المسلمون فلا داعي لذكر تلك الأقوال في كتب السلف! وما نحتمله في هذا الأمر هو تواتر عمل المذاهب المنقرضة به. ونحن لو أخذنا من باب المثال رأي ابن حزم الأندلسي الذي يمثل رأي داود الظاهري، ورأي ابن جرير الطبري وهو يمثل رأي مذهبه الذي عمل لمدة من الزمن، لعرفنا أن المسح كان مشروعا في عهدهم إذ تراهم يعملون به. وإليك: رأي ابن حزم الأندلسي في المحلى: (وأما قولنا في الرجلين، فإن القرآن نزل بالمسح، قال الله تعالى وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم وسواء قرئ بخفض اللام أو بفتحها هي على كل حال عطف على الرؤوس، إما على اللفظ وإما على الموضع، لا يجوز غير ذلك، لأنه لا يجوز أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بقضية مبتدأة، وهكذا جاء عن ابن عباس: (نزل القرآن بالمسح، يعني في الرجلين في الوضوء). وقد قال بالمسح على الرجلين جماعة من السلف، منهم: علي بن أبي طالب، ابن عباس، الحسن، عكرمة، الشعبي وجماعة غيرهم، وهو قول الطبري، ورويت في ذلك آثار: منها: أثر من طريق همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ثنا علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه - وهو رفاعة بن رافع -: انه سمع رسول الله (ص) يقول: (إنه لا يجوز صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله عز وجل، ثم يغسل وجهه ويديه الى المرفقين ويمسح رأسه ورجليه الى الكعبين). وعن إسحاق بن راهويه، ثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن عبد خير، عن علي: (كنت أرى باطن القدمين أحق بالمسح حتى رأيت رسول الله يمسح ظاهرهما). قال علي بن أحمد: (وإنما قلنا بالغسل لما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، ثنا إبراهيم بن أحمد، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا مسدد، ثنا أبو عوانة، عن أبي بشير، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: (تخلف النبي في سفر فأدركنا وقد أرهقنا العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا،

[ 445 ]

فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار، مرتين أو ثلاثا). كتب إلي سالم بن أحمد، قال: ثنا عبد الله بن سعيد الشنتجالي، ثنا عمر بن محمد السجستاني، ثنا محمد بن عيسى الجلودي، ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا إسحاق بن راهويه، ثنا جرير - وهو ابن عبد الحميد -، عن منصور، عن هلال بن أساف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: (خرجنا مع رسول الله من مكة الى المدينة حتى إذا كنا بماء الطريق، تعجل قوم عند العصر، فتوضوا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فقال رسول الله: ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء. فأمر عليه السلام بإسباغ الوضوء في الرجلين، وتوعد بالنار على ترك الأعقاب). فكان هذا الخبر زائدا على ما في الاية، وعلى الأخبار التي ذكرنا، وناسخا لما فيها، ولما في الاية، والأخذ بالزائد واجب. ولقد كان يلزم من يقول بترك الأخبار للقرآن أن يترك هذا الخبر للاية، ولقد كان يلزم من يترك الأخبار الصحاح للقياس أن يترك هذا الخبر، لأننا وجدنا الرجلين يسقط حكمهما في التيمم، كما يسقط الرأس، فكان حملهما على ما يسقطان بسقوطه ويثبتان بثباته أولى من حملها على ما لا يثبتان بثباته، وأيضا فالرجلان مذكوران مع الرأس، فكان حملهما على ما ذكرا معه أولى من حملهما على ما لم يذكرا معه، وأيضا فالرأس طرف والرجلان طرف، فكان قياس الطرف على الطرف أولى من قياس الطرف على الوسط. وأيضا فانهم يقولون بالمسح على الخفين، فكان تعويض المسح من المسح أولى من تعويض المسح من الغسل، وأيضا فانه لو جاز المسح على ساتر للرجلين ولم يجز على ساتر دون الوجه والذراعين دل - على أصول أصحاب القياس - أن أمر الرجلين أخف من أمر الوجه والذراعين، فإذ ذلك كذلك فليس إلا المسح ولابد، فهذا أصح قياس في الأرض لو كان القياس حقا (1).


(1) المحلى، لابن حزم 2: 56 - 58. وستأتي مناقشتنا لدليل (ويل للأعقاب) وغيره من الأدلة في الفصل الثاني من هذه الدراسة.

[ 446 ]

نعم، لو درس الباحث الشريعة بعيدا عن الرواسب الحكومية لعرف الكثير. ومن المسائل التي أود أن ألفت النظر إليها مسألة المسح على الخفين، فالحكام كانوا يؤكدون على المسح على الخفين بغضا للخوارج والشيعة، وهذه مسألة من مئات المسائل التي يجب أن يقف عندها المحقق في أمور الشريعة! محمد بن جرير بن يزيد الطبري والوضوء: قال عنه الخطيب البغدادي: كان حافظا لكتاب الله، عارفا بالقرآن، بصيرا بالمعاني، فقيها بأحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين فمن بعدهم (1). وقال عنه ابن الجوزي [ إنه كان ] عالما باختلاف العلماء، خبيرا بأيام الناس وأخبارهم. من تصانيفه: التاريخ والتفسير وتهذيب الاثار (2). ونقل ابن عقيل الوراق عنه انه قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة. فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه. فاختصره في ثلاثة آلاف ورقة ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم يكون قدره؟ فذكر نحوا مما ذكر في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك.. فقال: إنا لله ماتت الهمم. فاختصره في نحو مما اختصر التفسير (3). قال الطبري في تفسيره لاية الوضوء:


(1) تاريخ بغداد 2: 163. (2) المنتظم 13: 215. (3) المنتظم 13: 216.

[ 447 ]

(والصواب من القول عندنا في ذلك أن الله أمر بعموم مسح الرجلين بالماء في الوضوء، كما أمر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمم. وإذا فعل ذلك بهما المتوضئ كان مستحقا اسم ماسح غاسل، لأن غسلهما إمرار اليد عليهما أو إصابتهما بالماء، ومسحهما إمرار اليد أو ما قام مقام اليد عليهما، فإذا فعل ذلك بهما فاعل فهو غاسل ماسح، ولذلك من احتمال المسح المعنيين اللذين وصفت من العموم والخصوص الذين أحدهما مسح، ببعض والاخر مسح بالجميع اختلفت قراءة القراء في قوله وأرجلكم فنصبها بعضهم توجيها منه ذلك الى أن الفرض فيهما الغسل وإنكارا منه المسح عليهما مع تظاهر الأخبار عن رسول الله (ص) بعموم مسحهما بالماء. وخفضها بعضهم توجيها منه ذلك الى أن الفرض فيهما المسح، ولما قلنا في تأويل ذلك أنه معنى به عموم مسح الرجلين بالماء، كره من كره للمتوضئ الاجتزاء بإدخال رجليه في الماء دون مسحهما بيده أو بما قام مقام اليد توجيها منه قوله وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم الى الكعبين الى مسح جميعهما عاما باليد أو بما قام مقام اليد، دون بعضهما مع غسلهما بالماء) (1). قال ابن الجوزي في المنتظم: كان ابن جرير يرى جواز المسح على القدمين ولا يوجب غسلهما، فلهذا نسب إلى الرفض، وكان قد رفع في حقه أبو بكر بن أبي داود قصة إلى الحاجب يذكر عنه أشياء فأنكرها (2). انظر كيف يتعاملون مع العلماء ومن يحمل رؤية لا يستسيغها الحكام حتى قيل (بأنه دفن ليلا ولم يؤذن به أحد، واجتمع من لا يحصيهم إلا الله، وصلي على قبره عدة شهور ليلا ونهارا. وذكر ثابت بن سنان في تاريخه: انه إنما أخفيت حاله لأن العامة اجتمعوا ومنعوا من دفنه بالنهار وادعوا عليه الرفض، ثم ادعوا عليه الألحاد) (3).


(1) تفسير الطبري 6: 83. (2) المنتظم 13: 217. (3) المنتظم 13: 217.

[ 448 ]

لماذا؟ ألقوله بالمسح الذي لم يقل به أصحاب المذاهب الأربعة؟! أم لكتابته عن حديث الغدير (1) - في أواخر عمره - وهو ما لا يرضي السلطان كذلك؟ أم لشئ آخر؟ وعلى ضوء ما تقدم عرفت أن المصالح السياسية للسلطان كانت وراء تدوين ما يرتضيه وحذف ما لا يرتضيه، وان تأصيل المذاهب والقول بمشروعية رأي الجميع وما يقاربها من آراء كانت دعوة حكومية ظهرت سماتها في الفقه والحديث. ومتى أراد الباحث الوقوف على المزيد منها أمكنه الوقوف عليها من خلال استطلاع إجمالي لكتب الفقه والتاريخ. علما بأن دور السياسة لم يقتصر على تدوين الفقه والحديث، بل ان دورها في تدوين التاريخ ولغة العرب ليس بأقل مما مضى. والباحثون يعرفون هذه الحقيقة. ونحن نعرض هنا عن بيان الاراء صارت تتشعب في لغة العرب نظرا للظروف السياسية والاجتماعية الحاكمة آنذاك، خوفا من الأطالة والخروج عن البحث، بل نكتفي بنقل بعض النصوص عن مشاهير الأعلام ودور السياسة في الفقه وتأصيل المذاهب. 1 - قال الأستاذ جمال الدين الأفغاني: بأي نص سد باب الاجتهاد، أو أي إمام قال: لا ينبغي لأحد من المسلمين بعدي أن يهتدي بهدي القرآن وصحيح الحديث، أو أن يجد ويجتهد بتوسيع مفهومه والاستنتاج على ما ينطبق على العلوم العصرية وحاجيات الزمان وأحكامه، ولا ينافي جوهر النص. إن الله بعث محمدا رسولا بلسان قومه العربي ليعلمهم ما يريد إفهامهم، وليفهموا منه ما يقوله لهم. ولا ارتياب بأنه لو فسح في أجل أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد


(1) قال الذهبي في تذكرة الحفاظ 2: 713: رأيت مجلدا من طرق هذا الحديث لابن جرير، فاندهشت له ولكثرة تلك الطرق. وقال ابن كثير في البداية والنهاية 11: 146 (وقد اعتنى بأمر هذا الحديث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ فجمع فيه مجلدين أورد فيهما طرقه وألفاظه).

[ 449 ]

وعاشوا إلى اليوم لداموا مجدين مستنبطين لكل قضية حكما من القرآن والحديث وكلما زاد تعمقهم زادوا فهما وتدقيقا. نعم، إن أولئك الفحول من الأئمة ورجال الأمة اجتهدوا وأحسنوا فجزاهم الله خير الجزاء، ولكن لا يصح أن نعتقد انهم أحاطوا بكل أسرار القرآن وتمكنوا من تدوينها في كتبهم (1). 2 - قال الأستاذ عبد المتعال الصعيدي - أحد علماء الأزهر الشريف -: اني أستطيع أن أحكم بعد هذا بأن منع الاجتهاد قد حصل بطرق ظالمة، وبوسائل القهر والأغراء بالمال. ولا شك ان هذه الوسائل لو قدرت لغير المذاهب الأربعة التي نقلدها الان لبقي لها جمهور يقلدها أيضا، ولكانت الان مقبولة عند من ينكرها، فنحن إذا في حل من التقيد بهذه المذاهب الأربعة التي فرضت علينا بتلك الوسائل الفاسدة، وفي حل من العود إلى الاجتهاد في أحكام ديننا، لأن منعه لم يكن إلا بطرق القهر، والأسلام لا يرضى إلا بما يحصل بطريق الرضى والشورى بين المسلمين كما قال تعالى في الاية 28 من سورة الشورى: وأمرهم شورى بينهم (2). 3 - قال الدكتور عبد الدائم البقري الأنصاري: منع الاجتهاد هو سر تأخر المسلمين، وهذا هو الباب المرن الذي عندما قفل تأخر المسلمون بقدر ما تقدم العالم، فأضحى ما وضعه السابقون لا يمكن أن يغير ويبدل لأنه لاعتبارات سياسية. منع الولاة والسلاطين الاجتهاد حتى يحفظوا ملكهم، ويطمئنوا إلى انه لن يعارضهم معارض، وإذا ما عارضهم أحد فلن يسمع قوله، لأن باب الاجتهاد قد أغلق، لهذا جمد التشريع الأسلامي الان، وما التشريع إلا روح الجماعة وحياة الأمة. واني أرجع الفتنة الشعواء التي حصلت في عهد الخليفة عثمان والتي كانت سببا في وقف الفتح الأسلامي حيث تحولت في عهده الحرب الخارجية إلى حرب داخلية، أرجع ذلك إلى ان عثمان كان من المحافظين، وقد شرط ذلك على


(1) الأمام الصادق والمذاهب الأربعة 1: 179، عن خاطرات جمال الدين: ص 177. (2) الأمام الصادق والمذاهب الأربعة 1: 178، عن ميدان الاجتهاد: ص 14.

[ 450 ]

نفسه عندما وافق عبد الرحمن بن عوف على لزوم الاقتداء بالشيخين في كل ما يعني دون اجتهاد، عند انتخابه خليفة، ولم يوافق الأمام علي على ذلك حينئذ قائلا: إن الزمن قد تغير، فكان سبب تولي عثمان الخلافة هو سبب سقوطه (1). 4 - قال الأستاذ عز الدين عبد السلام: من العجب العجيب ان الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف قول إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعا وهو مع ذلك مقلد فيه، ويترك من شهد الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبهم، جمودا على تقليد إمامه، بل يتحيل لظاهر الكتاب والسنة ويتأولهما بالتأويلات البعيدة الباطلة، نضالا عن مقلده. ولم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء، إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلدين، فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة، مقلدا فيما قال كأنه نبي مرسل. وهذا نأي عن الحق، وبعد عن الصواب لا يرضى به أحد من أولي الألباب (2). 5 - قال جمال الدين بن الجوزي: إعلم ان المقلد على غير ثقة فيما قلد فيه، وفي التقليد إبطال منفعة العقل، لأنه إنما خلق للتدبر، وقبيح بمن أعطي شمعة يستضئ بها أن يطفئها ويمشي في الظلمة. واعلم ان عموم أصحاب المذاهب يعظم في قلوبهم الشخص فيتبعون قوله من غير تدبر فيما قال، وهذا عين الضلال، لأن النظر ينبغي أن يكون إلى القول لا إلى القائل (3). 6 - قال الدهلوي: فأي مذهب كان أصحابه مشهورين وأسند إليهم القضاء والافتاء واشتهرت تصانيفهم في الناس ودرسوا درسا ظاهرا انتشر في أقطار الأرض، ولم يزل ينتشر


(1) الأمام الصادق والمذاهب الأربعة 1: 179، عن الفلسفة السياسية للأسلام: 21. (2) الأمام الصادق والمذاهب الأربعة 1: 177، عن الأنصاف: ص 37. (3) الأمام الصادق والمذاهب الأربعة 1: 177، عن تلبيس إبليس: 81.

[ 451 ]

كل حين. وأي مذهب كان أصحابه خاملين ولم يولوا القضاء والافتاء ولم يرغب فيهم الناس اندرس بعد حين (1). فمدرسة أهل البيت لم تكن كغيرها من المذاهب الحكومية بل كانت لها سماتها الخاصة، وعرفت باستقلالها الفكري وعدم خضوعها لنظام السلطة، بل في رؤاها تضاد مع خلفاء الجور ولا تسمح (لأولي الأمر!) أن يتدخلوا في شؤونها وتوجيه فكرها بل إن أهل البيت دعوا شيعتهم للابتعاد عن الخلفاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وان بقاء مذهب كهذا رغم كل هذه الملابسات يرجع إلى قوته الروحية وملكاته الربانية، وان أمر انتشار غيره من المذاهب لم يكن مثله، وقد قرأت عن تلك المذاهب وانها ترجع إلى المقومات الجانبية فيها كتوليهم للقضاء. وقد رأينا ان هذه المذاهب نفسها تختلف شدة وضعفا لما أنيط بأصحابها من القضاء والافتاء، فالمذهب الحنفي يقوى عندما يكون أبو يوسف وجيها في الدولة مقبولا عند الخلفاء. وهكذا الأمر بالنسبة إلى الاخرين في العهود الأخرى. أما انتشار مذهب جعفر بن محمد الصادق وبقاؤه لحد هذا اليوم رغم مخالفة الحكام فيرجع إلى ملكاته الروحية ومقوماته الذاتية، ولا ينكر ذلك أحد. فأهل البيت وشيعتهم منصورون بالحجج والبراهين التي بأيديهم لا يضرهم من خالفهم وخذلهم، وأليك ما رواه الحفاظ عن النبي أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي منصورين قائمين بالحق لا يضرهم من خالفهم وخذلهم) (2). وجاء في كتاب (الفقيه والمتفقه): (... لن تزال أمة من أمتي على الحق ظاهرين على الناس لا يبالون من خالفهم ولا من ناوأهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون) (3).


(1) الأمام الصادق والمذاهب الأربعة 2: 11، عن الحجة البالغة للدهلوي 1: 151. (2) انظر: صحيح مسلم 3: 1523 / 170، 174، وصحيح البخاري 9: 124 - 125، سنن ابن ماجة 1: 4، 5 / 6، 9، 10. (3) الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي 1: 5 - 6.

[ 452 ]

وفي آخر: (لا يزال في هذه الأمة عصابة على الحق لا يضرهم خلاف من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك) (1) قال المقريزي: فلما كانت سلطنة الظاهر بيبرس البندقداري ولى بمصر أربعة قضاة، وهم شافعي ومالكي وحنفي وحنبلي، فاستمر ذلك من سنة 665 حتى لم يبق في مجموع أمصار الأسلام مذهب يعرف من مذاهب الأسلام سوى هذه المذاهب الأربعة. وعملت لأهلها المدارس والخوانك والزوايا والربط في سائر ممالك الأسلام. وعودي من تمذهب بغيرها، وأنكر عليه ولم يول قاض ولا قبلت شهادة أحد ولا قدم للخطابة والأمامة والتدريس أحد ما لم يكن مقلدا لأحد هذه المذاهب، وأفتى فقهاء الأمصار في طول هذه المدة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها (2). وعليه، ان حصر المذاهب بهذه الأربعة جاءت لأمر السلطان بيبرس، وان الحكام كانوا دائما يفرضون رأيهم بالقوة. انظر ما جاء في شذرات الذهب (3): ان القادر العباسي حمل الناس في سنة 422 على الاعتقاد بما يراه في فضل الصحابة وتكفير المعتزلة بخلق القرآن، وألف كتابا يتلى على الناس في كل جمعة، وكما انه حملهم بالقهر على الاعتقاد بالسنة واستتابة من خالفه من المعتزلة والشيعة، وأخذ خطوطهم بالتوبة وبعث بها إلى السلطان محمود يأمره ببث السنة في خراسان. تلخص مما سبق أن الحكام سعوا إلى بث روح الفرقة بين أفراد الأمة بالتزامهم هذا المذهب ضد ذاك، ونسبوا الى معارضيهم من الشيعة سوء العقيدة والخروج عن الأسلام، وأوعزوا الى الوعاظ في المساجد والكتاب والقصاصين توسعة رقعة هذا الخلاف بين المسلمين. ولا ينكر أحد بأن عناية السلطة بجهة، أو فرقة تكسبها الاعتبار والعظمة حسب نظام السياسة لا النظام الطبيعي، إذ ان


(1) الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي 1: 30. (2) الخطط المقريزية 3: 232 - 235. (3) شذرات الذهب 3: 222 و 186 وغيرها.

[ 453 ]

الخضوع للسلطان أمر لا مفر منه. لو لم تتدخل الحكومات في مثل هذه الأمور لكان أعود على الأمة وأصلح لدينها ودنياها، لكن الحكومات كانت ترى في وحدة المسلمين الخطر على مصالحها والوقوف على عيوبها والخروج عن طاعتها، فرأت الاستعانة بهذا المذهب ضد ذاك، وكان ذلك هو الخيار السهل الذي يمكن إشغال المسلمين به وجرهم إلى النزاعات التي كانوا بعيدين عنها مما كدر صفو الأمة وشتتها بعد الألفة. وقد أفصح التاريخ عن نياتهم السيئة وما يقصدون من وراء ذلك وآزرهم رجال ابتعدوا عن الحق والأنسانية. وإن المطالع لو وقف على المجازر الطائفية وحتى بين المذاهب الأربعة لعرف ما نقوله. وعلى أي حال فقد تفرقت الأمة كما شاءت السياسة، أو كما شاء ولاة الجور، وحاولوا إعطاء هذه الفرقة صفة شرعية مع أنها بعيدة في الواقع كل البعد عن روح الأسلام. فاتسع الخلاف وعظم الارتباك ووقعت الخصومة، وبذلك نجا الحاكم، ورفع الاستبداد رأسه وافترس كل ما وجده صالحا للأمة، وعجز المصلحون عن معالجة مشاكل الأمة، وتبنت الحكومات مؤاخذة الشيعة، وحاكوا التهم عليهم تقولا بالباطل وابتعادا عن الحق. فحكموا فيما حكموا على الشيعة انهم يقولون بتكفير الصحابة، وشتان ما بين النقد والتكفير، وما بين احرامهم - مع إخضاع أقوالهم للمناقشة وإمكان دراسة نصوصهم - وإضفاء هالة من التقديس والعصمة وسد باب المناقشة والحوار المنطقي السليم. ولم يقتصر الحكام على ذلك بل جاءوا يحكمون على من يقول الحق ويريد التحرر من الجمود الفكري بأنه رافضي، أو نراهم يتركون الحق والسنة الصحيحة لأنها عمل الرافضة بحجة أن التشبه بهم غير جائز! قال ابن تيمية في منهاجه عند بيان التشبه بالشيعة: ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات، إذا صار شعارا لهم، فإنه وإن لم يترك واجبا لذلك لكن في إظهار ذلك مشابهة لهم، فلا يتميز السني من الرافضي.

[ 454 ]

ومصلحة التمييز عنهم لأجل هجرانهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة ذلك المستحب. وقال مصنف الهداية، من الحنفية: ان المشروع التختم باليمين، ولكن لما اتخذته الرافضة جعلناه في اليسار. وقال الغزالي: ان تسطيح القبور هو المشروع، ولكن لما جعلته الرافضة شعارا لها، عدلنا إلى التسنيم. وقال الشيخ بن عبد الرحمن في كتاب (رحمة الأمة في اختلاف الأئمة) المطبوع في هامش (ميزان الشعراني 1: 88): السنة في القبر التسطيح، وهو أولى على الراجح من مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة وأحمد: التسنيم أولى، لأن التسطيح صار شعارا للشيعة. ذكر الزرقاني في (المواهب اللدنية) في صفة عمة النبي على رواية علي في إسدالها على منكبه حين عممه رسول الله، ثم ذكر قول الحافظ العراقي: ان ذلك أصبح شعار كثير من فقهاء الأمامية ينبغي تجنبه، لترك التشبه بهم. فأتباع أهل البيت أمروا بالحيطة من العامة لمعرفتهم ووقوفهم على انخداعهم بأساليب الحكام من علي ونهجه، أما نهي فقهاء الدولة فقد جاء للتعرف عليهم وهجرانهم، وقد جسم البغدادي ذلك بنقله قصة عن رجل، فقال: إن رجلا رأى عليا في المنام فلم يجسر على الدنو منه، فسأله صاحبه، فقال: أخشى إن قربت إليه أسأله أن أتهم بالتشيع. نعم، ان تهمة التشيع كانت أكبر تهمة توجه إلى الأنسان في تلك العهود، وعلى ضوئها صار الناس يبغضون عليا والسائرين على نهجه. قال علي بن الحسين: (أحبونا حب الأسلام، فوالله ما زال تقولون فينا حتى بغضتمونا إلى الناس) (1). وقوله: (ما أكذبكم وما أجرأكم على الله، نحن من صالحي قومنا وبحسبنا أن


(1) الطبقات الكبرى 5: 214.

[ 455 ]

نكون من صالحي قومنا) (1). نعم، ان تهمة التشيع كانت أخطر من تهمة الزندقة، وكان الناس يفرون منها، ويخافون من قول كلمة تنصر الحق. قال الزمخشري في كيفية الصلاة على النبي محمد (ص): وأما إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد، فمكروه لأن ذلك صار شعارا لذكر رسول الله (ص)، ولأنه يودي إلى الاتهام بالرفض، وقال رسول الله: (من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يقفن مواقف التهم). وقد حكموا على المولى ظهير الدين الأردبيلي بالأعدام واتهم بالتشيع، لأنه ذهب إلى عدم وجوب مدح الصحابة على المنبر، وانه ليس بفرض، فقبض عليه وقدم للمحاكمة وحكم عليه القاضي بالأعدام، ونفذ الحكم في حقه، فقطعوا رأسه وعلقوه على باب زويلة بالقاهرة (2). واتهم خيثمة بن سليمان العابد بالتشيع من قبل بعض الناس لتأليفه في فضائل الصحابة ومنها فضائل علي. قال غيث بن علي: سألت عنه الخطيب، فقال: ثقة ثقة. فقلت: يقال: إنه يتشيع! فقال: ما أدري، إلا انه صنف في فضائل الصحابة ولم يخص أحدا (3)! وقال الذهبي عن عبد الرزاق بن همام: انه صاحب تصانيف، وثقه غير واحد وحديثه مخرج في الصحاح، وله ما ينفرد به، ونقموا عليه التشيع، وما كان يغلو فيه بل كان يحب عليا ويبغض من قاتله... (4). وعن جعفر بن سليمان الضبعي: هو من ثقات الشيعة، حدث عنه سيار بن


(1) الطبقات الكبرى 5: 214. (2) شذرات الذهب 8: 173. (3) لسان الميزان 2: 411. (4) تذكرة الحفاظ 1: 364.

[ 456 ]

حاتم، وعبد الرزاق بن همام، وعنه أخذ بدعة التشيع (1)! وقد اتهم محمد بن طلحة بن عثمان، أبو الحسن النعال بالتشيع والرفض وتعرض للخطر، لأن أبا القاسم نقل عنه، انه شتم معاوية (2)! وكذا محيي الدين العثماني الأموي المتوفى سنة 668، قال ابن العماد في ترجمته: وكان شيعيا يفضل عليا على عثمان، مع كونه ادعى نسبا الى عثمان، وهو القائل: أدين بما دان الوصي ولا أرى سواه وإن كانت أمية محتدي ولو شهدت صفين خيلي لأعذرت وساء بني حرب هنالك مشهدي (3) وكذا حكموا على الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك بأنه شيعي لذكره في كتابه حديث الطائر المشوي وحديث من كنت مولاه فعلي مولاه (4)، وزاد الذهبي فيه: انه تكلم في معاوية فأوذي (5). وقد اتهم الشافعي بالرفض لحبه لأهل البيت، وقد ضعفه ابن معين لاستنقاصه معاوية! وضرب سليمان بن عبد القوي المتوفى في 716 - من علماء الحنابلة بمصر - لقوله في علي: كم بين من شك في خلافته وبين من قال انه الله فقد نسبوا إليه هجاء الشيخين والحط من مقام عمر بن الخطاب لقوله في شرح الأربعين: ان أسباب الخلاف الواقع بين العلماء: تعارض الرويات والنصوص. وبعض الناس يزعم ان السبب في ذلك عمر بن الخطاب، لأن الصحابة استأذنوه في


(1) تذكرة الحفاظ 1: 241. (2) انظر: تاريخ بغداد 5: 384. (3) شذرات الذهب 5: 328، مرآة الجنان 4: 169. (4) تاريخ بغداد 5: 474. (5) وهو ما حكاه العماد الحنبلي عنه، انظر: شذرات الذهب 3: 177.

[ 457 ]

تدوين السنة فمنعهم مع علمه بقول النبي (ص): (اكتبوا لأبي شاة) وقوله (قيدو ا العلم بالكتابة). فلو ترك الصحابة يدون كل واحد منهم ما سمع من النبي لانضبطت السنة، فلم يبق بين آخر الأمة وبين النبي إلا الصحابي الذي دونت روايته، لأن تلك الدواوين كانت تتواتر عنهم كما تتواتر عن البخاري. انتهى. والأغرب من كل هذا ما ذكره ابن كثير في تاريخه، وهو: ان شهاب الدين أحمد المعروف بابن عبد ربه مؤلف (العقد الفريد) كان من الشيعة، بل ان فيه تشيعا شنيعا، وذلك لأنه روى أخبار خالد القسري وما هو عليه من سوء الحال. ونص الكلام هو: وقد نسب إليه - أي خالد - أشياء لا تصح، لأن صاحب العقد الفريد كان فيه تشيع شنيع ومغالاة في أهل البيت، وربما لا يفهم أحد كلامه ما فيه من التشيع، وقد اغتر به شيخنا الذهبي فمدحه بالحفظ وغيره (1). حتى وصل الأمر أن يقال إن شخصية جابر بن حيان هي شخصية أسطورية، وذلك لثبوت أخذ ابن حيان علم الكيمياء عن جعفر الصادق (2). قال الرياشي: سمعت محمد بن عبد الحميد قال: قلت لابن أبي حفصة: ما أغراك ببني علي؟ قال: ما أحد أحب إلي منهم، ولكن لم أجد شيئا أنفع عند القوم منه، أي من بغضهم والتحامل عليهم (3). وابن أبي حفصة هو الذي تحامل على آل علي عند المهدي، فتزاحف المهدي من مصلاه حتى صار على البساط، إعجابا بما سمع، وقال: كم بيتا هي؟ قال: مائة بيت، فأمر له بمائة ألف درهم! نعم، ان الفطرة قد تسوق الأنسان لقول الحق، لكن يستتبع ذلك اتهام الرفض


(1) تاريخ ابن كثير 10: 22. (2) انظر: الأمام الصادق والمذاهب الأربعة 1: 425. (3) انظر: العقد الفريد.

[ 458 ]

والخروج من الدين وشتم بالصحابة وسواها من التهم. فهل يعقل أن يكون كل ما شرعوه أو نسبوه الى الشرع شرعيا حقا؟ وهل ان رسول الله (ص) أمر بترك التشبه بالشيعة وإن وافقوا الحق؟ وهل الرافضة هم الذين رفضوا الأسلام، أم الذين رفضوا التعامل مع السلطان الباطل؟؟ ولماذا يعرف الشيعي دون غير بالصلاة على محمد وآل محمد اليوم؟ وألم يكن الرسول قد أمر أتباعه بحب آل محمد والصلاة عليهم؟! ولماذا النيل من علي وأولاده، وهل هذا هو ما وصى به رسول الله إليهم؟! وما معنى قوله تعالى: قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن هم القربى، ولماذا خص أجر الرسالة بحقهم؟! اللهم إنا نبرأ إليك مما يقوله الحاقدون، ونوالي أصحاب رسولك الذين رضيت عنهم وأخلصوا في الدعوة والجهاد في سبيلك. ربنا احكم بيننا وبين قومنا بالحق. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة. ربنا انا آمنا بك واتبعنا نبيك واستننا بسنته، ووالينا أهل بيته وأصحابه الذين نهجوا نهجه واهتدوا بهديه، وسمعوا دعوة الحق فتلقتها نفوسهم بكل قبول وصدق، والذين أقاموا الفرائض وأحيوا السنن. ربنا انا آمنا بنبيك وتبرأنا من المنافقين الذين مردوا على النفاق ونصبوا لنبيك الغوائل، ولم يؤمنوا إيمان القلب والجنان، بل إيمان الشفة واللسان وقد ذكرتهم في كتابك. ونتبرأ من الذين شاقوا رسولك وقد قلت في كتابك: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا. ونقول ما قاله علي بن الحسين في الصحابة: (... اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه وأسرعوا الى وفادته، وسابقوا الى دعوته،

[ 459 ]

واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الاباء والأبناء في تثبيت نبوته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته فلا تنس اللهم ما تركوا لك وفيك، وارضهم من رضوانك وبما حاشوا الخلق عليك، وكانوا مع رسولك دعاة إليك، واشكرهم على هجرتهم فيك ديارهم وخروجهم من سعة المعاش الى ضيقه...). وما قاله الأمام علي بن أبي طالب في أهل البيت: (... فأين تذهبون؟ وأنى تؤفكون؟ والأعلام قائمة! والايات واضحة! والمنار منصوبة! فأين يتاه بكم، بل كيف تعمهون؟ وبينكم عترة نبيكم، وهم أزمة الحق، وأعلام الدين، والسنة والصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن، وردوهم ورود الهيم العطاش. أيها الناس، خذوا من خاتم النبيين (ص) انه يموت من مات منا وليس بميت، ويبلى من بلى منا وليس ببال، فلا تقولوا بما لا تعرفون، فإن أكثر الحق فيما تنكرون، واعذروا من لا حجة لكم عليه، وأنا هو، ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر، وأترك فيكم الثقل الأصغر، وركزت فيكم راية الأيمان، ووقفتكم على حدود الحلال والحرام...) (1). وقال في آخر: (... فاستجيبوا للداعي واتبعوا الراعي، قد خاضوا بحار الفتن، وأخذوا بالبدع دون السنن، وأرز المؤمنون، ونطق الضالون المكذبون، نحن الشعار والأصحاب والخزنة والأبواب، ولا تؤتى البيوت إلا من أبوابها، فمن أتاها من غير أبوابها سمي سارقا، فيهم كرائم القرآن وكنوز الرحمن...) (2). وفي ثالث: (... تالله لقد علمت تبليغ الرسالات، وإتمام العدات، وتمام الكلمات،


(1) نهج البلاغة 1: 152 - 153. (2) نهج البلاغة 2: 57 / ط 150.

[ 460 ]

وعندنا أهل البيت أبواب الحكمة وضياء الأمر. ألا وان شرائع الدين واحدة، وسيلة قاصدة، من أخذ بها لحق وغنم، ومن وقف عنها ضل وندم...) (1). وفي رابع يقول (ع) عن أهل البيت: (... عيش العلم، وموت الجهل، ويخبركم حلمهم عن علمهم، وظاهرهم عن باطنهم، وصمتهم عن حكم منطقهم. لا يخالفون الحق، ولا يختلفون فيه. هم دعائم الأسلام، وولائج الاعتصام، بهم عاد الحق في نصابه، وانزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانه عن منبته. عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية، لا عقل سماع ورواية، فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل) (2). وفي خامس: (... لا يقاس بآل محمد من هذه الأمة أحد، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا. هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفئ الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة...) (3). الى آخر كلماته (ع) في أهل البيت، وذمه للأمويين وبيان دورهم التضليلي للأمة وإبعادهم عن نهج رسول الله! تنكيلا بالأسلام وبغضا لعلي. وفي الختام لابد من التأكيد على أن ما توصلنا إليه تاريخيا من صفة (وضوء النبي) لا يعني تشكيكا منا في وضوء الاخرين، بل هذه الدراسة ماهي إلا محاولة علمية بطريقة جديدة ورؤية جديدة، رجونا طرحها في الوسط العلمي بمثابة مناقشة الطالب مع أساتذته، وهو الأمر الذي طالما ألفناه في معاهدنا العلمية الأسلامية. وقد جئنا بهذا الأسلوب في البحث لما رأينا الأساتذة والكتاب والمحققين في الجامعات ومراكز التعليم الأسلامي قد أغفلوا دراسة التشريع مع ظروفه


(1) نهج البلاغة 1: 232 / ط 116. (2) نهج البلاغة 2: 259 / ط 234. (3) نهج البلاغة 1: 24 ضمن ط 2.

[ 461 ]

السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحاكمة حين صدور الخبر، وأن الأخبار صارت عندهم تؤخذ طبق أصول مذهبية خاصة ومن زاوية محدودة دون مناقشة المتون ومعرفة ظروف صدورها، حتى صارت تؤخذ وتحاط بهالة لا يمكن مناقشتها فضلا عن الخدش فيها. وإنا على ثقة ان الكشف عن الوجه الاخر لملابسات التشريع وكسر الحواجز النفسية عند المسلمين وبيان أدلة الاخرين والدعوة الى التصحيح ربما تثير نقمة دعاة الجمود على السلف والامرين بكم الأفواه والأسماع والأبصار عما جرى في تاريخ الأسلام واختلاف المسلمين. والمطالع لهذا الكتاب يؤيد مدعانا، حيث يقف بين الحين والاخر على أسلوبنا الحواري في البحث للقضايا بجدية، بعيدا عن جرح مشاعر الاخرين، إذ يرانا نضع التساؤلات والتشكيكات دائما حتى على النتائج التي نتوصل إليها بين الفينة والأخرى أثناء البحث، ولا نقتصر في طرح التساؤلات على نتائج بحوث الاخرين الوضوئية فقط حتى يصح ما قد يمكن أن يقال. إن الهدف الأول والأساس في هذا البحث هو الدعوة الى اتخاذ منهجية جديدة في البحث والوصول الى حقيقة الفقه الأسلامي من أيسر طرقه وأسلمها لا غير. تم المدخل بفضل الله ومنه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

[ 463 ]

ملحق لما أعددت مدخل هذه الدراسة للطبع، وقع في يدي كتاب (رجال الشيعة في الميزان) لعبد الرحمن بن عبد الله الزرعي، الصادر عن دار أرقم في الكويت. تهجم فيه المؤلف على الشيعة وخصوصا على عالمهم الأمام شرف الدين، ونسب إليه المراوغة والتضليل وكتمان الحقائق في مناقشاته لحديث أبي حية عن علي بن أبي طالب في الوضوء. ثم ذكر كتاب الأمام علي الى محمد بن أبي بكر وأهل مصر الذي مرت مناقشته في عهد علي، وذكر كذلك ما أخرجه الشيخ الطوسي في كتابيه (التهذيب) و (الاستبصار) بسنده الى علي من أنه قد غسل قدميه، وأن رسول الله قال له: يا علي، خلل بين الأصابع لا تخلل بالنار. ترجيحا لما ذهب إليه، وتكذيبا للسيد شرف الدين. قال المؤلف بعد نقله الخبرين السابقين (هذه الطرق عن علي لا تعرف أباحية ولا أبا إسحاق ولا أبا الأحوص ولا زهير بن معاوية، فكيف يوهم هذا التقي! الكذاب الفراء بوقف هذا الحديث على رواية أبي حية) (1)! قلت: المراجع لكتابي (التهذيب) و (الاستبصار) يقف على حقيقة أخرى، قال الطوسي بعد إيراده الخبر السابق: (هذا الخبر موافق للعامة، وقد ورد مورد التقية، لأن المعلوم من مذهب الأئمة عليهم السلام مسح الرجلين في الوضوء دون غسلهما، وذلك أشهر من أن يختلج أحدا فيه الريب....) (2).


(1) رجال الشيعة في الميزان: 33. (2) تهذيب الأحكام 1: 93 - 94، رقم الحديث 248.

[ 464 ]

وقال في (الاستبصار): (هذا الخبر موافق للعامة، وقد ورد مورد التقية، لأن المعلوم الذي لا يتخالج فيه الشك من مذهب أئمتنا القول بالمسح على الرجلين، وذلك أشهر من أن يدخل فيه شك أو ارتياب بين ذلك أن رواة هذا الخبر كلهم عامة، ورجال الزيدية وما يختصون بروايته لا يعمل به على ما بين في غير موضع) (1). قال النجاشي، عن أحد رجال سند هذا الحديث، وهو الحسين بن علوان: (مولاهم، كوفي عامي) (2). ونقل المزي - من رجال العامة - عن عمرو بن خالد الواسطي - وهو رجل آخر من رجال سند الحديث السابق -: (عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ان عمرو بن خالد الواسطي، متروك الحديث، ليس بشئ). وقال أبو بكر الأثرم: (عن أحمد بن حنبل: كذاب، يروي عن زيد بن علي، عن آبائه أحاديث موضوعة، يكذب). وقال عباس الدوري: (عن يحيى بن معين: كذاب، غير ثقة ولا مأمون). وقال هاشم بن مرثد الطبراني: (عن يحيى بن معين: كذاب، ليس بشئ). وقال إسحاق بن راهويه، وأبو زرعة: (كان يضع الحديث). وقال أبو حاتم: (متروك الحديث، ذاهب الحديث لا يشتغل به). وقال أبو عبيد الاجري: (سألت أبا داود عن عمرو بن خالد الذي يروي عنه أبو حفص الابار، فقال: هذا كذاب). وقال في موضع آخر: (سألت أبا داود عن عمرو بن خالد، فقال: (ليس بشئ). قال وكيع: كان جارنا فظهرنا منه على كذب فانتقل. قلت: كان واسطيا؟ قال، نعم.


(1) الاستبصار 1: 66. (2) رجال النجاشي ص 52 - رقم 116.

[ 465 ]

وحكى غيره عن وكيع قال: (كان في جوارنا يضع الحديث، فلما فطن له تحول الى واسط). وقال النسائي: (ليس بثقة ولا نكتب حديثه) (1). وهكذا نرى أنه ليس في النصوص التي نقلها المزي عن الرجاليين توثيق واحد لعمرو ابن خالد الواسطي. وقد شك البعض، منهم النسائي في نسبة المجموع الى الأمام زيد، لأنه روى بطريق واحد وهو طريق عمرو بن خالد الواسطي (2). وقال الشيخ الطوسي: (إنه بتري) (3). استبان إذا أن سند هذه الرواية ضعيف عند الشيعة وعند أهل السنة على السواء. والذي يحز في النفس أن نرى الزرعي وأمثاله ينقلون النصوص مبتورة ويكتفون بما يخدم أغراضهم ثم يتهمون الاخرين بكتمان الحقائق والتضليل والزيادة في الرواية، كما تلاحظ كلامه فيما نقله عن المفيد عن علي بن يقطين أنه كتب الى أبي الحسن موسى الكاظم (جعلت فداك ان أصحابنا اختلفوا في مسح الأرجل فإن رأيت أن تكتب إلي بخطك ما يكون عملي عليه، فعلت إن شاء الله. فكتب إلي أبو الحسن: فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء، والذي آمرك به في ذلك أن تتمضمض ثلاثا وتستنشق ثلاثا، وتغسل وجهك ثلاثا، وتخلل بشعر لحيتك وتغسل يدك من أصابعك إلى المرفقين، وتمسح رأسك كله وتمسح ظاهر أذنيك وباطنهما، وتغسل رجليك الى الكعبين ولا تخالف ذلك الى غيره). فقال الشيخ الزرعي، بعد نقله الخبر السابق: (لكن أحد رواتهم أو المفيد نفسه لم يترك هذه الرواية بل ألحق بها ما يفيد أن الأمام فعل ذلك تقية) (4). وهكذا أطلق الزرعي كلامه هنا تقولا بدون أي دليل!


(1) تهذيب الكمال 21: 605 - 606. (2) انظر: تاريخ المذاهب الأسلامية، لأبي زهرة (فقه الأمام زيد). (3) رجال الشيخ الطوسي: 131. (4) رجال الشيعة في الميزان: 35.

[ 466 ]

ونحن نورد هنا الخبر بتمامه ليقف القارئ الكريم على ملابسات التشريع الذي أكدنا عليه سابقا. جاء في (الارشاد) للمفيد بعد النص السابق: (وقد سعي بعلي بن يقطين الى الرشيد، وقيل له: إنه رافضي مخالف لك، فقال الرشيد لبعض خاصته: قد كثر عندي القول في علي بن يقطين، والقرف له بخلافنا، وميله الى الرفض، ولست أرى في خدمته لي تقصيرا، وقد امتحنته مرارا فما ظهرت منه على ما يقرف به، وأحب أن استبري أمره من حيث لا يشعر بذلك، فيتحرز مني. فقيل له: إن الرافضة يا أمير المؤمنين، تخالف الجماعة في الوضوء فتخففه، ولا ترى غسل الرجلين، فامتحنته من حيث لا يعلم بالوقوف على وضوئه. فقال: أجل، ان هذا الوجه يظهر به أمره. ثم تركه مدة وناطه بشئ من الشغل في الدار حتى دخل وقت الصلاة، وكان علي بن يقطين يخلو في حجرة في الدار لوضوئه وصلاته، فلما دخل وقت الصلاة، وقف الرشيد من وراء حائط الحجرة بحيث يرى علي بن يقطين ولا يراه هو. فدعا بالماء للوضوء فتمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه وخلل شعر لحيته وغسل يديه الى المرفقين ثلاثا، ومسح برأسه وأذنيه وغسل رجليه، والرشيد ينظر إليه، فلما رآه قد فعل ذلك لم يملك نفسه حتى أشرف عليه بحيث يراه، ثم ناداه: كذب - يا علي بن يقطين - من زعم أنك من الرافضة. وصلحت حاله عنده. وورد عليه بعد كتاب من أبي الحسن الكاظم: ابتدئ من الان يا علي بن يقطين، فتوضأ كما أمر الله: اغسل وجهك مرة فريضة، وأخرى إسباغا، واغسل يديك من المرفقين كذلك، وامسح بمقدم رأسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما كان يخاف عليك، والسلام) (1). تبين بعد نقلنا هذا الخبر ظروف التقيه التي كانت تواجه الشيعة وعرفنا


(1) الأرشاد 2: 229.

[ 467 ]

بعض ملابسات التشريع، كما وقفنا على طريقة الزرعي في نقله الأخبار، وكيف عمد إليها فبترها أو نقلها محرفه لأغراضه، فكان شأنه شأن بعض المتعصبة الذين أشاعوا عن مخالفيهم أنهم قالوا (لا إله) ولم يكملوا قولهم (إلا الله) للطعن فيهم ونسبة الشرك والكفر إليهم! من هنا أخاطب الزرعي: انك لو كنت تريد حقا الاعتماد على مراجع الشيعة (وكتبهم الموثوقة، حتى يسقط من أيدي هؤلاء الأخباث السلاح) (1)، لوجب أن تلتزم النزاهة والأنصاف، فتنقل أخبارهم كاملة لا ناقصة ولا مبتورة، إذ أنك لو أردت الاعتماد على أوله للزمك قبول آخره، ولا يصح تبعيض الصفقة، والأخذ بالبعض، والادعاء تقولا بأن الباقي من وضع المفيد وأمثاله!! فلو كان الحديث موضوعا فالوضع لابد أن يشمل جميع الخبر، ولو لم يكن موضوعا فعليك قبول ذيله كما قبلت أوله. وقد ذكرني عمل الزرعي هذا بما حكاه لي والدي عن عمل التبشير المسيحي ضد الأسلام في إفريقيا أواخر الخمسينات. إذ قال لي: ومن أفعالهم أنهم طبعوا كتابا ضد القرآن، أثاروا فيه أكثر من ألف ومائتي شبهة منها ما يتعلق بوجوه الأعراب، ومنها ما يتعلق بالمعاني والبلاغة، مدعين وجود التناقض في كلام الله، وأن القرآن ليس بمعجزة خالدة، ليشككوا بسطاء المسلمين في دينهم! وقد جئ بنسخة من هذا الكتاب الى العلامة المرحوم السيد هبة الدين الشهرستاني لينقده، فلما تصفح الكتاب، تنفس الصعداء وقال: قاتل الله الأهواء والعصبية والميل الى الدنيا، كيف سول لهم تحريف الحقائق فتراهم ينقلون وجها تاركين الوجه الاخر منه. إن شبهات هذا الكتاب أسئلة وأجوبة متبادلة بين محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي وأخ له في الدين، وقد تذاكروها وجمعوا النتاج في كتاب أسئلة القرآن وأجوبتها، أو مسائل الرازي من غرائب التنزيل.


(1) رجال الشيعة في الميزان: 11.

[ 468 ]

فالمبشرون أخذوا أسئلة ذلك الكتاب وصاغوها بأسلوب جديد، وطبعوه طباعة أنيقة وبإخراج جميل، دون الأشارة الى أنها شبهات نبعت من واقع المسلمين، ليضلوا به الناس ويبعدوهم عن الوقوف على الحقيقة، لكن الله متم نوره وله كره الكافرون. وما أشبه الليلة بالبارحة! والتاريخ يعيد نفسه، وطرق التمويه والتضليل لا تختلف في أصولها كثيرا، ونسبة الكذب والتضليل تأتي من المحق والمبطل، وقد ضاع الحق بين هذا وذاك. أما رجال العلم وأتباع المنطق، فلا تخفى عليهم الخفايا والمطامع، ويعرفون الأساليب التي يتخذها المغرضون أمثال الزرعي، فتراهم يخضعون المشكوك والمختلف فيه للأصول الثابتة في الشريعة وعند العقلاء، ويضعونها على محك العلم والمنطق، فالخلافيات عندهم تطرح أولا على الكتاب والسنة ثم يدرسون واقع المسلمين وملابسات التشريع ليكشفوا عن الحقيقة الضائعة. بعد هذا بات واضحا أن الزرعي يسعي للتمويه والتضليل لا الأمام شرف الدين. وقديما قيل: (رمتني بدائها وانسلت)! وينكشف مدعانا أكثر لو تصفح المطالع وراجع مصادر الزرعي المشار إليها في هامش كتابه، فمثلا تراه ينقل الأحاديث الذامة لزرارة دون نقل الأحاديث المادحة له! ولو كان باحثا موضوعيا حقا لنقل النصوص كلها بما فيها من المدح والذم، ودخل لمناقشتها، وأن لا يكتفي بالاستناد على نصوص الذم وحدها مما أتى بها الرجاليون لدراسة ظروف الخبر وبيان ملابساته. ولو صدق في مدعاه أن زرارة كذاب لا يؤخذ بكلامه، فليأتنا بكلام رجالي واحد من رجاليي الشيعة يخدش زرارة ويطرحه من الاعتبار. هذا وقد ضعف السيد الخوئي - الذي استند المؤلف على نقل الأقوال من معجمه - جميع الأحاديث الذامة، بعد نقله لها، إما سندا أو دلالة. إن النصوص الذامة لزرارة في كتب الرجال قد صدرت تحت ظروف خاصة، وأن الرجاليين جاءوا ليبينوا ملابساتها لا للتشكيك في زرارة وأمثاله وجرحه.

[ 469 ]

فزرارة أجل من أن يرد فيه شك، وأن الشيعة وبطرقهم الحديثية والرجالية هم أدرى بقيمة زرارة ومكانته عند الصادق من الزرعي وأضرابه الذين يريدون التمويه والتضليل وقلب الحقائق. لنرجع الى حديث وضوء علي بن أبي طالب.. اتضح للمطالع - وفق الصفحات السابقة - أن الأمام عليا كان يتوضأ الوضوء الثنائي المسحي، وقد أكدنا على هذا الأمر مرارا، وقد جاء عن الأمام محمد بن علي الباقر أنه غسل وجهه وظاهر جبينه مرة واحدة، ثم غمس يده اليسرى فغرف بها فملأها ثم وضع الماء على مرفقه الأيمن، فأمر كفه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه، ثم غرف بيمينه فملأها، ووضع على مرفقه الأيسر فأمر كفه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه، ومسح مقدم رأسه وظهر قدميه ببلة يساره وبقية بلة يمناه.. ثم قال: إن رجلا سأل أمير المؤمنين عن وضوء رسول الله، فحكى له مثل ذلك (1)! وقد جاء ما حكاه الأمام الباقر عن أمير المؤمنين في كنز العمال كذلك، وهو مما يؤيد المرويات المنقولة عن أئمة أهل البيت في كتب الأمامية. إن هذا كله ليدلنا على أن الأمام شرف الدين لا يريد المراوغة والتضليل بل إنه كان معنيا بتوضيح الحقائق وكشف المجهولات وعمله هذا لم يرض دعاة الجمود والامرين بكم الأفواه والأسماع! إن الأنسان - كما نعلم - لا يخرج في بحوثه العلمية عن إحدى ثلاث: 1 - أن يصل الى نتيجة مغلوطة، أي أن المقدمات التي بناها في بحثه كانت مقدمات خاطئة، وقد يعذر شخص كهذا. 2 - أن يسعى للتضليل وتمويه الحقائق، أي أنه يقف على أدلة الاخرين ويدركها، لكنه يتجاهلها أو ينقلها مبتورة، أو محرفة، انسياقا وراء العصبية والطائفية واتباعا لما وجد عليه الاباء! 3 - أن يصل الى الحقيقة عن قناعة واستيقان، فتراه لا يتهيب من مواجهة


(1) انظر: الكافي 3: 25 / 4، من لا يحضره الفقيه 1: 24 / 74.

[ 470 ]

الأسئلة والأشكالات حتى على نفسه، فيدرس الشبهات المطروحة بروح علمية وأناة وموضوعية. والواقع أن الزرعي - حسب استنتاجنا - كان من القسم الثاني، إذ تراه يلجأ الى الفحش والسباب اسلوبا في تعامله، وينقل وجها من القضية مغفلا الاخر، كالذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. وهو يعبر - بهذا - عن ضعفه وعن هزيمته الداخلية. وأني أستبعد أن يكون شخص كالزرعي قد ادعى أنه راجع عدة كتب في فقه الشيعة ورجالها وأشار الى صفحاتها أن لا تكون قد مرت به - أثناء مطالعته - الأدلة المادحة لزرارة وهي أكثر من أن تحصى، منها قول الكشي - الذي انحصرت روايات ذم زرارة عنه -: (أجتمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من أصحاب أبي جعفر وأصحاب أبي عبد الله، وانقادوا لهم بالفقه، فقالوا: أفقه الأولين ستة: زرارة...) (1). وقول الصادق لجميل بن دراج: (بشر المخبتين بالجنة: بريد بن معاوية العجلي، وأبا بصير ليث بن البختري المرادي، ومحمد بن مسلم، وزرارة، أربعة نجباء أمناء الله على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست) (2). أو قوله عنهم: (هؤلاء القوامون بالقسط، القوالون بالصدق). أو قوله: (رحم الله زرارة بن أعين، لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي) (3). وفي آخر: (هؤلاء حفاظ الدين وأمناء أبي على حلال الله وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا، والسابقون إلينا في الاخرة).


(1) انظر: معجم رجال الحديث 7: 219. (2) انظر: معجم رجال الحديث 7: 222. (3) انظر: معجم رجال الحديث 7: 224.

[ 471 ]

أو قوله في آخر: (وأنا والله عنك راض، فما تبالي ما قال الناس بعد هذا) (1 وغيرها. ترى ما يعني إغفاله ذكر الوجه الاخر من الموضوع مع أنه قد وقف عليه؟! وهل من المعقول أن لا يقف على الخبر الاتي وأمثاله، وهو يتصفح كتب الرجال ليقتنص ضعاف الرواة!! وإذا وقف عليه، فلماذا لا ينقل الوجه الاخر؟! مع أنه يرى الأمام الصادق يعلل سبب تكذيبه ولعنه له! فعن عبد الله بن زرارة قال: قال لي أبو عبد الله - أي الأمام الصادق -: (إقرأ مني على والدك السلام وقل له: اني إنما أعيبك دفاعا مني عنك، فإن الناس والعدو يسارعون الى كل من قربناه وحمدنا مكانه لأدخال الأذى في من نحبه ونقربه ويرمونه، لمحبتنا وقربه ودنوه منا، ويرون إدخال الأذى عليه وقتله ويحمدون كل من عبناه نحن. فإنما أعيبك لأنك رجل اشتهرت بنا وبميلك إلينا وأنت في ذلك مذموم عند الناس غير محمود الأثر بمودتك لنا، وبميلك إلينا، فأحببت أن أعيبك ليحمدوا أمرك في الدين بعيبك ونقصك. ويكون بذلك منا دافع شرهم عنك.. يقول الله عز وجل أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا هذا التنزيل من عند الله (صالحة)، لا والله ما عابها إلا لكي تسلم من الملك، ولا تعطب على يديه، ولقد كانت صالحة، ليس العيب فيها مساغ والحمد لله، فافهم المثل يرحمك الله. فإنك والله أحب الناس وأحب أصحاب أبي حيا وميتا، فإنك أفضل سفن ذلك البحر...) (2). بعد هذا ماذا يمكننا أن نقول عن أمثال الزرعي ممن يقفون على وجوه التقية في كتب الشيعة ثم ينسبون الى المفيد أنه أضاف الى الرواية وادعى على إمامه من عند الله (صالحة)، لا والله ما عابها إلا لكي تسلم من الملك، ولا تعطب على يديه، ولقد كانت صالحة، ليس العيب فيها مساغ والحمد لله، فافهم المثل يرحمك الله. فإنك والله أحب الناس وأحب أصحاب أبي حيا وميتا، فإنك أفضل سفن ذلك البحر...) (2). بعد هذا ماذا يمكننا أن نقول عن أمثال الزرعي ممن يقفون على وجوه التقية في كتب الشيعة ثم ينسبون الى المفيد أنه أضاف الى الرواية وادعى على إمامه


(1) انظر: معجم رجال الحديث 7: 228. (2) انظر: معجم رجال الحديث 7: 226.

[ 472 ]

أنه عمل بها تقية!! ألم يوضح هذا النص سر ذم الأمام الصادق لزرارة؟! وإذا عقل الزرعي وفهم هذا المعنى، فلماذا يلجأ الى تشويه الحقائق وتلفيق الأباطيل؟! وإن لم يعقل، فعلى الأسلام السلام. نعم، كان الأسلوب التضليلي وكتمان الحقائق من أهم المكائد التى واجهت الرسالة الأسلامية منذ ظهورها، وليست هي وليدة اليوم وكان رسول الله (ص) يستاء من عمل اليهود والنصارى وإيمانهم ببعض وكفرهم بالاخر. بيد أن الحق لابد أن يظهر من وراء السحاب الداكن لا محالة. وفي الختام أود التنويه بأننا سندرس الأحاديث الغسلية المنسوبة الى علي بن أبي طالب، سواء رواها أبي حية أو أبي الأحوص أو ابي إسحاق أو غيرهم في الفصل الأول من كتابنا هذا، بإذن الله تعالى. من عند الله (صالحة)، لا والله ما عابها إلا لكي تسلم من الملك، ولا تعطب على يديه، ولقد كانت صالحة، ليس العيب فيها مساغ والحمد لله، فافهم المثل يرحمك الله. فإنك والله أحب الناس وأحب أصحاب أبي حيا وميتا، فإنك أفضل سفن ذلك البحر...) (2). بعد هذا ماذا يمكننا أن نقول عن أمثال الزرعي ممن يقفون على وجوه التقية في كتب الشيعة ثم ينسبون الى المفيد أنه أضاف الى الرواية وادعى على إمامه


(1) انظر: معجم رجال الحديث 7: 228. (2) انظر: معجم رجال الحديث 7: 226.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية