الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




وضوء النبي (ص) - السيد علي الشهرستاني ج 2

وضوء النبي (ص)

السيد علي الشهرستاني ج 2


[ 1 ]

التشريع وملابسات الاحكام عند المسلمين (2) القسم الاول وضوء النبي (ص) البحث الروائي الوضوء والسنة النبوية تأليف علي الشهرستاني

[ 2 ]

حقوق الطبع مسجلة ومحفوظة للمؤلف تتم المراسلة على العنوان التالي بيروت - بئر العبد - ص. ب 34 / 24 فاكس: 601019 - 603379

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 4 ]

الطبعة الاولى 1420 ه‍ - 1999 م

[ 5 ]

منهجنا في هذه الدراسة (وضوء النبي (صلى الله عليه وآله)) مفردة هامة ضمن المنهج الذي يجب دراسته من خلال التشريع وملابسات الأحكام عند المسلمين، وقد تناولنا بحثه من جوانب أربعة، لكثرة المفارقات فيه، ولكونه النموذج التطبيقي الأول من أطروحتنا، ومن أوائل أبواب الفقه الإسلامي: 1 - الجانب التاريخي: فقد درسنا فيه تأريخ الوضوء من عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى آخر العهد العباسي الأول، محددين زمن الاختلاف، مشيرين إلى خلفيات المسألة وما رافقه من مستجدات من قبل الخلفاء. فكان هذا بمثابة المدخل للدراسة، وقد طبع عدة مرات - كاملا ومختصرا - بعنوان (وضوء النبي (صلى الله عليه وآله) / المدخل، تأريخ اختلاف المسلمين في الوضوء) 2 - الجانب الروائي: وقد تناولنا فيه ما اختلف فيه من نقولات بعض الصحابة من جهة وأهل البيت وبعض آخر من الصحابة في صفة وضوء النبي (صلى الله عليه وآله) من جهة أخرى، وفق المعايير الرجالية والدرائية عند الطرفين، مشيرين إلى بعض أصول الاختلاف والاسباب التي اتبعت في تصحيح هذا الأثر أو ذاك، غير مذعنين للمنقول عن الصحابي وأهل البيت إلا إذا وافق سيرته العامة ومبانيه الفقهية وأقواله الأخرى، وهذا هو الماثل بين يديك واسمه (وضوء النبي (ص) / الوضوء والسنة النبوية). 3 - الجانب القرآني واللغوي: وسنبحث فيه الملابسات التي احيطت بالوضوء، مع الإشارة إلى سبب جمع الخليفة عثمان بن عفان الناس على قراءة مصحفه، مع وجود تأكيد من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الأخذ بقراءة ابن أم عبد أو غيره، ووجود مصاحف لأبي بكر وعمر وعلي، فإن حرق عثمان للمصاحف، وإبعاده لابن أم عبد، لابد من تناوله بالبحث والدراسة، وإنا في هذا الجانب سنشير كذلك إلى الأدلة التعضيدية التي

[ 6 ]

استفيد منها لاحقا لترسيخ وضوء الخليفة عثمان بن عفان، كقوله (صلى الله عليه وآله) (ويل للاعقاب من النار) أو (للعراقيب) أو قوله (صلى الله عليه وآله) (أسبغوا الوضوء) أو (اتموا الوضوء) وغيرها من البحوث المرتبطة بالقرآن ولغة العرب، وسيطبع هذا باسم (وضوء النبي (ص) / الوضوء في الكتاب واللغة) إن شاء الله تعالى. 4 - الجانب التأسيسي - الفقهي والأصولي: وهو دراسة أمهات مسائل الوضوء من وجهة نظر فقهاء المذاهب الإسلامية ومناهجهم الأصولية، وما استدلوا به في أسباب وموجبات ونواقض الوضوء، مشيرين فيه إلى أدلتهم الفقهية والأصولية، متخذين جانب الحياد حين نقل الأقوال، داعمين ما نختاره بالأدلة والشواهد. وفي ختام الكتاب سنقدم خلاصة ما طرحناه في الوضوء من جوانبه الأربعة مع التأكيد على أصول الاتجاهين الفكرية، ومدى حجية الأدلة المختلف فيها، كفعل الصحابي وسنة أهل البيت، وبيان الاصول المسببة لاختلاف فقهاء الإسلام، وسيطبع هذا بإذن الله تعالى باسم (وضوء النبي (ص) / الوضوء في الميزان). والآن وبعد الفراغ من تدوين ونشر الجانب التأريخي (وضوء النبي (ص) / تاريخ اختلاف المسلمين في الوضوء) نلتقي مع القراء من خلال بيان الجانب الروائي في الوضوء وهو (وضوء النبي (ص) / الوضوء والسنة النبوية) وهو يقع في مقدمة وثلاثة أقسام. أما المقدمة: البريد الألكتروني للمؤلف: E - mail: Alish Rafed. net

[ 7 ]

المقدمة

[ 9 ]

قبل الخوض في دراسة الجانب الروائي لمسألة الوضوء، ومناقشة الروايات الحاكية لصفة وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند المسلمين، لابد لنا من إعطاء صورة عن المجتمع الإسلامي أبان ظهوره، والخلفيات التي هيأت الظروف للاختلاف في الأحكام الشرعية، ومنها الوضوء النبوي، فنقول: نحن قد وضحنا سابقا (1) بعض العلل والأسباب والملابسات التي أدت إلى انقسام المسلمين إلى نهجين فكريين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لكل منهما نهجه ومبناه. فالبعض من الصحابة كان يدعو إلى لزوم استقاء الأحكام من القرآن والسنة المطهرة ولا يرتضي الرأي والاجتهاد قباله، والبعض الآخر كان يذهب إلى شرعية قول الرجال، وصحة الاجتهاد قبال النص، لأ نهم قد عرفوا ملاكات الأحكام وروح التشريع!. وقد انتهجت الطائفة الأولى منهاج الطاعة والامتثال لمطلق الأحكام الصادرة عن الله ورسوله، وهؤلاء كانوا لا يسمحون لأنفسهم - ولا لغيرهم - العمل في الأحكام الشرعية بآراء شخصية واجتهادات غير مأخوذة من النص. أما الطائفة الثانية - فهي طائفة المجتهدين - الذين كانوا يفتون بالرأي في محضره (صلى الله عليه وآله)، ويبتغون المصلحة مع وجود النص، وهؤلاء وإن كانوا معتقدين برسالة الرسول لكنهم لم يعطوه تلك القدسية والمكانة التي منحها الله إياه، فكانوا - في كثير من الأحيان - يتعاملون معه كأنه بشر غير كامل يخطئ ويصيب، ويسب ويلعن ثم يطلب المغفرة للملعونين (2).


(1) في كتابنا (منع تدوين الحديث، أسبابه ونتائجه) (2) صحيح مسلم 4: 2008 / 90، مسند أحمد 2: 316 - 317، 449، 3: 400.

[ 10 ]

وهذا الانقسام الفكري بين الصحابة كان من جملة الأسباب التي أدت لاختلاف المسلمين في الاحكام الشرعية بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد كان هذا الانقسام منطويا على علل أخرى سنتعرض لها في مطاوي البحث إن شاء الله تعالى. بلى، إن دعاة الاجتهاد استدلوا على شرعية هذا الاختلاف بقوله (صلى الله عليه وآله): (اختلاف أمتي رحمة)، لكن أحقا أن (اختلاف أمتي رحمة) بالمعنى الذي أريد أن يفسر به؟ أم أن له معنى آخر؟ ولو صح ذلك فكيف نفسر قوله (صلى الله عليه وآله): (لا تختلفوا فتهلكوا)، وقوله: (ستفترق أمتي إلى نيف وسبعين فرقة، فرقة ناجية والباقي في النار)؟ ولماذا يكون الاختلاف بين المسلمين إلى هذا الحد، وكتابهم واحد، ونبيهم واحد؟ فترى هذا يسدل يديه في الصلاة والآخر يقبضهما، والثاني يفرج بين رجليه في الصلاة والآخر يجمع بينهما، وثالث يغسل رجليه في الوضوء والآخر يمسحهما، ورابع يجهر بالبسملة والآخر لا ينطق بها مجهورة، وهذا يقول بالتأمين وذلك لا يقول به، والعجيب أ نهم جميعا ينسبون أقوالهم وأفعالهم - على ما فيها من تضارب ظاهر - إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)! أفيكون رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد قالها جميعا، وفعلها جميعا، وصح عنه النقلان - أو النقول كلها - كما يقولون؟! أم أن فعله كان واحدا في كل هذه الحالات؟! وإذا كان ذلك كذلك، فمن أين جاء الاختلاف الذي يعسر دفعه وإنكاره؟! أترانا مكلفين في شريعة الله أن نقف على الرأي الواحد، أم أنا قد أمرنا بالاختلاف؟ بل بم يمكن تفسير ظاهرة اختلاف النقل عن الصحابي الواحد؟! ولم ظهرت رؤيتان في الشريعة، إحداهما تدعو إلى التعددية، والأخرى تنادي بالوحدوية؟! فلو كانت التعددية هي مطلوب الشارع، فلم حصر النبي (صلى الله عليه وآله) الفرقة الناجية من أمته بواحدة من الثلاث والسبعين وقال في الباقي أ نها في النار؟!! ألم يلزمه (صلى الله عليه وآله) على التفسير السابق القول: الجميع ناجية وواحدة في النار؟!! -

[ 11 ]

بل لا يبقى مجال لافتراض حتى فرقة واحدة في النار -!!! وإذا كانت الوحدوية هي مطلوب الشارع، فلم تصحح التعددية وتلتزم؟! وهل يصح ما قيل في اختلاف الأمة باعتباره رحمة؟ وما معنى تأكيده سبحانه على وحدة الكلمة إذن؟ ولو كانت الفرقة هي مطلوب الشارع، فماذا يعني قوله تعالى: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * (1)، وكذا قوله: * (إن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) * (2). إن القول بالتعددية أو الإيمان بالوحدوية يرجع - في نظرنا - إلى ما عزوناه من أسباب في انقسام المسلمين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأهمها انقسامهم إلى نهجين رئيسيين: 1 - نهج التعبد المحض = الوحدوية. 2 - نهج الاجتهاد والرأي = التعددية. وقد فصلنا الحديث عن هذين النهجين في دراستنا لأسباب منع تدوين الحديث، موضحين فيه جذور الرأي والاجتهاد عند العرب قبل الإسلام، وتصوراتهم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكيفية تعاملهم معه كأ نه شخص عادي يخطئ ويصيب، ويقول في الغضب ما لا يقوله في الرضا، بل وحسب فهم بعضهم، ما هو إلا سلطان جاهد فانتصر، وإن تعاليمه ما هي إلا مقررات أصدرها من عند نفسه ولم ينزل الله سبحانه فيها شيئا. والإسلام - ولكي يوحد الأمة - جاء بشهادة (أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله) إذ أن الشهادة الاولى كانت تعني جمع العرب - ومن ثم العالم - على اعتقاد واحد، بوحدانية المعبود وترك الآلهة والأصنام الموجودة عندهم،


(1) النساء: 82. (2) الأنعام: 153.

[ 12 ]

والشهادة الثانية تعني إنهاء حالة التعددية القيادية والمناحرات القبلية، والاجتماع على قائد واحد، وهو رسول الإنسانية، أي إن الإسلام أراد توحيدهم بالله سبحانه وتعالى اعتقاديا، وبمحمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله)، قائدا روحيا وسياسيا واجتماعيا، لأن وحدة الفكر والقيادة من الأمور التي تقوي الأمة وترفع شأنها، بخلاف التعددية المؤدية إلى الفرقة والاختلاف. وإليك الآن بعض الشئ عن التعبد والمتعبدين والاجتهاد والمجتهدين، ودور كل واحد منهما في الوضوء النبوي على سبيل الإجمال. التعبد والمتعبدون قلنا لك بأن القرآن المجيد والسنة النبوية لم يعتقدا بالتعددية بل جاءا ليحطما الاعتقاد الجاهلي - المبتني على حب الذات والطمع في الرئاسة - إذ أكد سبحانه في القرآن المجيد مرارا وبشتى الألفاظ على وجوب اتباع النبي (صلى الله عليه وآله) الأمي، بمثل قوله: * (من يطع الرسول فقد أطاع الله) * (1)، وقوله: * (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون) * (2)، وقوله: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم...) * (3)، وقوله: * (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون) * (4)، وقوله: * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) * (5)... إلى غيرها من الآيات الكريمة الآمرة باتباع النبي (صلى الله عليه وآله) وطاعته، مقرونة


(1) النساء: 80. (2) النور: 52. (3) محمد: 33. (4) النور: 51. (5) الاحزاب: 36.

[ 13 ]

في أكثرها بطاعة الله سبحانه وتعالى، مما يعني أن أمر النبي (صلى الله عليه وآله) هو أمر الله سبحانه وتعالى. ناهيك عن الآيات المصرحة بعظمة النبي (صلى الله عليه وآله) وأنه لا يتكلم إلا عن الله، كقوله تعالى * (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى) * (1)، والآيات الكثيرة المادحة للمتعبدين بما يقول الرسول تعبدا محضا، كقوله تعالى: * (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، إن الذين يسأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله) * (2). وجاءت السنة النبوية الكريمة بالأوامر المتكررة، بوجوب اتباع أقوال وأفعال النبي (صلى الله عليه وآله) على وجه التعبد والالتزام المطلق أيضا، ففي حديث الأريكة قول رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يوشك الرجل متكئا على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول: " بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه "، ألا وإن ما حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) مثل ما حرم الله (3)، إلى غير ذلك. هذا، مضافا إلى الأحاديث النبوية الشريفة المادحة للمتعبدين بأقوال وأفعال وتقارير الرسول (صلى الله عليه وآله)، كقوله (صلى الله عليه وآله): يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن الله قلبه للإيمان، قالوا: من هو يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ وقال أبو بكر: من هو يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ وقال عمر: من هو يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال (صلى الله عليه وآله): هو خاصف النعل، وكان قد أعطى عليا نعله يخصفها (4).


(1) النجم 3 و 4. (2) النور: 62. (3) مسند أحمد 4: 132: سنن ابن ماجة 1: 6 / 12: سنن أبي داود 4: 200 / 2604، السنن الكبرى للبيهقي 9: 331، الاحكام لابن حزم 2: 161، الكفاية للخطيب: 9، المستدرك 1: 108، الفقيه والمتفقه 1: 88. (4) كنز العمال 13: 173 و 107 و 115.

[ 14 ]

وكقوله (صلى الله عليه وآله) في عمار بن ياسر: إن عمارا ملئ إيمانا إلى مشاشه، وقوله فيه أيضا، من عادى عمارا عاداه الله ومن أبغض عمارا أبغضه الله (1)، وقوله في حنظلة حين خرج في أحد ملبيا نداء رسول الله (صلى الله عليه وآله) للحرب، وكان قد أعرس بزوجته، فخرج جنبا واستشهد في أحد، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): إن صاحبكم تغسله الملائكة، فاسألوا صاحبته، فقالت: خرج وهو جنب لما سمع الهيعة، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): لذلك تغسله الملائكة (2). الاجتهاد والمجتهدون كان مسار التعبد هو المسار الصحيح الذي أراده الله لعباده المؤمنين، أن يؤمنوا بالله ورسوله، ويتبعوا خطوات الرسول وأوامره، وينتهوا عن زواجره ونواهيه، وأن ينقادوا له انقياد طاعة وامتثال دون إعمال للآراء الشخصية أو تأثر بالآراء الموروثة، لكن الواقع المحسوس آنذاك ظل ينبئ عن وجود صحابة كانوا يسمحون لأنفسهم بتخطئة الرسول والوقوف أمام أقواله وأفعاله، ولم يكن ذلك بدعا في الديانات، لأن القرآن الكريم والسنة المباركة أخبرانا أن ذلك سنة التاريخ في الديانات السالفة، فقد آمن الناس بأنبيائهم، وكان منهم الخصيصون والمقربون والحواريون، كما كان هناك المكذبون بهم، وكانت هناك طائفة أخرى من الذين آمنوا بالأنبياء لكنهم اختلفوا ولم يفهموا ما يأتيهم به أنبياؤهم على وجهه الصحيح أو فهموه لكن... وكيفما كان، فإن القرآن المجيد كشف لنا بلا ريب عن وجود صحابة أسلموا وآمنوا بالله والرسول، لكنهم ظلوا على قسط وافر من عدم التعبد، وعدم إدراكهم لقداسة الرسول (صلى الله عليه وآله) ومدى دائرة وجوب إطاعته، إذ كانوا يعاملونه في بعض الأحيان كأدون الناس شأنا، وكانوا يعارضونه ويعترضون عليه، ويرفعون أصواتهم فوق


(1) الاصابة 2: 512. (2) الاصابة 1: 361.

[ 15 ]

صوته، ووو... وقد وضح القرآن وعالج الكثير من تلك الحالات غير المسؤولة، فقال سبحانه: * (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي (صلى الله عليه وآله) ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) * (1)، وفي هذه الآية تصريح بأن المخاطبين مؤمنون ينطقون الشهادتين، وأنهم لم يأتوا بالزنا أو القتل أو غيرهما، بل رفعوا أصواتهم على صوت النبي (صلى الله عليه وآله) وكانوا ينادونه بما يكشف عن أنهم كانوا لا يلتزمون بما يقتضيه شأن النبوة، ولا يعتبرون النبي (صلى الله عليه وآله) إلا شخصا عاديا مثلهم، فلا حاجة إذن ولا ضرورة للتعبد بما يقوله النبي (صلى الله عليه وآله) كنبي، وهذا هو الذي أوجب التهديد لهم بالإحباط لأعمالهم. ومثل ذلك قوله سبحانه وتعالى: * (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض) * (2) وقوله: * (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله) * (3)، وقوله: * (ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه، ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول) * (4). بل نقل الطبرسي في قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) * أن ابن جني صرح بأن معناه، لا تفعلوا ما تؤثرونه وتتركوا ما أمركم الله ورسوله به، وهذا معنى القراءة المشهورة، أي لا تقدموا أمرا على ما أمركم الله به (5). هذا، إلى غيرها من الآيات الكريمة التي لوحت أو صرحت بما لا يقبل الشك بوجود هذه الفئة في المجتمع الإسلامي في صدر الرسالة الإسلامية، وإذا لوحظت تلك الآيات وأسباب النزول علم أن تلك الفئة غير قليلة وذلك الاتجاه كان كبيرا كما


(1) الحجرات: 2. (2) التوبة: 38. (3) الاحزاب: 57. (4) المجادلة: 8. (5) مجمع البيان 5: 129.

[ 16 ]

وكيفا، بحيث شغل حيزا كبيرا من تفكير المسلمين. ولم تقتصر الدلالات على القرآن الكريم فقط، بل صرحت السنة النبوية المباركة قولا وعملا بوجود هذا الاتجاه وانتقدته وفندته - أيما انتقاد وتفنيد - لأن تلك الفئة لم تحدد عملها واجتهادها في كلام النبي وإنما راحت تتعداه إلى القرآن الكريم. فلذلك قال النبي (صلى الله عليه وآله) لبعض أصحابه، ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟! بهذا هلك من كان قبلكم (1). وفي نص آخر أنه (صلى الله عليه وآله) قال: أيتلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم (2)؟! وفي نص ثالث قوله (صلى الله عليه وآله): أبهذا أمرتم أو لهذا خلقتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضا ببعض، انظروا ما أمرتم به فاتبعوه، وما نهيتم عنه فانتهوا (3). وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد حذر أصحابه من هذا التهافت المقيت في تعاملهم مع النصوص القرآنية والنبوية، إذ الإيمان بالله ورسوله يقتضي التسليم والانقياد لما يقوله الله ويأمر به الرسول (صلى الله عليه وآله)، فعدم التسليم بقدسية النبي (صلى الله عليه وآله) وأقواله وأفعاله يتقاطع مع الإيمان المطلق بالله والرسول. لقد حذر الله من عواقب هذا النوع من التفكير، وأنبأ أنه سينجر إلى (الفتنة)، فعن الزبير بن العوام - في تفسير قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول... - إلى قوله - واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) * (4) - قال: لقد قرأنا هذه الآية زمانا وما أرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيون بها (5). وقال السدي: نزلت في أهل بدر خاصة، فأصابتهم يوم الجمل (6). وبما أن ولادة مثل هذا الفكر في مجتمع حديث عهد بالإسلام أمر يوافق سيرة


(1) كنز العمال 1: 193. (2) صحيح مسلم / كتاب الايمان. (3) كنز العمال 1: 383، 1661، وسنن ابن ماجة. (4) الانفال: 24 - 25. (5) تفسير ابن كثير 2: 488 - 489. (6) تفسير ابن كثير 2: 488 - 489.

[ 17 ]

التاريخ وإخبارات القرآن عن سنن الأمم الماضية، راح الشارع المقدس يوازن بين الفئتين، ويبين الفرقة الحقة، والمسار الصحيح، وأن التعبد المحض هو سبيل النجاة، وهو مراد الله سبحانه وتعالى لا الاجتهاد وتفسير الأمور وفق الأذواق والعقائد الموروثة، فقال تعالى: * (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله) * (1)، فقد قرر القرآن في هذه الآية الكريمة أن استئذان النبي (صلى الله عليه وآله) يساوق الإيمان بالله، وذلك لما لهؤلاء المستأذنين من عقيدة راسخة وفهم صحيح لوجوب إطاعة النبي (صلى الله عليه وآله) والالتزام بما يقوله ويفعله، بخلاف الآخرين الذين لا يرون هذه الرؤية ويذهبون إلى خلافها، أو أنهم يفسرونها طبق آرائهم واجتهاداتهم. ومثل ذلك قوله تعالى: * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) * (2)، وغيرها من الآيات المباركة التي تتحدث بهذا الصدد. المجتهدون في زمان النبي (صلى الله عليه وآله) وقد كان للمجتهدين في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) أثر كبير، بحيث سوغوا لأنفسهم العمل بأعمال نهى عنها النبي (صلى الله عليه وآله) أو لم يأمر بها، وتعدوا حدودهم فراحوا يعترضون على النبي (صلى الله عليه وآله) اعتراض ند قرين، ويجتهدون أمام النص الصريح. فمن ذلك ما فعله خالد بن الوليد من الوقيعة ببني جذيمة في السنة الثامنة للهجرة، حيث بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله) داعيا للإسلام ولم يبعثه مقاتلا، فأمر خالد بني جذيمة بوضع السلاح، فلما وضعوه غدر بهم وعرضهم على السيف لثأر كان بينه وبينهم في الجاهلية، فلما انتهى الخبر إلى النبي (صلى الله عليه وآله) رفع يديه إلى السماء ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، ثم أرسل عليا ومعه مال فودى لهم الدماء


(1) النور: 62. (2) الاحزاب: 36.

[ 18 ]

والأموال (1)... ومن ذلك قتل أسامة بن زيد لمرداس بن نهيك - مع بداهة حرمة دم المسلم - بعد أن كبر ونطق بالشهادتين، فقتله أسامة وساق غنمه بدعوى أنه أسلم خوفا من السيف، فلما علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بفعله قال: قتلتموه إرادة ما معه؟! ثم قرأ قوله تعالى: * (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا، تبتغون عرض الحياة الدنيا) * (2). ومن ذلك قول رجل من الأنصار في قسمة كان قسمها النبي (صلى الله عليه وآله)، والله إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله... فشق ذلك على النبي (صلى الله عليه وآله) وتغير وجهه وغضب... ثم قال: قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر (3). ومن العجيب أن هذا الاتجاه كان يمارس فكرته المغلوطة حتى فيما رخص به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله) رخص في أمر فتنزه عنه ناس، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله) فغضب، ثم قال: ما بال أقوام يتنزهون عن الشئ أصنعه، فوالله إني لأعلمهم وأشدهم خشية (4). والأنكى من ذلك أن بعض رواد هذا الاتجاه راحوا يؤذون النبي (صلى الله عليه وآله) في عرضه وأزواجه، حتى قال طلحة وعثمان: أينكح محمد نساءنا إذا متنا ولا ننكح نساءه إذا مات؟! لو مات لقد أجلنا على نسائه بالسهام، وكان طلحة يريد عائشة، وعثمان يريد أم سلمة، فأنزل سبحانه قوله: * (ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا) * (5).


(1) الكامل في التاريخ المجلد: 255 - 256، سيرة ابن هشام 4: 70 - 78. (2) انظر تفسير الفخر الرازي 11: 3، والكشاف 1: 552، وتفسير ابن كثير 1: 851 - 852. والآية: 94 من سورة النساء. (3) صحيح البخاري / كتاب الاداب - باب الصبر على الاذى 8: 31. (4) صحيح البخاري / كتاب الاداب - باب من لم يواجه الناس بالعتاب 8: 31. (5) الاحزاب: 53، عن السدي في تفسير الاية الدر المنثور 5: 214، الطرائف 2: 493.

[ 19 ]

واللافت للنظر أن الخليفتين أبا بكر وعمر لم يكونا بمنأى عن هذه الظاهرة، بل نرى لهما نصيبا من الاعتراض على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعدم امتثال أوامره (صلى الله عليه وآله) (1)، وخصوصا الخليفة عمر بن الخطاب الذين خالفه في مفردات كثيرة. كإنكاره أخذ الفداء من أسارى بدر (2)، واعتراضه على النبي (صلى الله عليه وآله) في صلاته على المنافق (3)، واستيائه من قسمة قسمها النبي (صلى الله عليه وآله) (4)، ومواجهته للنبي بلسان حاد في صلح الحديبية (5)، ومطالبته النبي (صلى الله عليه وآله) أن يستفيد من مكتوبات اليهود في الشريعة (6) وقوله في أخريات ساعات حياة النبي (صلى الله عليه وآله)، إنه ليهجر (7) أو غلبه الوجع، وهكذا وهلم جرا في الاجتهادات التي خولف بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حياته، غير ناسين أن المسلمين انقسموا بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين دعا بالقلم والدواة ليكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده أبدا، فمن قائل: أنفذوا ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقائل: القول ما قال عمر، وهذا إن كشف عن شئ فإنما يكشف النقاب عن وجود الاتجاهين حتى آخر لحظة من حياة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وأن اتجاه الاجتهاد بالرأي كان قويا ومؤثرا في مسير تاريخ المسلمين وفقههم وحياتهم، وذلك هو الذي شرع التعددية وحجية الرأي بعد رسول الله. ولا يخفى عليك أن ما يهمنا بحثه هنا هو معرفة (وضوء النبي (صلى الله عليه وآله)) من خلال بيان ملابسات التشريع الإسلامي على وجه العموم، وما يتعلق بوضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) بوجه خاص.


(1) الاصابة 1: 484، حلية الأولياء 3: 227، البداية والنهاية 7: 298، مسند أحمد 3: 15. (2) الفصول المهمة: 113 عن مصادر متعددة. (3) اجتهاد الرسول: 209 - 211. (4) مسند أحمد 1: 20 عن الاعمش عن شقيق عن سلمان بن ربيعة، ومسلم في الزكاة. (5) تاريخ عمر لابن الجوزي: 58. (6) المصنف لعبد الرزاق 10: 313، مجمع الزوائد 1: 174. (7) صحيح البخاري 1: 39 كتاب العلم، وكتاب المرضى 4، صحيح مسلم 3: 1257، 1259.

[ 20 ]

المجتهدون بعد النبي (صلى الله عليه وآله) لقد علمنا بوجود تيارين في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، متعبد ومجتهد، وبقاءهما إلى آخر لحظة من حياة النبي (صلى الله عليه وآله)، ولظروف شتى صار زمام الخلافة بيد رؤساء الاجتهاد والرأي بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، فكان من جملة ما اتخذوه من قرارات هو معارضتهم للتحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأمور رأوها. فجاء في تذكرة الحفاظ: أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم، فقال: إنكم تحدثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه (1). وعن عروة بن الزبير: إن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما، وقد عزم الله له فقال: إني كنت أردت أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا، فأكبوا عليها فتركوا كتاب الله تعالى، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشئ أبدا (2). وروي عن يحيى بن جعدة: أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار: من كان عنده منها شئ فليمحه (3). وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر: أن عمر بن الخطاب بلغه أنه قد ظهرت في أيدي الناس كتب، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيها الناس! إنه قد بلغني أنه قد ظهرت في أيديكم كتب، فأحبها إلى الله أعدلها وأقومها، فلا يبقين أحد عنده كتابا إلا أتاني به، فأرى فيه رأيي.


(1) تذكرة الحفاظ 1: 2 - 3، حجية السنة: 394. (2) تقييد العلم: 49، حجية السنة: 395 عن البيهقي في المدخل، وابن عبد البر. (3) تقييد العلم: 53، حجية السنة: 395.

[ 21 ]

قال: فظنوا أنه يريد أن ينظر فيها ويقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم، فأحرقها بالنار، ثم قال: أمنية كأمنية أهل الكتاب (1). وفي الطبقات الكبرى ومسند أحمد، قال محمود بن لبيد: سمعت عثمان على المنبر يقول: لا يحل لأحد أن يروي حديثا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر (2). وعن معاوية أنه قال: أيها الناس! أقلوا الرواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإن كنتم تحدثون، فحدثوا بما كان يتحدث به في عهد عمر (3). وهذه النصوص توضح لنا انقسام المسلمين إلى اتجاهين. 1 - اتجاه الشيخين ومن تبعهما من الخلفاء، فإنهم كانوا يكرهون التدوين ويحضرون على الصحابة التحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله). 2 - اتجاه جمع آخر من الصحابة قد اتخذوا التدوين مسلكا ومنهجا حتى على عهد عمر بن الخطاب، منهم علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وأنس بن مالك وأبو سعيد الخدري وأبو ذر وغيرهم. فترى هؤلاء يدونون ويحدثون وإن وضعت الصمصامة على أعناقهم، لقول الراوي: أتيت أبا ذر - وهو جالس عند الجمرة الوسطى - وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه، فأتاه رجل فوقف عليه ثم قال: ألم تنه عن الفتيا؟ فرفع رأسه إليه فقال: أرقيب أنت علي؟ لو وضعتم الصمصامة على هذه - وأشار إلى قفاه - ثم ظننت أني انفذ كلمة سمعتها من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها؟! (4) وترى الخلفاء وأتباعهم يمنعون التحديث والتدوين ويضربون ويهددون


(1) حجية السنة: 395، وفي الطبقات الكبرى لابن سعد 1: 140 " مثناة كمثناة أهل الكتاب ". (2) الطبقات الكبرى 2: 336 وعنه في السنة قبل التدوين: 97. (3) كنز العمال 1: 291. (4) البخاري 1: 27 وفتح الباري 18: 170، سنن الدارمي 1: 112.

[ 22 ]

المحدثين. ومن هنا حدث التخالف في الموقف بين النهجين، هذا يحدث ويدون، وذاك يقول بالإقلال ومنع التحديث والتدوين، وهذا يقول بلزوم عرض المنقول عن رسول الله على القرآن فإن وافقه يؤخذ به وإن خالفه يطرح عرض الجدار، والآخر يقول بعدم ضرورة ذلك، وبذلك ارتسمت تدريجيا أصول الطرفين الفكرية. هذا، وإنا كنا قد وعدنا القراء في (المدخل) بتقديم بحث هنا لأسباب منع التدوين وكيفية حدوث اتجاهين في الشريعة، ولكنا لما رأينا سعة البحث وفينا بما اشترطنا على أنفسنا في كتابنا (منع تدوين الحديث، أسبابه ونتائجه) ومن أراد المزيد فليراجعه. عثمان والاجتهاد وفي خضم هذه الأحداث وإمساك نهج الاجتهاد والرأي بزمام الأمور تسنى لهم أن يجعلوا سيرة الشيخين قسيما ثالثا لكتاب الله وسنة النبي (صلى الله عليه وآله)، فاشترطوا على من يلي الخلافة بعد عمر أن يذعن لهذه القاعدة النابعة من الاجتهاد، فقبل عثمان بن عفان ذلك، وأبى علي أشد الإباء، لأن قبول ذلك الشرط يعني التخلي عن مدرسة التعبد المحض، والانخراط في سلك الاجتهاد بالرأي، وذلك ما لا يقره علي بن أبي طالب - تبعا لرسول الله والقرآن المجيد كما بينا ذلك - لأنه يضفي الشرعية على تلك الفكرة المستحدثة. ولا يخفى أن عبد الرحمن بن عوف كان يبغي من هذا الشرط إلزام عثمان بن عفان بالعمل طبق اجتهادات الشيخين، وحصر دائرة الشرعية بهما دون سواهما، إلا أن الواقع الذي حصل من بعد كان خلاف ما أراد الشيخان وابن عوف، لأن فكرة الاجتهاد بنفسها تأبى هذا التأطير الذي لا يمتلك القوة الإقناعية لهذا الحصر المراد. فإن تشريع سنة الشيخين - طبق الاجتهاد - والارتقاء بها إلى صف السنة النبوية، جاء لتطبيق ما سن على عهدهما من آراء، والذهاب إلى شرعيتها، وعدم السماح

[ 23 ]

للآخرين بمخالفتها، وعثمان كان يعتقد بأنه لا يقل عن الشيخين بشئ، فما هو المبرر لتمسكه بسيرتهما دون أن يجعل لنفسه سيرة واجتهادات خاصة؟! لقد سار عثمان على سيرة الشيخين مدة من الزمن، حتى إذا أراد الاستقلال بالرؤية وجعل نفسه ثالثة الأثافي في أعلام مدرسة الاجتهاد، انتقضت عليه الأطراف وتعالت صرخات الاحتجاج، لأن اجتهاداته وسعت الدائرة الأولى فأخرجت عثمان عن العهد الذي التزم به وقطعه على نفسه، كما أخرجت الاجتهاد عما أريد له من تأطير وحصر، وبذلك اكتملت حلقات الاجتهاد والرأي عند الشيخين حتى بلغت أوجها عند عثمان مما حدا بالصحابة أن يتهموه بتحريف الدين وتقويضه، ثم تشبيههم إياه بنعثل اليهودي، ووو... ولذلك وجدنا كثرة الناقضين على عثمان آراءه، ومعارضتهم لفقهه الجديد الذي أراد تطبيقه في كثير من المفردات الفقهية، ومنها الوضوء كما رأيت وستري. عثمان والوضوء لقد اتضحت عواقب الاجتهاد بجلاء في زمن عثمان، حتى أصبح المسلمون لا يطيقون تحملها، فثارت ثائرتهم عليه، وكان هذا التحول في مسار المشرعات وحياة المسلمين هو الذي حدا بابن عباس أن يوقف الخليفة الثاني عمر بن الخطاب عليه، حيث خلا عمر ذات يوم فجعل يحدث نفسه، فأرسل إلى ابن عباس فقال: كيف تختلف هذه الأمة وكتابها واحد ونبيها واحد وقبلتها واحدة؟ قال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيما نزل، وإنه يكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن لا يعرفون فيم نزل، فيكون لكل قوم رأي، فإذا كان لكل قوم رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا، فزبره عمر وانتهره، وانصرف ابن عباس، ثم دعاه بعد، فعرف الذي قال، ثم قال: إيها أعد (1). وهكذا حدث بالفعل، فقد اختلف الصحابة فيما يعرفون وفيما لم يعرفوا،


(1) كنز العمال 2: 333 / الحديث 4167.

[ 24 ]

وصارت الأغلبية الساحقة ضد عثمان، والنزر القليل معه، وبقي الاجتهاد والرأي هو الحاكم لذهنية عثمان حتى مقتله، ذلك الاجتهاد الذي أثر على جل - إن لم نقل كل - الفروع الفقهية، حتى انعكس على أمهات المسائل وواضحاتها، بل على أوضحها، ألا وهو الوضوء. وقد أخذنا في المجلد الأول (1) مفردة " وضوء النبي (صلى الله عليه وآله) " لنرى البعد الاجتهادي ومدى تأثيره على هذا الفرع الذي لا تقبل الصلاة إلا به، إذ كيف اختلف المسلمون فيه مع أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يؤديه بمرأى ومسمع منهم على مدى ثلاث وعشرين سنة؟ ومتى وقع الاختلاف فيه؟ ومن أوقعه؟ وما هي دواعي الاختلاف فيه؟ فمما لا شك فيه أن المسلمين في العهد النبوي كانوا تبعا للنبي في كيفية الوضوء، وهو وضوء واحد لا غير، فكيف صار المسلمون بين ماسح مثن وبين غاسل مثلث؟! - إذ لا يخرق إجماعهم المركب قول قائل بالجمع احتياطا، أو بالتخيير لتكافؤ الأدلة عنده لأنها أقوال شاذة - وكل منهم يدعي أن ذلك فعل النبي (صلى الله عليه وآله) وأنه الصواب وغيره الخطأ. وعلى كل حال، فإن الوضوء في زمان النبي (صلى الله عليه وآله) مما لم يكن ولم يصلنا فيه خلاف، إذ النبي (صلى الله عليه وآله) الأكرم ما زال بين أظهرهم. وأما في زمن أبي بكر - على قصره - فلم نعهد فيه خلافا وضوئيا، ولو كان لبان، وذلك يدل على استقرار أمر الوضوء بين المسلمين في عهده، وأنهم لم يزالوا متعبدين بوضوء النبي (صلى الله عليه وآله)، خصوصا وأن نصا في الوضوء البياني لم يصلنا عن أبي بكر، وهذا مما يؤكد عدم وجود خلاف فيه آنذاك. وكذلك لم نعهد خلافا مطروحا في زمن خلافة عمر بن الخطاب إلا في مسألة يسيرة، هي مسألة جواز المسح على الخفين وعدمه، إذ تخالف علي وعمر فيها (2)،


(1) والذي اعتبرناه مدخلا للدراسة وسميناه ب‍ (تاريخ اختلاف المسلمين في الوضوء أسبابه ودواعيه). (2) انظر تفسير العياشي 1: 297.

[ 25 ]

وحدث بين سعد وعبد الله بن عمر أيضا خلاف فيها بمحضر من عمر (1)، ولم نجد أكثر من ذلك، وهذا لا يشكل خلافا في أصل الوضوء وماهيته كما لا يخفى. ثم إن عدم وجود وضوء بياني عن الخليفة الثاني، يكشف عن عدم وجود اختلاف ظاهر في الوضوء في عهده، خصوصا إذا علمنا أن الفتوح توسعت آنذاك وكان الداخلون الجدد في الإسلام بحاجة إلى تعلم الوضوء. فالحالة الطبيعية كانت تقتضي صدور نصوص عن عمر - أو في زمانه - لو كان ثمة اختلاف، في ماهية الوضوء وحيث لم نجد أي شئ من ذلك، عرفنا استقرار أمر الوضوء وعدم الخلاف فيه، بل الذي وجدنا فيه هو نسبة المسح على القدمين إلى الخليفة عمر بن الخطاب (2). نعم، إن الخلاف في الوضوء قد ظهر في زمن عثمان بن عفان، وذلك طبق الأدلة والمؤشرات التاريخية. فقد روى المتقي الهندي، عن أبي مالك الدمشقي، قوله: حدثت أن عثمان بن عفان اختلف في خلافته في الوضوء (3). وأخرج مسلم في صحيحه، عن قتيبة بن سعيد، وأحمد بن عبدة الضبي، قالا: حدثنا عبد العزيز - وهو الدراوردي - عن زيد بن أسلم، عن حمران مولى عثمان، قال: أتيت عثمان بن عفان بوضوء، فتوضأ ثم قال: إن ناسا يتحدثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأحاديث لا أدري ما هي، إلا أني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) توضأ مثل وضوئي هذا، ثم قال: " من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه " (4). وهذان النصان يقرران حدوث اختلاف في الوضوء بين عثمان، وبين ناس متحدثين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذا يؤكد تواصل النهجين في هذا العهد، نهج


(1) انظر الدر المنثور 2: 263. (2) انظر عمدة القارى 2: 240 وفيه: أخرجه ابن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ. (3) كنز العمال 9: 443 / الحديث 26890. (4) صحيح مسلم 1: 207 / الحديث 8، وعنه في كنز العمال 9: 423 الحديث 26797.

[ 26 ]

الاجتهاد والرأي والذي يتزعمه الخليفة، ونهج التعبد المحض والذي يتزعمه ناس متحدثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبمعنى آخر إن هناك وضوءين: 1 - وضوء الخليفة عثمان بن عفان. 2 - وضوء ناس متحدثين عن النبي (صلى الله عليه وآله). هذا، وإن الخليفة حاول تجاهلهم بقوله " بأحاديث لا أدري ما هي "؟ مع اعترافه بأنهم يتحدثون عن النبي (صلى الله عليه وآله) دون اجتراء منه على تكذيبهم أو اتهامهم بالوضع. وإذا أضفنا الملاحظات التالية إلى هذين النصين تبين لنا أن الخلاف وقع في زمان عثمان لا محالة، وهي: أ - عدم وجود وضوء بياني للشيخين كما قدمنا، بل وجود نص عن الخليفة الثاني يدل على كونه من الماسحين على القدمين، إذ أتى العيني باسمه في عمدة القاري ضمن الماسحين (1). وهكذا جاء عن ابنه عبد الله خبر المسح، لما أخرجه الطحاوي بسنده عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا توضأ ونعلاه في قدميه مسح ظهور قدميه بيديه ويقول: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصنع هكذا (2). وقد جاء عن عائشة أنها خالفت أخاها عبد الرحمن في وضوئه وقالت له: يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ويل للأعقاب من النار (3). فإنها أرادت الاستفادة من كلمة (الإسباغ) (وويل للأعقاب) للتدليل على لزوم غسل القدمين، وأنت تعلم بأن لا دلالة لهاتين الكلمتين على مطلوبها، بل ترى في


(1) عمدة القاري للعيني 2: 240 وكذا الطبري في تفسيره. (2) شرح معاني الآثار 1: 35 / 160. (3) صحيح مسلم 1: 213 / 25، سنن ابن ماجة 1: 154 / 452، المصنف لعبد الرزاق 1: 23 / 69، الموطأ 1: 19 / 5، مسند أحمد 6: 112، شرح معاني الآثار 1: 38 / 188.

[ 27 ]

كلامها إشارة إلى ثبوت المسح عندها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لكنها في الوقت نفسه اعتقدت بشمول ودلالة جملة (ويل للأعقاب) للغسل اجتهادا من عندها!! فلو كانت حقا قد رأت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يغسل رجليه للزمها القول: يا عبد الرحمن اغسل رجليك فإني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يغسل رجليه، لا أن تستدل بقوله (ويل للاعقاب من النار)، وحيث إنها لم تر رسول الله (صلى الله عليه وآله) يغسل رجليه فقد استدلت على وجوب الغسل - حسب اعتقادها - بقوله (صلى الله عليه وآله) لا بفعله، على أنه - وعلى حد الاحتمال - قد يكون هذا الخبر وأمثاله هو مما نسبه الأمويون إليها. وبهذا فقد عرفت أن سيرة المسلمين كانت المسح - ومنذ عهد النبي (صلى الله عليه وآله)، إلى آخر عهد الشيخين - لعدم مجئ وضوء بياني عنهما، ولعدم وجود الخلاف في عهدهما، ولما رأيته من فعل أبنائهما (1) في الوضوء. ب - عدم صدور الوضوءات البيانية عن الصحابة المكثرين - كأبي هريرة وعائشة وابن عمر - ولا عن عيونهم وكبارهم - كابن مسعود وعمار وأبي ذر وسلمان - ولا عن زوجات النبي (صلى الله عليه وآله)، ولا عن مواليه - سوى أنس، صاحب الوضوء المسحي المخالف لوضوء الحجاج بن يوسف الثقفي!! - مع أن الحالة الطبيعية كانت تقتضي أن تصدر النصوص عنهم؟! ج‍ - إن عدد المرويات الوضوئية لعثمان هائل بالنسبة لباقي أحاديثه، إذ أنها تقارب عشرين حديثا أو أكثر، من مجموع مائة واثنين وأربعين رواية عنه في شتى الأبواب. د - وجود ظواهر ومشتركات غريبة في روايات عثمان الوضوئية تفرد بها عن روايات الآخرين، وفيها إشارة إلى كونه في موقف المتهم، وإلى وقوع الخلاف معه في الوضوء. ه‍ - وضع بعض الأحاديث أريد من خلالها تحشيد رؤوس من المعارضين


(1) ك‍ (عبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، ومحمد بن أبي بكر، وحتى عائشة بنت أبي بكر قبل وفاة سعد بن أبي وقاص).

[ 28 ]

لعثمان فقها وسياسة، وعدهم في صف مؤيديه في وضوئه (1). المخالفون لعثمان بعد أن اهتدينا إلى معرفة تاريخ اختلاف المسلمين في الوضوء، كان لابد لنا من الوقوف على " الناس المتحدثين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) " لعدم تصريح عثمان بأسمائهم. وكان السبيل للاقتراب من ذلك هو معرفة المخالفين المطردين أو شبه المطردين لعثمان بن عفان في إحداثاته الأخرى، كإتمام الصلاة بمنى، وعفوه عن عبيد الله بن عمر، وتعطيله للحدود ورده للشهود - كما في قضية شرب الوليد بن عقبة الخمر - وتقديمه الخطبة على الصلاة في العيدين، وغيرها. وحيث وقفنا في مدخل الدراسة على أسماء أولئك، سعينا لانتقاء جملة من المخالفين المطردين أو شبه المطردين لعثمان في تلك الإحداثات، فكانوا كالتالي: 1 - علي بن أبي طالب 2 - عبد الله بن عباس 3 - طلحة بن عبيدالله 4 - الزبير بن العوام 5 - سعد بن أبي الوقاص 6 - عبد الله بن عمر 7 - عائشة بنت أبي بكر 8 - أنس بن مالك وإذا عرفنا أن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، من


(1) انظر كنز العمال 9: 447 / الحديث 26907، و 9: 439 / الحديث 26876 ففيهما ادعاء شهادة طلحة والزبير وعلي وسعد لعثمان على صحة وضوئه الغسلي. مع أنهم من معارضيه فقها وفكرا وتطبيقا.

[ 29 ]

أصحاب الوضوء المسحي قطعا وكونهم من المكثرين في الحديث، تجلى لنا أمر الناس المعنيين في كلام عثمان، وتبين لنا أنهم من علية الصحابة وعيونهم، لا كما أراد عثمان أن يصورهم من خلال تجاهله لهم. أضف إلى ذلك أسماء الصحابة الذاهبين إلى المسح أو المنسوب إليهم ذلك مثل: 1 - عباد بن تميم بن عاصم المازني 2 - أوس بن أبي أوس الثقفي 3 - رفاعة بن رافع 4 - أبي مالك الأشعري 5 - عبد الله بن مسعود (1) 6 - جابر بن عبد الله الانصاري (2) 7 - عمر بن الخطاب (3) وغيرهم وهنا نستطيع معرفة من كان يعنيهم عثمان من معارضيه الوضوئيين، ونعلم زيف الرواية التي تدعي موافقة طلحة والزبير وعلي وسعد لعثمان في وضوئه، إذ علمت أنهم من مخالفيه، وأن طلحة والزبير كانا من أشد الناس تأليبا عليه ومن أوائل الداعين لقتله. فمن مخالفة بعض الصحابة لعثمان في أغلب اجتهاداته، وورود أسمائهم في قائمة الوضوء الثنائي المسحي، وعدم ورودهم في قائمة الوضوء الغسلي، اهتدينا إلى الناس المقصودين في عبارة عثمان، والعبائر الأخرى الواردة في مثل هذا المقام المراد منها أمثال أولئك الرجال.


(1) وذلك من خلال ادعائهم الرجوع إلى الغسل، وهذا مما يعني أنه كان ذاهبا إلى المسح. (2) عده العيني ضمن الماسحين، انظر عمدة القاري 2: 240. (3) المصدر السابق.

[ 30 ]

من هو البادئ بالخلاف لم يكن هدفنا بهذا التقديم إعادة أو تلخيص ما مر في البحث التاريخي للدراسة (المدخل)، لكن لطول الفترة بين خروج البحث التاريخي للدراسة والبحث الروائي واحتمال نسيان القراء ما قدمناه في الزاوية الأولى، حبذنا إعطاء صورة إجمالية عن البحث التاريخي هنا، كي يقف المطالع للزاوية الثانية من الدراسة على ما قدمناه في الأولى، وهذا ما يفيد قراء الزاوية الأولى (المدخل) كذلك، لأنه بمثابة الإعادة للكليات التي قرؤوها فيه، وبذلك يمكنهم ربط البحثين معا. فقد عرفنا سابقا البادئ بالخلاف، إذ وضحنا وجود مؤشرات كثيرة دالة على كون الخليفة عثمان بن عفان هو الذي بدأ الخلاف في الوضوء، وأن المسلمين لم يأخذوا بقوله وفعله أيام حياته، لما عرفت من اختلاف الناس معه، لكن الخلفاء - أمويين كانوا أم عباسيين - أكدوا على وضوء عثمان لمصالح ارتضوها في العصور اللاحقة. وقد رأينا كيف أن عثمان بن عفان - ونظرا لكثرة الناس الماسحين، وتحديثهم عن رسول الله، وقوة استدلالهم - انحسر وراح يتخذ مواقف دالة على ضعفه أمامهم، مشيرا إلى قوة الاتجاه المعارض له، حيث: 1 - إن عثمان لم يرم " الناس " بالكذب أو البدعة أو الإحداث، بل وصفهم بالتحديث، ولم يشكك فيهم، وهذا اعتراف منه بأنهم متحدثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) غير كذابين ولا مبتدعين ولا محدثين، ولو كانوا كذلك لقال عنهم ما يجب القول فيهم من الكذب والبدعة و...، كما نسبوا هم إلى الخليفة ذلك، لا أن يتجاهل مروياتهم بقوله (لا أدري ما هي)، والخليفة بقوله ذلك كشف لنا ماهية ومنزلة أولئك (الناس) إجمالا. 2 - لو كان (الناس) هم البادئين بالخلاف لاستعمل عثمان معهم أحد أساليب ثلاثة:

[ 31 ]

أ - أسلوب الردع الحاسم، وهو ما فعله الخليفة عمر بن الخطاب مع ضبيع بن عسل الحنظلي، وهو الأسلوب الذي استعمله عثمان على نطاق واسع مع الصحابة وفي أبسط جزئيات الأمور. ب - طلب النصرة، بأن يستنصر المسلمين استنصارا عاما ليقضي على ما أدخله أولئك في الدين، كما جاء في تعليل أبي بكر في قتاله لقبيلة مالك بن نويرة وغيرها بأنهم منعوا الزكاة!!. ج‍ - المحاججة، بأن يدعو عثمان " الناس المتحدثين " ويحاججهم بالدليل، ليقف المسلمون على عوزهم العلمي، ولعل منهم من يرجع عن موقفة، وذلك هو ما فعله الإمام علي حين أرسل ابن عباس لمحاججة الخوارج، فرجع منهم من رجع. لكننا لم نر عثمان اتخذ أيا من هذه الأساليب معهم، بل ظهر في موقع المدافع المتهم المشار إليه، مع أنه استعمل العنف في حياته، فسير المعترضين على سعيد بن العاص في الكوفة، كما سير أبا ذر، ومنع ابن مسعود من قراءته، وضرب عمارا وداسه حتى أصابه الفتق، وهدد عليا لمشايعته لأبي ذر واعتراضه على محاولة تسيير عمار. فالملاحظ هو أن عثمان بن عفان رغم شدته كان يبدو وديعا عند طرحه لاجتهاداته، وعند اعتراض بعض المسلمين عليه فيها، فلما اعترض عليه في إتمام الصلاة بمنى ما زاد على قوله " رأي رأيته "، وحين خالفه علي في أكل صيد الحرم ما زاد على أن نفض يديه وقام وقال: " مالك لا تدعنا "؟! مع أن الظروف الموضوعية والأهمية الشرعية تقتضي استعمال القوة فيما لو كان هو صاحب الفكرة الحقة. وهذه الوداعة نفسها أبداها عثمان في جميع وضوءاته وطروحاته فيه، فراح يركز الفكرة بالهدوء والاستفادة من " أحسن الوضوء " ودعوته مواليه ووو... كما علمت وستعلم. كما أن عثمان لم يطلب النصرة من المسلمين ولا استصرخهم، بل هم الذين استصرخ بعضهم بعضا للقضاء على إحداثات عثمان حتى قتلوه، فلو أن " الناس المتحدثين " كانوا هم البادئين لا ندفع المسلمون - والرواة منهم بدافع الحرص على

[ 32 ]

الدين - ووضحوا للناس الأمر، وأسقطوا التكليف عن الخليفة وكفوه المواجهة، كما رأينا ذلك في منع الزكاة وتصدي الصحابة لنشر ما سمعوه من النبي (صلى الله عليه وآله) في مانعي الزكاة وعقوبتهم ووجوب أدائها. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نرى مؤشرات معاكسة لهذا المفروض، تدلنا على أن الخليفة هو البادئ بالخلاف، وتلك المؤشرات هي: أ - إن الخليفة عثمان لم يصرح ولا باسم واحد من معارضيه، مما يدل على تخوفه من أمر ما. ب - مر أنه لم يرمهم بالكذب والابتداع، بل اقتصر على وصفهم بأنهم يتحدثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم تجاهلهم وتجاهل مروياتهم!! ج‍ - إننا لم نجد حتى لأصحاب عثمان المقربين منه - كمروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة وزيد بن ثابت - دفاعات عن وضوئه، فإنهم لم يقدموا على ذلك، مع أن منهم من دافع عنه يوم الدار. 3 - إن عثمان بن عفان اتخذ أساليب غير مألوفة في إعلانه عن وضوئه الجديد، مما يؤكد وقوفه في موقف المتهم الذي يريد طرح شئ جديد، وذلك عبر النقاط التالية: أ - إن عثمان راح يجند مواليه لنقل فكرته الوضوئية عنه، كحمران وابن دارة، مع أن حمران كان من سبي عين التمر وقد أسلم في السنة الثالثة من خلافة عثمان، وهذا يدل على أن صدور نقله للوضوء عن عثمان جاء متأخرا عن هذا التاريخ، وهو مما يؤكد صدور ابتداع الوضوء من عثمان في الست الأواخر من حكمه، شأنه شأن باقي آرائه واجتهاداته التي نقمها عليه المسلمون. وهو الذي جعل الإمام عليا يقول عنه (حتى أجهز عليه عمله). ب - ابتداء عثمان - ولأدنى الأسباب - بتعليم الوضوء تبرعا وبدون سؤال سائل، كمسارعته لتعليم ابن دارة وضوءه الغسلي بمجرد سماع مضمضتة (1)،


(1) سنن البيهقي 1: 62 - 63.

[ 33 ]

وكجلوسه على المقاعد وطرحه لوضوئه الغسلي (1). كما أن هناك عبارة " أحببت أن أريكموه " (2)، وهي صريحة في التبرع، وقد استعملها معاوية أيضا في الوضوء الغسلي بزيادته مسح الرأس بغرفة من ماء حتى يقطر الماء من رأسه أو كاد يقطر، وأنه أراهم وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) (3)، ونفس العبارة جاءت في وضوء للبراء بن عازب (4)، هذا مع خلو أغلب روايات الوضوء المسحي عن هذا التبرع الذي يكمن وراءه شئ. ج‍ - محاولة استشهاد جماعة على صحة وضوئه لاكتساب الشرعية واقتطاب أكبر عدد ممكن لتأييد الوضوء الجديد، فالرواية تقول أنه كان يقول: أكذلك يا فلان؟ قال: نعم، ثم قال: أكذلك يا فلان؟ قال: نعم، حتى استشهد ناسا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم قال: الحمد لله الذي وافقتموني على هذا (5)، حتى ادعي في بعضها - كما قلنا - أنه استشهد طلحة والزبير وعليا وسعدا فشهدوا له (6). هذا مع أن الصحابة لم يكونوا بحاجة لتعلم الوضوء، لوضوحه عندهم، ولأن المذكورين هم من المعارضين لعثمان في فقهه - وبعضهم في وضوئه وفقهه - فكيف شهدوا له؟! فهذه الأحاديث تدل على قوة المعارضة المحدثة، وضعف موقف الخليفة في وضوئه الجديد. د - إن عثمان كان يذيل وضوءاته الثلاثية الغسلية بجمل ثابتة عن النبي (صلى الله عليه وآله) لينتقل منها - طبق الرأي والاستحسان - إلى تقرير وضوئه الجديد، أي أنه كان ينتقل


(1) سنن الدار قطني 1: 91 / الحديث 4. (2) سنن الدار قطني 1: 91 / 4، و 13 / 8. (3) انظر مسند أحمد 4: 94. (4) مسند أحمد 4: 288. (5) كنز العمال 9: 41 / 26883 عن الدار قطني 1: 85 / 9، وانظر مسند أحمد 1: 57 و 1: 67 - 68، وكنز العمال 9: 441 / 26883. (6) انظر كنز العمال 9: 447 / 26907.

[ 34 ]

من معلوم إلى مجهول يراد إثباته، فهو يذيل وضوءه تارة بقوله: " من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين كان من ذنوبه كيوم ولدته أمه " (1)، وأخرى بقوله: " من توضأ فأحسن الطهور كفر عنه ما تقدم من ذنبه " (2). ويذهلنا ثالثة حين يقول: والله لأحدثنكم حديثا، والله لو لا آية في كتاب الله ما حدثتكموه... إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " لا يتوضأ الرجل فيحسن وضوءه ثم يصلي إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة التي تليها "، قال عروة: الآية * (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى) *... إلى قوله * (اللاعنون) * (3). فهل إن الوضوء وإحسانه يستدعي كل هذا الخوف والإحجام لولا آية في كتاب الله؟ مع أن عشرات الصحابة رووا هذا المضمون عن النبي (صلى الله عليه وآله)؟! وسيتبين لك كيف أن الأمويين عبر أم المؤمنين عائشة وأبي هريرة استغلوا مفهوم وربطوه بإسباغه وبقوله (صلى الله عليه وآله): ويل للأعقاب من النار، ثم أرادوا له أن يفيد الغسل لا غير، حيث إنهم كانوا قد فسروا الإسباغ بتثليث غسل الأعضاء، كما فسروا جملة (ويل للأعقاب من النار) بغسل الأرجل. ه‍ - ضحكات وتبسمات الخليفة عند الوضوء، فإنه كان يضحك عندما يأتونه بماء للوضوء ويقول: ألا تسألوني مم أضحك؟ ثم يجيب معللا تارة بأنه رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ وضوءه (4)، وأخرى بأنه لغفران ذنوب وحط خطايا المتوضي (5)، وثالثة بأنه لغفران ذنوب من توضأ وضوءه ثم دخل في صلاته (6)، ورابعة بأنه ضحك وسأل أصحابه عن سر ضحكه لأنه رأى النبي (صلى الله عليه وآله) - قريبا من مكانه


(1) المصدر السابق. (2) كنز العمال 9: 424 / 26800. (3) صحيح مسلم 1: 206 / الحديث 6. والآية: 159 من سورة البقرة. (4) انظر كنز العمال 9: 436 / 26863. (5) انظر كنز العمال 9: 442 / 26886 (حم والبزار حل 4 وصحح). ومسند أحمد 1: 58 و 61. (6) انظر كنز العمال 9: 439 / 26872 (كر).

[ 35 ]

- قد ضحك وسأل أصحابه عن سر ضحكه، ثم علل سبب الضحك تارة بأن الوضوء الغسلي وحده، وتارة بأنه مع الصلاة، سبب لحط الذنوب. وهذه العنايات كلها تدل على أنه كان يريد أن يضيف شيئا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) بشتى الحجج، وإلا فلماذا لم تنقل تلك التبسمات والضحكات بهذه الكثرة عن غيره عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في نقلهم لوضوئه المسحي؟! ولماذا لم يضحك لغير ذلك التعليم؟! و - إن جميع وضوءات عثمان البيانية هي ثلاثية الغسلات، ولم يأت عنه خبر في باب الوضوء مرة ومرتين، مع ورود أخبار عن عمر وعلي وابن عباس وجابر وغيرهم فيه. فهل كان عثمان يرى عدم إجزاء المرة والمرتين؟! أم أن تثليثه كان يستبطن أمرا جديدا؟! وهو التأكيد على الوضوء الثلاثي الجديد واعتباره هو الإسباغ فقط - والذي طوره عثمان من بعد حتى صار يغسل رجليه، وطوره معاوية فغسل رأسه - وبذلك فلم يكن للمسح حكم في المذاهب الأربعة لا في الرأس ولا في القدمين لتجويزهم الغسل بدله فيها.!! ويؤيد ما قلناه ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال - بعد أن توضأ الوضوء الثلاثي الغسلي -: فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم (1)، فهل يعقل أن يكون من توضأ مرة أو مرتين قد أساء وظلم، مع ثبوت ذلك الوضوء عن النبي (صلى الله عليه وآله) وكبار الصحابة؟! يبدو أن عثمان ومتابعيه أرادوا التأكيد على الثلاثي فقط وفقط واعتباره هو الإسباغ المقصود دون غيره. ز - إن وضوءات عثمان تحمل في طياتها إشارات تشير إلى إحداثه، وتعديه في الوضوء.


(1) سنن أبي داود 1: 33 / الحديث 135. وانظر سنن البيهقي 1: 79 وسنن ابن ماجة 1: 146 / الحديث 422. وانظر تعليق السيوطي على هذا الحديث في هامش النسائي 1: 88.

[ 36 ]

منها: قوله: رأيت النبي (صلى الله عليه وآله) يتوضأ نحو أو مثل وضوئي هذا (1)، وقوله: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) توضأ وضوئي هذا (2)، ولا تراه يقول مثلا: توضأت كما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ، أو نحو أو مثل وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذه الجمل لها دلالة نفسية على جعل وضوئه هو الميزان والقول الفصل. ومنها: انحصار القبول وغفران الذنوب بالوضوء الثلاثي - خصوصا مع عدم نقله للوضوء الثنائي والأحادي الغسلات، وورود ذلك عن جم غفير من الصحابة والتابعين - فهو يشير إلى تبني عثمان للوضوء الثلاثي الغسلي لا غير. ومنها: وجود جملة " لا يحدث نفسه بشئ " (3) في وضوءاته، والتي احتملنا كونها جاءت لتزكية نفسه وإبعاد الشبهة عنه، إمعانا في إضفاء المشروعية على وضوئه. ومنها: عدم تكلم عثمان في أثناء وضوئه، ليطبع عليه طابع الهالة والقدسية، حتى أنه لم يكن يرد سلام المسلم في أثناء وضوئه، معللا ذلك بما رواه عن النبي (صلى الله عليه وآله) من أن من توضأ وتشهد ولم يتكلم بينهما غفر له ما بين الوضوئين، مع أن رد السلام واجب وليس هو كسائر الكلام - على فرض صحة رواية عثمان (4) -. كل تلك الأدلة والقرائن والشواهد جعلتنا نطمئن إلى أن عثمان كان هو البادئ بالخلاف، والطارح للوضوء الثلاثي الغسلي الجديد. عثمان والإحداث بقي علينا أن نوضح السبب - أو الاسباب - التي دعت عثمان إلى إحداث هذا


(1) صحيح البخاري 1: 51، سنن أبي داود 1: 106، سنن البيهقي 1: 48، سنن النسائي 1: 64 و 65، سنن الدار قطني 1: 83 / 14. صحيح مسلم 1: 205. (2) سنن النسائي 1: 65، سنن البيهقي 1: 48. (3) سنن النسائي (المجتبى) 1: 65، سنن البيهقي 1: 48. (4) انظر كنز العمال 9: 442 / 26887 و 26885 و 26888، وسنن الدار قطني 1: 92 / الحديث 5.

[ 37 ]

الوضوء الثلاثي الجديد، وللإجابة عن ذلك رأينا أولا أن ننظر في سبب مقتله، لأننا توصلنا إلى أن السبب الأكبر الذي دعا قاتليه إلى قتله هو إحداثاته في الدين، لا مجرد تصرفاته وسوء سياسته المالية والإدارية، وذلك من خلال ملاحظة القضايا الرئيسية التالية: 1 - إن طلحة والزبير كانا من أوائل المؤلبين عليه والمفتين بقتله، مع أن عثمان أغدق عليهما الأموال بشكل عجيب (1)، وكذلك الأمر بالنسبة لعبد الرحمن بن عوف (2)، مضافا إلى وعد عثمان إياه بالخلافة (3)، وهكذا كان عثمان يغدق الأموال على باقي الصحابة - إلا نفرا يسيرا - فمن غير المنطقي أن يقتلوه لإيثاره أقرباءه فقط مع حصولهم على نصيب وافر من المال، بل هناك أسباب دينية وابتداعات جعلتهم يقتلونه - ربما يكون بعضها في المكاتبات التي كره الطبري ذكرها (4)، وربما كانت من الأسباب التي جعلها الناس ذريعة إلى قتله، والتي ترك ابن الأثير ذكر كثير منها (5). 2 - إن سياسة عثمان المالية الطبقية كانت تستوجب عزله لا قتله (6)، وبما أن الصحابة بين قاتل وخاذل له - حسب تعبير ابن عمر - كان لابد من وجود سبب مبيح لدمه، ولعله الإحداث في الدين لا في التصرفات الخارجية حسب.


(1) فقد وهب لطلحة خمسين الفا كما في الطبري 4: 405، ووصله بمائتي الف وكثرت مواشية وعبيده، وقد بلغت غلته من العراق وحدها الف دينار يوميا، ولما مات كانت تركته ثلاثين مليونا من الدراهم، وكان النقد منها مليونين ومائتي الف درهم ومائتي الف دينار. وانظر في أموال الزبير وضخامتها كتاب الفتنة الكبرى 1: 147. (2) كانت أموال ابن عوف الف بعير ومائه فرس وعشرة آلاف شاة وأرضا كانت تزرع على عشرين ناضحا. انظر مروج الذهب 2: 333. (3) حيث قال له علي يوم السقيفة: والله ما رجوت منه إلا ما رجا هو من صاحبه دق الله بينكما عطر منشم. (4) انظر تاريخ الطبري 4: 557. (5) انظر الكامل في التاريخ 3: 167. (6) الكامل في التاريخ 3: 167.

[ 38 ]

3 - وجود مبتدعات دينية فقهية يقينية صدرت من الخليفة عثمان، احتج عليها الصحابة كل بطريقته، لكن عثمان لم يرتدع عنها، كإتمام الصلاة بمنى (1)، وكزيادته النداء الثالث في يوم الجمعة في السنة السابعة من خلافته وقد كان " الناس " عابوا عليه ذلك وقالوا: بدعة (2)، وكتقديمه الخطبة على الصلاة في العيدين (3)، وغيرها، مما يؤكد صدور الابتداع عن عثمان في بعض المسائل الفقهية، فلا غرابة في أن يسري ذلك إلى مفردات ومسائل أخرى كالوضوء. 4 - إن تصرفات عثمان وإحداثاته العملية كانت تستتبع إحداثات علمية ودينية، يكمن وراءها الخطر على الإسلام وأحكامه، فعدم إقامته الحد على الوليد بن عقبة يعني إبطال الحدود وتوعد الشهود (4). ومثله تأييده لنظرة سعيد بن العاص في أن السواد بستان لقريش وبني أمية، فإنها تعني إبطال قانون توزيع الفئ الذي يفيئه الله على المسلمين بأسيافهم (5). وإعطاء فدك وخمس أفريقية لمروان (6)، يعني سحق قانون الميراث إن كانت فدك للنبي (صلى الله عليه وآله) ومن بعده لورثته، أو تدمير قانون الفئ إن كانت فيئا للمسلمين، وهكذا باقي إحداثاته. 5 - والذي يؤكد ذلك، هو النصوص التي صدرت عن الصحابة المعاصرين لتلك الإحداثات والإبداعات، والتي تدل على إحداثاته في الدين. كقول طلحة لعثمان: إنك أحدثت أحداثا لم يكن الناس يعهدونها (7)، وقوله له


(1) انظر كلام ابن أبي الحديد في شرح النهج 1: 199 - 200. (2) أنساب الاشراف 5: 39، المنتظم 5: 7 - 8. (3) فتح الباري 2: 361، نيل الأوطار 3: 362، تاريخ الخلفاء: 164 - 165. (4) انظر أنساب الأشراف 5: 34، الإمامة والسياسة 1: 37، صحيح مسلم 3: 1331 / الحديث 38. (5) شرح النهج 3: 21 و 35، الكامل في التاريخ 3: 137 - 141، تاريخ الطبري 4: 322 - 323. (6) انظر المعارف: 112، وأنساب الاشراف 5: 25، والإمامة والسياسة 1: 35. (7) أنساب الأشراف 5: 29.

[ 39 ]

أيضا: إن الناس قد جمعوا لك، وكرهوا البدع التي أحدثت (1). وكقول الزبير في حقه: اقتلوه فقد بدل دينكم (2). وكقول عبد الله بن مسعود: ما أرى صاحبكم إلا وقد غير وبدل، وفي آخر عنه: إن أصدق القول كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار (3)، وفي ثالث: إن دم عثمان حلال (4). وقول عمار في خطبة له بصفين: فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت دنياهم ولو درس هذا الدين: لم قتلتموه؟ فقلنا: لإحداثه (5)... وقوله لعمرو بن العاص: أراد أن يغير ديننا فقتلناه (6). وقول سعد بن أبي وقاص في قتل عثمان: وأمسكنا نحن، ولو شئنا دفعناه عنه، ولكن عثمان غير وتغير (7). وقول هاشم المرقال: أحدث الأحداث وخالف حكم الكتاب (8). وقول الأشتر: إن عثمان قد غير وبدل (9). وقول عائشة، وقد أخرجت قميص رسول الله (صلى الله عليه وآله): هذا قميصه وشعره لم يبل وقد بلي دينه (10)، وقولها: هذا ثوب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يبل وعثمان قد أبلى


(1) الفتوح 1: 35. (2) شرح النهج 9: 36. (3) حلية الأولياء 1: 138، أنساب الاشراف 5: 36، شرح النهج 3: 42. (4) أنساب الاشراف 5: 36. (5) صفين: 319. (6) صفين: 338، شرح النهج 8: 22. (7) الامامة والسياسة 1: 48 (8) تاريخ الطبري 5: 43. (9) انساب الاشراف 5: 45، الامامة والسياسة 1: 38. (10) المختصر في أخبار البشر 1: 172.

[ 40 ]

سنته (1)، وقولها مشبهة له برجل من اليهود: اقتلوا نعثلا فقد كفر (2). وقول علي: في يوم الشورى: أما إني أعلم أنهم سيولون عثمان، وليحدثن البدع والأحداث (3) بل كتب أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعضهم إلى بعض أن أقدموا، فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد (4) فعدوا قتال عثمان جهادا، ولا يستقيم ذلك إلا لحفظ الدين من التحريف والتلاعب. وعرف المسلمون جميعا ابتداعات عثمان، التي أراد أن يتلافاها بمثل توسعته للمسجد الحرام، فقالوا: يوسع مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويغير سنته (5). بل منعوا من دفنه في مقابر المسلمين، حتى دفن ليلا في حش كوكب - وهي من مقابر اليهود - وتحت الخوف، وإن رأسه ليقول " طق طق ". وهذا لا يكون من الصحابة والناس والمسلمين إلا بعد فراغهم عن انحرافات عثمان وابتداعاته الدينية لا مجرد سوء تصرفاته، وتدهور الاقتصاد واختلال النظام الإداري. فمن كل هذا نعلم أن عثمان كان ذا جنوح إلى الابتداع والإحداث والتغيير، فلا غرابة في أن يطرح رأيا وضوئيا جديدا كما طرح آراء من قبل في منى وصلاة الجمعة وصلاة العيدين وغيرها، مضافا إلى أن هناك عوامل تربوية ونفسية وسياسية واجتماعية أخرى حدت به إلى الإبداع الوضوئي، والنزوع إلى تثليث الغسلات، وغسل الممسوحات من بعد، وهي:


(1) شرح النهج 3: 9. (2) الفتوح 1: 64. (3) تاريخ الطبري 4: 230. (4) تاريخ الطبري / حوادث سنة 34 ه‍. (5) أنساب الاشراف 5: وتاريخ الطبري 4: 267.

[ 41 ]

لم الإحداث في الوضوء - إن عثمان كان يرى لنفسه أهلية التشريع، كما كانت من قبل للشيخين، فإنه ليس بأقل منهما شأنا، حتى يجوز لهما الإفتاء بالرأي ولا يجوز له؟! مع أنهم جميعا من مدرسة واحدة هي مدرسة الاجتهاد، وكل منهم خليفة!! - إنه كان من المتشددين بظواهر الدين تشددا منهيا عنه، حتى أنه عند بناء مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) كان يحمل اللبنة ويجافي بها عن ثوبه، فإذا وضعها نفض كفيه ونظر إلى ثوبه، فإذا أصابه شئ من التراب نفضه، وذلك كله لأنه كان رجلا نظيفا متنظفا (1)، مع أن عمارا كان على ضعفه يحمل لبنتين. وكان عثمان يغتسل كل يوم خمس مرات، ولا يرد سلام المؤمن إذا كان في حالة الوضوء، وقال هو عن نفسه بأنه لم يمد يده إلى ذكره منذ بايع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وغيرها من حالاته التي تنم عن نفسيه مهيأة للتزيد والمبالغة في التنظف. - استفادة عثمان من كون الوضوء نظافة وطهارة، وهذه الفكرة تلائم فكر عثمان، فلذلك يكون عنده تثليث الغسلات وغسل الممسوحات أكثر نظافة وطهارة، ولا غضاضة في ذلك من وجهة نظره. - وجود أحاديث نبوية أمكنه الاستفادة منها في طرح وضوئه الغسلي، كاستفادته من إحسان الوضوء، لأنه كان قد قال بعد وضوئه الغسلي: والله لأحدثنكم حديثا، والله لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه... إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لا يتوضأ رجل فيحسن وضوءه، ثم يصلي إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة التي تليها " (2). واستفيد من بعده من " أسبغوا الوضوء " ومن " ويل للأعقاب من النار " للتدليل على الغسل.


(1) انظر العقد الفريد 5: 90 عن ام سلمة. (2) صحيح مسلم 1: 206 / الحديث 6.

[ 42 ]

- إنه حين الثورة عليه كان يحاول تكثيف هالة القدسية حول نفسه ليدفع الثوار عن قتله، فكان يذكرهم مواقفه وشراءه بئر رومة ووو (1) ليثبت بقاءه على الإيمان، فكان الوضوء الجديد خطوة في هذا الدرب، إرادة منه معالجة الموقف، لكنه عالج الداء بالداء لا بالدواء. - كان يحاول إشغال الناس بالخلافات الفقهية، والمناقشات فيها، لدفعهم عن قتله وعن الخوض في مساوئ سياسته المالية والإدارية، وذلك ما حصل بالفعل في كثير من آرائه، إلا أن النتيجة لم تكن محمودة العاقبة بالنسبة له، ولذا قال الإمام علي بأن عمله هو الذي أجهز عليه. - ومن أهم دوافع إبداعاته هو التفاف الأمويين حوله، محاولين بناء مجد فقهي سياسي جديد، وهذا هو الذي أبعد بعض كبار الصحابة من التعاون معه، مما خلق عنده فراغا فقهيا ملأته العقلية الأموية المحيطة به. - وجود حالة الاستسلام عند كثير من الصحابة، والتي جعلت الخليفة لا يتورع عن طرح ما يرتأيه، لأن غاية معارضتهم أن تنتهي بمجرد قوله: " رأي رأيته "، أو بقولهم: " الخلاف شر "، و " إن عثمان إمام فما أخالفه " (2)، مما يعني رسوخ ما يطرحه الخليفة في نهاية المطاف. - تفشي حالة الاجتهاد، وتلقيها بالقبول من قبل كثير من الصحابة، مما أهلهم لاستقبال ما يطرحه عثمان كرأي مقبول، وقد تفشت هذه الحالة نتيجة اجتهادات وآراء عمر بن الخطاب بشكل كبير جدا، ومن قبله آراء الخليفة أبي بكر. فمن كل هذه الأمور - وأمور جزئية أخرى طرحناها من قبل في مدخل الدراسة - وجدنا هذه المبررات هي التي دفعت عثمان لابتداع الوضوء الثلاثي الغسلي الجديد، الذي لم يرتضه الصحابة المتعبدون!!


(1) انظر تاريخ الطبري وغيره. (2) انظر الكامل في التاريخ 4: 104، البداية والنهاية 7: 228، سنن البيهقي 3: 144.

[ 43 ]

علي والوضوء ولما تولى الإمام علي الخلافة - وهو المتبني الوحيد من بين الخلفاء الأربعة لمدرسة التعبد المحض - راح يبين الوضوء النبوي للمسلمين، ويعرض ويشير إلى إحداث عثمان في الوضوء النبوي، ونستطيع أن ندرج خطواته في بيان الوضوء النبوي في المندرجات الآتية: 1 - إن الثابت المحفوظ عن علي في كتب الفقه والتفسير والحديث هو الوضوء الثنائي المسحي، يتبعه في ذلك صحابة كثر على رأسهم ابن عباس والطالبيون وأنس بن مالك. - كان الإمام علي يشير إلى الإحداث الذي طال الوضوء بمثل قوله بعد الوضوء المسحي وشربه من فضلته: " إن أناسا يكرهون هذا، وقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يفعله، وهذا وضوء من لم يحدث (1) "، وقوله: " وهذا وضوء من لم يحدث، ورأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعل هكذا " (2)، فهو يؤكد وجود المحدثين في الوضوء، ولم يكن قبله محدث في الوضوء إلا عثمان كما علمت. - قوله (عليه السلام): قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) متعمدين لخلافه... مغيرين لسنته... أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إلى أن يقول: ورددت الوضوء والغسل والصلاة إلى مواقيتها وشرائعها ومواضعها (3). وهذا النص - بعد الفراغ عن عدم إبداع الشيخين في الوضوء - يكاد يكون


(1) مسند أحمد 1: 153، وانظر مسند أحمد 1: 144، سنن البيهقي 1: 75. (2) مسند أحمد 1: 12. وقد بينا في هذا المجلد الاول (المدخل) فساد رأي من ذهب إلى أن المقصود بالحدث هو الحدث الناقض للوضوء فراجع. (3) الكافي 8: 59 - 62.

[ 44 ]

صريحا في إبداع عثمان للوضوء، لأنه (عليه السلام) صرح بابتداع الولاة من قبله، ولما كان الشيخان براء من بدعة الوضوء بقي عثمان هو المقصود في كلام الإمام لا محالة. - كتابة الإمام علي كيفية الوضوء لواليه محمد بن أبي بكر في جملة ما كتبه إليه، وكان في كتابه (عليه السلام) " تمضمض ثلاث مرات، واستنشق ثلاثا، واغسل وجهك، ثم يدك اليمنى، ثم اليسرى، ثم امسح رأسك ورجليك... فإني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصنع ذلك " (1). - تنبيه وإشارة الإمام علي - في جملة أحاديثه الوضوئية - إلى أن مبعث الإحداث في الوضوء هو الاجتهاد والرأي، وأن الوضوء - بل الدين - لا يدرك بالرأي، فكان يقول: " لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدم أحق بالمسح من ظاهرها، لكن رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسح ظاهرها " (2)، ويقول: " كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمسح ظاهرهما " (3). فهو يقرر أن الدين - ومنه الوضوء - لا يدرك بالرأي كما يتصوره البعض، وإلا لكان باطن القدم أحق بالمسح، فكيف يعدل عنه إلى غسل الظاهر والباطن بمحض الرأي والاجتهاد؟! - كانت وضوءات الإمام علي البيانية - وكذلك ابن عباس وأنس بن مالك - تحمل في ثناياها أدلة من الكتاب والسنة، وليست ادعاءات محضة لرؤية الوضوء النبوي، لأن قول علي: " لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدم أحق بالمسح من ظاهرها لكن رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمسح على أعلى قدميه " (4)، وما شاكله يتضمن


(1) انظر أمالي المفيد المطبوع في جملة مصنفاته 13: 267، أمالي الطوسي: 29 بإسناد في ضمنه الثقفي صاحب الغارات، وقد حرف النص المتقدم في كتاب الغارات المطبوع وقد بينا التحريف الواقع في نسخ الغارات المطبوع، ومن أراد المزيد فليراجع مدخل الدراسة. (2) المصنف 1: 30 / الحديث 6. (3) سنن أبي داود 42: الحديث 164. (4) تأويل مختلف الحديث 1: 56.

[ 45 ]

دلالة الكتاب على المسح لأنه أرسله إرسال المسلمات طبق أصل تشريعه وهو آية الوضوء الظاهرة في مسح القدمين، ثم دحض الرأي الذي لو سلم لكان الباطن أحق بالمسح، وعلى التقديرين فالمسح هو المشروع سواء كان الظاهر أو الباطن، وبعد كل ذلك أكد علي بن ابى طالب رؤيته النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يمسح أعلى قدميه. وكذلك ابن عباس كان يقول " لا أجد في كتاب الله إلا غسلتين ومسحتين ". وكان أنس يعارض رأي الحجاج الذاهب إلى غسل القدمين - بحجة أنه أقرب شئ للخبث - بقوله: صدق الله وكذب الحجاج، قال تعالى: * (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) *. والمقصود الأول هنا هو تدليلات الإمام علي بالكتاب والسنة ودحض الرأي، وهذا بخلاف وضوءات عثمان المدعية لمحض الرؤية والمتشبثة بما لا يمت إلى أصل أفعال الوضوء بصلة، فكأن الإمام عليا أراد أن يشير إلى اجتهاد عثمان في الوضوء ودحضه. - وبعد هذا كله فإننا لا نرى في وضوءات علي ولا ابن عباس ولا أنس ولا غيرهم من الماسحين تلك الضحكات والتبسمات، ولا إشهادات الخائف الطارح لفكر جديد، ولا تبرعات بالتعليم لمجرد سماع مضمضة، ولا غيرها مما ذكرناه في الوضوءات العثمانية، بل نرى الحالة حالة طبيعية منسجمة مع سير الأمور في تعليم الوضوء النبوي (صلى الله عليه وآله) الصحيح، ودحض الوضوء الجديد النابع من الرأي، إذ كانت نصوصهم تحوي النفي والاثبات معا. الأمويون والوضوء: ولما استشهد الإمام علي وصالح الإمام الحسن معاوية، تولى الأخير السلطة، فراح يترسم خطى عثمان فقهيا ويدعمه عقائديا، ويتبنى آراء ابن عمه، كما حدث ذلك عندما صلى الظهر في مكة ركعتين، فنهض إليه مروان بن الحكم

[ 46 ]

وعمرو بن عثمان وقالا له: ما عاب أحد ابن عمك بأقبح مما عبته به. فقال لهما: أنه صلاهما مع النبي (صلى الله عليه وآله) وأبي بكر وعمر قصرا. فقالا له: إن ابن عمك قد كان أتمهما، وإن خلافك إياه عيب، فخرج معاوية إلى منى فصلاها بنا أربعا (1). وكذلك تابع عثمان في الجمع بين الأختين بملك اليمين (2)، وكذلك ترك معاوية التكبير المسنون في الصلاة لترك عثمان، وتركه زياد بن أبيه لترك معاوية (3). ومثله فعل في تركه التلبية في الحج (4)، حيث نصوا على أن النبي (صلى الله عليه وآله) وأبا بكر وعمر أهلوا ولم يذكروا عثمان (5)، هذا إلى غيرها من المفردات الفقهية. وكذلك كانت خطوات معاوية في تقرير قاعدة " من غلب " بعد أن كان يعتقدها عثمان، مضافا إلى مفاهيم عقائدية ركزها معاوية يعود نفعها لتثبيت أركان الحكم الأموي وعلى رأسه أفكار عثمان، والذي يهمنا هو تبنيه لفقه عثمان، وتأثير ذلك على الوضوء. لقد سار الفقه الأموي على خطى عثمان، فراح يستفيد من " أسبغ الوضوء " و " ويل للأعقاب من النار " لترسيخ الوضوء العثماني. 1 - فقد دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على عائشة يوم توفي سعد بن أبي وقاص [ سنة 55 ه‍ ] فتوضأ عندها، فقالت له: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ويل للأعقاب من النار (6). فلاحظ كيف عدلت عائشة عن قول النبي (صلى الله عليه وآله) " أسبغوا الوضوء " - مع أن المقام


(1) انظر مسند أحمد 4: 94، فتح الباري 2: 457، نيل الاوطار 3: 259. (2) انظر الدر المنثور 2: 137، والموطأ 2: 538 / الحديث 34. (3) انظر فتح الباري 2: 215. (4) سنن النسائي (المجتبى) 5: 253، سنن البيهقي 5: 113. (5) انظر المحلى 7: 135 - 136، فتح الباري 3: 419 - 420. (6) صحيح مسلم 1: 213 / الحديث 25، الموطأ 1: 19 / الحديث 5، شرح معاني الآثار 1: 38 / الحديث 188.

[ 47 ]

يقتضي الاستدلال به (1) إلى الاستدلال ب‍ " ويل للأعقاب من النار "، وهذا العدول يكمن وراءه ادعاء أم المؤمنين - ومن ورائها الأمويون، وعثمان من قبل - دلالة " ويل للأعقاب " على الوضوء الغسلي، كما ترسخ ذلك الفهم حتى اليوم عند أتباع مدرسة الاجتهاد والرأي. ومحصل الكلام إن هذا النص يوقفنا على الاختلاف بين وضوء عبد الرحمن والوضوء الذي أرادته أم المؤمنين عائشة، وحيث عرفنا أن عائشة بقولها السابق أرادت التدليل على الغسل، عرفنا من مفهوم المخالفة أن عبد الرحمن كان يذهب إلى المسح على القدمين. وجاء أبو هريرة ليصنع نفس صنيع أم المؤمنين، وذلك أنه رأى قوما يتوضؤون من المطهرة، فقال: أسبغوا الوضوء، فإني سمعت أبالقاسم يقول: " ويل للعراقيب من النار " (2). وقد مثل غير واحد من العلماء (3) للإدراج بحديث أبي هريرة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) " أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار " لكونهما لم يصدرا على هذا النسق من النبي (صلى الله عليه وآله)، وهذا يدلنا على أن أبا هريرة كان يريد الاستفادة - كعائشة - من " الويل للأعقاب " أو (العراقيب) للتدليل على الوضوء الغسلي العثماني. ويتضح ذلك بجلاء فيما اخرجه عبد الرزاق، عن ابن جريح، قال: قلت لعطاء: لم لا أمسح بالقدمين كما أمسح بالرأس، وقد قالهما جميعا (4)؟ قال: لا أراه إلا مسح الرأس وغسل القدمين، إني سمعت أبا هريرة يقول: ويل للأعقاب من النار. قال عطاء: وإن أناسا ليقولون هو المسح، وأما أنا فأغسلهما (5).


(1) لكونها قد قالت: يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء (2) صحيح مسلم 1: 214 - 215 / الحديث 29. (3) انظر مثلا السيوطي في تدريب الراوي. (4) يعني أن القرآن قالهما معا. (5) المصنف لعبد الرزاق 1: 20 / الحديث 58.

[ 48 ]

فها هو يستدل على الغسل بقول أبي هريرة " ويل للأعقاب "، وهذا يبين لنا حلقات متواصلة في سبيل تثبيت الوضوء الغسلي، فمن عدول عائشة، وإدراج أبي هريرة، واستدلال عطاء، تتبين سلسلة التطورات التي استفيد منها لتقرير وتدعيم الوضوء العثماني. 2 - واستمر التدعيم الأموي للوضوء العثماني، والإصرار من (نهج التعبد المحض) على بطلان ذلك، ومخالفته للكتاب والسنة. فقد أخرج ابن ماجة بسنده إلى الربيع بنت معوذ أنها قالت: أتاني ابن عباس فسألني عن هذا الحديث - تعني حديثها الذي ذكرت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) توضأ وغسل رجليه - فقال ابن عباس: إن الناس أبوا إلا الغسل، ولا أجد في كتاب الله إلا المسح (1). وقال الحميدي: حدثنا سفيان، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: أرسلني علي بن الحسين إلى الربيع بنت المعوذ بن عفراء، أسألها عن وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان يتوضأ عندها، فأتيتها، فأخرجت إلي إناء... فقالت:... بهذا كنت أخرج لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فيبدأ فيغسل يديه ثلاثا، قبل أن يدخلهما الإناء، ثم يتمضمض ويستنثر ثلاثا ثلاثا، ويغسل وجهه ثلاثا، ثم يغسل يديه ثلاثا ثلاثا، ثم يمسح رأسه مقبلا ومدبرا، ويغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، قالت: وقد جاءني ابن عم لك [ تعني ابن عباس ] فسألني عنه فأخبرته. فقال: ما علمنا في كتاب الله إلا غسلتين ومسحتين (2). وهنا نقف على صراعين وضوءيين كانا في العصر الأموي. أ - بين الربيع وبين ابن عباس. ب - بين الربيع وبين الإمام السجاد وعبد الله بن محمد بن عقيل. فالربيع - وعلى ضوء النصين الآنفين - كانت قد تبنت الوضوء الغسلي وأصرت


(1) سنن ابن ماجة 1: 156 / الحديث 458. (2) مسند الحميدي 1: 164، ومسند أحمد 6: 358.

[ 49 ]

عليه، مع معرفتها بأن عترة الرسول لا يقبلون بنقلها للوضوء الغسلي، إذ أن ابن عباس قد استدل على سقم رأيها بالقرآن الكريم، وفي اعتراضه إشارة إلى عدم قبول نسبة الغسل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم تراه رحمه الله - في نص آخر - يستدل عليها بالرأي إلزاما لها - أو لهم - بما ألزموا به أنفسهم، لسقوط العضوين الممسوحين في التيمم. وهذا يؤكد الدعم الأموي عبر أقطابه ومحدثيه للوضوء العثماني الغسلي. 3 - ووصل الأمر في الوضوء الغسلي إلى أن يتبناه الحجاج - وهو بعيد عن الدين بعد الأرض عن السماء - ويعلن به من على المنبر. فقد أخرج الطبري بسنده إلى حميد، قال: قال موسى بن أنس لأنس ونحن عنده: يا أبا حمزة، إن الحجاج خطبنا بالأهواز ونحن معه نذكر الطهور، فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وأنه ليس من ابن آدم أقرب إلى خبث من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما... فقال أنس: صدق الله وكذب الحجاج، قال تعالى: * (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) * (1). وهذا - الإعلان و - الاستدلال من الحجاج يدل على تبني الأمويين للوضوء العثماني من جهة، كما يدل على تحكيم الاجتهاد والرأي في الوضوء في جهة مقابلة تماما لوضوء النبي والإمام علي، ففي حين يؤكد علي بن أبي طالب على أن الوضوء لو كان بالرأي لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما لكنه رأى النبي (صلى الله عليه وآله) مسح ظهورهما، يأتي الحجاج فيعارضه ويعارض القرآن، مصرحا بأنه لابد من غسل باطنهما وظهورهما وعراقيبهما، بحجة كونهما أقرب للخبث!! وبعد هذا لا يبقى مجال للشك في تبني الأمويين للوضوء العثماني، وانتهاجهم نفس نهجه واستدلالهم بنفس استدلالاته، مع تطويرها وإشاعتها بالآراء والتأويلات والاجتهادات والدلالات البعيدة، وهذا ما يؤكد عدم أصالة ذلك الوضوء وعدم


(1) تفسير الطبري 6: 82، وانظر تفسير ابن كثير 2: 44، الجامع لأحكام القرآن 6: 92، الدر المنثور 2: 262، تفسير الخازن 1: 435.

[ 50 ]

تلقيهم إياه عن النبي (صلى الله عليه وآله). ومبالغة في تثبيت الوضوء المدعى نسبوا إلى أعلام الماسحين كعلي وابن عباس وأنس أنهم كانوا يثلثون الغسلات، أو يغسلون الأرجل أو... ليبعدوا عن أنفسهم شبهة الابتداع، وقاموا في هذا السبيل أيضا بمنع التدوين، حتى جاء عمر بن عبد العزيز ليأمر بتدوين تلك الاحاديث وليعمم كتابا إلى الافاق يأمرهم فيه بالأخذ عن ابن شهاب الزهري، معللا ذلك بأنهم لا يجدون أعلم منه، وقد سخروا رجاء بن حيوة - المعدود من أفقه فقهاء الشام - ليرشد الناس ويفتيهم بآراء عبد الملك بن مروان (1)، ومثله جاء عن عبد الله بن عمر (2) ودفعه الناس للأخذ عن عبد الملك. وكان أبو هريرة من الداعين للسكوت عن ظلم الأمويين (3)، وكانت عائشة أفقه الناس وأحسنهم رأيا في العامة (4) ووو كل هذا جاء لتضعيف معالم فقه التعبد المحض وتحريف الوضوء النبوي، ومن أجله رأينا ازدياد عدد المؤيدين لوضوء الدولة في هذه الحقبة بعد أن كانت الكفة في زمان عثمان وقبله راجحة للوضوء الثنائي المسحي، ولكن بقي - رغم كل جهود الدولة الأموية - تابعون قائلون بالوضوء المسحي، من أمثال عروة بن الزبير، والحسن البصري وإبراهيم النخعي، والشعبي، وعكرمة، وعلقمة بن قيس، والإمام الباقر، والإمام الصادق، وغيرهم ممن يعلمهم المتتبع. فالأمويون لم يتمكنوا من مجابهة الوضوء المسحي - وإن كانوا هم دعاة للوضوء الغسلي - ولا نرى التقية تعمل في الوضوء عند أئمة أهل البيت حتى أواخر عهد الأمويين، ومن يراجع مرويات الباقر في الكتب الحديثية الأربعة عند الشيعة، يجد الإمام يصف وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو غير مكترث بما قيل أو يقال.


(1) انظر تهذيب الكمال 9: 154. (2) انظر تهذيب التهذيب 6: 422، تهذيب الكمال 18: 410، تاريخ بغداد 10: 389، المنتظم 6: 39. (3) انظر كتاب الأموال: 412، والشعر والشعراء: 392. (4) انظر وضوء النبي (صلى الله عليه وآله) (المدخل): 234.

[ 51 ]

ويبدو أن الأمويين كانوا يجاملون بعض الصحابة والتابعين كأنس بن مالك وابن عباس وعلي ابن الحسين ومحمد بن علي الباقر وغيرهم في وضوئهم، فلم يواجهوهم بالعنف، وإن كانوا في ظروف أخرى يواجهون بعضا آخر بالعنف، كما في حديث أبي مالك الأشعري (1)، وكيف كان خائفا من بيان وضوء النبي أو صلاته لقومه. العباسيون والوضوء لقد قامت الدولة العباسية على أكتاف شعار " الرضا من آل محمد "، وكان الناس قد التفوا حولها وأيدوها باعتبارها الدولة المنتصرة للحق، وقد قضى أبو العباس السفاح فترة حكومته منشغلا بتصفية الخصوم الأمويين وأذيالهم، فكان في معزل عن الصراعات الفقهية وعن الكفة العلوية بالذات. ولكن لما آل الأمر إلى أبي جعفر المنصور العباسي اختلفت الموازين - بعد أن ثبتت أركان الدولة - فقد راح يشتري الفقهاء بالصلات والهدايا والمناصب وكراسي القضاء ووو... ولكنه وأتباعه عجزوا عن أبي حنيفة، فضايقوه ونكلوا به بلا جدوى، إلا أنهم أفلحوا من بعد في استدراج تلميذه القاضي أبي يوسف. وقد بقي الإمام جعفر بن محمد الصادق رائد مدرسة التعبد المحض آنذاك، وصاحب الوضوء الثنائي المسحي، حجر عثرة في طريق المنصور والعباسيين، فراح المنصور يتخذ شتى الأساليب محاولا إفحامه. فدعا المنصور أبا حنيفة لإعجاز الإمام بمسائل عويصة ولكنه لم يفلح، بل أذعن أبو حنيفة بأن الصادق (عليه السلام) أعلم الناس (2). فأخذ المنصور يدعو إلى الأخذ بمذهب مالك، فدعاه وأمره بتدوين العلم


(1) انظر مسند أحمد 5: 342. (2) انظر مناقب أبي حنيفة للموفق الخوارزمي 1: 73، جامع أسانيد أبي حنيفة 1: 222.

[ 52 ]

وجعله علما واحدا يحمل الناس عليه (1)، راسما له المنهج في أن لا يقلد عليا وابن عباس، وأن يأخذ بأقوال ابن عمر وإن خالف عليا وابن عباس (2)، علما بأن مالكا كان ينفرد بتفضيل الخلفاء الثلاثة على سائر الصحابة، والحكومة لا تعد عليا إلا كسائر الناس (3). وهذا المخطط الفقهي العقائدي المحموم من المنصور، طال الوضوء النبوي أيضا، فالتزم المنصور بالوضوء العثماني الغسلي الثلاثي، وترك الوضوء النبوي - المسحي الثنائي - الذي صار من جملة الفروع الفقهية التي يعرف بها الشيعة. المنصور والوضوء فعن داود الرقي، قال: دخلت على أبي عبد الله - أي الصادق (عليه السلام) - فقلت له: جعلت فداك كم عدة الطهارة؟ فقال: " ما أوجبه الله فواحدة، وأضاف إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) واحدة لضعف الناس، ومن توضأ ثلاثا ثلاثا فلا صلاة له "، أنا معه في ذا حتى جاءه داود بن زربي، فسأله عن عدة الطهارة؟ فقال له: " ثلاثا ثلاثا، من نقص عنه فلا صلاة له "!!. قال: فارتعدت فرائصي، وكاد أن يدخلني الشيطان، فأبصر أبو عبد الله إلي وقد تغير لوني، فقال: " اسكن يا داود، هذا هو الكفر أو ضرب الأعناق ". قال: فخرجنا من عنده، وكان ابن زربي إلى جوار بستان أبي جعفر المنصور، وكان قد ألقي إلى أبي جعفر أمر داود بن زربي، وأنه رافضي يختلف إلى جعفر بن محمد. فقال أبو جعفر المنصور: إني مطلع إلى طهارته، فإن هو توضأ وضوء جعفر بن محمد - فإني لأعرف طهارته - حققت عليه القول وقتلته.


(1) وضوء النبي (صلى الله عليه وآله): 290 - 291. (2) الطبقات الكبرى 4: 147، وانظر الإمام الصادق والمذاهب الاربعة 1: 504. (3) موقف الخلفاء العباسيين: 170.

[ 53 ]

فاطلع وداود يتهيأ للصلاة من حيث لا يراه، فأسبغ داود بن زربي الوضوء ثلاثا ثلاثا كما أمره أبو عبد الله، فما تم وضوءه حتى بعث إليه أبو جعفر المنصور فدعاه. قال: فقال داود: فلما أن دخلت عليه رحب بي، وقال: يا داود قيل فيك شئ باطل، وما أنت كذلك، قد اطلعت على طهارتك وليس طهارتك طهارة الرافضة، فاجعلني في حل، وأمر له بمائة ألف درهم. قال: فقال داود الرقي: التقيت أنا وداود بن زربي عند أبي عبد الله، فقال له داود بن زربي: جعلت فداك حقنت دماءنا في دار الدنيا، ونرجو أن ندخل بيمنك وبركتك الجنة. فقال أبو عبد الله: فعل الله ذلك بك وبإخوانك من جميع المؤمنين، فقال أبو عبد الله لداود بن زربي: حدث داود الرقي بما مر عليكم حتى تسكن روعته. فقال: فحدثته بالأمر كله. قال: فقال أبو عبد الله: " لهذا أفتيته، لأنه كان أشرف على القتل من يد هذا العدو " ثم قال: يا داود بن زربي توضأ مثنى مثنى ولا تزيدن عليه، فإنك إن زدت عليه فلا صلاة لك (1). فالإمام الصادق علم السياسة المنصورية التي تتحين الفرص، وعلم أن داود بن زربي قد وشي به إلى السلطة عبر الوضوء الثنائي المسحي، فعالج الموقف علاجا حكيما. والذي يتضح هنا هو اتخاذ المنصور هذه المفردة الوضوئية كرقم يدل على متابعة مدرسة التعبد المحض والتحديث، وهي مدرسة جعفر بن محمد الصادق، وكان هذا الرقم كافيا لقتل من يؤمن به. المهدي والوضوء وكان نفس هذا المسلك عند المهدي العباسي، فإنه كان يريد معرفة المخترقين


(1) رجال الكشي: 312 / رقم 564. وعنه في وسائل الشيعة 1: 443 ح 1172.

[ 54 ]

لجدار سلطته عبر الوضوء النبوي الصحيح، وكان داود بن زربي أيضا محط النظر في قضية الوضوء، مما يعني أن الجواسيس كانوا يؤكدون على مفردة الوضوء الثنائي المسحي أيضا في معرفة المخالفين للسلطة العباسية ولمدرسة الاجتهاد والرأي. فعن داود بن زربي قال: سألت الصادق عن الوضوء؟ فقال لي: " توضأ ثلاثا ثلاثا ". ثم قال لي: أليس تشهد بغداد وعساكرهم؟! قلت: بلى. قال داود: فكنت يوما أتوضأ في دار المهدي، فرآني بعضهم وأنا لا أعلم به، فقال: كذب من زعم أنك رافضي وأنت تتوضأ هذا الوضوء. قال: فقلت: لهذا والله أمرني (1). وهذا النص يؤكد استمرار النزاع الوضوئي، وتأكيد الحكام على ضرورة التزام الوضوء العثماني وترك الوضوء النبوي الثنائي المسحي. ولا يخفى عليك أن المهدي العباسي كان يكره نهج علي في الفقه والإمامة، إذ أن القاسم بن مجاشع التميمي عرض عليه وصيته، وكان فيها بعد الشهادة بالوحدانية ونبوة محمد " وأن علي بن أبي طالب وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووارث الإمامة من بعده "، فلما بلغ المهدي إلى هذا الموضع رمى بالوصية ولم ينظر فيها (2). وسأل المهدي شريكا القاضي قائلا: ما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال: ما قال فيه جدك العباس وعبد الله. قال: وما قالا فيه؟ قال: فأما العباس فمات وعلي عنده أفضل الصحابة، وكان يرى كبراء المهاجرين يسألونه عما ينزل من النوازل، وما احتاج هو إلى أحد حتى لحق بالله، وأما عبد الله فإنه كان يضرب بين يديه بسيفين، وكان في حروبه رأسا منيعا وقائدا


(1) التهذيب 1: 82 / الحديث 214، الاستبصار 1: 71 / الحديث 219. (2) تاريخ الطبري 8: 876 / حوادث سنة 169 ه‍.

[ 55 ]

مطاعا، فلو كانت إمامته على جور، كان أول من يقعد عنها أبوك، لعلمه بدين الله وفقهه في أحكام الله، فسكت المهدي، ولم يمض بعد هذا المجلس إلا قليلا حتى عزل شريك (1). وهذا ما يؤكد عداءهم لنهج علي خلافة ووصية وفقها، ومنه مفردة الوضوء كما عرفت. الرشيد والوضوء ولما آل الأمر إلى هارون الرشيد - الذي تعد فترة حكمه أوج قوة العصر العباسي وعصرها الذهبي - نحا نفس منحى أسلافه في رفض علي وابن عباس - وإن كان الأخير جدهم - ورفض منهجهم الفكري والفقهي، فما أن دار الحوار السابق بين المهدي وشريك، حتى قدم هارون الرشيد الكوفة يعزل شريكا عن القضاء (2)، وليس بنا حاجة هاهنا إلى شرح ظلم الرشيد للعلويين، ولكن الذي نريد التأكيد عليه هو محاربته إياهم فقهيا إضافة إلى محاربتهم سياسيا وعسكريا. فقد جاء رجل إلى الرشيد يخبره عن مكان يحيى بن عبد الله بن الحسن، ووصف له شكله ولباسه وهيئته وجماعته، فلم يطمئن الرشيد بل سأله: أو تعرف يحيى؟ قال: قديما، وذاك الذي حقق معرفتي بالأمس له. قال: فصفه لي. قال: مربوع، أسمر، حلو السمرة، أجلح، حسن العينين، عظيم البطن. قال: هو ذاك، فما سمعته يقول؟ قال: ما سمعته يقول شيئا، غير أني لما رأيته رأيت غلاما له أعرفه، لما حضر وقت صلاته فأتاه بثوب غسيل فألقاه في عنقه ونزع جبته الصوف ليغسلها، فلما كان


(1) تاريخ بغداد 9: 292. (2) تاريخ بغداد 9: 292.

[ 56 ]

بعد الزوال صلى صلاة ظننتها العصر، أطال في الأولتين وحذف الأخيرتين. فقال له الرشيد: لله أبوك، لجاد ما حفظت، تلك صلاة العصر وذلك وقتها عند القوم (1). فلم يطمئن الرشيد بكل ما وصفه له ذلك الرجل وكل ما قاله، حتى إذا وصف له صلاة العصر ووقتها، والجمع بين الصلاتين علم صدقه وتحقق معرفته به، وهذا يدل على بشاعة استغلال الخلفاء للفقه على الأصعدة كافة. وأما الوضوء، فقد كان الرشيد قد اتخذه مفردة يعرف بها الشيعة ليوقع بهم، ومن ذلك محاولته الإيقاع بعلي بن يقطين. فعن محمد بن الفضل، قال: اختلفت الرواية من بين أصحابنا في مسح الرجلين في الوضوء، أهو من الأصابع إلى الكعبين أم من الكعبين إلى الأصابع؟ فكتب علي بن يقطين إلى أبي الحسن موسى بن جعفر: جعلت فداك، إن أصحابنا قد اختلفوا في مسح الرجلين، فإن رأيت أن تكتب إلي بخطك ما يكون بحسبه، فعلت إن شاء الله. فكتب إليه أبو الحسن: " فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء، والذي آمرك به في ذلك أن تتمضمض ثلاثا وتستنشق ثلاثا، وتغسل وجهك ثلاثا، وتخلل شعر لحيتك، وتغسل يدك إلى المرفقين ثلاثا، وتمسح رأسك كله، وتمسح ظاهر أذنيك وباطنهما، وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثا ولا تخالف ذلك إلى غيره ". فلما وصل الكتاب إلى علي بن يقطين، تعجب مما رسم له - مما أجمع العصابة على خلافه - ثم قال: مولاي أعلم بما قال، وأنا ممتثل أمره، فكان يعمل في وضوئه على هذا الحد، ويخالف ما عليه جميع الشيعة، امتثالا لأمر أبي الحسن. وسعي بعلي بن يقطين إلى الرشيد، وقيل له: إنه رافضي مخالف لك، فقال


(1) مقاتل الطالبيين: 310.

[ 57 ]

الرشيد لبعض خاصته: قد كثر عندي القول في علي بن يقطين والقرف - أي الاتهام - له بخلافنا، وميله إلى الرفض، ولست أرى في خدمته لي تقصيرا، وقد امتحنته مرارا، فما ظهر منه علي ما يقرف به، وأحب أن أستبرئ أمره من حيث لا يشعر بذلك فيستحرز مني. فقيل له: إن الرافضة يا أمير المؤمنين تخالف الجماعة في الوضوء فتخففه، ولا ترى غسل الرجلين، فامتحنه من حيث لا يعلم بالوقوف على وضوئه. فقال: أجل، إن هذا الوجه يظهر به أمره. ثم تركه مدة وناطه بشئ من الشغل في الدار، حتى دخل وقت الصلاة، وكان علي ابن يقطين يخلو في حجرة في الدار لوضوئه وصلاته، فلما دخل وقت الصلاة وقف الرشيد من وراء حائط الحجرة بحيث يرى علي بن يقطين ولا يراه هو، فدعا بالماء للوضوء، فتمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا وغسل وجهه، وخلل شعر لحيته وغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا، ومسح رأسه وأذنيه، وغسل رجليه، والرشيد ينظر إليه، فلما رآه الرشيد فعل ذلك لم يملك نفسه حتى أشرف عليه بحيث يراه، ثم ناداه: كذب يا علي بن يقطين من زعم أنك من الرافضة، وصلحت حاله عنده. وبعد ذلك ورد عليه كتاب من أبي الحسن " ابتدئ من الآن يا علي بن يقطين، توضأ كما أمر الله، اغسل وجهك مرة فريضة وأخرى إسباغا، واغسل يديك من المرفقين كذلك، وامسح بمقدم رأسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما كان يخاف عليك، والسلام " (1). وفي هذا دلالة كافية على أن السلطة - ومن حولها - قد اتخذت الوضوء الثنائي المسحي، سبيلا لكشف الشيعة في القصر الهاروني، لأن الوضوء أمر عبادي يتكرر فعله كل يوم قبل الصلاة، فهو أوضح شاخص فقهي يعرف به " الرافضة " كما في تعبير هارون الرشيد.


(1) الارشاد 2: 227، مناقب ابن شهر آشوب 4: 288، الخرائج والجرائح 1: 335، إعلام الورى: 293.

[ 58 ]

وعلى كل حال، فقد استمر الخلاف الوضوئي باحتدام وشدة، فكان المحدثون من أصحاب مدرسة التعبد المحض لا يرون إلا الوضوء النبوي الثنائي المسحي، وكانت الدولة وأتباعها - من فقهاء منع التحديث، ومن مدرسة الاجتهاد والرأي - لا ترى إلا الوضوء العثماني الثلاثي الغسلي. وحين حصرت الدولة العباسية المذاهب الإسلامية بالمذاهب الأربعة - وهي جميعا من مدرسة الاجتهاد والرأي - ودونت آراؤهم الفقهية، كان من ضمنها الوضوء العثماني، الذي أكدوا عليه أي تأكيد، واختلفوا في فروضه وسننه وآدابه وكيفيته أشد الاختلاف مما يقف عليه المطالع في كتبهم الفقهية، فاتسعت الفجوة اتساعا كبيرا بحيث تعسر ويتعسر رأبها، فصار الوضوءان خطين متوازيين لا يلتقيان. نهاية المطاف من كل ما تقدم تتجلى حقيقة في غاية الأهمية والوضوح، مفادها أن المعارضين للوضوء العثماني لم يكونوا قد بزغوا بزوغا مفاجئا فظهروا على الساحة الفقهية الإسلامية ظهورا غير متوقع، بل العكس هو الصحيح، وذلك لتسلسل حلقات الاجتهادات في مقابل الكتاب والسنة من جانب، وتسلسل حلقات المعارضة للتدوين والتحديث من جانب آخر من قبل الخلفاء، وبقي إصرار جم غفير من عيون الصحابة على مواصلة التدوين والتحديث، ومن ثم لجوء المانعين إلى فتح باب الاجتهاد والرأي، وبقاء المتعبدين على تعبدهم المحض ومنعهم من العمل بالاجتهاد والرأي (1). لأن فتح أبي بكر وعمر لباب الرأي والاجتهاد لأنفسهما هو الذي فتح من بعدهما لعامة الصحابة ذلك، فكانت تلك نتيجة طبيعية لسدهما باب التدوين والتحديث والذهاب إلى شرعية التعددية وحجية الآراء. وكان إعطاء عمر زمام اختيار الخليفة الثالث في الشورى بيد عبد الرحمن بن


(1) انظر تفصيل ذلك في كتابنا (منع تدوين الحديث، أسبابه ونتائجه).

[ 59 ]

عوف للتأكيد على لابدية الانصياع للجهة التي فيها ابن عوف مشروطا ومقيدا بقيد اتباع " سيرة الشيخين "، وذلك ما أوقعه بالفعل عبد الرحمن بن عوف حين بايع عثمان على ذلك الشرط، وأما علي بن أبي طالب فلم يرض بذلك الشرط الجديد الذي أقحم في الشريعة، والذي قرروه دون نص من كتاب الله ولا برهان من سنة نبيه، وقد أيده جماعة كثيرة من كبار الصحابة فلم يرتضوا ذلك الشرط الجديد. وذلك العهد الذي قطعه عثمان على نفسه بالتزامه سيرة الشيخين أوقعه في محاذير ونزاع وخصومة شديدة مع كبار الصحابة، وعلى رأسهم عبد الرحمن بن عوف، لأن عبد الرحمن كان يرى الاقتصار على اجتهادات الشيخين دون غيرهما، وعثمان كان يرى أن له حق الاجتهاد كما كان للشيخين، وأنه ليس بأقل شأنا منهما، وذلك ما دق بينهما عطر منشم، فمات عبد الرحمن وهو لا يكلم عثمان. وكان الصحابة - ومنهم علي بن أبي طالب، وطبقا لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): " الزموهم بما الزموا به أنفسهم " - قد طالبوا عثمان بالوفاء بما ألزم به نفسه في يوم الشورى، إلا أنه كان يرى أنه مبسوط اليد، مطلق العنان في اجتهاداته وتصرفاته الفقهية والعملية، مما أنشب الخلاف بينه وبين الصحابة على أوسع آفاقه، حتى أودى بحياته أخيرا. وقد أثرت قاعدة " سيرة الشيخين " حتى على خلافة علي بن أبي طالب مع أنه لم يلزم نفسه بها، ولا أعطى عهدا بالعمل وفقها، بل رفضها رفضا قاطعا في يوم الشورى، وعندما أتاه الناس للمبايعة، بايعهم بشرط أن يحملهم على كتاب الله وما يعلم من سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فوافقوا بذلك ثم نقضوه في أماكن عدة مثل صلاة التراويح وفدك وما إليهما، إذ عانى علي أشد المعاناة من هذا النهج " نهج الاجتهاد والرأي " لما يستتبعه من توال فاسدة على مرور الأيام. فالمحصل الذي طغى على الساحة الإسلامية هو استفحال نهج الاجتهاد والرأي نتيجة لدعم القوة التنفيذية " الخلافة والحكومة " له، وبقي خط التعبد في صدور الصحابة المضطهدين الذين لا طاقة لهم برد الناس إلى جادة الصواب لاستفحال التيار المقابل.

[ 60 ]

وهذا هو الذي سوغ لعمر أن يعاقب - وبجرأة - من يتحدث عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وسهل من بعده لعثمان أن يتجاهل الأحاديث الوضوئية الصحيحة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله: " يتحدثون بأحاديث لا أدري ما هي؟! " نعم، أنكرها عثمان وكأنه لم يسمعها من قبل، ولا رأى النبي (صلى الله عليه وآله) يحدث بها ويفعلها طول عمره المبارك الشريف!! وقد استمر عثمان أيضا بالنهي عن التحديث والفتيا، فصار أبو ذر وابن مسعود وعمار بن ياسر وأمثالهم في أشد المضايقة، وأقسى الضغوط، لأنهم لم يلتزموا بالمنع الحكومي، حتى وصل الأمر بالحجاج بن يوسف الثقفي أن يختم في يد جابر بن عبد الله الأنصاري وفي عنق سهل بن سعد الساعدي [ الأنصاري ] وأنس بن مالك [ الأنصاري ]، يريد إذلالهم، وأن يتجنبهم الناس ولا يسمعوا منهم (1). وفي كتاب (المحن) لأبي العرب التميمي: إن الحجاج ختم يد الحسن البصري وابن سيرين (2) كذلك. إذن، لم يكن التيار الفكري الفقهي المعارض لوضوء عثمان تيارا طارئا ولا حدثا عابرا، بل كان امتدادا طبيعا لخط التحديث، المعارض للرأي والاجتهاد. ف‍ " الناس " المقصودون في أحاديث عثمان الوضوئية - ولا ريب - هم أنفسهم أو هم امتداد للصحابة الكبار المعارضين لمنع التحديث والتدوين، وهؤلاء هم الذين يرون أن الأحكام توقيفية لا يمكن تجاوزها بالزيادة والنقصان، فلا مجال للاجتهاد والرأي فيها خصوصا مع وجود النص القرآني والسنة النبوية المباركة. وستعلم لاحقا أن أصحاب المدونات كانوا من أتباع وأنصار الوضوء الثنائي المسحي، أو أنهم لم يكونوا من أنصار الوضوء الثلاثي الغسلي على الأقل، وهذه مسألة تؤكد الترابط بين المدونين ونهج التعبد في الوضوء من جهة، وبين مانعي التدوين وخط الاجتهاد والرأي في الوضوء من جهة أخرى، حتى أن عبد الله بن عمر


(1) أسد الغابة، لابن الأثير 2: 472 في ترجمة سهل بن سعد الساعدي. (2) كتاب المحن: 428 - 429 كما في الفكر الأصولي لعبد المجيد الصغير.

[ 61 ]

- وهو ممن خالف اجتهادات عمر - كان لا يرى المسح على الخفين، لأنه كان قد سمع الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أن المسح على الخفين غير جائز، وأن الوضوء لا يعد وضوءا مع المسح على الخفين، وأن سورة المائدة جاءت بالوضوء الذي يمسح فيه على القدمين لا على الخفين، وهو وإن قيل عنه أنه ما مات حتى وافق الناس ورجع إلى جواز المسح على الخفين، إلا أن المهم هو ثبوت كونه من مانعي المسح على الخفين في حياة أبيه، فموقفه الوضوئي آنذاك لا يمكن التغاضي عنه مع ما صدر منه من مواقف في الدفاع عن كثير من الأحكام الثابتة، ووقوفه ضد اجتهادات أبيه (1). وهنا تتأكد أصالة النهج الوضوئي وأحقيته، ولا يهمنا بعد ذلك أن يكون ابن عمر رجع وقال بالمسح على الخفين أم لم يرجع، وإن ذلك ليرجع إلى الظروف التي كان يعيشها، إذ عرف عنه عدم استقراره في مواقفه السياسية، لأنه قد صار في أواخر عمره تبعا للسلطات الأموية. لكن الحق أن نهج التعبد المحض والتحديث أخذ ينشط ويعمل بكل دأب وجد في زمن خلافة علي بن أبي طالب، لذلك نرى كتاب علي إلى محمد بن أبي بكر - واليه على مصر - وسائر مواقفه الوضوئية والفقهية الأخرى، تؤكد على كثير من الأحكام الشرعية التي كانت من البداهة بمكان، ومن جملتها الوضوء الثنائي المسحي، والصلاة وغيرها من بديهيات الأحكام الشرعية، وعلي هو رائد مدرسة التعبد والدعوة لفتح باب التدوين والتحديث. نعم، جد علي ليمحو الآثار التي خلفتها الحكومات التي سبقته، بسبب اجتهاداتها المتكررة، فراح يؤكد على ضرورة اتباع نهج التعبد، واتباع خطى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أحكامه وأفعاله. فالوضوء إذن، لا يمكن تفكيكه عن مسألة التحديث والتدوين، ولا مسألة الاجتهاد والتعبد بحال من الأحوال، لأن رواد التعبد المحض هم رواد الوضوء


(1) انظر منع تدوين الحديث، لنا: 256.

[ 62 ]

الثنائي المسحي، ورواد الاجتهاد - في زمن عثمان وما بعده - هم رواد الوضوء الثلاثي الغسلي ولا ننسى أن الخليفة عثمان بن عفان كان قد صرح بكون معارضيه في الوضوء هم من المحدثين عن رسول الله، لقوله: " إن ناسا يتحدثون عن رسول الله... ". وستتضح لك حقيقة الحال لو تابعت البحث معنا في هذه الدراسة، وذلك بعد مناقشتنا لما يرويه الصحابة وأهل البيت من صفة وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومكانة الوضوء في مدونات الصحابة والتابعين. كانت هذه نظرة إجمالية لما سردناه في (المدخل)، وإليك تقاسيم البحث الآتي هنا، إذ جعلنا البحث فيه (أي في الجانب الروائي) يتألف من مقدمة وثلاثة أقسام. أما المقدمة فقد انتهى الكلام عنها هنا، وأما الأقسام الثلاثة الأخرى فهي: القسم الأول: مناقشة ما رواه الصحابة في صفة وضوء النبي (صلى الله عليه وآله) سندا ودلالة ونسبة. القسم الثاني: مكانة الوضوء في مدونات الصحابة والتابعين وتابعي التابعين. القسم الثالث: مناقشة ما رواه أهل البيت في صفة وضوء النبي (صلى الله عليه وآله) سندا ودلالة ونسبة. هذا، ولا أحسب أنه يخفى على العلماء والباحثين، أن تعاملنا مع أسانيد الوضوء - في هذا القسم من الدراسة - سيأتي كل حسب قواعده الرجالية والدرائية والأصولية والفقهية، فإننا لانحكم قواعد الشيعة وآراء علمائهم عند مناقشة مرويات أهل السنة، وكذا العكس. فعلى هذا، فما يراه القارئ الكريم في مطاوي بحوثنا الآتية من النقض والإبرام والقبول والرد إنما هو حسب قواعد وأصول كل طائفة، لا أنه التزام خاص منا بذلك، وإليك البحث:

[ 63 ]

دراسة الجانب الروائي في صفة وضوء النبي (صلى الله عليه وآله) وينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: مناقشة ما رواه الصحابة في صفة وضوء النبي (صلى الله عليه وآله) سندا ودلالة ونسبة. القسم الثاني: مكانة الوضوء في مدونات الصحابة والتابعين وتابعي التابعين. القسم الثالث: مناقشة ما رواه أهل البيت في صفة وضوء النبي (صلى الله عليه وآله) سندا ودلالة ونسبة.

[ 65 ]

القسم الاول مناقشة ما رواه الصحابة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وآله وسلم سندا ودلالة ونسبة رواة كيفية الوضوء في الصحاح والسنن عبد الله بن عباس علي بن أبي طالب عبد الله بن زيد بن عاصم عبد الله بن عمرو بن العاص الربيع بنت المعوذ عائشة بنت أبي بكر عبد الله بن انيس عثمان بن عفان

[ 67 ]

قبل الدخول في مناقشة الروايات البيانية عند الطرفين " نهج التعبد المحض ونهج الاجتهاد بالرأي " لابد من إعطاء فكرة إجمالية عن طريقة عملنا في هذا القسم، فنقول: قد اتخذنا (الجامع الصحيح) للترمذي منهجا أوليا لمعرفة روايات الوضوء التي أتى بها الترمذي في باب ما جاء في وضوء النبي (صلى الله عليه وآله) كيف كان؟ لأنه انتهج في كتابه ذكر أسماء كل الصحابة الذين رووا فيما يتعلق بكل باب من أبواب جامعه، ثم وسعنا العمل بتخريج روايات أولئك الصحابة في الصحاح والمسانيد والسنن المتداولة بأيدينا، ودرسنا جميع تلك الأخبار سندا ودلالة ونسبة، وبتعبير الفقهاء من جهة اصالة الصدور، واصالة الظهور، وجهة الصدور. وحيث أن معنى البحثين السندي والدلالي قد عرفت ماهيته لدى الباحثين فلا حاجة بنا لتوضيحه، وأما ما اصطلحنا عليه بجملة " نسبة الخبر " فهو مما يجب توضيحه، لأنا بعد الفراغ من دراسة الخبر سندا ودلالة، نأتي إلى دراسة حقيقة إمكان انتساب هذا الخبر إلى ذلك الصحابي المنسوب إليه الخبر، وهل يتوافق مع مروياته الأخرى وسيرته العملية أم لا؟ بل ومدى تطابق هذا المنسوب مع الثوابت الحديثية الاخرى الصادرة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ وأخيرا نأتي بما يرجح أحد النقلين عنه. لأن الذي يهمنا هو الإلمام بأطراف الحدث الفقهي المراد دراسته، من خلال الأخذ بجميع أطراف الشخصية المنسوب إليها الحدث، أو التي يمكن أن ينسب إليها، بناء على الكليات العامة التي عرفناها عنه، ثم محاولة تطبيق هذا المنسوب مع الحصيلة النهائية المستنتجة منها، ومدى تلائم وانسجام تلك النسبة معه أو عدمها؟ فمطلوبنا هو الوصول إلى إمكان انتساب الواقعة الفقهية إلى الشخصية الفلانية

[ 68 ]

وعدمه ثبوتا - كما يقول الأصوليون - بغض النظر عن ادعاء وقوعه وعدم وقوعه في الخارج العملي. وهذا البحث ليس بدعا من البحوث، فقد كان نقد المتن معمولا به متداولا عند الصحابة وجميع الفقهاء المسلمين والكتاب والباحثين، إذ جمع الزركشي ما استدركته عائشة على الصحابة في كتاب أسماه " الإجابة فيما استدركته السيدة عائشة على الصحابة ". والحديث الذي يمكن أن ينتقد له القابلية لأن يلحق بما اصطلح عليه ارباب علم الدراية بالمعلول في المتن، وقد أطلق الفقهاء والباحثون على مثل هذا اسم " النقد الداخلي للخبر "، وهو قريب مما اصطلحنا عليه بجملة " نسبة الخبر إليه ". فالعلماء لم يقعدوا هذا المنهج بشكل قاعدة عامة لها أسسها وثوابتها وتطبيقاتها في بحوثهم، ولم يستخدموه لمعرفة جميع مفردات الموضوع المبحوث عنه، وإن كانوا يشيرون إليه في الأعم الأغلب، عند دراستهم للروايات الفقهية سندا ودلالة بصورة بسيطة وسريعة، كما أنهم لم يستقصوا فقه تلك الشخصية وتاريخه وسيرته وأحواله، للحكم على الصادر عنه، بل تراهم يتخذون الموقف ويستوحونه من خلال وقوفهم على نص أو نصين عنه، وهذا ما لا يمكن قبوله، لأن الاعتماد على النص بمفرده دون مقايسته بأشباهه ونظائره والوقوف على ما يعارضه لا يجدي شيئا، ولا يمكنه أن يصور لنا فقهه وسيرته، فقد قال ابن خلدون وهو يشير إلى هذه المسألة: "... وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم على مجرد النقل، غثا وسمينا، ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط " (1). وقال الشريف المرتضى - من علماء الشيعة الإمامية - في جواب ما روي في الكافي عن الامام الصادق في قدرة الله:


(1) مقدمة ابن خلدون: 9. وعنه في منهج نقد المتن: 12.

[ 69 ]

" اعلم ا نه لا يجب الإقرار بما تضمنه الروايات، فإن الحديث المروي في كتب الشيعة وكتب جميع مخالفينا يتضمن ضروب الخطإ وصنوف الباطل، من محال لا يجوز أن يتصور، ومن باطل قد دل الدليل على بطلانه وفساده، كالتشبيه والجبر والقول بالصفات القديمة...، ولهذا وجب نقد الحديث بعرضه على العقول، فإذا سلم عليها عرض على الأدلة الصحيحة، كالقرآن وما في معناه، فإذا سلم عليها جوز أن يكون حقا والمخبر به صادقا، وليس كل خبر جاز أن يكون حقا وكان واردا من طريق الآحاد يقطع على أن المخبر به صادق " (1). فرؤية ابن خلدون والسيد المرتضى وغيرهما وإن كانت تتفق معنا في الأصول، لكنها لا ترسم رؤيتنا، لأنا لا نكتفي بها وحدها، لأن مدار عملنا هنا هو البحث عن تطابق هذا المنقول عن هذا الشخص مع مواقفه ونصوصه الأخرى الصادرة عنه بالخصوص، لا مقايستها مع الأصول الأخرى وأشباهها فقط لمعرفة أ نها من الشريعة أم لا، فمثلا: لو ورد خبر مفاده أن عمربن الخطاب كان لا يعمل بالاجتهاد بالرأي، معضدا بما رواه هو عن النبي (صلى الله عليه وآله) من النهي عن العمل بالرأي! فنحن أمام خيارات: إما أن نقول بكذب الخبر الوارد عن عمر، لما رأيناه من مجمل سيرته من العمل بالاجتهاد وتفسيره للمواقف والأحكام بالرأي لا النص، وبه يبقى ما رواه محمولا على وجه ما، أو ساقطا من الاعتبار. وإما أن نكذب مروياته التي رواها عن النبي (صلى الله عليه وآله) في النهي عن الاجتهاد. وإما أن نقول بصحة مروياته الناهية عن الاجتهاد، والرواية الواردة في عدم عمله بالاجتهاد، ونحتال لسيرته بما أمكننا من وجوه. ونحن أمام هذا الركام لا نستطيع الخروج إلا بنتيجة تابعة للأهواء والميول، إذ أن هذا الجمع جمع متكلف غاية التكلف، لأن الأشخاص لا يصححون السيرة، بل السيرة هي التي تكون مقياسا للأشخاص وميزانا لهم، ولمعرفة ما يهدفون إليه.


(1) رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الاولى) جوابات المسائل الطرابلسيات الثالثة مسألة (13) ص 409 - 410.

[ 70 ]

ثم إن هذا الجمع جمع بين سيرة قطعية للخليفة عمر بن الخطاب في عمله بالرأي، ومرويات قطعية ثابته عن النبي (صلى الله عليه وآله) في النهي عن العمل بالرأي والاجتهاد، ومن البديهي أن سيرة الخليفة عمر وغيره لا يمكنها أن تعارض سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) قولا وعملا وتقريرا، فلابد من طرحها، والبحث عن المخرج والمبرر العلمي المعقول الذي يكمن وراء هذه المقولة وأمثالها، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن استبعاد بعض النفوس تخطئة الخليفة الثاني أو غيره من الصحابة، والنبو به عن تجاوز ما يرويه عن النبي، هو ما لا نرتضيه ولا نجعله مقياسا لتجاوز الحقائق، لكونه شخصا غير معصوم يخطأ ويصيب. فنحن لو أردنا أن نقف على الحقيقة لزمنا معرفة السيرة العامة للخليفة أو غيره، وهل أ نه من نهج الاجتهاد بالرأي أو التعبد المحض؟ وحيث ثبت عند المسلمين جميعا أ نه من رواد الاجتهاد والرأي فلا سبيل بعد ذلك إلا طرح الرواية القائلة بعدم عمله بالرأي، حتى لو افترضنا جدلا صحتها سندا ودلالة، وذلك لمنافاتها للسيرة القطعية العامة التي علمناها منه في عمله بالاجتهاد والرأي، ولإيماننا بتحكم الأهواء والميول في نقل مثل هذه القضايا! ولكون الفقه والتاريخ قد تاثرا بتلك الاجتهادات لا محالة. قال الدكتور محمد رواس قلعه چي في موسوعة فقه عمر بن الخطاب: " من المعروف عند الفقهاء أن للفقه بناءا متكاملا، يأخذ بعضه برقاب بعض، ولكي يكون الرأي الفقهي الصادر عن المجتهد مقبولا لابد وأن يكون منسجما مع بنائه الفقهي، فإذا ما نبا عنه أو شذ عد غير مقبول، وإن كان منسجما معه عد مقبولا وإن كان سنده ضعيفا، وإني إذا ما أتى القول عن عمر منسجما مع بناء فقهه أثبته له وإن كان ضعيفا، ويكون انسجامه مع البناء الفقهي بمثابة الشواهد للحديث الضعيف، يتقوى بها ويشتد أزره، مثلا، لو ورد عن عمر أ نه كان يمضمض ويستنشق من كف واحدة، يشهد لصحة هذا القول عن عمر بناء عمر لنظريته في النجاسات، إذ أن الماء عنده لا ينجس نجاسة مادية ولا معنوية، وإذا كان الماء لا ينجس فما المانع أن يتمضمض ويستنشق من كف... وهكذا " (1).


(1) موسوعة فقه السلف (فقه عمر بن الخطاب): 11.

[ 71 ]

لكن رؤيتنا أوسع دائرة من قول القلعة چى أيضا، لأنه ولا تختص بمعرفة بنائه الفقهي، بل تتعدى إلى معرفة سيرته العامة ومواقفه الأخرى ونصوصه في الفقه وأقواله وخطبه المتناثرة في كتب التاريخ و... فإن فتح مثل هذه الأمور يعطينا رؤية أدق عن الصحابي الراوي والعقائد والأفكار السائدة في عهده، ومدى تطابق هذا النقل عنه وصحة انتسابه إليه، وهذه النكتة جديرة بالبحث والدرس، لكونها تحل لنا الكثير من الأقوال المنسوبة إلى هذا أو ذاك في عويصات المسائل، كما أنها تجلي لنا الآراء الكامنة وراء نسبة الأقوال. ونستطيع كذلك تطبيق هذه الرؤية عكسيا، بمعنى أنا يمكننا إسقاط أي رواية - ولو صحت سندا ودلالة - لمخالفتها للثوابت العلمية والدينية كالقرآن والسنة النبوية، فقد روى أبو هريرة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أ نه قال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين و... - حتى عد خلق العالم في سبعة أيام (1) فنحن، لابد أن نطرح هذه الرواية وأمثالها لمخالفتها لصريح القرآن الذي جاء في سبع آيات من سبع سور منه بأ نه سبحانه خلق العالم في ستة أيام (2). فهذه الرواية في الأعم الأغلب يتفق صدورها عن أبي هريرة ويمكن انتسابها إليه، ولا يمكن التصديق بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قالها وإن روى الصحابي ذلك! فالوقوف على السيرة العامة للراوي والرواية - كما قلنا - هو المطلوب في مثل هكذا بحوث، لأنه يعطينا صورة قريبة للواقع، ويعرفنا باتجاهه الفكري وإمكان تطابق هذا القول معه وعدمه، وهو أيضا يعرفنا بملابسات الأمور ومن هم وراء نسبة الأقوال إلى هذا أو ذاك! ودوافعهم المختلفة في هذه النسبة أو تلك، ونفي هذا النقل أو ذاك. لكنه ليس هو الوحيد في الباب، بل يجب كذلك البحث عن تطابق هذا المنقول مع الأصول الأخرى من القرآن الكريم والسنة النبوية، كي نعرف صحة النقل او بطلانه، ولتوضيح هذا الامر " يمكن أن نعطي مثلا واقعيا من حياتنا اليومية، فإذا


(1) اخرج هذا الحديث مسلم والنسائي واحمد، والبخاري في التاريخ الكبير وغيرهم. (2) الاعراف: 54، يونس: 3، هود: 7، الفرقان: 59، السجدة: 4، ق: 38، الحديد: 4..

[ 72 ]

أخبرك رجل عن آخر خبرا، كان أول ما يسبق إلى خاطرك، أن تستوثق من صدق المخبر بالنظر في حاله وأمانته ومعاملته، وغير ذلك من الملاحظات التي تراها ضرورية لك للتأكد منه. فإذا استوثقت من الرجل نظرت بعد ذلك في الخبر نفسه وعرضته على ما يعرض عن صاحبك من أقوال وأحوال، فإذا اتفق مع ما تعلمه من ذلك، لم تشك بصدق المخبر والاطمئنان إليه، وإلا كان لك أن تتوقف في قبول الخبر لا لريبة في المخبر - فأنت واثق من صدقه - بل لشبهة رأيتها في المخبر نفسه، ويصح أن يكون مرجعها وهما أو نسيانا من المخبر، كما يصح أن ترجع إلى سر فيه لأمر لم تتبينه، فلعل هذه الحالة توجب علينا أن نتوقف عند الخبر لنطمئن إلى صحته ولا نتسرع في حكمنا أ نه كاذب، وإذا فعلنا ذلك يكون منا افتئاتا على من أخبرنا ونحن له مصدقون وبه واثقون " (1). ومما يجب التنويه عليه هنا: هو اننا سعينا في هذا الكتاب - وبقدر المستطاع - تبسيط العبارة والفكرة، وطرحها بكلا الاسلوبين (القديم والجديد)، وذلك لحساسية الموضوع، وكثرة قرائه من طلاب العلوم الدينيه والاكاديميين، كي لا نجحف أحدا مما نطرحه من بحوث، ولكي لا يخلو البحث من فائدة لكلتا المجموعتين، لأن البحوث الاسنادية مثلا هي تخصصية بحته فلا يستسيغها الاكاديمي الحديث، وقد تثقل على غير المتخصص، ومثلها الحال بالنسبة إلى البحوث الحديثة ك (نسبة الخبر إليه) فقد لا يرى الاكاديميى الإسلامي فائدة في طرحها. فالذي نرجوه من قرائنا هو أن يعيرونا صبرا، وأن يقرءوا الاسلوبين معا، كي يحصلوا على الفائدة المرجوة من هذه الدراسة، وأن يدركوا بأن ما كتبناه ليس خارجا عن الموضوع بل يشكلان دعامتين لخطوة واحدة. وعليه فيكون مجال عملنا " نسبه الخبر إليه " في ثلاثة محاور: 1 - إمكان صدور هذا الخبر عن هذا الفرد بعينه وعدمه؟ 2 - عرضها على سيرته العلمية والعملية قولا وفعلا وتقريرا، للوقوف على


(1) نقد الحديث 1: 431 - 432 للدكتور حسين الحاج حسن، ط مؤسسة الوفاء / بيروت.

[ 73 ]

ما يخالفها. 3 - تطابق المنقول مع الأصول والثوابت الأخرى في الشريعة وعدمها؟ والآن، وبعد هذا العرض السريع نأتي بقول الترمذي في باب " ما جاء في وضوء النبي (صلى الله عليه وآله) كيف كان " فإنه قال بعد ذكره حديثا عن علي بن أبي طالب: " وفي الباب: عن عثمان، وعبد الله بن زيد، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، والربيع، وعبد الله بن أنيس، وعائشة (1) "، والآن مع مرويات هؤلاء الصحابة حسب تقسيمنا وتبويبنا، للكتاب لا حسب ترتيب الترمذي:


(1) سنن الترمذي 1: 34 ذيل حديث 48.

[ 75 ]

مناقشة مرويات عبد الله بن عباس سندا ودلالة ونسبة المناقشة السندية لمروياته الغسلية المناقشة السندية لمروياته المسحية البحث الدلالي دعوى رجوعه إلى الغسل نسبة الخبر إليه

[ 77 ]

عبد الله بن عباس وروايات الغسل

[ 79 ]

لأصحاب الكتب الثمانية (1)، بل غيرها (2) خمسة أسانيد إلى مرويات ابن عباس الغسلية، فقد روى البخاري عنه بسند واحد، وأبو داود والنسائي كل منهما بسندين وترجع هذه الأسانيد الخمسة إلى طريقين، فأربعة منها تتحد ب‍ " زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس "، وهذا هو الطريق الأول، والثاني يرويه " عباد بن منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "، والبحث ينصب على هذين الطريقين من خلال هذه الأسانيد الخمسة كالآتي: أ - ما رواه عطاء بن يسار عنه الإسناد الأول قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم (3)، قال: أخبرنا


(1) للجمهور أصول خمسة اعتمدوها واشتهرت عندهم، ولهم كتب أخرى فيها شروط الصحيحين - وقد اعتمدوها كمصادر ثانوية، والأصول الخمسة هي: 1 - صحيح البخاري 2 - صحيح مسلم 3 - سنن ابي داود 4 - سنن الترمذي 5 - سنن النسائي. وقد اختلفوا في السادس، فقال ابن حجر انه سنن الدارمي، وذكر بعض انه ابن ماجة، وقال ابن الاثير: ان بعض العلماء جعل الموطأ سادس تلك الأصول، ونحن اعتمدنا المتفق والمختلف فيه من الأصول فصارت ثمانية. ثم وسعنا البحث إلى الأصول الثانوية الأخرى للوقوف على جميع روايات الباب غسلا أو مسحا بقدر المستطاع. (2) كمسند أحمد وصحيح ابن حبان وصحيح البزار وصحيح ابن خزيمة ومسند أبي يعلى وصحيح ابن أبي خيثمة ومعاجم الطبراني الثلاثة ومصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرها من المصادر الحديثية. (3) هو: أبو يحيى البزار، البغدادي، العدوي، المعروف بصاعقة، مولى ال عمر بن الخطاب، فارسي الأصل، وثقة عبد الله بن أحمد بن حنبل، والنسائي، وأبو بكر الخطيب، وقال أبو حاتم: صدوق. روى له الجماعة =

[ 80 ]

أبو سلمة الخزاعي - منصور بن سلمة (1) -. قال: أخبرنا ابن بلال - يعني سليمان (2) - عن زيد بن أسلم (3)، عن عطاء بن يسار (4)، عن ابن عباس، أ نه توضأ فغسل وجهه، أخذ غرفة من ماء فمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غرفة من ماء، فجعل بها هكذا، أضافها إلى يده الأخرى فغسل بهما وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح برأسه، ثم أخذ غرفة من ماء فرش على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله - يعني اليسرى - ثم قال: هكذا رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ (5). المناقشة ويناقش هذا الطريق من عدة جهات: الأولى: من جهة سليمان بن بلال، إذ أورده ابن حجر ضمن المطعونين من


= سوى مسلم وابن ماجة (انظر تهذيب الكمال 26: 5، الجرح والتعديل 8: الترجمة 33، تاريخ بغداد 2: 363) وغيرها من المصادر. (1) هو منصور بن سلمة، أبو سلمة الخزاعي البغدادي، وثقة ابن معين وابن سعد، وقال ابن حجر في التهذيب: قال ابن عدي: لا بأس به، وقال في التقريب: ثقة ثبت حافظ (انظر تهذيب الكمال 28: 533، الطبقات الكبرى، لابن سعد 7: 345، تقريب التهذيب 2: 476) وغيرها من المصادر. (2) هو سليمان بن بلال، القرشي، التيمي، مولاهم، روى له الجماعة (أنظر تهذيب الكمال 11: 372 وسير أعلام النبلاء 7: 475 وتهذيب التهذيب 4: 175) وغيرها من المصادر، وسيأتي الحديث عنه. (3) هو زيد بن اسلم، القرشي، العدوي، أبو أسامة المدني، مولى عمر بن الخطاب، روى له الجماعة. (أنظر تهذيب الكمال 10: 12 وتهذيب التهذيب 3: 397، وتاريخ البخاري الكبير 3: الترجمة 1387) وغيرها من المصادر، وسيأتي الحديث عنه. (4) هو عطاء بن يسار الهلالي، أبو محمد المدني، مولى ميمونة زوج النبي، وثقه يحيى بن معين وأبو زرعة والنسائي، وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال 3 الترجمة 5654 لأنه أرسل عن أبي الدرداء، وقد صرح البخاري بذلك (انظر تهذيب الكمال 20: 125 الترجمة 2946، الجرح والتعديل 6 الترجمة 1867 تهذيب التهذيب 7: 217) وغيرها من المصادر. (5) صحيح البخاري 1: 47 / باب غسل الوجه واليدين من غرفة واحدة.

[ 81 ]

رجال الصحيح (1)، حيث حكى عن ابن شاهين عن الحافظ عثمان بن أبي شيبة أ نه قال في سليمان: لا بأس به، لكن ليس مما يعتمد على حديثه (2). وقال أحمد بن حنبل عن سليمان: لا بأس به (3). وقال أبو حاتم: متقارب (4). وهذان الوصفان - لا بأس به، ومتقارب - وأمثالهما ك‍ (متماسك) و (مأمون) و (خيار) وحتى (صدوق) و (محله الصدق) وغيرها، لو اتصف الراوي بأحدها فإن مروياته تخرج من الصحاح وتندرج في الحسان، فلا يمكن الاحتجاج بها إلا بعد النظر والاعتبار. قال ابن أبي حاتم: إذا قيل صدوق، أو محله الصدق، أو لا بأس به، فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه (5). وقال ابن الصلاح معقبا على قول ابن أبي حاتم: هكذا كما قال، لأن هذه العبارات لا تشعر بشريطة الضبط، فينظر في حديثه، ويختبر حتى يعرف ضبطه (6). وقال النووي معقبا أيضا على قول ابن أبي حاتم: وهو كما قال، لأن هذه العبارة لا تشعر بالضبط، فيعتبر حديثه على ما تقدم (7). وقال الطيبي:... فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه، لأن هذه العبارات لا تشعر بالضبط فينظر ليعرف ضبطه (8). وقال السخاوي: (.. لا يحتج بأحد من أهلها لكون ألفاظها لا تشعر بشريطة


(1 - 2) مقدمة فتح الباري: 405. (3) الجرح والتعديل 4: الترجمة 460. (4) الجرح والتعديل 4: الترجمة 460. (5) حكاه عنه غير واحد من العلماء كابن الصلاح في المقدمة: 238، والنووي في التقريب: 14. (6) مقدمة ابن الصلاح: 238. (7) تقريب النووي (المطبوع مع شرح الكرماني على البخاري): 14، وتدريب الراوي: 186. انظر العلل 5 / 758 الملحق ب‍ (الجامع) للترمذي، وشرح ابن رجب 1: 340، والباعث الحثيث 1: 133 - 134. (8) الخلاصة في أصول الحديث: 88.

[ 82 ]

الضبط، بل يكتب حديثهم ويختبر) (1). وقال السيوطي: لأن هذه العبارة لا تشعر بالضبط فيعتبر حديثه (2). والمقصود من النظر والاعتبار: هو البحث عن راو ثقة ضبط يروي عن زيد بن اسلم - كما في مقامنا - مثل أو نحو ما رواه سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم. أو يبحث عن طريق آخر رواته غير رواة الطريق الأول يتصفون بالوثاقة والضبط يروون عن تابعي آخر غير عطاء بن يسار عن ابن عباس مثل هذا الحديث أو نحوه أو قريبا منه. والغرض من عملية الاعتبار هذه هو متابعة الحديث - الذى ليس بحجة لسوء ضبط رواته أو لأ نه مرسل السند - بحديث آخر صحيح أو غيره له إمكانية لان يرفعه إلى مرتبة الحجية. وفيما نحن فيه لم نعثر على خبر راو ثقة ضبط يروي ذلك، اللهم إلا ما جاء عن محمد بن عجلان وعبد العزيز الدراوردي وهشام بن سعد، وهؤلاء لا يمكن الاحتجاج بهم، لأن ما رواه محمد بن عجلان لا يمكن الاستناد إليه والاعتماد عليه، لكون ابن عجلان غير ضابط ومدلسا كما سيتضح لك ذلك عند كلامنا عن طريق النسائي الاول. وأما رواية عبد العزيز الدراوردي فهي ساكتة عن حكم الرجلين في الوضوء أهو الغسل أم المسح (3). وأما رواية هشام بن سعد فهي الأخرى غير صحيحة وسيتضح ذلك في طريق أبي داود - الإسناد الثاني - من أ نها - في نفسها - تحتاج إلى تابع لتصحيحها. نعم، إن ابن حجر حينما ذكر سليمان بن بلال في المطعونين من رجال الصحيح - لقول ابن أبي شيبة - دافع عنه بقوله: " وهو تليين غير مقبول، فقد اعتمده الجماعة "،


(1) فتح المغيث 1: 395 وط 340. (2) تدريب الراوي: 186 وط اخرى 1: 343. (3) أنظر (الإسناد الرابع) كذالك.

[ 83 ]

ولنا على كلام ابن حجر عدة ملاحظات: الأولى: إن هذه الدعوى تحكم على الباقين من أهل العلم - ممن هم من غير الجماعة - وسلب لأدوارهم في إبداء النظر، فلو احتج الجماعة براو طعن فيه يحيى بن سعيد القطان أو العجلي أو أحمد بن حنبل أو يحيى بن معين أو ابن عدي أو الساجي أو الذهبي أو غيرهم، فإنه يلزم منه - على ضوء قول ابن حجر - أن طعنهم لغو لا اعتبار به، وهذا ما لا يلتزم به ابن حجر نفسه. الثانية: لو تنزلنا وقبلنا قول ابن حجر فإن اعتماد الجماعة على راو يكون حجة على الجماعة لا على غيرهم، اللهم إلا أن يقال أن الأمة قد أجمعت على الاحتجاج بما اعتمده الجماعة فقط، وهذا ما لا يقول به ابن حجر، بل يلزم منه القول أن هؤلاء الأعلام ك‍ (يحيى بن سعيد القطان والعجلي وأحمد و...) وغيرهم كانوا قد خالفوا إجماع الأمة. أضف إلى ذلك أن الإجماع لا يقوم بالجماعة (البخاري، مسلم، الترمذي، أبو داود، النسائي، ابن ماجة) فقط، بل يشمل غيرهم من أساطين العلم وأئمة النظر على أن الرواة الذين احتج بهم الجماعة وخالفهم الباقون من أهل العلم كثيرون، ولو شئنا لأفردنا في ذلك كتابا. الثالثة: إن دعوى ابن حجر منتقضة بعدة رواة قد صرح ابن حجر نفسه باعتماد الجماعة عليهم والاحتجاج بهم، مع أن النسائي - وهو أحد الجماعة - قد جرحهم ك‍ (شريك بن عبد الله بن أبي نمر) الذي قال عنه النسائي: ليس بقوي (1)، ومثله قوله في حاتم بن إسماعيل


(1) انظر تهذيب الكمال 2: 475 وهامش ص 477، ديوان الضعفاء 1: الترجمة 1877، المغني في الضعفاء 1: الترجمة 2763، ميزان الاعتدال 2: الترجمة 3696، ضعفاء ابن الجوزي 2: 40، الضعفاء للعقيلي 2: 193، ومقدمة فتح الباري: 408.

[ 84 ]

المدني (1)، وبريد بن عبد الله بن أبي بردة (2)، وغيرهم. والعجيب أن ابن حجر نفسه لم يوثق شريكا وحاتما رغم معرفته بأ نهم ممن اعتمدهم الجماعة، وهذا لعمري تهافت بين، فقد قال في شريك: صدوق يخطئ (3)، وقال في حاتم: صدوق يهم (4). وعلى أحسن التقادير من الممكن القول بأن اعتماد الجماعة على راو يجعله مرجحا ومؤيدا لحسن حاله لا أ نه يكون دليلا تسلب معه آراء الباقين من الأئمة!!. والذي يزيدنا قناعة بقله ضبط سليمان وعدم إمكان الاعتماد عليه، هو ما فعله بعض علماء الجرح والتعديل معه، إذ قرنه بمن هو سئ الحفظ، قليل الضبط... وهذه قرينة قوية على أن ضبطه ليس بذاك المعتمد، فأبو زرعة قرنه بهشام بن سعد، حيث قال: سليمان بن بلال أحب إلي من هشام بن سعد (5). وقيل ليحيى بن معين: سليمان بن بلال أحب إليك أو الدراوردي؟؟ فقال سليمان (6). والدراوردي هذا لم نعثر على قول يمدح ضبطه على ما سيأتي بيانه لاحقا. والمتتبع لمفردات علم الرجال يعلم أن المقارنات بين راويين تشعر بوجود شبه بين المقارن والمقارن به، والمقارنة بين سليمان وهشام أو بين سليمان والدراوردي إنما حاصلها الإشارة إلى قلة ضبط سليمان، فراجع كتب الرجال لتعرف حقيقة الحال. إذا استبان لك ما تقدم نقول: إن هذا الطريق ليس على شرط البخاري، لأن البخاري - على ما حكي عنه - كان قد اشترط في صحيحه أن يتفق العلماء على وثاقة


(1) مقدمة فتح الباري: 393. (2) مقدمة فتح الباري: 390. (3) تقريب التهذيب 1: 351. (4) تقريب التهذيب 1: 137. (5) الجرح والتعديل 4: الترجمة 460، تهذيب الكمال 11: 376، سير أعلام النبلاء 7: 427. وهشام ابن سعد متكلم في ضبطه على ما سيأتي بيانه في الإسناد الثاني. (6) تهذيب الكمال 11: 374، سير أعلام النبلاء 7: 426.

[ 85 ]

الراوي وضبطه وملاقاته لمن يروى عنه، وسليمان هو ممن لم يتفق العلماء على وثاقته، إذ قال عنه ابن حنبل وابن أبي شيبة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: متقارب، وإن هذه التعابير تشعر بعدم توفر شريطة الضبط فيه، وهي كافية للقول بأن خبر سليمان ليس على شرط البخاري، فقد قال الحافظ أبي الفضل بن طاهر: إن شرط البخاري أن يخرج الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلا (1)!! على أن سليمان بن بلال مع ذلك ثقة عند كثير من الائمة، فقد وثقة ابن معين ويعقوب ابن شيبة والنسائي وابن سعد (2) وابن حبان حيث ذكره في كتاب الثقات (3). أقول: مع ذلك فإن سليمان ممن ينظر في حديثه، وهذا لايمنع أن يكون ثقة في نفسه، فإن تليين أبي حاتم وأحمد بن حنبل وابن أبي شيبة وكذا قول الذهلي فيه بأ نه كثير الرواية مقارب الحديث (4). لايمنع من أن يكون ثقة في نفسه حتى ولو كان لين الحديث مقاربه. إن قلت: أن التعديل والتوثيق يقدم على التليين - كما في مقامنا - فمن اللغو النظر في حديث سليمان مع الاتفاق على تقديم التعديل! قلنا: هذا صحيح، الا أننا بسطنا القول في سليمان - كما رأيت - وفي أمثاله - كما سيأتي - لوجود مرويات أخرى عن ابن عباس في الوضوء المسحي قوية، لها إمكانية التعارض مع رواية سليمان هذه، فبيان حال سليمان هنا ينفع في الترجيح، كما سيأتي مفصلا، أضف إلى ذلك، أ ن الرواة اختلفوا في الرواية عن زيد بن أسلم - كما سيتضح لك - فلابد إذن من إعمال المرجحات للوقوف على الأصح. الثانية: من جهة زيد بن أسلم، فإن الاحتجاج به مشكل جدا، لأ نه كان قليل الحفظ، على ما هو صريح سفيان بن عيينة، فقد قال: كان صالحا، وكان في حفظه


(1) مقدمة فتح الباري: 7، تدريب الراوي 1: 124. (2) انظر تهذيب الكمال 11: 374 تجد أقوالهم هناك. (3) الثقات، لابن حبان 6: 388. (4) تهذيب الكمال 11: 375.

[ 86 ]

شئ (1). والذي يلين بقلة الحفظ لا يمكن الاحتجاج به على ما هو بناء أهل العلم كابن الصلاح (2) والنووي (3) وأبي حاتم (4) وابن كثير (5) والطيبي (6) والسخاوي (7) والسيوطي (8) والجرجاني (9) وغيرهم. وقد صرح هؤلاء العلماء بأن أهل هذه المرتبة هم أدون مرتبة من " صدوق "، و " لا بأس به " التي مرت عليك في سليمان. أضف إليه أن زيدا قد عنعن روايته هذه عن عطاء وهو ممن يدلس، فقد ذكر ابن عبد البر في مقدمة التمهيد ما يدل على أ نه كان يدلس (10)، وقال ابن حجر: روى عن ابن عمر رضي الله عنهما في رد السلام بالإشارة. قال ابن عبيد: قلت لإنسان سله أسمعه من ابن عمر؟ فسأله فقال: أما إني فكلمني وكلمته... وفي هذا الجواب إشعار بأ نه لم يسمع هذا بخصوصه منه، مع أ نه مكثر عنه فيكون قد دلسه (11). أضف إلى ذلك أ ن زيدا ممن روى عن أبي سعيد الخدري ومحمود بن لبيد وأبي أمامة ما لم يسمع منهم (12) مع ملاحظة أ نه ممن عاصرهم قطعا، وهذا يعني أ نه


(1) تهذيب التهذيب 3: 397. (2) مقدمة ابن الصلاح: 239. (3) تقريب النووي (المطبوع مع شرح الكرماني على البخاري): 15. (4) حكاه عنه ابن الصلاح في المقدمة: 239. (5) اختصار علوم الحديث: 93. (6) الخلاصة في أصول الحديث: 88. (7) فتح المغيث 1: 395 وط اخرى 1: 341. (8) تدريب الراوي 186. (9) ظفر الأماني بشرح مختصر الجرجاني: 492. (10) تهذيب التهذيب 3: 397 عن التمهيد لابن عبد البر. (11) تعريف أهل التقديس: 37. (12) تهذيب التهذيب 3: 397.

[ 87 ]

دلس عن أربعة من الصحابة. والذي عليه جمهور أهل التحقيق من أئمة الحديث أن المدلس لو عنعن فإنه لا يقبل منه، وروايته ساقطة عن الحجيه على ما هو صريح الحاكم (1) والطيبي (2) وابن كثير (3) والنووي (4) والعراقي (5) والسخاوي (6) والسيوطي (7) وابن الصلاح (8) والجرجاني (9) وغيرهم (10). قال العراقي في ألفيته: وصححوا وصل معنعن سلم * من دلسه راويه واللقا علم (11) وحاصل كلام العراقي أن العلماء حكموا على الحديث المعنعن بالصحة لو سلم راويه من التدليس وعلم لقاؤه أو سماعه ممن حدث عنه، وإلا فلا يعتمد عليه. فإن قلت: إن الحديث المعنعن الذي يرويه مدلس، إنما هو ليس بحجة في غير الصحيحين، وأما في الصحيحين فهو حجة، لأنه محمول على الاتصال والسماع من جهة أخرى، فقد قال النووي:


(1) معرفة علوم الحديث: 34. (2) الخلاصة في أصول الحديث: 71. (3) اختصار علوم الحديث: 46. (4) تقريب النووي (المطبوع مع شرح الكرماني) 1: 7. (5 - 6) فتح المغيث 1: 179 وط اخرى 1: 155. (7) تدريب الراوي 113 وط اخرى 1: 214. (8) مقدمة ابن الصلاح: 152. (9) ظفر الأماني بشرح مختصر الجرجاني، للكنوي: 394. (10) كالقاسمي في قواعد الحديث: 127. (11) قوله " واللقا علم " قيد لإخراج المرسل عن غيره، لأن المرسل هو أن يحدث الراوي عمن لم يعاصره ويلقاه كأن يروي التابعي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأما التدليس فهو أن يحدث عمن لقيه أو عاصره في حين لم يسمع ذلك منه، فلقاء الراوي أو معاصرته لمن يحدث عنه وعدمه هو المائز بين الحديث المرسل والمدلس، فلا يخفى عليك ذلك.

[ 88 ]

" واعلم أن ما كان في الصحيحين عن المدلسين ب‍ " عن " ونحوها (1) فمحمول على ثبوت السماع من جهة أخرى، وقد جاء كثير منه في الصحيح بالطريقين جميعا، فيذكر رواية المدلس ب‍ " عن " ثم يذكرها بالسماع " (2). قلنا: هذا باطل ولا يفيد ايضا في المقام، لأ ننا لم نعثر على تصريح لزيد بن أسلم بالسماع عن عطاء في جميع مرويات صحيح البخاري، بل وحتى في غيره من الكتب المعتمدة، والذي يشهد على بطلان دعوى النووي وغيره (3) ما صرح به ابن حجر من أن الحديث المعنعن المروي في صحيح البخاري إذا رواه مدلس، ولم يصرح ذلك المدلس بالسماع في موضع آخر من الصحيح، فحديثه ساقط عن الاعتبار والحجية، وإليك نص كلامه: "... فحكم من ذكر من رجاله - أي صحيح البخاري - بتدليس أو إرسال أن تسبر أحاديثهم الموجودة عنده بالعنعنة، فإن وجد التصريح بالسماع اندفع الاعتراض وإلا فلا " (4). وهذا النص صريح في سقوط طريق البخاري هذا عن الحجية، إذ قدمنا إليك بأننا لم نعثر على تصريح لزيد بن أسلم بالسماع عن عطاء فيه. نعم، هناك ما يشير ظاهره إلى أن زيدا قد صرح بالسماع عن عطاء في رواية أخرجها مسلم في كتاب المساقاة وهي: قال مسلم: حدثنا خالد بن مخلد، عن محمد بن جعفر، سمعت زيد بن اسلم، أخبرنا عطاء بن يسار، عن أبي رافع مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: استسلف بكرا... الحديث (5).


(1) كأن يقول الراوي: حدثني زيد أن عمرا قال كذا، فهذا الحديث يسمى بالمؤنن، وحكمه حكم المعنعن - في الحكم عليه بالاتصال والانقطاع - " انظر مقدمة ابن الصلاح: 153 تقريب النووي (المطبوع مع شرح الكرماني): 8، فتح المغيث 1: 184 وط اخرى 1: 161، 155، تدريب الراوي 115 وط اخرى 1: 217 ". (2) مقدمة شرح صحيح مسلم، للنووي 1 - 2: 146. (3) كالقاسمي في قواعد التحديث: 137. (4) مقدمة فتح الباري: 382. (5) صحيح مسلم 3: 1224 ح 119.

[ 89 ]

فإن قلت: هذا دليل على سماعه من عطاء فلا يضر كونه مدلسا؟ قلنا: يدفعه أن هذا ليس بدليل، أما أولا، فلأن مسلما إنما أخرج هذا الحديث بهذا الطريق متابعة لا أصلا، ويدل على ذلك أ نه قال في إخراج الأصل: حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا ابن وهب، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع، أن رسول الله استسلف من رجل بكرا... الحديث (1). وهذا يعني أن الحجة وأصل الحديث عند مسلم هو ما أخرجه بسنده إلى مالك بن أنس عن زيد بملاحظة أن سلسلة السند إلى زيد في هذا السند أثبات أفذاذ... وأما ثانيا: فلأن تصريح زيد ب‍ " أخبرنا " في هذا الطريق مما يخدش ثبوته عنه، وذلك لأ نه - كما رأيت - من رواية " خالد بن مخلد، عن محمد بن جعفر، عنه "، وكل من خالد بن مخلد ومحمد بن جعفر (غندر) - وبخاصة الثاني - متكلم في حفظه وضبطه، بل هو البليد الأبله كما تقدم الحديث عنه. وأما ثالثا: فلأنه يستبعد الوثوق بسماعه في رواية واحدة رواها عنه راو قليل الحفظ والذي هو غندر، مع أن له مئات من الروايات رواها عن عطاء في الكتب الستة وغيرها لم يصرح ولا بواحدة منها بالسماع. وعليه فلا ثبوت لسماعه من عطاء على ما هو الحق. ولا يفوتنا أن نذكر أن الإمام أحمد بن حنبل قد روى في مسنده " عن أبي سلمة الخزاعي، عن ابن بلال " مثل ما رواه البخاري في صحيحة سندا ومتنا (2)، إلا أن أحمد روى أيضا بسنده المتقدم " عن ابن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن عباس " حديثا قال عنه: أ نه نحو الحديث السابق (3). ومع ذلك فهذا الحديث لا يمكن الاحتجاج به بالمرة، لأن يعقوب هذا مجهول الحال والهوية بالاتفاق على ذلك من علماء الرجال.


(1) صحيح مسلم 3: 1224 ح 118. (2) مسند أحمد بن حنبل 1: (3) مسند أحمد بن حنبل 1:

[ 90 ]

الإسناد الثاني: قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة (1)، حدثنا محمد بن بشر (2)، حدثنا هشام بن سعد (3)، حدثنا زيد [ بن أسلم ]، عن عطاء بن يسار، قال: قال لنا ابن عباس: أتحبون أن أريكم كيف كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ؟ فدعا بإناء فيه ماء، فاغترف غرفة بيده اليمنى، فتمضمض واستنشق، ثم أخذ أخرى فجمع بها يديه، ثم غسل وجهه، ثم أخذ أخرى فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ أخرى فغسل بها يده اليسرى، ثم قبض قبضة من الماء ثم نفض يده ثم مسح بها رأسه وأذنيه، ثم قبض قبضة أخرى من الماء فرش على رجله اليمنى وفيها النعل ثم مسحها بيديه، يد فوق القدم ويد تحت النعل، ثم صنع باليسرى مثل ذلك (4).


(1) هو عثمان بن محمد بن إبراهيم، مولاهم، أبو الحسن بن أبي شيبة الكوفي، وثقه العجلي وابن معين، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه: صدوق، وقال ابن حجر: ثقة حافظ شهير، له أوهام (انظر تهذيب الكمال 19: 478 الترجمة 3757، تاريخ بغداد 11: 287 الجرح والتعديل 6: الترجمة 913، تهذيب التهذيب 7: 149) وغيرها من المصادر. (2) هو محمد بن بشر العبدي، أبو عبد الله الكوفي، قال ابن الجنيد: لم يكن به بأس، وقال ابن حجر: ثقة حافظ، وقال الذهبي: وثقه يحيى بن معين (انظر تهذيب الكمال 24: 520 الترجمة 5088، تقريب التهذيب 2: 147، أعلام النبلاء 9: 266، الطبقات الكبرى لابن سعد 6: 394، التاريخ الكبير للبخاري 1: الترجمة 87) وغيرها من المصادر. (3) هو هشام بن سعد المدني، أبو عباد، ويقال: أبو سعيد، مولى آل أبي لهب، لينه بعض اهل العلم باعتبار ضبطه على ما هو ظاهر أقوالهم (انظر تهذيب الكمال 30: 205 الترجمة 6577، الجرح والتعديل 9: الترجمة 241، ميزان الاعتدال 4: الترجمة 9224، الضعفاء لابن الجوزي 2 - 3: 174، المغني في الضعفاء 2: الترجمة 6748، سير أعلام النبلاء 7: 344 والجمع بين رجال الصحيحين لابن القيسراني 2: 550) وغيرها من المصادر، اخرج له البخاري في التعليقات، واحتج له مسلم. (4) سنن أبي داود 1: 34 ح 137، باب الوضوء مرتين.

[ 91 ]

المناقشة في هذا الطريق عثمان بن أبي شيبة، وهو وإن وثقه غير واحد من أهل العلم إلا أن البعض الآخر منهم لينوه، ويبدو أن علة تليينه هو ما حكي عنه من التصحيف في القرآن الكريم. والإنصاف أن علة هذا التليين غير معقولة، إذ من البعيد جدا أن يصحف إمام حافظ تصحيفا لا يصدر عن صبيان المكاتب (1). وهل يعقل أن يقرأ ابن أبي شيبة وأمثاله (ألم) الاستفهامية من سورة الفيل (ألف، لام، ميم) مقطعة كما تقرأ في أول سورة البقرة؟ فمما يحتمل - وهو ما قاله الذهبي عنه - أ نه كان مزاحا حتى فيما يتصحف من القرآن (2). وعلى أسوأ تقدير فإنه يمكن الاحتجاج به في المتابعات والشواهد، فتأمل! لكن التحقيق هو أن هذا الطريق مخدوش من جهتين أخريين: الأولى: وجود هشام بن سعد فيه، حيث لم يوثقه أحد من الرجاليين، وفي نفس الوقت لم نعثر على من جرحه بما يوجب ترك حديثه مطلقا - حتى مع النظر - وأكثر أهل العلم مدحوه بما هو دون الوثاقة، وقليل منهم لينه لينا يتدارك بالاعتبار. قال العجلي: جائز الحديث، حسن الحديث (3). وقال أبو زرعة: شيخ محله الصدق (4). وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به (5).


(1) هذا ما قاله ابن كثير في الدفاع عن ابن أبي شيبة (انظر اختصار علوم الحديث: 116). (2) تذكرة الحفاظ 2: 444، ميزان الاعتدال 3: الترجمة 5518. (3) تهذيب الكمال 30: 207 عن ثقاته الورقة 55. (4) الجرح والتعديل 9: الترجمة 241. (5) تهذيب الكمال 30: 205، الجرح والتعديل 9: الترجمة 241.

[ 92 ]

وقال يحيى بن معين: صالح ليس بمتروك الحديث (1). وقال ابن عدي: مع ضعفه يكتب حديثه (2). وقال يحيى بن معين في موضع آخر: ليس بالقوي (3). وقال النسائي تارة: ليس بالقوي (4)، وتارة أخرى: ضعيف (5). والمتحصل من مجموع هذه الكلمات: إن هشاما لا يحتج به من دون نظر ومتابعة، وإلى هذا أومأ ابن حجر في فتح الباري، فراجع (6). الثانية: وجود زيد بن أسلم فيه، وقد مر عليك أ نه قد عنعن عن عطاء، وهو ممن يدلس. وبذلك يكون السند محكوم عليه بالانقطاع من هذه الجهة. الإسناد الثالث قال النسائي: أخبرنا مجاهد بن موسى (7)، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس (8)، قال: حدثنا ابن عجلان (9)، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،


(1) الجرح والتعديل 9: الترجمة 241. (2) ميزان الاعتدال 4: الترجمة 9224. (3 - 4) تهذيب الكمال (الهامش) 30: 207، و 208. (5) ميزان الاعتدال 4: 299، الترجمة 9224. (6) فتح الباري 1: 194. (7) هو مجاهد بن موسى الخوارزمي، أبو علي نزيل بغداد، وثقه ابن معين وقال عنه: ثقة، لا بأس به، وقال النسائي: بغدادي ثقة (انظر تهذيب الكمال 27: 236 الترجمة 5784، سير أعلام النبلاء 11: 495، تقريب التهذيب 2: 229) وغيرها من المصادر. (8) هو الزعافري أبو محمد الكوفي، وثقه ابن معين والنسائي وأبو حاتم، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 14: 294 الترجمة 3159، الطبقات الكبرى لابن سعد 6: 389، الجرح والتعديل 5: الترجمة 44، تاريخ بغداد 9: 415) وغيرها من المصادر. (9) هو محمد بن عجلان القرشي، أبو عبد الله المدني، مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد =

[ 93 ]

عن ابن عباس، قال: توضأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) فغرف غرفة فمضمض واستنشق، ثم غرف غرفة فغسل وجهه، ثم غرف غرفة فغسل يده اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل يده اليسرى، ثم مسح برأسه وأذينه باطنهما بالسباحتين وظاهرهما بابهاميه، ثم غرف فغسل رجله اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى (1). المناقشة ويخدش هذا السند من جهتين: الأولى: من جهة محمد بن عجلان، الذي ورد فيه ما يورث عدم الاحتجاج به، لأن مالكا أجاب من سأله عنه بقوله: لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء - يعني به الحديث والرواية - ولم يكن عالما (2). وقال ابن يونس: قدم - ابن عجلان - مصر وصار إلى الإسكندرية، فتزوج بها امرأة فأتاها في دبرها، فشكته إلى أهلها، فشاع ذلك، فصاحوا به فخرج منها (3). قال الحاكم: أخرج له مسلم في كتابه ثلاثة عشر حديثا كلها شواهد، وقد تكلم المتأخرون من أئمتنا في سوء حفظه (4). وقال ابن حجر: أخرج له مسلم في المتابعات ولم يحتج به (5). ونقل الذهبي عن البخاري أ نه ذكر ابن عجلان في الضعفاء (6). وقال البخاري: " قال يحيى القطان: لا أعلم إلا أني سمعت


= شمس بن مناف، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 26: 101 والجرح والتعديل 8: الترجمة 228 وتهذيب التهذيب 9: 342) وغيرها من المصادر. (1) سنن النسائي 1: 74 باب مسح الاذنين مع الرأس وما يستدل به على أنهما من الرأس. (2) ميزان الاعتدال 3: 644 الترجمة 7938. (3) تهذيب الكمال 26: 107، تهذيب التهذيب 9: 342. (4) ميزان الاعتدال 3: 644 الترجمة 7938. (5) تهذيب التهذيب 9: 342. (6) ميزان الاعتدال 3: 645.

[ 94 ]

ابن عجلان يقول: كان سعيد المقبري يحدث عن أبيه عن أبي هريرة، وعن رجل، عن أبي هريرة، فاختلط فجعلهما عن أبي هريرة، كذا في نسختي بالضعفاء للبخاري. وعندي في مكان آخر: إن ابن عجلان كان يحدث عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، وعن رجل عن أبي هريرة، فاختلط عليه فجعلهما عن أبي هريرة. قلت: فهذا أشبه، وإلا لكان الغمز من القطان يكون في المقبري، والمقبري صدوق، إنما يروي عن أبيه، عن أبي هريرة، وعن أبي هريرة نفسه، ويفصل هذا من هذا... إلى أن ينهي الذهبي كلامه عن ابن عجلان بقوله "... وقد روي عنه عن أنس، فما أدري هل شافه أنسا أو دلس عنه " (1)!! وعليه فالبخاري لم يحتج في صحيحه بحديثه وإن كان قد روى له بعض الشئ استشهادا وتعليقا (2). ومثله فعل مسلم. وأما كلام الإمام مالك - آنف الذكر - فيمكن أن يفيدنا في الدلالة على سوء حفظه، لأن قوله " لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء ولم يكن عالما " يعني أ نه ليس أهلا للرواية والتحديث، فهذا يرشدنا إلى سوء حفظ ابن عجلان وعدم ضبطه، إذ ثبت عنه أ نه قد روى عن أناس لم يسمع منهم، كروايته عن النعمان بن أبي عياش مع أ نه لم يسمع منه (3) وصالح مولى التؤمة (4) و.... وهذه النصوص تدل على أ نه كان مرسلا أو مدلسا، وقد وقفت على تصريح الذهبي بقوله " لا أدري هل شافه أنسا أو دلس عنه ". فالذهبي رغم دفاعه عن الرواة


(1) ميزان الاعتدال 3: 644 - 647 الترجمة 7938. (2) انظر تهذيب الكمال 26: 108. (3) هذا قول الدار قطني في العلل 3 الورقة 179. (4) المراسيل، لابن حبان: 194.

[ 95 ]

لم يوثق ابن عجلان بل قال عنه: " إمام صدوق، مشهور " (1) وهذه العبارة - مشهور، صدوق - تشعر بعدم شريطه الضبط كما تقدم، ويؤيد ما قلناه ما جاء عن الذهبي في مكان آخر من الميزان: ابن عجلان متوسط في الحفظ (2)، بل صرح ابن حجر بسوء حفظه (3). وقال أبو زرعة عن ابن عجلان في أحد النقلين عنه: صدوق وسط (4). أضف إلى ذلك أن ابن عجلان قد أتى بأمور تخالف المروءة، وقد وقفت على قصته مع من تزوجها في مصر!! هذا، وإن العقيلي (5) والذهبي والبخاري - كما تقدم - (6) وغيرهم أوردوه في الضعفاء. يضاف إلى كل ذلك أن ابن عجلان قد عنعن روايته هنا عن زيد بن أسلم، مع انا لم نقف على تصريح له بالسماع عنه. في مكان آخر، وهذا ما يسقط روايته عن الحجية. والحاصل: فإن الاحتجاج به - على أحسن الأقوال - ممكن ولكن مع الاعتبار، خصوصا لو علمنا بما كرم الله به ابن عجلان، من إبقائه في بطن أمه أربعة أعوام حتى نبتت أسنانه (7)!!! الثانية: من جهة زيد بن أسلم على ما تقدم عليك في الأسانيد السابقة.


(1) ميزان الاعتدال 3: 644. (2) ميزان الاعتدال 3: 645. (3) مقدمة فتح الباري: 351. (4) تهذيب التهذيب 9: 342. (5) الضعفاء، للعقيلي 4: 118. (6) المغني 2: الترجمة 5816 وديوان الضعفاء الترجمة 3877. (7) انظر ميزان الاعتدال وتهذيب الكمال وغيرها في " ترجمة ابن عجلان ".

[ 96 ]

الإسناد الرابع قال النسائي: أخبرنا الهيثم بن أيوب الطالقاني (1)، قال: حدثنا عبد العزيز ابن محمد (2)، قال: حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) توضأ فغسل يديه ثم تمضمض، واستنشق من غرفة واحدة وغسل وجهه وغسل يديه مرة مرة ومسح برأسه وأذنيه مرة. قال عبد العزيز: وأخبرني من سمع ابن عجلان يقول في ذلك: وغسل رجليه (3). المناقشة وهذا الطريق مخدوش من جهتين: الأولى: من جهة عبد العزيز، فقد لينه غير واحد من أهل العلم، قال النسائي: ليس بالقوي (4). وسئل أحمد بن حنبل عنه، فقال: كان معروفا بالطلب، وإذا حدث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدث من كتب الناس وهم، وكان يقرأ من كتبهم فيخطئ، وربما قلب حديث عبد الله بن عمر يرويه عن عبيدالله بن عمر (5).


(1) هو السلمي، أبو عمران الطالقاني، وثقه النسائي وقال في موضع آخر: لا بأس به (انظر تهذيب الكمال 30: 365، وتقريب التهذيب) وغيرهما من المصادر. (2) هو الدراوردي، أبو محمد المدني، مولى جهينة " انظر ترجمته في تهذيب الكمال 18: 187، سير أعلام النبلاء 8: 366، ميزان الاعتدال 2: 633، تهذيب التهذيب 6: 353، الضعفاء للعقيلي 2: 20، تقريب التهذيب 1: 512 " وغيرها. (3) سنن النسائي 1: 73 باب مسح الاذنين. (4) تهذيب الكمال 18: 194، المستخرج من مصنفات النسائي في الجرح والتعديل: 105 ترجمة 169. (5) تهذيب الكمال 18: 193، الجرح والتعديل 5: 395 وفي الاخير كان يقلب حديث عبد الله العمري فيرويه عن عبد الله بن عمر.

[ 97 ]

وقال يحيى بن معين: ليس به بأس (1). وقال أبو زرعة: سئ الحفظ، فربما حدث من حفظه الشئ فيخطئ (2). وقال ابن سعد: ثقة، كثير الحديث، يغلط (3). وقال أبو حاتم: لا يحتج به (4). وعن أحمد أيضا: إذا حدث من حفظه يهم، ليس هو بشئ، وإذا حدث من كتابه فنعم (5). وقال عبد الرحمان بن أبي حاتم: سئل أبي عن عبد العزيز، فقال: محدث (6). وقال الذهبي: صدوق من علماء المدينة، غيره أقوى منه (7). وحكى الذهبي عن أحمد قوله: إذا حدث من حفظه جاء ببواطيل (8). وقال الساجي: كان من أهل الصدق والأمانة إلا أ نه كثير الوهم (9). وقال عياش بن المغيرة: جاء إلى أبي يعرض عليه الحديث فجعل يلحن لحنا منكرا، فقال له أبي: ويحك إنك إلى لسانك أحوج منك إلى هذا (10). وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال عنه: كان يخطئ (11). وقال ابن المديني: ثقة ثبت (12).


(1) تهذيب الكمال 18: 193، الجرح والتعديل 5: 396، والذي فيه (صالح، ليس به بأس). (2) الجرح والتعديل 5: 396، تهذيب الكمال 18: 194. (3) تهذيب الكمال 18: 195. (4) سير أعلام النبلاء 8: 367. (5) سير أعلام النبلاء 8: 367. (6) تهذيب الكمال 18: 194. (7) ميزان الاعتدال 2: 633. (8) ميزان الاعتدال 2: 634. (9 9) تهذيب التهذيب 6: 355. (11) الثقات، لابن حبان 7: 116. (12) ميزان الاعتدال 2: 634.

[ 98 ]

وقد ذكره العقيلي في ضعفائه (1)، والذهبي في كتابيه المغني (2) والميزان (3). وعليه فلا يمكن الاحتجاج بخبر الدراوردي لأنه وإن قيل بوثاقته لكنه يجرح بسوء حفظه وكثرة أخطائه، وهذان يسقطان الخبر عن الحجية. الثانية: من جهة زيد بن أسلم على ما مر عليك. ب: ما رواه سعيد بن جبير عنه الإسناد (4) قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي (5)، حدثنا يزيد بن هارون (6)، أخبرنا عباد بن منصور (7) عن عكرمة بن خالد (8)، عن سعيد بن جبير (9)، عن ابن عباس رأى


(1) ضعفاء العقيلي 3: 20 الترجمة 977. (2) المغني 2: الترجمة 3753. (3) ميزان الاعتدال 2: 634. (4) وهو الإسناد الخامس من أسانيد ابن عباس الغسلية. (5) وهو مردد بين الواسطي والخلال (انظر ترجمة الواسطي في تهذيب الكمال 6: 215، وترجمة الخلال في تهذيب الكمال 6: 259 الترجمة 1250) وغيره من المصادر. (6) هو يزيد بن هارون بن زادي السلمي، أبو خالد الواسطي (انظر تهذيب الكمال 32: 261 الترجمة 7061، الجرح والتعديل 9: الترجمة 1557) وغيرهما من المصادر. (7) هو عباد بن منصور الناجي، أبو سلمة البصري (انظر تهذيب الكمال 14: 156، الجرح والتعديل 6: الترجمة 438، سير أعلام النبلاء 7: 105، الضعفاء للعقيلي 3: 134، الضعفاء لابن الجوزي 2: 76، تهذيب التهذيب 5: 103، ميزان الاعتدال 2: الترجمة 4141، الطبقات الكبرى 7: 270) وغيرها من المصادر. (8) فهو عكرمة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة... القرشي المخزومي، المكي، وثقه يحيى بن معين وأبو زرعة والنسائي، روى له الجماعة سوى ابن ماجة (انظر تهذيب الكمال 20: 249 الترجمة 4004، الجرح والتعديل 7: الترجمة 34، الطبقات الكبرى 5: 475، ميزان الاعتدال 3: 90 الترجمة 5709). (9) هو سعيد بن جبير بن هاشم الاسدي الوالبي، أبو محمد الكوفي، أحد الاعلام، قتله الحجاج صبرا، قال الذهبي عنه: ولما علم من فضل الشهادة، ثبت للقتل ولم يكترث، ولا عامل عدوه بالتقية المباحة له =

[ 99 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ فذكر الحديث كله ثلاثا ثلاثا، قال: ومسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة (1). المناقشة وهذا الطريق مخدوش من جهتين: الأولى: من جهة الحسن بن علي، وهو مردد بين الواسطي والخلال الحلواني، وبما أن النفوري قد صرح في بذل المجهود (2) أ نه الخلال الحلواني فلن نتعرض لذكر حال الواسطي جريا مع ما صرح به. والخلال وثقه النسائي (3)، ويعقوب بن أبي شيبة (4)، والخطيب (5) على ما حكاه المزي (6)، إلا أ نه ورد فيه تليين - أو ما لازمه التجريح - من الإمام أحمد ابن حنبل وغيره. فقد قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عنه؟ فقال: ما أعرفه بطلب الحديث، ولا رأيته يطلب الحديث؟ وقال أيضا: لم يحمده أبي (7). وقال أيضا عن أبيه: تبلغني عنه أشياء أكرهها (8). وعن أبيه أيضا: أهل الثغر عنه غير راضين (9)... وقال داود بن الحسين: سألت أبا سلمة بن شبيب عن علم الحلواني، فقال: يرمى في الحش (10). والحاصل: فإن الوثوق بمرويات الخلال - هكذا ببساطة - لا يخلو من


= (انظر تهذيب الكمال 10: 358، سير أعلام النبلاء 4: 321 - 340) وغيرهما من المصادر. (1) سنن أبي داود 1: 32 ح 133، باب صفة وضوء النبي (صلى الله عليه وآله). (2) بذل المجهود 1: 325. (3 - 5) تهذيب الكمال 6: 262، تاريخ الخطيب 7: 366. (6) تهذيب الكمال 6: 262 - 263. (7 - 9) تهذيب الكمال 6: 262، تاريخ الخطيب 7: 365، تهذيب التهذيب 2: 303. (10) الحش: البستان، والكنيف. وهو كناية عن عدم أخذهم به وجرحهم له. (*

[ 100 ]

إشكالات، لما تقدم عليك من ذم بعض الأئمة له بنحو يوجب التأمل فيما يروي، لأن المسألة لم تنحصر في ذم الإمام أحمد بن حنبل ولا في وصف ابن شبيب علمه بأ نه مما يرمى في الحش، بل تعدت إلى أن فئة من الناس لا يرتضونه ولا يميلون إليه، والذم الجمعي ليس كالذم الفردي، لأن الأول يستبعد في حقه أن يقال فيه: أ نه ذم نشأ عن الغفلة وعدم الاطلاع التام على أحوال الخلال كما قد يحتمل في ذم فرد واحد له، فعلى هذا لا يمكن القول بأ نه عدل ثقة مع عدم رضا أهل الثغر كلهم عنه - بما فيهم عقلاؤهم ومتشرعوهم إلا مع مجازفة واضحة. وكذا القول بعدم وثاقته - طبق القواعد وبالنظر لتوثيقات من وثقه - مشكل أيضا. وأحسن الأمور أن يقال فيه: أ نه إذا روى شيئا فإنه يتوقف وينظر فيه، فإذا عارضه الثقات فإنه لا يحتج بما يروي، وإلا فيحتج به مع النظر، وقد يمكن الاحتجاج به عند عدم معارضة الثقات له حتى من دون النظر والاعتبار عند حصول الظن المعتبر بمفادات ما يروي. الثانية: من جهة عباد بن منصور، وعباد هذا لم يوثقه أحد من الأئمة، فكلهم بين جارح أو ملين له. قال يحيى بن معين: ليس بشئ (1)، ضعيف (2)، أو ليس بشئ في الحديث (3). وقال النسائي: ضعيف، وقد كان أيضا قد تغير (4). وقال الساجي: ضعيف مدلس (5).


(1) تهذيب الكمال 14: 158، ميزان الاعتدال 2: 376 الترجمة 4141. (2) الجرح والتعديل 6: 86. (3) المجروحين، لابن حبان البستي 2: 166. (4) الضعفاء والمتروكين، للنسائي، الترجمة 414، وفي تهذيب الكمال 14: 160 " ضعيف، ليس بحجة "، وفي ميزان الاعتدال 2: 376 " ضعفه النسائي "، وفي تهذيب التهذيب 5: 104 " ليس بحجة ". (5) ميزان الاعتدال 2: 376 الترجمة 4141 جاء في نسخة منه (قال العلائي، قال مهنا: سألت أحمد عنه فقال: كان يدلس).

[ 101 ]

وقال ابن الجنيد: متروك، قدري (1). وقال الدورقي عن ابن معين: ضعيف الحديث (2). وقال ابن سعد: كان قاضيا، وهو ضعيف، له أحاديث منكرة (3). وقال ابن الجنيد: عن يحيى بن معين: كان قدريا ضعيف الحديث (4). وقال وهب بن جرير: قدري خبيث (5). وقال أبو بكر بن أبي شيبة: هذا رجل ليس بالقوي في الحديث (6). وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن المديني: ضعيف عندنا وكان قدريا (7). وقال الجوزجاني:... وكان سئ الحفظ فيما سمعه، وتغير أخيرا (8). هذا، وقد أدرج مصنفوا الضعفاء اسمه في كتبهم كالذهبي (9) والعقيلي (10) وابن الجوزي (11) وغيرهم. نعم، قال أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان: قال جدي (12): عباد


(1) ميزان الاعتدال 2: 376 وفيه قال ابن الجيد وهو خطا والصحيح ما اثبتناه. (2) الكامل في الضعفاء 4: 338. (3) الطبقات الكبرى، لابن سعد 7: 270. (4) انظر هامش تهذيب الكمال 14: 159 (عن سولاته الورقة 39). (5) انظر هامش تهذيب الكمال 14: 160 (عن تاريخ الدوري 2: 293). (6) انظر هامش تهذيب الكمال 14: 160 (عن سؤالات ابن محرز: الورقة 40). (7) انظر هامش تهذيب الكمال 14: 160 (عن سؤلات ابن أبي شيبة للمديني الترجمة 13، 16). (8) انظر هامش تهذيب الكمال 14: 160 (عن أحوال الرجال: الترجمة 180). (9) ديوان الضعفاء 2: الترجمة 3054. (10) ضعفاء العقيلي 3: 134. (11) ضعفاء ابن الجوزي 2: 77. (12) هو يحيى بن سعيد بن فروخ، أبو سعيد القطان، ثقة متقن حافظ، احتج به الجماعة (انظر تقريب التهذيب 2: 348).

[ 102 ]

ابن منصور، ثقة، لا ينبغي أن يترك حديثه لرأي أخطأ فيه، يعني القدر (1). وهذه الجملة قد يستفاد منها التوثيق، لكن الحق أ نها لا تفيده، لأن نقل الحفيد أحمد بن محمد عن جده لا يتفق مع النقل الآخر عن ابن القطان، فقد جاء عنه قوله:... إنا حين رأيناه كان لا يحفظ... (2) وقد مر عليك أن (صدوق) و (لا بأس به) و (محله الصدق) وغيرها من عبارات هذه المرتبة من مراتب التعديل لا يمكن الاحتجاج بأحد من أهلها، لأ نها تشعر بعدم شريطة الضبط، وفيما نحن فيه فإن عبارة القطان (لا يحفظ) هي الأخرى دالة على عدم الضبط، بخلاف ما نقله أحمد بن محمد عن جده فإنها تدل على ذلك بالإشعار لا الصراحة، والعلة في ذلك أن التوثيق لا يطلق على من كان لا يحفظ، اللهم الا أن يقال أن مقصود القطان هنا هو أن عباد ثقة في نفسه حتى لو افترض أ نه لا يحفظ وغير ضابط في الحديث، وهذا هو الذي عنيناه بالإشعار، فانتبه. ولا يخفى عليك أن دلالة الصريح تقدم على دلالة الإشعار بالأولوية العقلية، وعليه فعدم الاحتجاج بقول أحمد بن محمد عن جده هنا أولى. هذا إذا افترضنا كون عباد قائلا بالقدر مع عدم كونه داعية إليه، وإلا فلا يحتج بالداعية من الأساس على ما هو صريح ابن الصلاح (3)، وابن حبان (4)، وابن حجر (5)، والنووي (6)، والطيبي (7)، والسيوطي (8)، وكل أصحاب الشافعي (9).


(1) تهذيب الكمال 14: 158، الجرح والتعديل 6: 86. (2) تهذيب الكمال 14: 158، الجرح والتعديل 6: 86، الكامل في الضعفاء 4: 338. (3) مقدمة ابن الصلاح: 230. (4) حكاه عنه الطيبي في الخلاصة: 91، وابن الصلاح في المقدمة: 229، وابن حجر في مقدمة فتح الباري: 382، والسيوطي في تدريب الراوي 1: 225 والذهبي في الميزان 2: 378. (5) مقدمة فتح الباري: 382. (6) تقريب النووي (المطبوع مع شرح الكرماني على البخاري) 1: 13. (7) الخلاصة في أصول الحديث: 91. (8) تدريب الراوي: 177. (9) حكاه عنهم الطيبي في الخلاصة: 91.

[ 103 ]

وقد صرح ابن حبان بكونه داعية إلى مذهبه حيث قال: وكان داعية إلى القدر (1). أضف إلى ذلك أن حصر العلة - في كلام أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان عن جده - بالقول بالقدر، خطأ واضح من القطان، وذلك لأن الآخرين من الائمة إنما أعرضوا عن عباد لا لمجرد كونه يقول بالقدر، بل لأنه مدلس أيضا، فقد صرح البخاري بأن عبادا ربما دلس عن عكرمة (2)، وهذا التدليس منه في بعض الموارد، ينطبق على ما نحن فيه، لأن عبادا - في هذا الخبر - قد عنعن عن عكرمة، وبما أن البخاري قد صرح بتدليسه أحيانا عن عكرمة، والساجي صرح بأ نه مدلس (3). فلا يمكن الاعتماد على هذا الخبر بعد هذا، ويسقط عن الحجية، وخصوصا لو اتضح لنا عدم ضبطه وعدم إتقانه، وتغيره وروايته للمناكير!! وقد أخرج العقيلي عن الحسين بن عبد الله الذراع أ نه قال: سمعت أبا داود قال: عباد بن منصور ولي قضاء البصرة خمس مرات، وليس هو بذاك، وعنده أحاديث فيها نكارة، وقالوا: تغير (4). وقد مر عليك قول ابن سعد عنه: ضعيف له أحاديث منكرة. ولو سلمنا ثبوت توثيق القطان هذا، فهو لا يقاوم التجريحات المفسرة في عباد، لأن جل أهل العلم على تقديم الجرح المفسر على التعديل عند التعارض، لأنه - وكما قيل - مع الجارح زيادة علم خفيت على المعدل، وعلى هذا صريح كلام


(1) ميزان الاعتدال 2: 378 الترجمة 4141، المجروحين لابن حبان 2: 165. (2) هذا ما حكاه الذهبي عنه في الميزان 2: 377 الترجمة 4141. تهذيب التهذيب 5: 105. (3) ميزان الاعتدال 2: 376 الترجمة 4141، هامش الضعفاء للعقيلي 3: 134، قال مهنا سألت أحمد عنه فقال: كان يدلس. تهذيب التهذيب 5: 105. (4) الضعفاء للعقيلي 3: 137 الترجمة 1119، تهذيب الكمال 14: 159 عن (سؤلات الآجري 3 / الورقة 26).

[ 104 ]

ابن الصلاح (1)، وابن كثير (2)، والطيبي (3)، والبلقيني (4)، والعراقي (5)، وابن الاثير (6)، والنووي (7) وابن عساكر (8) والفخر الرازي (9) والآمدي (10) والسخاوي (11) والسيوطي (12) وغيرهم، بل لم نعثر على مخالف بعد الاتفاق على ذلك.


(1) محاسن الاصلاح (المطبوع ضمن مقدمة ابن الصلاح): 224. (2) اختصار علوم الحديث: 77. (3) الخلاصة في أصول الحديث: 87. (4) محاسن الاصلاح، للبلقيني (المطبوع ضمن مقدمة ابن الصلاح): 224. (5) فتح المغيث 1: 336 وط اخرى 1: 263. (6) مقدمة جامع الأصول 1: 128. (7) تقريب النووي (المطبوع مع شرح الكرماني على البخاري) 1: 12. (8 - 10) حكاه عنهم السخاوي في فتح المغيث 1: 336. (11) فتح المغيث 1: 287. (12) تدريب الراوي 168 وط اخرى 1: 309.

[ 105 ]

الخلاصة بعد أن انتهينا من بيان حال الأسانيد الخمسة للوضوء الغسلي عن ابن عباس، لابد لنا من تلخيص الكلام فيها، فنقول وبالله المستعان: أوضحت لنا الصفحات السابقة، أن الطرق الغسلية عن ابن عباس تنتهي إلى تابعيين قد رويا الغسل عنه. هما: الأول: عطاء بن يسار. فقد وقع في الإسناد الأول إليه سليمان بن بلال، وفي الاسناد الثاني هشام بن سعد، وفي الإسناد الثالث محمد بن عجلان، وفي الاسناد الرابع عبد العزيز ابن محمد الدراوردي، وهؤلاء ممن لم يتفق الأئمة على وثاقتهم، وإن قول الرجاليين عنهم (لا بأس به) (صدوق) وو... يشعر بعدم شريطة الضبط، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد أثبتنا لك فيما تقدم أن رواية زيد بن أسلم عن عطاء منقطعة أو في حكم المنقطعة، وذلك لأ نه مدلس، ونقلنا لك تصريحات الأئمة على تدليسه عن أربعة من الصحابة، مع ملاحظة أن زيدا لم يثبت له سماع عن عطاء ثبوتا معتبرا في مصنفات الحديث. الثاني: سعيد بن جبير (1). وقد وقع في الإسناد إليه الحسن بن علي الخلال الحلواني الذي لينه أحمد بن حنبل وأبو سلمة، ووقع فيه عباد بن منصور الذي ضعفه ابن معين والنسائي والساجي والدورقي وابن سعد وغيرهم من أئمة الجرح والتعديل. وإن وجود هذين الشخصين في خبر سعيد بن جبير يسقطه من الاعتبار والحجية، وخصوصا مجئ عباد بن منصور في إسناد يرويه عن عكرمة الذي احتمل البخاري تدليسه عنه بقوله (ربما دلس عن عكرمة) (2)، مع معرفتنا بأن عبادا كان قدريا يدعو إلى مذهبه ويروي


(1) وهو ما جاء في سنن أبي داود 1: 33 ح 133. (2) ميزان الاعتدال 2: 378.

[ 106 ]

المناكير، وكان لا يحفظ - حسبما قاله القطان عنه - فهذه الأوصاف أسقطت خبر سعيد بن جبير، من الحجية. فان قلت: يمكن تصحيح ما روى عن ابن عباس في الغسل باعتبار أن هناك شواهد صحيحة من مرويات عثمان وعبد الله بن زيد بن عاصم وعبد الله بن عمرو ابن العاص وغيرهم ممن روى الغسل عن النبي (صلى الله عليه وآله)، فلا تضر الخدشة في الأسانيد الخمسة التي روت عن ابن عباس الغسل. قلنا: سيأتي منا البرهان على أن مرويات هؤلاء الصحابة معارضة بمثلها سندا ودلالة، فقد روي عن ابن عباس وعثمان وعبد الله بن زيد وعبد الله بن عمرو بن العاص، كما روي عن علي وأنس بن مالك وعبد الله بن عمر وأوس بن أبي أوس ورفاعة بن رافع وغيرهم في المسح بأسانيد أقوى من أسانيد الغسل، وبدلالة أوضح منها، فادعاء التصحيح بالشواهد - مع هذه المعارضة الشديدة جدا - مما لا وجه له، على أن هذا هو مما سنبحثه مفصلا بعد إنتهائنا من مناقشه جميع البحوث السندية - غسلية كانت أم مسحية - فانتظر ذلك!!.

[ 107 ]

عبد الله بن عباس وروايات المسح

[ 109 ]

هناك مجموعة من الروايات صدرت عن ابن عباس روى فيها أن فرض الرجلين في الوضوء هو المسح لا غير، وقد أسندها عنه غير واحد من أئمة الحديث. الإسناد الأول قال عبد الرزاق (1)، عن ابن جريح (2)، قال: أخبرني عمرو بن دينار (3) أ نه سمع عكرمة (4) يقول: قال ابن عباس: الوضوء غسلتان ومسحتان (5). المناقشة رجال هذا الطريق أئمة ثقات ضابطون، احتج بهم الجماعة فضلا عن غيرهم، ولم يرد فيهم ما يخدش في وثاقتهم، اللهم إلا أشياء قليلة - سنتعرض لها - غير قادحة


(1) هو ابن نافع الحميري، مولاهم، اليماني، أبو بكر الصنعاني روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 18: 57، سير أعلام النبلاء 9: 563، تهذيب التهذيب 6: 314) وغيرها من المصادر. (2) هو عبد الملك بن جريح القرشي، الاموي، أبو الوليد روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 18: 338 سير أعلام النبلاء 6: 325، تهذيب التهذيب 6: 402) وغيرها من المصادر. (3) هو المكي، أبو الأثرم الجمحي، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 22: 6، سير أعلام النبلاء 5: 300، الجرح والتعديل 6: 231) وغيرها من المصادر. (4) هو عكرمة القرشي الهاشمي، أبو عبد الله المدني، مولى ابن عباس، روى له مسلم مقرونا بغيره واحتج به الباقون (انظر تهذيب الكمال 20: 264، سير أعلام النبلاء 5: 12 - 36، تهذيب التهذيب 7: 263) وغيرها من المصادر. (5) مصنف عبد الرزاق 1: 19 ح 55 وعنه في كنز العمال 5 رقم 2211.

[ 110 ]

فيهم فأما عبد الرزاق فهو ممن احتج به أئمة أهل العلم وأصحاب الكتب الستة، إلا أ نه ورد فيه بعض التليين، وغاية ما قيل فيه من جرح أو تليين ثلاثة أشياء لم يعبأ بها أهل العلم، وهي: الأول: تكذيب العنبري له. قال العنبري (العباس بن عبد العظيم) فيه: والله الذي لا إله إلا هو إن عبد الرزاق كذاب (1). وتهمة العنبري هذه غير مفسرة، إذ أ نه لم يبين موارد كذبه، وفي أي حديث كان؟! فعدم ذكره لها يعني إسقاط كلامه من الاعتبار، وجعله بمثابة الدعوى التي يطالب قائلها بشاهد عليها، والذي يزيد هذه التهمة إبهاما وسقوطا هو تفرده في نسبتها إلى عبد الرزاق، ولم يتابعه عليها أحد من الأعلام. فقد قال ابن حجر: " عبد الرزاق أحد الحفاظ الأثبات، صاحب التصانيف، وثقه الأئمة كلهم إلا العباس بن عبد العظيم العنبري وحده، فتكلم بكلام أفرط فيه ولم يوافقه عليه أحد " (2). وقال الذهبي - في السير - عن عبد الرزاق "... بل والله ما بر العباس بيمينه، ولبئس ما قال، يعمد إلى شيخ الإسلام ومحدث الوقت، ومن احتج به كل أرباب الصحاح... فيرميه بالكذب، ويقدم عليه الواقدي الذي أجمعت الحفاظ على تركه، فهو في مقالته هذه خارق للإجماع بيقين " (3). وقال في الميزان: " هذا ما وافق العباس عليه مسلم، بل سائر الحفاظ وأئمة العلم يحتجون به إلا في تلك المناكير المعدودة " (4)، فتعبير الذهبي عن المناكير ب‍ (المعدودة)،


(1) حكاه عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء 9: 571، وابن حجر في مقدمة الفتح: 418. (2) مقدمة فتح الباري: 418. (3) سير أعلام النبلاء 9: 571 - 572. (4) ميزان الاعتدال 2: 611.

[ 111 ]

ثم تفسير الآخرين لها، مما يهون الخطب، لأنها معدودة ومعروفة عند أصحاب الحديث، فيمكن للباحث الوقوف عندها لدراستها. هذا، وإن الذهبي في ميزانه (1) وابن عدي في ضعفائه (2) قد أشارا إلى أن هذه المناكير قد رواها الضعفاء والمتروكون عن عبد الرزاق، فهي إذن مناكير من جهة من روى عن عبد الرزاق لا من جهته، فالتفت. ويدل عليه ما جاء عن أحمد بن حنبل أنه قال: حدثني أحمد بن شبويه، قال: هؤلاء - أي الذين حدثوا عنه المناكير - سمعوا بعد ما عمي، كان يلقن، فلقنه، وليس هو في كتبه، وقد أسندوا عنه أحاديث ليست في كتبه، كان يلقنها بعد ما عمي (3). وقال الذهبي: سمعت أبا علي الحافظ، سمعت أحمد بن يحيى التستري يقول: لما حدث أبو الأزهر بهذه الفضائل أخبر يحيى بن معين - تلميذ عبد الرزاق - بذلك، فبينما هو عنده في جماعة أصحاب الحديث إذ قال: من هذا الكذاب النيسابوري الذي حدث بهذا عن عبد الرزاق؟! فقام أبو الأزهر، فقال: هو ذا أنا، فتبسم يحيى ابن معين، وقال: أما إنك لست بكذاب، وتعجب من سلامته، وقال: الذنب لغيرك (4). وقال ابن الصلاح "... وقد وجدت فيما روي عن الطبري، عن إسحاق ابن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، أحاديث أستنكرها جدا، فأحلت أمرها على ذلك - أي عند ذهاب بصره - فإن سماع الدبري منه متأخر جدا، قال إبراهيم الجري: مات عبد الرزاق وللدبري ست أو سبع سنين " (5).


(1) ميزان الاعتدال 2: 613. (2) الكامل في الضعفاء 5: 313. (3) تهذيب الكمال 18: 57 (4) سير أعلام النبلاء 9: 575. (5) مقدمة ابن الصلاح: 597.

[ 112 ]

وقال ابن الصلاح أيضا: وعلى هذا يحمل قول العنبري " إنه كذاب " (1)!. الثاني: اتهامه بالتشيع. قال أبو أحمد بن عدي: ولعبد الرزاق أصناف وحديث كثير، وقد رحل إليه ثقات المسلمين وأئمتهم وكتبوا عنه، ولم يروا بحديثه بأسا، إلا أنهم نسبوه إلى التشيع، وقد روى أحاديث في الفضائل مما لا يوافقه عليه أحد من الثقات، فهذا أعظم ما ذموه من روايته لهذه الأحاديث، ولما رواه في مثالب غيرهم، وأما في باب الصدق فإني أرجو أنه لا بأس به إلا أنه قد سبق منه أحاديث في فضائل أهل البيت ومثالب آخرين مناكير (2). وهذه التهمة باطلة، لقول عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي، قلت: عبد الرزاق كان يتشيع ويفرط في التشيع؟ فقال: أما أنا فلم أسمع منه في هذا شيئا، ولكن كان رجلا تعجبه أخبار الناس، أو الأخبار (3). وعن عبد الرزاق قوله: والله ما انشرح صدري قط، أن أفضل عليا على أبي بكر وعمر، رحم الله أبا بكر، ورحم الله عمر، ورحم الله عثمان، ورحم الله عليا، من لم يحبهم فما هو مؤمن، وقال: أوثق عملي حبي إياهم. وفي نقل آخر عنه قوله: أفضل الشيخين بتفضيل علي إياهما على نفسه، ولو لم يفضلهما لم أفضلهما، كفى بي آزرا أن أحب عليا ثم أخالف قوله (4). ونحن من خلال هذين النصين لا نريد القول بتفضيل عبد الرزاق للشيخين على علي بن أبي طالب أو العكس وأن ذلك هو معيار التشيع وعدمه آنذاك، بل الذي نريد قوله هو أن روايته أحاديث لم يوافقه الثقات لا يعني كونها موضوعة كما لا يعني عدم صحتها في نفسها، لأن النكارة عند القوم هي رواية أحاديث لا يرتضونها، وليس معناه عدم صحتها - حسبما نوضحه في بحوثنا اللاحقه - وخصوصا لما عرفنا من


(1) مقدمة ابن الصلاح: 597. (2) تهذيب الكمال 18: 60 عن الكامل. (3) علل أحمد 1: 233. (4) تهذيب الكمال 18: 60.

[ 113 ]

وجود نهجين في الشريعة 1 - التعبد المحض 2 - الاجتهاد والرأي وكذا الحال بالنسبة إلى تقديم عبد الرزاق وغيره عليا على غيره، فهو الآخر لا يعني غلوا أو رفضا، لأن هذا التقديم يدخل في باب الاجتهاد المستنبط من الأدلة، ولا يمكن لأحد اتهام الذاهب إليه بالرفض أو الغلو، لأن زيادة محبة بعض المؤمنين لم يحرمها كتاب ولا سنة، وخصوصا حينما عرفنا ذهاب جمع من الصحابة والتابعين إلى ذلك أمثال: ابي ذر الغفاري، عمار بن ياسر، المقداد بن الأسود، سلمان الفارسي، ابي أيوب الأنصاري، خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، جابر بن عبد الأنصاري، العباس بن عبد المطلب، الحسن والحسين، وذهب إلى ذلك أيضا بنو المطلب وبنو هاشم كافة، وما لا يحصى من التابعين كحجر بن عدي وأويس القرني وزيد ابن صوحان وذهب إلى ذلك ايضا صعصعة وجندب الخير وغيرهم. وعليه فرواية عبد الرزاق وأمثاله أحاديث في فضائل أهل البيت أو مناقب الآخرين لا يعني عدم صحة تلك الأحاديث أو كونها نقلت غلوا أو رفضا كما يدعونه، وهي الأخرى لا يمكن أن تعد جرحا للراوي، لأن دعاة النهج الحاكم استهدفوا رواة فضائل علي ومناقب الآخرين بالنقد والتجريح وإن كانت لتلك الأخبار شواهد ومتابعات صحيحة في صحاحهم. وخير ما أختم به هذا الاتهام هو ما قاله الذهبي للعقيلي في الدفاع عن علي ابن عبد الله بن جعفر المديني، والحديث طويل، منه: "... ولو تركت حديث علي، وصاحبه محمد، وشيخه عبد الرزاق، وعثمان بن أبي شيبة، وإبراهيم بن سعد، وعفان، وأبان العطار، وإسرائيل، وأزهر السمان، وبهز بن أسد، وثابت البناني، وجرير بن عبد الحميد، لغلقنا الباب، وانقطع الخطاب، ولماتت الآثار، واستولت الزنادقة، ولخرج الدجال، أفما لك عقل يا عقيلي، أتدري فيمن تتكلم، وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذب عنهم ولنزيف ما قيل فيهم، كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق

[ 114 ]

منك بطبقات، بل وأوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك، فهذا مما لا يرتاب فيه محدث، وأنا اشتهي أن تعرفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط أو انفرد بما لا يتابع عليه، بل الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له، وأكمل لرتبته، وأدل على اعتنائه بعلم الأثر، وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهم إلا أن يتبين غلطه ووهمه في الشئ فيعرف ذلك، فانظر أول شئ إلى أصحاب رسول الله الكبار والصغار، ما فيهم أحد إلا وقد انفرد بسنة، فيقال له: هذا الحديث لا يتابع عليه، وكذلك التابعون، كل واحد عنده ما ليس عند الآخر من العلم، وما الغرض هذا، فإن هذا مقرر على ما ينبغي في علم الحديث وإن تفرد الثقة يعد صحيحا غريبا، وإن تفرد الصدوق ومن دونه يعد منكرا، وإن إكثار الراوي من الأحاديث التي لا يوافق عليها لفظا أو إسنادا يصيره متروك الحديث، ثم ماكل أحد فيه بدعة أو له هفو، أو ذنوب يقدح فيه بما يوهن حديثه، ولا من شرط الثقة أن يكون معصوما من الخطايا والخطأ، ولكن فائدة ذكرنا كثيرا من الثقات الذين فيهم أدنى بدعه أو لهم أوهام يسيرة في سعة علمهم أن يعرف أن غيرهم أرجح منهم وأوثق إذا عارضهم أو خالفهم، فزن الأشياء بالعدل والورع (1)!!. وقد يدل على مكانة عبد الرزاق ووثاقته مقولة تلميذه يحيى بن معين فيه، حيث حكى محمد بن إسماعيل الضراري قوله: بلغنا ونحن بصنعاء عند عبد الرزاق أن أصحابنا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهما تركوا حديث عبد الرزاق وكرهوه فدخلنا من ذلك غم شديد، وقلنا: قد اتفقنا ورحلنا وتعبنا، فلم أزل في غم من ذلك إلى وقت الحج، فخرجت إلى مكة فلقيت بها يحيى بن معين، فقلت له: يا أبا زكريا ما نزل بنا من شئ بلغنا عنكم في عبد الرزاق؟ قال: وما هو؟ قلنا: بلغنا أنكم تركتم حديثه ورغبتم عنه؟!. فقال: يا أبا صالح لو ارتد عبد الرزاق عن الإسلام ما تركنا


(1) ميزان الاعتدال، للذهبي 3: 140 - 141 ترجمة رقم 5874

[ 115 ]

حديثه (1). وبعد هذا نقول: ليس من المعقول أن يكون عبد الرزاق فاسد المذهب والرواية ونحن نرى أئمة الحديث والرجال أمثال يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وابن راهويه وغيرهم (2) يأخذون الحديث عنه ويوثقونه. الثالث: القول بأ نه تغير. قال النسائي: فيه نظر لمن كتب عنه بأخرة، روي عنه أحاديث مناكير (3). وقال أبو زرعة الدمشقي، أخبرنا أحمد بن حنبل، قال أتينا عبد الرزاق قبل المائتين وهو صحيح البصر، ومن سمع منه بعد ما ذهب بصره، فهو ضعيف السماع (4). وقال أحمد بن شبويه: ".. هؤلاء - أي من روى عن عبد الرزاق المناكير - سمعوا منه بعد ما عمي، كان يلقن فلقنوه، وليس في كتبه، وقد أسندوا عنه أحاديث ليست في كتبه (5) ". وهذه النصوص توضح أن تغير عبد الرزاق كان في أواخر عمره، وبسبب ذهاب بصره. وأن التضعيف والتليين يرجع إلى ما رواه عنه الضعفاء والمتروكون لا لنفسه، لأن من الواضح أن كتب عبد الرزاق معتمدة ولم يخدش في سلامتها أحد، فقال البخاري: ما حدث عنه عبد الرزاق من كتابه فهو أصح (6). وقال أحمد بن حنبل: من سمع من الكتب فهو أصح (7). وقال الذهبي: ومن احتج به لا يبالي بتغيره، لأنه إنما حدث من كتبه لا من


(1) سير أعلام النبلاء 9: 573، الميزان للذهبي الضعفاء، للعقيلي 3: 110. (2) انظر تهذيب الكمال 18: 59، سير أعلام النبلاء 9: 564. (3) ميزان الاعتدال 2: 610، الضعفاء والمتروكون (للنسائي): 154 وليس فيه: روى عنه احاديث مناكير. (4) سير أعلام النبلاء 9: 565، تهذيب الكمال 18: 58. (5) سير أعلام النبلاء 9: 568. (6) ميزان الاعتدال 2: 610، التاريخ الكبير، للبخاري 6: 130 الترجمة 1933. (7) تهذيب الكمال 18: 58.

[ 116 ]

حفظه (1). والحاصل: فإن كتب عبد الرزاق معتبرة معتمدة عند أهل العلم، وبخاصة مصنفه الجامع الذي قال عنه الذهبي: إنه خزانة علم (2)، وأنت تعلم ما في عبارة الذهبي من دلالة على اعتبار ما في المصنف من أحاديث، أضف إليه: أن سماع عبد الرزاق من ابن جريح وروايته عنه، مما لا يتكلم ولم يتكلم فيه أحد من أهل العلم، لأنه فيها من الأثبات كما هو صريح أحمد بن حنبل (3). وعليه فإن خبر المسح عن ابن عباس - من جهة عبد الرزاق - حجة لكونه قد ورد في مصنفه، ولم يكن من محفوظاته!! ولعنعنة عبد الرزاق هنا عن ابن جريح وهو ممن سمع عنه. وأما ابن جريح فقد أجمع أئمة رجال الحديث على الاحتجاج به بشرط أن يصرح بالسماع، وذلك لاشتهاره بالتدليس والإرسال عن الآخرين. قال أبو بكر الأثرم: قال أحمد بن حنبل: إذا قال ابن جريح " قال فلان " و " أخبرت " جاء بمناكير، وإذا قال " أخبرني " و " سمعت " فحسبك به (4). وقال أبو الحسن الميموني، عن أحمد بن حنبل: إذا قال ابن جريح " قال " فاحذره، وإذا قال " سمعت " أو " سألت " جاء بشئ ليس في النفس منه شئ (5). وقال يزيد ابن زريع: كان ابن جريح صاحب غثاء (6). وقال مالك بن أنس: كان ابن جريح حاطب ليل (7).


(1) انظر هامش مختصر علوم الحديث، للطيبي: 196. (2) ميزان الاعتدال 2: 609. (3) تهذيب الكمال 18: 58. (4) تهذيب الكمال 18: 348، تاريخ الخطيب 10: 405. (5) تهذيب الكمال 18: 348. (6 - 7) تهذيب الكمال 18: 349، تاريخ الخطيب 10: 404.

[ 117 ]

وقال ابن حجر: ثقة، فقيه، فاضل، يدلس ويرسل (1). أقول: حديث ابن جريح في هذا الطريق خال من علة التدليس والإرسال، فأما أ نه ليس بمرسل، فلأن ابن جريح قد عاصر عمرو بن دينار، وقد صرح هو بذلك حيث قال: جالست عمرو بن دينار بعد ما فرغت من عطاء تسع سنين (2). وأما أ نه ليس بمدلس، فلأن ابن جريح قد صرح هنا بالسماع بقوله " أخبرني عمرو بن دينار "، وعليه فلا خدشة في هذا الطريق من هذه الجهة. والظاهر إن ما اشتهر به ابن جريح من الأرسال والتدليس هو الذي دعا مالكا وابن زريع لأن يتكلما فيه، فنحن لم نعثر على قول جرح به ابن جريح غير ما اشتهر عنه من التدليس والإرسال!! ومهما يكن من أمر فإن كلام مالك وابن رزيع جرح مبهم، وهو لا يعارض التعديل من الأئمة له - كما هو مسلم -. وأما عمرو بن دينار فهو إمام من الأئمة، قد أجمع أهل العلم على الاحتجاج بمروياته، ولم نعثر على من جرحه أو لينه بشئ. قال أبو زرعة: مكي ثقة (3). وقال أبو حاتم: ثقة ثقة (4). وقال النسائي: ثقة ثبت (5). وقال ابن عيينة: ثقة، ثقة، ثقة (6). وقال ابن حجر: ثقة ثبت، من الرابعة (7).


(1) تقريب التهذيب 1: 520. (2) تهذيب الكمال 18: 347، وانظر تاريخ الخطيب 10: 402. (3 - 4) تهذيب الكمال 22: 11، الجرح والتعديل 6: 231. (5) تهذيب الكمال 22: 11. (6) سير أعلام النبلاء 5: 302. (7) تقريب التهذيب 2: 69.

[ 118 ]

إلى غير هذه الأقوال التي تشهد على علو مقامه ورفعة منزلته عند أهل الحديث، وخصوصا فيما رواه عن ابن عباس، إذ أ نه أدركه وعاصره وروى عنه، فضلا عن روايته عن أصحابه، فقد قال ابن عيينة: ما أعلم أحدا أعلم بعلم ابن عباس رضي الله عنهما من عمرو بن دينار، سمع من ابن عباس، وسمع من أصحابه (1). وقال عمرو بن دينار نفسه: جالست جابرا وابن عباس وابن عمر (2). والحاصل: فانه مجمع على الاحتجاج به وخاصة فيما يرويه عن ابن عباس. وأما عكرمة فهو المفسر المشهور، - أحد أوعية العلم حسب تعبير الذهبي - احتج به الجماعة وغير الجماعة، إلا أن مسلما قد أخرج له مقرونا بغيره (3)، لكنه رجع فاحتج به فيما بعد - على ما سيأتي توضيحه - وقد جرح البعض عكرمة، ودافع عنه آخرون حيث صنفوا كتبا في الذب عنه، منهم: أبو جعفر بن جرير الطبري، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو عبد الله بن منده، وأبو حاتم، وابن حبان، وأبو عمرو بن عبد الله، وغيرهم (4). وممن تصدى للدفاع عنه الحافظ ابن حجر في مقدمته لفتح الباري، وكلهم مجمعون على تبرئته من الكذب (5). وعلى أي حال، فإن غاية ما قيل في عكرمة من تهم وطعون هي ثلاثة، وهي كلها يمكن أن يجاب عنها طبق ما قرر من اصول وقواعد، وعليه فالنتيجة المتوصل


(1) التاريخ الكبير، للبخاري 6: الترجمة 2544. (2) تهذيب الكمال 22: 11. (3) فقد قرن مسلم عكرمة بطاووس في الرواية عن ابن عباس في حج ضباعة (انظر صحيح مسلم بشرح النووي 7 - 8: 382 ح 1208). (4) مقدمة فتح الباري: 424 وفي كلام الشيخ محمد تقي التستري - من الشيعة - ما يشير إلى دفاعه عن بعض التهم الموجهة إليه، انظر قاموس الرجال 7: 237. (5) مقدمة فتح الباري: 424.

[ 119 ]

إليها هنا لا تعني بالضرورة رأينا، ولا تمتثل وجهة نظرنا، وإنما تعنى صحة النتيجة طبق الإصول والمقررات وعلى أي حال فالطعون هي: الأول: القول بأ نه كذاب وأشد ما استدلوا به على كذبه عدة نصوص، هي: 1 - ما جاء عن ابن عمر من قوله لنافع: لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس (1). 2 - روى جرير بن عبد الحميد، عن يزيد بن أبي زياد، قال: دخلت على علي بن عبد الله بن عباس، وعكرمة مقيد على باب الحش، قال: قلت: ما لهذا كذا؟ قال: إنه يكذب على أبي (2). 3 - روى إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب أنه قال لبرد مولاه: لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس (3). وروى هشام بن سعد، عن عطاء الخراساني، قال: قلت لسعيد بن المسيب: إن عكرمة يزعم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تزوج ميمونة وهو محرم، فقال: كذب مخبثان، اذهب فسبه، سأحدثكم: قدم رسول وهو محرم، فلما حل تزوجها (4). 4 - قال عبد الكريم الجزري: قلت لسعيد بن جبير: إن عكرمة كره كراء الأرض، فقال: كذب عكرمة، سمعت ابن عباس يقول: إن أمثل ما أنتم صانعون استئجار الأرض البيضاء (5). 5 - قال مسلم الزنجي، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، أنه كان جالسا مع سعيد ابن جبير فمر به عكرمة ومعه ناس، فقال لنا سعيد: قوموا إليه واسألوه واحفظوا ما تسألون عنه وما يجيبكم، فقمنا وسألناه فأجابنا، ثم أتينا سعيدا فأخبرناه،


(1) تهذيب الكمال 20: 279، سير أعلام النبلاء 5: 22. (2) سير أعلام النبلاء 5: 23، تهذيب الكمال 20: 280. (3) تهذيب الكمال 20: 280، سير أعلام النبلاء 5: 22. (4 - 5) تهذيب الكمال 20: 280، سير أعلام النبلاء 5: 24.

[ 120 ]

فقال: كذب (1). 6 - وعن عثمان بن مرة، قال: قلت للقاسم: أن عكرمة قال: حدثنا ابن عباس أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن المزفت، والنقير، والدباء، والحنتم، والجرار، قال: يا ابن أخي إن عكرمة كذاب يحدث غدوة حديثا يخالفه عشية (2). 7 - عن القاسم بن معن، قال: حدثني أبي، قال: حدث عكرمة بحديث، فقال: سمعت ابن عباس يقول كذا وكذا، فقلت: يا غلام هات الدواة والقرطاس، فقال: أعجبك؟ قلت: نعم، قال: إنما قلته برأيي (3). 8 - وقال فطر بن خليفة: قلت لعطاء: أن عكرمة قال: قال ابن عباس: سبق الكتاب المسح على الخفين، فقال: كذب عكرمة، سمعت ابن عباس يقول: امسح على الخفين وإن خرجت من الخلاء (4). 9 - وسئل ابن سيرين عنه فقال: ما يسوءني أ نه يكون من أهل الجنة، ولكنه كذاب (5). 10 - ونقل الربيع بن سليمان عن الشافعي أ نه قال: وهو - يعني مالك بن أنس - سئ الرأي في عكرمة، قال: لا أرى لأحد أن يقبل حديثه (6). أقول: أكد المدافعون عن عكرمة بأن هذه الأقوال المتقدمة لا تثبت كذبا عليه، ولا يصح الاستدلال بها على تكذيبه، لأن المروي عن ابن عمر غير صحيح، لوجود يحيى البكاء في الرواية عنه، وهو متروك الحديث، إذ قال ابن حبان عنه: كان يتفرد بالمناكير عن المشاهير، ويروي المعضلات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به (7).


(1) سير أعلام النبلاء 5: 22. (2) تهذيب الكمال 20: 286، سير أعلام النبلاء 5: 28. (3) سير أعلام النبلاء 5: 29، تهذيب الكمال 20: 286. (4) سير أعلام النبلاء 5: 24، تهذيب الكمال 20: 281. (5) تهذيب الكمال 20: 282، سير أعلام النبلاء 5: 25. (6) تهذيب الكمال 20: 283، سير أعلام النبلاء 5: 26. (7) الضعفاء لابن الجوزي 2 - 3: 193، ميزان الاعتدال 4: 409.

[ 121 ]

وأما ما ورد عن علي بن عبد الله بن عباس في عكرمة، فهو الآخر لا يمكن الاستدلال به، لوجود يزيد بن أبي زياد في سنده، ويزيد ضعيف لا يحتج به (1). وأما ما حكي عن سعيد بن المسيب من أ نه قال لبرد مولاه: لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس، فهو من رواية إبراهيم بن سعد عن أبيه، وإبراهيم فيه شئ (2)، ولو قلنا بصحة الرواية فهي لا تنفع في تكذيب عكرمة وتضعيفه، لأ نه جرح غير مفسر السبب، وهو لا يعارض تعديلات الأئمة من أهل العلم له (3)، ونحن إنما قلنا أ نه غير مبين السبب باعتبار أن تكذيب ابن المسيب له كان مستندا على إجتهاد قد أخطا فيه. وأما ما روي عن سعيد بن المسيب أ نه قال: كذب مخبثان، فهو على فرض ثبوته عن ابن المسيب، فإنه قد أخطأ قطعا باتهام عكرمة بالكذب، لأن هناك طرقا كثيره تروي أن ابن عباس قال: تزوج النبي (صلى الله عليه وآله) ميمونة وهو محرم، فقد رواه عن ابن عباس سوى عكرمة: أبو الشعثاء (4)، وسعيد بن جبير (5)، ومجاهد


(1) انظر تهذيب الكمال 32: 137. (2) لأنه ليس بذاك الضابط في الحديث، فلربما يغلط فيه - على ما هو صريح ابن سعد في الطبقات 7: 322 - وقد لينه يحيى بن سعيد القطان لهذه العلة - على ما هو المحتمل قويا - وأرده كل من الذهبي وابن عدي في الميزان 1: 34 والكامل 1: 246 - 250، ومما يدل على عدم ضبطه أن له أحاديث غير مستقيمة عن الزهري وعن غيره، وقد استعرض بعضها ابن عدي في الكامل فراجع. (3) كالبخاري وابن معين وأحمد بن حنبل واسحاق بن راهوية وأبو ثور وغيرهم، قال ابن مندة: عدله أمة من التابعين تزيد على سبعين رجلا من خيار التابعين، وهذه منزلة لا تكاد توجد لأحد من كبار التابعين على أن من جرحه من الأئمة لم يمسك عن الرواية عنه ولم يستغن عن حديثه، وكان حديثه متلقى بالقبول قرنا بعد قرن إلى زمن الأئمة الذين أخرجوا الصحيح. حتى أن مسلما - وكان اسوأهم رايا فيه - أخرج له مقرونا بغيره. (انظر تهذيب الاسماء 1: 341، تهذيب التهذيب 7: 263 ومقدمة فتح الباري: 428، 424، 429. وأخيرا في الحديث والمحدثون: 178). (4) انظر مسند أحمد 1: 221، 228، 337. (5) انظر مسند أحمد 1: 221، 228، 337.

[ 122 ]

ابن الحجاج (1)، وجابر بن زيد (2)، وطاووس (3) و... وتكثر هذه الطرق عن ابن عباس ربما يشعر بثبوت هذا المروي عنه في الجملة، خاصة لو علمنا أن بعض هذه الطرق صحيح سندا، فتكذيب ابن المسيب لعكرمة، لا وجه له إذن، فإذا فهمت ذلك، فاعلم أن عدم اطلاع ابن المسيب على باقي الطرق التي روت عن ابن عباس ذلك لعله هو الذي دعاه للتكذيب، وهذا هو الذي عنيناه بما تقدم من قولنا أ نه جرح غير مفسر، لأ نه لا يفسر لنا كذب عكرمة وإخباره بغير الواقع، بل استقربنا من خلاله خطأ ابن المسيب واجتهاده، على أن ما رواه عكرمة عن ابن عباس في هذه القضية ليس بهذا النحو الناقص الموهم، الذي سبب في أن يطعن ابن المسيب فيه، فهناك طرق أخرى عن عكرمة رواها عن ابن عباس فيها أن النبي (صلى الله عليه وآله) تزوج بميمونة بعد تمام فريضة الحج أثناء رجوعه إلى المدينة. روى عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، قال: حدثنا إسماعيل (4)، أخبرنا أيوب (5) عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نكح ميمونة وهو محرم، وبنى بها حلالا بسرف (6). وأما ما روي عن سعيد بن جبير (7) من أن عكرمة روى عن ابن عباس كراهة استئجار الأرض، فلعلها كانت في موارد مخصوصة لا يباح فيها الإجارة، لأن كراء الأرض واستئجارها عنوان كلي يدخل تحته موارد يصح فيها الاستئجار، وموارد لا يصح (8)، واحتمال كون المكروه هي تلك الموارد - المخصوصة عند ابن عباس - له


(1) انظر مسند أحمد 1: 221، 228، 337. (2) انظر مسند أحمد 1: 285، 362. (3) انظر مسند أحمد 1: 252. (4) وهو اسماعيل بن عليه، الذي احتج به الجماعة (انظر تهذيب الكمال 3: 459). (5) هو أيوب بن أبي تميمة السختياني، وثقه أهل العلم (انظر تهذيب الكمال 3: 457). (6) مسند أحمد 1: 359، ومثله في صفحة 354 و 286. (7) في مقدمة الفتح: 425 انه سعيد بن المسيب. (8) انظر المجموع 15: 13 - 14، المغني لابن قدامة 6: 66، مغنى المحتاج 2: 342، الشرح =

[ 123 ]

وجه وجيه، فلا يستقيم الطعن في عكرمة. وأما ما رواه مسلم الزنجي، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن جبير فلا يصح، لكون الزنجي ضعيف، كثير الأوهام، منكر الحديث (1) وأما ما رواه عثمان بن مرة من أن عكرمة كذب على ابن عباس في أن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن المزفت والنقير والدباء و... ففيه أن هذا النهي قد صدر فعلا وبطرق مستفيضة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فتكذيب عكرمة في نقله لهذا الحديث لازمه عدم الاطلاع على الطرق الأخرى، ولا لوم على عكرمة في ذلك. وأما ما رواه القاسم بن معن في قضية الدواة والقرطاس، فإنه يوجب مدحا لعكرمة لاذما، لأ نه يدل على صدقه ووثاقته وخوفه من اختلاط الحديث بالرأي، قال ابن حجر: ففيها دلالة على تحريه فإنه حدثه في المذاكرة بشئ، فلما رآه يريد أن يكتبه عنه شك فيه فأخبره أنه إنما قاله برأيه، فهذا أولى أن يحمل عليه من أن يطعن به أنه تعمد الكذب على ابن عباس (2). وأما ما قاله ابن سيرين، فليس فيه طعن في عكرمة ووثاقته في الحديث، فإن الجرح قد جاء لعدم ارتضاء ابن سيرين آراء عكرمة الفقهية، لا لشكه في وثاقته، ويدل على ذلك أن ابن سيرين إذا قال " ثبت عن ابن عباس " يعني به عكرمة (3). وأما ذم الإمام مالك له بدعوى كونه من الخوارج، فهو لم يثبت عنه - على ما


= الكبير 6: 87 وغيرها من المصادر، ومن تلك الموارد ما لو اشترط المؤجر من المستأجر أن يزرع فيها ويغرس ولم يبين مقدار كل واحد منهما، ففي هذه الصورة لا تجوز الاجارة. (1) هو مسلم بن خالد بن قرقرة الزنجي، أبو خالد المكي، أكثر أهل العلم على تضعيفه واستنكار مروياته (انظر تهذيب الكمال 27: 508، التاريخ الكبير، للبخاري 7: الترجمة 1097، سير أعلام النبلاء 8: 158 و غيرها من المصادر). (2) مقدمة فتح الباري: 427. (3) مقدمة فتح الباري: 426 وفيه (قال خالد الحذاء كل ما قال محمد بن سيرين (ثبت عن ابن عباس) فانما اخذه عن عكرمة، وكان لا يسميه لأنه لم يكن يرضاه).

[ 124 ]

هو صريح ابن حجر (1) - وسيأتي توضيح ذلك. وأما ما رواه فطر بن خليفة: قلت لعطاء أن عكرمة قال: قال ابن عباس سبق الكتاب المسح على الخفين، فقال عطاء: كذب عكرمة، بل سمعت ابن عباس يقول: امسح... فالكاذب المخطئ هنا هو عطاء نفسه لا عكرمة، لأن هذا القول ثابت عن ابن عباس بطرق مستفيضة، والمسانيد والصحاح التي تذكر الناهين عن المسح على الخفين، تعد ابن عباس في ضمن من نهى عن المسح على الخفين (2). كانت هذه النقول أشد ما يستدل به على تكذيب عكرمة، وقد استبان لك سقمها، لكون غالبها دعاوى فارغة غير مبينة العلة والسبب إلا في موردين أو ثلاث، كزواج النبي (صلى الله عليه وآله) من ميمونة وهو محرم، والنهي عن المزفت والدباء، وقد اتضح لك عدم صلاحها للطعن. هذا وإن الإصرار على تكذيب عكرمة مع تغاضيهم عن أخطاء المحدثين الآخرين ليدل على أن وراء تكذيبه غرضا شخصيا وهوى نفسيا. ولعله لذلك نظر يحيى بن معين حيث قال: إذا رأيت إنسانا يقع في عكرمة وحماد بن سلمة فاتهمه على الإسلام (3). وقد أراد عكرمة بقوله: أرايت هؤلاء الذين يكذبوني من خلفي، أفلا يكذبوني في وجهي (4)، التنبيه على أن هؤلاء لا يبتغون العلم والحقيقة، إذ لو أرادوا ذلك لجاءوا فسألوه عما يستنكرونه، فلما لم يقابلوه بذلك علمنا بأ نهم مغرضون، ولذلك وصفهم أبو جعفر الطبري بأ نهم من أهل الغباوة (5). وقال ابن مندة في صحيحه بعد كلام طويل له في مدح عكرمة: أجمع الجماعة


(1) مقدمة فتح الباري: 424. (2) كعلي بن أبي طالب، وعائشة بنت أبي بكر و... (3) تهذيب الكمال 20: 288. (4) تهذيب الكمال 20: 288، سير أعلام النبلاء 5: 19. (5) انظر هامش سير أعلام النبلاء 5: 35.

[ 125 ]

على إخراج حديثه، واحتجوا به، على أن مسلما كان أسوأهم رأيا فيه، وقد أخرج له مقرونا بغيره وعدله بعد ما جرحه (1). وقال أيضا: من جرحه من الأئمة لم يمسك من الرواية عنه (2). الثاني: القول بأ نه يرى رأي الخوارج قال ابن لهيعة: كان يحدث برأي نجدة الحروري (3). وقال سعيد بن أبي مريم، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود: كنت أول من سبب الخروج إلى المغرب، وذلك أني قدمت من مصر إلى المدينة، فلقيني عكرمة، وسائلني عن أهل المغرب، فأخبرته بغفلتهم، قال: فخرج إليهم، وكان أول ما أحدث فيهم رأي الصفرية (4). وقال يعقوب بن سفيان: سمعت يحيى بن كثير يقول: قدم عكرمة مصر، وهو يريد المغرب، ونزل هذه الدار - وأومأ إلى دار إلى جانب دار ابن بكير - وخرج إلى المغرب، فالخوارج الذين بالمغرب عنه أخذوا (5). وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: إنما لم يذكر مالك ابن أنس عكرمة، لأ ن عكرمة كان ينتحل رأي الصفرية (6). وقال عمر بن قيس المكي، عن عطاء: كان عكرمة أباضيا (7). وقال الحسن بن عطية القرشي الكوفي: سمعت أبا مريم يقول: كان عكرمة بيهسيا (8). وقال إبراهيم الجوزجاني: سألت أحمد بن حنبل عن عكرمة، أكان يرى رأي الأباضية؟ فقال: يقال: إنه كان صفريا، قلت: أتى البربر؟


(1 - 2) انظر هامش سير أعلام النبلاء 5: 35. (3) تهذيب الكمال 20: 277. (4) تهذيب الكمال 20: 277، سير أعلام النبلاء 5: 20. (5) تهذيب الكمال 20: 277، سير أعلام النبلاء 5: 21. (6 - 7) تهذيب الكمال 20: 278 (8) والبيهسي: طائفة من الخوارج ينتسبون إلى أبي بيهس.

[ 126 ]

قال: نعم، وأتى خراسان يطوف على الأمراء يأخذ منهم (1). وهذه الأقوال لا تثبت كونه صفريا لكون بعضها، رواتها ضعاف، فالذي رواه أبو الأسود وأبو مريم ضعيف بابن لهيعة (2)، وما رواه يعقوب بن سفيان أ نه سمع ابن بكير...، فهو كلام مبهم وادعاء فارغ، لأن يحيى بن بكير لم يبين النصوص التي أفادت الخوارج أو التي استفادوا منها وأماكن وردوها في كتبهم، أو أقوال أئمتهم ولم يوضح لنا اسم من التقى بهم من الخوارج، حتى صيروه إماما يأخذون معالم مذهبهم منه حسب هذا الزعم. قال ابن جرير الطبري: لو كان كل من ادعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعي به وسقطت عدالته وبطلت شهادته بذلك، للزم ترك أكثر محدثي الأمصار، لأ نه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه (3). وأما ما رواه الجوزجاني عن أحمد بن حنبل فهو الآخر لا يثبت شيئا، لأن أحمد قد شكك في نسبة الصفرية إليه، ومجرد ذهاب عكرمة إلى البربر لا يعني أ نه كان خارجيا، هذا مع أن الذي يظهر من أحمد تبرئته لعكرمة من هذه التهمة، وخصوصا حينما وقفنا على كلام أبي بكر المروذي: قلت لأحمد بن حنبل: يحتج بحديث عكرمة؟ فقال: نعم، يحتج به (4). وأما ما رواه بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين من أن مالكا إنما لم يذكر عكرمة في الموطأ لأ نه يرى رأي الصفرية، فهو عجيب غريب، لأن مالكا قد احتج بعكرمة في الموطأ في كتاب الحج، وقد صرح ابن حجر بذلك حيث قال: " وزعموا أن مالكا أسقط ذكر عكرمة من الموطأ، ولا أدري ما صحته، لأ نه ذكره في الحج وصرح باسمه ومال إلى روايته عن ابن عباس، وترك عطاء في تلك المسألة، مع كون عطاء أجل


(1) سير أعلام النبلاء 5: 21. (2) هو عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي الاعدولي. ضعفه اكثر أهل العلم (انظر تهذيب الكمال 15: 487، والضعفاء لابن الجوزي 2: 136، والضعفاء للعقيلي 2: 293) وغيرها من المصادر. (3) مقدمة فتح الباري: 427. (4) تهذيب الكمال 20: 288.

[ 127 ]

التابعين في علم المناسك (1) ". وأما ما رواه عمر بن قيس المكي عن عطاء، فهو مجمل وادعاء محض أيضا. ومما يؤيد سقم هذه الادعاءات على عكرمة هو ثبوت المسح على القدمين عنده، في حين أن المشهور عن الخوارج أ نهم يغسلون الأقدام. ومثله الحال بالنسبة إلى الحكام، فالثابت عند الخوارج أ نهم يخرجون بالسيف عليهم (2)، فلو كان عكرمة خارجيا فلم لا يشهر السيف بوجوههم، بل نراه يقبل جوائز السلطان وصلاته؟!! هذا، وقد برأه من هذه التهمة بعض علماء هذا الفن: فقال ابن حجر: لم يثبت عنه من وجه قاطع أ نه كان يرى ذلك (3). وقال العجلي: عكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهما مكي، تابعي، ثقة، برئ مما يرميه الناس به من الحرورية (4). وقال ابن حجر: وقد برأه الإمام أحمد (5). الثالث: أنه يقبل جوائز الحكام والأمراء أوضحنا لك قبل قليل أن قبول جوائز الحكام ينافي المبدأ الذي قام عليه مذهب الخوارج، وحسب قول ابن حجر أ نه لا يعني قدحا في الراوي ولا روايته، فقال: " وأما قبوله لجوائز الأمراء فليس ذلك بمانع من قبول روايته، وهذا الزهري قد كان في ذلك أشهر من عكرمة، ومع ذلك فلم يترك أحد الرواية عنه بسبب ذلك " (6). وقال ابن حجر في موضع آخر أيضا: وأما قبول الجوائز فلا يقدح أيضا إلا عند أهل التشديد، وجمهور أهل العلم على الجواز كما صنف في ذلك ابن عبد البر (7).


(1) مقدمة فتح الباري: 429. (2) انظر قاموس الرجال، للتستري 7: 237. (3) مقدمة فتح الباري: 424، 428. (4) انظر ثقات العجلي كما في مقدمة الفتح: 427 وتهذيب الكمال 20: 289. (5) مقدمة فتح الباري: 427. (6) مقدمة فتح الباري: 427. (7) مقدمة فتح الباري: 424.

[ 128 ]

وإذ فرغنا من الجواب عما طعن به عليه، فلنذكر ثناء أهل العلم عليه: فعن عثمان بن حكيم، قال: كنت جالسا مع أبي أمامة بن سهل بن حنيف إذ جاء عكرمة، فقال: يا أبا أمامة أذكرك الله هل سمعت ابن عباس يقول: ما حدثكم عني عكرمة فصدقوه فإنه لم يكذب علي؟ فقال أبو أمامة: نعم (1). قال ابن حجر: وهذا إسناد صحيح (2). وقال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحيى بن معين: فعكرمة أحب إليك عن ابن عباس أو عبيدالله بن عبد الله؟ فقال: كلاهما، ولم يخير، قلت: فعكرمة أو سعيد بن جبير؟ فقال: ثقة وثقة، ولم يخير (3). وفي آخر: قلت ليحيى: كريب أحب إليك عن ابن عباس أو عكرمة؟ فقال: كلاهما ثقة (4). وقال حماد بن زيد: قال لي أيوب: لو لم يكن [ عكرمة ] عندي ثقة لم أكتب عنه (5). وقال أحمد بن زهير: عكرمة أثبت الناس فيما يروي (6). وقال أحمد بن حنبل: يحتج به (7). وقال ابن عدي: مستقيم الحديث إذا روى عنه الثقات (8). وقال النسائي: ثقة (9)، من أعلم الناس (10).


(1) مقدمة فتح الباري: 427، تهذيب الكمال 20: 271. (2) مقدمة فتح الباري: 427. (3) تهذيب الكمال 20: 288. (4) هامش تهذيب الكمال 20: 288 عن (تاريخه الترجمة 604) (5) مقدمة فتح الباري: 428. (6) تهذيب الكمال 20: 287. (7) تهذيب الكمال 20: 288. (8) تهذيب الكمال 20: 289، مقدمة فتح الباري: 429. (9) تهذيب الكمال 20: 289. (10) المستخرج من مصنفات النسائي: 116 الترجمة 2190، سير أعلام النبلاء 5: 31.

[ 129 ]

وقال البخاري: ليس أحد من أصحابنا إلا وهو يحتج بعكرمة (1). وقال أبو حاتم: ثقة يحتج بحديثه إذا روى عنه الثقات (2). وقال الحاكم: احتج بحديثه الأئمة القدماء، لكن بعض المتأخرين أخرج حديثه من حيز الصحاح (3). وقال ابن حجر: قال ابن حبان: كان من علماء زمانه بالفقه والقرآن، ولا أعلم أحدا ذمه بشئ، يعني يجب قبوله والقطع به (4). والحاصل: أن عكرمة ثقة - وفق ما تقدم -، وقد احتج به غالب الأئمة. قال البزار: روى عن عكرمة مائة وثلاثون رجلا من وجوه البلدان كلهم رضوا به (5). وقال أبو جعفر بن جرير: ولم يكن أحد يدفع عكرمة من التقدم في العلم بالفقه والقرآن وتأويله وكثرة الرواية للآثار، وإنه كان عالما بمولاه، وفي تقريظ جلة أصحاب ابن عباس إياه، ووصفهم له بالتقدم في العلم، وأمرهم الناس في الأخذ عنه، ما بشهادة بعضهم تثبت عدالة الإنسان ويستحق جواز الشهادة، ومن ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح، وما يسقط العدالة بالظن وبقول فلان لمولاه: لا تكذب علي، وما أشبهه من القول الذي له وجوه وتصاريف ومعان غير الذي وجهه إليه أهل الغباوة ومن لا علم له بتصاريف كلام العرب (6). { { {


(1) مقدمة فتح الباري: 428، تهذيب الكمال 20: 289، تاريخه الكبير 7: الترجمة 218. (2) الجرح والتعديل 7: 7 الترجمة 32، سير أعلام النبلاء 5: 32. (3) الجرح والتعديل 7: 7 الترجمة 32 سير أعلام النبلاء 5: 32، مقدمة فتح الباري: 429. (4) مقدمة فتح الباري: 429. (5) مقدمة فتح الباري: 428. (6) مقدمة فتح الباري: 429.

[ 130 ]

لطائف هذا الاسناد 1 - إن رواة هذا الطريق أئمة ثقات، ضابطون، عدول، حفاظ للحديث، فقهاء في الشريعة، علماء بالسنة، لم يكونوا بالمغمورين المطمورين، وقد تقدم ذكر تصريحات العلماء في حقهم. 2 - إن رواة هذا الطريق هم مقصد البخاري في صحيحه، لأ نهم بمثابة الطبقة الأولى من الطبقات التي تروي عن الزهري. 3 - إن لكل من رواة هذا الطريق، ملازمة طويلة - لا تقل عن عدة أعوام - كل عمن يروى عنه، وهذا مما يجعل هذا الطريق أكثر قوة وحجية. 4 - إن بعض رواة هذا الطريق كان أعلم من غيره بعلم ابن عباس، فعن ابن عيينة قال: ما أعلم أحدا أعلم بعلم ابن عباس رضي الله عنهما من عمرو بن دينار، سمع من ابن عباس وسمع من أصحابه. 5 - إن رواية عكرمة عن ابن عباس في هذا الطريق لا تفيد الظن المعتبر فقط، بل هي رواية محفوفة بالقرائن الخاصة التي تورث الاطمئنان، لأن عكرمة كان قد اطلع على حركات وسكنات ابن عباس عن حس، وبما أن الوضوء من الأعمال المتكررة في اليوم عدة مرات، فإخبار عكرمة يأخذ مأخذا آخر، أعلى من محض الرواية بالسماع أو بالمشاهدة مرة أو مرات. 6 - إن الجماعة وطائفة من أهل العلم قد احتجوا برواة هذا الطريق إلا مسلما فإنه توقف في عكرمة، لكنه رجع فاحتج به، وعليه فهذا الطريق حجة عند الجميع. 7 - ومن خصائص هذا الإسناد أن فيه توثيق صحابي لتابعي، فقد روي عن عثمان ابن حكيم قوله: كنت جالسا مع أبي أمامة بن حنيف إذ جاء عكرمة، فقال: يا أبا أمامة، أذكرك الله هل سمعت ابن عباس يقول: ما حدثكم عني عكرمة فصدقوه فإنه لم يكذب علي؟ فقال أبو أمامة: نعم. وهذا الإسناد صحيح على ما هو صريح ابن حجر. والحاصل: إن طريق عبد الرزاق في هذا الحديث صحيح على شرط البخاري وغيره

[ 131 ]

من الجماعة، بل غالب أئمة أهل العلم، وهو ما يفرض الأخذ به والاعتماد عليه. الإسناد الثاني قال عبد الرزاق، عن معمر (1)، عن قتادة (2)، عن جابر بن يزيد (3) أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: افترض الله غسلتين ومسحتين، ألا ترى أ نه ذكر التيمم فجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين، وقال رجل لمطر الوراق: من كان يقول: المسح على الرجلين؟ فقال: فقهاء كثير (4). المناقشة رجال هذا الطريق أئمة ثقات، يظهر ذلك لمن تتبع تراجمهم في كتب الرجال، إلا أ نه قد يتكلم في بعضهم من جهة الضبط ومقدار الحفظ. وقد مر عليك الكلام في عبد الرزاق،. وبقي أن نذكر خصوص روايته عن معمر. فعن عبد الرزاق أ نه قال: جالسنا معمرا سبع سنين أو ثمان سنين (5). وقال أبو بكر الأثرم، عن أحمد بن حنبل: حديث عبد الرزاق عن معمر أحب


(1) هو معمر بن راشد الازدي، الحداني (انظر تهذيب الكمال 28: 303، تهذيب التهذيب 10: 243) وغيرهما من المصادر. (2) هو قتادة بن دعامة الدوسي، أبو الخطاب البصري (انظر تهذيب الكمال 23: 499، سير أعلام النبلاء 5: 269، تهذيب التهذيب 8: 351) وغيرها من المصادر. (3) الصحيح جابر بن زيد الازدي اليحمدي (انظر تهذيب الكمال 4: 434)، لان قتادة لا يروى عن جابر بن يزيد الجعفي والاخير لا يروى عن ابن عباس (انظر تهذيب الكمال 4: 465) ولو اردت التفصيل أكثر عن جابر بن زيد (أبي الشعثاء) فانظر البداية والنهاية 10: 93 وأجوبة ابن خلفون ص 9 وغيره. (4) مصنف عبد الرزاق 1: 19 ح 54. (5) تهذيب الكمال 18: 56.

[ 132 ]

إلي من حديث هؤلاء البصريين، كان - يعني معمرا - يتعاهد كتبه وينظر فيها... (1) وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: كان عبد الرزاق في حديث معمر أثبت من هشام بن يوسف... (2) وأما رواية معمر عن قتادة، فقد قال معمر: جلست إلى قتادة وأنا ابن أربع عشرة سنة، فما سمعت منه حديثا إلا كأنه منقش في صدري (3). وقد وثق معمرا كل من ابن معين والعجلي ويعقوب بن شيبة والنسائي وابن حزم وابن حجر والدار قطني في السنن (4) إلا أ نه قال عنه في العلل: سئ الحفظ لحديث قتادة والأعمش (5). وقال الذهبي في الميزان: أحد الأعلام الثقات، له أوهام معروفة احتملت له في سعة ما أتقن (6). وقال ابن حجر في التقريب: " ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئا " (7)، ولم يذكر فيه سوء حفظه لحديث قتادة. وأما قتادة فقد وثقه ابن معين وابن سعد والعجلي والدار قطني وابن حجر، وقال أبو بكر الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كان قتادة أحفظ أهل البصرة لا يسمع شيئا إلا حفظه، وقرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها (8). وقال عبد الرحمن بن يونس عن سفيان بن عيينة: كان قتادة يقص صحيفة جابر، وكان كتبها عن سليمان اليشكري (9).


(1) تهذيب الكمال 18: 57 وفي ص 58 عن ابي زرعة قريب منه. (2) تهذيب الكمال 18: 58. (3) تهذيب الكمال 28: 306. (4) السنن 1: 164 كما في هامش تهذيب الكمال 28: 312. (5) العلل (4 الورقة 39) كما في هامش تهذيب الكمال 28: 312. (6) ميزان الاعتدال 4: الترجمة 8682. (7) تقريب التهذيب 2: 266، تهذيب الكمال 28: 309. (8) تهذيب الكمال 23: 515. (9) تهذيب الكمال 23: 508.

[ 133 ]

وقال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قال سليمان التيمي: ذهبوا بصحيفة جابر إلى قتادة فرواها، أو قال: فأخذها (1). وعن يحيى بن معين أ نه شك في سماع قتادة من أبي قلابة (2) وأبي الأسود الدؤلي (3) وسليمان بن يسار (4) ومجاهد (5)، وقال عن قتادة: أ نه لم يدرك سنان ابن سلمة، وعن أحمد بن حنبل قوله: قتادة لم يسمع عن رجاء بن حيوة، وعن يحيى بن سعيد قريب منه. وأنت ترى أن هؤلاء العلماء قد شككوا في رواية قتادة عن أولئك ولم يشككوا في روايته عن جابر بن زيد (يزيد) أو عكرمة. هذا، ويمكننا أن نجيب الدار قطني فيما ادعاه في (العلل) على قتادة، بأن مسلما وأبا داود والترمذي والنسائي وابن ماجة قد احتجوا بمرويات معمر عن قتادة في صحاحهم، وهو مرجح قوي للحديث (6). وأما رواية قتادة عن جابر (7) وعكرمة (8)، فقد احتج بها الجماعة أصحاب الصحاح، اللهم إلا مسلما من جهة عكرمة - على ما تقدم بيانه - ومهما يكن من شئ، وعلى أسوأ تقدير، فإن هذا الطريق صحيح، لوجود التابع الصحيح له من رواية عبد الرزاق آنفة الذكر - الإسناد الأول - من وضوء ابن عباس المسحي. وقال السيوطي: وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة مثله، أي مثل حديث عبد الرزاق هنا (9).


(1) تهذيب الكمال 23: 508. (2) تهذيب الكمال 23: 510 عن تاريخ يحيى بن معين. (3 - 5) تهذيب الكمال 23: 513. (6) تهذيب الكمال 18: 204. (7) تهذيب الكمال 23: 499. (8) تهذيب الكمال 23: 501. (9) الدر المنثور 2: 262.

[ 134 ]

الإسناد الثالث روى عبد الرزاق، عن معمر (1)، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع: أن رسول الله صلى الله عليه وآله غسل قدميه ثلاثا، ثم قالت لنا: إن ابن عباس قد دخل علي فسألني عن هذا [ الحديث - ظ ] فأخبرته، فقال يأبي الناس إلا الغسل، ونجد في كتاب الله المسلح - يعني القدمين (2). الإسناد الربع قال ابن أبي شيبة (3): حدثنا ابن علية (4)، عن روح بن القاسم (5)، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع بين المعوذ بن عفراء، قالت أتاني ابن عباس فسألني عن هذا الحديث - تعني حديثها الذي ذكرت أنها رأت النبي توضأ، وأنه غسل رجليه - قالت: فقال ابن عباس: أبي الناس إلا الغسل ولا أجد في كتاب الله إلا المسح (6). وروى ابن ماجة مثله، وفي الزوائد: إسناده حسن (7)


(1) مر الكلام عنه في الأسناد الثاني من مرويات عبد الله بن عباس المسحية. (2) مصنف عبد الرزاق بن همام 1: 22 ح 65، وعنه في كنز العمال: وسيأتي الكلام عن عبد الله بن محمد بن عقيل. (3) هو عبد الله بن محمد بن ابراهيم العبسي مولاهم، أبو بكر بن أبي شيبة، صاحب المصنف المعروف، من الأئمة الثقات، احتج به الجماعة، بل كثير من أهل العلم، إلا أن الترمذي لم يخرج له شيئا (انظر تهذيب الكمال 16: 34، سير أعلام النبلاء 11: 122، تقريب التهذيب 1: 445)، وغيرها من المصادر. (4) هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الاسدي، أبو بشر البصري، المعروف بابن عليه، من الثقات، احتج به الجماعة، وغيرهم (انظر تهذيب الكمال 3: 23)، وغيره من المصادر. (5) هو روح بن القاسم التميمي، العنبري، أبو غياث البصري، احتج به الجماعة وغيرهم وهو ثقة، إلا أن الترمذي لم يخرج له شيئا (انظر تهذيب الكمال 9: 252) وغيره من المصادر. (6) مصنف ابن أبي شيبة 1: 37 ح 99. (7) سنن ابن ماجة 1: 156 ح 458.

[ 135 ]

الإسناد الخامس قال الحميدي (1): حدثنا سفيان (2)، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل ابن أبي طالب، قال: أرسلني علي الن الحسين إلى (الربيع بنت) المعوذ بن عفراء، أسألها عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وكان يتوضأ عندها، فأتيتها فأخرجت إلي إناء يكون مدا أو مدا وربع (وفي نسخة منه: مدا وربعا) بمد بني هاشم، فقالت: بهذا كنت أخرج لرسول الله صلى الله عليه وآله فيبدأ فيغسل يديه ثلاثا، قبل أن يدخلها الإناء، ثم يتمضمض ويستنثر ثلاثا ثلاثا ويغسل وجهه ثلاثا ثم يغسل يى يه ثلاثا ثلاثا ثم يمسح برأسه مقبلا ومدبرا، ويغسل ورجليه ثلاثا ثلاثا، قال: وقد جاءني ا بن عمتك (3)، فسألني عنه فأخبرته، فقال: ما علمنا في كتاب الله إلا غسلتين (4) ومسحتين، يعني ابن عباس (5). الإسناد السادس ورى البيهقي بسنده إلى سفيان بن عيينة، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد ابن عقيل: أن علي بن الحسين أرسله إلى الربيع بنت المعوذ ليسألها عن وضوء


(1) هو عبد الله بن الزبير، القرشي الأسدي، المكي، أبو بكر الحميدي (صاحب المسند)، المتوفى 219 ه. قال الإمام أحمد عنه: الحميدي عندنا امام، وقال أبو حاتم: أثبت الناس في ابن عيينة الحميدي وهو رئيس أصحاب ابن عيينة وهو ثقة إمام. وقال ابن سعد: صاحب ابن عيينة وروايته، مات بمكة سنة تسع عشر ومائتين، وكان ف قيه، كثير الحديث (انظر تهذيب الكمال 14: 515، الطبقات الكبرى 5: 502، سير أعلام النبلاء 10: 616) وغيرها. (2) هو سفيان بن عيينة، الغمام الكبير، أبو محمد الهلالي الكوفي ثم المكي، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 11: 177، سير أعلام النبلاء 5: 128: 454، الطبقات الكبرى 5: 497) وغيرها من المصادر. (3) كذا في الأصل. وعند البيهقي من طريق العباس بن يزيد عن سفيان ابن عم لك وكذا في مسند أحمد من طريق سفيان وفي النسخة الظاهرية من مسند الحميدي وجائني ابن عم لك. (4) كذا في الأصل وعند البيهقي وأحمد، وفي النسخة الظاهرية من مسند الحميدي (غسلين ومسحين). (5) مسند الحميدي 1: 164.

[ 136 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله - فذكر الحديث في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وآله وفيه - قالت: ثم غسل رجليه، قالت: وقد أتاني ابن عم لك - تعني ابن عباس - فأخبرته، فقال: ما أجد في الكتاب إلا غسلتين ومسحتين (1). الإسناد السابع قال عبد الله بن أحمد بن حنبل (2): حدثني أبي، حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، قال: أرسلني علي بن الحسين إلى الربيع بنت المعوذ بن عفراء، فسألتها عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، فأخرجت له - يعني إناء يكون مدا أو نحو مد وربع - قال سفيان: كأنه يذهب إلى الهاشمي، قالت: كنت أخرج له الماء في هذا فيصب على يديه ثلاثا، وقال: مرة يغسل يديه قبل ان يدخلهما ويغسل وجهه ثلاثا ويمضمض ثلاثا ويستنشق ثلاثا ويغسل يده اليمنى ثلاثا واليسرى ثلاثا ويمسح برأسه، وقال: مرة أو مرتين مقبلا ومدبرا، ثم يغسل رجليه ثلاثا، قد جاءني ابن عم لك فسألني - وهو ابن عباس - فأخبرته فقال لي: ما أجد في كتاب الله إلا مسحتين وغسلتين (3). المناقشة يوجد في هذه الأسانيد الخمسة الأخيرة عبد الله بن محمد بن عقيل (4)، وقد


(1) السنن الكبرى، للبيهقي 1: 72 باب على ان فرض الرجلين الغسل وان مسحهما لا يجزى. (2) الحافظ، محدث بغداد، أبو عبد الرحمن الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي، قال أبو علي ابن الصواف، قال عبد الله بن أحمد: كل شئ أقول قال أبي، قد سمعته مرتين وثلاث واقله مرة، وعن ابن أبي حاتم: كتب إلي بمسائل أبيه وبعلل الحديث، وقال ابن المنادي: لم يكن في الدنيا أحد أروى عن أبي منه، لأنه سمع (المسند) وهو ثلاثون ألفا والتفسير وهو... (انظر تهذيب الكمال 14: 285، سير أعلام النبلاء 16: 516، الجرح والتعديل 5: الترحمة 32، تاريخ بغداد 9: 375) وغيرها من المصادر. (3) مسند أحمد 6: 358. (4) الهاشمي القرشي، روى له البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة (انظر تهذيب الكمال 16: 78، سير أعلام النبلاء 6: 204، الجرح والتعديل 5: الترجمة 706).

[ 137 ]

لينه بعض أهل العلم، إلا أن تليينهم جاء لسوء حفظه وقلة ضبطه، ولم نعثر على قول جرحه في أصل وثاقته وعدالته، وإليك أهم أقوالهم فيه: قال يعقوب: وابن عقيل صدوق، وفي حديثه ضعف شديد جدا (1). وقال أبو معمر القطيعي: كان ابن عيينة لا يحمد حفظه (2). وقال الحميدي عن سفيان: كان ابن عقيل في حفظه شئ فكرهت أن ألقه (3). وقال أبو بكر بن خزيمة: لا أحتج به لسوء حفظه (4). وقال الترمذي: صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل، قال محمد بن إسماعيل: وهو مقارب الحديث (5). وقال أحمد بن عبد الله العجلي: مدني تابعي، جائز الحديث (6). وقال ابن حجر: حديثه لين، ويقال: تغير بأخرة (7). وقال الحاكم: عمر فساء حفظه، فحدث على التخمين، وقال في موضع آخر: مستقيم الحديث (8). وقال أبو أحمد ابن عدي: روى عنه جماعة من المعروفين الثقات، وهو خير من ابن سمعان، ويكتب حديثه (9). وقال عمرو بن علي: سمعت يحيى وعبد الرحمن جميعا يحدثان عن عبد الله


(1) تهذيب الكمال 16: 81. (2) الجرح والتعديل 5: الترجمة 706، تهذيب الكمال 16: 81. (3) الجرح والتعديل 5: الترجمة 706، تهذيب الكمال 16: 81. (4) الجرح والتعديل 5: الترجمة 706، تهذيب الكمال 16: 81. (5) الجامع 1: 9، تهذيب الكمال 16: 84. (6) تهذيب الكمال 16: 83 عن الثقات للعجلي الورقة 31. (7) تقريب التهذيب 1: 447. (8) تقريب التهذيب 6: 15. (9) الكامل في الضعفاء 4: 129.

[ 138 ]

ابن محمد بن عقيل، والناس يختلفون فيه (1). وقال الفسوي: صدوق، في حديثه ضعف (2). هذه هي أهم الأقول الوارة فيه، وقد رأيت أن علة التليين لا تتعدى سوء حفظه وإلا فهو في نفسه ثقة صدوق، وقد احتج به بعض أساطين العلم كأحمد ابن حنبل والحميدي وإسحاق بن إبراهيم. وعليه فقد اتضح من مجموع كلمات العلماء أن عبد الله بن محمد بن عقيل ممن يتابع على حديثه، وذلك لأنه لم يجرح بما يمس بو ثاقته وصدقه، بل بسبب سوء حفظه، وهذا الضعف قد يتدارك - بواسطة القرائن وغيرها - فترتقي مروياته من درجة الضعف إلى درجة الحجية، وقد مر عليك إسناد ابن ماجة عن الربيع الذي حكم عليه بأنه طريق حسن - كما في زوائد ابن ماجة - وهذا يقتضي أن ما أسنده عبد الرزاق عن الربيع - وكذا البيهقي عنها - حسن أيضا لاتحاد العلة في الجميع، إذ أن جميع رواة هذه الأسانيد - سوى عبد الله - ثقات حفاظ، بل إن بعضهم أئمة! وإليك القرائن التي يمكن بمجموعها أن ترقى هذه الأسانيد إلى درجة الحسن والحجية. 1 - روى هذا الحديث عن عبد الله بن محمد بن عقيل ثلاثة من أثبات أهل العلم. فالأول: معمر بن راشد الأزدي، على ما في إسناد عبد الرزاق. والثاني: روح بن القاسم - على ما في إسناد ابن ماجة وأبي بكر بن أبي شيبة - والذي قال عنه الذهبي: قد وثقه الناس. والثالث: سفيان بن عيينة، على ما في إسناد الحميدي والبيهقي و


(1) تهذيب الكمال: 16: 81. (2) سير أعلام النبلاء 6: 205.

[ 139 ]

فرواية ثلاثة أعلام كهؤلاء عنه بمتون متفقة بلا زيادة فيها ولا نقيصة لقرينة قوية على صدور قول ابن عباس المتقدم للربيع. 2 - ظاهر كلام الترمذي هو الاحتجاج بما يرويه عبد الله بن محمد بن عقيل، لو اتفقت مروياته مع مرويات الثقات ى، لأنه كان قد صدر باب ما جاء في مسح الرأس مرة بما رواه محمد بن عجلان - الضعيف - عن عبد الله بن عقيل عن الربيع، وقال بعد ذلك: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، ومعنى كلامه هو احتجاجه بمرويات الضعفاء لو وافقت ما رواه الثقات، أي أن هذا الروايات تكون حسنة بغيرها. فإذا كانت رواية ابن عجلان عن عبد الله بن عقيل معتبرة - بنص الترمذي - مع أن فيها ابن عجلان الضعيف، فهذه الرواية أولى بالعمل من تلك، لكون الجرح هنا في عبد الله وحده. 3 - إن الذي رواه عبد الله بن محمد بن عقيل في هذه الأسانيد عن ابن عباس هو الأقرب للواقع، لموافقته للروايات الصحيحة المسحية عن ابن عباس، ولأقوال العلماء الجازمة بأن مذهب ابن عباس هو المسح على القدمين لا غير. وملخص القول: إن هذه الأسانيد مما يتابع عليها بما تقدم من الصحيح عن ابن عباس، والمشهور من مذهبه، وعليه فلا مانع من أن ترتقي هذه الأسانيد إلى درجة الصحة فيمكن الاحتجاج بها، وخصوصا لو لو حظت مع النصوص الأخرى الموجودة في كتب التفاسير: قال الطبري: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا محمد بن قيس الخراساني، عن ابن جريح، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الوضوء غسلتان، وقال السيوطي: وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن ابن عباس، قال: افترض الله غسلتين ومسحتين، ألا ترى أنه ذكر التيمم، فجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين، وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة مثله (1). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدقنا أبو معمر المنقري، حدثنا عبد الوهاب،


(1) الدر المنثور 2: 262.

[ 140 ]

حدثنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم...) قال: هو المسح (1). تصريحات الأعلام بمذهب ابن عباس المسحي هذه كانت مجموعة من الروايات المعتبرة والصحيحة التي تحكي أن مذهب ابن عباس هو المسح في الوضوء، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها، بل هو مما لا يحتاج لأن يبرهن عليه بالروايات، وما ذلك إلا لأنه متواتر ومقطوع به عند كل أهل الإسلام، وإليك بعض تصريحات الأساطين في ذلك: قال ابن حجر: ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك [ أي الغسل ] إلا عن علي وابن عباس وأنس (2)... وقال موفق الدين ابن قدامة:... ولم يعلم من فقهاء المسلمين من يقول بالمسح غير من ذكرنا (3). وكان ابن عباس وعلي بن أبي طالب ممن ذكرهم. وقال أبو زرعة في حجة القراءات: وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر (... وأرجلكم...) خفضا، عطفا على الرؤوس، وحجتهم في ذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان (4). وفي قول أبو زرعة دلالة قوية على صدور هذا النص عن ابن عباس، لأنه لا يتلاءم لأن يكون حجة ودليلا - لقراءات قرآنية يتعبد ويقرأ بها جميع أهل الأسلام - لو لم يصح عنه.


(1) تفسير ابن كثير 2: 44، شرح معاني الآثار 1: 40. (2) فتح الباري 1: 213، ونحوه عن الشوكاني في نيل الأوطار 1: 209. (3) المحلى 1 - 2: 56 م 300. (4) المغني 1: 151 م 175.

[ 141 ]

وقال الجصاص: قرأ ابن عباس والحسن و... (... وأرجلكم...) بالخفض، وتأولوها على المسح (1). وقال القاسمي:... ولا يخفى أن ظاهر الآية صريح في أن واجبها المسح كما قوله ابن عباس وغيره (2). وقال القسطلاني:... وأما ما روي عن علي وابن عباس وأنس رضي الله عنهم فقد ثبت الرجوع عنه (3). ومن قول القسطلاني (فقد ثبت الرجوع عنه) نعلم أن مذهب ابن عباس كان المسح قطعا، لأن الرجوع إلى الغسل فرع ثبوت المسح على القدمين، ويبقى ادعاء الرجوع محل بحث ونظر، ونحن سنثبت بطلان القول برجوعه بعد البحث الدلالي. هذا، وقد حكى كثير من أهل العلم - غير من ذكرناهم - نسبة المسح إلى ابن عباس، كالسرخسي (4) وابن العربي (5) والرازي (6) والشوكاني (7) والقرطبي (8) وأبي حيان الأندلسي (9) والقاضي ابن عطية الاندلسي (10) والبغوي (11) وابن جزي الكلبي (12) وغيرهم.


(1) أحكام القرآن، للجصاص 2: 345. (2) تفسير القاسمي 6: 111. (3) ارشاد الساري 1: 249 وأما دعوى رجوع ابن عباس وغيره إلى الغسل فسنوضح بطلانه لا حقا. (4) المبسوط 1: 8. (5) أحكام القرآن لابن العربي 2: 577. (6) التفسير الكبير 11: 452. (7) فتح القدير 2: 18. (8) الجامع لأحكام القرآن 6: 92. (9) البحر المحيط 3: 452. (10) المحرر الوجيز 2: 162. (11) تفسير البغوي (معالم التنزيل) 2: 16. (12) التسهيل لعلوم التنزيل 1: 170.

[ 142 ]

ومن كل ما قدمنا يعلم صراحة أن مذهب ابن عباس المسح لا غير، وأن ماروي عنه من الغسل لا يمكن له أن يعارض ما ثبت عنه من المسح، لأنه لا يعدو أن يكون إما منكرا وإما شاذا على ما سنثبته لك في البحث الدلالي الآتي، ومن المعلوم عند أهل العلم بأن الراوية المنكرة والشاذة لا يمكنها أن تقاوم الصحيح المحفوظ.

[ 143 ]

البحث الدلالي بعد أن درسنا وضعية الأحاديث الغسلية عند ابن عباس سندا، لا بد من مناقشتها متنا ودلالة، فنقول مستعينين بالله: إن الصفحات السابقة أو ضحت لنا أن الطرق - الغسلية الخمسة - عن ابن عباس قد رجعت إلى طريقين، فأربعة منها تتحد بزيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس، وهذه الطرق إلى زيد، إما ضعيفة بنفسها بحيث لا يمكن الاحتجاج بها، وإما مما تحتاج إلى تابع صحيح يرفعها إلى درجة الحسن والصحيح، وهذا ما لم نجده. وأما الخامس منها - أي طريق سعيد بن جبير - ففيه عباد بن منصور الضعيف. ولما ثبت ضعف طريق سعيد بن جبير إلى ابن عباس بقي البحث عن طرق زيد بن أسلم إليه، وحيث إن زيدا هذا كان قد عنعن روايته عن عطاء وهو ممن يدلس! ولم يثبت أنه صرح بالسماع عن عطاء، سقطت روايته عن الحجية. وعليه فيكون مرجع الروايات الغسلية إلى ابن عباس إلى طريق واحد وهو منكر، فلا يمكن لهذه الرواية الواحدة المنكرة أن تعارض الروايات الصحيحة والسيرة الثابتة عن ابن عباس في المسح. ولو تنزلنا وقلنا بصحة روايات زيد فهي شاذة بالنسبة للمحفوظ والمشهور عن ابن عباس في المسح، إذا اتفق جميع أهل العلم على عدم إمكان الاحتجاج بالشاذ مقابل الثابت المحفوظ. هذه خلاصة ما مر من البحث السندي. وأما البحث الدلالي فإن المتتبع لمرويات زيد بن أسلم عن عطاء الغسلية، يشاهد الاضطراب واضحا فيها، إذ ورد في إسناد أبي داود الأول - خبر هشام بن سعد - قوله: قبض قبضة أخرى من الماء فرش على رجله اليمنى وفيها النعل، ثم مسحها بيديه، يد فوق القدم ويد تحت النعل، ثم صنع باليسرى كذلك.... وأخرج الحاكم بسنده إلى هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قوله (... أنه

[ 144 ]

أغرف غرفة، فرش على رجله اليمنى وفيها النعل، واليسرى مثل ذلك، ومسح بأسفل النعلين) (1). وأخرج الطبراني بسنده إلى روح بن القاسم، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن ابن عباس: أنه أخذ بيده ماء فنضحه على قدميه، وعليه النعلان (2). وأخرج البخاري بسنده إلى سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن ابن عباس أنه رش على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله - يعني اليسرى. وأخرج النسائي بسنده إلى الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء عن ابن عباس خبر الوضوء، وليس فيه ذكر للقدمين. وأخرج الطحاوي بسنده إلى الدراوردي أيضا عن زيد بن أسلم، عن عطاء ابن يسار، عن ابن عباس، قال: توضأ رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذ مل ء كفه ماء فرش به على قدميه وهو متنعل (3). فالذي رواه هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء إذن لا يتفق مع ما أخرجه البخاري عن سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم، لأن الموجود في خبر هشام رش على رجله اليمنى وفيها النعل ثم مسحها بيديه، يد فوق القدم ويد تحت النعل، وأما خبر سليمان بن بلال ففيه ثم أخذ غرفة من ماء فرش على رجله اليمنى حتى غسلها فالمسح غير الغسل في لغة العرب. والروايات كلها - عدا رواية البخاري - إن لم تكن ظاهرة في مسح الرجلين بماء جديد، فهي ليست ظاهرة في غسلهما، ولذلك حاول بعض الأعلام جاهدين صرف هذا الظهور وحمله على الغسل بوجوه بعيدة واحتمالات متكلفة. والحاصل: فإن هناك اضطراب في هذا الحديث - ذي الطريق الواحد - كما بينا،


(1) المستدرك للحاكم 1: 147. (2) المعجم الأوسط 1: 22 } الحديث 718. ولروح خبر آخر - كما مر في الاسناد الرابع لمرويات ابن عباس المسحية - قد روى فيه عن ابن عباس المسح، وهو إسناد حسن كما في زوائد ابن ماجة، فكيف يمكن الجمع بين النقلين عن ابن عباس، يا ترى؟! (3) شرح معاني الآثار 1: 35 } الحديث 158.

[ 145 ]

وهذا الاضطراب يستشعر بملاحظة متونه المتضاربة المتنافية التي لا يمكن ترجيح بعضها على بعض، كالآتي: فأما أولاى: فلأن ما أخرجه أبو داود من أن ابن عباس رش على رجله اليمنى وفيها النعل ثم مسحها بيديه، يد فوق القدم ويد تحت النعل، أمر لا يمكن تصوره، لكون مسح ابن عباس رجله اليمنى بكلتا يديه يتنافى مع كون يده الأخرى تحت النعل، لأن يده الثانية إذا كانت تحت النعل، فكيف تسنى له أن يمسح قدمه بكلتا يديه؟!!!. اللهم إلا أن يقال: إن هذا مبتن على المجاز، فيكون المقصود من أن يده الثانية تحت النعل، أي تحت موضع النعل، وهو أسفل القدم وباطنها! فان قيل هكذا، قلنا: إن الأصل هو الحقيقة، ولا يقال بالمجاز إلا بدليل أو قرينة حالية أو مقالية والجميع مفقود في المقام. فأما أولا: إن القيد الأخير في خبر هشام يد فوق القدم ويد تحت النعل وومسح بأسفل النعلين والذي في روايتي أبي داود والحاكم، فهو حكم لم يقل به أحد من فقهاء الإسلام، لأن الثابت عندهم هو عدم جواز المسح على ظاهر النعلين - بما هما نعلين - فكيف بأسفلهما؟!!. ولذلك صرح ابن حجر في الفتح، وصاحبا عون المعبود وبذل المجهود، بأن هذه الرواية إن لم تحمل على التجوز عن القدم فهي شاذة (1). وثانيا: إن ما رواه أبو داود والحاكم والطبراني جميعا عن زيد بن أسلم، عن عطاء، من أن ابن عباس رش ثم مسح، يخلف ما ذكره البخاري من أنه رش حتى غسل، وهو اضطراب واضح في النعقل عن زيد بن أسلم. وثالثا: إن رواية أبي داود والحاكم والطبراني والطحاوي ذكرت: أن قدمي ابن عباس - حكاية عن صفة قدمي النبي في الوضوء - كانتا في النعل، وأن رواية البخاري فهي خالية عن ذكر النعلين، وهذا الاختلال في متن رواية طريقها واحد - وهو زيد بن أسلم عن عطاء عن ابن عباس - يسقطها عن الحجية.


(1) انظر عمدة القاري 2: 264، وعون المعبود 1: 159، وبذل المجهود 1: 341.

[ 146 ]

ورابعا: إن ما رواه النسائي من رواية الدراوردي هو رواية خالية من حكم الرجلين، وهي لا تتفق مع ما روي عن ابن عباس من مسحه ما تحت النعلين تارة، وغسله للقدمين أخرى، ومسحه لهما ثالثة و... كما أنها لا تنفق مع ما أخرجه الطحاوي عن الدراوردي أيضا من أن ابن عباس نقل هذا الوضوء عن النبي صلى الله عليه وآله، فقال: إنه صلى الله عليه وآله رش على قدميه وهو متنعل فلم يذكر فيها مسح ولا غسل!! وهذا العمري عين الاضطراب الذي يعنيه علماء الدراية في بحوثهم. والإنصاف إن الاستدلال بما رواه زيد بن أسلم، عن عطاء، عن ابن عباس في الغسل من أشكل المشكلات سندا ومتنا، ولعله الذي حدا بابن حجر وغيره من الأعلام أن يتردد وابما رواه أبو داود في الإسناد الأول عن هشام بن سعد، لأن شدة الاضطراب في المتن جعلتهم يتوقفون عن البت بضرس قاطع في معناهم، بل جدوا في تأويلها والقول بأن جملة (وضع يده الأخرى تحت النعل) هي استعمال مجازي للكلمة، أريد منه باطن القدم، فلو كانوا جازمين بما يقولون لما ترددوا في كلامهم. وعليه تكون الروايات الغسلية عن ابن عباس مضطربة متنا، وهذا الاضطراب مما يستشعر من كلام ابن حجر حيث قال: (... وأما قوله (تحت النعل) فإن لم يحمل على التجوز عن القدم، وإلا فهي رواية شاذة، وراويها هشام بن سعد لا يحتج بما تفرد به، فكيف إذا خالف) (1). نعم، إن البيهقي نقل خبر هشام والروايات الغسلية عن ابن عباس، ثم قال: (... فهذه الروايات اتفقت على أنه غسلهما، وحديث الدراوردي يحتمل أن يكون موافقا، بأن يكون غسلهما في النعل، وهشام بن سعد ليس بالحافظ جدا فلا يقبل منه ما يخالف فيه الثقات الأثبات، كيف وهم عدد وهو واحد) (2). وعلق ابن التركماني على قول البيهقي، بقوله:... قلت: حديث هشام أيضا يحتمل أن يكون موافقا لها، بأن يكون غسلهما في النعل، فلا وجه لإفراده بأنه خالف الثقات.


(1) فتح الباري 1: 194. (2) السنن الكبرى، للبيهقي 1: 73.

[ 147 ]

فإن قال: إنما أفرده لأن في حديثه قرينة تمنع من التأويل بالغسل، وهي قوله (ومسح بأسفل الكعبين) (1). قلنا: قد جمعت بينهما في باب المسح على النعل وأولت الحديثين بهذا التأويل حيث قلت: ورواه عبد العزيز وهشام عن زيد، فحكيا في الحديث رشا على الرجل وفيه النعل، وذلك يحتمل أن يكون غسلهما في النعل. ثم قلت: والعدد الكثير أولى بالحفظ من العدد اليسير، فأحد الأمرين يلزمك إما جمعهما بهذا التأويل في كتاب المعرفة في هذا الباب، بخلاف ما فعل ها هنا (2)... وهذا البحث من الأعلام في وجه دلالة خبر هشام يؤكد اضطرابه، ونحن لا نرى وجها لكلام ابن التركماني بعد أن عرفنا توقف ابن حجر والبيهقي وغيرهما في الخبر، وهم أذق من ابن التركماني رواية وأكثر إحاطة بوجوه التأويل والتفسير!!. والحاصل: فإنه لم يعد بخاف عليك أن ما رواه زيد بن أسلم مضطرب متنا، لاختلاف متون الروايات التي رواها عنه الرواة، وهذا الاضطراب كاف في التوقف عن الاحتجاج بها. ثم لما عارضت هذه الروايات رواية المسح التي هي أصح سندا وأصرح دلالة، كان لا مفر من الحكم بكونها مرجوحة من جميع الجهات، ولذا قلنا: أن ما رواه زيد بن اسلم لا يعدو ان يكون شاذا أو منكرا وبخاصة لو لاحضنا ان سيرة ابن عباس المقطوع بها هي المسح لا الغسل. كان هذا مجمل القول في متون الروايات الغسلية. والآن مع الروايت المسحية عن ابن عباس، فنجمل القول فيها بعدة نقاط: الأولى: اتفاق النصوص المسحية في صراحة المسح عن ابن عباس - بخلاف الغسلية - إذا المسحية كلها تشير إلى حقيقة واحده، وهي أن الوضوء ما هو إلا


(1) هذا غلط من ابن التركماني، فان الذي في الرواية ومسح باسفل النعلين ى (2) الجوهر النقي (المطبوع بهامش السنن الكبرى، للبيهقي) 1: 72.

[ 148 ]

غسلتان ومسحتان، وإن كان في بعضها زيادة ألا ترى أنه ذكر التيمم فجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين (1). وفي نقل هذه الزيادة عن ابن عباس إشارة إلى أن مخالفيه كانوا من أصحاب الرأي والاستحسان، ولأجله قرب لهم الأمر طبقا للرأي الذي يتبنونه ويعتقدون به، ومثله الحال بالنسبة إلى استدلاله بالقرآن واعتراضه على الربيع بما نسبت من وضوء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، أي أن ابن عباس ابدل على صحة كلامه بثلاثة أدلة: 1 - القرآن الكريم، لكونه الأصل الأول في التشريع الاسلامي، وهو ما أراد الخلفاء حصر الاستدلال به، فقال للربيع - وفقا لما دعوا له من الاستدلال -: لا أجد في كتاب الله إلا مسحتين وغسلتين. 2 - السنة النبوية، فإن رفضه لنقل الربيع يرشدنا إلى أن ابن عباس لا يقبل نسبة هذا المنقول إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، لكونه هو قد عاصره صلى الله عليه وآله وبات في بيته ورأى وضوءه وصلى معه وشمله دعاؤه و... 3 - إلزامهم بما يعتقدون به من وجوه التأويل والتفسير والرأي، مع تأكيدنا على أن ابن عباس كان لا يرتضي الرأي بل يتعبد بالنصوص القرآنية والحديثية، وأن تمسكه بهذه الجملة جاء من باب إلزام الآخرين بما يعتقدونه ويقولونه. الثانية: كثرة الرواة الذين رووا عن ابن عباس المسح، فقد روى ذلك عنه الربيع بنت المعوذ (2) وعكرمة (3) وجابر (4) ويوسف بن مهران (5). وأغلب هؤلاء من تلامذة ابن عباس، وبينهم من دون عنه أحاديثه، بعكس رواة الغسل عنه، فهم أقل عددا وليسوا ممن اختص بابن عباس، إذ عرفت انحصار رواية الغسل عنه بعطاء بن يسار وسعيد بن جبير، وسعيد وإن كان من المدونين لحديث ابن عباس لكنا بينا ضعف الطريق إليه بوجود عباد بن منصور فيه، وهو


(1) مصنف عبد الرزاق 1: 19 ح 54. (2) كما مر عليك في الاسانيد الغسلية عن ابن عباس وشهادة الربيع بأن مذهب ابن عباس هو المسح. (3) كما في الاسناد الاول من الروايات المسحية عنه. (4) كما مر في الاسناد الثاني من الروايات المسحية عنه. (5) تفسير ابن كثير 2: 44.

[ 149 ]

المضعف عند الجميع، وحينما سقطت رواية سعيد بن جبير بقي طريق عطاء بن يسار، وهذا لم يختص بابن عباس ولم يدون عنه، بعكس رواة المسح حسما عرفت. الثالثة: سعى أهل الإجتهاد والرأي - من خلال رسم أصول الجرح والتعديل - لتضعيف رواة الوضوء المسحي، لا لكونهم قد رووا الوضوء المسحي حسب، بل لروايتهم أحاديث غريبة منكرة لم يألفوها في كتبهم وصحاحهم!!. نعم، إنهم قد ضعفوا أئمة حفاظا كانت الجماعة (أصحاب الصحاح والسنن) قد روت لهم في موارد أخرى، واعتبروا روايتهم لهذه الأحاديث جرحا لهم لكونها منكرة وغريبه بنظرهم!! فمثلا لو لحظت الإسناد الأول من الطرق المسحية عن ابن عباس، لرأيت رواته أئمة حفاظا، قد روى لهم أئمة الصحاح والسنن، والطريق هو عبد الرزاق، عن ابن جريح، قال: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة يقول: قال ابن عباس... فعبد الرزاق قد احتج به الجماعة (1) - على ما تقدم - وهكذا ابن جريح (2)، ومثله عمرو بن دينار (3) وعكرمة (4). وبما أن الجماعة قد رووا الهؤلاء وثبت لكل واحد منهم ملازمة طويلة لمن يروي عنه - مع أن بينهم من هو أعلم بعلم ابن عباس من غيره - فلماذا لم ترو هذه الرواية وأمثالها في صحاح القوم؟!. ألم يقع هؤلاء في أسانيد الصحاح والمسانيد في مواطن أخرى؟! فلم يخرج البخاري عن سليمان بن بلال - الذي تحتاج روايته إلى تابع - ولا يخرج خبر ابن عباس (لا أجد في كتاب الله إلا مسحتين وغسلتين) بالإسناد المتقدم، مع أن رواته ائمة حفاظ وقد أخرج لهم في مواطن أخرى؟!! واحتج بهم بشكل ليس معه ريب؟!!. الرابعة: إن الباحث في النصوص المسحية عن ابن عباس يعرف أنها نصوص


(1) انظر تهذيب الكمال 18: 57. (2) انظر تهذيب الكمال 18: 338. (3) انظر تهذيب الكمال 20: 264. (4) فقد روى له مسلم مقرونا بغيره ثم رجع، واحتج، به الباقون (انظر تهذيب الكمال 20: 264)

[ 150 ]

استنكارية فيها إشارة إلى موقف ابن عباس الاعتراضي على ثقل الاتجاه المقابل، ومثله الحال بالنسبة إلى خبر ابن عقيل، فإن علي بن الحسين حينما أرسله إلى الربيع لم يكن لأخذ الحكم عنها، بل جاء ليسألها عن ادعائها لوضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، وكيف بهم - وهم أهل بيت النبوة - لا يعرفون ما تحكيه عنه صلى الله عليه وآله؟! نعم، جاءها كي يثبت لها مخالفة ما تدعيه للثابت المقطوع عن رسول الله صلى الله عليه وآله، حيث تواترت الإخبار عنه صلى الله عليه وآله أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، وهذا لا يتطابق مع ترويه عنه صلى الله عليه وآله. وقد فهمت الربيع غرض ابن عقيل الاستنكاري فقالت له: (وقد جاءني ابن عم لك) تعني به ابن عباس، فلمحت بقولها إلى أن الطالبيين لا يرتضون نقلها لمخالفته ما عرفوه من سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله والقرآن الحكيم. فابن عقيل أكد إشكاله وسؤاله بصورة أخرى فقال، فقلت لها: فبأي شئ كان الإناء؟. قالت: قدر مد أو مد وربع. فجملة (فبأي شئ كان الإناء) أراد بها عقيل بيان أمرين: أولهما: إرشادها إلى سقم رؤيتها، لإنه صلى الله عليه وآله لو كان يمسح رأسه مقبلا ومدبرا، ويغسل رجليه ثلاثا لا حتاج إلى أكثر من مد، لعدم كفاية المد لغسل تمام أعضاء الرضوء، وهذا التشكيك من ابن عقيل هو الذي حدا بالربيع أن تزيد في قدر المد!! فقالت: قدر مد بالهاشمي أو مد وربع. فإنها انتبهت إلى عدم إمكان إيفاء المد من الماء بمسح الرأس كله مقبلا ومدبرا مع غسل الرجلين وبقية الأعضاء ثلاثا، فأتت بتلك الزيادة كي تعذر نفسها!!. وثانيهما: إن ابن عقيل أراد أن يرى الإناء الذي كانت تصب فيه الماء لرسول الله كي يوضح لها على ضوئه بأن ما تقوله لا يلائم ما - تفرضه من حجم الماء الذي فيه -، لان الماء الموجود في هذا الظرف الصغير لا يمكنه غسل الرجلين ثلاثا!! أي أن ابن عقيل أراد أن يوضح لها كذب كلامها على وجه الدقة والتحقيق لا الحدس والتخمين!! وسيأتيك بسط الكلام في البحث الدلالي لمرويات عثمان بن عفان وأن وضوءه

[ 151 ]

لا يلائم الثابت المقطوع عن رسول الله صلى الله عليه وآله من أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع. كان هذا مجمل القول في الروايات المسحية عن ابن عباس، وقد عرفت أنها ترجح على الغسلية، بكثرة الطرق، ووحدة النص وعدم الاضطراب فيها و... بعكس الطرق الغسلية. والذي يجب التنبيه عليه هنا هو أن جمعا من تلامذة ابن عباس كانوا قد دونوا أحاديثه، منهم: ابن أبي مليكة (1) والحكم بن مقسم (2) وسعيد بن جبير (3) وعلي بن عبد الله بن عباس (4) وعكرمة (5) وكريب (6) ومجاهد (7) ونجدة الحروري (8) وعمرو بن دينار (9) ولم نر بين هؤلاء اسم عطاء بن يسار - راوي الغسل عن ابن عباس - ولم يصح طريق سعيد بن جبير إلى ابن عباس لوجود عباد بن منصور فيه، بعكس الطرق المسحية عن ابن عباس فقد ثبت ذهاب عكرمة إلى المسح، ونقل عمرو بن دينار: أنه سمع عكرمة يقول: قال ابن عباس: (الوضوء غسلتان ومسحتان)، وهما ممن اختصوا بابن عباس ورووا أحاديثه في المدونات. قال سفيان: قال لي عمرو بن دينار: ما كنت أجلس عند ابن عباس، ما كتبت عنه إلا قائما. نقل ابن عيينة عن سفيان قوله: ما أعلم أحدا أعلم بعلم ابن عباس


(1) مقدمة صحيح مسلم: 13، صحيح البخاري الرهن 6، الشهادات 20، مسند أحمد 1: 243، 351، السنن الكبرى 6: 83. (2) فتح المغيث 2: 138. (3) العلل 1: 50، الطبقات لابن سعد 6: 179، تقييد العلم: 102 - 103، تاريخ أبي زرعة: 119 - أ. (4) الطبقات الكبرى لابن سعد 5: 216. (5) الفهرست، لابن النديم: 34. (6) الطبقات الكبرى 5: 216. (7) الفهرست: 33. (8) مسند أحمد 1: 244، 248، 294، 308، مسند الحميدي 1: 244، صحيح مسلم، الجهاد 137 - 141، الاصابة 2: 234. (9) تاريخ الفسوي 3: 5 ب، تاريخ أبي زرعة 78 ب كما في الدراسات للاعظمي 1: 118.

[ 152 ]

رضي الله عنه من عمرو بن دينار، سمع ابن عباس وسمع أصحابه. فاستبان إذن أن خبر المسح هو الأرجح نسبة إلى ابن عباس بخلاف الغسل، ويؤكده جردنا لرواة أسانيد الغسل والمسح عنه - في نسبة الخبر إليه - إذا ترى غالب الذين رووا عن ابن عباس المسح - وفي جميع الطبقات - كانوا من أصحاب المدونات، بعكس رواة الغسل فلم يكن فيهم إلا سعيد بن جبير - الذي لم يثبت الطريق إليه، لوجود عباد بن منصور المضعف عند الجميع في خبره - وسليمان بن بلال ومحمد بن عجلان وعبد الله بن إدريس، وهؤلاء كانوا من المدونين إلا أنهم من المدونين في عصر التدوين - أي بعد عمر بن عبد العزيز - فلا أهمية لمدوناتهم، بعكس رواة المسح، فإنهم أئمة متقدمين، كعلي بن الحسين (زين العابدين)، وعكرمة، وعمرو ابن دينار، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وجابر بن زيد وغير هم، فهؤلاء قد دونوا الحديث قبل عصر التدوين الحكومي، ولذلك تكون المدوناتهم قيمة أكثر ومنزلة أعظم. وبهذا اتضح أن الطرق المسحية عن ابن عباس هي أقوى سندا ودلالة، وقد رويت بطرق متعددة وفي جميع الطبقات عن المدونين، وهذا يؤكد أن استقرار الوضوء المسحي ثبت بجهود المدونين القدماء على مر الأجيال.

[ 153 ]

وقفة مع رجوع ابن عباس إلى الغسل وردت نصوص ادعي فيها - إشارة أو تصريحا - رجوع ابن عباس - وغيره - إلى غسل القدمين - بعد أن كان يذهب إلى مسحها - وإليك تلك النصوص: الإسناد الأول (1) قال ابن أبي شيبة (2): حدثنا ابن المبارك (3)، عن خالد (4) عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قرأ (وأرجلكم)، يعني رجع الأمر إلى الغسل. المناقشة 1 - في رجال هذا الطريق أبو بكر بن أبي شيبة، وهو أحد الائمة بصناعة الحديث، قوي الحافظة فيه، سراد له. قال عمرو بن علي: ما رأيت أحفظ من ابن أبي شيبة، قدم علينا مع علي ابن المديني، فسرد للشيباني أربع مائة حديث حفظا وقام. وقام أبو عبيد - وهو القاسم بن سلام - انتهى الحديث إلى أربعة: إلى أبي بكر ابن أبي شبية، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، فأبو بكر أسردهم له، وأحمد أفقههم فيه، ويحيى أجمعهم له، وعلي أعلمهم به. 2 - وخالد بن مهران الحذاء، الذي وردت لأهل العلم فيه عدة أقوال، إليك


(1) المصنف لابن أبي شيبة 1: 22. (2) هو عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي، أبو بكر بن أبي شيبة روى له الجماعة سوى مسلم، (انظر تهذيب الكمال 16: 34 وسير أعلام النبلاء 11: 122). (3) هو عبد الله بن المبارك بن واضح، التميمي، مولاهم، أبو عبد الله المروزي روى له الجماعة وغيرهم (أنظر تهذيب الكمال 16: 5، وسير أعلام النبلاة 8: 336). (4) هو خالد بن مهران الحذاء، أبو المنازل البصري، مولى قريش، روى لها الجماعة (انظر تهذيب الكمال 8: 177، وسير أعلام النبلاء 6: 190).

[ 154 ]

أهمها: قال أبو بكر الأثرم، عن أحمد بن حنبل: ثبت (1). وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بم معين، وأبو الرحمن النسائي: ثقة (2). وقال ابن حجر: ثقة يرسل (3). وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به (4). وقال العقيلي: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال حدثني أبي، قال: قبيل لابن علية في هذا الحديث، فقال: كان يرويه فلم نكن نلتفت إليه، ضعف أمره - يعني خالد الحذاء (5) -. وقال يحيى بن آدم: قلت لحماد بن زيد: ما لخالد الحذاء في حديثة؟ قال: قدم علينا قدمة من الشام فكنا أنكرنا حفظة (6). وقال؟؟؟؟ بن سليمان: سمعت أبي ذكر خالد الحذاء فقال: ما عليه لوضع ما صنع طاووس، كان يجلسل فإذا أتي بشئ أخذه وإلا سكت (7). وقال عباد بن عباد: أراد شعبة أن يضع من خالد الحذاء، فأتيته أنا وحماد بن زيد، فقلت له: مالك أجننت! أنت أعلم. وتهددناه فأمسك (8). وقال عبد الله بن نافع القرشي - مولى الآل عمر - أبو شهاب: قال لى شعبة: عليك بحجاج من أرطاة ومحمد بن إسحاق، فإنهما حافظان، واكتم علي عند البصريين في خالد وهشام (9). وقال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحيى بن معين: داود (10) أحب إليك


(1 - 2) تهذيب الكمال 8: 180، الجرح والتعديل 3: الترجمة 1593. (3) تقريب التهذيب 1: 219. (4) تهذيب الكمال 8: 180، الجرح والتعديل 3: الترجمة 1593، تهذيب التهذيب 3: 121، سير أعلام النبلاء 6: 191. (5) الضعفاء للعقيلي 3: 5، سير أعلام النبلاء 6: 192. (6) الضعفاء للعقيلي 3: 4. (7) سير أعلام النبلاء 6: 191. (8 - 9) الضعفاء، للعقيلي 3: 4، سير أعلام النبلاء 6: 191. (10) انظر تهذيب الكمال 8: 461.

[ 155 ]

أو خالد؟ قال: داود - يعني ابن أبي هند - (1). وقال محمد بن سعد: استعمل على القبة ودار العشور بالبصرة، وتوفي في خلافه أبي جعفر المنصور (2). والذي يتحصل من هذه الأوقوال أن سبب الكلام في خالد هو سوء حفظه، ويحتمل أن يكون خالد غير محمود الحال وغير نقي السريرة عند أهل البصرة لعمله عند السطان، لأن الثابت بين الأتقياء والمحدثين الزهاد أنهم يمقتون من هو قريب من السلطان، وعليه فيحتمل أن يكون قربه إليهم - فضلا عن سوء حفظه - هو الذي دعا شعبة لابن يطلب من عبد الله بن نافع كتمان أمره مع خالد. هذا وإن شعبة كان قد قرن خالدا بهشام بن حسان (3)، والأخير متكلم في حفظة، وهذه قرينة أخرى على صحة دعوى سوء حفظ خالد. والعجيب أن الذهبي علق على كلام شعبة مع عبد الله بن نافع القرشي بقوله: هذا الاجتهاد من شعبة مردود لا يلتفت إليه (4)... وكلامه هذا واضح البطلان، لأن الذهبي هو المجتهد في المقام لا شعبة، لأن احتمال اجتهاد شعبة في أمر خالد وهشام بعيد، وليس بوجيه، فهو إنما حكم عليهما بعد لقياه لهما، وهذا يعني أنه حكم عليهما عن حس ويقين لا عن اجتهاد وحدس وتخمين كما هو عند الذهبي! ولقد أجاد الحافظ ابن حجر حينما افاد بقوله:.. ى. والظاهر أن كلام هؤلاء فيه من أجل ما أشار إليه حماد بن زيد من تغير حفظه بأخرة، أو من أجل دخوله في عمل السلطان (5). على أن ابن حجر ادعى التغير بأخرة مع أن الأقوال كما رأيتها مطلقة من حيث سوء حفظه، إذا لم يدل دليل على تحديد تاريخ تغيره!!.


(1) تهذيب الكمال 8: 180. (2) الطبقات الكبرى لابن سعد 7: 259. (3) انظر تهذيب الكمال 20: 181. (4) سير أعلام النبلاء 6: 191. (5) تهذيب التهذيب 3: 122.

[ 156 ]

وسنتكلم عن قيمة هذا النص وأمثاله في البحث السندي والدلالي لا حقا. الإسناد الثاني قال أبو عبيده (1)، حدثنا هشيم (2)، قال: أخبرنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قرأها (وأرجلكم...) بالنصب، وقال: عاد إلى الغسل (3). المناقشة 1 - القاسم بن سلام، أبو عبيد الفقيه، القاضي، الأديب المشهور، صاحب التصانيف المشهورة، لم يتعرض له أحد بجرح ما. 2 - هشيم بن بشير، وهو وإن كان محدثا كبيرا إلا أنه يؤخذ عليه تدليسه وإرساله الخفي، فضلا عن تلبسه بأشياء من السلطان! قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن خالد الطحان وهشيم، فقال: خالد أحب إلينا، لم يتلبس من السلطان شيئا (4). وقال العجلي: هشيم واسطي ثقة كبير الحديث، ثبتا، وكان يدلس كثيرا (5). وحسبك أن ترجع إلى علل أحمد بن حنبل لترى كثيرة الرواة الذين دلس عنهم. وإن قيمة هذا الإسناد وأمثاله سيظهر لك في البحث السندي والدلالي لا حقا إن شاء الله تعالى.


(1) هو القاسم بن سلام البغدادي، ذكره البخاري في القراءة خلف الغمام وأبو داود في تفسير اسنان الابل (انظر تهذيب الكمال 23: 354، تاريخ بغداد 2: 401، الطبقات لابن سعد 7: 355) وغيرها. (2) هو هشيم بن بشير السلمي، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 30: 272، تهذيب التهذيب 11: 59، سير أعلام النبلاء 8: 278 التاريخ الكبير، للبخاري 8: الترجمة 6867) وغيرها. (3) الطهور، لابي عبيد: 392. (4) العلل ومعرفة الرجال 1: 643. (5) الطبقات الكبرى، لابن سعد 7: 313.

[ 157 ]

الإسناد الثالث أخرج الطحاوي بسنده إلى سعيد بن منصور (1)، قال: سمعت هشيما يقول: أخبرنا خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قرأها كذلك، وقال: عاد إلى ا لغسل (2). المناقشة فيه سعيد بن منصور، وهو ثقة، ولم يلين بشئ سوى ما ورد عن الحميدي - صاحب المسند - وسليمان بن حرب (3) من أنه يخطئ في الشئ بعد الشئ من رواية ما يروي عن سفيان (أي ابن عيينة) (4). والكلام عن هذا الإسناد سيتضح لا حقا. اللإسناد الرابع أخرج الطحاوي بسنده إلى عبد الوارث (5)، عن علي بن زيد (6)، عن يوسف بن مهران (7)، عن ابن عباس، مثل ما تقدم من أنه قرأها بالنصب (8).


(1) هو سعيد بن منصور الخراساني، أبو عثمان المروزي، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 11: 77، سير أعلام النبلاء 10: 586، تهذيب التهذيب 4: 89) وغيرها. (2) شرح معاني الآثار 1: 40. (3 - 4) انظر تهذيب الكمال (الهامش) 11: 81. (5) هو عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان، التميمي، العنبري، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 18: 478، تهذيب التهذيب 6: 441، والتاريخ الكبير للبخاري 6: الترجمة 1891) وغيرها من المصادر. (6) هو علي بن زيد بن جذعان، القرشي، التيمي، أبو الحسين البصري (انظر تهذيب الكمال 20: 434، سير أعلام النبلاء 5: 206، تهذيب التهذيب 7: 322) وغيرها من المصادر. (7) لعله البصري (انظر تهذيب الكمال 32: 463، تهذيب التهذيب 11: 424، والطبقات الكبرى لابن سعد 7: 222). (8) شرح معاني الآثار 1: 40.

[ 158 ]

المناقشة 1 - عبد الوارث، وثقة غير واحد من أئمة أهل العلم، إلا أنه كان يرى القدر ويظهره (1). وقال الذهبي، قال يزيد بن زريع: من أتى مجلس عبد الوارث فلا يقربني (2)، وقال أيضا: (... قدري متعصب...) (3). وقال الساجي: الذي وضع منه القدر فقط (4)، وقال أيضا: كان صدوقا متقنا، ذم لبدعته (5). وقال عبد الله: لو لا الرأي لم يكن به بأس (6). وقد ذكره البخاري في ضعفائه الصغير (7)، والعقيلي في ضعفائه الكبير (8). 2 - وأما علي بن زيد فهو ممن لا يحتج به على ما هو صريح كلام الأعلام: قال ابن سعد: ولد أعمى، كان كثير الحديث، وفيه ضعف، ولا يحتج به (9). وقال أحمد بن حنبل: ليس بالقوي (10)، وقال أيضا: ليس بشئ (11)، وقال ثالثة: ضعيف الحديث (12). وقال عثمان بن سعيد الدارمي، عن يحيى بن معين: ليس بذلك القوي (13). وقال معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين: ضعيف (14).


(1) تهذيب التهذيب 6: 443. (2 - 3) ميزان الأعتدال 2: الترجمة 7: 53. (4 - 6) تهذيب التهذيب 6: 443. (7) ضعفاء البخاري الصغير: الترجمة 240. (8) الضعفاء، للعقيلي 3: 98. (9) الطبقات الكبرى لابن سعد 7: 252. (10) الجرح والتهديل 6: الترجمة 1021، وتهذيب الكمال (11) الكامل في الضعفاء 5: 196. (12) تهذيب الكمال 20: 437. (13) تهذيب الكمال 20: 438 عن تاريخ الدارمي الترجمة 473. (14) تهذيب الكمال 20: 438 عن الضعفاء الكبير للعقيلي 3: 231.

[ 159 ]

وقال النسائي: ضعيف (1). وقال الجوزجاني: واهي الحديث: ضعيف، فيه ميل عن القصد، لا يحتج بحديثه (2). وقال العجلي: يكتب حديثه وليس بالقوي (3). وعن ابن معين أيضا: إنه ليس بحجة (4). وقال أبو زرعة: ليس بالقوي (5). وقال أبو بكر بن خزيمة: لا أحتج به لسوء حفظه (6). وقال سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد: حدثنا علي بن زيد، وكان يقلب ا لأحاديث (7). إلى أقوال أخرى مثل هذه. وهذه الأقوال صارفة عن الأخذ بكلامه والاحتجاج به. 3 - وأما يوسف بن مهران، فلعله مجهول الحال غير معروف (8)، لكن أبا زرعه (9) وابن سعد وثقاه، وجعله الأخير في الطبقة الثانية من أهل البصرة، وقال عنه: كان ثقة قليل الحديث (10). وقال ابن حجر: لين الحديث (11). ومهما يكن من شئ فإن هذا الطريق لا يمكن تصحيحه بحال لضعفه بعلي بن زيد!.


(1) تهذيب الكمال 20: 439. (2) تهذيب الكمال 20: 438، عن أحوال الرجال الترجمة 185. (3) تهذيب الكمال 20: 428، عن ثقات العجلي الورقة 40. (4) تهذيب الكمال 20: 428، عن تاريخ الدوري 2: 417. (5) الجرح والتعديل 6: الترجمة 1021، تهذيب الكمال 20: 439. (6) تهذيب الكمال 20: 439. (7) الضعفاء الكبير للعقيلي 3: 232. (8 - 9) حسبما نقله أبي الحسن الميموني عن أحمد بن حنبل فيه (انظر تهذيب الكمال 20: 463). (10) الطبقات الكبرى 7: 222، تهذيب الكمال 20: 464. (11) تقريب التهذيب 2: 383.

[ 160 ]

الإسناد الخامس أخرج الطحاوي بسنده إلى عبد الوارث بن سعيد، ووهيب بن خالد (1)، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قرأها كذلك (2). المناقشة في هذا الطريق وهيب بن خالد الذي وثقه أهل العلم وروت له الجماعة، أنه تغير بأخرة (3)، ولعل سماعة من الحذاء كان بعد تغيره! * 0 هامش) * (1) وهو وهيب بن خالد بن عجلان الباهلي، مولاهم، أبو بكر البصري، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 31: 164، سير أعلام النبلاء 8: 198، تهذيب 11: 169) وغيرها من المصادر. (2) شرح معاني الآثار 1: 40. (3) تقريب التهذيب 2: 329.

[ 161 ]

البحث السندي لخبر رجوع ابن عباس إلى الغسل هذه هي مجوعة ن الأسانيد التي تمسك بها المستدل على رجوع ابن عباس إلى الغسل (1)، وهي غير كافية لإثبات الدعوى، لعدم إمكان الاعتماد عليها سندا ودلالة. أما سندا، فإن هذه الطرق تنتهي إلى طريقين، الأول منهما: هو ما وقع في طريق الطحاوي إلى ابن عباس، والذي رواه (عبد الوارث عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران) وهؤلاء الثلاثة متكلم فيهم، خصوصا علي بن زيد الضعيف، ولا أحسب أ، أحدا احتج برواية فيها علي هذا، أضف إلى ذلك أن ابن كثير أخرج الرواية في تفسيره بنحو آخر وهو: حدثنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) قال: هو المسح. وهذا النص في تفسير ابن كثير يسقط خبر الغسل عن الحجية والاعتبار لمعارضته لها. وعلى كل حال، فالطريق الأول ضعيف لا يمكن الاحتجاج به كما عرفت. وأما الطريق الثاني: وهو الذي رواه خالد عن عكرمة عن ابن عباس (2)، فإن خالدا فيه شئ - كما مر عليك من غمز شعبة له وتكلمه فيه - بل تخوفه من أ، يذكر معه في رواية ما عند أهل البصرة الذين لا يعتبرونه ولا يأخذون بما يرويه. وقد عرفت إن إعراض أهل البصرة عنه ليس لمجرد سوء حفظه بل لأمور أخرى قد عرفت بعضها، لأن سوء الحفظ لوحده لا يوجب الإعراض عنه، فأهل البصرة قد حدثوا عن عدد كثير ممن تكلم في حفظهم وضبطهم من الرواية!!


(1) وحكي مثلها من صحابه آخرين. (2) والذي وقع في الطرق الثلاث الأول.

[ 162 ]

وكذلك لا يختص الإعراض عنه بمجرد كونه يلي بعض أمور السلطان، فهذا الزهري - وكثير غيره من كبار المحديثين - كانوا ممن يلي للسلطان بعض الاعمال مع أن الصحاح مشحونة بمروياتهم! فالمعقول أن يقال هنا: أن خالدا كان غير محمود السيرة مع الناس، بمعنى أنه كان يظلم من تولى عليهم، في أنفسهم وأموالهم أو يقهرهم على ما لا يريدونه، وهذا هو الجرح المتصور لمن يلي للسلطان بعض أعماله. وعليه فالاحتجاج بخالد لا يخلوا من مجازفات شديدة. والحاصل: فإن من يدعي رجوع ابن عباس إلى الغسل ليس لديه سوى هذين الطريقين، وكلاهما غير معتمد عليه سندا حسبما عرفت.

[ 163 ]

البحث الدلالي لخبر رجوع ابن عباس إلى الغسل بعد أن عرفت عدم إمكان الاحتجاج بهذه المرويات سندا، لابد من القول بأن الاحتجاج بمتونها أشد إشكالا، لعدة أمور: الاولى: إن النصوص الحاكية لرجوع بعض الصحابة والتابعين - كعبد الله ابن عباس وابن مسعود وعروة بن الزبير (1) - إلى الغسل، أو إرجاعهم الأمر - في قوله تعالى (وأرجلكم إلى الكعبين) - إلى الغسل، - لكون المعنى فيه - حسب تأويلهم - على التقديم والتأخير (2) -، أنها اقوال واستنتاجات للرواة ولم يصرح احد من اولئك بذلك، بل حكى عكسه (أي المسح) عن عروة بن الزبير (3)!! ولو ثبت رجوع ابن عباس مثلا إلى الغسل وصح لتهادت إليه آذان المحدثين وتناقلته عنه، ولحدث عنه ذلك تلامذته، ولجاء - هذا التصريح - في ألسن المتشرعة كما جاء تصريحه صلى الله عليه وآله بالمسح. والثابت أن هذا الاستنتاج لا يمكنه أن يعارض الثابت المحفوظ عن ابن عباس في المسح سيرة وقولا، لكون الرجوع دعوى محضة لا دليل عليها. الثانية: عرفنا سابقا أن النصوص الحاكية لرجوع ابن عباس هي دعاوي للرواة، فنتساءل الان من هو المدعي؟ أهو عكرمة؟ وهذا غير معقول، لأنه كان من الدعاة إلى المسح والذابين عنه إلى آخر حياته؟


(1) انظر صحيح ابن خزيمة 1: 85 رقم (128) (2) انظر صحيح ابن خزيمة 1: 85 رقم (128) (3) انظر شرح معاني الآثار 1: 35 } 162.

[ 164 ]

ولو صح صدور الغسل عن ابن عباس، فلم لا يرجع عكرمة إليه رغم قربه من ابن عباس؟!! أم هو يوسف بن مهران ى؟ الذي أخرج له ابن كثير عن ابن عباس عكس خبر الرجوع، حيث قال في قوله تعالى (أرجلكم): هو المسح. أم هو عمرو بن دينار؟ الذي روى خبر المسح عن ابن عباس كذلك - كما في الصحفات السابقة، أن غيرهم؟! فثبوت النصوص المسحية عن هؤلاء، والسيرة العملية عن ابن عباس فيه، تشككنا في قبول القول بالرجوع، وذهابه إلى الغسل. الثالثة: المعروف عن ابن عباس كونه من بني هاشم، ومن أهل البيت، ومن المقربين للرسول، حتى كان من أمره أنه يبيت مع النبي صلى الله عليه وآله في بيته في غرقة واحدة - لكون زوجة الرسول ميمون بنت الحرث الهلالية هي خالته - وقد صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله نافلة الليل (1) وصلواته الأخرى، فلا يعقل أن لا يعرف مثل هذا الوضوء حتى يجتهد فيه في أخريات حياته فيرجع إلى الغسل - بسبب قراءة، المفروض أنه كان قد سمعها من النبي صلى الله عليه وآله من ذي قبل، وعرف دلالتها - فالوضوء إذن مسألة من المسائل التي فهمها ابن عباس وأدركها حق الإدراك باعتباره أمرا عمليا فعله النبي صلى الله عليه وآله بمرأى ومسمع منه، ولم يكن بالشئ الخافي والمبهم الذي يمكن إكثار وجوه التفسير والتأويل فيه. نعم، قد أدراكه ابن عباس بحسه، ورآه بعينه، ووعاه بقبله، لأنه ليس حديثا أو كلاما يحتمل فيه سوء الفهم أو الاختلاف في الدلالة. ومعنى كلامنا: أن ما قاله ابن عباس لا يمكن تصور الاجتهاد فيه، لأنه كاشف عن يقينه بما قاله وأنه مستند إلى العلم لا الظن والتخمين، لوقوفه على أن حكم


(1) صحيح البخاري: 1: 57، صحيح ابن خزيمة 1: 66، سنن ابن ماجه 1: 147 وفيه (فقام النبي فتوضأ من شنه وضوءا يقلله)

[ 165 ]

الارجل في القرآن والسنة النبوية هو المسح، لكن الناس أبوا غير ذلك، لقوله (أبي الناس إلا الغسل) وإن هذا الإباء أخذ شكله المتكامل في آخر عهد معاوية وما بعده حسبما وضحناه في مدخل الدراسة. والذي نميل إليه هنا من القول هو: أن خالد بن مهران الحذاء هو الذي قال ذلك لا تحاد غالب أسانيد رجوع ابن عباس عنده. الرابعة: المدقق في هذه المرويات يرى أن نسبة الرجوع إلى الغسل هي اجتهادية محضة من الرواة لا أنها نقل لكلام ابن عباس، فإنهم استوحوا الرجوع، من قراءة ابن عباس (وأرجلكم) بالنصب، لكون الأمر فيه يرجع إلى الغسل، فتصير معطوفة على الوجوه والأيدي لا على الرؤوس. والمعلوم أن كلمة (يعني) و (عاد) - من الرواة - تستعمل للاستنتاجات الحدسية التي يمكن أن تصيب كما يمكنها أن تخطئ. فإذا كان الأمر كذلك، فمن السخافة أن يستدل أحد على رجوع ابن عباس إلى الغسل بواسطة اجتهاد راو يخطئ ويصيب، قد فهم الغسل من قراءة النصب، والتي هي محل للبحث والمناقشة عند الأعلام. فإذا كان الأمر كذلك، فمن السخافة أن يستدل أحد على رجوع ابن عباس إلى الغسل بواسطة اجتهاد راو يخطئ ويصيب، قد فهم الغسل من قراءة النصب، والتي هي محل للبحث والمناقشة عند الأعلام. الخامسة: لا ملازمة بين قراءة النصب والغسل، ولا بين قراءة الجر والمسح، فأما أولا: فلأن أغلب أساطين المحققين من المفسرين قد ذكروا أن الى ية دالة بنفسها على المسح سواء قرئت بالنصب أو الجر وهذا يخالف ما ادعوه في فهم القراءة، وسيأتي توضيح ذلك في بحث دعاوى وردود من هذا القسم من الدراسة، وفي البحث القرآني الوضوء في الكتاب واللغة. وأما ثانيا: فلأن كثيرا من القائلين بالغسل قد اعترفوا بأن المسح حكم قد افترضه الله في كتابه، لكنهم في الوقت نفسه يقولون: إلا أنه نسخ، وفي نقل آخر عنهم: (إلا أن السنة جاءت بالغسل)، وهذا الفهم منهم يرشدنا إلى أنهم لا يشككون بتواتر القراءتين - النصب والجر - ومعنى كلامهم هو صحة القراءتين، وهذا صريح في نفي الملازمة بين الغسل أو المسح، وبين القراءتين المذكورتين.

[ 166 ]

فجمهور أهل السنة يقرؤون بهما جميعا، مع أنهم يغسلون الأقدام، ومثله موقف الشيعة الإمامية، فإنهم يقرؤون بهما مع أنهم يمسحون الأقدام. ولا يخفى عليك أن الذي أوردناه هنا من قولهم بالنسخ، أو أ، السنة جاءت بالغسل!! إنما هو نقض عليهم لا التزام منا به، لأننا سنثبت عدم إمكانية نسخ الكتاب بخبر الواحد في آخر هذا القسم: فتلخص من كل ما ذكرنا أن الروايات المدعية لرجوع ابن عباس إلى الغسل غير ناهضة بالمدعى سندا أو متنا، - في إثبات ذلك عن ابن عباس -، هذا إذا لا حظناها بنفسها، ولو وضعناها بجانب الصابت والمحفوظ عن ابن عباس كانت النتيجة هو بعد هذا الادعاء عن الصواب بعد الأرض عن السماء. مضافا إلى ما تقدمت الإشارة إليه من أن ادعاء رجوعه فرع ثبوت المسح عنه، فيبقى المسح ثابتا قطعيا، والرجوع دعوى بالا دليل.

[ 167 ]

نسبة الخبر إليه قبل تطبيق أولى مفردات (نسبة الخبر إليه) ترى لزاما علينا التفصيل في أحد أطراف المباني المفروض طرحها في مثل هذه الدراسات العلمية، وهو ما اكدناه أكثر من مرة للباحثين من أن نهج الاجتهاد والرأي وأنصاره، وتصحيحا لقول الخليفة وفعله، كانوا ينسبون ما يريدونه إلى أعيان الصحابة من خلال القول بأن علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله وغيرهم قد ذهبوا إلى ما ذهب إليه الخليفة من رأي. وهذه الرؤية توضح ظاهرة من ظواهر اختلاف النقل عن الصحابي الواحد، خاصة إن كان من الجناح المقابل لفقه الشيخين، بل الأحرى المقابل لفقه الاجتهاد والرأي، وذلك لكي يختلط الحابل بالنابل والصحيح بالسقيم، ولكي يضيع موقف هؤلاء الصحابة من الحكم الشرعي ثم يتسنى في آخر الأمر تحكيم رأي الخليفة وأتباع الرأي فيه. إ ' ن اختلاف النقل عن الصحابي الواحد ينم - مضافا إلى ما قيل من وجوه في سبب الاختلاف - عن وجود نهج آخر في الشريعة يتعبد بالنصوص الصادرة عن الله ورسوله ولا يرتضي ما ذهب إليه الخليفة من رأي، وهذا لا يعني أن جميع آراء الخليفة بعيدة عن التشريع والواقع، بل في كلامه ما يوافقه وفيه ما يخالفه، فان كان اجتهاده وفق القرآن أخذ به، وإلا فيضرب به عرض الحائط، لأنه لا قرآن ولا سنة. وهذه الظاهرة هي التي دعتنا للتأكيد أكثر من مرة على لزوم دراسة ملا بسات الأخبار عند المسلمين كي نعرف من هم وراء هكذا أحكام متعارضه، ومن هو المستفيد منها، ونحن لا نحدد ذلك بالخلفاء فقط، بل يمكن أن يكون الأمر راجعا إلى من أعطي دوارا في التشريع كعائشة أم المؤمنين وأبي هريرة كذلك. فنحن لو وقفنا على خلفيات هذه المسائل وعرفنا المفتي بها أو الناقل للحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله أولا ى، لأمكننا الوقوف على الخيوط الخفية في تعدد الأحكام

[ 168 ]

الشرعية، وملابسات اختلاف المسلمين في الفتاوي والآراء. فلو اتخذنا قضية المتعة مثلا لرأينا امتداد النهجين واضحا بينا فيها، فابن عباس (1) وابن عمر (2) وسعد بن أبي وقاص (3)، وعلي بن أبي طالب (4) وأبو موسى الاشعري (5) وغيرهم (6)، يؤكدون على مشروعية هذا الفعل ويعتبرونه فعلا شرعيا نص عليه الله ورسوله ولم ينسخ قط. وأما عمر بن الخطاب (7) وعثمان بن عفان (8) ومعاوية بن أبي سفيان (9) وأئمة الفقه الحاكم فلا يرتضون ذلك الفعل، لأن الخليفة عمر بن الخطاب نهى عنه بقوله: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله حلالا أنا أحرمهما وأعاقب عليهما (10). بلى إنها خطوة اتخذت لكي لا يجرؤ أحد على مخالفة فتوى الخليفة بل ليسلم الجميع بما يراه ويذهب إليه. فقد جاء عن أبي موسى الأشعري أنه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدك ببعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين [ يعني به عمر ] في النسك حتى لقيه بعد فسأله: فقال عمر: قد علمت أن النبي صلى الله عليه وآله قد فعله وأصحابه، ولكني كرهت أن يظلوا


(1) زاد المعاد 1: 212 - 213، مسند أحمد 1: 327، ارشاد النقاد للصنعاني: 24 - 25، سنن الترمذي 2: 295. (2) سنن الترمذي 2: 159 } 823، ارشاد النقاد، للصنعاني: 25. (3) السنن الكبرى للبيهقي 5: 17، زاد المعاد 1: 179، سنن الدارمي 2: 35. (4) مسند أحمد 1: 57، سنن النسائي (المجتبى) 5: 152، المستدرك على الصحيحين 1: 472 الموطأ 1: 336 } 40، سنن الترمذي 2: 295. (5) صحيح مسلم 2: 896 } 157، مسند أحمد 1: 50، سنن النسائي (المجتبى) 5: 153، السنن الكبرى، للبيهقي 5: 20، تيسير الوصول 1: 340 } 30، سنن ابن ماجة 3: 992 } 2979. (6) كعمران بن الحصين، انظر صحيح مسلم 2: 899 } 168، شرح صحيح مسلم للنووي 7 - 8: 456. (7) احكام القرآن للجصاص 2: 152، والمصادر السابقة. (8) سنن النسائي (المجتبى) 5: 152، المستدرك على الصحيحين 1: 472، مسند أحمد 1: 57، الموطأ 1: 336. (9) السنن الكبرى، للبيهقي 5: 20، سنن ابي داود 2: 157 } 1794، زاد المعاد 1: 189. (10) احكام القرآن للجصاص 2: 152.

[ 169 ]

معرسين بهن في الأراك ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم (1). إن هذا النص وأمثاله مما يؤكد فكرة خضوع الأحكام الشرعية لرأي الخليفة، إذا ترى أبا موسى الأشعري - وهو من كبار الصحابة - لا يمكنه أن يفتي بحكم المتعة، لأنه لا يدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك!! بل يجب عليه التروي حتى يأتي أمر الخليفة وقراره الأخير فيه!! فإذا كان هذا فعلهم مع الصحابة الأحياء، فكيف بالصحابة الأموات وبعد قرون من الزمن؟! إننا لا نستبعد - من أجل تقوية الجناح الحاكم - أن يسبوا إلى إعيان الصحابة قولا في النهي أو التشريع يوافق مذهب الخليفة، وهذا ما فعلوه بالفعل في كثير من المسائل: فقد نسب القول بتحريم المتعة إلى بعض أعيان الصحابة، منهم: علي بن أبي طالب وابن عباس وابن مسعود وجابر (2) وغيرهم، مع أن الثابت القطعي - في نصوص كثيرة - عن هؤلاء تؤكد قولهم بالتحليل (3). وإنا قد ناقشنا كلام ابن القيم في متعة النساء - حين جعل حديث علي في النهي دليلا للتحريم - بقولنا: لا ندري متى ثبتت حرمة التمتع بالنساء عن علي حتى يصح جعله دليلا للمطلوب، في حين كان الإمام وابن عمه عبد الله بن عباس في طليعة المجيزين له والقائلين (لولا نهي عمر لمازني الا شقي أو إلا شفى) (4)، وقد كذب ابن عباس عبد الله بن الزبير في ادعاء تحريم ذلك حين أحاله على امه ليسألها عن ذلك. (5) وقوله للذين لا يعملون بقول الرسول وفعله: ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله - وفي آخر: حتى يصيبكم حجر من السماء - نحدثكم عن النبي صلى الله عليه وآله


(1) صحيح مسلم 2: 896 } 157، مسند أحمد 1: 50، سنن النسائي (المجتبى) 5: 153، السنن الكبرى للبيهقي 5: 20، تيسير الوصول 1: 340 } 30، سنن ابن ماجة 3: 992 } 2979. (2) انظر: فتح الباري 9: 142، أحكام القرآن، للجصاص 2: 147 - 148، الجامع لاحكام القرآن 5: 132، المغني لابن قدامة 7: 572، المبسوط للسرخسي 5: 152، المهذب في فقه الشافعي 2: 46، تحفة الاحوذي 4: 267. (3) انظر المحلى، لابن حزم 9: 519. (4) النهاية 2: 249 و 488. (5) المحاضرات للراغب الاصفهاني 2: 94 وانظر الطبراني (10721) وعنه في جامع المسانيد 31: 152

[ 170 ]

وتحدثوننا عن أبي بكر وعمر (1). وقد صرح الإمام علي بأن الخلفاء من قبله قد عملوا أعمالا خالفوا فيها رسول الله صلى الله عليه وآله مغيرين لسنته، وعد منها المتعتين (2)، فكيف ينسب بعد ذلك إلى علي القول بالتحريم!! ويزيد الأمر وضوحا أن الخلفاء في العهد العباسي كانوا قد عقدوا جلسات المناظرة مع الأئمة من ولده، وكان السؤال عن المتعة في رأس قائمة الأسئلة المطروحة في تلكم المناظرات التي حفظها لنا التاريخي؟! فلو كان المنع قد ثبت عن علي، فما الإصرار من قبل آله في الدفاع عن حلية التمتع؟ ولماذا غدا أشياع علي - إذن - موضع سهام الانتقاد والمحاربة، من أجل القول بمشروعيتها؟ ولم تحارب الشيعة من أجله حتى اليوم؟! نعم، إن الحلية قد ثبت صدورها عن علي بطريق متعددة عند الفريقين وأجمع عليها أئمة التعبد المحض، وهو المحفوظ عنه في الصحاح والأخبار، وأما حديث المنع المدعى فيها وفي غيرها - عنه وعن غيره - فقد انفرد بنقله أنصار مدرسة الاجتهاد والرأي لمصالح ارتضوها!! (3). ومما يزيد الأمر تلبيسا هو اختلاف نقلهم عن علي، فتارة نقلوا عنه أنه قال: نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وآله يوم خبير، وفي آخر: في يوم حنين، وفي ثالث في غزوة تبوك (4)، وكذلك الحال بالنسبة إلى من نسبوا لهم بواطل الأقوال، كل ذلك لتأكيد النسبة إليهم بهذه القيود الإضافية! ومثل قضية المتعة مسألة صلاة التراويج، فقد ثبت عن عمر قوله نعمت البدعة هذه (5).


(1) زاد المعاد 1: 219. (2) انظر كتاب الروضة من الكافي 8: 61. (3) انظر منع تدوين الحديث، لنا: 279 بتصرف. (4) فتح الباري 9: 137، أحكام القرآن للقرطبي 5: 131. (5) صحيح البخاري 3: 58، تاريخ المدينة 3: 713، الرياض النضرة 1: 309، تاريخ اليعقوبي 2: 140.

[ 171 ]

قال اليعقوبي في تاريخة: وفي هذه السنة - يعني سنة أربع عشر بعد الهجرة - سن عمر قيام شهر رمضان وكتب بذلك إلى البلدان، وأمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يصليا بالناس، قيل له في ذلك: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يفعله، إن ابا بكر لم يفعله، فقال: إن تكن بدعة فما أحسنها من بدعة (1). وذلك لأنه صلى الله عليه وآله كان قد خرج في رمضان ليلا للصلاة في المسجد فأتم به الناس، وفي اليوم الثاني كثر العدد، وفي اليوم الثالث كانوا أكثر، حتى خرج بهم إلى خارج المسجد، فترك الرسول الخروج إلى المسجد خوف أن تفرض عليهم (2)، فقد جعلوا هذا الخبر وأمثاله دليلا على مشروعية صلاة التراويج وترى الرسول صلى الله عليه وآله في النص السابق قد تركها ولم يرتض الإتيان بها جماعة في المسجد!! فالناس - أصحاب الرأي والجتهاد - كانوا يريدون تشريع هذا الأمر ويصرون على النبي صلى الله عليه وآله أن يأتي إلى المسجد للصلاة ى بهم بحيث كان بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم (3) ويقول الاخر: الصلاة الصلاة، ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول لهم: (خشيت أن يكتب عليكم ولو كتب عليكم ما قمتم به (4)) أو قوله في خبر زيد بن ثابت (أيها الناس ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أن سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة) (5). فهذا الخبر دليل على عدم مشروعية هذه الصلاة، لعدم ارتضاء رسول الله صلى الله عليه وآله الصلاة بهم حتى آخر حياته، وكذا في عهد الخليفة الأول أبي بكر، حيث لم يكن لها وجود آنذاك، وشطرا من خلافة عمر. لكن الخليفة عمر بن الخطاب فيما بعد ارتضى هذا الأمر وسعى لتشريعه بكتابته


(1) تاريخ اليعقوبي 2: 140. (2) كنز العمال 7: 817 ح 21542 واخرجه النساء ئ فئ كتاب قيام الليل باب قيام شهر رمضان عن عاشة (3) الفتح الربانئ 5: 13 (4) كنز العمال 7: 817 ح 21542، واخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين باب استحباب صالة النافلة في بيته (5) الفتح الرباني 5: 13، كنز العمال 7: 816 ح 21541 واخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب فضل التطوع في البيت.

[ 172 ]

للأمصار في إتيان ذلك (1)!! قال ابن قدامة في كتاب المغني: ونسبت التراويح إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لأنه جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يصليها بهم، فروى عبد الرحمن بن عبدالقاري قال: خرجت مع عمر ليله في رمضان فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: اني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال: نعمت البدعة هذه (2). وهذا خطأ، لان صلاة التراويح إنما نسبت إلى عمر لأنه أول من شرعها جماعة وفي المسجد مخالفا بذلك صريح قول النبي صلى الله عليه وآله المتقدم من أن الصلاة في المسجد جماعة إنما هي للس؟؟؟؟ لا لغيرها، فإن خبر زيد بن ثابت وغيره يكذب دعوى ابن قدامة هذه، ويكذبها أيضا قول عمر نفسه: (نعمت البدعة هذه)، وكذا كتابته إلى البلدان والأمصار آمرا بنشرها. نعم، إن عمر بن الخطاب شرع أمرا لم يكن شرعيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، فأراد تطبيقه بتعميم كتاب إلى الأمصار!! وبعد هذا فلا يستبعد أن ينسب إلى أعيان الصحابة أقوالا توافق راي الخليفة وتقوي ما ذهب إليه، حتى نراهم في بعض تلك النصوص يشيرون إلى خصوصيات خاصة منسوبة إلى بعض الصحابة كي يؤكدوا النسبة إليه، فمن ذلك ما رواه عرفجه الثقفي بقوله: كان علي بن أبي طالب يأمر الناس بقيام شهر رمضان ويجعل للرجال إماما وللنساء اماما، فكنت أنا إمام النساء (3)!! وعن أبي عبد الرحمن السلمي وغيره: إن عليا قام بهم في رمضان (4)!! فانهم جاءوا بهذه الأخبار ليضعفوا الأخبار الأخرى الثابتة عنه في عدم


(1) انظر الكامل في التاريخ 2: 489. (2) المغني، لابن قدامه 1: 834. (3) المجموع، للنووي 4: 34. (4) المبسوط، للسرخسي 2: 145.

[ 173 ]

مشروعية صلاة التراويح وأنها بدعة، لقوله في خبر طويل مروي عن اهل بيته وولده (والله لقد أمرت الناس ألا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة) (1) ويؤيد هذا النقل عن اهل البيت وكون اجتماعهم في النوافل بدعة خبر عمر بن الخطاب نفسه: نعمت البدعة هي (2)!! وجاء في التهذيب بسنده إلى الصادق: أن أمير المؤمنين عليه السلام لما قدم الكوفة أمر الحسن بن علي أن ينادي في الناس (لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة). فنادى في الناس الحسن بن علي بما أمره به أمير المؤمنين عليه السلام، فلما سمع الناس مقالة الحسن بن علي صاحوا: واعمراه! واعمراه! فلما رجع الحسن إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال له: ما هذا الصوت؟ فقال: يا أمير المؤمنين! الناس يصيحون: واعمراه! واعمراه! فقال أمير المؤمنين لهم: صلوا (3). ونحن لو نظرنا إلى الصلاة بين الطلوعين وقبل الغروب لرأيناها كسابقيها، حيث نهى عنا الخليفة عمر بن الخطاب. جاء في مجمع الزوائد للهيثمي: إن تميما ركع ركعتين بعد نهي عمر بن الخطاب عن الصلاة بعد العصر، فأتاه عمر فضربه بالدرة، فأشار إليه تميم أن اجلس - وهو في صلاته - فجلس عمر، ثم فرغ تميم من صلاته فقال تميم لعمر: لم ضربتني؟ قال: لأنك ركعت هاتين وقد نهيت عنها قال: إني صليتهما مع من هو خير منك، رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال عمر: إنه ليس بي أنتم الرهط، ولكن أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون مابين العصر والمغرب حتى يمروا بالساعة التي نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يصلوا فيها حتى


(1) الروضة من الكافي 8: 58 ح 21. (2) صحيح البخاري 3: 58، تاريخ المدينة 3: 713 وغيره. (3) تهذيب الاحكام 3: 70 } ح 27 وفي شرح النهج لابن ابي الحديد ط قديم 3: 178 ناقلا ذلك عن السيد المرتضى، وفي مستطرفات السرائر مثله.

[ 174 ]

وصلوا ما بين الظهر والعصر (1). وجاء عن أبي ايوب الأنصاري أنه كان يصلى قبل خلافة عمر ركعتين بعد العصر، فلما استخلف عمر تركها، فلما توفي ركعها، فقيل له: ما هذا؟ فقال: إن عمر كان يضرب الناس عليهما (2). فمن غير البعيد أن ينسب إلى ابن عباس وغيره نهيهم عن الصلاة بعد العصر، في حين إن اولئك كانوا قد فعلوا ذلك، ولو تأملت في النصوص المجوزة للصلاة بعد الوقتين عن ابن عباس لا تضح لك مدعانا وسقم نسبة النهي بعد العصر إليه. فقد رووا عن ابن عباس قوله: شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن نبي الله كان يقول: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس (3). وعن علي قوله: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي دبر كل صلاة مكتوبه ركعتين إلا العصر والصبح (4) لكن ابن حزم روى في المحلى بإسناده عن شعبه عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي، عن ابن عباس قوله: لقد رأيت عمر بن الخطاب يضرب الناس على الصلاة بعد العصر، ثم قال ابن عباس: صل إن شئت ما بينك وبين أن تغيب. قال علي [ وهو ابن حزم ]: هم يقولون في الصاحب يروي الحديث ثم يخالفه: لولا انه كان عنده علم بنسخه ما خالفه، فيلزمهم أن يقولوا ههنا: لولا أنه كان عند ابن عباس علم أثبت من فعل عمر ما خالف ما كان عليه مع عمر، وبمثله عن شعبة عن ابن شعيب عن طاووس: سئل ابن عمر عن الركعتين بعد العصر؟ فرخص فيهما (5). وجاء عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وآله قوله: لا تصلوا بعد العصر إلا أن


(1) مجمع الزوائد 2: 322 - 323. (2) المصنف 2: 433 وفي هامشه عن كنز العمال. (3) الفتح الرباني 2: 292 ح 187 السنن الكبرى للبيهقي 2: 451 - 457. (4) المحلى 2: 267 والسنن الكبرى للبيهقي 2: 459 وابي داود في سننه 1: 492. (5) المحلى 2: 275، الفتح الرباني 2: 296 عن سنن الدار قطني وتاريخ اصبهان لابي نعيم والطبراني وتلخيص الخطيب.

[ 175 ]

تصلوا والشمس مرتفعة (1). وهذان النصان يخالفان ما ثبت عن ابن عباس وعلي، والمطالع في كتب الفقه والحديث والتاريخ يعلم بأن الاتجاه الفقهي لمدرسة الاجتهاد والراي كان يسعى لتطبيق ما سن على عهد عمر بن الخطاب. ولنأخذ موقف معاوية في حكم الصلاة بعد العصر مثلا، كي تتأكد لنا الحقيقة أكثر، أخرج أحمد في مسنده عن أبي النتاج، قال: سمعت حمران بن أبان يحدث عن معاوية أنه رأى ناسا يصلون بعد العصر، فقال: إنكم تصلون صلاة قد صحبنا النبي صلى الله عليه وآله ما رأيناه يصليها ولقد نهى عنها، يعنى الركعتين بعد العصر (2). وأخرج ابن حزم بسنده إلى عبد الله بن الحارث بن وفل قال: صلى بنا معاوية العصر فرأى ناسا يصلون، فقال: ما هذه الصلاة؟ فقالوا: هذه فتيا عبد الله بن الزبير، فجاء عبد الله بن الزبير مع الناس، فقال معاوية: ما هذه الفتيا التي تفتي: أن يصلوا بعد العصر؟ فقال ابن الزبير: حدثتني زوج رسول الله صلى الله عليه وآله أنه صلى بعد العصر. فأرسل معاوية إلى عائشة، فقالت: هذا حديث ميمونة بنت الحارث، فأرسل إلى ميمونة رسولين، فقالت: إنما حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يجهز جيشا فحبسوه حتى أرهق العصر، فصلى العصر ثم رجع فصلى ما كان يصلي قبلها، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا صلى صلاة أو فعل شيئا يحب أن يدوم عليه، فقال ابن الزبير: أليس قد صلى؟ والله لنصليه! قال علي: ظهرت حجة ابن الزبير فلم يجز عليه الاعتراض (3). نعم، إن عائشة كانت قد قالت: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله السجدتين بعد العصر عندي قط (4).


(1) السنن الكبرى للنسائي 1: 485 ح 1552. (2) مسند أحمد 4: 100. (3) المحلى 2: 273. (4) السنن الكبرى للنسائي 1: 485 ح 1553، وأحمد قد اخرج عن عائشة قولها ان النبي صلى الله عليه وآله نهى عن الصلاة حين تطلع الشمس حتى ترتفع ومن حين تصوب حتى تغيب، وفي اسناده ابن لهيعه وهو ضعيف، انظر الفتح الربانى 2: 299.

[ 176 ]

وفي آخر: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان عندي بعد العصر صلاهما (1). وقد مر عليك إنها قد صححت نظر عمر في الصلاة بعد العصر بقولها: وهم عمر إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يتحري طلوع الشمس وغروبها (2). وأما بيع أمهات الأولاد فهو الآخر، من موارد ما نحن فيه، فقد كان أبو بكر وعمر يسمحان بذلك في خلافتهما، ولكن ما لبث الخليفة عمر بن الخطال حتى انتبه إلى أنه محرم فحرم بيعها، ولأجل هذا نرى نسبه جواز بيعهن ورجوعه عنه إلى علي وابن عباس وجابر (3). فقد أخرج القاضي نعمان في دعائم إلا سلام، عن الباقر أنه ذكر له عن عبيدة السلماني أنه روى عن علي بيع أمهات الأولاد، فقال الباقر: كذبوا على عبيدة - أو كذب عبيدة على علي - إنما أراد القوم أن ينسبوا إليه الحكم بالقياس، ولا يثبت لهم هذا أبدا، إنما نحن أفراخ علي، فما حدثناكم به عن علي فهو قوله، وما أنكرناه فهو افتراء عليه، ونحن نعلم أن القياس ليس من دين علي وإنما يقيس من لا يعلم الكتاب ولا السنة، وفلا تضلنكم روايتهم، فإنهم لا يدعون أن يضلوا ولا...) (4). وقال الشيخ مرتضى الأنصاري، وهو من كبار علماء الإمامية في كتابه (المكاسب): وفي بعض الأخبار دلالة على كونه من المنكرات [ أي بيعهن ] في صدر الإسلام، مثل ما روي عن قول أمير المؤمنين عليه السلام لمن سأله عن بيع أمة أرضعت ولده، قال له: خذ بيدها وقل من يشتري أن ولدي (5)!. وأما مسألة المسح على الخفين فهي الأخرى تشابه ما سبقها، إذ ثبت عن عمر بن الخطاب أنه كان يمسح على خفيه ويفتي بذلك (6)، ويأمر به (7)، وقد كتب إلى


(1) السنن الكبرى للنسائي 1: 485 ح 1555. (2) صحيح البخاري 1: 152، صحيح مسلم 1: 566 - 567 و 1: 571 } 295، مسند أحمد 6: 124، النسائي (المجتبى) 1: 278 - 279. (3) السنن الكبرى للنسائي 10: 342 المحلى 9: 217 الروض النضير 3: 601، المبسوط 7: 149. (4) دعائم الاسلام 2: 536 ج 1902، مستدرك وسائل الشيعة 17: 254. (5) المكاسب، للشيخ الانصاري: 175. (6) موسوعة فقه عمر بن الخطاب: 870. (7) المصنف، لعبد الرزاق 1: 197 ح 766. ى

[ 177 ]

زيد بن وهب الجهني وهو بأذربيجان كتابا في ذلك، وهو يشترط الثلاث للمسافر ولية للمقيم وليلة للقيم (1). وجاء عنه في نص آخر: لا يختلجن في نفس رجل مسلم أن يتوضأ على خفيه وإن كان جاء من الغائط (2)، وقد بال عمر مرة فمسح على خفيه (3). ولذلك، نسب إلى بعض الصحابة أقوالا تشابه ما قاله الخليفة، فممن روي عنهم قولان علي بن أبي طالب وابن عباس وعائشة وابن عمرو (4). فقد نسب إلى علي بن أبي طالب أنه مسح على خفيه (5) وقوله: للمسافر ثلاث ليال ويوم وليلة للمقيم (6) ومثله ما نسب إلى ابن عباس (7) وابن مسعود (8)، وكان عطاء هو الناسب إلى ابن عباس وابن عمر قولهما بجواز المسح (9). وقد سئلت عائشة عن المسح على الخفين، فقالت: سل علي بن أبي طالب فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فسألنا عليا فقال: للمسافر ثلاث وللمقيم ليلة (10). والباحث في الفقه الاسلامي يعلم بان مذهب علي ببن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعائشة هو عدم جواز المسح على الخفين، لأنه هو الراجح من مذهبهم. إذ


(1) المصنف، لعبد الرزاق 1: 206 ح 797 وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل المصيصة ان اخلعوا الخفاف في كل ثلاث، المصنف لابن ابي شيبة 1: 193 ح 1879. (2) المصنف، لعبد الرزاق 1: 195 ح 760، و 196 ح 763. (3) المصنف، لابن أبي شيبة 1: 166 ح 1905. (4) انظر المحلى 2: 60، المجموع 1: 477 - 478، فتح الباري 1: 245، أحكام القرآن، للجصاص 2: 250 . (5) المصنف لابن أبي شيبة 1: 165 ح 1894. (6) المصنف لابن ابي شيبة 1: 165 ح 1892. (7) المصنف، لعبد الرزاق 1: 208 ح 802، المصنف لابن أبي شيبة 1: 165 ح 1893 و 1911. (8) المصنف، لعبد الرزاق 1: 207 ح 799، المصنف لابن أبي شيبة 1: 164 ح 1883 و 1888 و 1890. (9) المصنف، لعبد الرزاق 1: 198 ح 772. (10) المصنف، لعبد الرزاق 1: 203 ح 788 و 789، المصنف لابن أبي شيبة 1: 162 ح 1865 و 1866 والحميدي في مسنده من طريق عتبة عن يزيد بن أبي زياد وكنز العمال 5 الرقم 3035.

[ 178 ]

ثبت عن علي وابن عباس قولهما: سبق الكتاب الخفين (1)، وجاء عن خضيف: أن مقسم اخبره ان ابن عباس قال: إنا عند عمر حين سأله سعد وابن عمر عن المسح على الخفين؟ فقضى عمر لسعد، فقال ابن عباس: فقلت: يا سعد، قد علمنا أن النبي صلى الله عليه وآله مسح على خفيه، ولكن أقبل المائدة أم بعدها؟ قال: فقال روح [ وهو من رواة السند ]: أو بعدها؟ قال: لا يخبرك أحد أن النبي صلى الله عليه وآله مسح عليهما بعد ما أنزلت المائدة، فسكت عمر (2). وعن عائشة قولها: لئن أحزهما أو أحز أصابعي بالسكين أحب الي من أن أمسح عليهما (3)، أو: لأن تقطع قدماي أحب الي من أن أمسح على الخفين، أو: لإن أمسح على جلد حمار أحب إلي من أن أمسح على الخفين (4). وقد انزعج الخليفة عمر بن الخطاب من قول عائشة هذا فقال: لا تأخذوا بقول امرأة (5). فهذه النصوص صريحة بأن مذهب عائشة وعلي وابن عباس هو عدم جواز المسح على الخفين، وإما ما جاء عنهم في جواز المسح فهو مما وضع لتأيد مذهب الخليفة عمر بن الخطاب، وعليه فلا يمكن الركون إلى هذه الأخبار بسهولة، لمخالفة هؤلاء الصحابة للخليفة في فهمه ونقله!! وواضح أن أتباع الاتجاه المقابل قد أتوا بهذه الأخبار تصحيحا لمسارهم، ولكي


(1) مصنف بن أبي شيبة 1: 169 ح 1946 (قول علي) وفي 1947، 1949 قول ابن عباس وانظر عن ابن عباس في زوائد الهيثمى 1: 256 قال: رواه الطبراني في الاوسط، انظر الطبراني (1140) وجامع المسانيد 32: 266 وج 30: 245 عن الطبراني (12237). (2) رواه الامام أحمد في مسند. (3462) واسناده صحيح، وقال المزين: رواه أبو داود في الطهارة، وليس موجودا، ونقل الهيثمى في مجمع الزوائد (1: 256) نحو هذا عن ابن عباس، ونسبه للطيرانى في الوسط، كما في هامش جامع المسانيد والسنن لابن كثير 32: 6 - 4. (3) مصنف بن أبي شيبة 1: 170 ح 1953. (4) التفسير الكبير، للرازي 11: 163. (5) مسند زيد بشرح الروض.

[ 179 ]

يشككوا الناس في المنقول عن المتعبدين، ثم تصحيح ما ذهب إليه عمر بن الخطاب، وهذه حقيقة لا تخفى على البصير بملابسات التشريع الإسلامي، وجذور الاختلاف بين المسلمين. ولو تدبرت في موقف آخر من هذه المواقف، وهو نسبة المسح على الخفين إلى أئمة الطالبين كمحمد الباقر وزيد بن علي بن الحسين و.... لعرفت صحة مدعانا، لأن الثابت عن فقه هؤلاء هو عكس المطروح عنهم في مرويات اتباع الاجتهاد. فقد جاء في مسند الامام زيد بن علي عن أبيه، عن جده الحسين بن علي رضي الله عنهما قوله: إنا ولد فاطمة (رضي الله عنها) لا نمسح على الخفين ولا العمامة ولا كمة ولا خمار ولا جهاز (1). وقد مر عليك ما جاء في تفسير العياشي اعتراض الإمام علي على الخليفة عمر بن الخطاب لتجويزه المسح على الخفين وقوله له: لم تفتي وأنت لا تدري؟! سبق الكتاب الخفين (2). مر مثله ما جاء في قول ابن عباس لعمر: لا يخبرك أحد أن النبي صلى الله عليه وآله مسح عليهما بعد ما انزلت المائدة، فسكت عمر. وقد أخرج أبو الفرج الاصبهاني في مقاتل الطالبيين أخبار بعض المندسين في صفوف يحيى بن عبد الله بن الحسن، فقال:... صحبه جماعة من أهل الكوفة، فيهم ابن الحسن بن صالح بين حي... كان يذهب مذهب الزيدية البترية في تفضيل أبي بكر وعمر وعثمان في ست سنين من إمارته، وإلى القول بكفره في باقي عمره، يشرب النبيذ، ويمسح على الخفين، وكان يخالف يحيى في أمره، ويفسد أصحابه. قال يحيى بن عبد الله: فأذن المؤذن يوما، وتشاغلت بطهوري وأقيمت الصلاة، فلم ينتظرني وصلى بأصحابي، فخرجت، فلما رأيته يصلي، قمت أصلي ناحية، ولم أصل معه، لعلمي أنه يمسح على


(1) مسند الامام زيد: 74. (2) تفسير العياشي 1: 297 } 46 وقد مر في مدخل الدراسة كذلك.

[ 180 ]

الخفين، فلما صلى، قال لأصحابه: علام نقتل أنفسنا مع رجل لا يرى الصلاة معنا ونحن عنده في حال من لا يرضى مذهبه (1). وروى ابن مصقلة عن الإمام الباقر عليه السلام، أنه قال: فقلت: ما تقول في المسح على الخفين؟ فقال: كان عمر يراه ثلاثا للمسافر، ويوما وليلة للمقيم، وكان أبي لا يراه في سفر ولا حضر. فلما خرجت من عنده، وقفت على عتبة الباب، فقال لي: أقبل، فأقبلت عليه، فقال: إن القوم كانوا يقولون برأيهم فيخطؤون ويصيبون وكان أبي لا يقول برأيه (2). وعن حبابة الوالبية، عن أمير المؤمنين عليه السلام، قالت: سمعته يقول: إنا اهل بيت لا نمسح على الخفين، فمن كان من شيعتنا فليقتد بنا وليستن بسنتنا، فإنها سنة رسول الله صلى الله عليه وآله (3). وقال قيس بن الربيع، سألت أبا اسحاق عن المسح على الخفين، فقال: أدركت الناس يمسحون حتى لقيت رجلا من بني هاشم، لم أر مثله قط، محمد بن علي ابن الحسين، فسألته عنها، فنهاني عنه، وقال: لم يكن علي أمير المؤمنين يسمح على الخفين، وكان يقول: سبق الكتاب المسح على الخفين، قال: فما مسحت منذ نهاني عنه (4). وفي الانساب للسمعاني: إن أبا جعفر الموسائي - نسبة إلى موسى بن جعفر - يقول: إنا أهل بيت لا تقية عندنا في ثلاثة أشياء: كثرة الصلاة، وزيارة قبور الموتى، وترك المسح على الخفين (5). وقبله جاء عن جعفر بن محمد الصادق - كما في التهذيب والإستبصار - قوله:


(1) مقاتل الطالبيين: 468. (2) التهذيب 1: 361 } 1089، الوسائل 1: 459 أبواب الوضوء ب 38 ح 10. (3) الفقيه 4: 298 } 898، الوسائل 1: 460 أبواب الوضوء ب 38 ح 12. (4) ارشاد المفيد 2: 161، الوسائل 1: 462 أبواب الوضوء ب 38 ح 20. (5) الانساب للسمعاني 5: 405.

[ 181 ]

(لا أتقي من ثلاث..) وعد منها المسح على الخفين (1). فمدرسة الاجتهاد والراى قد نسبت إلى الطالبين جواز المسح على الخفين، وأنت ترى عدم تطابقه مع المنقول عنهم في صحاح مروياتهم والثابت من سيرتهم لحد هذا اليوم، وبعد هذا أرجوا من المطالع أن يحكم بنفسه بقرب أي النقلين إلى علي وابن عباس وبعد الاخر عنهما، وهل حقا أنهما كانا يذهبان إلى المسح على الخفين وحرمة المتعة والصلاة بعد العصر و... أم لا؟!! وسيأتيك مناقشة اخبار المسح على الخفين سندا ودلالة في المجلدات القادمة باذن الله تعالى. وبعد هذا انتقل بالقارئ إلى مسألة أخرى من مسائل التشريع الإسلامي والتي كان للخليفة الثاني فيها رأي، وهي: عدد التكبيرات على الميت: فعن أبي وائل قال: كانوا يكبرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله سبعا وخمسا وستا، أو قال: أربعا، فجمع عمر بن الخطاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، فأخبر كل رجل بما رأى، فجمعهم عمر على أربع تكبيرات كأطول الصلاة (2). وعن سعيد بن المسيب: كان التكبير أربعا وخمسا، فجمع عمر الناس على أربع تكبيرات على الجنازة (3). وقال ابن حزم في المحلى: احتج من منع أكثر من أربع بخبر رويناه من طريق وكيع عن سفيان الثوري، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، قال: جمع عمر بن الخطاب الناس فاستشارهم بالتكبير على الجنازة، فقالوا: كبر النبي صلى الله عليه وآله سبعا وخمسا وأربعا، فجمعهم عمر على أربع تكبيرات (4). وقد قال الترمذي، بعد أن روى حديثا عن أبي هريرة في أن النبي صلى الله عليه وآله صلى على النجاشي أربعا، في باب ما جاء في التكبير على الجنازة: وفي الباب عن ابن عباس وابن أبي أو في... (5)


(1) الكافي 3: 32 } ح 2، التهذيب 1: 362 } ح 1093، الاستبصار 1: 76 } ح 237. (2) فتح الباري 3: 157. (3) السنن الكبرى للبيهقي 4: 37، فتح الباري 3: 157، ارشاد الساري 2: 417، عمدة القاري 4: 129. (4) المحلى، لابن حزم 5 - 6: 124. (5) سنن الترمذي 2: 243.

[ 182 ]

فهذه النصوص قد وضحت لنا بأن الخليفة عمر بن الخطاب هو الذي جمع الناس على الأربع، رغم إرشاد الصحابة له بأن النبي صلى الله عليه وآله كبر سبعا وخمسا وأربعا، فلا غرابة بعد هذا أن تتسب الأربع إلى أعيان الصحابة كابن عباس وزيد بن أرقم دعما لموقفه!! فقد نقل عن زيد بن أرقم وابن عباس وغيرهم قولان (الاربع والخمس،)، وبما أن النقل الأول (أي الأربع) يخاف ما جاء عنهم بطرق صحيحة أخرى، وكان مما يفيد راي الحليفة، فنحن نرجح صحة الثاني عنهما، لكونه من مذهبهما، وهو مالا يرتضيه نهج الاجتهاد والرأي - الحاكم على الفقه والحديث آنذاك -!! فقد أخرج أحمد في مسنده عن عبد الأعلى، قال: صليت خلف زيد بن أرقم على جنازة فكبر خمسا، فقام إليه أبو عيسى - عبد الرحمن بن أبي ليلى - فأخذ بيده، فقال: نسيت؟ قال: لا، ولكني صليت خلف أبي القاسم خليلي فكبر خمسا، فلا أتركها أبدا (1). وفي كلام زيد بن أرقم إشارة إلى عدم ارتضائه مذهب عبد الرحمن بن أبي ليلى المستمد عن فقه عمر بن الخطاب، لأنه قد أصر على إتيان الخمس رغم أخذ ابن أبي ليلى - فقيه الدولة - بيده وقوله له: نسيت. فقال له: لا، ولكني صليت خلف أبي القاسم، خليلي، فكبر خمسا فلا اتركها ابدا. ففي الجملة الآنفة عدة نكات: اولها: قوله (لا). ثانيها: صليت خلف أبى القاسم. ثالثها: فلا اتركها ابدا، فتأمل جيدا في هذه المقاطع!! وبعد هذا فلا يصح انتساب الاربع لزيد بن ارقم مع وجود نقل الخمس عنه كذلك!. ومثل ما نقل عن زيد هو النقل المنسوب إلى ابن عباس، فالمعروف عن الطالبيين هو تكبير هم على الميت خمسا، وعدم ارتضائهم الأربع، إذ جاء في مقاتل


(1) مسند أحمد 4: 370، شرح معاني الآثار 1: 494 } 2827.

[ 183 ]

الطالبيين: حدثني يحيى بن علي وغير واحد، قالوا: حدثنا عمر بن شبه، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن أبي الكرام الجعفري، قال: صلى إبراهيم بن عبد الله بن الحسن على جنازة بالبصرة، فكبر عليها أربعا. فقال له عيسى بن زيد: لم نقصت واحدة، وقد عرفت تكبيرة أهلك؟ قال: إن هذا أجمع للناس، ونحن إلى اجتماعهم محتاجون، وليس في تكبيرة تركتها ضرر إن شاء الله تعالى، ففارقه عيسى واعتزله، وبلغ أبا جعفر [ المنصور ] فأرسل إلى عيسى يسأله أن يخذل الزيدية عن إبراهيم (1). وجاء في مسند زيد بن علي، عن أبيه، عن جده علي (رضي الله عنهم) في الصلاة على الميت، قال: تبدأ في التكبيرة الأولى بالحمد والثناء على الله تبارك وتعالى، وفي الثانية: الصلاة على النلي صلى الله عليه وآله، وفي الثالثة: الدعاء لنفسك والمؤمنين والمؤمنات، وفي الرابعة: الدعاء للميت والاستغفار له، وفي الخامسة تكبر وتسلم (2). وجاء عن أئمة أهل البيت مثله (3). فاتحاد موقف إبراهيم بن عبد الله - إذ قرر أن المفروض خمس تكبيرات لكنه ترك واحدة لجمع الناس، وهو من ولد الحسن بن علي - وعيسى بن زيد وزيد ابن علي والباقر والصادق - وهم من ولد الحسين - ينبئ عن وحدة الفقه عندهم، وأن مذهب علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهم من الطالبيين هو الخمس لا غير، وقد قدمنا لك (4) أن فقه الطالبيين حسنيين كانوا أم حسنيين هو واحد. ونختم حديثنا بقضية منع الشيخين لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله، مع بياننا لبعض ملابساته مع شئ من التفصيل، لكون المعارضين لعثمان في الوضوء هم من الحدثين!! إذ جاء عن الخليفة أبي بكر أنه جمع الناس بعد وفاة نبيهم ونهاهم عن التحديث بقوله: (فلا تحدثوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله


(1) مقاتل الطالبين: 335 و 408 إلى 413. (2) مسند الامام زيد: 149. (3) الكافي 3: 181 } 3 و 183 } 2 و 184 } 2 - 3 و 185 } 6 والتهذيب 3: 189 } 431، 191 } 435، 193 } 440. (4) في مدخل الدراسة تحت عنوان: وحدة المرويات عند العلويين.

[ 184 ]

فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه) (1)، وقد حرق بالفعل مدونته الحديثية والتي كانت خمسمائة حديثا (2). ومثله كان فعل الخليفة عمر بن الخطاب، فإنه لما بلغه أنه قد ظهرت في أيدي الناس كتب، استنكرهها وكرهها وقال: أيها الناس!! إنه قد بلغني أنه قد ظهرت في أيديكم كتب فأحبها إلى الله أعدلها وأقومها، فلا يبقين أحد عنده كتابا إلا أتاني به، فأرى فيه رأيي. فظنوا أنه يريد أن ينظر فيها ويقومها على أمر لا يكون فيه أختلاف، فأتوه يكتبهم، فأحرقها بالنار، ثم قال: أمنية كأمنية أهل الكتاب (3). وروي عن يحيى بن جعدة: أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة، ثم بداله أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار: من كان عنده منها شئ فليمحه (4). وقد كان عمر بن الخطاب قد استشار الصحابة في تدوين أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله فأشاروا عليه بأن يكتبها، فطفق يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له، فقال: إنى كنت أردت أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها، فتركوا كتاب الله تعالى، وإني لا ألبس كتاب الله بشئ أبدا (5) فهذه النصوص تؤكد على أن مذهب الشيخين كان هو النهي عن تدوين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله لأسباب ذكرناها في كتابنا (منع تدوين الحديث)، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قد أخبر بوقوع هذا الأمر بن بعده بقوله (يوشك) الذي هو من أفعال المقاربة، وقد تحقق بالفعل من بعده حيث أخرج أحمد في مسنده وابن ماجة وأبو داود والدارمي والبيهقي في سننهم: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (يوشك الرجل متكئ على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدناه فيه من حلال


(1) تذكرة الحفاظ 1: 2 - 3، حجية السنة: 394. (2) تذكرة الحفاظ 1: 5، الاعتصام بحبل الله المتين 1: 30، حجية السنة: 394. (3) حجية السنة: 395، وفي الطبقات الكبرى لابن سعد 1: 140 (مثناة كمثناة أهل الكتاب). (4) تقييد العلم: 53، حجية السنة: 395. (5) تقييد العلم: 49، حجية السنة: 395 عن البيهقي في المدخل وابن عبد البر.

[ 185 ]

أحللناه ومن حرام حرمناه) (1) وهذا بعينه ما قاله الخليفة أبو بكر بعد وفاة رسول الله. نعم، إن نهج الاجتهاد والراى - وتصحيحا لما ذهب إليه الشيخان - نسب كراهة التدوين إلى بعض أعيان الصحابة كابن عباس (2) وابن مسعود (3) وغيرهم، لكن المراجع لسيرتهم ومواقفتهم يعرف سقم هذه النسبة إليهم. وأن اختلاف النقل عنهم يشير إلى هذه الحقيقة المرة. فقد أخرج الخطيب بسنده إلى أبي رافع، كان ابن عباس يأتي أبا رافع فيقول: ما سنع رسول الله صلى الله عليه وآله يوك كذا؟ ما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله يوم كذا؟ ومع ابن عباس ألواح يكتب فيها (4). وعن ابن عباس قوله: (قيدوا العلم، وتقييده كتابته) (5)، وفي آخر: (خير ما قيد به العلم الكتاب) (6)، وفي ثالث: (قيدوا العلم بالكتاب، من يشتري مني علما بدرهم) (7). وعن معن، قال: أخرج لي عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود كتابا وحلف لي أنه خط أبيه بيده (8). فالنصوص توضح أن ابن عباس وابن مسعود كانا من المدونين والمحدثين، ولو راجعت كتابنا (مع تدوين الحديث) لوقفت على هذه الحقيقة. فمما احتمل في ادعاء نهي عبد الله بن مسعود ومحوه لبعض الصحف، - على تقدير صدورها عنه - هو لكونها قد أخذت من أهل الكتاب، فلذاكره عبد الله النظر فيها،


(1) مسند أحمد 4: 133، سنن ابن ماجة 1: 6 } 12، سنن أبي داود 4: 200 } 4604، السنن الكبرى للبيهقي 9: 331، دلائل النبوة 1: 25، 6: 549، الإحكام لابن حزم 2: 161، الكفاية في علم الدراية: 9. (2) تقييد العلم: 43. (3) تقييد العلم: 38، 53. (4) تقييد العلم: 92. (5) تقييد العلم: 92. (6) تقييد العلم: 92. (7) تقييد العلم: 92. (8) جامع بيان العلم وفضله 11: 72.

[ 186 ]

وهذا هو ما قاله ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1). والحقيقة هي أن النهي عن تدوين الحديث هو مما شرعه الشيخان، وكان مما يؤرق أنصارهم ويؤذيهم، إذ كيف يمكن فرض الحصار على حديث رسول الله وهو صلى الله عليه وآله المبين لأحكام الله؟ فمن أجل رفع هذا التنافي وضعوا أولا أحاديث دالة على نهي رسول الله صلى الله عليه وآله عن كتابة حديثه، ثم تشكيكهم بنسبة تلك النصوص الدالة على نهي الشيخين لحديث رسول الله. واخيرا نقل أقوال عن الخليفة الثاني دالة على لزوم الكتابة، كقوله: (قيدوا العلم بالكتاب) (2)!!. فالحضر على حديث رسول الله صلى الله عليه وآله ومنع الكتابة هو مما لا يقبله أحد، فما جاء عن زيد بن ثابت قوله: ان رسول الله صلى الله عليه وآله أمرنا أن لا نكتب شيئا من حديثه، يخالف ما نقل عنه، وكتابته للفرائض!! قال جعفر بن برقان: سمعت الزهري يقول: لولا أن زيد بن ثابت كتب الفرائض لرأيت أنها ستذهب من الناس (3). وقال ابن خير: كتاب الفرائض لزيد بن ثابت رحمة الله حدثني به أبو بكر... عن خارجه بن زيد بن ثابت عن أبيه زيد بن ثابت (4). وقال الدكتور الاعظمي: ولا تزال مقدمة هذا الكتاب محفوظة في المعجم الكبير للطبراني (5). وعن كثير بن أفلح: كنا نكتب عن زيد بن ثابت...) (6) وروى قتادة عن كثير بن الصلت أنهم يكتبون عند زيد (7). ومثله الحال بالنسبة إلى أبي سعيد الخدري، فلو صح أن الخدري روى عن


(1) جامع بيان العلم وفضله 1: 77. (2) تقييد العلم: 88. (3) سير اعلام النبلاء 2: 312، تاريخ دمشق لابن عساكر 5: 448 كما جاء في هامش تقييد العلم: 99. (4) فهرست ابن خير الاشبيلي: 263 كما في الدراسات 1: 109. (5) دراسات في الحديث النبوي 1: 109. (6) تقييد العلم: 102. (7) تاريخ ابن أبي خيثمة 3: 6 ب كما في دراسات الحديث النبوي 1: 109.

[ 187 ]

النبي صلى الله عليه وآله قوله: لا تكتبوا عني إلا القرآن فمن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه (1)، فكيف نراه يقول: ما كنا نكتب شيئا غير التشهد والقرآن؟!، وفي آخر عن ابن مسعود: والاستخارة (2). وهما غير القرآن؟! وجاء عنه قوله لأبي نضرة بانه سيكتب إلى ابن عباس أن لا يفتيه في مسألة الصرف (3)، وهذان يشيران إلى كتابته غير القرآن. وأما روايات أبي هريرة الناهية (4) فيعارضها قوله للحسن بن عمرو بن أمية الضمري، إن كنت سمعته مني فهو مكتوب عندي، فأخذ بيدي إلى بيته فأرانا كتبا كثيرة من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله، فوجد ذلك الحديث، فقال: قد أخبرتك إن كنت حدثتك به فهو مكتوب عندي (5). وقول بشير بن نهيك: كنت آتي أبا هريرة فآخذ منه الكتب، فأنسخها، ثم أقرأها عليه، فأقول: هل سمعتها منك؟ فيقول: نعم (6). وقد كتب عن ابى هريره مضافا إلى بشير بن نهيك، أبي صالح السمان (7) وسعيد المضري (8) وعبد العزيز بن مروان (9)، وهمام بن منبه (10)، وعبد الله


(1) صحيح مسلم: كتاب الزهد باب (16) التثبت في الحدث ح 72، مسند أحمد 3: 21 و 39، سنن الدارمي 1: 98 رقم 456، تقييد العلم: 30 - 31. (2) تقييد العلم: 93. (3) مسند أحمد 3: 60 صحيح مسلم المساقاة: 99. (4) تقييد العلم: 33 - 35، مسند أحمد 3: 12. (5) جامع بيان العم وفضله 1: 74 فتح الباري 1: 215 ط السلفية، المستدرك للحاكم 3: 511 وعلق عليه الذهبي بقوله: هذا منكر لم يصح. (6) شرح العلل لابن رجب كما في دراسات في الحديث النبوي 1: 97. (7) الموضوعات لابن الجوزي 1: 34، هدى الساري 1: 23، مسند علي بن الجعد: 80 كما في الدراسات. (8) تهذيب التهذيب 9: 342. (9) الطبقات الكبرى لابن سعد 7 } 2: 157. (10) طبعت هذه الصحيفة بتحقق الدكتور محمد حميد الله وترجمت إلى الانجليزية كذلك انظر الدراسات 1: 99.

[ 188 ]

ابن هرمز (1) ومروان بن الحكم (2) ومحمد بن سيرين (3) وعبيدالله ابن وهب القرشي (4) وعقبة بن أبي الحسناء (5). كل هذه النصوص توضح بأن أمر التدوين كان جائزا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله لم يحظر من قبله صلى الله عليه وآله، بل كان النهي قرارا من الشيخين، لقول الراوي (بداله) و (أراد) و (ثم كتب في الأمصار) وغير ذلك من العبائر الدالة على إرادته الخاصة ورغبته الشخصية. وإذا كان الأمر كذلك فلابد من الوقوف عند أحاديث النهي الصادرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله لمخالفتها لروح التشريع الإسلامي الدالة على كسب العلم والحاضة على الكتابة بقوله تعالى (فاكتبوه ولا تسئموا أن تكتبوه) و (الذي علم بالقلم) و... وعليه، فيمكن عد أحد أسباب اختلاف النقل عن الصحابي الواحد وهو محاولة النهج الحاكم ارجاع احد قولي الصحابي إلى ما قاله الخلفاء وشرعوه من احكام، ولا يختص مدعانا هذا بما شرعه الشيخان، بل يمكن تعميمه إلى غير هما من الخلفاء، كعثمان ومعاوية و... وحتى لعائشة ولابي هريره وغيرهم من أئمة الفقه الحاكم. ونحن لو جمعنا هذه المفردات من كتب الفقه والحديث والتفسير لصار مجلدا ضخما، يوضح مسار انحراف كم ضخم من الأحكام الشرعية التي يعمل عليها كثير من المسلمين اليوم، وهو ما نحله على أصحاب الفكر والقلم لدراسته والكتابة فيه. وبهذا، فقد عرفنا وجود اتجاهين، أحدهما يدافع عن قرارات الخليفة ويطلب لكلامه عذرا، والآخر يصر على الأخذ من رسول الله صلى الله عليه وآله وما جاء به الوحي لا غير. وقد سمينا سابقا الاتجاه الأول بأصحاب الرأي والاجتهاد، والثاني بالتعبد المحض، وقد كان هذان الاتجاهان على تخالف وتضاد، فما يذهب إليه الأول ينفيه الثاني لعدم تطابقه مع القرآن والسنة النبوية، وما كان يذهب إليه الثاني لا يعمل به الأول لمخالفته


(1) مسند أحمد 2: 531. (2) سير اعلام النبلاء 2: 431 - 432، البداية والنهاية 8: 106. (3) تاريخ الفسوي 3: 14 ب، الاملاء 173، الجامع كما في الدراسات 1: 99. (4) المجروحين 250 ب، انظر ايضا تهذيب التهذيب 11: 253 كما في الدراسات 1: 98. (5) الميزان 3: 85

[ 189 ]

لاجتهاده ورأيه، وقد مر عليك قبل قليل كلام الخليفة الأول (إنكم تحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وآله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا) وقول عمر بن الخطاب (فلا يبقين أحد عنده كتاب إلا أتاني به فأرى فيه رأي). فهذه النصوص وتوضح بأن الشيخين لم يرتضيا التدوين والتحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن الناس قد كرهوا التدوين، لكراهة الشيخين له، ثم أحبوه لحب عمر بن عبد العزيز له، فقال الزهري: (كنا نكره التدوين حتى أكرهنا السلطان - ويعني به عمربن عبد العزيز - على ذلك و...) فالنهي إذا لم يكن نهيا شرعيا عن رسول الله، بل الاتجاه الفقهي للاجتهاد والرأي في الأزمنة اللاحقة هو الذي أراد تحديد الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله بما عمل به في عهد أبي بكر وعمر لا غير. فقد جاء في الطبقات الكبرى لابن سعد ومسند أحمد: أن محمود بن لبيد قال سمعت عثمان على المنبر يقول لا يحل لأحد أن يروي حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر (1). وعن معاوية قوله: أيها الناس! أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله، إن كنتم تحدثون فحدثوا بما كان يتحدث به في عقد عمر (2). وفي رواية ابن عساكر: إياكم والأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله إلا حديثا ذكر على عهد عمر (3). وهذه النصوص - عن هؤلاء الخلفاء - تؤكد مدعانا، حيث ترى عثمان ومعاوية يؤكدان على عدم جواز نقل حديث لم يسمع به على عهد أبي بكر وعمر، وهذا معناه إقرارهم لما شرع وعمل به في عهدهما والنهي عما نهيا عنه دون النظر إلى أصل الحديث صحة وسقما، وصدوره عن النبي. والباحث في الفقه الإسلامي يوافقنا فيما قلناه لأنه غالبا ما يرى أن الفقه


(1) الطبقات الكبرى لابن سعد 2: 336، وعنه في السنة قبل التدوين: 97. (2) كنز العمال 1: 291. (3) تاريخ دمشق 3: 160.

[ 190 ]

المطلوب والحديث المسموح به هو ما يوافق التجاه الحاكم نهج الاجتهاد والرأي لا غير، فلو بحثت عما شرعه الخليفة عمر بن الخطاب أو نهى عنه مثلا لرأيته مدونا موجودا فيك كتب الفقه والحديث ويعمل به اليوم طائفة من المسلمين، وأما الفقه الآخر فلا ترى له عين ولا أثر على الصعيد العملي، وقد مرت عليك بعض المفردات الفقهية والتي كان وراءها الخليفة عمر، فترى ما شرعه عمر وأئمة الفقه الحاكم هو الشرعي، وما نهى عنه هو المنهي عنه اليوم، كالنهي عن المتعة، ومشروعية صلاة التراويح، والنهي عن الصلاة بعد الصبح والعصر، والقول بالمسح على الخفين، وتربيع التكبيرات على الميت، والنهي عن تدوين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله، فتراها كما قالها عمر بن الخطاب من ناحية، وملقاة على عواتق آخرين من ناحية أخرى. نعم، إن نهج التعبد المحض لم يستسلموا لقررات الخليفة وما شرعه وطبق الرأي فيه، بل جدوا لتطبيق ما سنه الله رسول له، فترى عليا لا يرتضي الشرط الإضافي الذي أقحم متأخرا في الشريعة - يوم الشورى - من قبل عبد الرحمن بن عوف. إذ جاء في التاريخ أن عبد الرحمن بن عوف قال لعلي: يا علي، هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر؟ فقال علي: أما كتاب الله وسنة نبيه فنعم، وأما سيرة الشيخين فلا. فعلي لم يرتض الشرط الأخير، ومعنى كلامه تخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وآله مع سيرتهما - على أقل تقدير من وجه نظر الإمام علي - لأنهما - [ أي السنة وسيرتهما ] لو كانتا متحدتين للزم عبد الرحمن أن يعطي الخلافة لعلي، لعدم وجود شئ في سيرة الشيخين يخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وما نزل به الوحي، أو للزم علي الأخذ بسيرتهما، ولما لم يسلم عبد الرحمن الخلافة، علمنا أن هناك تنافيا بينهما وأنهما ليسا بشئ واحد؟! إن رفض علي للشرط المذكور وامتناع ابن عوف تسليم الخلافة له ليؤكدان على مخالفة سيرة الشيخين للكتاب والسنة. حيث إن جعل هذا القيد بجنب الكتاب والسنة ليوحي بأنه هو المطلوب من العملية كلها، لعدم اختلاف أحد في حجية الكتاب والسنة، وأما حجية فعل الشيخين فهو المختلف فيه، فإن قرار عمر وابن عوف بلزوم حسم القضية في ثلاثة أيام مع

[ 191 ]

حتمية موافقتهم على اجتهادات الشيخين ليشير إلى هذه الحقيقة. أن اتجاه التعبد المحض لم يكن على وفاق مع نهج الاجتهاد والرأي فكريا، فابن عوف يريد تطبيق ما سن على عقد الشيخين، ورجال التعبد لا يرتضون إعطاء الشرعية لهذه الاجتهادات، لمخالفة بعضها لكتاب الله وسنة نبيه، فكانوا يخالفون تلك المواقف ويحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وآله فيها، وهذه هي التي كانت تؤذي الخليفة عمر بن الخطاب، ولما ظهرت الأحاديث بيد الناس دعاهم عنده وقال لهم: (انكم أكثرتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله) أو قوله (افشيتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله) ثم أمرهم بالبقاء عنده حتى أصيب. فانصار التعبد المحض كانوا يحدثون حتى لو وضعت الصمصامة على أعناقهم. وقد مر عليك ما قاله الصحابي الكبير أبو ذر الغفاري في مقدمة هذا المجلد (1). فالاتجاه الحاكم كان لا يريد أن يتحدث أبو ذر وأمثاله بالأحكام التي قد لا توافق الخليفة، لأن المشهد عظيم وهو (الحج)، والمكان - الجمرة الوسطى - أكثر ما يجتمع فيه الحجيج، لكونه مجمع الصاعد منهم إلى العقبة، والهابط إلى الجمرة الصغرى، فكلام أبي ذر في هذا المشهج والجتماع الناس عليه يستفتونه هو ما لا يرضي الخلافاء، وقد نهى عمر وعثمان أبا ذر عن هذا سابقا وأن المعترض ذكره بقوله (ألم تنه). فقد يكون النهي السابق هو إشارة إلى ما أخرجه الحاكم بسنده عن إبراهيم: إن عمر قال لابن مسعود ولأبي ذر ولأبي الدرداء: ما هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى اصيب (2). ففي جملة (ما هذا الحديث) أو قوله في نص آخر (إنكم أفشيتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله) وفي ثالث (أكثرتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله) إشارة إلى أنه كان يرى في الإفشاء والإكثار ونقل الحديث ثقل المواجهة معه! ولو تأنيت في موقف ابن عباس في التلبية لرآيته نفس موقف أبي ذر في رفض


(1) انظر صحيح البخاري 1: 27، فتح الباري 18: 170، سنن الدارمي 1: 112، وحجية السنة وفي بعض النصوص ان المتكلم مع أبي ذر كان عثمان بن عفان. (2) المستدرك على الصحيحين 1: 110، ومجمع الزوائد 1: 149، قال الحاكم في المستدرك: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في ذيله على الكتاب.

[ 192 ]

الأخذ بمذهب الرأى، فقد أخرج النسائي في المجتبى، والبيهقي في السنن، عن سعيد ابن جبير، قال: كان ابن عبسا بعرفة، فقال: يا سعيد، مالي لا أسمع الناس يلبون؟ فقلت: يخافون معاوية. فخرج ابن عباس من فسطاطه، فقال: لبيك اللهم لبيك، وإن رغم أنف معاوية، اللهم العنهم، فقد تركوا السنة من بغض علي (1). وقوله في آخر: لعن الله فلانا، عمدوا إلى أعظم أيام الحج فمحوا زينته، وإنما زينة الحج التلبيه (2). فأنصار التعبد المجض لم يخضعوا إلى ما سنة الخليفة عمر بن الخطاب من مخالفات لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وفعله، بل إنهم كانوا يؤكدون على عدم تركهم سنة رسول الله صلى الله عليه وآله لقول أحد (3)، وفي آخر: إنها سنة أبي القاسم (4) وفي ثالث: سنة نبيكم وإن رغمتم. (5). ونحن قد اطلنا الوقفة عند مفردة منع تدوين الحديث كي نوضح وجه الترابط - بل التمانع - بين المحدثين، والمانعين، فالاول يصر على التحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وإن وضعت الصمصامة على عنقه، وذلك لا يمانه بلزوم إبلاغ ما سمعه من رسول الله، والآخر يرى لنفسه الاجتهاد قبال النص ويقول (راى رايته) وقد عرفت سابقا أن المخالفين لعثمان كانوا من المحدثين، لقوله - كما في خبر مسلم - إن ناسا يتحدثون عن رسول الله بأحاديث، لا ادرى ما هي، الا اني... بعد هذه المقدمة السريعة لابد لنا من الوقوف على موقف ابن عباس من الرأي عموما، ومن الخليفة عمر بن الخطاب على وجه الخصوص، وإنه إلى أي الاتجاهين


(1) سنن النسائي (المجتبى) 5: 253، السنن الكبرى للبيهقي 5: 113، الاعتصام بحبل الله المتين 1: 360. (2) مسند أحمد (1870) كما في جامع المسانيد والسنن 30: 170. (3) مسند أحمد 4: 370، شرح معاني الآثار 1: 494 } 2827، صحيح مسلم 2: 899 } 168 شرحه للنووي 7 - 8: 456. (4) صحيح البخاري 1: 199 كتاب الصلاة باب التكبير إذا قام من السجود، سنن النسائي (المجتبى) 5: 148. (5) قاله ابن عباس انظر مسند أحمد (3181، 3183، 2013)، جامع الاسانيد 32: 364.

[ 193 ]

ينتمي: التعبد المحض أم الرأي والاجتهاد؟؟ ومدى تقارب فقه ابن عباس مع فقه علي بن أبي طالب أو تخالفه معه، وهما من الطالبيين!! وقد مر عليك ما جاء في كنز العمال: عن إبراهيم التيمي، وأنه قال: خلا عمر بن الخطاب ذات يوم فجعل يحدث نفسه، فأرسل إلى ابن عباس فقال: كيف تختلف هذه الأمة وكتابها واحد، ونبيها واحد، وقبلتها واحدة؟ فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين! إنا أنزل علينا القرآن فقرآناه، وعلمنا فيما نزل وإنه يكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن لا يعرفون فيم نزل، فيكون لكل قوم رأي، فإذا كان لكل قوم رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا، فزبره عمر وانتهره، وانصرف ابن عباس، ثم دعاه بعد، فعرف الذي قال، ثم قال: إيها أعد (1). وجاء عنه تصريحه بان الطلاق ثلاثا لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله بل هو من افتاء عمر (2)، وإن ابن عباس كان يرى ان ذلك يقع واحدا (3). ابن عباس والخلافة عرف عن العباس بن عبد المطلب - جد العباسيين - وابنه عبد الله أنهما كانا من المدافعين عن خلافة علي بن أبي طالب والمقرين بفضله. لابن العباس قد تخلف عن بيعة أبي بكر ولم يشارك في اجتماع السقيفة مع جمع آخر من الصحابة، بل بقي إلى جنب علي يجهزان رسول الله صلى الله عليه وآله حتى وري في التراب، وإن في مواقف العباس في الشورى - بعد مقتل عمر بن الخطاب - وغيرها ما يؤكد هذه الحقيقة. وهكذا الحال بالنسبة إلى ابنه عبد الله، فهو الآخر قد كان من المدافعين عن خلافة الإمام علي والمقرين بفضله، وأنه هو وأولاده أحق الناس بالأمر بعد


(1) كنز العمال 2: 333 ح 4167. (2) رواه مسلم في الطلاق ح 17 من باب (طلاق الثلاث) والطبراني (10975) وأحمد في مسنده (2877) انظر جامع الاسانيد 30: 512، 540. (3) مسند الامام أحمد (2387) ورواه أبو يعلى (2500) واسناده صحيح، إنظر جامع المسانيد 31: 408، 419.

[ 194 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله، ولو قرأت الحوار الذي دار بين المهدى العباسي وشريك القاضي (1) لصدقتنا فيما نقوله. ومن ناحية أخرى نرى أن ابن عباس لم يشارك مع أبي بكر في حروبه، وكانت له اعتراضات على مواقف أبي بكر الفقهية، ومثل هذا كان حاله مع عمر بن الخطاب، إذا اعترض على بعض اجتهاداته ولم يرتض أخذ القوم بتلك الاجتهادات لمخالفتها لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله، وقوله لهم في المتعة: (أراهم سيهلكون أقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله، ويقولون قال أبو بكر وعمر). وجاء عن عمر قوله لابن عباس يوما: أما أنت يا ابن عباس فقد بلغني عنك كلام أكره أن أخبرك به قتزول منزلتك عندي، قال: وما هو؟ قال: بلغني أنك لا تزال تقول: أخذ هذا الأمر منا حسدا وظلما فأخذ ابن عباس يدافع عن أحقية أهل البيت بالخلافة، ولم يتنازل لعمر، فقال عمر له - عند ما ذهب -: إني على ما كان منك لراع حقك (2). وجاء عن ابن عباس إرادته القول لعمر لما علل سبب إبعاد عليا عن الخلافة بصغر السن: أفتستصغره أنت وصاحبك وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يبعثه في الكتيبة فينطح كبشها... (3). كل هذه تشير إلى تخالف ابن عباس مع رموز الخلافة فقها وسياسة. نعم، إن عمر بن الخطاب قد أعرض عن تولية بني هاشم أيام خلافته موضحا سبب ذلك لابن عباس - لما أراد توليته على حمص بعد موت واليها - فقال له: يا ابن عباس! إني خشيت أن يأتي علي الذي هو آت [ أي الموت ] وأنت على عملك، فتقول: هلم إلينا، ولا هلم إليكم دون غيركم (4).


(1) تاريخ بغداد 9: 292. (2) شرح النهج 12: 46. (3) الغدير 7: 389 عن المحاظرات للراغب، وقريب منه في شرح النهج 2: 18، 20: 185. (4) مروج الذهب 2: 353، 454.

[ 195 ]

فابن عباس في الوقت الذي لم يشارك أبا بكر في حروب الردة وعمر بن الخطاب في غزواته، نراه يحارب في صف علي بن أبي طالب في حرويه الثلاثة ضد الناكثين (1) والقاسطين (2) والمارقين (3). وقد اختاره الإمام علي للمحاججة مع الخوارج، وقبله للتحكيم بين جيشه وأهل الشام، لكن القوم لم يرتضوه! وقد اعترض ابن عباس على عثمان ومعاوية وابن للزبير وعائشة يوم الجمل، وجاء عنه قوله لعائشة، لما لم ترض ا، تدفن الإمام الحسن بن علي عند جده الرسول: يا عائشة واسوأتاه، يوم على جمل ويوم على بغل!! هذا المعنى الذي أخذه الشاعر فخاطب عائشة قائلا: تجملت، تبغلت * ولو عشت تفيلت لك التسع من الثمن * وبالكل تصرفت إشارة منه إلى سماحها بدفن الشيخين بجوار رسول الله صلى الله عليه وآله ومنعها من دفن الحسن وهو ابن بنته، وبهذا تصرفت بأضعاف من حصتها من الإرث على القول بتوريثها منه. هذا، ولولا خوف الإطالة في التحقيق لتوسعنا في الموضوع، ولكنا رأينا الرجوع إلى تقديم بعض النماذج الحية على وحدة الفقه بين علي بن أبي طالب وعبد الله ابن عباس، - وأن كليهما من نهج التعبد المحض المدافع عن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وما نزل به الوحي، والمخالف لنهج الاجتهاد والرأى - لكونه الاولى بهذا المقام. الوحدة بين علي وابن عباس مرت عليك في الصفحات السابقة بعض المواقف الفقهية لابن عباس واتحادها مع فقه علي بن أبي طالب، كالتلبية والمتعة، وعدم جواز المسح على الخفين، ولزوم


(1 - 3) انظر المصادر التاريخيه كالطبري وغيره.

[ 196 ]

تدوين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله و...، والآن مع بيان مفردات أخرى نوضح على ضوئها استقاء النهجين من معين واحد، ألا وهو القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وليس هذا باجتهاد من قبلهم بل هو اتباع للنصوص، وإليك بعض تلك الموارد: 1 - البسملة اتفق فقه ابن عباس مع علي بن أبي طالب على جعل البسملة آية من كتاب الله، ولزوم الجهر بها في الصلوات الجهرية. فجاء عن ابن عباس قوله: أعقل الناس آية من كتاب الله تعالى لم تنزل على أحد سوى النبي صلى الله عليه وآله إلا أن يكون سليمان بن داود، بسم الله الرحمن الرحيم (1) واخرج الطبراني بسنده إلى يحيى بن حمزه الدمشقي أنه قال: صلى بنا المهدي فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، فقلت له في ذلك: فقال: حدثنى ابى، عن ابيه، عن جده، عن ابن عباس: أن رسول الله كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (2) وجاء عن أولاد علي - الباقر والصادق والرضا - قولهم: اجتمع آل محمد على الجهر ببسم الله الرحن الرحيم (3). وعن الباقر قوله: لا ينبغي الصلاة خلف من لا يجهر (4). وعن السجاد قوله: اجتمعنا ولد فاطمة على ذلك (5). هذا، وإن الجهر بالبسملة قد عد في أخبار وفقه آل البيت من علائم المؤمن، وهو ما يؤكد وحدة الفقه عند الطالبيين في البسملة وتخالفه مع فقه النهج الحاكم نهج الاجتهاد والرأي، إذ جاء عن شعيب أنه طلب من سفيان الثوري أ، يحدثه بحديث السنة، فقال الثوري في حديث طويل، منه:... اكتب - وعد أشياء كثيرة - إلى أن


(1) الدر المنثور 1: 7، الاتقان 1: 268، والبيهقي في شعب الايمان. (2) في هامش جامع المسانيد 32: 135 رواه الطبراني (10651) واسناده صحح. (3) احكام البسملة، للفخر الرازي: 40، تفسير ابى الفتوح الرازي 1: 20 كما في مستدرك وسائل الشيعة 4: 189 ح 5، دعائم الاسلام 1: 160. (4) احكام البسملة، للفخر الرازي: 40. (5) دعائم الاسلام 1: 160.

[ 197 ]

قال: وحتى ترى أن إخفاء بسم الله الرحمن الرحيم أفضل من الجهر (1). نعم، إن أبا هريرة صرح بأن الناس هم الذين تركوا البسملة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله لقوله: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم تركه الناس (2). 2 - الخمس المعروف عن ابن عباس إيمانه بكون الخمس لبني هاشم خاصة، خلافا للنهج الحاكم، فمن ذلك قوله لنجدة الحروري لما سأله عن ذوي القربى، لمن هو؟ قال: قد كنا نقول إنا هم، فأبى ذلك علينا قومنا وقالوا: قريش كلها ذووا قربى (3). وقوله في نص آخر:... فلما قبض الله رسوله رد أبو بكر نصيب القرابة في المسلمين، فجعل يحمل به في سبيل الله (4). وقد جاء هذا المعنى في كلام الامام علي وفاطمة الزهراء وغيرهما من آل الرسول. فقد البيهقي عن عبد الرحمن بن أبي يعلى، قال: لقيت عليا عند أحجار الزيت، فقلت له: بأبي أنت وأمي، ما فعل أبو بكر وعمر في حقكم أهل البيت من الخمس؟ - إلى أن يقول -: قال علي: إن عرم قال: لكم حق ولا يبلغ علمي إذا كثر أن يكون لكم، فإن شئتم أعطيتكم منه بقدر ما أرى لكم، فأبينا عليه إلا كله، فأبى أن يعطينا كله (5). وقد كان عمر بن الخطاب قد قال مثل هذا الكلام لابن عباس، وأجابه ابن عباس بمثل جواب الإمام علي بن أبي طالب. وهذه النصوص تؤكد وحدة المواقف والفقه بين علي بن ابي طالب وابن عباس،


(1) تحفة الاحوذي في شرح جامع الترمذي (المقدمة): 352. (2) احكام البسملة: 45 عن الدار قطني 1: 307، والحاكم في مستدركه 1: 232 - 233. (3) تفسير الطبري 10: 50، مسند أحمد 1: 248، 294، أحكام القرآن 3: 62، والأموال لأبي عبيد. (4) تفسير الطبري 10: 6، وانظر باب قسمة الخمس من أحكام القرآن للجصاص 3: 60. (5) السنن الكبرى للبيهقي 6: 344 ومسند الإمام الشافعي } باب الفي.

[ 198 ]

خصوصا في المسائل الفقهية التي ذهبت الخلافة فيها إلى غير مذهب أهل البيت ونهج التعبد. 3 - التكبير لكل رفع وحفض جاء عن مطرف بن عبد الله قوله ك صليت خلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنا وعمران بن الحصين فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن الحصين، فقال: قد ذكرني هذا صلاة محمد أو قال: لقد صلى بنا محمد صلى الله عليه وآله (1). وعن عكرمة قوله: صليت خلف شيخ بمكة فكبر اثنين وعشرين تكبير، فقلت لابن عباس: إنه أحمق! فقال ابن عباس: ثكلتك أمك سنة أبي القاسم (2). وفي آخر عن عكرمة قال: رأيت رجلا يصلى في مسجد النبي، فكان يكبر إذا سجد وإذا رفع وإذا خفض، فانكرت ذلك، فذكرته لابن عباس؟ فقال: ال ام لك! تلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله (3) وعن النضر بن كثير أنه قال: صلى إلى جنبى عبد الله بن طاووس في مسجد الخيف فكان إذا سجد السجدة الاولى فرفع رأسه منها رفع يديه تلقاء وجهه، فانكرت ذلك، فقلت لوهيب بن خالد، فقال له وهيب بن خالد: تصنع شيئا لم أر أحدا يصنعه؟ فقال ابن طاووس: رأيت أبي يصنعه، وقال أبي: رأيت ابن عباس يصنعه، ولا أعلم إلا أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله يصنعه (4)


(1) اخرجه البخاري في صحيحه 1: 209، ومسلم 1: 295 } 33، أبي داود 1: 221 } 835، النسائي (المجتبى) 2: 204 مسند أحمد 4: 428، 429، 444. (2) صحيح البخاري 1: 199 كتاب الصلاة باب التكبير إذا قام من السجود. (3) مسند الامام أحمد (3016، 3101) ورواه الطبراني (11933) واسناده صحيح اعتمادا على هامش جامع المسانيد 31: 343. (4) النسائي في الصلاة، باب رفع اليدين بين السجدتين تلقاء الوجه وابي داود في باب افتتاح الصلاة ورواه ابو يعلى في مسنده (2704).

[ 199 ]

نعم، إن نهج الاجتهاد والرأى لم يرتض التكبير لكل رفع وخفض، فقد أخرج الشافعي في كتاب الأم من طريق عبيد بن رفاعة: إن معاوية قدم المدينة فصلى بهم فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ولم يكبر إذا خفض وإذا رفع، فناداه المهاجرون حين سلم والأنصار: أن يا معاوية! أسرقت صلاتك؟! أين بسم الله الرحمن الرحيم؟! وأين التكبير إذا خفضت وإذا رفعت؟! فصلى بهم صلاة أخرى، فقال: ذلك فيها الذي عابوا عليه (1). وروى الشافعي قبل الخبر آنف الذكر خبرا عن أنس بن مالك، فيه: صلى معاوية بالمدينة صلاة، فجهر فيها بالقراءة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة، ولم يكبر حين يهودي حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين من كل مكان: يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلى بعد ذلك، قرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعد أم القرآن وكبر حين يهودي ساجدا (2) 4 - دية الاصابع عن مروان أنه أرسلي إلى ابن عباس، فقال: أتفتي في الأصابع عشر عشر وقد بلغك عن عمر أنه يفتي في الإبهام بخمسة عشر أو ثلاثة عشر، وفي التي تليها اثنتي عشر - وفي آخر: عشر - وفي الوسطى بعشرة، وفي التي تليها بتسع، وفي الخضر بست، فقال ابن عباس: رحم الله عمر، قول رسول الله صلى الله عليه وآله أحق أن يتبع من قول عمر


(1) الأم 1: 108، التدوين في أخبار قزوين 1: 154، سنن الدار قطني 1: 311، المستدرك للحاكم 1: 233، السنن الكبرى للبيهقي 2: 50. (2) الأم 1: 108، السنن الكبرى للبيهقي 2: 49، تاريخ الخلفاء: 200، نيل الاوطار 2: 266 عن سعيد بن المسيب أنه قال: اول من نقص التكبير معاوية! وعن الزهري: اول من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم سرا بالمدينة عمرو بن سعيد بن العاص (انظر السنن الكبرى للبيهقي 2: 50).

[ 200 ]

رضي الله عنه (1). وقد أخرج عبد الرزاق، عن معمر والثوري، عن أبي إسحاق، عن عاصم ابن ضمرة، عن علي قال: وفي الأصابع عشر عشر (2). وجاء عن الصادق أن دية الإصبع عشرة، وفي آخر: هن سواء في الدية (3). وقد خفي على مروان حين اعتراضه على ابن عباس رجوع عمر عن حكمه الأول، لما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، عن ابن المسيب، قال: قضى عمر بن الخطاب في الأصابع بقضاء، ثم أخبر بكتاب كتبه النبي صلى الله عليه وآله لآل حزم: في كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل، فأخذ به وترك أمره الأول (4)!! 5 - الجمع بين الصلاتين أخرج مالك في الموطأ عن ابن عباس قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا من غير خوف ولا سفر (5). وعن علي وأهل بيته نقلهم نفس الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وبذلك فقد اتفق فقه الطالبيين - حسنيين كانوا أم حسينيين - على جواز الجمع بين الصلاتين، وقد مرت عليك نصوصهم في ذلك في مدخل هذه الدراسة. 6 - عدم جواز تطيب المحرم عن عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله الصادق عليه السلام عن المحرم يموت كيف يصنع به، فحدثني أن عبد الرحمن بن علي مات بالأبواء مع الحسين بن علي [ صاحب


(1) الأم 1: 58، 134، الرسالة: 113، السنن الكبرى للبيهقي 8: 93. (2) المصنف لعبد الرزاق 9: 383 ح 17693 والسنن الكبرى للبيهقي 8: 92. (3) التهذيب 10: 259 } 1023، والاستبصار 4: 291 } 1101، الفقيه 4: 102 } 340. (4) المصنف لعبد الرزاق 9: 385 ح 17706. (5) مسند أحمد 1: 221، 283 } صحيح البخاري 1: 143 و 147، صحيح مسلم 1: 489 } 49 و 490 } 54، شرح معاني الآثار 1: 160 ح 966 و 967، الموطا 1: 144 } 4، سنن أبي داود 2: 6 } 1210.

[ 201 ]

فخ ] وهو محرم، ومع الحسين عليه السلام عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر، فصنع به كما صنع بالميت وغطى وجهه ولم يمسه طيبا، قال: وذلك في كتاب علي (1). 7 - مسائل في الارث قال عمر: والله ما أدري أيكم قدم الله وأيكم أخر، وما أجد شيئا هو أوسع من أن اقسم عليكم هذا المال بالحصص. فقال ابن عباس: وأيم الله لو قدمتم من قدم الله وأخرتم من آخر الله ما عالت الفريضة (2). وأخرج الطحاوي، عن طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال: حدثت أن علي بن أبي طالب كان ينزل بني الأخوة مع الجد منزلة آبائهم، ولم يكن أحد من الصحابة يفعله غيره (3). وعن ابن عباس: إن عليا كتب إليه أن اجعله كأحدهم وامح كتابي (4). فالنهج الحاكم (الخلفاء) لم يقض بما قضى به علي، لقول الراوي للباقر - وفي آخر الصادق - إن من عندنا لا يقضون بهذا القضاء، ولا يجعلون لإبن الأخ مع الجد شيئا، فقال أبو جعفر: أما إنه إملاه رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي من فيه ليده (5). وإن عليا كان قد أمر ابن عباس أن يتقي من شيوع حكمه في الجد وقوله له (وامح كتابي ولا تخلده)!! كانت هذه مفردات عابرة عن فقه علي وابن عباس نقلناها كشاهد على وحدة الفقه عند الطالبيين، ولو شئنا لأفردنا مجلدا في ذلك.


(1) تهذيب الأحكام 5: 383 كتاب الحج. (2) السنن الكبرى للبيهقي 6: 253. (3) فتح الباري 12: 17، مصنف عبد الرزاق 10: 269 ح 19066. (4) المصدر السابق. (5) الكافي 7: 112 ح 1 و 113 ح 5، التهذيب: 308 ح 1104 } 25.

[ 202 ]

مخالفة النهج الحاكم مع علي وابن عباس نقلنا سابقا موقف ابن عباس من الخلافة ومخالفته مع بعض رموزها، وهذا هو الذي دعا الخلفاء لا حقا لتشديدهم على الناس بمخالفة فقه ابن عباس وعلي ابن ابي طالب، لأن المعروف عند المحققين أن النزاع بين بني هاشم وبني أمية لم يكن وليد يومه، إذ كان قبل الإسلام، ثم انتقل بعد الإسلام، وإن معاوية وأضرابه لم يسلموا إلا تحت ضلال السيوف وأسنة الرماح، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله لما فتح مكة أطلق سراحهم وعفا عنهم بقوله: أنتم الطلقاء. وأن الله ورسوله كانا قد خصا بني هاشم بخصائص، وذلك لصمودهم ودفاعهم عن الدعوة الإسلامية أبان ظهورها، فجاء في صحيح البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وضع سهم ذي القربى في بني هاشم وعبد المطلب - أيام غزوة خيبر - فاعترض عثمان وجبير بن مطعم على حكم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لهما صلى الله عليه وآله: إنا بنو هاشم وبنو عبد المطلب شئ واحد (1). وفي رواية النسائي: إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام وإنما نحن وهم شئ واحد، وشبك بين أصابعه (2). فالأمويون لم يذعنوا لقرار الله ورسوله في ذي القربى، واعترضوا على هذا الحكم الإلهى، وهم يضمرون العداء لبني هاشم وخصوصا لعلي، لأنه الرجل الأول المنصوب للخلافة، وهو الذي قتل صناديد قريش! وهذا النمط منهم هو الذي رفض خلافة علي بن ابي طالب بعد عثمان، ثم حاربه بدعوى المطالبة بدم عثمان، ولما استقر الأمر لمعاوية سن لعن علي على المنابر ودبر كل صلاة (3)، حتى قيل بأن مجالس الوعاظ بالشام كانت تختم بشتم علي (4) وان معاوية


(1) صحيح البخاري 5: 174، هذا الخبر وما يليه في الاموال لابي عبيد: 341 كذلك. (2) سنن النسائي (المجتبى) 7: 131، سنن أبي داود 3: 146 } 2980. (3) النصائح الكافية: 86 - 88. (4) النصائح الكافية: 87 وابن عساكر في تاريخه.

[ 203 ]

كان قد أمر أعوانه بمحو أسماء شيعة علي من الديوان (1)، وأصدر مراسيم حكومية بأن لا تقبل شهادة لأحد من شيعة علي وأهل بيته. وكان ابن عباس غير مستثنى من هذه القاعدة، حيث أسقط معاوية عطاءه، وكان يلعنه في القنوت بعد علي بن ابي طالب. وقد بسطنا القول عن اتجاهي الراي والتعبد على عهد رسول الله سابقا، وأن القرشيين كانوا من اهل الراي وأن ابن عباس وعلي وغيرهم من التعبد، فجاء عن ابى عباس قوله: ليس أحد إلا يوخذ من قوله ويدع غير النبي صلى الله عليه وآله، (2) وقوله: ألم يقل الله عز وجل ما آاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، قلت: بلى، قال: الم يقل الله وما كان لمؤمن ولا مؤمنه إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيره من أمرهم، قلت: بلى. قال: أشهد ان نبى الله صلى الله عليه وآله نهى عن النقير والمزفت والدباء والحنتم (3) وقوله في آخر: الا تنتهوا عما نهاكم عنه رسول الله صلى الله عليه وآله؟ (4) وقد ثبت عنه رحمه الله أنه كان يصحح المفاهيم الخاطئة التي وقع فيها الناس، فعن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: يزعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وآله رمل بالبيت، وأن ذلك سنة؟ فقال: صدقوا وكذبوا! قلت: وما صدقوا وكذبوا؟! قال: صدقوا، رمل رسول الله صلى الله عليه وآله بالبيت، وكذبوا، ليس بسنة، إن قريشا قالت زمن الحديبيه: دعوا محمدا وأصحابه حتى يموتوا موت النغف، فلما صالحوه على أن يقدموا من العام المقبل ويقيموا بمكة ثلاثة أيام، فقدم رسول الله، والمشركون من قبل قعيقعان، فقال رسول الله لأصحابه: ارملوا بالبيت ثلاثا، وليس بسنة


(1) النصائح الكافية: 88. (2) رواه الطبراني (11941) وقال الهيثمى 1: 179، رجاله موثقون، انظر جامع المسانيد والسنن 32: 26. (3) رواه النسائي في الاشربه (باب ذكر الدلالة على النهي للموصوف من الاوعية). (4) اخرجه الامام أحمد في مسنده (2772) واسناده صحيح، كما في هامش جامع المسانيد 30: 223.

[ 204 ]

قلت: ويزعم قومك أنه طاف بين الصفا والمروة على بعير، وأن ذلك سنة؟ فقال: صدقوا وكذبوا! فقلت: وما صدقوا وكذبوا؟! فقال: صدقوا، قد طاف بين الصفا والمروة على بعير، وكذبوا ليست بسنة، كان الناس لا يدفعون عن رسول الله ولا يصدفون عنه، فطاف على بعير، ليسمعوا كلامه ولا تناله أيديهم... (1) وجاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن مولاك إذا سجد وضع جبهته وذراعيه وصدره بالأرض، فقال له ابن عباس: ما حملك على ما تصنع؟ قال: التواضع. قال: هكذا ربضة الكلب، رأيت النبي صلى الله عليه وآله إذا سجد رؤي بياض إبطتيه. (2) فنهج الخلفاء كان يخالف ابن عباس، لتعبده والمواقفة السياسيه. نعم، إن الأمويين أرادوا إبعاد الإمام علي عن الخلافة، ثم تحكيم خلافتهم وإعطاءها الشرعية وعبر مراحل ذكرناها في المداخل (3). وإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قد أخبر عليا بما تصنع الأمة معه وبالأحكام الشرعية من بعده (4)، وجاء عن أبي عثمان النهدي قوله: أخذ علي يحدثنا، إلى أن قال: جذبني رسول الله صلى الله عليه وآله وبكى فقلت: يا رسول الله ما يبكيك؟ قال: ضغائن في صدور قوم لن يبدوها لك إلا بعدي، فقلت: بسلامة من ديني؟ قال: نعم بسلامة من دينك (5). ومن هذا المنطلق أخذ أجلة الصحابة يعترضون على معاوية والخلفاء من بعده لتلاعبهم بالدين والتخاذهم الشريعة سلما لأهدافهم، باكين على الإسلام وأمور


(1) مسند أحمد (2707، 2708، 3534، 3535، 2029، 2843، 2220، 2077، 3492) كما في جامع المسانيد والسنن 31: 28. (2) مسند الامام أحمد (2935) كما في جامع المسانيد والسنن 30: 474. (3) وضوء النبي صلى الله عليه وآله } المدخل: الباب الثاني الوضوء في العهدين الاموي والعباسي. (4) انظر شرح نهج البلاغة، للتستري 4: 519. (5) تاريخ بغداد للخطيب 13: 398.

[ 205 ]

المسلمين. فقد صح عن أبي سعيد الخدري قوله: خرجت مع مروان وهو أمير مدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي فجذبت ثوب مروان فجذبني فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيرهم والله. فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم. فقال مروان: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة (1). وروى الزهري أنه قال: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قال: لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت (2). وأخرج البخاري عن غيلان أنه قال: قال أنس: ما أعرف شيئا ممى كان على عهد النبي صلى الله عليه وآله! قيل: الصلاة! قال: أليس ضيعتم ما ضيعتم فيها (3). وأخرج البخاري، عن الأعمش، قال: سمعت سالما، قال: سمعت أم الدرداء تقول: دخل علي أبو الدرداء وهو مغضب، قلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف من أمة محمد إلا أنهم يصلون جميعا (4). وعن ابن مسعود قوله: صلى مع القوم واجعلها سبحة (5)، إلى غير ذلك من أقوال الصحابة. نعم، إن البعض من الصحابة قد أيد موقف الأمويين تصريحا أو تلويحا وأكد على لزوم متابعة امرائهم قولا وفعلا حتى لو خالف القرآن والسنة، لأن ذلك بزعمهم هو الدين.


(1) صحيح البخاري 2: 22 باب الخروج إلى المصلى بغير منبر. (2) البداية والنهاية 9: 94. (3) صحيح البخاري 1: 140. (4) صحيح البخاري 1: 166 باب فضل صلاة الفجر في جماعة، فتح الباري 2: 109. (5) مسند أحمد.

[ 206 ]

ففي طبقات الفقهاء: عن سعيد بن جبير، قال: سألت عبد الله بن عمر عن الإيلاء؟ قال: أتريد أن تقول: قال ابن عمر، قال ابن عمر؟ قال: نعم، ونرضى بقولك. فقال ابن عمر: يقول في ذلك أولوا الأمر، بل يقول في ذلك الله ورسوله (1). وعن ابن المسيب، قال: كان إذا جاء الشئ في القضاء وليس في الكتاب ولا في السنة فيدفع إلى الأمراء فيجمع أهل العلم، فإذا اجتمع عليه رأيهم فهو الحق (2). وعن ابن عمر قوله لما سئل: من نسأل بعدكم؟ قال: إن لمروان ابنا فقيها فسلوه (3). وعن جرير بن حازم قال: سمعت نافعا يقول: لقد رأيت المدينة وما بها أشد تشميرا ولا أفقه ولا أقرا الكتاب الله من عبد الملك (4). فترى ابن عمر يرشد الناس إلى الأخذ بقول عبد الملك بن مروان، الذي بني القبة فوق الصخرة والجامع الأقصى وجعلها بمثابة الكعبة يطوفون حولها وينحرون يوم العيد ويحلقون رؤوسهم، - وذلك بعد أن صاح الناس به، حينما منع من حج بيت الله الحرام، لأن ابن الزبير كان يأخذ البيعة لنفسه منهم - (5). وهو القائل: من قال برأسه هكذا قلنا بسيفنا هكذا (6). والداعي إلى الأخذ بفقه عثمان بن عفان بقوله: (... فالزموا ما في مصحفكم الذي حملكم عليه الإمام المظلوم، وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم رحمه الله فإنه قد استشار في ذلك


(1) طبقات الفقهاء. (2) اعلام الموقعين 1: 84. (3) تهذيب التهذيب 6: 422، تهذيب الكمال 18: 410، تاريخ بغداد 10: 389، المنتظم 6: 39. (4) المصدر السابق. (5) البداية والنهاية 8: 283. (6) البداية والنهاية 9: 68.

[ 207 ]

زيد بن ثابت، ونعم المشير كان للإسلام رحمه الله فأحكما ما أحكما واستقضيا ما شذ عنهما (1)). ومن هذا المنطلق كان عمر بن عبد العزيز يركز على الأخذ بأقوال الشيخين وترك أقوال علي وابن عباس وغيرهما ممن ينتهج نهج التعبد، حيث خطب فقال: ألا وإن ما سن رسول الله صلى الله عليه وآله وصاحباه فهو دين نأخذ به وننتهي إليه، وما سن سواهما فإنا نرجئه (2). هذا، وإن العباسيين لم يكونوا بأقل وطأة على فقه علي وابن عباس من الأمويين، فعن المنصور العباسي أنه طلب من الإمام مالك أن يكتب له الموطأ بقوله: يا أبا عبد الله ضع هذا العلم ودونه وتجنب فيه شواذ عبد الله بن مسعود، ورخص ابن عباس، وشدائد ابن عمر، واقصد إلى أوسط الأمور، وما اجتمع عليه الأئمة والأصحاب، لنحمل الناس إن شاء الله على علمك وكتبك ونبثها في الأمصار، ونعهد إليهم ألا يخالفوها ولا يقضوا بسواها (3). وفي آخر قول مالك للمنصور: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله تفرقوا في البلاد، فأفتى كل في مصره بما رأى، وإن لأهل البلد - يعني مكة - قولا، ولأهل المدينة قولا، ولأهل العراق قولا تعدوا فيه طورهم. فقال المنصور: أما أهل العراق فلا أقبل منهم صرفا ولا عدلا، وأما العلم عند أهل المدينة فضع للناس العلم (4). وفي نص آخر قال المنصور لمالك: يا مالك، أراك تعتمد على قول ابن عمر دون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنه آخر من بقي عندنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، فاحتاج الناس إليه، فسألوه وتمسكوا بقوله. فقال: يا مالك، عليك بما تعرف إنه الحق عندك، ولا تقلدن عليا


(1) المصدر السابق. (2) تاريخ الخلفاء: 241، كنز العمال 1: 332. (3) الإمامة والسياسة 2: 150. (4) انظر الإمام مالك للدكتور مصطفى الشكعة: 133 عن ترتيب المدارك: 30 - 33.

[ 208 ]

وابن عباس (1). وفي آخر قال له المنصور: هل أخذت بأحاديث ابن عمر؟ قال: نعم، قال المنصور: خذ بقوله وإن خالف عليا وابن عباس (2). فترجيح رأي ابن عمر مع وجود كثير من الصحابة كان من سياسة الدولة العباسية، ومثله الحال بالنسبة إلى الأخذ بموطأ مالك. نعم، إن السياسة هي التي سمحت للناس في الاعتراض على ابن عباس وعدم الأخذ بقوله، فجاء في جامع المسانيد والسنن: أن أهل المدينة سألوا ابن عباس عن امرأة طافت ثم حاضت؟ فقال لهم: تنفر، قالوا: لا نأخذ بقولك وندع قول زيد، قال: إذا قدمتم المدينة فاسألوا، فقدموا المدينة فسألوا، فكان فيمن سألوا أم سليم، فذكرت حديث صفيه. (3). وقد كان زيد قد سال ابن عباس عن ذلك، إذ أخرج أحمد في مسنده عن طاووس قوله: كنت مع ابن عباس إذ قال له زيد بن ثابت: أنت تفتى أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها اليت؟ قال: نعم. قال: فلا تفت بذلك! فقال له ابن عباس: إما لا، فسل فلانه الانصارية: هل أمرها بذلك النبي صلى الله عليه وآله؟ فرجع إليه زيد بن ثابت يضحك ويقول: ما أراك إلا قد صدقت (4). وليت من خالف ابن عباس من الصحابة لا يدعي أن ما عنده من قول أو فعل هو الصواب، مشعرا بذلك أنه عن الله ورسوله وملوحا أن ما عند ابن عباس وأمثاله - ممن لا يحكي إلا عن الله والرسول والقرآن - خطأ، فمن هاهنا ضاع ما ضاع من السنة.


(1) راجع الإمام الصادق عليه السلام والمذاهب الاربعة 1: 504. (2) الطبقات الكبرى لابن سعد 4: 147. (3) رواه البخاري في الحج 2: 220 باب (إذا حاضت المرأة بعد ما افاضت) والطبراني (11867)، انظر جامع المسانيد 31: 321. (4) مسند الامام أحمد (3256)، (1990) جامع المسانيد والسنن 30: 521.

[ 209 ]

فقد صح عن طاووس - تلميذ ابن عباس - عن ابن عباس، قال: رخص للحائض أن تنفر إذا أفاضت، قال: وسمعت ابن عمر يقول أنها لا تنفر. ثم سمعته يقول بعد: إن النبي صلى الله عليه وآله رخض لهن (1). فلماذا وصل الامر بالناس إلى هذا، وإني اترك القارى ليحكم فيما أدعيناه!! وعن ابن عباس قال: جاء رجل من الاسبذيين من أهل البحرين، - وهم مجوس أهل هجر -، إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فمكث عنده ثم خرج فسألته: ما قضى الله ورسوله فيكم؟ قال: شر، قلت: مه؟ قال: الاسلام أو القتل، قال: وقال عبد الرحمن: قبل منهم الجزية، قال ابن عباس: فأخذ الناس بقول عبد الرحمن بن عوف وتركوا ما سمعت أنا من الاسبذي (2). هذا وقد يمكننا عزو سبب إرجاع العباسيين الناس إلى الأخذ بقول مالك، هو مالكا بكون الشيخين - ومن بعدهما عثمان - أفضل الخلفاء الراشدين، وأن عليا ليس رابعا لهم، إذ جاء في البداية والنهاية لابن كثير ان مالك بن انس دخل على المنصور العباسي، فسأله المنصور: من أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال مالك: أبو بكر قال: ثم من قال: عمر قال: ثم من قال: عثمان وقال صاحب كتاب (موقف الخلفاء العباسيين من أئمة المذاهب الأربعة): (... فإذا تأملنا آراء مالك فيما يتعلق بقضية التفضيل بين الخلفاء الراشدين، نجد الإمام ينفرد عن غيره، فهو يرى أنهم ثلاثة لا أربعة، وهو يجعل خلافة الراشدين في أبي بكر وعمر وعثمان، ويجعلهم في مرتبة دونها سائر الناس، وأما علي فإنه في نظره


(1) صحيح البخاري 2: 220 باب إذاا حاضت المرأة بعد ما أفاضت. (2) رواه أبو داود في الخراج، ح (3044) في باب (اخذ الجزية من المجوس)

[ 210 ]

واحد من جملة الصحابة، لا يزيد عنهم بشئ) (1). وهذا يعرفنا أن الخلفاء - أمويين كانوا أم عباسيين - يشتركون في نقطة واحدة وهي حمايتهم لفقه الشيخين، وترك فقه علي بن أبي طالب وابن عباس، أي أخذهم بسيرة الشيخين وإن خالف السنة النبوية، وبمعنى آخر أخذهم باجتهاداتهم المقابلة للنص بجنب مروياتهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وإذا اتضحت لك آفاق السياسة الحاكمة في لزوم الأخذ بفقه ابن عمر وإن خالف عليا وابن عباس نقول: إن ابن عمر وإن خالف أباه في مفردات فقهية كثيرة، ودعا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وترك كلام أبيه المخالف لسنة رسول الله، لكنه في الوقت نفسه كان قد دافع عن خلافة معاوية ويزيد وبقية الخلفاء الأمويين، وسن أصولا كان لهم الاستفادة منها كقاعدة (من غلب) ولزوم اتباع الحاكم وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك و... فالنهج الحاكم وإن كان يريد تشريع ما سنه الشيخان وإبعاد من عارضهم في اجتهاداتهم، لكنه كان يتخوف ممن لا يتفق معهم في أصول الخلافة والإمامة أيضا، وأما الذين يذهبون إلى ما يذهب إليه الخلفاء فلا مانع من نقل كلامه - الذي يخدمهم في الغالب - وخصوصا لما رأوا في ابن عمر من مؤهلات يمكن الاستفادة منها. وهكذا الحال بالنسبة إلى الخلافة العباسية، فقد دعت إلى الأخذ بفقه ابن عمر مع أنه كان مدافعا عن الأمويين في السابق، وذلك لوحدة النهج والفكر بينهم، وإن كان اثبات هذا المدعى يحتاج إلى مزيد بيان ليس هنا محل بحثه. كانت هذه مؤشرات صريحة وضحت لنا بأن التشريع قد امتزج بالسياسة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وأخذ طابعا خاصا، وأن الملك والسلطان كان له أعظم التأثير في ترسيخ بعض المفاهيم والأفكار الشائعة اليوم، ثم اشتداد هذا الأمر في العصور اللاحقة. ولو طالع الباحث في سيرة الحجاج بن يوسف الثقفي مثلا لعرف اتجاه الحجاج


(1) موقف الخلفاء العباسيين: 170.

[ 211 ]

في ترسيخ فقه الأمويين ومذهب الخليفة وهو يؤكد دور السياسة في الفقه، إذ جاء عنه انه أرسل إلى الشعبي ليسأله عن الفريضة في الأخت وأم الجد؟ فأجابه الشعبي باختلاف خمسة من أصحاب الرسول فيها: عثمان، زيد، ابن مسعود، علي، ابن عباس، ثم بدأ يشرح كلام ابن عباس، فقال له الحجاج: فما قال فيها أمير المؤمنين - يعني عثمان -؟ فذكرها له. فقال الحجاج: مر القاضي فليمضها على ما أمضاها علي أمير المؤمنين عثمان (1). ومثل هذا الموقف جاء عن الحجاج في الوضوء، فقد خطب في الأهواز وأمر الناس بغسل الرجلين (2)، ولما سمع بذلك أنس بن مالك اعترض عليه قائلا: صدق الله وكذب الحجاج قال الله تعالى (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) (3). وبعد هذا يحق لنا أن نقول أن بكاء أنس بن مالك جاء لتلاعب أمثال الحجاج بالصلاة والوضوء و.... هذا، ويمكننا الاشارة إلى حقيقة أخرى قد تكون خافية على البعض، وهي: أن نهج الخلفاء - وكما عرفت - كان لا يرتضي الأخذ بفقه علي وابن عباس، فنتساءل: لو صح هذا وكان فقه علي بن ابي طالب وابن عباس منهيا عنه، فكيف نقل عنهما مالك في موطئه؟ إن اللب السليم يحكم بأن ما نقله مالك صيغ ليكون موافقا لفقه الخلفاء. إذ لم ينقل مالك الوجه الحقيقي لما يلتزمه على وابن عباس من الشرع، وذلك يعني أن غالب ما نهت عنه الحكومة هو الفقه المتقل، (أعني فقه التعبد المحض)، لا ما أريد له أن يكون موافقا للفقه الاجتهادي السلطوي!!، وإلا فإن مالكا لم يكن ليجسر على تخطي أمر المنصور بعدم الأخذ عن علي وابن عباس. وهكذا الحال بالنسبة إلى أمهات المسانيد والصحاح التي أريد لها أن تكون كما هي عليه اليوم. إذ لم يهتم ويعتنى بما يروى عن ابن عباس وأمثاله مما يؤيد مدرسة الاجتهاد


(1) حلية الأولياء 4: 325. (2) الجامع الأحكام القرآن 6: 92. (3) المصدر السابق.

[ 212 ]

والرأي، ولا يلتفت ويتأمل في المنقول الثابت عن علي وابن عباس في هذه الأمهات من المسانيد والصحاح. ولماذا لا يذكر مالك القول الآخر عن علي وابن عباس والموافق لمدرسة أهل البيت؟! ألا يعني هذا أن الخلافة تريد نقل فقه علي وابن عباس الموافق لفقه الشيخين وما يؤيد مذهب الخلفاء، وترك المخالف لهم؟ وكيف يمكنك ترجيح احدى النسبتين إلى علي وابن عباس، مع كل هذه ا لملابسات!. وهل حقا أنهما نهيا عن المتعة أم سمحا بها؟ وما الذي يصح عنهم في المسح على الخفين؟ هل أنهما قالا: للمقيم يوم وللمسافر ثلاثا، أم أنهم نهوا عن المسح على الخفين عموما؟ وما هو المحفوظ عن علي وابن عباس في كتب الصحاح والسنن والفقه والتفسير؟ - هل هو المسح أم الغسل؟! بل بم يمكننا ترجيح أحد النسبتين إلى إمثال هؤلاء الصحابة - على فرض التكافؤ الإسنادي - بعد أن عرفنا ملابسات الأحكام؟ ولماذا نرى وجود ما يوافق الخلفاء فقط، في الموطاء وغيره وعدم وجود النقل الآخر فيه - أو وجوده وطرحه بشتى التقولات -؟ وما يعني هذا؟ كل هذه تشككنا في صحة نسبة النقل الحكومي عن علي وابن عباس ومن شابههما، وخصوصا حينما عرفنا أن ائمة نهج الاجتهاد والرأي لا يستسيغون المروي بواسطة أصحاب التعبد - وعلى رأسهما علي وابن عباس - إلا ما يوافق رغباتهم. فعلى هذا لا يمكن الركون إلى ما يروى عن علي وابن عباس في الغسل، لأنه قد ثبت لدينا من جهة أخرى بأسانيد أصح أن مذهب أهل التعبد - هو روايتهم عن النبي في الوضوء - المسح لا الغسل. فالعقل طبقا لما تقدم لا يقبل أي نسبة أو أي رواية مروية إلى علي وابن عباس توافق نهج الخلفاء وخصوصا إذا عارضها منقول آخر عنهما في الصحاح والمسانيد، لأن الأرجح في النقلين هو ما يخالف نظرة الخليفة دائما، بل وحتى لو كان مرجوحا

[ 213 ]

سندا فانه يبقى قو الأولى في مقام الأخذ، وللامور التالية (التي هي خلاصة لما تقدم): 1 - استفادة النهج الحاكم من نقل ما يفيدهم. 2 - تخالف المنقول في الموطأ وغيره مع روايات مدرسة أهل البيت أو التي توارثوها كابرا عن كابر. 3 - إصرار نهج الاجتهاد والرأي على عدم الأخذ بفقه علي وابن عباس وفرض الحصار عليهم فقهيا وسياسيا، وكل هذا يدعونا للقول بعدم صحة المنسوب في الصحاح والمسانيد إلى هولاء، لتخالفه مع الفقه الثابت عنهم، لما يؤيد ذلك من نقاط: الأول: مخالفة الموجود مع الثابت عن أهل البيت عليهم السلام في مروياتهم. الثاني: اتحاد أحد النقلين عن علي بن ابي طالب وابن عباس مع مرويات مدرسة أهل اليت عليهم السلام. الثالث: المحفوظ - فيما نحن فيه - عن علي بن ابى طالب وابن عباس في كتب الفقه والتفسير والحديث هو المسح على الأقدام وهو يوافق الثابت عنهم في مرويات أهل البيت عليهم السلام. وبذلك يتأكد بأن مرويات الغسل منسوبة إليهما بخلاف المسح والذي رواه الفريقان عنه. وتلخص مما مر أن نهج الاجتهاد والرأي كان يؤكد على لزوم الأخذ بفقه أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية وبقية أولي الأمر!!، والمخالفة مع فقه على وابن عباس ومن نهج نهجهما وأن وجود مفردات تؤيد ما يذهب إليه هؤلاء المجتهدين عن أعيان الصحابة المتعبدين يدعونا للقول بأن الحكومتين الإموية والعباسة ومن قبلهما الصحابة الحاكمون من نهج الاجتهاد كان لهم أكبر الأثر في ترسيخ ما ذهب إليه هؤلاء، وخصوصا حينما لم نر ما يوضح الوجه الآخر لفقه علي بن أبي طالب وابن عباس في أصول القوم. وعليه فنحن نرجح أن تكون النسبة التي لا توافق الخلفاء في صحاح القوم هي الاقرب إلى فقه علي بن ابى طالب وابن عباس، للعوامل التي قلناها، ولوجودها في مدونات أهل البيت والتي توارثوها كابرا عن كابر، وهذا الفهم والتحليل يوضح لنا

[ 214 ]

مقصود الإمام في قوله (خذوا بما خالف العامة فإن الرشد في خلافهم). ابن عباس والمرويات الوضوئية اختلف النقل عن ابن عباس في الوضوء غسلا ومسحا أما الطرق الغسلية إليه فتنتهي إلى تابعيين الأول: عطاء بن يسار الثاني: سعيد بن جبير ونحن قد أعللنا الطريق الأول منه بالانقطاع، لكون زيد قد عنعن عن عطاء وهو ممن يدلس، والثاني بعدم ثبوت الطريق إلى سعيد بن جبير وعدم اعتماد الأعلام على هذا الطريق. وأما الطرق المسحية فهي الأكثر عنه. 1 - إذ جاء عن الربيع بنت المعوذ ان ابن عباس اعترض عليها لروايتها الغسل في الرجلين، وتأكيده. أنه لا يجد في كتاب الله إلا المسح، وإ، حكاية الربيع اعتراض ابن عباس عليها، لمحمد بن عبد الله بن عقيل هو اعتراف منها بعدم قبول الطالبيين نقلها للغسل عن رسول الله. 2 - ما رواه جابر بن زيد عنه 3 - ما رواه عكرمة عنه 4 - ما رواه يوسف بن مهران عنه وبما أنا قد فرغنا في الصفحات السابقة من بيان النكات السندية والدلالية فلابد إذن من إيضاح المزيد مما يرجح أحد النسبتين إليه، فنقول: ان الإخبار الغسلية عن ابن عباس - حسبما وضحناه سابقا - لا يمكنها أن تعارض الأخبار المسحية - بل هي مرجوحة بالنسبية إليها - لعدة جهات: الأولى: كثرة الرواة عن ابن عباس في المسح وكون أغلب هؤلاء من تلاميذ ابن عباس والمدونين لحديثه بخلاف رواة الغسل، الذين هم الأقل عددا وممن لم يختصوا به كرواة المسح عنه وهذا ما سنوضحه بعد قليل إن شاء الله تعالى

[ 215 ]

الثانية: وحدة النص المسحي عن ابن عباس وهو (الوضوء غسلتان ومسحتان) وبخلاف النصوص الغسلية فهي مختلفة النص والمعنى، فإن اتحاد النص المنقول بطرق متعددة كالمشاهد في الإسناد الأول المسحي عن ابن عباس، ورواة ثلاثة من اعلام التابعين عنه، كمعمر بن راشد - كما في اسناد مصنف عبد الرزاق، - وروح بن القاسم - كما في إسناد ابن ماجة وابن أبي شيبة، - وسفيان بن عيينة - كما في إسناد الحميدي والبيهقي، لقرينة على صدور المسح عن ابن عباس لا محالة. الثالة: وجود قرائن كثيرة دالة على كون الغسل قد شرع لا حقا لقول ابن عباس (أبي الناس إلا الغسل ولا أجد في كتاب الله إلا المسح) واعتراضه على الربيع بنت المعوذ... الرابعة: إن في كلام ابن عباس إشارة إلى حقائق كثيرة، منها دلالة القرآن على المسح لقوله: (لا أجد في كتاب الله إلا المسح)، وثانيا دلالة لسنة عليه كذلك لا عتراضه على الربيع بنت المعوذ لما سمع حكايتها عن رسول الله صلى الله عليه وآله في الغسل، وثالثا: استفادة ابن عباس من قاعدة الإلزام لإقناع من يعتقد بصحة استدلال هكذا أمور في التشريع، لقوله لهم في خبر آخر (ألا ترى أنه ذكر التيمم فجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين). ومجئ هذه النصوص عنه تشير إلى أن ابن عباس كان يرى الغسل ظاهرة حكومية عمل بها الناس لا حقا وليس في القرآن والسنة النبوية ما يدل عليه. الخامسة: إن الحفوظ عن ابن عباس في كتب الحديث والتفسير والفقه هو المسح، وأما حكاية الغسل عنه فمختلف فيه، وإن اعتبرنا صحتها - تنزلا - فستكون شاذة بالنسبة إلى المحفوظ عنه من ذهابه إلى المسح. السادسة: إن النصوص التي جاءت عن ابن عباس وابن عقيل وعلي ابن أبي طالب وعلي بن الحسين ومحمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد صادق لتؤكد على أن مذهب الطاليين كان المسح، وقد أكدنا على أن علي بن الحسين لما أرسل عبد الله بن محمد بن عقيل إلى الربيع كي يسألها عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله كان يعني بفعله الاستنكار لا الاستفهام. فظاهرة الاستنكار على الوضوء الغسلي كانت ظاهرة في العصر الأول

[ 216 ]

الإسلامي، ويرشدنا إلى ذلك ما فعله ابن عباس وابن عقيل مع الربيع، وقد فهمت الربيع من ابن عقيل أنه جاءها مستنكرا لا مستفهما إذ قالت له (وقد جاءني ابن عم لك) تريد بذلك ابن عباس. وإن ابن عقيل بسؤاله إياها: (فبأي شئ كان الاناء)؟ أراد إرشادها إلى سقم حكايتها إذ أن ما تنقله لا يتفق مع الثابت عن رسول، وأنه صلى الله عليه وآله كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، وهو الآخر لا يتفق مع غسل الأعضاء ثلاثا، لأن تثليث الأعضاء يحتاج إلى أضعاف ما في المد من ماء، وأن المد هو الذي يتفق مع غسل الأعضاء مرة أو مرتين وبعد ذلك فلا يبقى ماء كي تغسل به الرجلان، ويتعين بذلك المسح فيه. وبعبارة أخرى: إن ابن عقيل أراد أن ينقد كلامها عملا ويوضح لها عدم تطابق ما تحكيه مع ما تفرضه في عدد الغسلات، وغسل الممسوحات. ويويد هذا ما حكاه ابن جريح عن عبد الله بن ابى يزيد عن ابن عباس قال: قال رجل: كم يكفيني من الوضوء؟ قال: [ ابن عباس ]: مد قال: كم يكفيني للغسل؟ قال: [ ابن عباس ]: صاع. قال: فقال الرجل: لا يكفيني! قال: [ ابن عباس ] لا ام لك! قد كفى من هو خير منك رسول الله صلى الله عليه وآله (1). وفي آخر عن ابن جريح عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: سأل رجل ابن عباس ما يكفى من الغسل؟ قال: صاع، ومد للوضوء، فقال رجل: ما يكفيني! قال: لا ام لك فيكفي من هو خير منك رسول الله (2). ونحن لو أردنا التأكد من صحة ما توصلنا إليه فلابد نم الوقوف كذلك على مرويات ابن عباس الوضوئية الأخرى ومدى تطابق مروياته مع مرويات أهل بيت النبوة على نحو العموم وفقه علي بن ابى طالب على وجه الخصوص. فمثلا نرى عليا * 0 هامش) * (1) تفرد به الامام أحمد في مسنده (2628) ورواه الطبراني (11258) واسناده صحيح، كما في هامش جامع المسانيد والسنن 31: 141. (2) رواه الطبراني (11646) واسناده صحيح، كما في هامش جامع المسانيد والسنن 31: 545.

[ 217 ]

وابن عباس وغيرهم من شخصيات أخل ابيت يتحدون في النقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وأنه توضأ المرة والمتين (1)، وأما الثلاث فلا يرتضيانها وما جاء عنهما فهو المنسوب إليهما. وكذا يتحدون في نقل المضمضة والاستنشاق عن رسول الله صلى الله عليه وآله (2) وقد صرح ابن عباس بأن القبلة غير ناقضة للوضوء (3) مثل ما يذهب إليه أهل بيت النبوة (4) خلافا لعمر بن الخطاب الذي كان يرى الوضوء فيها (5). وقوله تجواز الوضوء بماء البحر (6)، وهو الموافق لما جاء عن أهل البيت عليهم السلام. وروايته جواز المسح بالمنديل بعد الوضوء عن رسول الله صلى الله عليه وآله (7)، وهو الآخر الموافق لما جاء عن أخل بيت النبوة (8) وفي المقابل لم نره يقول بما قاله البعض من أن مس الذكر ينقض الوضوء (9)، كما ذهب إلى ذلك مروان بن الحكم (10). ولم ير ابن عباس نتف الإبط ناقضا للوضوء كما روي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص (11).


(1) سنن النسائي 1: 62، سنن الترمذي 1: 30، 31، سنن الدارمي 1: 177، سنن الدار قطني 1: 92، سنن أبي داود 1: 34، وفي وسائل الشيعة 1: 438 أبواب الوضوء ب 31 ح 10، 11، 6، 7، 21، 26، و 1: 439 أبواب الوضوء ب 31 ح 15، 16، 19، 23، 28. (2) وسائل الشيعة 1: 430 أبواب الوضوء ب 29 ح 1، 2، 4، سنن الدار قطني 1: 85، 101، سنن الترمذي 1: 22. (3) سنن الدار قطني 1: 143، سنن أبي داود 1: 45. (4) وسائل الشيعة 1: 270 أبواب نواقض الوضوء ب 9 ح 2، 3، 625. (5) سنن الدار قطني 1: 144. (6) سنن الدار قطني 1: 144. (7) سنن الدارمي 1: 180. (8) وسائل الشعية 1: 473 أبواب الوضوء ب 45 ح 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9. (9) انظر سنن النسائي 1: 100 سنن الدارمي 1: 184، سنن أبي داود 1: 46 وانظر وسائل الشيعة 1: 271 أبواب نواقض الوضوء ب 9 ح 7 - 8. (10) سنن النسائي 1: 100، سنن الدارمي 1: 184، سنن أبي داود 1: 46. (11) سنن النسائي 1: 105، سنن الدارمي 1: 185، سنن أبي داود 1: 52.

[ 218 ]

كما أنه لم يذهب إلى الوضوء مما مسته النار (1) ومن أكل لحوم الابل (2)، بل كان يرى الوضوء مما يخرج وليس مما يدخل (3) حيث روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ (4)، وفي آخر: النتهش من كتف ثم صلى ولم يتوضأ (5). وكان ابن عباس يرى جواز استعمال الرجل فضل وضوء المرأة (6) وهو الموافق لمذهب أهل بيت الرسالة. وكان لا يقول بأن النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء (7). ولم يرد عنه كراهة رد السلام لغير المتوضى (8)، ووكان لا يرى مسح الرأس مقبلا ومدبرا (9)، ولا الوضوء بالثلج (10) ولا رواية إنك لا تدري أين باتت يدك ولا الوضوء من الدم (11) إلى غير ذلك. نعم جاءت عنه روايات في المسح على الخفين والتوقيت فيه وغسل الارجل، ومسح الذنين ظاهر هما وباطنهما وقد وضحنا حال الأولين منها، وأما حديث مسح الأذنين (12) فهو الآخر باطل النسبة إليه لوجوه. أولها: انها تماثل وضوء الربيع بنت المعوذ، الذي لم يفعله ابن عباس نفسه بل اعترض عليه.


(1) المصادر السابقة، وانظر جامع المسانيد والسنن لابن كثير 31: 451، 491 و 32: 128، 437، 341، 526. (2) انظر سنن أبي داود 1: 47. (3) سنن الدار قطني 1: 151. (4) سنن أبي داود 1: 48 ح 187. (5) سنن أبي داود 1: 49 ح 190. (6) سنن الدر قطني 1: 52، سنن الدرمي 1: 187، سنن الترمذي 1: 43. (7) انظر سنن الدار قطني 1: 70 - 76 وفيه ان هذا القول هو من قول عكرمة، سنن أبي داود 1: 21. (8) انظر سنن الترمذي 1: 61. (9) انظر سنن الترمذي 1: 25. (10) انظر سنن النسائي 1: 50. (11) انظر سنن أبي داود 1: 50. (12) سنن الترمذي 1: 27.

[ 219 ]

ثانيها: عدم اشتهار هذا الأمر عنه. ثالثها: الإسناد هو عبد الله بن ادريس عن محمد بن عجلان عن زيد بن اسلم عن عطاء عن ابن عباس، وقد تقدم كلامنا عنه سابقا. وبهذا فقد اتضح لنا ان عبد الله بن عباس يتحد مع علي وأهل بيته في الكثير من المسائل ويخالف النهج الفقهي الحاكم في مسائل كثيرة أخرى. المدونون وأخبار الوضوء عن ابن عباس سبق منا القول في انقسام المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى نهجين أحدهما: يدعو إلى تدوين الحديث، والآخر لا يرتضي ذلك. وقد اثبتنا أن المعترضين على الخليفة عمر بن الخطاب كانوا من أهل التدوين والتحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنهم اعترضوا عليه لمخالفة أقواله مع ما ثبت عندهم في المدونات عن رسول الله صلى الله عليه وآله. ومن أجل هذه الامور قال الخليفة لهم (ائتوني بكتبكم) فلما أتوه بها أمر بحرقها، وأمر بحبس الصحابة لإشاعتهم الحديث، لقوله (انكم أكثرتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله) وفي آخر (أفشيتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله) وهذه المضادة من قبل النهجين هي التي جعلت لكل منهما أنصارا، فالبعض ينتصر للخليفة. والآخر لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله، وغالب أصحاب التدوين كانوا من الشقى الثاني. وقد مر عليك عن ابن عباس أنه من نهج التحديث والتدوين ومن المعرضين لاجتهدات الشيخين المعرضة للكتاب والسنة النبوية، فثبت عنه قوله (أراهم سيهلكون، أقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله ويقولون قال: أبو بكر وعمر). وأنت لو تدبرت في كلام عثمان بن عفان لغرفت بأن جل المعارضين له في الوضوء كانوا من أصحاب التدوين والتحديث لقوله (إن ناسا يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وآله بأحاديث لا أدري ما هي...). فالخليفة عبر عن معارضيه ب‍ (ناسا) مما يرشدنا إلى أن الامتداد المعارض له كبير وأنه يمثل شريحة اجتماعية مهمة،

[ 220 ]

هذا، ونحن لو أردنا تطبيق ما قلناه عن النهجين سابقا على ما نحن فيه لأمكننا القول بأن أغلب رجل الأسانيد المسحية عن ابن عباس هم من أصحاب المدونات، بعكس رجال الأسانيد الغسلية فلم يكونوا كذلك، وهذه الحقيقة ترشدنا إلى أن المدونين رغم كل الضغوط المفروضة وعوامل التحريف قد حافظوا على مدوناتهم، وهذا القول منا لا يعني بأنا نعتقد بوجود جميع ما قاله الرسول في الصحاح والسنن، بل في اعتقادنا أن ظاهرة منع تدوين الحديث قد ضيع الكثير من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله في الصحاح والسنن، وروج الوضع والتحريف فيه الحديث، وهذا مما يجب علينا توضيحة وبيانه. فنحن لو طالعنا أسماء رواة الغسل والمسح لعرفنا أن غالب رواه المسح - وفي كل الطبقات - هم من أصحاب المدونات، بخلاف رواة الغسل، فالمدونون منهم قلة قليلة وقد؟؟؟؟ بعد فتحه من قبل عمر بن عبد العزيز، فإليك رواة الوضوء عن ابن عباس غسلا ومسحا. رواة الغسل عن ابن عباس الإسناد الاول البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، قال: أخبرنا أبو سلمة الخزاعي (منصور بن سلمة)، قال ابن بلال - يعني سليمان - عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس. الإسناد الثاني أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا هشام بن سعد، حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس... الإسناد الثالث النسائي: أخبرنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، قال: ثنا ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس...

[ 221 ]

الإسناد الرابع النسائي: أخبرنا الهيثم بن أيوب، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس... الإسناد الاخير هو ما رواه أبو داود: حدثنا الحسن بن علي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عباد بن منصور، عن عكرمة بن خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس... ولم يشاهد في رواة هذه الأسانيد اسم أحد من المدونين من الصحابة والتابعين إلا سعيد بن جبير وعبد الله ابن عباس، والأول لم يثبت الطريق إليه ولم يعتمده الأعلام في خبر الوضوء عن ابن عباس لوجود عباد بن منصور المضعف عند الجميع فيه، أما الثاني - أي ابن عباس في مورد النزاع - فقد ثبت في الصفحات السابقة أن نسبة الغسل إليه غير صحيحة، لعدم إمكان الاعتماد على ما روي عن سعيد بن جبير المار ذكره، ولاتحاد الطرق الغسلية الأربع الأخرى في زيد بن أسلم عن عطاء وهو ممن يدلس. فها أنت لولا حظت رواة الغسل فلا ترى بينهم من أصحاب المدونات الذين دونوا الحديث قبل عمر بن عبد العزيز، وإن ورد اسم أحد منهم فأولئك من المدونين بعد عصر التدوين الحكومي، وهو لا يخدمنا في توضيح ما نحن فيه، لأن التدوين في عهد عمر بن عبد العزيز لم يكن كالتدوين في عقد عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ومعوية والمانعين له، ونحن مع أخذنا هذه النكتة بالاعتبار لم نر اسم أحد من رواة الغسل ضمن المدونين من التابعين وتابعي التابعين، فإن سليمان بن بلال (1) - الموجود


(1) انظر مصادر ذلك في دراسات في الحديث النبوي، للاعظمي 1: 263.

[ 222 ]

في السند الأول - وعبد الله بن إدريس (1) ومحمد بن عجلان (2) - كما في السند الثالث - وعكرمة بن خالد (3) وسعيد بن جبير - كما في السند الأخير - وإن كانوا من المدونين لكنهم من المدونين بعد عصر التدوين الحكومي وهو ليس محل النزاع، ومثله حال البخاري وأبي داود والنسائي والآخرين الذين رووا لنا الغسل عن ابن عباس وغيره، فهم وإن كانوا من المدونين لكن تدوينهم جاء في العصور المتأخرة عن عصر التدوين الحكومي فلا يدخلون ضمن النزاع. هذا والذي يجب الاشارة إليه هو أن عطاء - والذي اتحدت الطرق فيه - لم يكن من المدونين عن ابن عباس والمختصين به، وأنت لو بحثت عن الكتاب المدونين عن ابن عباس لا ترى اسمه ضمن أولئك كابن أبي مليكة (4)، والحكم بن مقسم (5)، وسعيد بن جبير (6) وعلي بن عبد الله بن عباس (7) وعكرمة (8) وكريب (9) ومجاهد (10) ونجدة الحروي (11) وعمرو بن دينار (12). وهذا بعكس الطرق المسحية عن ابن عباس، فقد حكى عكرمة المسح عن ابن عباس وكان من المدونين عنه، وعنه عمرو بن دينار وهو الآخر من المدونين ومن * 0 هامش) * (1) انظر مصادر ذلك في دراسات في الحديث النبوي، للاعظمي 1: 289. (2) انظر مصادر ذلك في دراسات في الحديث النبوي، للاعظمي 1: 307. (3) انظر مصادر ذلك في دراسات في الحديث النبوي، للاعظمي 1: 191. (4) انظر مقدمة صحيح مسلم: 13، صحيح البخاري كتاب الرهن: 6، الشهادات: 20، مسند أحمد 1: 143، 351، السنن الكبرى للبيهقي 6: 83. (5) فتح المغيب 2: 138. (6) العلل 1: 50، الطبقات الكبرى لابن سعد 6: 179، تقييد العلم: 102 - 103، تاريخ أبي زرعة. (7) الطبقات الكبرى لابن سعد 5: 216. (8) الفهرست لابن النديم: 34. (9) الطبقات الكبرى لابن سعد 5: 216. (10) الفهرست: 33. (11) مسند أحمد 1: 224، 248، 294، 308، مسند الحميدي 1: 244، الجهاد، الاصابة 2: 234. (12) تاريخ الفسوي 3: 5، تاريخ أبي زرعة كما في الدراسات للاعظمي 1: 118.

[ 223 ]

المختصين به، حتى قال سفيان، قال لي عمرو بن دينار: ماكنت أجلس عند ابن عباس، ما كتبت عنه إلا قائما. ونقل ابن عيينة عن سفيان قوله: ما أعلم أحدا أعلم بعلم ابن عباس رضي الله عنه من عمر بن دينار، سمع ابن عباس رضي الله عنه وسمع أصحابه، وسيتح لك هذا الأمر بالأرقام حين بحثنا عن رواة المسح عن بن عباس. رواة المسح عن ابن عباس الإسناد الاول عبد الرزاق، عن ابن جريح، قال: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة يقول: قال ابن عباس... ورواة هذا الإسناد أئمة حفاظ، وقد احتج بهم الناس فضلا عن أئمة الصحاح السنن، فعبد الرزاق قد احتج له الجماعة (1) ومثله ابن جريح (2) وعمرو بن دينار (3) وعكرمة (4) وبما أن الجماعة قد روت لهؤلاء وثبت لكل واحد منهم ملازمة طويلة لمن يروى عنه وفيهم من هو أعلم بعلم ابن عباس من غيره، فلماذا لا تروى روايتهم عن ابن عباس الوضوء غسلتان ومسحتان في صحاح الجمهور؟ ألم يقعوا في أسانيد البخاري ومسلم في روايات أخرى؟ وإذا حصل ذلك فلم لا يأتي البخاري بخبرهم في المسح عن ابن عباس؟ مع أنهم قد أتوا بأحاديث أخرى تحتاج إلى تابع كخبر سليمان بن بلال؟ وعليه ففي السند الأول: 1 - عبد الملك بن جريح وهو من المدونين، وقد كان أول من جمع الحديث بمكة المكرمة (5)، كما ألف كتبا عدة حتى أنه لما قدم على أبي جعفر قال له: جمعت حديث


(1) انظر تهذيب الكمال 18: 57. (2) انظر تهذيب الكمال 18: 338. (3) انظر تهذيب الكمال 20: 246. (4) فقد احتج به الجميع إلا مسلما فقد قرنه بغيره ثم رجع. انظر تهذيب الكمال 20: 264. (5) ذكره الذهبي في تذكرة الحفاظ 1: 160، وابن حجر في مقدمة فتح الباري وابن كثير في اختصار =

[ 224 ]

ابن عباس ما لم يجمعه أحد فلم يعطه شيئا (1)، وقد كانت كتبه تحتل مكانا وفيعا عند المحدثين، حتى قال يحيى بن القطان: كنا نسمي كتب ابن جريح كتب الأمانة (2) لصحة ما فيها. 2 - وعمرو بن دينار قد مر الكلام عنه، وأنه ما جلس عند ابن عباس وما كتب عنه إلا واقفا. 3 - وعكرمة، مولى ابن عباس، هو من كبار تلامذة ابن عباس والمدونين عنه، وإن ابن عباس كان يعتني به كثيرا، حتى قال عكرمة: كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل يعلمني القرآن ويعلمني السنة (3) وكانت عنده كتب، فقيل أنه نزل على عبد الله الأسوار بصنعاء، فعدا ابنه [ أي عمرو بن أبي الأسوار ] على كتاب لعكرمة فنسخه، وجعل يسأل عكرمة، ففهم أنه كتبه من كتبه...) (4) وقد روى عن ابن عباس في التفسير (5)، فترى جميع هؤلاء من أصحاب المدونات. أما الإسناد الثاني وهو عبد الرزاق، عم معمر، عن قتادة، عن جابر بن يزيد [ زيد ] أو عكرمة، عن ابن عباس... 1 - ففيه معمر بن راشد، وهذا قد كتب الأحاديث وصنف الكتب، وعد من أوائل من جمع الحديث باليمن (6)، قال ابن النديم:... له من الكتب كتاب المغازي (7)، وآخر في التفسير، رواه عنه عبد الرزاق وابن المبارك وآخرون، وكان له كتاب


= علوم الحديث. (1) تاريخ بغداد 10: 400، شرح علل الترمذي: 67. (2) دراسات في الحديث النبوي 1: 286 عن العلل وتاريخ بغداد 10: 404. (3) تاريخ الفسوي 3 } 5، تاريخ أبي زرعة كما في الدراسات للاعظمي 1: 118. (4) الميزان 3: 295، الجرح والتعديل، تهذيب التهذيب 8. (5) الفهرست: 34 كما في الدراسات. (6) انظر كتاب (أبو جعفر الطحاوي) لعبد المجيد محمود: 152. (7) الفهرست: 94 كما في الدراسات للاعظمي 1: 312.

[ 225 ]

مشهور آخر باسم الجامع (1). وعن هشام بن يوسف أنه قال: جاء مطرف بن مازن، فقال: أعطني حديث ابن جريح ومعمر حتى أسمعه منك، فأعطيته، فكتبها، ثم جعل يحدث بها عن معمر نفسه عن ابن جريح (2). 2 - وقتادة بن دعامة، وهو أحد الاعلام الذين كتبوا الأحاديث وله من الكتب: تفسير القرآن (3) والناسخ والمنسوخ في القرآن (4) وعواشر القرآن (5). قال أبو هلال، قيل لقتادة: يا أبا الخطاب أنكتب ما نسمع؟ قال: وما يمنعك أحد أن تكتب؟ وقد أنبأك اللطيف الخبير أنه قد كتب، وقرأ (في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى)، قال: كنت أنظر إلى فم قتادة، فإذا قال: حدثنا كتبت، وإذا لم يقل لم أكتب (6). 3 - جابر بن زيد [ أو يزيد ] والأول هو الصحيح، قال الرباب: سألت ابن عباس عن شئ، فقال: تسألوني وفيكم جابر بن زيد (7). وكان الحسن البصري إذا غزا أفتى الناس جابر بن زيد (8). وجاء عن تلاميذه أنهم يكتبون عنه، روى حماد بن زيد، عن عمر بن دينار، فقال: قيل لجابر بن زيد: إنهم يكتبون عنط، ما يسمعون، فقال: إنما لله يكتبون (9). وعكرمة قد مر الكلام عنه، وابن عباس من أئمة المدونين


(1) الرسالة المستطرفة للكتاني: 41 كما في الدراسات. (2) المجروحين: 34، الجرح والتعديل 4 } 1: 314، كما في الدراسات 1: 196. (3) الطبقات الكبرى لابن سعد 7 } 2 } 23، الفهرست لابن النديم: 34، كما في الدراسات 1: 196. (4) توجد منه نسخة بالظاهرية، انظر الدراسات للاعظمي 1: 196. (5) الطبقات الكبرى لابن سعد 7 } 2 } 2 كما في الدراسات. (6) مسند علي بن الجعد: 118، الكفاية: 164، انظر الدراسات 1: 196. (7) تهذيب التهذيب 2: 38 كما في الدراسات للاعظمي 1: 145. (8) تهذيب التهذيب 2: 38 نقلا عن ابن أبي خيثمة كما في الدراسات 1: 145 وانظر ص 162 منه كذلك. (9) الطبقات الكبرى 7: 181.

[ 226 ]

أما الإسناد الثالث وهو ما أخرجه عبد الرزاق عم معمر، عن عبد الله بن محمد عقيل عن الربيع، أن رسول الله صلى الله عليه وآله غسل قدميه ثلاثا، ثم قالت لنا: إن ابن عباس قد دخل... الخبر. فقد تكلمنا عن معمر، وبقي عبد الله بن محمد بن عقيل وهو من المدونين كذلك، لقوله: كنت أنطلق أنا ومحمد بن علي - أبو جعفر - ومحمد بن الحنفية إلى جابر عبد الله [ الأنصاري لنسأله عن سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وعن صلاته، فنكتب عنه ونتعلم منه (1) ]. أما الإسناد الرابع وهو ما أخرجه ابن أبي شيبة، حدثنا ابن علية، عن روح بن القاسم، عن عبد الله بن محمد بن عقيل... ففيه ابن علية، وهو إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، وكان من الكتبة، له من المصنفات كتاب الطهارة، الصلاة، المناسك، التفسير (2)، وقد كتب عن أيوب السختياني (3)، وكتب عنه علي بن أبي هاشم بن الطبراخ (4)، وقد مر الكلام عن عبد الله بن محمد بن عقيل. أما الإسناد الخامس وهو الحميدي قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل ابن أبي طالب، قال: أرسلني علي بن الحسين إلى الربيع بنت المعوذ... 1 - ففيه سفيان ابن عيينة، الإمام الكبير، وقد بدأ بكتابة الحديث وهو ابن خمس عشرة سنة، قال علي بن الجعد: كتبت عن ابن عيينة سنة ستين ومائة


(1) تقييد العلم: 104، الكامل لابن عدي 2: 113، الميزان 2: 484. (2) ذكره ابن النديم في الفهرست: 227 كما في الدراسات 1: 230. (3) تاريخ أبي زرعة 76 كما في الدراسات 1: 230. (4) تاريخ بغداد 12: 10 كما في الدراسات 1: 230.

[ 227 ]

بالكوفة، يملي علينا من صحيفة (1). قال العجلي: كان حديث ابن عيينة نحوا من سبعة الآف ولم يكن له كتب (2). وقد علق الدكتور الأعظمي على كلام العجلي بقوله: ولا ندري كيف تأول، علما بأننا أنه أملى من صحيفة وكتب لأيوب، وكتب عن عمرو بن دينار وآخرين. وكتابته عن الزهري مشهورة معروفة (3). قال ابن عيينة، قال لي زهير الجعفي: أخرج كتبك، فقلت له: أنا أحفظ من كتبي (4) وله من المؤلفات: التفسير (5)، روى عنه جمع أحاديثه المكتوبة، منهم الحميدى صاحب المسند (6). 2 - وعلي بن الحسين هو الإمام السجاد وقد كان من المدونين (7). أما الإسنادان السادس والسابع فهما اجترار لخذا الإسناد، لواية سفيان ابن عيينة الخبر عن عبد الله بن محمد بن علقيل، وأن علي بن الحسين قد أرسله إلى الربيع.... وأنت ترى رجال هذه الأسانيد وأنهم كانوا أئمة حفاظا، وقد دونوا الحديث في كتبهم وفي جميع الطبقات، ولا يهمنا وجود بعض المدونين بعد عصر التدوين بينهم، فالقيمة في وجود رجال كعلي بن الحسين، وعكرمة، وعمرو بن دينار، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وجابر بن زيد، بين هؤلاء، وقد كانوا قد دونوا الحديث قبل عصر التدوين الحكومي، ولذلك تكون لمروياتهم قيمة أكثر من مرويات رواة الغسل، ولو عاودنا أسماء رواه الغسل عن ابن عباس لعرفت المائز بين الطريقين، وذلك لعدم وجود مدونين قبل عصر التدوين الحكومي بينهم، فغالبهم ليسوا من


(1) تاريخ بغداد 11: 362. (2) تاريخ بغداد 9: 179. (3) دراسات في الحديث النبوي 1: 262. (4) تهذيب التخذيب 4: 121. (5) الدراسات، للاعظمي 1: 262 عن التهذيب 4: 121 الانساب، للسمعاني 5: 439. (6) انظر مسند الحميدي، وعنه في الدراسات للاعظمي 1: 262. (7) انظر منع تدوين الحديث، لنا: 409 - 411.

[ 228 ]

أصحاب المدونات، وإن كان أحد منهم فهو غالبا من المدونين بعد عصر التدوين الحكومي، فلا مزية لنقلهم، لاحتمال تأثره بمطامع الحكام. ورواة الغسل هم: 1 - محمد بن عبد الرحيم 2 - منصور بن سلمة (أبو سلمة الخزاعي) 3 - سليمان بن بلال - وهو من المدونين بعد عصر التدوين الحكومي - 4 - زيد بن أسلم 5 - عطاء بن يسار 6 - عثمان بن أبي شيبة. 7 - محمد بن بشر 8 - هشام بن سعد 9 - الحسن بن علي الخلال الحلواني 10 - يزيد بن هارون 11 - عباد بن منصور 12 - عكرمة بن خالد (وهو غير مولى ابن عباس المدون لحديثه) 13 - سعيد بن جبير - من المدونين لكن لم يثبت الطريق إليه - 14 - مجاهد بن موسى 15 - عبد الله بن إدريس - من المدونين بعد عصر التدوين الحكومي - 16 - محمد بن عجلان - من المدونين بعد عصر التدوين الحكومي - 17 - الهيثم بن أيوب الطالقاني 18 - عبد العزيز بن محمد وبهذا فقد اتضح أن الطرق المسحية عن ابن عباس هي أقوى سندا وأنقى دلالة، وقد رويت بطرق متعددة وفي جميع الطبقات عن المدونير، بخلاف الغسلية التي لم يروها أحد من المدونين قبل عصر التدوين الحكومي، وهذا ما يؤكد أن استقرار الوضوء المسحي عن ابن عباس ثبت بجهود المدونين على مر الأجيال. وهو الاخر يؤكد امتداد نهج التعبد المحض في العصور اللاحقة.

[ 229 ]

مناقشة مرويات علي بن أبي طالب سندا ودلالة ونسبة المناقشة السندية لمروياته الغسلية المناقشة السندية لمروياته المسحية البحث الدلالي تفسير قوله " هذا وضوء من لم يحدث " وقفة مع قوله " لرايت " نسبة الخبر إليه

[ 231 ]

علي بن أبي طالب وروايات الغسل

[ 233 ]

هناك طائفة من الروايات حكت الغسل عن علي بن أبي طالب، قد رواها عنه غير واحد من الرواة، وهم كالآتي. أ - ما رواه أبو حية الوادعي عنه الإسناد الأول قال الترمذي: حدثنا هناد (1) وقتيبة (2)، قالا: حدثنا أبو الأحوص (3)، عن أبي إسحاق (4)، عن أبي حية (5)، قال: رأيت عليا توضأ فغسل كفيه حتى أنقاهما، ثم مضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وذراعيه ثلاثا، ومسح برأسه مرة، ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم، ثم قال: أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله (صلى الله عليه وآله) (6).


(1) هو هناد بن السري بن مصعب، التميمي، الدارمي، أبو السري الكوفي، روى له البخاري في أفعال العباد وباقي الجماعة، قال أبو حاتم: صدوق، والنسائي: ثقة (انظر الجرح والتعديل 9: الترجمة 501، تهذيب الكمال 30: 311، تهذيب التهذيب 11: 71). (2) هو قتيبة بن سعيد الثقفي، روى له الجماعة " انظر تهذيب الكمال 23: 523، سير أعلام النبلاء 11: 13، تهذيب التهذيب 8: 361 ". (3) هو سلام بن سليم الحنفي، مولاهم، أبو الاحوص الكوفي، وثقه ابن معين وغيره، روى له الجماعة " انظر تهذيب الكمال 12: 282، تهذيب التهذيب 4: 282 ". (4) هو عمرو بن عبد الله بن عبيد، أبو إسحاق السبيعي الكوفي، روى له الجماعة " انظر تهذيب الكمال 22: 102، تهذيب التهذيب 8: 63 ". (5) هو أبو حية بن قيس الوادعي، لم يحتج به البخاري ومسلم، لكن روى له أصحاب السنن الاربعة " انظر تهذيب الكمال 33: 269، ميزان الاعتدال 4: الترجمة 10138 ". (6) سنن الترمذي 1: 34 باب ما جاء في وضوء النبي (صلى الله عليه وآله) كيف كان؟!

[ 234 ]

المناقشة يخدش هذا الإسناد من عدة جهات: الأولى: من جهة أبي إسحاق - عمرو بن عبد الله - السبيعي، لأ نه عنعن روايته عن أبي حية وهو ممن يدلس. فقد صرح ابن حبان (1) والكرابيسي (2) والطبري (3) بأن أبا إسحاق كان من المدلسين. وقال ابن حجر: حدثنا إسحاق، حدثنا جرير، عن معن، قال: أفسد حديث أهل الكوفة الأعمش وأبو إسحاق، يعني للتدليس (4). ومما يؤخذ على مرويات أبي إسحاق: عدم الضبط، لتغيره واختلاطه بأخرة: قال ابن حجر: ثقة... قد اختلط بأخرة (5). وقال الذهبي: شاخ ونسي (6). وقال الفسوي: قال بعض أهل العلم: كان قد اختلط، وإنما تركوه مع ابن عيينة لاختلاطه (7). الثانية: من جهة أبي حية، المجهول، قال أبو زرعة: لا يسمى (8). وقال ابن المديني: مجهول (9). وقال أبو الوليد الفرضي: مجهول (10).


(1) الثقات لابن حبان 5: 177، تهذيب التهذيب 8: 66. (2 - 3) انظر هامش تهذيب الكمال 22: 113. (4) تهذيب التهذيب 8: 67. (5) تقريب التهذيب 2: 73. (6 - 7) ميزان الاعتدال 3: الترجمة 6393. (8) الجرح والتعديل 9 الترجمة 1636. (9) تهذيب التهذيب 12: 81، ميزان الاعتدال 4: الترجمة 10138. (10) ميزان الاعتدال 4: الترجمة 10138.

[ 235 ]

وقال الذهبي: لا يعرف (1). وعليه فالسند مجهول، وله حكم المنقطع، فلا يمكن الاعتماد عليه، لجهالة أبي حية. ولأن أبا إسحاق السبيعي قد تغير بأخرة وهو ممن يدلس. الإسناد الثاني قال النسائي: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي حية - وهو ابن قيس - قال: رأيت عليا رضي الله عنه توضأ فغسل كفيه حتى أنقاهما، ثم تمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وغسل ذراعيه ثلاثا، ثم مسح برأسه، ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام فأخذ فضل طهوره فشرب وهو قائم، ثم قال: أحببت أن أريكم كيف طهور النبي (صلى الله عليه وآله) (2). المناقشة تقدم في الإسناد السابق أن طريق أبي الأحوص يضعف بأبي إسحاق الذي تغير واختلط وشاخ ونسي والذي كان من المدلسين، وقد عنعن هنا ولم نجد له تصريح بالسماع عن أبي حية في الكتب التسعة (3)، ولجهالة أبي حية في الإسناد.


(1) هامش تهذيب الكمال 33: 270، ميزان الاعتدال 4: الترجمة 10138. (2) سنن النسائي 1: 70 عدد غسل اليدين. (3) إذ أن فيها 22 رواية، ففي الترمذي إسنادان برقم (42) و (45)، وفي النسائي ثلاثة أسانيد بأرقام 95، 114، 139، وفي سنن أبي داود سند واحد برقم 111، وفي ابن ماجة 420، 499، 2438 وفي مسند أحمد برقم 924، 975، 995، 998، 1280، 1279، 1274، 1208، 1142، 1281، 1283، 1289، 1308، لم يصرح في جميعها بالسماع.

[ 236 ]

الإسناد الثالث قال النسائي: أخبرنا محمد بن آدم (1)، عن ابن أبي زائدة (2)، قال: حدثني أبي (3) وغيره عن أبي إسحاق، عن أبي حية الوادعي، قال: رأيت عليا توضأ فغسل كفيه ثلاثا وتمضمض واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وذراعيه ثلاثا ثلاثا، ومسح برأسه، وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: هذا وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) (4). المناقشة هذا الطريق مضافا إلى ضعفه بأبي إسحاق وبجهالة أبي حية، فهو ضعيف أيضا بزكريا بن أبي زائدة - والد يحيى بن زكريا بن أبي زائدة - الذي حدث عنه محمد بن آدم شيخ النسائي هنا، وذلك لعدة أمور: الأول: إن سماع زكريا من أبي إسحاق إنما كان بعد تغيره واختلاطه وحينما كبر وشاخ على ما هو صريح العجلي (5) وغيره. قال أحمد بن حنبل: حديثيهما [ أي زكريا وإسرائيل ] عن أبي إسحاق لين، سمعا منه بأخرة (6). الثاني: إن زكريا كان من المدلسين، وهنا لم يصرح بالسماع عن أبي إسحاق. فقد جاء عنه أنه كان يوهم السامعين أ نه سمع من الشعبي والحال أنه لم يسمع منه، وهذا هو التدليس القبيح الذي يرادف الكذب.


(1) هو محمد بن آدم الجهني، المصيصي، روى له أبو داود والنسائي (انظر تهذيب الكمال 24: 391، تهذيب التهذيب 9: 34) وغيرهما من المصادر. (2) هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، الهمداني الوادعي، أبو سعيد الكوفي، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 31: 305، تهذيب التهذيب 11: 208، سير أعلام النبلاء 8: 299) وغيرها من المصادر. (3) هو زكريا بن أبي زائدة الهمداني، أبويحيى الكوفي، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 9: 359 تهذيب التهذيب 3: 329، سير اعلام النبلاء 6: 202) وغيرها من المصادر. (4) سنن النسائي 1: 79 عدد غسل الرجلين. (5) حكاه المزي عنه في تهذيب الكمال 9: 361. (6) حكاه عنه الرازي في الجرح والتعديل 3: الترجمة 2685 والمزي في تهذيب الكمال 9: 361.

[ 237 ]

قال أبو حاتم: زكريا لين الحديث، كان يدلس... إلى أن يقول: يقال إن المسائل التي يرويها زكريا عن الشعبي لم يسمعها منه إنما أخذها عن أبي حريز (1). وقال يحيى بن زكريا - ابنه -: لو شئت لسميت لك من بين أبي وبين الشعبي (2). وقال أحمد بن حنبل:... كان يدلس، يأخذ عن جابر والشعبي ولا يسمي (3). وعليه، فاشتهار زكريا بالتدليس، وروايته هنا عن أبي إسحاق دون تصريحه بالسماع، مع تغير حال أبي إسحاق بأخرة، وجهالة أبي حية، كل هذه الامور تسقط هذه الرواية عن الاعتبار والحجية. ب - ما رواه عبد خير عنه الإسناد الأول قال أبو داود: حدثنا مسدد (4)، حدثنا أبو عوانة (5)، عن خالد بن علقمة (6)، عن عبد خير (7)، قال: أتانا علي رضي الله عنه، وقد صلى، فدعا بطهور، فقلنا: ما يصنع بالطهور وقد صلى؟ ما يريد إلا أن يعلمنا، فأتي بإناء فيه ماء وطست، فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل يديه ثلاثا، ثم تمضمض واستنثر ثلاثا، فمضمض ونثر من الكف الذي يأخذ فيه، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يده اليمنى ثلاثا، وغسل يده


(1) تهذيب الكمال 9: 362، الجرح والتعديل 3: 2685. (2) تهذيب الكمال 9: 362. (3) هامش تهذيب الكمال 9: 362. (4) هو مسدد بن مسرهد الأسدي، أبو الحسن البصري، روى عنه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي (انظر تهذيب الكمال 27: 343، تهذيب التهذيب 10: 107) وغيرهما من المصادر. (5) هو الوضاح بن عبد الله اليشكري، أبو عوانة الواسطي البزاز، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 30: 441، تهذيب التهذيب 11: 116، سير أعلام النبلاء 8: 217) وغيرها من المصادر. (6) هو خالد بن علقمة الهمداني، الوادعي، أبو حية الكوفي، روى له أبو داود والنسائي وابن ماجة (انظر تهذيب الكمال 8: 134، تهذيب التهذيب 3: 108) وغيرهما من المصادر. (7) هو عبد خير بن يزيد، ويقال: ابن يحمد، أبو عمارة الكوفي، روى له أصحاب السنن الأربعة (انظر تهذيب الكمال 16: 469، تهذيب التهذيب 6: 124 - 125) وغيرهما من المصادر. (

[ 238 ]

الشمال ثلاثا، ثم جعل يده في الإناء فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا، ورجله الشمال ثلاثا، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو هذا (1). المناقشة يخدش هذا الطريق من ثلاث جهات: الأولى: بأبي عوانة، الأمي الذي تغير بأخرة. مضافا إلى أ نه كان يحدث مما يقرأه من كتب الناس خطأ في أخريات حياته. قال أحمد بن حنبل: إذا حدث من غير كتابه ربما وهم (2). وقال عفان: كان أبو عوانة حدث بأحاديث عن أبي إسحاق، ثم بلغني بعد أ نه قال: سمعتها من إسرائيل (3). وقال عفان أيضا: كان بأخرة يقرأ من كتب الناس فيقرأ الخطأ (4). وقال أبو محمد: قيل ليحيى بن معين: أبو عوانة أثبت أو شريك؟ قال: أبو عوانة أصح كتابا، وكان أبو عوانة يقرأ ولا يكتب (5). وقال أبو حاتم: كتبه صحيحة، وإذا حدث من حفظه غلط كثيرا (6). وقال أبو زرعة: ثقة إذا حدث من كتابه (7). وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة ثبت حجة فيما حدث من كتابه، وإذا حدث من حفظه ربما غلط (8). وقال الدوري، عن يحيى بن معين، قال: كان أبو عوانة أميا يستعين بمن


(1) سنن أبي داود 1: 27 ح 111، باب صفحة وضوء النبي. (2) تهذيب الكمال 30: 446، الجرح والتعديل 9: الترجمة 173. (3) مسند أحمد 2: 383 (من مسند أبي هريرة). (4) هامش تهذيب الكمال 30: 446. (5) سؤلات ابن محرز: الترجمة 585 كما في هامش تهذيب الكمال 30: 447. (6 - 7) الجرح والتعديل 9: الترجمة 173، تهذيب الكمال 30: 447. (8) تهذيب التهذيب 11: 120.

[ 239 ]

يكتب له (1). والحاصل: فإن أبا عوانة - على ضوء هذه الأقوال مع أخرى غيرها - ثقة في نفسه، لكنه سئ الحفظ، كثير الغلط والوهم، وكان لا يعرف الكتابة، على ما هو صريح ابن معين. والذي ينبغي أن يتساءل عنه: هو أ نه إذا كان لا يقدر على الكتابة، فمن كان يكتب له كتبه هذه التي يقال عنها أ نها صحيحة؟ وهل أن هذا الكاتب المجهول ثقة في نفسه؟! وما هي مدة ملازمته لأبي عوانة؟ وهل كان يدون ما سمعه على الفور أم كان يدونه بعد فترة متأخرة؟ وهل هو كاتب واحد أم أكثر؟ وكيف لنا أن نثبت كون هذه الرواية التي في كتابه هي ما سمعه فعلا عن شيخه بحيث لم يتلاعب بها هذا الكاتب المجهول، حتى يمكننا القول بصحتها ولزوم الأخذ بها؟! إلى غيرها من التساؤلات المعقولة والتي يفترض أن تطرح فيما نحن فيه، وإن ورود هذا الاحتمال يسقطه عن الاعتبار والحجية لاحتمال دخول الخطأ والوهم فيما يروي. ونحن لو أخذنا بهذه التساؤلات مع ما قيل من احتمال ورود الإيهام، لو حدث عن غير كتابه، لسقطت مروياته عموما، سواء حدث بها عن كتابه أو نقلا عن كتب الآخرين أو حفظا عن خاطره. ويحتمل أن يكون هذا هو السر في عدم إخراج الشيخين (البخاري ومسلم) له حديثا عن علي في الوضوء البياني. ويضاف إليه أننا لم نعثر على كتب له غير مسنده المسمى باسمه، إلا أنه لم يرو فيه عن علي في الوضوء شئ، فراجع لتتأكد. وقد يحسب أبو عوانة - في بعض الأوقات - أنه يحدث عن كتابه مع أن واقع


(1) سير أعلام النبلاء 8: 220.

[ 240 ]

الحال يشهد أنه إنما يحدث عن غير كتابه، وهذه ليست بالطامة: لأن الطامة كل الطامة أن يتخيل أبو عوانه أنه سمع بحديث من محدث كبير وأنه موجود في كتابه مع أن الحق أنه لم يسمعه عن ذلك الشيخ وليس هو ضمن أحاديث كتابه، واليك هذا النص للدلالة على ذلك. قال الحسين بن الحسن المروزي: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: كنت عند أبي عوانة فحدث بحديث عن الأعمش، فقلت: ليس هذا من حديثك، قال: بلى. قلت: لا، قال: يا سلامة هات الدرج. فأخرجت فنظر فيه فإذا ليس الحديث منه. فقال: صدقت يا أبا سعيد، فمن أين أتيت به. قلت: ذوكرت به وأنت شاب فظننت أنك سمعته (1). وعليه فالاعتماد على مرويات أبي عوانة مشكل جدا وبخاصة الأحاديث التي لم يخرجها له البخاري ومسلم. الثانية: أنه معلول سندا، كما يأتي توضيحه بعد الخلاصة السندية لمجموع ما روى عن عبد خير في الغسل والمسح. الثالثة: أنه معلول متنا، كما يأتي توضيحه في المكان أعلاه. الإسناد الثاني قال النسائي: أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا أبو عوانة، عن خالد بن علقمة عن عبد خير، قال: أتينا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد صلى فدعا بطهور، فقلنا: ما يصنع به وقد صلى، ما يريد إلا ليعلمنا، فأتي بإناء فيه ماء وطست فأفرغ من الإناء على يديه فغسلهما ثلاثا، ثم تمضمض واستنشق ثلاثا من الكف الذي يأخذ به الماء، ثم غسل وجهه ثلاثا، وغسل يده اليمنى ثلاثا، ويده الشمال ثلاثا، ومسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا، ورجله الشمال ثلاثا، ثم قال: من


(1) شرح علل الترمذي: 225.

[ 241 ]

سره أن يعلم وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو هذا (1). المناقشة يضعف هذا الطريق بأبي عوانة لما مر عليك سابقا، ولما سنقوله عن خالد ابن علقمة في الإسناد الرابع وفي (تعارض المروي عن عبد خير). الإسناد الثالث قال الترمذي: حدثنا قتيبة وهناد، قالا: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، قال: ذكر عن علي مثل حديث أبي حية، إلا أن عبد خى 0 ر قال: كان إذا فرغ من طهوره أخذ من فضل طهوره بكفه فشربه (2). المناقشة يضعف هذا الطريق بأبي إسحاق السبيعي المدلس الذي عنعن عن عبد خير ولم يصرح بالسماع في مكان آخر (3). الإسناد الرابع قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى (4)، حدثني محمد بن جعفر (5)، حدثني شعبة،


(1) سنن النسائي 1: 68 باب غسل الوجه. (2) سنن الترمذي 1: 34 باب ما جاء في وضوء النبي (صلى الله عليه وآله) كيف كان. (3) مرويات أبي إسحاق السبيعي عن عبد خير في الكتب التسعة أحد عشر حديثا، فقد أخرج أبو داود له حديثا واحدا برقم (140) وأحمد في مسنده عشرة أحاديث في مسند العشرة المبشرة بالجنة برقم (699) و (853) و (873) و (888) و (890) و (964) و (965) و (1008) و (1199) والدارمي في سننه برقم (709) ولم يصرح في جميعها بالسماع عن عبد خير. (4) هو محمد بن المثنى بن عبيد العنزي، أبو موسى البصري، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 26: 359، ميزان الاعتدال 4: 24، سير أعلام النبلاء 12: 123، تهذيب التهذيب 9: 425) وغيرها من المصادر. (5) هو محمد بن جعفر الهذلي، المعروف بغندر صاحب الكرابيسي، أبو عبد الله البصري، كان ربيب شعبة (انظر تهذيب الكمال 25: 5، سير أعلام النبلاء 9: 98، تهذيب التهذيب 9: 96، الجرح والتعديل =

[ 242 ]

قال: سمعت مالك بن عرفطة (1)، سمعت عبد خير، رأيت عليا رضي الله عنه أتي بكرسي فقعد عليه، ثم أتي بكوز من ماء فغسل يديه ثلاثا، ثم تمضمض مع الاستنشاق بماء واحد، وذكر الحديث (2). المناقشة يضعف طريق أبي داود من عدة جهات: الأولى: من جهة محمد بن المثنى، فقد وردت فيه أشياء تكشف عن عدم ضبطه وأ نه ليس بالثبت في الحديث. قال النسائي: لا بأس به، كان يغير في كتابه (3). وقال صالح بن محمد الحافظ: صدوق اللهجة، وكان في عقله شئ (4). وقال أبو حاتم: صالح الحديث صدوق (5). وقال أبو بكر الخطيب: كان صدوقا، ورعا، فاضلا، عاقلا (6). نقول: هذه الأقوال لا تمنع من كون محمد بن المثنى ثقة في نفسه، لكنا بينا سابقا (7) أن (لا بأس به) و (صدوق) و (صالح) وغيرها من الكلمات التي تندرج في هذه المرتبة من مراتب التعديل، تشعر بعدم شريطة الضبط، فأصحاب هذه المرتبة ثقات في أنفسهم، إلا أن مروياتهم لا يعتمد عليها إلا بعد النظر، والأقوال في محمد بن المثنى من هذا القبيل، هذا بعد الفراغ عن عقله وأ نه لا شوبة فيه، وأما مع تصريح


= 7: الترجمة 1223) وغيرها من المصادر. (1) غير معروف. (2) سنن أبي داود 1: 28 ح 113، باب صفحة وضوء النبي (صلى الله عليه وآله). (3) تهذيب الكمال 26: 363. (4) تهذيب الكمال 26: 363. (5) الجرح والتعديل 8: الترجمة 409، تهذيب الكمال 26: 363. (6) تاريخ الخطيب 3: 285، تهذيب الكمال 26: 364. (7) تقدم تبيين ذلك في الإسناد الأول من مرويات ابن عباس الغسلية.

[ 243 ]

صالح بن محمد الحافظ بأن في عقله شيئا، فإن الاعتماد على مروياته يكون سفها واضحا. الثانية: من جهة محمد بن جعفر الملقب بغندر، فإن أهل العلم لينوه بسبب بلادته وكثرة نسيانه، ولأشياء أخرى، وإليك بعض النصوص فيه: قال ابن حبان: كان غندر من خيار عباد الله على غفلة فيه (1). وقال يحيى بن معين: كان غندر يجلس على رأس المنارة يفرق زكاته، فقيل له: لم تفعل هذا؟ قال: أرغب الناس في إخراج الزكاة (2). وقال يحيى بن معين: اشترى غندر سمكا وقال لأهله: أصلحوه، ونام، فأكل عياله السمك ولطخوا يده، فلما انتبه قال: هاتوا السمك، قالوا: قد أكلت، قال: لا. قالوا: فشم يدك، ففعل، فقال: صدقتم، ولكني ما شبعت (3). وقال ابن حجر: ثقة صحيح الكتاب إلا أن فيه غفلة (4). وذكر أحمد بن حنبل: أ نه بليد (5). وقال علي بن عثام: كان مغفلا (6). وقال يحيى بن معين: دخلنا على غندر، فقال: لا أحدثكم بشئ حتى تجيئوا معي إلى السوق، وتمشون، فيراكم الناس، فيكرموني، قال: فمشينا خلفه إلى السوق، فجعل الناس يقولون له: من هؤلاء يا أبا عبد الله؟ فيقول: هؤلاء أصحاب الحديث جاءوني من بغداد يكتبون عني (7). وقال صاحب البصري: قلت لغندر: إنهم يعظمون ما فيك من السلامة، قال: يكذبون علي، قلت: فحدثني بشئ يصح منها، قال: صمت يوما فأكلت فيه ثلاث


(1) تهذيب الكمال 25: 8، الجرح والتعديل 7: الترجمة 1223. (2) تهذيب الكمال 25: 9. (3) سير أعلام النبلاء 9: 101، تهذيب الكمال 25: 9، ميزان الاعتدال 3: الترجمة 7324. 4) تقريب التهذيب 2: 151. (5) تهذيب الكمال 25: 7. (6 - 7) سير أعلام النبلاء 9: 101.

[ 244 ]

مرات ناسيا، ثم أتممت صومي (1). وقال أبو حاتم الرازي: كان غندر صدوقا مؤديا، وفي حديث شعبة: ثقة، وأما في غير شعبة فيكتب حديثه ولا يحتج به (2). أقول: إن البلادة وكثرة السهو والنسيان لا تفرق بين تحديثه عن شعبة أو غيره، بل هي سبب تام في إسقاط أحاديثه عموما عن الحجية، لأن الذي يأكل ثلاث مرات في نهار رمضان ساهيا، ويتخيل أ نه أكل السمك لمجرد وجود رائحته في يده مع أ نه لم يذقه، وغيرها من الاشياء، كلها تدل على أن هناك ملكه نفسانية تخل في ضبطه فإذا حصلت فستكون مطردة في كل شئ وتكون علة سارية إلى جميع مروياته عن أشياخه سواء عن شعبة أو غيره. الثالثة: من جهة مالك بن عرفطة، وذلك لأ ن مالكا هذا مجهول ومهمل في كتب الرجال. وقد قيل: إن شعبة توهم فيه، فصحف خالد بن علقمة إلى مالك بن عرفطة، وهذا هو الرأي المشهور الذي صوبه كثير من الأعلام كالبخاري وابن حنبل والترمذي وابن أبي حاتم وغيرهم. فإن قيل هكذا قلنا: بأن هؤلاء الأعلام الذين صوبوا كونه تصحيفا لخالد بن علقمة، إما أن يكونوا على جزم ويقين مما صوبوه، وإما أ نهم احتملوا ذلك. فإن كانوا على جزم ويقين بما قالوه، فأين الدليل القطعي على ذلك، أو حتى القرينة المؤيدة لهذه الدعوى؟. ولم لم يبدل هؤلاء الأعلام هذا الخطأ إلى ما جزموا به؟ وهذا ما يسمح به للمحققين فعله مع الإشارة إلى ذلك، لكن المراجع لجوامعهم الحديثية كسنن الترمذي وأبي داود ومسند أحمد بن حنبل يجد أ نهم ذكروا الإسناد المتقدم دون الإشارة إلى أي دليل أو قرينة، وهذا يتناسب مع كون المسألة استظهارا واحتمالا لا جزما ويقينا.


(1) سير أعلام النبلاء 9: 101. (2) سير أعلام النبلاء 9: 100.

[ 245 ]

وعليه فيكون احتمالا لا يلزمنا الأخذ به، لإمكان أن يحتمل في مقابله أ نهما راويان كما سيأتي من استظهار العلامة أحمد محمد شاكر، هذا من جهة. ومن جهة أخرى: إنا نستبعد جدا أن يصحف شعبة خالدا بمالك وعلقمة بعرفطة، وهو الإمام النقاد في الحديث والرجال، لأ نه تصحيف شنيع، ونحن لا نسلم أن يصحف إنسان - حتى العادي من عوام الناس إذا كان سويا - خالد بن علقمة إلى مالك بن عرفطة، فكيف نتصور هذا عن إمام ثبت. ولو كان التصحيف في مورد واحد لأمكننا قبول كلامهم إلا أننا وجدنا كثيرا من الأعلام قد رووا عن شعبة أ نه يروي عن مالك بن عرفطة، وهم: - عبد الله بن المبارك (كما في سنن النسائي، كتاب الطهارة ج 92) - يزيد بن زريع (كما في سنن النسائي كتاب الطهارة ح 93) - محمد بن جعفر المعروف ب‍ (غندر) (كما في سنن أبي داود، كتاب الطهارة ح 99، ومسند أحمد ح 24228 باقي مسند الانصار) - يحيى بن سعيد القطان (كما في مسند أحمد ح 942 مسند العشرة المبشرة بالجنة) - حجاج بن محمد المصيصي (كما في مسند أحمد ح 1117 مسند العشرة المبشرة بالجنة وفي باقي مسند الانصار ح 24228) - روح بن عبادة بن العلا (كما في مسند أحمد ح 24878 باقي مسند الانصار) ورواية هؤلاء عن شعبة يعني أ نهم سمعوا منه، ولا يعقل أن يتكرر خطأ شعبة عدة مرات مع ستة محدثين وهو الإمام الحافظ المتثبت. ويدلك على إستبعاد تصحيف شعبة، أنه كان لا يحدث غيره بما سمعه عن أشياخه لو كان سماعه مرة أو مرتين، واليك بعض النصوص في ذلك: قال حماد بن زيد: إذا خالفني شعبة في الحديث تبعته. قيل له: ولم؟ قال: إن شعبة كان يسمع ويعيد ويبدي وكنت أنا أسمع مرة واحدة (1). وقال يعقوب ابن شيبة: يقال إن شعبة إذا سمع الحديث مرتين لم يعتد به (2).


(1) شرح علل الترمذي: 161. (2) شرح علل الترمذي: 161.

[ 246 ]

وقال ابن رجب الحنبلي: سمعت سهل بن محمد العسكري أخبرني ابن أخي ابن أبي زائدة عن عمه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وقال: سألت شعبة عن حديث فلم يحدثني به، وقال لي: لم أسمعه إلا مرة واحدة، فلا أحدثك به (1). وخرج ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي الوليد، قال: سألت شعبة عن حديث، فقال: لا أحدثك إني سمعته من ابن عون مرة واحدة (2). وقال أبو الوليد: قال حماد بن زيد: شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة، يعاود صاحبه مرارا، ونحن كنا إذا سمعنا مرة إجتزينا به (3). قال الشيخ أحمد محمد شاكر: "... وأنا أتردد كثيرا فيما قالوه هنا: أما زعم أن تغيير الإسم إلى (مالك بن عرفطة) من باب التصحيف فإنه غير مفهوم، لأ نه لا شبه بينه وبين (خالد بن علقمة) في الكتابة وفي النطق، ثم أين موضع التصحيف، وشعبة لم ينقل هذا الإسم من كتاب، إنما الشيخ شيخه، رآه بنفسه، وسمع منه بأذنه، وتحقق من اسمه!! نعم قد يكون عرف اسم شيخه ثم أخطأ فيه، ولكن ذلك بعيد بالنسبة إلى شعبة، فقد كان أعلم الناس في عصره بالرجال وأحوالهم، إلى أن قال: نعم قد يخطئ شعبة في شئ من رجال الإسناد ممن فوق شيخه، أما في شيخه نفسه فلا. أما الحكاية عن أبي عوانة التي نقلها أبو داود (4). فإنها إن


(1 - 3) شرح علل الترمذي: 161. (4) ونص الحكاية هكذا: قال أبو داود: قال أبو عوانة يوما: (... حدثنا مالك بن عرفطة عن عبد خير) فقال له عمر الاعصف: رحمك الله يا أبا عوانة، هذا خالد بن علقمة ولكن شعبة يخطئ فيه، فقال أبو عوانة: هو في كتابي: " خالد بن علقمة " ولكن قال لى شعبة: هو " مالك بن عرفطة ". قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عون، قال: حدثنا أبو عوانة: قال أبو داود: وسماعه قديم. قال أبو داود: حدثنا أبو كامل، قال: حدثنا أبو عوانة، عن خالد بن علقمة، وسماعة متأخر كان بعد ذلك رجع إلى الصواب (انظر هامش تهذيب الكمال 8: 136).

[ 247 ]

صحت فلا تدل على خطأ شعبة، بل تدل على خطأ أبي عوانة، وأنا أظنها غير صحيحة، فإن أبا داود لم يذكر من حدثه بها عن أبي عوانة، وإنما الثابت إسناده أن أبا عوانة روى عن خالد بن علقمة، وقد روى عن مالك بن عرفطة، فالظاهر عندي أنهما راويان وأن أبا عوانة سمع من كل واحد منهما " (1). وعليه فإن الطريق الذي فيه مالك بن عرفظة لا يحتمل أن يكون مصحفا عن خالد بن علقمة، بل هما راويان، ولا يستبعد أن يختص شعبة بالسماع من مالك بن عرفطة وهو الإمام الرجالي المحدث. وعلى أي تقدير فاحتمال أ نه غير مصحف باق، وهو كاف في إبطال الاستدلال بهذا الطريق، لجهالة مالك بن عرفطة. الإسناد الخامس قال النسائي: أخبرنا سويد بن نصر (2)، قال أنبأنا عبد الله - وهو ابن المبارك (3) - عن شعبة، عن مالك بن عرفطة، عن عبد خير، عن علي رضي الله عنه أنه أتي بكرسي فقعد عليه، ثم دعا بتور فيه ماء، فكفأ على يديه ثلاثا ثم مضمض واستنشق بكف واحد ثلاث مرات، وغسل وجهه ثلاثا، وغسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا، وأخذ من الماء فمسح برأسه - وأشار شعبة - مرة من ناصيته إلى مؤخر رأسه، ثم قال: لا أدري أردهما أم لا؟ وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: من سره أن ينظر إلى طهور رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهذا طهوره (4).


(1) تهذيب الكمال " الهامش " 8: 136. (2) هو سويد بن نصر بن سويد المروزي، أبو الفضل الطوساني، روى له الترمذي والنسائي (انظر تهذيب الكمال 12: 272، سير أعلام النبلاء 11: 408، تهذيب التهذيب 4: 280) وغيرها من المصادر. (3) هو عبد الله بن المبارك الحنظلي، التميمي، مولاهم، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 16: 6، تهذيب التهذيب 5: 382، سير أعلام النبلاء 8: 336) وغيرها من المصادر. (4) سنن النسائي 1: 68 باب غسل الوجه.

[ 248 ]

المناقشة يضعف هذا الطريق بجهالة مالك بن عرفطة في السند، والاضطراب في متنه، حسبما سيأتي الكلام عنه في البحث الدلالي، في تعارض المروى عن عبد خير. الإسناد السادس قال النسائي: أخبرنا عمرو بن علي (1) وحميد بن مسعدة (2)، عن يزيد - وهو ابن زريع (3) - قال: حدثني شعبة، عن مالك بن عرفطة، عن عبد خير، قال: شهدت عليا دعا بكرسي فقعد عليه، ثم دعا بماء في تور فغسل يديه ثلاثا، ثم مضمض واستنشق بكف واحد ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا ويديه ثلاثا ثلاثا، ثم غمس يده في الإناء فمسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: من سره أن ينظر إلى وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهذا وضوءه (4). المناقشة يضعف هذا الطريق كسابقه بجهالة مالك بن عرفطة، وبما جاء عن عبد خير وغيره عن علي في المسح. الإسناد السابع قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي الحلواني (5)، حدثنا الحسين


(1) هو عمرو بن علي بن بحر الباهلي، أبو حفص البصري الصيرفي الفلاس، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 22: 162، سير أعلام النبلاء 11: 470، تهذيب التهذيب 8: 80) وغيرها من المصادر. (2) هو حميد بن مسعدة بن المبارك الباهلي، أبو على، روى له الجماعة سوى البخاري (انظر تهذيب الكمال 7: 395، تهذيب التهذيب 3: 49) وغيرها من المصادر. (3) هو يزيد بن زريع، العيشي، أبو معاوية البصري، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 32: 124، تهذيب التهذيب 11: 325، سير أعلام النبلاء 8: 296) وغيرها من المصادر. (4) سنن النسائي 1: 69 غسل اليدين. (5) تقدمت ترجمته في مرويات ابن عباس الغسلية.

[ 249 ]

ابن علي الجعفي (1)، عن زائدة (2)، حدثنا خالد بن علقمة الهمداني، عن عبد خير، قال: صلى علي رضي الله عنه الغداة، ثم دخل الرحبة، فدعا بماء، فأتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست، قال: فأخذ الإناء بيده اليمنى فأفرغ على يده اليسرى وغسل كفيه [ ثلاثا ] ثم أدخل يده اليمنى في الإناء فتمضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، ثم ساق قريبا من حديث أبي عوانة (3)، قال: ثم مسح رأسه مقدمه ومؤخره مرة، ثم ساق الحديث نحوه (4). المناقشة ويمكن الخدش في هذا الطريق من جهتين: الأولى: من جهة الحلواني على ما تقدم عليك (5). الثانية: أنه معلول بخالد بن علقمة وسيأتي تفصيل البحث عن ذلك لاحقا تحت عنوان " عبد خير وتعارض المروى عنه ". ما رواه زر بن حبيش عنه الإسناد قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة (6)، حدثنا أبو نعيم (7)، حدثنا


(1) هو الحسين بن علي بن الوليد الجعفي، مولاهم، أبو عبد الله ويقال أبو محمد الكوفي المقري، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 6: 449، سير أعلام النبلاء 9: 397، تهذيب التهذيب 2: 357) وغيرها من المصادر. (2) هو زائدة بن قدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي (انظر تهذيب الكمال 9: 273، سير أعلام النبلاء 7: 375، تهذيب التهذيب 3: 306) وغيرها من المصادر. (3) مر عليك في مرويات عبد خير عن علي الغسلية. (4) سنن أبي داود 1: 28 ح 12 باب صفة وضوء النبي (صلى الله عليه وآله). (5) تقدم عليك في مرويات ابن عباس الغسلية. (6) تقدمت ترجمته والكلام عنه في الإسناد من طرق ابن عباس الغسلية. (7) هو الفضل بن دكين، وهو لقب واسمه عمرو بن حماد القريشي التيمي الطلحي، روى له الجماعة أبو نعيم الملائي (انظر تهذيب الكمال 23: 197، سير أعلام النبلاء 10: 142، تهذيب التهذيب 8: 270).

[ 250 ]

ربيعة الكناني (1) عن المنهال بن عمرو (2)، عن زر بن حبيش (3)، أنه سمع عليا رضي الله عنه. وسئل عن وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فذكر الحديث، وقال: ومسح على رأسه حتى لما يقطر، وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) (4). المناقشة يضعف هذا الطريق بالمنهال بن عمرو، لذم أساطين العلم له، كشعبة والقطان وابن معين وابن حزم وأحمد بن حنبل وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ترك شعبة المنهال بن عمرو على عمد (5). وقال عبد الله: سمعت أبي يقول: أبو بشر أحب الي من المنهال بن عمرو، قلت له: أبو بشر أحب إليك من المنهال بن عمرو؟ قال: نعم شديدا، أبو بشر أوثق إلا أن المنهال أسن (6). وقال: المفضل بن غسان الغلابي: سمعت يحيى بن معين، وذكر حديث الأعمش عن المنهال بن عمرو، وكان يحيى بن معين يضع من شأن منهال بن عمرو (7).


(1) هو ربيعة بن عتبة الكناني الكوفي، روى له أبو داود والنسائي (انظر تهذيب الكمال 9: 131، تهذيب التهذيب 3: 259، تاريخ البخاري الكبير 3: 991) وغيرها من المصادر. (2) هو المنهال بن عمرو الأسدي، أسد خزيمة، مولاهم الكوفي، روى له البخاري أو أصحاب السنن (انظر تهذيب الكمال 28: 568، تهذيب التهذيب 10: 319، سير أعلام النبلاء 5: 184) وغيرها من المصادر. (3) هو زر بن حبيش بن حياشة الأسدي، أبو مريم، ويقال مطرف الكوفي، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 9: 336، سير إعلام النبلاء 4: 166، تهذيب التهذيب 3: 321) وغيرها من المصادر. (4) سنن أبي داود 1: 28 ح 114، باب صفحة وضوء النبي (صلى الله عليه وآله). (5) الجرح والتعديل 8: الترجمة 1634، تهذيب الكمال 28: 570، الضعفاء لابن الجوزي 3: 142، الضعفاء للعقيلي 4: 136 وغيرها. (6) تهذيب الكمال 28: 571، ميزان الاعتدال 4: الترجمة 80806. (7) تهذيب الكمال 28: 571.

[ 251 ]

وقال في موضع آخر: ذم يحيى بن معين المنهال بن عمرو (1). وقال ابن حزم: ليس بالقوي (2). وغمزه يحيى بن سعيد القطان كأنه يحط من شأنه وكأنه ضعفه (3). وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدثنا سليمان بن أبي شيخ، قال: حدثني عمرو ابن عمر الحنفي، عن إبراهيم بن عبيد الطنافسي - أخي محمد بن عبيد - قال: وقف المغيرة - صاحب ابراهيم - على يزيد بن أبي زياد، وكانا يصليان جميعا في مسجد واحد بالكوفة، وقال: ألا تعجب من هذا الأحمق، الأعمش، إني نهيته أن يروي عن المنهال بن عمرو وعن عباية، ففارقني على أن لا يفعل، ثم هو يروي عنهما، نشدتك بالله هل كانت تجوز شهادة المنهال على درهمين؟!! قال: اللهم لا. قال: فنشدتك، هل كانت تجوز شهادة عباية على درهمين؟!! قال: اللهم لا (4). وقال الذهبي في المغني: إنما تركه شعبة، لأ نه سمع من بيته طنبورا فرجع، ولم يسمع منه (5). وقال الجوزجاني - إبراهيم بن يعقوب في الضعفاء - سئ المذهب (6). وقد أورده ابن الجوزي (7) والعقيلي في ضعفائهما، وكذا ابن عدي في الكامل (8)، والذهبي في الديوان (9).


(1) تهذيب الكمال 28: 571. (2) المحلى، لابن حزم 1: 22. (3) انظر الكامل في الضعفاء (الهامش) 6: 330. (4) تهذيب الكمال 28: 571. (5) المغني في الضعفاء 2: الترجمة 6450، سير أعلام النبلاء 5: 184، تهذيب التهذيب 10: 320، هامش الضعفاء لابن الجوزي 2: 142. (6) ميزان الاعتدال 4: 192، تهذيب الكمال 28: 572. (7) الضعفاء، لابن الجوزي 3: 140. (8) الكامل في الضعفاء 6: 330. (9) ديوان الضعفاء 2: 381 الترجمة 4254.

[ 252 ]

وبعد هذا فمن المجازفة الاحتجاج بمروياته، وخصوصا بعد ظهور عبثه بالطنبور الذي هو من الآلات الحرام والتذاذه بألحانه، والذي يزيد الطين بلة أن المنهال - طبق هذا المروي - قد تجاهر بذنبه بحيث كان يسمع صوت الطنبور كل من يجتاز بيته، وهذا يلزم منه الفسق المتجاهر به، ويدل عليه أن شعبة سمع طنبوره من بيته لا في بيته، وهذا يقتضي أن شعبة سمعه من خارج البيت. ومعناه أن المنهال كان لا يعبأ بمن يسمعه. وأما ما قاله الذهبي - بصدد الدفاع عنه -: " وهذا لا يوجب غمز الشيخ ". فهو من مخاريق القول وسقطات الرأي، إذ كيف لا يوجب هذا غمزا في الشيخ والطنبور من الآلات المحرمة. أقال هذا الذهبي وهو يعتقد بأن الطنبور ليس من الآلات الحرام خلافا للفقهاء؟! أم أ نه أراد تصحيح هذا الفعل ببعض الأحاديث الموضوعة المنسوبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وأنه أجاز العزف بآلات اللهو عنده، وأن مزمار الشيطان كان في بيته!! أم له أدلة اخرى. إن دفاع الإمام الذهبي بهذا النحو البسيط غير مقبول منه، لأنه لم يستند في الاعتذار عن المنهال بشئ يستحق الإلتفات إليه!!. د - ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه الإسناد قال أبو داود: حدثنا زياد بن أيوب الطوسي (1)، حدثنا عبيدالله


(1) هو زياد بن البغدادي، أبو هاشم، المعروف بدلويه طوسي الأصل، روى عنه البخاري والترمذي والنسائي وأبو داود. (أنظر تهذيب الكمال 9: 432، وسير أعلام النبلاء 12: 120، تهذيب التهذيب 3: 325) وغيرها من المصادر.

[ 253 ]

ابن موسى (1)، حدثنا فطر (2)، عن أبي فروة (3)، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (4)، قال: رأيت عليا رضي الله عنه توضأ فغسل وجهه ثلاثا، وغسل ذراعية ثلاثا، ومسح برأسه واحدة، ثم قال: هكذا توضأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) (5). المناقشة يضعف هذا الطريق من عدة جهات: الأولى: من جهة عبيد الله بن موسى، الذي لينه كثير من أهل العلم: قال أبو الحسن الميموني: ذكر عند أحمد بن حنبل عبيدالله بن موسى، فرأيته كالمنكر له، قال: كان صاحب تخليط وحدث بأحاديث سوء، أخرج تلك البلايا فحدث بها، قيل له: فابن فضيل؟ قال: لم يكن مثله، كان أشد منه، وأما هو فأخرج تلك الأحاديث الردية (6). وقال يعقوب بن سفيان: شيعي، وإن قال قائل: رافضي، لم أنكر عليه، وهو منكر الحديث (7). وقال الحاكم: سمعت قاسم بن قاسم السياري، سمعت أبا مسلم البغدادي الحافظ


(1) هو عبيدالله بن موسى بن أبي المختار العبسي، مولاهم، أبو محمد الكوفي (انظر تهذيب الكمال 19: 164، ميزان الاعتدال 2: الترجمة 5400، سير أعلام النبلاء 9: 553، تهذيب التهذيب 7: 50) وغيرها. (2) هو فطر بن خليفة القرشي المخزومي، أبو بكر الكوفي الحناط، مولى عمرو بن حريث (انظر تهذيب الكمال 23: 312، تهذيب التهذيب 8: 300، سير أعلام النبلاء 7: 30) وغيرها من المصادر. (3) هو مسلم بن سالم النهدي، أبو فروة الكوفي الأصغر، ويعرف بالجهنى، روى له الجماعة سوى الترمذي (انظر تهذيب الكمال 27: 515، تهذيب التهذيب 10: 130، ميزان الاعتدال 4: الترجمة 8489) وغيرها من المصادر. (4) هو عبد الرحمن بن أبي ليلى الانصاري الأوسي، أبو عيسى الكوفي، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 17: 372، تهذيب التهذيب 6: 260، سير أعلام النبلاء 4: 262) وغيرها من المصادر. (5) سنن أبي داود 1: 28 / 115 باب صفحة وضوء النبي (صلى الله عليه وآله). (6) تهذيب الكمال 19: 168. (7) تهذيب التهذيب 7: 53.

[ 254 ]

يقول: عبيدالله بن موسى من المتروكين (1). وقال يحيى بن معين:... ليس بالقوي (2). وقال أحمد: روى مناكير، ولقد رأيته بمكة فأعرضت عنه (3). ولأجل هذه الأقوال وغيرها ذكره الذهبي في الميزان (4) والديوان والمغني (5) كما أن العقيلي (6) وغيره أدرجوه في الضعفاء. الثانية: من جهة فطر بن خليفة. قال الساجي: صدوق ثقة، ليس بمتقن (7). وقال أبو بكر بن عياش: ما تركته إلا لسوء مذهبه (8) وقال أحمد: خشبي مفرط (9). وقال السعدي: زائغ غير ثقة (10). وقال الدارقطني: زائغ ولم يحتج به البخاري (11). وقال أحمد بن يونس: كنت أمر به وأدعه مثل الكلب (12). وهذه التجريحات هي التي دعت الذهبي لأن يورده في الديوان والمغني (13) والميزان (14) وكذا ابن الجوزي (15).


(4) ميزان الاعتدال 2: الترجمة 5400. (5) ديوان الضعفاء الترجمة 2711، المغني في الضعفاء 2: الترجمة 3952 (كما في هامش تهذيب الكمال 19: 164). (6) الضعفاء الكبير للعقيلي 3: 127. (7) تهذيب التهذيب 8: 301. (8) ميزان الاعتدال 23: 364. (9) تهذيب التهذيب 8: 302، ميزان الاعتدال 3: 364. (10) تهذيب التهذيب 8: 302. (11) تهذيب التهذيب 8: 302، ميزان الاعتدال 3: 364. (12) ميزان الاعتدال 3: 364، تهذيب التهذيب 8: 301. (13) المغني في الضعفاء 2: الترجمة 4966، ديوان الضعفاء الترجمة 3395 (انظر هامش تهذيب الكمال 23: 312). (14) ميزان الاعتدال 3: 364. (15) الضعفاء لابن الجوزي 3: 10.

[ 255 ]

الثالثة: من جهة عبد الرحمن بن أبي ليلى، وذلك لسوء حفظه، ولكونه مدلسا. فأما سوء حفظه، فقد وردت فيه عدة تصريحات: قال أحمد بن حنبل: كان سئ الحفظ (1). وقال أحمد أيضا: كان يحيى بن سعيد يشبه مطر الوراق بابن أبي ليلى، يعنى في سوء الحفظ (2). وقال الترمذي: قال أحمد: لا يحتج بحديث ابن أبي ليلى (3). وقال البزار: ليس بالحافظ (4). وقال الدار قطني: ردي الحفظ، كثير الوهم (5). وأما تدليسه فكان من التدليس القبيح، لتحديثه عن عدد من الصحابة مع أ نه لم يسمع منهم (6)، وخاصة الخليفة عمر بن الخطاب. قال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: يصح لابن أبي ليلى سماع من عمر؟ قال: لا (7). وقال ابن أبي خيثمة: وقد روي سماعة من عمر من طرق، وليس بصحيح (8). وقال الخليلي في الإرشاد: الحفاظ لا يتثبتون سماعه من عمر (9). وقال ابن محرز: لم يسمع من عمر شيئا قط (10). وقال ابن معين: لم يسمع من عمر ولا من المقداد ولا من عثمان (11). وقال أبو داود: لا أدري أيصح سماعه من عمر أم لا؟ وقد رأيت من يدفعه -


(1 - 2) العلل لابن حنبل 1: 116 (انظر هامش تهذيب الكمال 17: 377). (3) انظر هامش تهذيب الكمال 17: 377. (4) المصدر نفسه. (5) سنن الدار قطني 2: 263. (6) كتحديثه عن معاذ بن جبل، والمقداد، وأبو بكر، وبلال، وعثمان (انظر المراسيل: 108 وهامش تهذيب الكمال 17: 374). (7) المراسيل: 108. (8) تهذيب التهذيب 6: 262. (9) المصدر نفسه. (10) هامش تهذيب الكمال 17: 376. (11) تهذيب التهذيب 7: 212.

[ 256 ]

أي السماع - (1). وقال الدوري: سئل يحيى بن معين عن ابن أبي ليلى عن عمر، فقال: لم يره (2). والمطالع حينما يقف على نص لابن أبي ليلى عن عمر وهو يصف مشاهدة حسية عنه - مع عدم ثبوت سماعه عنه - فيقول: رأيت عمر يمسح، ورأيت عمر حين رأى الهلال (3)، وأمثالها، يعرف شناعة هذا الفعل القبيح منه. وقد يقال في نقض الكلام السابق: أ نه لا مانع من أن يكون قد رأى عمر، غاية الأمر أنه لم يسمع منه، فعدم سماعه منه شئ ورؤيته له شئ آخر. فإن قيل هكذا قلنا: بأن ابن أبي ليلى مضافا إلى ثبوت عدم سماعه من عمر عند المحققين فهو لم يره أيضا، على ما هو صريح ابن معين، حيث سئل عن ابن أبي ليلى عن عمر، فقال: لم يره، فقيل له: الحديث الذي يروي " كنا مع عمر نتراءى الهلال "؟ فقال: ليس بشئ (4). وقال الآجري: قلت لأبي داود: سمع من عمر؟ قال: لا أدري يصح أم لا؟ قال: رأيت عمر يمسح، ورأيت عمر حين رأى الهلال، قال أبو داود: وقد رأيت من يدفعه (5). وبعد كل ما تقدم يمكننا أن نقول: إن هذا هو التدليس الذي أجمع أهل القبلة على عدم اعتباره وعدوه من الكذب الصريح، وعلى ذلك: لا يمكن الإعتماد على رواية سندها هكذا. والحاصل: إن هذا الطريق بين ضعفه، ظاهر خلله، فلا يمكن الاحتجاج به. على أن الرواية لم يذكر فيها حكم الرجلين لا مسحا ولا غسلا، فتأمل!!


(1) هامش تهذيب الكمال 17: 376. (2 - 3) هامش تهذيب الكمال 17: 374. (4) تهذيب الكمال 17: 376. (5) سؤالات الآجري، لأبي داود 3: 193 كما في هامش تهذيب الكمال 17: 374. (

[ 257 ]

ه‍ - ما حكاه الخولاني عن ابن عباس: أن عليا علمه الوضوء. الإسناد قال أبو داود: حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني (1)، حدثنا محمد - يعني ابن سلمة (2) - عن محمد بن إسحاق (3)، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة (4)، عن عبيدالله الخولاني (5)، عن ابن عباس، قال: دخل علي علي - يعني ابن أبي طالب - وقد أهراق الماء فدعا بوضوء، فأتيناه بتور فيه ماء حتى وضعناه بين يديه، فقال: يا ابن عباس، ألا أريك كيف كان يتوضأ رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قلت: بلى. قال: فأصغى الإناء على يده فغسلها، ثم أدخل يده اليمنى فأفرغ بها على الأخرى [ ثم غسل كفيه ] ثم تمضمض واستنثر، ثم أدخل يديه في الإناء جميعا فأخذ بهما حفنة من ماء فضرب بها على وجهه، ثم ألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه، ثم الثانية، ثم الثالثة مثل ذلك، ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء فصبها على ناصيته فتركها تستن على وجهه، ثم غسل ذراعيه إلى المرفقين ثلاثا ثلاثا، ثم مسح رأسه


(1) هو عبد العزيز البكائي، أبو الإصبع الحراني، مولى بني البكاء، روى له أبو داود والنسائي (انظر تهذيب الكمال 18: 215، تهذيب التهذيب 6: 362، والضعفاء للعقيلي 3: 20) وغيرها من المصادر. (2) هو محمد بن سلمة الباهلي، مولاهم، أبو عبد الله الحراني، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 25: 289، تهذيب التهذيب 9: 193، الجرح والتعديل 7 الترجمة 1494) وغيرها من المصادر. (3) هو محمد بن إسحاق بن يسار، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 24: 405، تهذيب التهذيب 9: 38، سير أعلام النبلاء 7: 33) وغيرها من المصادر. (4) هو محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، روى له أبو داود والنسائي وابن ماجة (انظر تهذيب الكمال 25: 421 وتهذيب التهذيب 9: 239، الجرح والتعديل 7 الترجمة 687) وغيرها من المصادر. (5) هو عبيدالله بن الاسود الخولاني، ربيب ميمونة زوج النبي (صلى الله عليه وآله)، روى له الجماعة سوى الترمذي وابن ماجة (انظر تهذيب الكمال 19: 60، تهذيب التهذيب 7: 3) وغيرهما من المصادر.

[ 258 ]

وظهور أذنيه، ثم أدخل يديه جميعا فأخذ حفنة من ماء فضرب بها على رجله وفيها النعل ففتلها بها، ثم الأخرى مثل ذلك، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قال قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين (1). المناقشة يضعف هذا الطريق من جهتين: الأولى: من جهة عبد العزيز الحراني - شيخ أبي داود - حيث ذكره البخاري في الضعفاء (2). قال ابن حجر: صدوق ربما يهم (3). وقال أبو حاتم: صدوق (4). وقال ابن عدي: لا بأس برواياته (5). ويظهر من كلام الذهبي في الميزان التوقف في توثيقه (6)، وقد ذكره في المغني (7) والديوان (8)، وأورده العقيلي (9) وغيره في الضعفاء. الثانية: من جهة محمد بن إسحاق الذي توقف الرجاليون في توثيقه، بل صدرت منهم في حقه جروحات كثيرة، منها: قول مالك: دجال من الدجاجلة (10).


(1) سنن أبي داود 1: 29 ح 117 باب صفحة وضوء النبي (صلى الله عليه وآله). (2) انظر ميزان الاعتدال 2: 638. (3) تقريب التهذيب 1: 512. (4) تهذيب الكمال 18: 216، الجرح والتعديل 5: الترجمة 1852. (5) الكامل (لابن عدي) 5: 292. (6) ميزان الاعتدال 2: 635. (7) المغني في الضعفاء 2: الترجمة 3761. (8) ديوان الضعفاء الترجمة 2579. (9) الضعفاء الكبير للعقيلي 3: 30. (10) تهذيب الكمال 24: 415، سير أعلام النبلاء 7: 38، تهذيب التهذيب 9: 41.

[ 259 ]

وقال الجوزجاني: يرمى بغير نوع من أنواع البدع (1). وقال أحمد بن حنبل: كان يدلس (2)، وقال أيضا: ليس بحجة (3). وقال ابن أبي خيثمة: قال ابن معين: ليس بذاك، ضعيف (4)، وعن ابن أبي خيثمة. عن ابن معين: سقيم ليس بالقوي (5). وقال الميموني، قال ابن معين: ضعيف (6). وروى أبو زرعة النصيري عن يحيى: ثقة وليس بحجة (7)، ومثله الدوري عن يحيى (8). وقال النسائي: ليس بالقوي (9). وقال الدار قطني: لا يحتج به (10). وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ليس عندي في الحديث بالقوي، ضعيف الحديث (11). وقال هشام بن عروة: ابن إسحاق كذاب (12). وقال أبو داود الطيالسي: ما رويت عنه إلا بالاضطرار (13). وكان يحيى بن سعيد: يضعفه (14).


(1) تهذيب الكمال 24: 418، تهذيب التهذيب 9: 43. (2) تهذيب الكمال 24: 421، تاريخ بغداد 1: 430. (3) سير أعلام النبلاء 7: 46، تهذيب الكمال 24: 422، تاريخ بغداد 1: 230. (4 - 5) تهذيب الكمال 24: 423، تاريخ بغداد 1: 232، سير أعلام النبلاء 7: 46. (6 - 7) تهذيب الكمال 24: 422، سير أعلام النبلاء 7: 47، تاريخ بغداد 1: 231. (8) تهذيب الكمال 24: 422، حكاه عن تاريخ الدوري 2: 505 وسير أعلام النبلاء 7: 47. (9) تهذيب الكمال 24: 424، الضعفاء للنسائي الترجمة 513 وتهذيب التهذيب (10) سير أعلام النبلاء 7: 54. (11) الجرح والتعديل 7 الترجمة 1087 وانظر هامش تهذيب الكمال 24: 428. (12) سير أعلام النبلاء 7: 54. (13) سير أعلام النبلاء 7: 52. (14) سير أعلام النبلاء 7: 52.

[ 260 ]

واتهمه يحيى بالكذب وقال: تركت ابن إسحاق متعمدا (1). والحاصل: فإن الطريق - الذي فيه راو كهذا - يسقط عن الإعتماد والحجية ببعض الأقوال المتقدمة فكيف بكلها؟! و - ما روى عن الحسين بن علي عنه الإسناد قال النسائي: أخبرنا إبراهيم بن الحسن المقسمي (2)، قال: أنبأنا حجاج (3)، قال: قال ابن جريح: حدثني شيبة أن محمد بن علي أخبره، قال: أخبرني أبي علي، أن الحسين بن علي قال: دعاني أبي علي بوضوء، فقربته له، فبدأ فغسل كفيه ثلاث مرات قبل أن يدخلهما في وضوءه، ثم مضمض ثلاثا واستنثر ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا، ثم اليسرى كذلك، ثم مسح برأسه مسحة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثا، ثم اليسرى كذلك، ثم قام قائما فقال: ناولني، فناولته الإناء الذي فيه فضل وضوئه فشرب من فضل وضوئه قائما، فعجبت، فلما رآني قال: لا تعجب، فإني رأيت أباك النبي 9 يصنع مثل ما رأيتني صنعت يقول لوضوئه هذا، وشرب فضل وضوئه قائما (4). المناقشة يتكلم في هذا الطريق من جهتين: الأولى: من جهة حجاج بن محمد المتكلم في حفظه وضبطه، فقد روى إبراهيم


(1) سير أعلام النبلاء 7: 52. (2) الخثعمي، أبو إسحاق المصيصي المعروف بالمقسمي، لم يرو له أصحاب الصحاح، نعم روى له الترمذي والنسائي (انظر تهذيب الكمال 2: 72). (3) هو حجاج بن محمد المصيصي، أبو محمد الاعور، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 5: 451، التاريخ الكبير للبخاري 2: الترجمة 2840، سير أعلام النبلاء 9: 447، تهذيب التهذيب 2: 205) وغيرها من المصادر. (4) سنن النسائي 1: 69 باب صفحة الوضوء.

[ 261 ]

الحربي أن حجاجا لما قدم بغداد آخر مرة خلط، فرآه ابن معين يخلط فقال لابنه: لا يدخل عليه أحد (1). وقال ابن سعد: كان قد تغير في آخر عمره حين رجع إلى بغداد (2). الثانية: إن شيبة في هذا السند مجهول، ويدل على جهالته ما رواه ابن جرير، عن علي بن مسلم، عن أبي عاصم، عن ابن جريح، عن شيبة - ولم ينسبه - وقال: شيبة مجهول (3). وقال ابن حبان: شيبة شيخ يروي عن أبي جعفر محمد بن علي، وعنه ابن جريح، إن لم يكن ابن نصاح فلا أدري من هو (4). وقال البخاري: شيبة سمع محمد بن علي، حدثني أبو حفص بن علي أخبرنا أبو عاصم، أنبأنا ابن جريح، أخبرني شيبة أن محمد بن علي أخبره عن حسين بن علي أخبره أنه رأى عليا توضأ ثلاثا، قال: رأيت أباك يفعله (5). وهذه الأقوال لا تثبت اتحاد شيبة المجهول مع شيبة بن نصاح، عند البخاري وغيره، لأ ن البخاري حينما ترجم لشيبة في تاريخه الكبير ذكر قبله شيبة ابن نصاح (6)، وهو دليل على أ نهما اثنان، لإفراد الترجمة لكل واحد منهما دون الإشارة إلى اتحادهما، فلو كانا متحدين لأشار إلى هذا، وحينما لم يفعل علمنا أن الثاني غير الأول. وإذا ثبت أنهما اثنان أو احتمل ذلك فيهما، ثبت أن شيبة مجهول لا يصح الاحتجاج به. نعم استظهر ابن حجر كونهما متحدين، مستدلا على ذلك بقوله: (إن أبا قرة موسى بن طارق روى هذا الحديث عن ابن جريح، قال: حدثني شيبة


(1) تهذيب الكمال 5: 456، ميزان الاعتدال 1: 464، سير أعلام النبلاء 9: 449. (2) تهذيب الكمال 5: 456، سير أعلام النبلاء 9: 449. (3) حكاه ابن حجر في تهذيب التهذيب 4: 377 عن تهذيب ابن جرير. (4) الثقات لابن حبان، حكاه عنه ابن حجر في تهذيب التهذيب 4: 377. (5) التاريخ الكبير 4 الترجمة 2663. (6) التاريخ الكبير 4 الترجمة 2663.

[ 262 ]

ابن نصاح...) (1). إلا أن هذا الاستظهار يرد عليه أن موسى بن طارق لا يمكن الاحتجاج به هكذا ببساطة فقد ذكره الذهبي في الميزان وقال: قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج (2). وقال أبنه عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال أبي: محله الصدق (3). وذكره ابن حبان في كتاب الثقات إلا أنه قال: يغرب (4). والعجيب أن ابن حجر - نفسه - ذكره في التقريب وقال: ثقة يغرب (5). مضافا إلى ذلك فان الدار قطني قال: روى أبو عاصم وأبو قرة عن ابن صريح أنه قال: أخبرني شيبة، ويقال هو شيبة بن أبي راشد... (6). وشيبة بن أبي راشد هذا مجهول الحال أو مهمل، إذ لم نعثر له على ترجمة في كتب الرجال المعتمدة، فعلى هذا فإن إشكال كون شيبة مجهول وأنه ليس ابن نصاح مستحكم. فنتساءل: مع اعتراف ابن حجر بإغراب موسى، فلم لا يحتمل أن تكون روايته هذه غريبة كذلك؟! فالحاصل: أن شيبة في هذا الطريق مجهول لعدم ثبوت كونه ابن نصاح، فيكون مجهولا، فلا يمكن الاحتجاج بما يرويه إذا.


(1) تهذيب التهذيب 4: 377. (2) ميزان الاعتدال 4: الترجمة 8882. (3) الجرح والتعديل 8 الترجمة 669. (4) انظر الثقات لابن حبان 9: 159، الجرح والتعديل 8 الترجمة 669. (5) تقريب التهذيب 2: 284. (6) علل الدار قطني 3: 100 س 303.

[ 263 ]

الخلاصة تحصل مما سبق أن من روي عنهم الغسل عن علي بن أبي طالب، هم: - أبو حية الوادعي - عبد خير بن يزيد - زر بن حبيش الأسدي - عبد الرحمن بن أبي ليلى - عبد الله بن عباس - الحسين بن علي فأما أخبار أبي حية الوادعي فلا يمكن الاعتماد عليها، لجهالة أبي حية، على ما هو صريح ابن المديني، وأبي الوليد الفرضي، وأبي زرعة، والذهبي، وغيرهم، ولورود أبي إسحاق السبيعي المدلس (1) في الخبر وعنعنته عن أبي حية مع عدم وجود سماع له عن أبي حية في مكان آخر من الكتب التسعة، ويضاف إليه وجود زكريا ابن أبي زائدة المدلس في طريق النسائي الثاني (رقم 3) وهو ليس بمستقيم السماع عن أبي إسحاق، لاحتمال روايته عنه بعد الكبر وعند التغير والاختلاط. وأما خبر عبد خير فهو الآخر لا يمكن الاعتماد عليه لأنه معارض بأخبار مسحية أخرى. قد رواها عبد خير نفسه عن علي بن أبي طالب، ولوجود أبي عوانة الأمي الذي تغير بأخرة - كما في الإسناد الأول منه (طريق أبي داود) والثاني (طريق النسائي) ولوجود الخلال الحلواني وزائدة في الإسناد السابع (طريق أبي داود) وهما ممن تكلم فيهما، ولوجود محمد بن المثنى الذي لا يعتمد على مروياته إلا بعد النظر، ومحمد بن جعفر - المعروف بغندر - الذي اشتهر بكثرة نسيانه وبلادته، ولجهالة مالك بن عرفطة في الإسناد الرابع (طريق أبي داود) والنسائي الإسناد الخامس والسادس. وأما خبر زر بن حبيش الأسدي، فقد ضعف بالمنهال بن عمرو الذي ذم من قبل أساطين العلم كشعبة والقطان وابن معين وابن حزم وأحمد بن حنبل وغيرهم،


(1) كما هو صريح ابن حبان والكرابيسي والطبرسي وابن حجر وغيرهم.

[ 264 ]

وقد أورده ابن الجوزي والعقيلي في الضعفاء وابن عدي في الكامل والذهبي في الديوان. وأما ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى، فقد ضعف لسوء حفظه وتدليسه، ولوجود عبيد الله بن موسى الذي لينه كثير من أهل العلم، ولوجود فطر بن خليفة المضعف عند الكثير. وأما ما روي عن ابن عباس عن علي فقد ضعف من عدة جهات: الأولى: لوجود محمد بن إسحاق المضعف من قبل يحيى بن سعيد وابن معين وأحمد بن حنبل والنسائي والدارقطني ومالك وابن أبي حاتم والجوزجاني وابن أبي خيثمة وأبي داود الطيالسي وغيرهم. الثانية: لوجود عبد العزيز الحراني - شيخ أبي داود - الذي لا يؤخذ بروايته إلا بعد النظر، وقد أورده الذهبي في المغني والميزان والديوان، والعقيلي في الضعفاء، وقال عنه ابن حجر: صدوق ربمايهم. الثالثة: لمعارضته مع الثابت الصريح من سيرة ابن عباس وعلي بن أبي طالب، ولعدم منطقية صدور الوضوء التعليمي لابن عباس وهو ابن عم النبي (صلى الله عليه وآله) المقرب منه، وحبر الأمة! وأما ما روي عن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه، فهو الآخر مما لا يعتمد عليه، وذلك لوجود حجاج بن محمد المطعون في حفظه وضبطه وتغيره في آخر عمره، ولجهالة شيبة في الخبر، ولتعارض المتن مع الثابت المحفوظ من سيرة الطالبيين ووضوء الإمام علي بن أبي طالب. كان هذا إجمال نتائج البحث عن الطرق الغسلية عن علي بن أبي طالب.

[ 265 ]

علي بن أبي طالب وروايات المسح

[ 267 ]

بعد أن بينا حال الطرق الغسلية عن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، صار لابد من بيان حال الطرق المسحية عن علي. والباحث المتتبع لأسانيد مرويات علي الغسلية يعلم بأن أحسن الطرق فيها هي رواية عبد خير عن علي بن أبي طالب وهذه الرواية معارضة بما جاء عنه في المسح، فالبحث إذن يفرض علينا أن نرى رواياته المسحية لنعلم قيمتها ومدى حجيتها. وإليك روايات عبد خير المسحية كي تقف على حقيقة الحال: أ - مرويات عبد خير المسحية الإسناد الأول قال الحميدي: حدثنا سفيان (1)، حدثني أبو السوداء (2) - عمرو النهدي - عن ابن عبد خير (3) عن أبيه (4) قال: رأيت علي بن أبي طالب يمسح ظهور قدميه، ويقول: لولا أني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسح على ظهورهما لظننت أن بطونهما أحق (5).


(1) هو سفيان بن عيينة، الإمام المعروف، أبو محمد الكوفي، احتج به الجماعة وغيرهم (انظر تهذيب الكمال 12: 178، سير أعلام النبلاء 8: 400، تهذيب التهذيب 4: 117) وغيرها من المصادر. (2) هو عمرو بن عمران، أبو السوداء النهدي الكوفي، احتج به النسائي وأبو داود (انظر تهذيب الكمال 22: 171، تهذيب التهذيب 8: 84، التاريخ الكبير للبخاري 6: الترجمة 2634) وغيرها من المصادر. (3) هو المسيب بن عبد خير الهمداني، احتج به أبو داود والنسائي (انظر تهذيب الكمال 27: 588، التاريخ الكبير للبخاري 7: الترجمة 1788، تهذيب التهذيب 10: 153) وغيرها من المصادر. (4) هو عبد خير بن يزيد، أبو عمارة الكوفي روى له أصحاب السنن الأربعة (انظر تهذيب الكمال 16: 47، تهذيب التهذيب 6: 124) وغيرها من المصادر. (5) مسند الحميدى 1: 26 ح 47.

[ 268 ]

الإسناد الثاني قال عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا إسحاق (1)، حدثنا سفيان، عن أبي السوداء، عن ابن عبد خير، عن أبيه، قال: رأيت عليا توضأ فمسح ظهورهما (2). المناقشة وهذان الإسنادان صحيحان وليس ثمة ما يوجب الطعن فيهما، فرواتهما من أهل الصدق والأمانة، عدول ثقات، ضابطون، غير مخلطين... فأما الحميدي وسفيان بن عيينة وعبد الله بن أحمد بن حنبل. فهم أئمة لا يحتاجون إلى مزيد بيان. وأما أبو السوداء فهو ثقة، على ما هو صريح كثير من أهل العلم. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ثقة (3). وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: ثقة (4). وقال ابن حجر في التقريب: ثقة (5). وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس (6). ووثقه ابن نمير وغيره (7). وأما ابن عبد خير (المسيب) فقد وثقه ابن حبان (8). وقال إسحاق بن منصور،


(1) هو مردد بين الأيلي والطالقاني، والترديد هنا غير مضر لأن كلا هما ثقة، محتج به (انظر تهذيب الكمال 2: 408 - 411 وج 1: 437 وج 14: 286). (2) مسند احمد بن حنبل 1: 124. (3) تهذيب الكمال 22: 172. (4) المصدر نفسه والجرح والتعديل 6 الترجمة 1389. (5) تقريب التهذيب 2: 75. (6) تهذيب الكمال 22: 172، الجرح والتعديل 6 الترجمة 1389. (7) انظر هامش تهذيب الكمال 22: 173. (8) الثقات لابن حبان 7: 497.

[ 269 ]

عن يحيى بن معين: ثقة (1). وقال ابن حجر في التقريب: ثقة (2). وأما إسحاق بن إسماعيل فلم نعثر على قول تناوله بسوء، بل نص أهل العلم على توثيقه: قال يعقوب بن شيبة: كان يحيى بن معين يوثق إسحاق بن إسماعيل جدا (3). وقال أبو داود: ثقة (4)، وكذا قال الدارقطني (5). وقال عثمان بن خرزاد: ثقة، ثقة (6). وأما عبد خير فالحديث عنه تحصيل للحاصل، إذ هو ثقة عند جميع الأئمة. نعم ذكر ابن حجر في التهذيب أن الأزدي ضعفه (7)، ولكن تضعيفه هذا لم يتابعه عليه أحد، على أ نه تضعيف غير مفسر، فلا يعارض توثيق أهل العلم له، وقد بينا سابقا أن التعديل لا يعارضه الجرح غير المفسر وإن كثرة عدد الجارحين، فكيف بانفراد الأزدي هنا!! الإسناد الثالث قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني أبي، حدثنا وكيع (8)، حدثنا الأعمش (9)، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن علي رضي الله عنه: قال: كنت أرى أن باطن القدمين أحق باالمسح من ظاهرهما، حتى رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمسح ظاهرهما (10).


(1) تهذيب الكمال 27: 589، الجرح والتعديل 8 الترجمة 1350. (2) تقريب التهذيب 2: 250. (3 - 7) تهذيب الكمال 2: 412، تاريخ بغداد 6: 336. (6) تهذيب الكمال 2: 412. (7) تهذيب التهذيب 10: 154. (8) هو وكيع بن الجراح الرواسي، أبو سفيان الكوفي، احتج به الجماعة وغيرهم (انظر تهذيب الكمال 30: 462، سير أعلام النبلاء 9: 140، تهذيب التهذيب 11: 123) وغيرها من المصادر. (9) سيأتي الحديث عنه في الإسناد الخامس الآتي. (10) مسند أحمد بن حنبل 1: 95.

[ 270 ]

المناقشة في هذا الطريق وكيع بن الجراح، وشهرته عند أهل الحديث أبين من النهار وأوضح من الشمس، ومثله حال باقي رجال السند اللهم إلا أن يقال: إن هذا السند لا يمكن الاحتجاج به بسبب عنعنة أبي إسحاق السبيعي المدلس عن عبد خير، وعدم تصريحه بالسماع عنه في مكان آخر، وهذا ما يجعل الإسناد منقطعا، فلا يمكن الاحتجاج به. لكن يقال في جواب هذا الاعتراض: إن الكلام المتقدم صحيح، فيما لو أخذ هذا الطريق لوحده، لكن واقع الحال أن لهذا الطريق أكثر من تابع صحيح - على ما تقدم وسيأتي - فالطريق إذن يمكن تصحيحه لا بنفسه بل لوجود التابع الصحيح له. الإسناد الرابع قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني أبي، حدثنا إسحاق بن يوسف (1)، عن شريك (2)، عن السدي (3)، عن عبد خير، قال: رأيت عليا رضي الله عنه دعا بماء ليتوضأ فتمسح به تمسحا، ومسح على ظهر قدميه، ثم قال: هذا وضوء من لم يحدث، ثم قال: لولا إني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسح على ظهر قدميه، رأيت أن بطونهما أحق، ثم شرب فضل وضوئه وهو قائم، ثم قال: أين الذين يزعمون أ نه لا ينبغي لأحد أن يشرب قائما (4).


(1) هو إسحاق بن يوسف، القرشي، المخزومي، أبو محمد الواسطي المعروف بالأزرق، احتج به الجماعة (انظر تهذيب الكمال 2: 496، تاريخ بغداد 6: 330، لابن سعد 7: 62) وغيرها من المصادر. (2) هو شريك بن عبد الله النخعي، روى له الجماعة، إلا أن البخاري أخرج له استشهادا ومسلم في المتابعات (انظر تهذيب الكمال 12: 462، تهذيب التهذيب 4: 333، سير أعلام النبلاء 8: 178) وغيرها من المصادر. (3) هو إسماعيل بن عبد الرحمن السدى، أبو محمد القرشي الكوفي، الأعور، احتج به الجماعة غير أن البخاري لم يخرج له شيئا (انظر تهذيب الكمال 3: 132، سير أعلام النبلاء 5: 264، الجرح والتعديل 1 الترجمة 184) وغيرها من المصادر. (4) مسند أحمد بن حنبل 1: 116.

[ 271 ]

وأخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار (1)، عن محمد بن الأصبهاني (2)، قال: أخبرنا شريك، عن السدي، عن عبد خير، عن علي رضي الله عنه: أنه توضأ فمسح على ظهر القدم، وقال: لولا إني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعله لكان باطن القدم أحق من ظاهره. المناقشة وحال رجال هذا الإسناد كالتالي: فأما إسحاق بن يوسف: فهو ثقة من دون نزاع من أحد، فقد قال عثمان بن سعيد الدارمي، عن يحيى بن معين: ثقة (3). وسئل أحمد بن حنبل: أهو ثقة؟ فقال: إي والله ثقة (4). وقال العجلي: ثقة (5). وقال أحمد بن علي: ورد بغداد وحدث بها، وكان من الثقات المأمونين، وأحد عباد الله الصالحين (6). وقال أبو حاتم: صحيح الحديث، صدوق، لا بأس به (7). وأما شريك، فهو صدوق بلا نزاع، وثقة في نفسه بلا كلام، إلا أ نه أخذ عليه سوء حفظه وقلة ضبطه. قال يحيى بن معين: شريك ثقة إلا أنه لا يتقن (8)، وقال أيضا: شريك ثقة،


(1) شرح معاني الآثار 1: 35 ح 159. (2) هو محمد بن سعيد الكوفي، أبو جعفر بن الاصفهاني، ثقة، احتج به البخاري والترمذي والنسائي (انظر تهذيب الكمال 25: 272، تهذيب التهذيب 9: 188، التاريخ الكبير للبخاري 1: الترجمة 258) وغيرها من المصادر. (3 - 4) تهذيب الكمال 2: 498. (5) تهذيب الكمال 2: 499. (6) تاريخ بغداد 6: 320، تهذيب الكمال 2: 499. (7) الجرح والتعديل 1: 1 / 238. (8) تهذيب الكمال 12: 468.

[ 272 ]

وهو أحب إلى من أبي الأحوص وجرير (1). وقال أيضا: هو ثقة ثقة (2). وقال أيضا: صدوق، ثقة، إلا أنه إذا خالف فغيره أحب إلينا (3). ومثله قول أحمد بن حنبل (4). وقيل ليحيى بن سعيد القطان: زعموا أن شريكا إنما خلط بأخرة. قال: ما زال مخلطا (5). وقال وكيع: لم يكن أحد أروى عن الكوفيين من شريك (6)، ومثله قال خديج بن معاوية (7). وقال يعقوب بن شيبة: شريك صدوق ثقة، سئ الحفظ جدا (8). وقال أيضا: شريك صدوق ثقة صحيح الكتاب، ردئ الحفظ مضطربه (9). وقال أبو حاتم: شريك أحب الي من أبي الاحوص، وقد كان له أغاليط (10). وقال النسائي: ليس به بأس (11). فهذه الأقوال صريحة بوثاقته وأمانته، وهي أيضا صريحة في سوء حفظه وقلة إتقانه، لكن سوء حفظه لا يتصور في رواية نقلها إسحاق بن يوسف الازرق أو عباد بن العوام أو يزيد، لأن هؤلاء كانوا ينقلون عن كتابه، الذي هو صحيح كما هو صريح يعقوب بن شيبة (12). قال أحمد بن حنبل: إسحاق بن يوسف الأزرق، وعباد بن العوام، ويزيد، كتبوا عن شريك بواسط من كتابه، قال: قدم عليهم شريك في حفر نهر، وكان رجلا له عقل - يعني شريك - (13).


(1 - 2) تهذيب الكمال 12: 468. (3 - 4) تهذيب الكمال 12: 469. (5 - 7) الجرح والتعديل 4 الترجمة 1602. (8) تهذيب الكمال 12: 471، تاريخ بغداد 9: 284. (9) تاريخ بغداد 9: 284. (10) الجرح والتعديل 4 الترجمة 1602. (11) تهذيب الكمال 12: 472. (12) تاريخ بغداد 9: 284. (13) تهذيب الكمال 2: 498، تاريخ بغداد 6: 320.

[ 273 ]

وقال أحمد بن علي الأبار: سألت عبد الحميد بن بيان عن إسحاق الأزرق، وكيف سمع من شريك؟ قال: سمع منه بواسط، قلت له: في أي شئ جاء إلى واسط؟ قال: جاء في كري الأنهار، فأخذ إسحاق كتابه، قلت: أيهما أكثر سماعا من شريك، إسحاق أو يزيد بن هارون؟ قال: إسحاق نحو من ثمانية آلاف ويزيد نحو من ثلاثة آلاف (1). وعلى الإجمال فرواية إسحاق عن شريك صحيحة، وكذا رواية شريك عن غيره إذا كانت من أصل كتابه. وأما السدي فهو الآخر ثقة في نفسه صدوق، إلا أن أهل العلم لينوه: قال علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد القطان: لا بأس به، ما سمعت أحدا يذكره إلا بخير، وما تركه أحد (2). وقال أبو طالب عن أحمد بن حنبل: السدي ثقة (3). وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت يحيى بن معين عن السدي وإبراهيم ابن مهاجر، فقال: متقاربان في الضعف (4). وقال عباس الدوري: سألت يحيى بن معين عن السدي، فقال: في حديثه ضعف (5). وقال أبو زرعة: لين (6). وقال النسائي: صالح (7)، وفي موضع آخر: لا بأس به (8). وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به (9).


(1) تهذيب الكمال 2: 498، تاريخ بغداد 6: 320. (2) التاريخ الكبير للبخاري 1: 1 / 361. (3) تهذيب الكمال 3: 134، الكامل لابن عدي 1: 278. (4) الكامل، لابن عدي 1: 277. (5) تهذيب الكمال 3: 135. (6) الجرح والتعديل 1: 1 / 185، تهذيب الكمال 3: 137. (7 - 8) تهذيب الكمال 3: 137. (9) الجرح والتعديل 1: 1 / 185، تهذيب الكمال 3: 137.

[ 274 ]

وقال أبو أحمد بن عدي في الكامل: له أحاديث يرويها عن عدة شيوخ، وهو عندي مستقيم الحديث صدوق، لا بأس به (1). وقال العجلي: ثقة، عالم بالتفسير، راوية له (2). والحاصل: فإن القول بوثاقة السدي هو الأقوى، وذلك لتوثيق الإمام أحمد والعجلي إياه ومدح باقي الأئمة له، ويبقى تليينه غير مفسر فلا يعارض التوثيقات الصريحة، خصوصا وإن عبد الرحمن بن مهدي - وهو من أساطين الرجاليين - غضب حين سمع يحيى بن معين يضعف السدي (3). وقال الحاكم في المدخل في باب الرواة الذين عيب على مسلم إخراج حديثهم: تعديل عبد الرحمن بن مهدي أقوى عند مسلم ممن جرحه بجرح غير مفسر (4). بل الذي يظهر بوضوح هو أن مبعث التكلم في السدي كان بسبب العقائد، فقد قال حسين بن واقد المروزي: سمعت من السدي فما قمت حتى سمعته يشتم أبا بكر وعمر، فلم أعد إليه (5). ولذلك حمل عليه السعدي فقال: هو كذاب شتام (6). وقد تنبه لذلك محقق تهذيب الكمال فأجاد بقوله: وظاهر كلام من تكلم فيه إنما كان بسبب العقائد (7). ولعل الذهبي أيضا التفت لذلك فوثقه في كتابه " من تكلم فيه وهو موثق " وقال: وثقه بعضهم (8). فعلى ذلك يكون هذا الطريق صحيحا بنفسه، وإلا فهو صحيح بغيره لوجود التابع الصحيح له فيما تقدم وما سيأتي.


(1) الكامل لابن عدي 1: 278. (2) انظر هامش تهذيب الكمال 3: 137، 138. (3) انظر تهذيب الكمال 3: 135. (4) انظر هامش تهذيب الكمال 3: 137. (5) انظر هامش تهذيب الكمال 3: 138. (6) تهذيب الكمال 3: 135. (7) هامش تهذيب الكمال 3: 138. (8) انظر هامش تهذيب الكمال 3: 138.

[ 275 ]

الإسناد الخامس قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا إسحاق بن إسماعيل وأبو خيثمة (1)، قالا: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش (2)، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن علي، قال: كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمسح ظاهرهما (3). المناقشة وفي بيان حال رواة هذا الإسناد نقول: أما أبو خيثمة، فهو ثقة بلا كلام، قال معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين: ثقة (4). وقال أبو عبيد الآجري: قلت لأبي داود: أبو خيثمة حجة في الرجال؟ قال: ما كان أحسن علمه (5). وقال النسائي: ثقة مأمون (6). وقال الحسين بن فهم: ثقة ثبت (7). وقال أبو بكر الخطيب البغدادي: كان ثقة ثبتا حافظا متقنا (8). وأما الأعمش، فهو علامة الإسلام على ما قاله يحيى بن سعيد القطان (9)،


(1) هو زهير بن حرب الحرشي، أبو خيثمة النسائي، احتج به الجماعة إلا أن الترمذي لم يرو له شيئا، (انظر تهذيب الكمال 9: 402، تهذيب التهذيب 3: 342، التاريخ الكبير للبخاري 3: الترجمة 375) وغيرها من المصادر. (2) هو سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، مولاهم، أبو محمد الكوفي الأعمش، احتج به الجماعة وغيرهم (انظر تهذيب الكمال 12: 76، سير أعلام النبلاء 6: 226) وغيرها من المصادر. (3) مسند أحمد 1: 124. (4 - 7) تهذيب الكمال 9: 404، 405، تاريخ بغداد 8: 482، 483. (8) تاريخ بغداد 8: 482، تهذيب الكمال 9: 405. (9) تهذيب الكمال 12: 88، تاريخ بغداد 9: 8، حلية الاولياء 5: 50.

[ 276 ]

ولم يشك أحد في وثاقته، ولكنه أخذ عليه كثرة التدليس والإرسال (1) عموما واضطراب روايته عن أبي إسحاق السبيعي خصوصا (2)، على ما هو صريح القطان نفسه. هذا من جهة الأعمش، وأما من جهة أبي إسحاق فقد بينا لك أنه عنعن روايته عن عبد خير وهو ممن يدلس، فتكون روايته كالمنقطعة. وعليه فإن كان هذا الطريق ضعيف في نفسه، فإن له تابعا صحيحا مما تقدم ومما يأتي من مرويات النزال بن سبرة، فانتظر. الإسناد السادس قال الدارمي: أخبرنا أبو نعيم (3)، حدثنا يونس (4)، عن أبي إسحاق، عن عبد خير قال: رأيت عليا توضأ ومسح على نعلين، فوسع ثم قال: لولا أني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعل كما رأيتموني فعلت لرأيت أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما (5). وروى مثله الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (6)، وليس فيه كلمة (فوسع). المناقشة يمكن الغمز في هذا الطريق بعنعنة أبي إسحق المدلس ولوجود يونس الموثق عند جماعة والملين عند آخرين، وإليك أهم الأقوال فيه: قال علي بن المديني: سمعت يحيى، وذكر يونس بن أبي إسحاق، فقال: كانت


(1) انظر تهذيب الكمال مع هامشه 12: 83 - 92. (2) مقدمة الجرح والتعديل: 237. (3) هو الفضل بن دكين تقدمت ترجمته في ما رواه زر بن حبيش عن علي بن أبي طالب في الغسل. (4) هو يونس بن أبي إسحاق، أبو إسرائيل الكوفي، روى له أصحاب السن فضلا عن الشيخين (انظر تهذيب الكمال 32: 488، تهذيب التهذيب 11: 433، الجرح والتعديل 9 الترجمة 1024) وغيرها من المصادر. (5) سنن الدارمي 1: 181 باب المسح على النعلين. (6) مسند أحمد 1: 148.

[ 277 ]

فيه غفلة، وكانت فيه سجية (1). وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عنه، فقال: حديثه مضطرب (2). وقال عثمان الدارمي وإسحاق بن منصور وأحمد بن سعد بن أبي مريم، كلهم عن يحيى بن معين: ثقة (3). وقال النسائي: ليس به بأس (4). وقال أبو حاتم: كان صدوقا، إلا أنه لا يحتج بحديثه (5). وذكره ابن حبان في الثقات (6)، ووثقه ابن سعد (7) والعجلي وابن شاهين (8). فأما قوله: (ومسح على نعلين) في المتن، فإن عنى به المسح على القدمين، أي أنه مسح عليهما ورجلاه في النعلين، فهذا صواب من القول، ضرورة أن القائل بالمسح على القدمين يمكنه في الوضوء أن يمسح على القدمين حتى لو كانتا في نعلين، إذ النعلين العربيين لا يحجزان من ظاهر القدم الا مقدار شراكي النعال، وهما لا يمنعان من المسح، وهذا واضح لمن كان له أدنى تأمل. وإن أراد غير المسح على القدمين - كالمسح على النعلين حقيقة بدون قدميه فهذا غير صحيح، لعدم تجويز أحد من المسلمين المسح على النعلين هكذا، فعلى هذا فلا بد من عدم الركون إلى هذا التفسير الذي لا يستند إلى شئ يشفي الغليل. وسيأتيك لاحقا - كما قد تقدم عليك سابقا - أسانيد أخرى موضحة أن مذهب علي في الوضوء هو المسح لا غير.


(1) تهذيب الكمال 32: 491 وفي الكامل، لابن عدي 7: 178 شجية (بالشين) وليس فيه: كانت فيه غفلة. (2) تهذيب الكمال 32: 492. (3 - 4) تهذيب الكمال 32: 492. (5) الجرح والتعديل 9 الترجمة 1024. (6) الثقات لابن حبان 7: 650. (7) الطبقات الكبرى لابن سعد 6: 363. (8) انظر هامش تهذيب الكمال 32: 493.

[ 278 ]

استخلاص واستنتاج عرفنا وفق الصفحات السابقة أن أسانيد عبد خير المسحية كلها صحيحة إما بنفسها أو بغيرها، وذلك لوجود أكثر من تابع صحيح لها مما تقدم ومما سيأتي. فالإسنادان الأول والثاني هما من الأسانيد الصحيحة بلا كلام، لكون رواتهما ثقات، وليس هناك ما يوجب تليينهم بشئ. أما الإسناد الثالث فلا يمكن أن يكون صحيحا بنفسه، لعنعنة أبي إسحاق السبيعي عن عبد خير، وعدم تصريحه بالسماع في مكان آخر، فهذا الإسناد له حكم المنقطع، ولكن مع ذلك يمكن تصحيحه أيضا لوجود أكثر من تابع صحيح له. وأما الإسناد الرابع فيمكن تصحيحه بنفسه، لكون شريك قد حدث من أصل كتابه فيؤخذ بحديثه رغم ما قيل فيه من سوء الحفظ وقلة الضبط. وأما السدي فلا يستبعد القول بوثاقته لوصف أحمد بن حنبل والعجلي له ب‍ (ثقة)، لكن تليينات الآخرين للسدي وخصوصا ابن معين يجعله مما يطلب تابعا لتصحيحه، وبما أن لهذا الطريق أكثر من تابع صحيح مما تقدم ويأتي فيمكن تصحيحه. وأما الإسناد الخامس فيطعن فيه بالأعمش الذي اشتهر بالتدليس والإرسال، ولعنعنة أبي إسحاق السبيعي عن عبد خير، ولاضطراب رواية الأعمش عن أبي إسحاق خاصة على ما هو صريح يحيى بن سعيد القطان، لكنه مع ذلك يمكن تصحيحه لوجود أكثر من تابع صحيح له، فيكون صحيحا بغيره. وأما الإسناد السادس فيطعن فيه بيونس، وبعنعنة أبي إسحاق السبيعي عن عبد خير، وهذا يمكن تصحيحه باعتبار ما يتابع عليها من روايات المسح الصحيحة. بقي إسناد لكن بقي إسناد يجب الإشارة إليه هنا، وهو ما رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن أبي السوداء، عن ابن عبد خير، عن أبيه، قال: رأيت عليا توضأ فغسل ظهور قدميه، وقال: لولا إني رأيت

[ 279 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) يغسل ظهور قدميه، لظننت أن بطونهما أحق بالغسل (1). وهذا الإسناد عين الإسنادين الأول والثاني إلى سفيان بن عيينة وهو صحيح. لكن هذا الخبر يعارض ما رواه عبد الله بن أحمد نفسه عن إسحاق، عن سفيان كما في الإسناد الثاني، وما رواه عن أبيه عن وكيع عن سفيان أيضا كما في الإسناد الثالث، كما يخالف ما رواه هو عن أبيه عن إسحاق عن شريك عن السدي كما في الإسناد الرابع، وما رواه أيضا عن إسحاق بن إسماعيل وأبي خيثمة عن وكيع عن الأعمش كما في الإسناد الخامس من جهة الدلالة، وكل مروياته الأربعة هذه عن عبد خير عن علي تنص على المسح على القدمين لا الغسل، مضافا إلى روايتي الحميدي والدارمي - في الإسنادين الأول والسادس - المسندتين عن عبد خير عن علي، وكلها تنص على مسح القدمين لا غير. فمن المحتمل أن يكون عبد الله قد أخطأ في التحديث بجملة (فغسل ظهور قدميه) في هذا الخبر. وهو الراجح حسبما تقدم عليك. ومما يزيد هذا الأمر وضوحا هو كون الحميدي أثبت من إسحاق بن إسماعيل وغيره في النقل عن سفيان بن عيينة، وذلك لملازمته له تسع عشرة سنة، قال الحميدي، جالست سفيان بن عيينة تسع عشرة سنة (2). وقال أبو حاتم: أثبت الناس في ابن عيينة الحميدي وهو رئيس أصحاب ابن عيينة، وهو ثقة إمام (3). وقال الإمام أحمد بن حنبل: الحميدي عندنا إمام (4). وقال ابن حجر في التقريب: ثقة حافظ فقيه (5). وبعد هذا فلا معنى للأخذ بنقل إسحاق بن إسماعيل عن سفيان مع وجود نقل الحميدي عنه.


(1) مسند أحمد 1: 124، مصنف عبد الرزاق 1: 19، تفسير الطبري 6: 82. (2) التاريخ الكبير للبخاري 5: 276، تهذيب الكمال 14: 514. (3) تهذيب الكمال 14: 513، الجرح والتعديل 5 الترجمة 264. (4) تهذيب الكمال 14: 513. (5) تقريب التهذيب 1: 415.

[ 280 ]

ويضاف إليه اختلاف نقل عبد الله بن أحمد عن إسحاق بن إسماعيل فتارة يروي المسح، وأخرى الغسل، وهذا مما يوهن ويضعف خبره وإن أمكن تصحيح نقل المسح عنه لوجود تابع صحيح له، هذا من جهة. ومن جهة أخرى: فإن جملة: (فغسل ظهور قدميه) لا معنى لها، لكونها خطأ قطعيا حيث لم يذهب أحد من فقهاء المسلمين إلى الاجتزاء بغسل ظاهر القدم دون باطنه. فالمسلمون بين غاسل للقدمين ظاهرا وباطنا، وبين ماسح ظهورهما دون بطونهما. ولم يقل أحد بغسل ظاهرهما دون باطنهما، فتأمل. ولا يخفى أن نفي الخبر صراحة غسل باطن القدمين في قوله: (لظننت أن بطونهما أحق بالغسل) يتفق مع القائلين بالمسح لقولهم بمسح ظاهر القدمين دون باطنهما. وهذا يؤكد أن المحفوظ عن علي بطريق عبد خير هو المسح لا الغسل، كما لا يخفى. عبد خير وتعارض المروي عنه؟ لما كانت رواية عبد خير اكثر الروايات عن علي بن أبي طالب اختلافا - رواة ورواية - رأينا من الضروري الوقوف عندها بعض الشئ. فرواة الغسل عن عبد خير هم: 1 - أبو إسحاق السبيعي، كما في الإسناد الثالث. 2 - خالد بن علقمة كما في الأسانيد (الأول والثاني والسابع). 3 - مالك بن عرفطة كما في الأسانيد (الرابع والخامس والسادس). أما رواة المسح، فهم: 1 - المسيب بن عبد خير، كما في الإسنادين الأول والثاني. 2 - أبو إسحاق السبيعي، كما في الأسانيد (الثالث، والخامس، والسادس). 3 - السدي، كما في الإسناد الرابع. ولما كانت رواية خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي أكثر أسانيد الغسل

[ 281 ]

اعتبارا - بالنظر البدوي - وهي معارضة بما روي عنه في المسح فقد رأينا من الضروري بيان وجه التعارض بينهما وكيفية الجمع - إن أمكن - فنقول: من الطبيعي نكران ثبوت الغسل والمسح عن علي معا، وذلك لإيماننا بأن حكم الأرجل هو تعييني لا تخييري وقد وقفت سابقا على نصوص الصحابة والتابعين واختلافهم في الوضوء بين غاسل وماسح. وإن قبولنا بصدورهما عنه (عليه السلام) يلزمنا قبول كونه مخطئا في أحد الفعلين - الغسل أو المسح - ومترددا في أحدهما، وكلاهما بعيد، لأن ما روي عن علي في الوضوء - سواء في الغسل أو المسح - إنما كان في الكوفة وفي خصوص رحبتها وأيام خلافته، وبعد صلاة الغداة، والعادة تقتضي باستحالة صدور كلا الفعلين عن شخص كعلي الذي هو أول الناس إسلاما وأسبقهم إيمانا وصلاة مع رسول الله وأشدهم قربا وقرابة له، في واقعه واحدة. بل كيف لا يعرف علي الوضوء الصحيح لمدة تقرب من ثلاثين سنة؟ وهو الذي قال فيه رسول الله (إنه أذن واعية)؟ بل كيف يفعلهما معا في حين نعلم أن حكم الوضوء تعييني لا تخييري؟ نعم هناك من قال بلزوم الجمع بين الغسل والمسح احتياطا، أو الأخذ بأحدهما تخييرا، إلا أنه شذوذ من القول لم يعتد به أهل الإسلام كما وضحناه. فإذا فهمت ذلك فاعلم: إن الأسانيد الغسلية عن علي تتوجه عليها عدة إشكالات لا يمكن الاجابة عنها أهمها: أنها مرجوحة سندا. بخلاف الأسانيد المسحية التي هي راجحة والتي لا يتوجه عليها إشكال محكم. وكذلك فإن المرويات الغسلية يلاحظ - مع الدقة - أنها مضطربة في متونها. بخلاف المسحية التي هي صريحة الدلالة والمعنى فيه. ولما كان أهم سند روي عن علي في الغسل هو ما رواه خالد بن علقمة عن عبد خير. وهو معارض لما روي عنه في المسح فكان لابد من بيان ما هو الارجح من المقام، فنقول:

[ 282 ]

إن ما رواه خالد بن علقمة عن عبد خير في الغسل مرجوح بالنسبة لما رواه السدي وابن عبد خير عنه، وواضح أن رواية إثنين نفس المتن بلا زيادة أو نقيصة أولى بالحفظ والقول بالرجحانية من رواية واحد. أضف إلى ذلك فان رواية عبد خير نفسها في المسح مؤيدة ومعضدة بما رواه النزال بن سبرة عن علي في المسح والتي هي على شرط البخاري كما سيأتي تفصيله قريبا. مع إنك قد عرفت أن ما روي عن خالد بن علقمة إنما كان بواسطة الحلواني الخلال، والخلال هذا مما يتوقف في مروياته حسبما تقدم. ولعلك تقول: إن ما رواه خالد بن علقمة عن عبد خير مما يتابع عليه برواية عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن علي وبما رواه أبو اسحاق السبيعي عن عبد خير وبما رواه غيرهما عن علي. فان قيل هكذا قلنا: لم تصنع شيئا، لأن ما روي عن علي في المسح - حتى لو تناسينا أنه أرجح سندا وأوضح دلالة - فهو مما يتابع عليه أيضا بأبي اسحاق السبيعي عن عبد خير عن علي وبحبة العرني وبغيرهما هذا شئ. والشئ الآخر وهو الأهم: هو أننا لم نعثر على رواية غسلية عن علي يمكن الوقوف عندها إلا ما رواه الخلال بسنده عن خالد بن علقمة عن عبد خير، وهي مما يتوقف فيها ويتأمل عندها كما علمت. وهذا بخلاف ما روي عن علي في المسح، فهناك أكثر من إسناد صحيح فيه، وإن بعضها على شرط البخاري. فعلى أي الأحوال تبقى أسانيد الغسل مرجوحة أمام أسانيد المسح بلا كلام حسب القواعد العلمية. فإذا كانت رواية خالد بن علقمة مرجوحة سندا صارت شاذة في مقابل ماروي عن عبد خير بواسطة ابن عبد خير والسدي عنه وفي مقابل ما رواه النزال بن سبرة عن علي بن أبي طالب بأسانيد فيها كل مشروط الصحيح بل بعضها على شرط

[ 283 ]

البخاري. وإذا صارت شاذة أو منكرة سقطت حجيتها كما هو مقرر في محله، وبخاصة لو لاحظنا مجموع الأسباب التالية: 1 - إن خالد بن علقمة لم يعرف عنه بل لا توجد له رواية في كل كتب الإسلام المعتمدة الا عن عبد خير عن علي. 2 - إن خالد بن علقمة لم يرو عن عبد خير - في الأحكام الشرعية - إلا في بضع عشر رواية كلها في خصوص الوضوء الغسلي عن علي وفي فترة خلافته في رحبة الكوفة بعد الصلاة وهي صلاة الغداء على التعيين كما هو صريح رواية المزي. (1) وهذا يعني أن خالد بن علقمة لم يرو إلا رواية واحدة طيلة حياته وتختص بحادثه فريدة. 3 - إن الشيخان (البخاري ومسلم) لم يحتجا به في صحيحهما بل لم يرويا له ولا رواية واحدة، مع أن الصناعة تقتضي - من باب الاكمل الأولى - أن يذكر ما رواه خالد في صدر باب الوضوء البياني لما في علي من خصائص القرب من النبي (صلى الله عليه وآله) التي لم تتوفر لغيره من الصحابة. فإن قلت: من المسلم إن عدم إخراج الشيخين لراو لا يقتضي الطعن فيه، فما أكثر الرواة الأثبات الثقات ممن لم يخرج لهم الشيخان شيئا. ومن المسلم أيضا إن عدم إخراج الشيخين لرواية لا يلزم منه عدم صحتها. قلنا: صحيح ما قلتموه، ولكن الذي دعانا إلى هذا القول هو أن الحافظ ابن حجر قال عنه بأنه صدوق (2). مع أن مقتضى الصناعة أن يكون ثقة، لأنه ممن وثقه النسائي وابن معين. وقال أبو حاتم: شيخ، ومعلوم أن قول أبي حاتم لا يعارض توثيق ابن معين والنسائي. فاذن عدول ابن حجر عن توثيقه إلى مرتبة المدح الذي هو دون الوثاقة يشعر بأن هناك سبب قادح في عده من الثقات المحتج فيهم. فانتبه لذلك جيدا. والحاصل: فإن ما رواه خالد بن علقمة عن عبد خير في الغسل أحسن ما يقال


(1) رواها المزي بإسناده إلى خالد بن علقمة في تهذيب الكمال 8: 135. (2) تقريب التهذيب 1: 216.

[ 284 ]

فيه أنه شاذ أو منكر في مقابل ما رواه السدي وابن عبد خير عن عبد خير في المسح الذي هو مستفيض في حقيقته. ولأجل ذلك كله رأينا لا مناص من أن نفسر سبب صدور ما روي عن خالد بن علقمة عن عبد خير في الغسل، وفي المقام عدة إحتمالات: الإحتمال الأول: أن يكون ما روي عن خالد بن علقمة عن عبد خير في الغسل، خطأ وصوابه أنه مروي عن أبي حية الوادعي الهمداني عن علي، إلا أن الرواة توهموا أنه خالد بن علقمة، لاشتراكهم في الكنية وكونهم من همدان. ومما يؤيد هذا الأحتمال أن كل من خالد بن علقمة وأبي حية ليست لهما في كتب الحديث - مما روي في الأحكام - إلا رواية الوضوء الغسلى عن علي. وكذلك فان خالد بن علقمة وادعي همداني وكنيتيه أبو حية أيضا حسبما قلناه، وهو يوافق أبي حية الوادعي الهمداني راوي الوضوء الغسلى عن علي بن أبي طالب. وعليه فقد يكون منشأ التوهم هو ما احتملناه، وذلك لاشتراك أبي حية الوادعي مع كنية خالد بن علقمة وإن هكذا التباس له كمال الأثر في اختلاط الأسانيد، وهو متضح لأهل الفن والتحقيق. الاحتمال الثاني: أن يكون خالد بن علقمة مصحف عن مالك بن عرفطه في خبري (أبي عوانة، وزائدة) وأن شعبة جاء ليصحح لأبي عوانة خطاه، وذلك لما رواه أبو داود، قال،: قال أبو عوانة يوما: حدثنا مالك بن عرفطة عن عبد خير، فقال له عمرو الاعصف: رحمك الله يا أبا عوانة، هذا خالد بن علقمة، ولكن شعبة مخطى فيه، فقال أبو عوانة: هو في كتابي (خالد بن علقمة) ولكن قال لي شعبة: هو مالك بن عرفطه. وقال أبو داود: حدثنا عمرو بن عون، قال: حدثنا أبو عوانة، عن مالك بن عرفطة، قال أبو داود: سماعه قديم. قال أبو داود: حدثنا أبو كامل، قال حدثنا أبو عوانة عن

[ 285 ]

خالد بن علقمة، وسماعه متاخر (1). وهذا النص قد يكون ظاهرا في أن أبا عوانة لم يسمع ما تقدم من مالك بن عرفطه أو خالد بن علقمة مباشره مع إنه كان معاصرا لهما وأن ما رواه عن خالد بن علقمة كما في الإسنادين الاول والثاني من مرويات عبد خير الغسلية قد يكون موجود في كتابه وقد يكون أتى به متوهما أنه هو الصحيح وحسب قول أبي داود (حدثنا أبو عوانة عن خالد بن علقمة وسماعه متاخر). وعليه فيكون قول أبى عوانة، قال لى شعبة: هو مالك بن عرفطه جاء للتصحيح لا التحديث إذ لو كان نقل شعبة جاء للتحديث لقال أبو عوانة: هكذا حدثنى به شعبة، لانه لو كان مطمئنا بنقله ومتثبتا لما استسلم لكل من يصحح له، وهو يرشدنا إلى أن ما يرويه أبو عوانة لا يمكن الاعتماد عليه بشكل عام وبخاصه فيما نحن فيه من دون دليل يدل على كونه متقن الرواية فيما يرويه. ويمكن تعميم هذا الاحتمال إلى خبر زائدة كذلك، والذي رواه الحسن بن علي الخلال عن الحسين بن علي بن عن زائدة عن خالد بن علقمة عن عبد خير، فقد يكون قد تابع من سبقه عن هذا الخطا، فرواه بسندهم عن خالد بن علقمة دون بحث وتمحيص مع أن الصواب فيه هو مالك بن عرفطه حسبما مر عليك في كلام شعبة لأبي عوانة. فان تخطئة شعبة، لأبي عوانة - يشعر بان أبي عوانة قد سمع الحديث من ذلك البعض على أنه خالد، وحينما اطلع شعبة على نقلهم له جاء ليصحح له بانه مالك بن عرفطة لا خالد بن علقمة، فقد يكون الخلال ايضا قد تابع الأعلام على خطأهم ويؤيد هذا الاحتمال هو ما عرفناه سابقا عن الخلال وأنه مما يتأمل في مروياته، فلا يستبعد أن يتابع غيره على هذا الخطأ. الاحتمال الثالث: أن ما روي عن خالد بن علقمة عن عبد خير في الغسل معلول متنا.


(1) انظر هامش تهذيب الكمال 8: 135.

[ 286 ]

وهو أن الرواة أخطأوا في الرواية عن عبد خير وأبي حية، فرووا عنهما بالمعنى فاختلط لفظ الحديث فحسبوا توهما ما كان مجملا مبينا، وتوهموا أيضا ما كان مختصا بعضو أنه يجري على جميع الاعضاء ويؤيد هذا الاحتمال وجود هذه الروايات المجملة: 1 - قال النسائي: أخبرنا موسى بن عبد الرحمن، قال: حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي أنه دعا بوضوء فتمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى ففعل هذا ثلاثا ثم قال: هذا طهور نبيكم (1). 2 - قال بن حاجة: حدثنا أبو بكر بن شيبة. حدثنا شريك عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي أن رسول الله توضأ فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا من كف واحد (2). 3 - قال عبد الله بن احمد بن حنبل: حدثنا محمد بن عبد الله ابن عمار. حدثنا القاسم الجرمي عن سفيان عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي أن النبي (صلى الله عليه وآله) توضأ ثلاثا ثلاثا (3). 4 - قال الدارمي: أخبرنا أبو الوليد الطيالسي. حدثنا زائدة. حدثنا خالد بن علقمة الهمداني حدثني عبد خير، قال: دخل علي الرحية بعد ما صلى الفجر، قال: فجلس في الرحبة ثم قال لغلام له: إئتني بطهور، قال: فأتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست، قال عبد خير ونحن جلوس ننظر إليه، فأدخل يده اليمنى فملأ فمه فمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى، فعل هذا ثلاث مرات ثم قال: من سره أن ينظر إلى طهور رسول الله فهذا طهوره (4).


(1) سنن النسائي 1: 67 باب بأي اليدين يستنثر. (2) سنن ابن ماجة 1: 142 ح 404 باب المضمضة والاستنشاق من كف واحد. (3) مسند أحمد 1: 115 مسند علي. (4) سنن الدارمي 1: 178 باب المضمضة.

[ 287 ]

5 - وقال الدارمي أيضا: أخبرنا أبو نعيم. حدثنا حسن بن عقبة المرادي أخبرني عبد خير بإسناده نحوه (1). 6 - روى عبد الله بن احمد بن حنبل عن أبي اسحق عن أبي حية، قال: قال علي من سره أن ينظر إلى وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلينظر الي، قال: فتوضأ ثلاثا ثلاثا ثم مسح برأسه (2). ولا يخفي عليك أن الاسانيد هنا إلى خالد بن علقمة أقوى اتصالا وامتن طريقا بخلاف الأسانيد إليه في تلكم المرويات في الوضوء البياني الغسلي المفصل عن علي. وهذا أمر واضح لأهل الخبرة. والذي نريد قوله هنا: هو أن الرواة كانوا لا يرون ضيرا في أن يرووا بالمعنى وأن لا يتحددوا بلفظ الرواية الخاص. وفيما نحن فيه فانه روي عن علي أنه حكى تارة وضوء رسول الله وتارة طهوره. وتارة روى عنه أنه ذكر وضوء رسول الله ثلاثا ثلاثا، وأنت ترى أن المقصود من الجميع هو المضمضة والاستنشاق والاستنثار ثلاثا ثلاثا، وهذا لا خلاف بين المسلمين في استحبابه، الا أن الكلام يقع حول التثليث، إذ واضح من هذه الروايات أن التثليث المروي عن علي انما هو في خصوص الاستنشاق والاستنثار والمضمضة، فتوهم الرواة فيما بعد أن هذا التثليث سار على جميع أعضاء الوضوء ويؤيد ذلك ما تقدم من رواية رقم (6) إذا فيها أن أبا حية قال: فتوضأ علي ثلاثا ثلاثا ثم مسح برأسه، ومعلوم أن " ثم " هنا تفيد معنى التعقيب والتراخي، بمعنى أن مسح الرأس شئ لا علاقة له بالوضوء الذي يقصده أبو حيه، فانه لا يقصد من الوضوء الا المضمضة والاستنشاق والاستنثار. على أننا ننبهك بأننا لا نريد الاستدلال بهذه الرواية على شئ سوى أن الرواة قد يصطلحون على بعض أفعال الوضوء ولو كانت مستحبة بأنها وضوء وهذا يمكن الاستدلال عليه برواية أبي حيه هذه كما هو واضح.


(1) سنن الدرامي 1: 178 باب المضمضة. (2) مسند أحمد 1: 142 مسند علي.

[ 288 ]

كما يمكن الاستدلال عليه برواية رقم (1) وهو أن عليا دعا بوضوء فلم يفعل غير المضمضة والاستنشاق والاستنثار، فقال: هذا طهور نبيكم، ومعلوم أن الطهور هو الوضوء في اصطلاح الشرع. وكذا يمكن الاستدلال عليه برواية رقم (2) أن علي قال: أن رسول الله توضأ فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا من كف واحد. وأنت ترى أن لسان الرواية مصرح بأن المضمضة ثلاثا والاستنشاق ثلاثا من كف واحد هو وضوء. ولو تأملت في الرواية رقم (4) ورقم (5) لوجدت قرب هذا الاحتمال، لانهما وخاصة الرواية رقم (4) هي بعينها رواية الخلال عن زائدة الا أنها هنا من رواية الطيالسي عن زائدة، وهي أيضا قريبة جدا - من جهة المتن - مما روي عن خالد بن علقمة في الغسل الذي تقدم الحديث عنه سابقا والذي قلنا عنه بأنه معلول سندا ومتنا. بل يمكننا أن نقول أن ما رواه الطيالسي بسنده إلى خالد بن علقمة هو عين ما رواه الخلال - الذي هو مرجوح الاحتجاج لو قيس بالطيالسي - بسنده إلى خالد بن علقمة، سندا ومتنا، سوى أن ما رواه الخلال فيه زيادة غسل الأعضاء الاخرى. والحاصل: فانه يحتمل قويا أن ما رواه خالد بن علقمة عن عبد خير وما رواه أبو حيه عن علي هو الوضوء بمعنى المضمضة ثلاثا والاستنشاق ثلاثا والاستنثار ثلاثا وقد يكون غسل الاكف ثلاثا ايضا مع ذلك، الا أن الرواة فيما بعد لم يفهموا المقصود من كلمة الوضوء والطهور، فظنوا أن الثلاثة غير مقتصرة على مستحبات الوضوء هذه بل هي سارية إلى كل الأعضاء. وهذا الأحتمال لعمري وجيه وبخاصة لو لاحظنا أن المرويات البيانية المفصلة في الغسل عن علي مضطربة المتون وغير متحدة مع أن الراوي عن على واحد. فبعض الروايات تصرح بأن جميع الاعضاء مشمولة لحكم الثلاث وبعضها تصرح أن بعض الاعضاء مشمولة لهذا الحكم وبعضها مرة مرة، فالاختلاف في حكم

[ 289 ]

الثلاث لدليل أو مؤيد لما قلنا وهو أن منشأ اشتباه الرواة هو قضية الثليث الواردة على لسان علي فيما تقدم من الروايات. وها نحن نعيد القول عليك، لننبهك أننا لم نحتمل هذه الاحتمالات في ما روى عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي هكذا هراء وتحكما، لأننا قد وضحنا لك سابقا أن ما روي عن خالد بن علقمة عن عبد خير في الغسل مرجوح سندا كما تقدم عليك تفصيله وأن ما روي عن عبد خير في المسح هو الراجح حسب الصناعة، اضف إلى ذلك أن المسألة لم تقتصر على التعارض المروي عن عبد خير في الغسل والسمح، لأن هناك ما هو على شرط صحيح البخاري مروي عن النزال بن سبرة عن علي في المسح، وهذا يؤكد رجحانية المسح بلا كلام. ونحن أيضا ذكرنا لك سابقا أننا في مقام التعارض الابتدائي فيما روي عن علي في الغسل والمسح، لم نعالج الا الروايات المتعارضة الصحيحة والمعتبرة، لانها هي العمدة في المقام، وتركنا الروايات الغسلية وكذا المسحية الضعيفة، لأنها لا تنفع كثيرا في مقام الترجيح: لأن كل من الغسل والمسح فيه عدة مرويات ضعيفة وإن كان قد يكون ذكرها - من جهة فنية - أولى. ومهما يكن من شئ: لما كانت المرويات الغسلية مرجوحة ويستعبد صدورها بشكل قوي عن علي حسب قواعد أهل العلم، رأينا من الضروري بيان احتمالات صدورها فذكرنا لك هذه الاحتمالات الثلاثة. وعلى ما تقدم فان ما روي عن علي في الغسل إما معلول سندا بأن كانت الرواية عن أبي حية الوادعي الهمداني فرويت عن خالد بن علقمة، أو أن تكون الرواية عن مالك بن عرفطة فرويت عن خالد بن علقمة. وأما أنها معلولة متنا كما توضح عليك. وقد يمكن أن تجتمع العلتان معا. هذا ولابد أن تعلم أيضا أنه لا يوجد أدنى إحتمال لأن تكون اسانيد الروايات المسحية معلولة وأن اسم بعض الرواة مصحف عن آخر كما هو الحال في الأسانيد

[ 290 ]

الغسلية، وكذا فان متون المرويات المسحية ليس فيها إحتمال الإضطراب في الفاظها الذي أدى إلى اختلاف فهم الرواة لمضامينها، فرووها كما تقدم. ب: ما رواه النزال بن سبرة عنه الإسناد الأول قال أبو داود (1): حدثنا شعبة (2)، قال: أخبرني عبد الملك بن ميسرة (3)، قال: سمعت النزال بن سبرة (4) يقول: صلى علي الظهر في الرحبة ثم جلس في حوائج الناس حتى حضرت العصر، ثم أتي بكوز من ماء فصب منه كفا فغسل وجهه ويديه ومسح على رأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضل الماء وهو قائم، وقال: إن ناسا يكرهون أن يشربوا وهم قيام، ورأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعل مثل الذي فعلت، وقال: هذا وضوء من لم يحدث (5). المناقشة وهذا الطريق صحيح على شرط البخاري، ورجاله كلهم ثقات عدول، ضابطون، وقد تقدم الكلام عنهم سوى أبي داود، وأبو داود من أساطين فن الحديث


(1) هو سليمان بن داود بن الجارود، أبو داود الطيالسي، البصري، احتج به جل أهل العلم إن لم نقل كلهم (انظر تهذيب الكمال 11: 401، تهذيب التهذيب 4: 182، سير أعلام النبلاء 9: 378) وغيرها من المصادر. (2) هو شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، الأزدي، أبو بسطام الواسطي، مولى يزيد بن المهلب، احتج به الجماعة وغيرهم وهو من مشهورين الثقات (انظر تهذيب الكمال 12: 479، تهذيب التهذيب 4: 338، سير أعلام النبلاء 7: 203) وغيرها من المصادر. (3) هو عبد الملك بن ميسرة الهلالي العامري، أبو زيد الكوفي الزراد، احتج به الجماعة وغيرهم وهو من الثقات (انظر تهذيب الكمال 18: 431، التاريخ الكبير للبخاري: 5 الترجمة 1400، تهذيب التهذيب 6: 426) وغيرها من المصادر. (4) هو النزال بن سبرة الهلالي العامري الكوفي، احتج به البخاري وأبو داود والنسائي وهو تابعي كبير، ثقة، وقيل إن له صحبة (تهذيب الكمال 29: 335، تهذيب التهذيب 10: 423) وغيرها من المصادر. (5) مسند أبي داود الطيالسي: 22 ح 148 ط دار المعرفة / بيروت.

[ 291 ]

ومن كبار الحفاظ، وهو أشهر من أن يعرف في قوة الرواية وسعة الحفظ. قال علي بن المديني: ما رأيت أحدا أحفظ من أبي داود الطيالسي (1). وقال عمرو بن علي: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: أبو داود الطيالسي، أصدق الناس (2). وقال النعمان بن عبد السلام: ثقة مأمون (3). وقال أبو مسعود أحمد بن الفرات الرازي: ما رأيت أحدا أكبر في شعبة من أبي داود (4). وقال أحمد بن عبد الله العجلي: بصري ثقة، وكان كثير الحفظ (5). وقال عثمان بن سعيد الدارمي: سألت يحيى بن معين - يعني عن أصحاب شعبة - قلت: فأبو داود أحب إليك أو حرمي؟ فقال: أبو داود صدوق، أبو داود أحب الي، قلت: فأبو داود أحب إليك أو عبد الرحمن بن مهدي؟ فقال: أبو داود أعلم به (6). وقال النسائي: ثقة من أصدق الناس لهجة (7). وقال ابن حجر: ثقة حافظ، غلط في أحاديث (8). وقال ابن عدي: ثقة يخطئ، ثم قال: وما هو عندي وعند غيري إلا متيقظ ثبت (9). وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، ربما غلط (10). ونحن مع هذه الأقوال لنا أن نقول: أن الغلط من الحافظ إما أن يكون ملكة فيه، وإما لا، وأبو داود لم يتهمه أحد بأنه كان كثير الخطأ أو كان متغيرا أو سيئا


(1) تاريخ بغداد 9: 27، سير أعلام النبلاء 9: 382، تهذيب الكمال 11: 405. (2 - 3) تاريخ بغداد 9: 28، تهذيب الكمال 11: 405. (4) تاريخ بغداد 9: 27، تهذيب الكمال 11: 406. (5 - 6) تهذيب الكمال 11: 406. (7) تهذيب الكمال 11: 407. (8) تقريب التهذيب 1: 223. (9) الكامل، لابن عدي 3: 281. (10) الطبقات الكبرى، لابن سعد 7: 298.

[ 292 ]

للحفظ أو غير ذلك، وغاية ما أخذ عليه أ نه يخطئ في أحاديث! فلو التزم بتضعيف من كانت هكذا حاله من الأئمة لكان أول من يقال بتضعيفه هو الإمام البخاري، لأ نه يشترك مع أبي داود بكثرة الرواية وسعة الحفظ، وهذا النوع من الغلط. فالبخاري كان يسمع الحديث في البصرة ويحدث به في الشام اعتمادا على حفظه، وهذا يؤدي إلى الغلط قطعا. والحاصل: فإن مثل هذا الغلط يتوقع ممن كان واسع الحفظ، كثير الرواية، فغلطه ناشئ من سعة ما يحفظ لا من سوء الحفظ أو قلة الضبط. ونحن لا نريد هنا الحكم بإمكان الاحتجاج به واقعا أو عدمه، بل الذي نريد قوله: هو أن أهل العلم من أهل السنة والجماعة إما أن يحتجوا بكلام محدث كالطيالسي، مع ملاحظة أن الغلط من هكذا محدث ليس ملكة فيه وإنما هو غلط عادي ناشئ من سعة حفظه، وإما أن لا يحتجوا به، فإن التزموا الأول فلابد من الأخذ بهذه الرواية وأمثالها، وإن التزموا الثاني فعليهم أن يسقطوا الاحتجاج بكل الأئمة وأساطين الحديث، لأ نه ما منهم أحد إلا وقد غلط في أحاديث ليست بالقليلة! ومهما يكن فإن أهل العلم قد احتجوا بأبي داود ومما يدل أن هذا الحديث ليس من تلك الأحاديث التي يقال: أن أبا داود أخطأ فيها، أن ابن عدي لم يذكر في كامله هذا الحديث، فراجع. أما ما يمكن قوله كجرح في أبي داود فهو: عدم إخراج البخاري له أصلا في جامعه، بل كل ما فيه أ نه روى له في الأدب واستشهد به في تفسير قوله تعالى * (قم فأنذر) * في القراءة خلف الإمام (1)، وهذا يعني أ نه لا يحتج به! فنجيبهم بقول الذهبي حيث قال: ولم يخرج البخاري لأبي داود شيئا لأ نه سمع من عدة من أقرانه، فما احتاج إليه (2). ونضيف إليه: إن عدم إخراج البخاري لمحدث ما لا يستلزم عدم الاحتجاج به كما هو واضح.


(1) صحيح البخاري 8: 677. (2) سير أعلام النبلاء 9: 383.

[ 293 ]

وهذا الحديث صحيح على شرط البخاري كما قدمنا. الإسناد الثاني قال البخاري: حدثنا آدم (1)، حدثنا شعبة، حدثنا عبد الملك بن ميسرة: سمعت النزال بن سبرة يحدث عن علي رضي الله عنه أنه صلى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة، حتى حضرت صلاة العصر، ثم أتي بماء فشرب وغسل وجهه ويديه، وذكر رأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضله وهو قائم، ثم قال: إن ناسا يكرهون الشرب قائما، وإن النبي (صلى الله عليه وآله) صنع مثل ما صنعت (2). المناقشة هذا الطريق صحيح على شرط البخاري وغيره كما هو واضح فلا يحتاج إلى مزيد بيان. الإسناد الثالث قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني أبو خيثمة (3)، وحدثنا إسحاق بن إسماعيل، قالا: حدثنا جرير (4)، عن منصور (5)، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة، قال: صلينا مع علي رضي الله عنه


(1) هو آدم بن أبي أياس الخراساني المروزى، أبو الحسن العسقلاني، احتج به البخاري وباقي الجماعة سوى مسلم، وثقه أئمة الرجال ولم نعثر على تجريح أو حتى تليين فيه (انظر تهذيب الكمال 2: 301) وغيره من المصادر. (2) صحيح البخاري 7: 143 باب الشرب قائما، أحكام القرآن، للجصاص 1: 347. (3) مر ترجمته في الإسناد الخامس من مرويات عبد خير ص 33. (4) هو جرير بن عبد الحميد الضبي، أبو عبد الله الرازي، القاضي، روى له الجماعة (تهذيب الكمال 4: 540، الطبقات الكبرى، لابن سعد 7: 381، تاريخ بغداد 7: 253، تهذيب التهذيب 2: 75) وغيرها من المصادر. (5) هو منصور بن المعتمر السلمي، أبو عتاب الكوفي، روى له الجماعة (تهذيب الكمال 28: 456، سير أعلام النبلاء 5: 402، تهذيب التهذيب 10: 312) وغيرها من المصادر.

[ 294 ]

الظهر، فانطلق إلى مجلس يجلسه في الرحبة فقعد وقعدنا حوله، ثم حضرت العصر فأتي بإناء، فأخذ منه كفا فتمضمض واستنشق، ومسح بوجهه وذراعيه ومسح رأسه ومسح رجليه، ثم قام فشرب فضل إنائه، ثم قال: إني حدثت أن رجالا يكرهون أن يشرب أحدهم وهو قائم، إني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعل كما فعلت (1). المناقشة رجال هذا الطريق ثقات بلا كلام، وفيه جميع شروط الصحيح: فأما أبو خيثمة، فقد قال معاوية بن صالح عن يحيى بن معين: ثقة (2). وقال علي بن الحسين الجنيد الرازي، عن يحيى: يكفي قبيلة (3). وقال أبو حاتم: صدوق (4). وقال أبو عبيد الآجري: قلت لأبي داود: أبو خيثمة حجة في الرجال؟ قال: ما كان أحسن علمه (5). وقال النسائي: ثقة مأمون (6). وقال الحسين بن فهم: ثقة ثبت (7). وقال أبو بكر الخطيب: كان ثقة ثبتا حافظا متقنا (8). وأما جرير فقد وثقه غالب العلماء: فقال أحمد بن عبد الله العجلي: كوفي ثقة (9). وقال النسائي: ثقة (10). وقال ابن حراش: صدوق (11). وقال أبو القاسم الكلائي: مجمع على ثقته (12).


(1) مسند أحمد 1: 159. (2) تهذيب الكمال 9: 404، تاريخ بغداد 8: 482. (3 - 4) تهذيب الكمال 9: 404، الجرح والتعديل 3 الترجمة 2680. (5 - 8) تهذيب الكمال 9: 405، تاريخ بغداد 8: 483. (9 - 12) تهذيب الكمال 4: 550.

[ 295 ]

وقال ابن حجر في التقريب: ثقة صحيح الكتاب (1). وقال أبو يعلى الخليلي في الإرشاد: ثقة متفق عليه مخرج في الصحيحين (2). وجاء في السنن للبيهقي قوله: (نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ) (3). وهذا عجيب من البيهقي حيث لم نعثر على تصريح لأحد من القدماء بأنه سئ الحفظ، وكيف يصرح البيهقي بهكذا تصريح وبينه وبين جرير أمدا بعيدا، ومن دون دليل. ولقد أجاد ابن حجر حيث قال:... ولم أر ذلك لغيره. أي لم أر غير البيهقي قد قال بهذه الدعوى - ثم إن العقيلي قال: قال أحمد بن حنبل: لم يكن جرير الرازي بالذكي في الحديث، كان اختلط عليه حديث أشعث وعاصم الأحول، حتى قدم عليه بهز فقال له: هذا حديث عاصم، وهذا حديث أشعث، فعرفها فحدث بها الناس (4). فإن ثبت هذا عنه فهو غير ضار به فيما نحن فيه، لأ نه لم يطعن أحد في روايته عن منصور. وأما منصور، فهو ثقة على ما هو صريح غير واحد من أهل العلم: قال العجلي: كوفي ثبت في الحديث (5). وقال أبو حاتم: الأعمش حافظ يخلط ويدلس، ومنصور أتقن لا يخلط ولا يدلس (6). وقال أبو زرعة: سمعت ابراهيم بن موسى يقول: أثبت أهل الكوفة منصور، ثم مسعر (7). وقال أبو بكر بن أبي شيبة: سمعت يحيى يقول: منصور أثبت من الحكم


(1) تقريب التهذيب 1: 127. (2) انظر هامش تهذيب الكمال 4: 551. (3) انظر مقدمة فتح الباري: 392. (4) الضعفاء الكبير، للعقيلي 1: 200. (5) تهذيب الكمال 28: 554. (6) تهذيب الكمال 28: 553، الجرح والتعديل 8 الترجمة 778. (7) تهذيب الكمال 28: 553، الجرح والتعديل 8 الترجمة 778.

[ 296 ]

ابن عتيبة، ومنصور من أثبت الناس (1). وقال وكيع: قال سفيان: إذا جاءت المذاكرة جئنا بكل أحد، وإذا جاء التحصيل جئنا بمنصور بن المعتمر (2). وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عن منصور بن المعتمر، قال: ثقة (3). وقال بسر بن المفضل: لقيت سفيان الثوري بمكة، فقال: ما خلفت بعدي بالكوفة آمن على الحديث من منصور بن المعتمر (4). وقال سفيان أيضا: رأيت منصورا، وعبد الكريم الجرزي، وأيوب السختياني، وعمرو بن دينار، هؤلاء الأعين الذين لا شك فيهم (5). وقال عبد الرحمن بن مهدي: لم يكن بالكوفة أحفظ من منصور (6). والحاصل: فإن هذا الطريق صحيح على شرط البخاري كما هو واضح. الإسناد الرابع قال النسائي: أخبرنا عمرو بن يزيد (7)، قال: حدثنا بهز بن أسد (8)، قال: حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت النزال بن سبرة قال: رأيت عليا رضي الله عنه صلى الظهر ثم قعد لحوائج الناس، فلما حضرت العصر أتي بتور من ماء فأخذ منه كفا فمسح به وجهه وذراعيه ورأسه ورجليه، ثم أخذ فضله فشرب قائما، وقال: إن ناسا يكرهون هذا، وقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يفعله، وهذا وضوء من لم يحدث (9).


(1) تهذيب الكمال 28: 553، الجرح والتعديل 8 الترجمة 778. (2) تهذيب الكمال 28: 553. (3) تهذيب الكمال 28: 553، الجرح والتعديل 8 الترجمة 778. (4 - 6) تهذيب الكمال 28: 550. (7) هو عمرو بن يزيد، أبو بريد الجرمي البصري، احتج به النسائي (تهذيب الكمال 22: 300، تهذيب التهذيب 8: 120، الجرح والتعديل 6 الترجمة 1492) وغيرها من المصادر. (8) هو بهز بن أسد العمي، أبو الأسود البصري، احتج به الجماعة وغيرهم (تهذيب الكمال 4: 257، تهذيب التهذيب 1: 497، سير أعلام النبلاء 9: 192) وغيرها من الصادر. (9) سنن النسائي 1: 84، مسند أحمد 1: 153، أحكام القرآن للجصاص 1: 347. (

[ 297 ]

المناقشة رجال هذا الطريق ثقات، وقد تقدم الكلام عن شعبة وعبد الملك بن ميسرة والنزال وأنهم من الثقات المشهورين بالعدالة. وأما بهز بن أسد فهو الآخر من الأثبات، إذ لم يتعرض له أحد بمغمز أو جرح، والكل على تعديله وتوثيقه، وإليك أهم أقوال الائمة فيه. قال أحمد بن حنبل: إليه المنتهى في التثبت (1). وقال يحيى بن معين: ثقة (2). وقال جرير بن عبد الحميد: اختلط علي حديث عاصم الأحول، وأحاديث أشعث بن سوار، حتى قدم علينا بهز فخلصها لي، فحدثت بها (3). وقال أبو حاتم: إمام، صدوق، ثقة (4). وقال النسائي: ثقة (5). وقال يحيى بن سعيد القطان: صدوق ثقة (6). وقال محمد بن سعد: بهز بن أسد من بلعم من أنفسهم، وكان ثقة كثير الحديث حجة (7). وقال القطان: ما رأيت رجلا خيرا من بهز (8). وأما عمرو بن يزيد الجرمي، فهو الآخر ثقة ولم نعثر على جرح أو ذم يوجب سقوط روايته. فقد قال النسائي: ثقة (9).


(1) تهذيب الكمال 4: 258. (2 - 4) تهذيب الكمال 4: 258، تهذيب التهذيب 1: 497. (5) تهذيب الكمال 4: 259، (6) تهذيب التهذيب 1: 497، وتهذيب الكمال 4: 259. (7) الطبقات الكبرى لابن سعد 7: 298. (8) تهذيب الكمال 4: 259. (9) تهذيب الكمال 22: 301.

[ 298 ]

وقال أبو حاتم: صدوق (1). وقال ابن حجر في التقريب: صدوق (2). وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أغرب (3). والاحتياط يقتضي القول بأن سندا فيه عمرو بن يزيد يحتاج لأن يتابع عليه، خاصة مع قول ابن حبان: ربما أغرب، وأقوال الباقين فيه التي تشعر بعدم شريطة الضبط كقولهم " صدوق، كما عرفت. نعم، إن هذا الطريق صحيح عند النسائي لتوثيقه له، وقولنا (يحتاج لأن يتابع عليه) جاء حسب مبنى الآخرين، وحيث إن هذا الطريق له تابع صحيح مما رواه البخاري في السند الثاني فهو صحيح بغيره، وخصوصا لو عرفنا بأن الثابت عند الفقهاء والمفسرين أن مذهب علي بن أبي طالب هو مسح الرجلين لا غسلهما. الإسناد الخامس قال عبد الله: حدثني أبي، حدثنا محمد بن جعفر (غندر) (4)، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة أ نه شهد عليا رضي الله عنه صلى الظهر، ثم جلس في الرحبة في حوائج الناس، فلما حضرت العصر أتي بتور فأخذ حفنة ماء فمسح يديه وذراعيه ووجهه ورأسه ورجليه، ثم شرب فضله وهو قائم، ثم قال: إن ناسا يكرهون أن يشربوا وهم قيام، وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) صنع مثلما صنعت، وهذا وضوء من لم يحدث (5). وقال أيضا حدثني أبي، حدثنا عفان (6)، حدثنا شعبة (7)، أنبأنا


(1) الجرح والتعديل 6 الترجمة 1492. (2) تقريب التهذيب 2: 81. (3) الثقات لابن حبان 8: 488، تهذيب الكمال 22: 301. (4) تقدم الحديث عنه، في الإسناد الرابع من مرويات علي بن أبي طالب الغسلية. (5) مسند أحمد بن حنبل 1: 139. (6) هو عفان مسلم بن عبد الله الصفار، أبو عثمان البصري، احتج به الجماعة (انظر تهذيب الكمال 20: 160، تهذيب التهذيب 7: 230، سير أعلام النبلاء 10: 242) وغيرها من المصادر. (7) مرت ترجمته في الإسناد الأول من مرويات علي بن أبي طالب المسحية.

[ 299 ]

عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت النزال بن سبرة، قال: سمعت عليا رضي الله عنه، فذكر معناه إلا أنه قال: أتي بكوز (1). المناقشة إن طريق عبد الله بن أحمد الثاني صحيح على شرط البخاري، وأما الأول فهو صحيح بغيره لوجود أكثر من تابع له. وبما أ نا قد بسطنا القول عن رجال الطريقين سوى عفان بن مسلم (2) فلابد من الإشارة إلى أقوال الرجاليين فيه: قال أبو حاتم: عفان إمام ثقة متقن متين (3). وقال يعقوب بن شيبة،: سمعت يحيى بن معين يقول: أصحاب الحديث خمسة: مالك، وابن جريح، والثوري، وشعبة، وعفان (4). وقال أيضا: كان ثقة ثبتا متقنا صحيح الكتاب، قليل الخطأ والسقط (5). وقال يحيى بن معين: عفان أثبت من عبد الرحمن بن مهدي (6). وقال حسن الزعفراني: رأيت يحيى بن معين يعرض على عفان ما سمعه من يحيى بن سعيد القطان (7). وقال عبد الخالق بن منصور: سئل يحيى بن معين عن عفان وبهز أيهما أوثق؟ فقال: كلاهما ثقتان. فقيل له: إن ابن المديني يزعم أن عفان أصح الرجلين؟ فقال: كانا جميعا ثقتين صدوقين (8).


(1) مسند أحمد بن حنبل 1: 139. (2) هو عفان بن مسلم بن عبد الله الصفار، أبو عثمان البصري، احتج به الجماعة (تهذيب الكمال 20: 160، تهذيب التهذيب 7: 230، سير أعلام النبلاء 10: 242) وغيرها من المصادر. (3) الجرح والتعديل 7 الترجمة 165. (4) تهذيب الكمال 20: 170، تاريخ بغداد 12: 276. (5) هامش تهذيب الكمال 20: 170. (6) تهذيب الكمال 20: 171، تاريخ بغداد 12: 275، 276. (7) المصدر نفسه. (8) تهذيب الكمال 20: 169، تاريخ بغداد 12: 274.

[ 300 ]

فهذه النصوص تدعونا للقول باتفاق أهل العلم على الاحتجاج به وإن كان سليمان بن حرب قد شذ عنهم بقوله: والله لو جهد جهده - يعنى عفان - أن يضبط في شعبة حديثا واحدا ما قدر، كان بطيئا، ردئ الحفظ، بطئ الفهم (1). فكلام سليمان بن حرب لا يقلل من مكانة عفان شيئا، لانفراده بذلك، ولأن عفان راجح على سليمان بن حرب. نعم، أورده ابن عدي في كامله والذهبي في ميزانه وابن حجر ضمن المطعونين من رجال صحيح البخاري، إلا أ نهم قد دافعوا عنه والتزموا بكونه ثقة، وبعد هذا فلا يؤثر فيه قول شاذ كقول سليمان. قال ابن عدي: عفان أشهر وأوثق وأصدق، وأوثق من أن يقال فيه شئ مما ينسب إلى الضعف (2). وقال الذهبي: عفان أجل وأحفظ من سليمان (3). وقال ابن حجر: والكلام في إتقانه كثير جدا (4). والحاصل: إن الطريق الثاني صحيح على شرط البخاري - كما هو واضح -. وأما جملة " فمسح يديه وذراعيه ووجهه ورأسه ورجليه " فيحمل الأولان منه أي " فمسح يديه وذراعيه ووجهه " على الغسل يقينا لإجماع المسلمين على أن فرضهما الغسل وأن المسح لا يجزي فيهما، وأما المسح على الرأس والرجلين فهو على معناه الحقيقي وعلى قول كل من الشيعة والسنة، فأما على قول الشيعة فواضح، وأما على قول أهل السنة، فلأنهم فسروا جملة: هذا وضوء من يحدث، بأنه وضوء على طهارة يكتفى - على ضوئه - بالمسح على القدمين، وإن كان فرضها الأولي هو الغسل. وسيأتيك عن قريب توضيح معنى هذه الجملة وأن المقصود منها ليس الذي فهمه أعلام أهل السنة. وعلى كل حال: فالذي ينبغي أن يقال هنا: هو أن المستفاد من مرويات النزال


(1) ميزان الاعتدال 3: 81، الكامل في ضعفاء الرجال 5: 384. مقدمة فتح الباري: 425. (2) الكامل، لابن عدي 5: 385. (3) ميزان الاعتدال 3: 81. (4) مقدمة فتح الباري: 385.

[ 301 ]

هو المسح كوظيفة للقدمين. الإسناد السادس قال عبد الله: حدثني أبي، حدثنا محمد بن فضيل (1)، عن الأعمش، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة، قال: أتي علي رضي الله عنه بكوز من ماء وهو في الرحبة، فأخذ كفا من ماء فمضمض واستنشق، ومسح وجهه وذراعيه ورأسه، ثم شرب وهو قائم، ثم قال: هذا وضوء من لم يحدث، هكذا رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعل (2). المناقشة يغمز هذا الطريق بالأعمش، وقد تقدم الكلام عنه فلا نعيده، وبمحمد بن فضيل الذي لم يتفق أهل العلم على توثيقه. قال عثمان بن سعيد الدارمي، عن يحيى بن معين: ثقة (3). وقال حرب بن إسماعيل، عن أحمد بن حنبل: كان يتشيع، وكان حسن الحديث (4). وقال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم (5). وقال أبو حاتم: شيخ (6). وقال أبو داود: كان شيعيا محترقا (7). وقال النسائي: ليس به بأس (8). وعلى أي حال، فإن هذا الطريق صحيح باعتبار المتابعات الصحيحة عليه


(1) هو محمد بن فضيل بن غزوان الضبي، مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفي، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 26: 293، تهذيب التهذيب 9: 405، سير أعلام النبلاء 9: 173) وغيرها من المصادر. (2) مسند أحمد بن حنبل 1: 78. (3) تهذيب الكمال 26: 297. (4 - 6) الجرح والتعديل 8 الترجمة 263. (7 - 8) تهذيب الكمال 26: 297.

[ 302 ]

لا بنفسه. ج‍ - ما رواه حبة العرني عنه الإسناد قال ابن جرير الطبري: حدثني محمد بن عبيد المحاربي (1)، قال: حدثنا أبو مالك الجنبي (2)، عن مسلم (3)، عن حبة العرني (4)، قال: رأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه شرب في الرحبة قائما، ثم توضأ ومسح على نعليه، وقال هذا وضوء من لم يحدث هكذا رأيت رسول الله صنع (5). المناقشة يغمز في هذا الطريق من عدة جهات: الأولى: من جهة أبي مالك الجنبي، فهو وإن لم يجرح بما يسقط الاحتجاج به مطلقا إلا أن أهل العلم لينوه إلى مرتبة تكون أحاديثه حسانا لا صحاحا: فقد قال أحمد بن حنبل: صدوق (6). وقال البخاري: فيه نظر (7).


(1) هو المحاربي، أبو جعفر النحاس الكوفي، روى له أبو داود والترمذي والنسائي (انظر تهذيب الكمال 26: 70، تهذيب التهذيب 9: 332، الثقات لابن حبان 9: 108) وغيرها من المصادر. (2) هو عمرو بن هاشم، أبو مالك الجنبي الكوفي، روى له أبو داود والنسائي (انظر تهذيب الكمال 22: 272، تهذيب التهذيب 8: 111، التاريخ الكبير للبخاري 6: الترجمة 2702) وغيرها من المصادر. (3) هو مسلم بن كيشان الضبي الملائي البراد، أبو عبد الله الكوفي الأعور، روى له الترمذي وابن ماجة (انظر تهذيب الكمال 27: 530، تهذيب التهذيب 10: 135، التقريب 2: 246، التاريخ الكبير للبخاري: 7 الترجمة 1145) وغيرها من المصادر. (4) هو حبة بن جوين بن علي العرني البجلي، أبو قدامة الكوفي، روى له النسائي (انظر تهذيب الكمال 5: 351، تهذيب التهذيب 2: 176، تاريخ بغداد 8: 274) وغيرها من المصادر. (5) تفسير الطبري 6: 86. (6 - 7) تهذيب الكمال 22: 274، التاريخ الكبير للبخاري: 6 الترجمة 2702.

[ 303 ]

وقال أبو حاتم: لين الحديث يكتب حديثه (1). وقال النسائي: ليس بالقوي (2). وقال أبو أحمد بن عدي: صدوق إن شاء الله (3)، وقال أيضا: إذا حدث عن ثقة فهو صالح الحديث (4). الثانية: من جهة مسلم الأعور، الذي تكلم فيه أئمة الرجال بما يوجب ضعفه وعدم إمكان الاحتجاج به، فقد قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: لا شئ (5). وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث (6). وقال أبو حاتم: يتكلمون فيه، وهو ضعيف الحديث (7). وقال البخاري: يتكلمون فيه (8). وقال أبو داود: ليس بشئ (9)، وقال الترمذي: يضعف (10). وقال النسائي: ليس بثقة (11). وقال أبو حاتم ابن حبان: اختلط في آخر عمره وكان لا يدري ما يحدث به (12). وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: غير ثقة (13). وقال ابن حجر: ضعيف. الثالثة: من جهة حبة العرني، فقد قال عباس الدوري، عن يحيى بن معين: حبة


(1) الجرح والتعديل 1 الترجمة 1478، تهذيب الكمال 22: 274. (2) تهذيب الكمال 22: 274. (3 - 4) الكامل، لابن عدي 5: 143. (5 - 6) تهذيب الكمال 27: 532، الجرح والتعديل 8 الترجمة 844. (7) الجرح والتعديل 8 الترجمة 844. (8) التاريخ الكبير للبخاري: 7 الترجمة 1145، وتاريخه الصغير 2: 93، وضعفائه الصغير الترجمة 343. (9 - 10) تهذيب الكمال 27: 533. (11) تهذيب الكمال 27: 534. (12) المجروحين لابن حبان 3: 8. (13) تهذيب الكمال 27: 534، عن أحوال الرجال الترجمة 47.

[ 304 ]

العرني ليس بثقة (1). وقال ابراهيم بن يعقوب الجوزجاني: غير ثقة (2). وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش: ليس بشئ (3). وقال النسائي: ليس بالقوي (4). وقال صالح بن محمد البغدادي: حبة العرني من أصحاب علي، شيخ وكان يتشيع، ليس هو بمتروك ولا ثبت، وسط (5). وقال أحمد بن عبد الله العجلي: كوفي، تابعي، ثقة (6). وقال يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه: ما رأيت حبة العرني قط إلا يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر، إلا أن يكون يصلي أو يحدثنا (7). وذكره أبو موسى المدني في الصحابة (8). وقال ابن عدي في الكامل: ما رأيت له منكرا جاوز الحد إذا روى عنه ثقة، وقد أجمعوا على ضعفه إلا أنه مع ذلك يكتب حديثه (9). وقال ابن حجر: صدوق له أغلاط، وكان غاليا في التشيع (10). وقال المزي: كان من شيعة علي، وشهد معه المشاهد كلها (11). وقال الذهبي: حبة هو الذي روى أن مع علي في صفين ثمانين بدريا وهذا محال (12). هذه أهم الاقوال التي وردت في حبة العرني، وها أنت ترى أن تليينه يأتي لكونه من شيعة علي ومن الذين شهدوا معه جميع المشاهد، ولأنه روى أن هناك


(1 - 4) تهذيب الكمال 5: 352، 353. (5) تاريخ بغداد 8: 276. (6) تهذيب الكمال 5: 353. (7) تاريخ بغداد 8: 286، تهذيب الكمال 5: 353. (8) هامش تهذيب الكمال 5: 353. (9) الكامل في الضعفاء 2: 430، ميزان الاعتدال 1: 450 الترجمة 1688. (10) تقريب التهذيب 1: 148. (11) تهذيب الكمال 5: 352. (12) ميزان الاعتدال 1: الترجمة 1688.

[ 305 ]

ثمانون بدريا في صفين مع علي بن أبي طالب. والحاصل: فإن هذا الطريق وعلى أسوأ التقارير لو قيل بضعفه فإنه مما يمكن المتابعة عليه لتصحيحه بما تقدم من الأحاديث المسحية الصحيحة. وأما المسح على النعلين، فهو يعني المسح على القدمين، أما على تفسير الشيعة فواضح وأما على تفسير أهل السنة، فلأن معنى " هذا وضوء من لم يحدث " عندهم هو الوضوء على طهارة - كما أشرنا سابقا - وهذا يؤدي عندهم إلى أن فرض الرجلين هو المسح أيضا، فالشيعة إذن تتفق كلمتها مع السنة في أن الرواية يستفاد منها ومن غيرها المسح على القدمين ولكنهم إختلفوا في تفسير معنى الحدث في قول علي: هذا وضوء من لم يحدث. وسيأتي قريبا توضيح معنى هذا العبارة بشئ من التفصيل. د - ما رواه أبو مطر عنه: الإسناد قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني أبي، حدثنا محمد بن عبيد (1)، حدثنا مختار (2)، عن أبي مطر، قال: بينا نحن جلوس مع أمير المؤمنين علي في المسجد على باب الرحبة جاء رجل، فقال: أرني وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) - وهو عند الزوال - فدعا قنبر، فقال: ائتني بكوز من ماء، فغسل كفيه ووجهه ثلاثا وتمضمض ثلاثا، فأدخل بعض أصابعه في فيه واستنشق ثلاثا، وغسل ذراعيه ثلاثا، ومسح رأسه واحدة، فقال: داخلها من الوجه وخارجهما من الرأس، ورجليه إلى الكعبين ثلاثا، ولحيته تهطل على صدره، ثم حسا حسوة بعد الوضوء، ثم قال: أين السائل عن وضوء


(1) يحتمل كونه محمد بن عبيد بن أبي أمية الطنافسي، أبو عبيد الله الكوفي الأحدب، مولى أياد، ثقة، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 26: 54، سير أعلام النبلاء 9: 436، تهذيب التهذيب 9: 327) وغيرها من المصادر. (2) هو مختار بن نافع التيمي، أبو إسحاق التمار الكوفي، روى له الترمذي (انظر تهذيب الكمال 27: 320، تهذيب التهذيب 10: 69، التاريخ الكبير للبخاري: 7 الترجمة 1679) وغيرها من المصادر.

[ 306 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كذا كان وضوء نبي الله (صلى الله عليه وآله) (1). المناقشة يضعف هذا الطريق من جهتين: الأولى: من جهة مختار بن نافع، لجرح غالب أهل العلم له. فقد قال أبو زرعة: واهي الحديث (2). وقال البخاري (3)، والنسائي (4)، وأبو حاتم (5): منكر الحديث. وقال النسائي في موضع آخر: ليس بثقة (6). وقال ابن حبان: كان يأتي بالمناكير عن المشاهير حتى يسبق إلى القلب أ نه كان المتعمد إلى ذلك (7). وقال ابن الحكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم (8). وقال ابن حجر في التقريب: ضعيف (9). الثانية: من جهة أبي مطر، وذلك لجهالته. قال المزي: أبو مطر، ولا يعرف اسمه (10). وقال الذهبي: أبو مطر الجهني، عن علي (عليه السلام)، وعنه مختار مجهول (11). وقال ابن حجر: أبو مطر عن سالم بن عبد الله بن عمر في القول عند الرعد (12).


(1) مسند أحمد 1: 158. (2) تهذيب الكمال 27: 322. (3) الضعفاء الصغير للبخاري: 227 ترجمة 357. (4) تهذيب الكمال 27: 322. (5) الجرح والتعديل 8: الترجمة 1440. (6 - 7) تهذيب الكمال 27: 323 - 324. (8) تهذيب الكمال 27: 323. (9) تقريب التهذيب 2: 234. (10) تهذيب الكمال 34: 298. (11) ميزان الاعتدال: 4 الترجمة 10610. (12) روى أبو مطر عن سالم عن عبد الله بن عمر عن أبيه، قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا سمع صوت =

[ 307 ]

وعنه الحجاج بن أرطأة وعبد الواحد بن زياد، والصحيح عن عبد الواحد عن حجاج عنه، ذكره ابن حبان في الثقات (1). وقال في التقريب: أبو مطر، شيخ الحجاج بن أرطاة، مجهول من السادسة (2). نعم، ذكره ابن حبان في الثقات (3)، وتوثيقه لا يمكن الاعتماد عليه لإدخاله كثيرا من المجاهيل في كتابه الثقات. وأما احتجاج الترمذي به فلا يعني أنه مكشوف الحال عنده، لكون الترمذي متساهلا جدا في التصحيح والتحسين، فكم من ضعيف أو مستور الحال احتج به، أو روى له، فلا يعبأ أهل العلم باحتجاج الترمذي في خصوص هكذا موارد. والحاصل: إن هذا الطريق لا يمكن الاحتجاج به إلا على فرض دلالته على المسح، لوجود أكثر من تابع صحيح له مما رواه عبد خير أو النزال بن سبرة عن علي (عليه السلام). ولمتابعة حبة أيضا. ه‍ - ما رواه معقل الجعفي عنه: الإسناد قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عبيد، قال: حدثنا محمد بن أبي إسماعيل عن معقل الجعفي، قال: بال علي في الرحبة ثم توضأ ومسح على نعليه (4).


= الرعد والصواعق قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك. (اخرجه البخاري في الادب المفرد: 721، والترمذي ح 3450 والنسائي في اليوم والليلة). (1) تهذيب التهذيب 12: 228. (2) تقريب التهذيب 2: 472. (3) الثقات لابن حبان 7: 664. (4) طبقات بن سعد 6: 239.

[ 308 ]

و - ما رواه الحصين عنه: الإسناد قال ابن سعد: أخبرنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا حنش بن الحارث عن قابوس بن حصين بن جندب عن أبيه، قال: رأيت عليا يبول في الرحبة حتى أرغى بوله، ثم يمسح على نعليه ويصلي. (1) المناقشة نحن بغض النظر عن البحث السندي لهذين الحديثين اللذين أخرجهما ابن سعد في طبقاته يمكننا تصحيحهما بالمتابعات المتقدمة، وهذا لا يحتاج إلى مزيد بيان. ولكننا نقول - ومن جهة الدلالة -: أن المسح هنا لا ينبغي أن يتردد في أ نه محمول على مسح القدمين، إذ قد مر عليك سابقا أن النعل العربي لا يمنع من تحقق المسح الشرعي، ومر عليك أيضا في الإسناد السادس من أسانيد عبد خير وغيره من الأسانيد أن عليا قال: لولا أني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعل... لرأيت أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، وهذا القول ظاهر في أن ما مسح عليه علي إنما هو القدم لا النعل وإن كانت الرواية قالت إن عليا توضأ ومسح على النعلين، فلو كان الممسوح عليه هو النعل لصار قول علي: "... لولا... " لغوا، وهذا محال في حق علي وهو رأس الفصاحة وسنامها بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إذ كيف يذكر ظاهر وباطن القدمين مع أنه مسح على النعلين؟!. إذن فلابد من حمل المسح على النعلين أنه إنما كان على القدمين لاغير.


(1) طبقات بن سعد 6: 241.

[ 309 ]

البحث الدلالي بعد أن عرضنا الروايات المسحية، وخصوصا الصحاح منها في مرويات عبد خير والنزال بن سبرة، نقول: إن الصفحات السابقة أوضحت لنا عدم صمود الروايات الغسلية عن علي بن أبي طالب أمام ما صح عنه من مرويات المسح، إذ كان أحسن ما فيها إسناد عبد خير عن علي، وقد أثبتنا ضعفها في الغسل - وأنها معلولة - وقوتها في المسح، فتقدم روايته للمسح عن علي و. وإذا تنزلنا وقلنا بقوة رواية الغسل فهي معارضة برواية المسح عنه، ولو تعارضتا تساقطتا، فلا تبقى رواية غسلية حجة بعدها إذن، وعند ذلك تبقى روايات النزال بن سبرة المسحية هي الصحيحة في الباب، فالأسانيد الأربعة الأوائل بعضها صحيحة بنفسها وبعضها صحيحة بغيرها. وكذا الحال بالنسبة إلى متونها، فهي ظاهرة وصريحة الدلالة على المسح، وأما جملة: " وذكر رأسه ورجليه " في خبر البخاري، فهي الأخرى دالة على مسح القدمين، وإن كان الراوي لم يصرح بحكم الرأس والرجلين فيهما، لأن الفصل في كلامه " وذكر رأسه ورجليه " عما في الوجه واليدين، يعني تغير الحكم فيهما، وقد أراد الكرماني الإجابة عن هذا الإشكال فقال: إن قلت: لم فصل الرأس والرجلين عما تقدم ولم يذكرهما على وتيرة واحدة؟ قلت: حيث لم يكن الرأس مغسولا بل ممسوحا فصله عنه، وعطف الرجل عليه، وإن كانت مغسولة على نحو قوله تعالى * (وأرجلكم) * أو كان لا بس الخف فمسحه أيضا (1). وهذا التأويل من الكرماني باطل ولا يسكن إليه قلب الحر، لعدة جهات:


(1) شرح الكرماني على صحيح البخاري 1:

[ 310 ]

الأولى: إن المورد هو بيان صفة وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قبل علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فلا معنى لإجماله في هذا المورد، وكذا الحال بالنسبة إلى الراوي، فلو كان قد اطمأن بأن عليا غسل رجليه لحكى الوضوء عنه كما حكى عن عثمان وغيره من أنه مسح رأسه ثم غسل رجليه، وحينما لم يوضح الحكم فيهما بل تركهما مجملين عرفنا أن حكمه هو المسح، وهو يخالف حكم اليدين والوجه بقرينة فصلهما عما قبلهما. الثانية: إن اضطراب الكرماني في كلامه يعرفنا بأن الفصل مما يؤكد المسح ولا معنى لتأويله، والتردد بمثل قوله: (.. أو كان لابس الخف فمسحه)!! الثالثة: لو قبلنا جدلا أن قراءة النصب تدل على غسل الرجلين، فإننا نقول أن من غير المعقول تصور الإجمال في السنة وبيان مراد الرسول، إذ اللازم حكاية ما يصدر عنه واضحا صريحا لا مبهما ومجملا، وإلا لما كانت للإجابة فائدة. الرابعة: إن مما يخطئ نقل البخاري (وذكر رأسه ورجليه) هو ما ورد في المتون المنقولة بالأسانيد الأخرى عن النزال، وخصوصا السند الأول منها، ففيه تصريح بأن حكم الرجلين هو المسح لا غير، وهذا دليل قوي لإثبات مدعانا وبطلان رأي الكرماني وغيره. الخامسة: بما أن الحكام قد استقبحوا المسح، فلا يستبعد أن يكون هذا النص من البخاري وما جاء في النصوص الأخرى عن غيره من الاضافة والتغيير قد جاء لإرضاء الحاكم، أو أنهم استقبحوه لكراهته له!! ثم إن الأدهى من ذلك هو أن البخاري لم يتعرض إلى جملة (هذا وضوء من لم يحدث) الثابتة في نهاية الحديث، والتي تقتضي مسح القدمين على أي نحو فسرت. قال ابن حجر وهو في معرض الحديث على السند الثاني:... وقد ثبت في آخر الحديث قول علي: هذا وضوء من لم يحدث. وقال القسطلاني في إرشاد الساري: وقد ثبت في آخر الحديث قول علي رضي الله عنه: وهذا وضوء من لم يحدث. وقال العيني في عمدة القاري: وقد ثبت في آخر الحديث قول علي رضي الله عنه: هذا وضوء من لم يحدث. وفي أحكام القرآن قريب منه فراجع. والذي يشدد عجبنا أن الطحاوي أخرج عن شعبة كالذي أخرجه النسائي وفي

[ 311 ]

ذيله " هذا وضوء من لم يحدث " وقال بعده: وليس في هذا الحديث عندنا دليل على أن فرض الرجلين هو المسح، لأن فيه أ نه قد مسح وجهه، وكان ذلك المسح هو غسل، فقد يحتمل أن يكون مسحه برجله غسلا أيضا ". ونحن وإن كنا سنبين بطلان دعواه هذه في الجزء الثالث من كتابنا إن شاء الله، لكننا نقول هنا: إن حمل المسح في الوجه واليدين على الغسل، استظهار صارف عن معنى المسح فيهما، بخلاف حمله على ذلك في الرجلين، وهما محل النزاع فيكون ادعاؤه مصادرة صريحة. تفسير قوله " هذا وضوء من لم يحدث " وردت هذه الجملة في الإسناد الرابع من طرق عبد خير، وكذا في بعض أسانيد النزال بن سبرة، وقد اختلف الأعلام في معناها، فقال بعض: إن المقصود منها هو توضيح حكم الوضوء للمكلفين وأن المسح على القدمين جائز لمن حافظ على الوضوء ولم يحدث حدثا ناقضا له، وأما الذي أحدث بما يوجب الوضوء مرة أخرى من خروج ريح أو بول أو غائط أو نحوها - فوظيفته غسل القدمين لا المسح. وذهب آخرون إلى أن معناها الإحداث في الدين لما شرحوه في بحوثهم، لكننا قبل ترجيح أحد الرأيين لابد لنا من الإشارة إلى أن كلمة (يحدث) من المشتركات اللفظية، فيمكن إطلاقها على الناقض للطهارة كما يمكن إطلاقها على الابتداع في الدين، ولا تخالف في الظهور والإطلاق على كل واحد منهما. فمما يدل على الأول قوله (صلى الله عليه وآله): (لا وضوء إلا من حدث) ونحوها. وعلى الثاني قوله (صلى الله عليه وآله) (من أحدث في المدينة حدثا فعليه لعنة الله). وقوله (كل محدثة في الدين بدعة) وغيرها. وعلى ذلك فإن تعيين أحد المعنيين يستوجب الوقوف على القرائن والشواهد في

[ 312 ]

الباب، فإن قوت القرائن إرادة معنى الناقضية فهو، وإن دلت على إرادة الإحداث في الدين فنأخذ به، فلا محيص عن أن نبحث على ما يعين لنا المراد من اللفظ، وقد تتبعنا القرائن والشواهد، فرأيناها كالتالي: الأولى: إن جملة " هذا وضوء من لم يحدث " لم ترد على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله) [ أو أحد من الصحابة غير علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ] (1)، وهذا يدلنا على عدم فصل النبي (صلى الله عليه وآله) بين حكم المحدث وغيره، لكون الوضوء من الأمور المبتلى بها في الحياة اليومية ومما يتوقف عليه الكثير من العبادات والقربات الإلهية، فلو كان حقا هناك فصل في حكم هذه المسألة للزمه (صلى الله عليه وآله) أن يبينه ويوضحه للمسلمين لكونه رسول رب العالمين والمبلغ لأحكامه تعالى، فعدم بيانه لهذا الحكم يرشدنا إلى عدم ثبوت هذا الحكم في الشرع المبين، إذ أن ترك بيان مثل هذا الأمر - وضوء المحدث، ووضوء غيره - يعني كتمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لبعض أحكام الله تعالى والعياذ بالله. أو إحراجه (صلى الله عليه وآله) المسلمين بإيجاب إتيانهم بأمور " كغسل الرجلين " مع إمكانهم أدائها بطرق شرعية سهلة لمن حافظ على وضوئه الغسلي " كمسح الرجلين "!! وعليه فعدم وجود مرفوع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو موقوف على صحابي آخر غير علي وعمر فيه هذه الجملة، يرشدنا إلى عدم صحة ما افترضوه في كلامة (عليه السلام) من كونه متعلقا بوضوء من لم يحدث حدث الطهارة. الثانية: من الثابت في الشرع لزوم نسبة الأحكام إلى الله ورسوله، فتراهم يقولون: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال كذا، أو خطبنا (صلى الله عليه وآله) في المسجد فقال، أو: فعلنا كذا بمحضر الرسول ولم يمنعنا، أو: ألا أريكم وضوء نبيكم، أو غير ذلك مما جرت به سيرتهم في رفع الأحكام إلى الشارع المقدس، والوضوء لم يخرج عن هذه القاعدة العامة الشرعية، ولو تتبعت المرويات فيه لرأيت أن من روى فيه قد رفع حديثه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لكن لنا سؤال وهو: لماذا لم يرفع الإمام علي جملة " هذا وضوء من لم يحدث " إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حين نجده - في نفس الرواية - يرفع قضية شرب فضلة الوضوء وهو قائم إليه (صلى الله عليه وآله)، فيقول: هكذا رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعل، أو: إني


(1) سيأتي الحديث عن رواية عمر تحت عنوان ما رواه " الصحابة الرواة للمسح ". (

[ 313 ]

رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعل كما فعلت، فما يعني هذا؟ ولماذا أوقف الجملة الأولى " هذا وضوء من لم يحدث " على نفسه ورفع الثانية إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله " هكذا رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعل "؟! ألا يدلنا هذا على أن جملة " هذا وضوء من لم يحدث " ليس لها دلالة على الناقضية، بل فيها إشارة إلى أمر خارجي يتعلق بإحداث من قبله في الوضوء؟ إذ تراه ينسب الشرب قائما إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) - وهو ليس بأهم من بيان حكم من لم يحدث - ويوقف جملة " من لم يحدث " على نفسه، مع معرفتنا بأن الفرض الأصلي هو بيان أحكام الوضوء، والشرب من قيام أمر متفرع عنه، فعلى أي شئ يدل هذا، ألا يدل على التخالف بين الفهمين؟. الثالثة: إن رفع الإمام كلامه في قضية الشرب قائما إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوضح لنا وجود فكر سائد عند جمع من الناس، مفاده عدم جواز الشرب قائما، لقوله: (إن ناسا يكرهون أن يشربوا وهم قيام...) فالإمام لما رأى اعتقاد هؤلاء بعدم جواز شرب فضلة الوضوء واعتباره (1) شرعا عاما عندهم بادعاء نهي النبي (صلى الله عليه وآله) عن الشرب واقفا، جاء ليوضح لهم أنه (صلى الله عليه وآله) مع نهيه عن الشرب قائما قد أجاز شرب فضلة الوضوء بالخصوص، وهذا هو التقييد بعد الإطلاق، فالناس بنسبتهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله) المنع من شرب فضلة الوضوء، أتوا بأشياء منكرة وأدخلوا في الدين ما ليس منه، وهو الإبداع والإحداث المنهي عنه بعينه، فالإمام أراد بفعله إبعادهم عما تصوروه وأن ذلك من الإبداع والإحداث في الدين، فلا يجوز لهم جعله شريعة يتعبدون بها. وعليه فيمكن أن يكون الإمام علي قد أراد بفعله أن يوضح أمرين قد خفيا على بعض المسلمين: الأول: إن غسل القدمين ليس بشرعي وأ نه وضوء من أحدث في الدين، بخلاف المسح الذي هو وضوء من لم يحدث. الثاني: جواز شرب فضلة الوضوء وهو قائم، ومن يعتقد بعدم جوازه فقد أبدع


(1) انظر الناسخ والمنسوخ: 258.

[ 314 ]

وأحدث في الدين. فالإمام قد أوقف الأمر الأول على نفسه، لوقوفه على حقيقة تاريخية وبدعة ظاهرة جاءت بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وقبل خلافته، ورفع الأمر الثاني - وهو الشرب واقفا - إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليزيل عن الناس ما تصوروه خطأ من عدم جواز فعل ذلك. الرابعة: إن القول بكون جملة " هذا وضوء من لم يحدث " حكما لمن لم ينقض وضوءه بحدث! يدعونا للقول بوجود حكمين لمتعلق واحد. 1 - حكم وضوء من أحدث = غسل الرجلين. 2 - حكم وضوء من لم يحدث = جواز المسح على القدمين. وهذا لغو وباطل، ولو صح للزم أن يدل عليه دليل من الذكر الحكيم أو السنة المطهرة، ولجاء في كلام الصحابة، وحيثما لم نجد ذلك عرفنا أن مقصود الإمام هو الابتداع والإحداث في الدين، وأ نه قصد بكلامه من سبقه في طرح هذه الرؤية المغلوطة وهو الخليفة عثمان بن عفان! الخامسة: لا يشك احد من المسلمين بان الوضوء مندوب في الشريعة سواء احدث ام لم يحدث، الا أن بعض المسلمين في الصدر الاول تصور ضرورة الوضوء لكل صلاة، فقد روى عبد الرزاق بسنده عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال: كنا مع ابي موسى الاشعري في جيش على ساحل دجلة إذا حضرت الصلاة، فنادى مناديه للظهر، فقام الناس إلى الوضوء فتوضوا، فصلى بهم ثم جلسوا حلقا، فلما حضرت العصر نادى منادي العصر، فهب الناس للوضوء أيضا، فامر مناديه فنادى: إلا، لا وضوء الا على من أحدث، قد اوشك العلم أن يذهب، ويظهر الجهل حتى يضرب الرجل أمه بالسيف من الجهل (1) وروى أيضا بسنده عن المسدد بن مخرمة، قال لابن عباس... عبيد بن عمير إذا سمع النداء خرج فتوضأ، قال ابن عباس: هكذا يصنع الشيطان، إذا جاء فآذنوني، فلما اخبروه قال: ما يحملك على ما تصنع؟ قال: أن الله يقول (إذا قمتم إلى...)


(1) مصنف عبد الرزاق 1: 55 ح 159.

[ 315 ]

قال ابن عباس: ليس هكذا إذا توضأت فانت طاهر ما لم تحدث (1). وروي ايضا عن ابن جريح أنه سئل عطاء: الوضوء لكل صلاة؟ قال عطاء: لا. قلت: فانه يقول (إذا قمتم...) قال عطاء: حسبك الوضوء الاول، لو توضأت للصبح لصليت الصلاة كلها به ما لم احدث. قلت: فيستحب أن أتوضأ لكل صلاة؟ قال: لا (2). فهذه النصوص تؤكد وجود فكرة خاطئة يحملها بعض المسلمين، وهي الذهاب إلى لزوم الوضوء لكل صلاة أو القول باستحباب ذلك ومحبوبيته، وهذا القول يدعوهم أن يجعلوا للوضوء عنوانين: احدهما: التوضا بسبب الحدث الناقض للطهارة، وثانيهما: التوضا على الطهارة ومن غير حدث باعتباره سنة!! فابو موسى الاشعري وضح سقم هذه الفكرة وأن التركيز على شئ اسمه وضوء من لم يحدث بهذا الشكل امر لا علاقة له بالشريعة، ويزيد الامر وضوحا لو تأملنا في ذيل كلام ابي موسى " أو شك العلم أن يذهب ويظهر الجهل حتى يضرب الرجل امه بالسيف من الجهل " فلماذا قال لهم هذا؟! ألأن أبا موسى ينهاهم عن شئ مشروع؟ وهذا غير معقول لكونه صحابي كبير! بل لماذا؟! التفشي الجهل بينهم؟ فعدم رد واحد منهم عليه ليكشف عن قبولهم بخطأهم. بل أن جسامة القضية هي التي دعت ابي موسى أن يقول مقولته لانه فشا فيهم الجهل إلى حد يؤدي بهم إلى أن يضرب أحدهم امه بالسيف! ومثله الحال بالنسبة لابن عباس ووصفه لوضوء عبيد بن عمير: بأنه من صنع الشيطان، فلا يعقل


(1) مصنف عبد الرزاق 1: 57 ح 167. (2) مصنف عبد الرزاق 1: 57 ح 165.

[ 316 ]

أن يصف ابن عباس فعل مسلم مباح بانه من صنع الشيطان؟ إذا هناك امر من وراء الكواليس. فلم يبق لنا بعد كل هذا إلا أن نقول: إن ما فعله عبيد إنما كان بدعة لا يتماشي مع ثوابت الوضوء في الاسلام. ومن اجله وقف ابن عباس امامه لاعتقاده بكون هذا الامر أحدوثة، وهذا هو الذي اجاز له أن يصف فعل ظاهره الندب بانه من صنع الشيطان لوقوفه على تبنى اشخاص لهذا الراي وخلق منه اتجاه في التشريع الاسلامي. وما جواب عطاء بنفى الاستحباب الا ليؤكد على هذه الحقيقة كذلك. ولم يقف ردع التابعين لهذه الفكرة الخاطئة عند عطاء حتى شمل سعيد بن المسيب كذلك، فقد احرج ابن ابي شيبة بسنده عن سعيد بن المسيب أنه قال: الوضوء من غير حدث اعتداء (1). فلو تساءلنا: احقا أن وضوء غير المحدث اعتداء؟ مع ثبوت اباحته عند كل المسلمين، ام أن وراء هذه المقولة شئ آخر؟ لكان جوابنا: أن سعيد بن المسيب لا يعنى بقوله: إن الوضوء المندوب هو اعتداء، بل كان يريد الاشارة إلى أن التعمق في الدين والتعدي عما شرعه الله هو الابتداع وهذا ما يريده هؤلاء لانه التزام بما لم يلزمنا الله ورسوله به، وهو فعل أهل الجهل حسب وصف أبي موسى الاشعري لهم ولكونه فهم متاخر من عهد التشريع - وأنت ترى - أن موقف سعيد بن المسيب لا يقل في الشدة عن موقف أبي موسى وابن عباس وغيرهما، وقد ذكرنا لك بان هذه النصوص والشده والحدة التى فيها كافيه للدلاله على أن هناك نهج اسمه (وضوء من لم يحدث)، بدءا بأهل الجهل في زمن أبي موسى الاشعري إلى يومنا هذا. اقول وبعد كل ما مر من ا ن وضوء من لم يحدث هو من صنع الشيطان، وأنه من اهل الجهل، وأنه اعتداء في الدين وأنه ليس بمستحب إذ وقفت على نص الإمام على وشربه كلماء واقفا واتيانه بالمسح بعد أن بال وحين كان طاهرا.


(1) مصنف ابن أبي شيبة 1: 34 ح 295، تفسير طبري 6: 71.

[ 317 ]

فمن هنا يمتنع أن يفسر الحدث الوارد في قول على " هذا وضوء من لم يحدث " بما قالوه لان تفسيرهم لكلام الإمام يجعلنا أن نقول بوجود وضوءين احدهما لمحدث والآخر لغيره، وهذا لم يثبت. هذا وإن فكرة التقسيم هذه ظهرت متاخرا ولم ترد على لسان الصحابة - لاصغارهم ولا كبارهم - ولا حتى على لسان التابعين، بعكس موقف النفي والتخطئة والذي ورد على لسان الصحابة والتابعين، وهذا يكشف على أن الوضوء النبوي واحد - مع الحدث وبدونه -، وهو الأخر يكشف على ان الذاهبين إلى القول السابق هم الذين اعتدوا على الاحكام بالزيادة فيه وهم الذين رماهم أبو موسى الأشعري بالجهل، وابن عباس بانه من صنع الشيطان. وهل تتصور خفاء مثل هذا الامر على صحابه امثال علي بن أبي طالب وهو باب علم رسول الله أو خفائه على ابن عباس وهو حبر الأمة أو أبي موسى الاشعري وأنس ابن مالك أو على ابن المسيب و.... فاستبان مما تقدم إن قول على ابن أبي طالب (هذا وضوء من لم يحدث) لا يفيد ما يدعونه بل هو صريح بنظرنا في الاحداث في الدين وذلك بعد ابطالنا دلالتها على الناقضيه، واليك كلام ابن عمر كدليل آخر، فقد اخرج الطبري بسنده عن أبي غطيف قال: صليت مع ابن عمر الظهر فاتى مجلسا في دار. فجلس وجلست معه فلما نودى بالعصر دعا لوضوء فتوضأ ثم خرج إلى الصلاة ثم رجع إلى مجلسه فلما نودى بالمغرب دعا بوضوء فتوضأ، فقلت: أسنة، ما اراك تصنع؟ قال [ يعنى ابن عمر ]: لا وإن كان وضوئي لصلاه الصبح كاف للصلوات كلها ما لم احدث (1). فإذا لم يكن هذا الوضوء سنة فهل تصدق أن يأتي صحابي كعلى ويعلم الناس ما هو ليس بسنة؟! والذي يظهر لنا من مجموع الروايات أن بذرة الخلاف وارتكاز امثال هذا الفكرة انما كان موجودا ومنذ عهد رسول الله عند بعض الصحابة فقد اخرج الطبري بسنده


(1) تفسير الطبري 6: 73.

[ 318 ]

عن سفيان بن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن ابيه قال: صلى رسول الله الصلوات كلها بوضوء فقال له عمر: يا رسول الله صنعت شيئا لم تكن تصنع، فقال (صلى الله عليه وآله): عمدا فعلته يا عمر (1). فيشعر هذا النص بان رسول الله كان يتخوف من اتخاذ بعض الصحابة حالة الوضوء لكل صلاة من دون حدث سنة يلتزم بها، ولهذا قال لعمر: عمدا فعلته. وروى ابن جرير بسنده عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أنه سئل عن وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة - طاهرا أو غير طاهر - فقال: قالت: اسماء ابنة زيد بن الخطاب، إن عبد الله بن زيد بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل حدثنا أن النبي أمر بالوضوء عند كل صلاة فشق ذلك عليه فامر بالسواك ورفع عنه الوضوء الا من حدث (2). فهذا النص يوضح أن الوضوء لكل صلاة كان مما أمر به النبي ونسخ دفعا للمشقة، فقد يكون بعض الصحابة أدخلوا هذا الامر في التشريع اجتهادا واستحسانا من أنفسهم له أو أنهم لم يقفوا على نسخه. فنتسائل بعد هذا هل يعقل أن يكون هذا الحكم والذي رفعه الله عن امة النبي تفصلا أن يعمل به من قبل على بن أبي طالب وفي ايام خلافته في رحبة الكوفة، والذي قال عنه النبي ما قال؟؟! السادسة: من الثابت كون الإمام علي بن أبي طالب من قادة التعبد المحض، إذ كان لا يرتضي الاجتهاد، بل كان يجد لتصحيح ما فتقه من سبقه من الخلفاء، بخلاف عثمان بن عفان الذي اجتهد في تقديم الخطبة قبل الصلاة في العيدين، وإتمام الصلاة بمنى، وعفوه عن عبيدالله بن عمر، وغيرها...، وقد رماه الصحابة بالإحداث والإبداع، فقال له طلحة: إنك قد أحدثت أحداثا لم يكن الناس يعهدونها (3). وقال الزبير في حقه: اقتلوه فقد بدل دينكم (4).


(1) تفسير الطبري 6: 73. (2) تفسير الطبري 6: 72. (3) انساب الاشراف 5: 29. (4) شرح نهج البلاغة، بن أبي الحديد 9: 36.

[ 319 ]

وقال سعد بن أبي وقاص: غير وبدل (1). وقالت عائشة: اقتلوا نعثلا فقد كفر (2). وقال ابن مسعود: ما أرى صاحبكم إلا غير وبدل (3). وقال عمار بن ياسر: قتلناه لإحداثه (4). وغيرها من النصوص التى مرت عليك وكان الإمام علي قد أنبأ بوقوع ذلك يوم الشورى حيث قال: " أما إني أعلم أ نهم سيولون عثمان، وليحدثن البدع والأحداث، ولئن بقي لأذكرنك، وإن قتل أو مات، ليتداولها بنو أمية بينهم، وإن كنت حيا لتجدني حيث تكرهون ". هذا، وقد كان الناس يكررون الطلب من علي بن أبي طالب أن يكلم الخليفة في إحداثاته المتكررة، فدخل عليه وقال: إن الناس ورائي، وقد استسفروني بينك وبينهم، ووالله ما أدري ما أقول لك؟ ما أعرف شيئا تجهله، ولا أدلك على شئ تعرفه، إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شئ فنخبرك عنه، ولا خلونا بشئ فنبلغكه، وقد رأيت كما رأينا وسمعت كما سمعنا، وصحبت رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما صحبنا، وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب أولى بعمل الحق منك، وأنت أقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وشيجة رحم منهما... إلى آخره. فعلي بن أبي طالب حمل في الواقع مهمة التصحيح على عاتقه فضلا عن إمامته وخلافته على المسلمين، وبما أن الوضوء كان من الأحكام التي منيت بالتحريف على عهد عثمان بن عفان كان لزاما عليه (عليه السلام) أن يقيم أودها ويجبر كسرها، وذلك بتوضيحه وضوء من لم يحدث في الرحبة! كانت هذه مجموعة القرائن التي يترجح بها إرادة معنى الإحداث والإبداع في الدين على إرادة الناقضية، ومما يزيد هذا الاستظهار قوة هو عدم وجود حكم خاص


(1) الإمامة والسياسة 1: 48. (2) الفتوح لابن الاعثم. (3) انساب الاشراف 5: 36، شرح النهج 3: 43، حلية الأولياء 1: 138. (4) كتاب صفين: 319، تاريخ الطبري 4: 230.

[ 320 ]

لغير المحدث في الإسلام ولا عند المسلمين للأدلة التالية: الأول: ثبت عن ابن عباس قوله (الوضوء غسلتان ومسحتان) و (أبي الناس إلا الغسل) و (لا أجد في كتاب الله إلا المسح)، وثبوت هذا عنه يؤكد على أن ما افترضه الله هو المسح لا غير، دون تفصيل بين من يحدث وبين من لم يحدث! ثم إن جملة (أبي الناس) في الخبر الثاني عنه تشير إلى أن المعارضين للغسل كانوا تيارا حكوميا أحبوا الغسل لاحقا لما فيه من الإنقاء والنظافة، واستجابوا لما دعت إليه الحكومه الأموية في أواخر عهد معاوية بن أبي سفيان حسبما اتضح في مدخل الدراسة، ويكون قول ابن عباس (أبي الناس إلا الغسل) عبارة أخرى عن الوضوء المحدث في زمن عثمان والذي امتد وبقي حتى العصر الأموي، فحاربه ابن عباس أيضا، ودلل على أن الوضوء الصحيح الذي ليس فيه إحداث وابتداع هو غسلتان ومسحتان لا غير. ثم إننا نعلم أن القول بالمسح لغير المحدث متفرع على القول بالغسل، وذلك لأن القائلين بالغسل حينما لم يستطيعوا رد الروايات المستفيضة عن علي في أن مذهبه المسح، عمدوا إلى تغيير معنى الإحداث الديني إلى الناقضية، لكن نفي ابن عباس وجود حكم غسلي للوضوء يصرح بعدم وجود حكم اسمه " وضوء من لم يحدث " - بمعنى الناقضية - في الشريعة الإسلامية. الثاني: قد ثبت في رواية المسئ أن رفاعة بن رافع، قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): (لا يتم صلاة لأحد حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين). وفي هذا دلالة على أن ما فرضه الله تعالى للمتوضئ هو مسح القدمين لا غير. وذلك لأ نه (صلى الله عليه وآله) كان في مقام بيان ما فرضه الله من أحكام الوضوء للمسلمين عموما، وللمسئ الذي كان يجهلها خصوصا، فلو كان ثمة رخصة أو شئ اسمه وضوء من لم يحدث لبينه النبي (صلى الله عليه وآله) في تعاليمه ولذكره له. وأما جملة (حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله) في هذه الرواية ففيها إشارة إلى دحض مسلك الرأي، واستغلالهم مفهوم الإسباغ للإكثار من الغسلات، وللتدليل على غسل الأرجل، لما مر عليك من قول عائشة لعبد الرحمن (اسبغ الوضوء، فإني

[ 321 ]

سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ويل للأعقاب من النار) وتعليل الحجاج بأنه أقرب للخبث. فالرواية تدل على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أراد بقوله الإشارة إلى تحقق الإسباغ في الأعضاء المغسولة والممسوحة سواء بمرة أو مرتين، إذ الإسباغ ليس ناظرا إلى التعدد، بل هو يتحقق في كيفية الغسل والمسح، فرب غسلة واحدة مسبغة، ورب ثلاث أو أربع غسلات غير مسبغات، وكذلك المسحات، ويؤكد ذلك أن الرواية مع ذكرها للمسح وعدم ذكرها لتكرار الغسل، ذكرت إسباغ الوضوء، إذ لا ملازمة ولا ربط بين الإسباغ والتعدد كما لا يخفى، فلا وجه لتعميمه إلى الثلاث والاستفادة منه في إيجاب غسل الأرجل. وأما قوله (صلى الله عليه وآله): " لا تتم صلاة لأحد " فانه (صلى الله عليه وآله) أراد منها التأكيد على لزوم التعبد بما أمر به الله، لا استخدام الرأي والاستحسان للإكثار من الماء والإسراف فيه، وبما أن حكم الرأس والرجلين كان المسح، فلابد من الالتزام بأوامر النبي (صلى الله عليه وآله) وعدم إبدالها تبرعا بالغسل. الثالث: إن ما رواه أوس بن أبي أوس من أ نه رأى النبي (صلى الله عليه وآله) أتى كظامة قوم بالطائف فبال.... ثم توضأ ومسح على قدميه، يؤكد على عدم وجود حكم وضوء من لم يحدث، لأ نه قال: (بال، ومسح على قدميه)، وفي هذا دلالة على أن المسح حكم لمن أحدث لا لمن لم يحدث! وأما ما ادعاه هشيم في آخر الخبر بقوله: كان هذا في أول الاسلام، يعني بكلامه أنه نسخ لاحقا، فهو كلام مردود، وادعاء محض سنجيب عنه في آخر هذا القسم وندلل على عدم وقوع النسخ. والحاصل: فإن هذه الرواية دليل آخر على نفي وجود حكم الغسل لمن أحدث، واختصاص المسح بغير المحدث، بل هي صريحة في أن المسح هو حكم ابتدائي لمن أحدث.

[ 322 ]

وقفة مع قوله " لرأيت " مر عليك خبر عبد خير عن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأ نه رأى الإمام يمسح ظهور قدميه ويقول: لولا أ ني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسح على ظهورهما لظننت أن بطونهما أحق. وقد كنا أثبتنا في مدخل الدراسة انقسام المسلمين إلى نهجين في الوضوء، وأن دعاة الغسل كانوا من أصحاب الرأي ومن الذين ينظرون إلى الأحكام من زاوية استحسانية ذوقية، لا تعبدية شرعية. وأن دعاة المسح كانوا من المتعبدين بفعل وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد شهد لهم بذلك الخليفة عثمان بقوله: (إن ناسا يتحدثون بأحاديث لا أدري...) فالإمام علي أراد بقوله هذا إلزام اتجاه الرأي بما ألزموا به أنفسهم - مثلما فعل ابن عباس معهم - فقال لهم - ما معناه -: لو كان المسح من الأمور العادية ومن المستحسنات النفسية لكنت أرى مثل ما ترون - أن مسح باطن القدم أولى من مسح ظاهرها - لكني بما أني من المتعبدين بقول وفعل النبي (صلى الله عليه وآله)، وكون الوضوء من الأمور الشرعية لا العرفية والإجتماعية. وقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمسح على ظهورهما فألزمت نفسي بالمسح وترك الاجتهاد مقابله. ومثله قوله في خبر عبد خير (السند الثالث والخامس): كنت أرى باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمسح ظاهرهما... ومجئ هذا النص عنه في تلك الفترة من تاريخ الإسلام يؤكد مدعانا من أن النهج الحاكم كان وراء تطبيق الغسل والدفاع عنه بالاستحسان والذوق الشخصي، وأ نهم استغلوا مفهوم (اسبغوا الوضوء) و (ويل للأعقاب من النار) وما شابهها مما صدر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) للتدليل على ما يريدون، والمطالع في أبواب الفقه والحديث في كتب أهل السنة والجماعة يرى تصدر أحاديث (ويل للاعقاب من النار) لأبواب غسل الرجلين، في حين أنه لا دلالة لها عليه، وإن الحكم مختص بالعقب

[ 323 ]

لتعرضه للنجاسة في غالب الأحيان، فلو صح عندهم خبر دال على مشاهدة حسية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاستدلوا به على غسل الرجلين، ولما اكتفوا بهذه الجملة للتدليل على الغسل، مع أنك عرفت سقم محكيات الصحابة وطرقهم الغسلية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله). وإليك الآن ما أخرجه مسلم في صحيحه - باب غسل الرجلين - بسنده إلى سالم مولى شداد، قال: دخلت على عائشة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) يوم توفي سعد بن أبي وقاص، فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر فتوضأ عندها، فقالت: يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ويل للأعقاب من النار (1). وفي مسند أحمد:... فأساء عبد الرحمن، فقالت عائشة: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ويل للأعقاب يوم القيامة من النار (2). فهذان النصان يوضحان لنا أن وضوء عبد الرحمن يغاير وضوء عائشة، لقول عائشة له: (أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول ويل للأعقاب من النار)، ولما نقله الراوي (فأساء عبد الرحمن، فقالت عائشة....) فإن عائشة لو كانت قد رأت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد غسل رجليه للزمها أن تقول: يا عبد الرحمن اغسل رجلك، فاني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يغسل رجليه، وحيث لم تر رسول الله (صلى الله عليه وآله) يغسل رجليه استدلت على وجوب الغسل بقوله (صلى الله عليه وآله): ويل للأعقاب من النار، لا برؤيتها. والبصير العالم يعلم بأنه لا دلالة في (أسبغ الوضوء) و (ويل للاعقاب من النار) على غسل الأقدام، بل إن لكل واحدة من الجملتين مفهوما يختص بها حسبما سنوضحه في المجلد الثالث من هذا الكتاب " الوضوء في الكتاب واللغة ". نعم، إن الرأي قد استخدم لترسيخ وضوء الخليفة عثمان بن عفان، ومما يؤيد ذلك ما أخرجه الطبري بسنده إلى حميد، قال: قال موسى بن أنس لأنس - ونحن عنده -: يا أبا حمزة إن الحجاج خطبنا بالأهواز ونحن معه نذكر الطهور، فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وإنه ليس من ابن آدم أقرب إلى خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما.


(1) صحيح مسلم 1: 213 / 25. (2) مسند أحمد بن حنبل 6: 112.

[ 324 ]

فقال أنس: صدق الله وكذب الحجاج، قال تعالى * (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) * (1). فترى الحجاج - في هذا النص - استخدم الرأي في إلزام الناس بغسل أرجلهم معللا بأنه أقرب شئ إلى الخبث، فجملة الإمام علي (عليه السلام) المارة آنفا " لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدم أول من ظاهره، إلا أني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمسح على ظاهره " ناظرة إلى دحض مثل هذا الاتجاه الدخيل المتولد في خلافة عثمان بن عفان، ومثلها جملة أنس بن مالك، فهي ناظرة إلى دحض امتداد ذلك الاتجاه الذي شجعه الحجاج وأتباع السلاطين، ولا يفوتك أن قول أنس - وهو خادم النبي (صلى الله عليه وآله) في زمن متأخر جدا يدل دلالة واضحة على بطلان ما ادعي من نسخ حكم المسح بالغسل، إذ لو كان ثمة نسخ لما خفي على أنس بن مالك، وهو هو في قربه من النبي (صلى الله عليه وآله). ومن هنا نفهم مقصود الرسول (صلى الله عليه وآله) حيث قال: تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله، ثم تعمل برهة بسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم تعمل بالرأي، فإذا عملوا بالرأي فقد ضلوا وأضلوا (2).


(1) تفسير الطبري 6: 82، تفسير ابن كثير 2: 44، الجامع لاحكام القرآن 6: 92، الدر المنثور 2: 262. (2) كنز العمال 1: 180 / 915.

[ 325 ]

نسبة الخبر إليه لا ينكر احد استمرار النزاع بين قريش وبني هاشم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتأثير هذا النزاع على فقه المسلمين من بعد، لانقسامهم إلى نهجين فكريين في الشريعة، فبعض الصحابة - وعلى رأسهم أكثر المهاجرين - قد شرعوا الرأي وأخذوا به قبال النص، بخلاف بني هاشم وجمع آخرين من الصحابة الذين أكدوا على لزوم إستقاء الأحكام الشرعية من القرآن والسنة المطهرة، ولم يعطوا للرأي قيمة أمام النص القرآني والنبوي. وقد شرح الإمام علي بن أبي طالب هذا الانقسام موضحا دور قريش في بدء الدعوة وسعيها لاستئصال الدين ودفنه عند منبته، مشيرا إلى دور بني هاشم وأ نهم الذين دافعوا عن الإسلام، ووقوه بأموالهم وانفسهم، حتى قال عنهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) (.. إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام وإنما نحن وهم شئ واحد، وشبك بين أصابعه) (1). وبما أن قريشا لم يمكنها الوقوف بوجه الدعوة، انضوت تحت لوائه مرغمة، منتظرة أن يأتي إليوم الموعود - وهو رحيل الرسول الأعظم - كي يققوا ما يهدفون إليه، وقد أخبر سبحانه بوقوع هذا الانقلاب بقوله * (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) *. إخبار رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالفتنة وجاء في كلام للإمام علي مخاطبا (أهل البصرة) حين قام إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الفتنة، وهل سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنها؟ فقال (عليه السلام): إنه لما أنزل الله سبحانه قوله * (الم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) * علمت أن الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله (صلى الله عليه وآله) بين أظهرنا، فقلت:


(1) سنن النسائي 7: 131، سنن أبي داود 3: 146 / 2980.

[ 326 ]

يا رسول الله: ما هذه الفتنة التي أخبرك الله تعالى بها؟ فقال: يا علي إن أمتي سيفتنون من بعدي. فقلت: يا رسول الله: أو ليس قد قلت لي يوم أحد حيث استشهد، من استشهد من المسلمين وحيزت عني الشهادة، فشق ذلك علي، فقلت لي: أبشر، فإن الشهادة من ورائك؟ فقال لي (صلى الله عليه وآله): إن ذلك لكذلك، فكيف صبرك إذن؟. فقلت: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ليس هذا من مواطن الصبر ولكن من مواطن البشرى والشكر. وقال (صلى الله عليه وآله): يا علي إن القوم سيفتنون بأموالهم، ويمنون بدينهم على ربهم ويتمنون رحمته، ويأمنون سطوته، ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة، والأهواء الساهية، فيستحلون الخمر بالنبيذ، والسحت بالهدية، والربا بالبيع. قلت: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فبأي المنازل أنزلهم عند ذلك؟ أبمنزلة ردة أم بمنزلة فتنة؟ فقال: بمنزلة فتنة (1). وأخرج الحكيم الترمذي عن عمر بن الخطاب، قال: أتاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا أعرف الحزن في وجهه، فأخذ بلحيتي، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أتاني جبريل آنفا فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. قلت: أجل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فمم ذاك يا جبرائيل. فقال: إن أمتك مفتتنة بعدك بقليل من الدهر غير كثير. قلت: فتنة كفر أو فتنة ضلالة؟ قال: كل ذلك سيكون. قلت: ومن أين ذاك، وأنا تارك فيهم كتاب الله؟ قال: بكتاب الله يضلون، وأول ذلك من قبل قرائهم وأمرائهم، يمنع الأمراء حقوقهم فلا يعطونها فيقتتلون، وتتبع القراء أهواء الأمراء فيمدونهم في الغي ثم


(1) نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح: 220 ضمن ط 156، خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم.

[ 327 ]

لا يقصرون. قلت: يا جبرئيل، فبم يسلم من سلم منهم؟ قال: بالكف والصبر، إن أعطوا الذي لهم أخذوه، وإن منعوه تركوه (1). تحذير علي بن أبي طالب الناس من الفتنة وقال لما بويع في المدينة: ذمتي بما أقول رهينة، وأنا به زعيم، إن من صرحت له العبر عما بين يديه من المثلات، حجزته التقوى عن تقحم الشبهات، ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيه (صلى الله عليه وآله)، والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة، ولتغربلن غربلة، ولتساطن (2) سوط القدر، حتى يعود أسفلكم أعلاكم، وأعلاكم أسفلكم، وليسبقن سابقون كانوا قصروا، وليقصرن سباقون كانوا سبقوا، والله ما كتمت وشمة (3)، ولا كذبت كذبة، ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم، ألا وإن الخطايا خيل شمس (4) حمل عليها أهلها، وخلعت لجمها (5) فتقحمت (6) بهم في النار، ألا وإن التقوى مطايا ذلل (7)، حمل عليها أهلها، وأعطوا أزمتها، فأوردتهم الجنة. حق وباطل، ولكل أهل، فلئن أمر الباطل لقديما فعل، ولئن قل الحق فلربما ولعل، ولقلما أدبر شئ فأقبل! (8) موقف قريش مع الرسول والرسالة نعم، إن قريشا أردات قتل الرسول واجتياح أصل الإسلام، بعكس بني هاشم


(1) الدر المنثور 3: 155 عن الترمذي. (2) لتساطن: من السوط، وهو أن تجعل شيئين في الاناء وتضربهما بيديك حتى يختلطا فينقلب اعلاها اسفلها، وهو حكاية عما يوولون إليه من الاختلاف وفساد النظام. (3) الوشمة: الكلمة. (4) الشمس: جمع شموس وهى من شمس كنصر: أي منع ظهره أن يركب. (5) جمع لجام، وهو عنان الدابة التي تلجم به. (6) تقحمت به في النار: أي أردته فيها. (7) الذلل: جمع ذلول، وهي المروضة الطائعة. (8) نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح: 57.

[ 328 ]

الذين دافعوا عنه وجادوا بأنفسهم لحماية دينه. فقريش - مع أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقي أصحابه بأهل بيته - كانوا ينقلون عنه عكس ذلك، والمطالع في كتب الإمام علي لمعاوية يقف على حقائق كثيرة في تاريخ الإسلام واختلاف المسلمين، وإليك هذا المقطع من أحد كتبه (عليه السلام) لمعاوية وفيه:.... فأراد قومنا قتل نبينا، واجتياح أصلنا، وهموا بنا الهموم، وفعلوا بنا الأفاعيل، ومنعونا العذب، وأحلونا الخوف، واضطرونا إلى جبل وعر، وأوقدوا لنا نار الحرب، فعزم الله لنا على الذب عن حوزته، والرمي من وراء حرمته، مؤمننا يبغي بذلك الأجر، وكافرنا يحامي عن الأصل، ومن أسلم من قريش خلو مما نحن فيه بحلف يمنعه أو عشيرة تقوم دونه، فهو من القتل بمكان آمن (1)، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا احمر البأس، وأحجم الناس، قدم أهل بيته فوقى بهم أصحابه حر الأسنة والسيوف، فقتل عبيدة بن الحارث [ وهو ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ] يوم بدر، وقتل حمزة يوم أحد، وقتل جعفر يوم مؤتة، وأراد من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة، ولكن آجالهم عجلت ومنيته أجلت، فيا عجبا للدهر، إذ صرت يقرن بي من لم يسع بقدمي، ولم تكن له كسابقتي التي لا يدلي أحد بمثلها إلا أن يدعي مدع ما لا أعرفه ولا أظن الله يعرفه (2). ثم كشف (عليه السلام) في خطبة أخرى سر مخالفة قريش لهم وأنه يرجع إلى تفضيل الله لأهل البيت دونهم، فقال: مالي ولقريش! والله لقد قاتلتهم كافرين ولأقاتلنهم مفتونين، وإني لصاحبهم بالأمس، كما أنا صاحبهم اليوم! والله ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم فأدخلناهم في حيزنا (3). وفي كلام له (عليه السلام) بعد أن وعظهم وحذرهم من الشيطان، ودعاهم للاعتبار بالأمم السالفة، وذكرهم النعمة برسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال: (ألا وإنكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطاعة، وثلمتم حصن الله المضروب عليكم، بأحكام الجاهلية، فإن الله سبحانه


(1) علق محقق النهج بقوله: كان المسلمون من غير آل البيت آمنين على انفسهم، إما بتحالفهم مع بعض القبائل أو بالاستناد إلى عشائرهم. (2) نهج البلاغة: 368 / 9. (3) نهج البلاغة: 77 / ضمن ط 33.

[ 329 ]

قد امتن على جماعة هذه الأمة فيما عقد بينهم من حبل هذه الألفة التي ينتقلون في ظلها ويأوون إلى كنفها، بنعمة لا يعرف أحد من المخلوفين لها قيمة لأ نها أرجع من كل ثمن، وأجل من كل حظ. واعلموا أنكم صرتم بعد الهجرة أعرابا، وبعد الموالاة أحزابا، ما تنطقون من الإسلام إلا باسمه، ولا تعرفون من الإيمان إلا رسمه إلى أن يقول: ألا وقد قطعتم قيد الاسلام، وعطلتم حدوده، وأمتم أحكامه، ألا وقد أمرني الله بقتال أهل البغي، والنكث والفساد في الأرض. ثم أخذ يصف حاله مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسبقه إلى الاسلام، بقوله: (أنا وضعت في الصغر بكلاكل العرب، وكسرت نواجم قرون ربيعة ومضر، وقد علمتم موضعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد، يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل، ولقد قرن الله به (صلى الله عليه وآله) من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره، ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة: وأشم ريح النبوة، ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه (صلى الله عليه وآله)) (1). المتقون والفساق وبعض صفاتهم ثم ذكر (عليه السلام) في آخر النص السابق عتو قريش على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وطلبهم منه أن يدعو لهم شجرة كانت أمامه (صلى الله عليه وآله) أن تأتيه، فلما أتاهم بها أعرضوا كفرا وعتوا. والإمام في خطبة أخرى نقل لنا صفات المتقين والفساق مما يمكن أن يكون فيهما إشارة إلى الصنفين في عهده، فقال (عليه السلام) في صفة المتقين:


(1) نهج البلاغة: 298 / ضمن ط 192.

[ 330 ]

(... فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى، وصار من مفاتيح أبواب الهدى ومغاليق أبواب الردى، قد أبصر طريقه، وسلك سبيله، وعرف مناره، وقطع غماره، واستمسك من العرى بأوثقها، ومن الجبال بأمتنها، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس، قد نصب نفسه لله سبحانه في أرفع الأمور من إصدار كل وارد عليه، وتصيير كل فرع إلى أصله). ثم وصف الفساق بقوله: (وآخر قد تسمى عالما وليس به، فاقتبس جهائل من جهال وأضاليل من ضلال ونصب للناس أشراكا من حبائل غرور وقول زور، قد حمل الكتاب على آرائه، وعطف الحق على أهوائه، يؤمن الناس من العظائم، ويهون كبير الجرائم، يقول: أقف عند الشبهات وفيها وقع، ويقول: أعتزل البدع وبينها اضطجع) (1). مكانة أهل البيت في الأمة والتشريع ثم أخذ (عليه السلام) يصف عترة النبي (صلى الله عليه وآله) بقوله: فأين تذهبون وأنى تؤفكون، والأعلام قائمة والآيات واضحة، والمنار منصوبة، فأين يتاه بكم، وكيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم، وهم أزمة الحق، وأعلام الدين، وألسنة الصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن، وردوهم ورود الهيم العطاش. أيها الناس، خذوها عن خاتم النبيين " إنه يموت من مات منا وليس بميت، ويبلى من بلي منا وليس ببال " فلا تقولوا بما لا تعرفون، فإن أكثر الحق فيما تنكرون، واعذروا من لا حجة لكم عليه، وهو أنا، ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر وأترك فيكم الثقل الأصغر! قد ركزت فيكم راية الإيمان، ووقفتكم على حدود الحلال والحرام، وألبستكم العافية من عدلي، وفرشتكم المعروف من قولي وفعلي، وأريتكم كرائم الأخلاق من نفسي، فلا تستعملوا الرأي فيما لا يدرك قعره البصر، ولا تتغلغل إليه الفكر (2). وفي آخر (... لا يقاس بآل محمد من هذه الأمة أحد، ولا يسوى بهم من جرت


(1) نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح: 118 / 87، / ضمن 87. (2) نهج البلاغة: 120.

[ 331 ]

نعمتهم عليه أبدا، هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفئ الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص الولاية وفيهم الوصية والوراثة. وكان قد قال قبلها عن آل النبي (صلى الله عليه وآله): هم موضع سره ولجأ أمره، وعيبة علمه، وموئل حكمه، وكهوف كتبه، وجبال دينه، بهم أقام انحناء ظهره، وأذهب ارتعاد فرائصه) (1). وفي كلام آخر له يذكر فيه آل محمد: (هم عيش العلم، وموت الجهل، يخبركم حلمهم عن علمهم، وظاهرهم عن باطنهم، وصمتهم عن حكم منطقهم، لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه، وهم دعائم الإسلام، وولائج الاعتصام، بهم عاد الحق إلى نصابه، وانزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانه عن منبته، عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية، لا عقل سماع ورواية، فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل) (2). وفي آخر: (انظروا أهل بيت نبيكم، فالزموا سمتهم واتبعوا أثرهم فلن يخرجوكم من هدى، ولن يعيدوكم في ردى، فإن لبدوا فالبدوا، وإن نهضوا فانهضوا، ولا تسبقوهم فتضلوا ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا) (3). حال الأمة في عهد علي بن أبي طالب وقال (عليه السلام) في بيان الأسباب التي تهلك الناس: (وما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها! لا يقتصون أثر نبي ولا يقتدون بعمل وصي، ولا يؤمنون بغيب، ولا يعفون عن عيب، يعملون في الشبهات، ويسيرون في الشهوات، المعروف فيهم ما عرفوا، والمنكر عندهم ما أنكروا، مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم، وتعويلهم في المهمات على آرائهم، كأن كل امرئ منهم إمام نفسه، قد أخذ منها فيما يرى بعرى ثقات، وأسباب محكمات) (4). وقد قال (عليه السلام) لما انصرف من صفين: (... والناس في فتن انجذم فيها حبل الدين، وتزعزعت سواري اليقين،


(1) نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح: 47. (2) نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح: 358. (3) نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح: 143. (4) نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح: 121 / 87.

[ 332 ]

واختلف النجر وتشتت الأمر، وضاق المخرج، وعمي المصدر، فالهدى خامل والعمى شامل، عصي الرحمن، ونصر الشيطان، وخذل الإيمان، فانهارت دعائمه، وتنكرت معالمه، ودرست سبله، وعفت شركه، أطاعوا الشيطان فسلكوا مسالكه، ووردوا مناهله، بهم سارت أعلامه وقام لواؤه، في فتن داستهم بأخفافها، ووطئتهم بأظلافها، وقامت على سنابكها، فهم فيها تائهون حائرون جاهلون مفتونون...). ومنها قوله: (أيها الناس لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله، فإن الناس قد اجتمعوا على مائدة شبعها قصير وجوعها طويل - إلى أن يقول - أيها الناس من سلك الطريق الواضح ورد الماء، ومن خالف وقع في التيه) (1). وقال في نص آخر: (أيها الناس شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة وعرجوا عن طريق المنافرة، وضعوا تيجان المفاخرة...) (2) وفي آخر: (قد خاضوا بحار الفتن، وأخذوا بالبدع دون السنن وأرز المؤمنون، ونطق الضالون المكذبون، نحن الشعار والأصحاب، والخزنة والأبواب، ولا تؤتى البيوت إلا من أبوابها، فمن أتاها من غير أبوابها سمي سارقا) (3). وفي آخر: وأخذوا يمينا وشمالا، طعنا في مسالك الغي وتركا لمذاهب الرشد. ومن وصيته للحسن عند انصرافه من صفين: (.. وان أبتدئك بتعليم كتاب الله عز وجل وتأويله، وشرائع الإسلام وأحكامه، وحلاله وحرامه، لا أجاوز ذلك بك إلى غيره، ثم أشفقت أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الذي التبس عليهم، فكان إحكام ذلك على ما كرهت من تنبيهك له أحب إلي من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك به الهلكة) (4). وفي كلام له في سحرة اليوم الذي ضرب فيه: (ملكتني عيني وأنا جالس، فسنح لي (5) رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: يا رسول الله، ماذا لقيت من أمتك من الأود واللدد؟


(1) نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح: 319. (2) نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح: 52. (3) نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح: 208. (4) نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح: 394. (5) مر بي كما تسخ الظبا والطير.

[ 333 ]

فقال: ادع عليهم. فقلت: أبدلني بهم خيرا منهم وأبدلهم بي شرا لهم مني) (1). وفي كلام له:... وإنما الأئمة قوام الله على خلقه، وعرفاؤه على عباده، ولا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه...) (2). توضح لنا هذه النصوص امتداد النهجين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتصدر قريش المعارضة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بعد أن عارضته في حياته، وقد مر عليك حكاية الإمام علي (عليه السلام) طلبهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يأتيهم بالشجرة التي أمامه، ولما أتاهم بها قالوا إنه ساحر. نعم إن قريشا قد نقضت البيعة، وثلمت حصن الله بأحكام الجاهلية، وفي عهدهم أرز المؤمنون ونطق الضالون المكذبون وتصدر الجهال لأمور الدين، وحكموا العصبية والقبليه في الشريعة، وعملوا بغير علم " فلا يزيده بعده عن الطريق الواضح إلا بعدا من حاجته، لأن العامل بالعلم كالسائر على الطريق الواضح، فلينظر ناظر، أسائر هو أم راجع " (3). وقد وضح الإمام بخطبه ورسائله انحراف الأمة عن الشريعة، وتحكيم الرأي والبدع والأهواء فيها، مؤكدا (عليه السلام) لزوم اتباع أهل البيت، لأن الابتعاد عنهم يعني الخروج عن الجادة والسير على غير هدى، وقد صنف الإمام الناس إلى رجلين: متبع شرعة، ومبتدع بدعة ليس معه من الله سبحانه برهان سنة ولا ضياء حجة. في آخر عرف أهل البيت بأنهم " الشعار والأصحاب والخزنة والأبواب ولا تؤتى البيوت إلا من أبوابها، فمن أتاها من غير أبوابها سمي سارقا " " وإن من سلك الطريق الواضح ورد الماء، ومن خالف وقع في التيه ". وكان قد قال قبلها " أيها الناس لا تستوحشوا من طريق الهدى لقلة أهله، فإن الناس قد اجتمعوا على مائدة شبعها قصير وجوعها طويل ". كل ذلك وهو يؤكد على مكانته من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنه كان يتبعه اتباع الفصيل


(1) نهج البلاغة: 99. (2) نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح: 212. (3) نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح: 216.

[ 334 ]

لأمه، وأ نه (صلى الله عليه وآله) كان يمضغ الشئ ثم يلقمه اياه، كناية عن قربه منه واهتمامه به، وقد شم ريح النبوة ورأى نور الوحي. وقد كان (عليه السلام) قد أكد مرارا على لزوم اتباع أهل البيت وأخذ سمتهم واتباع أثرهم " لأ نهم لم يخرجوكم من هدى ولن يعيدوكم في ردى " وفي قول آخر " فأين تذهبون، وأنى تؤفكون، والأعلام قائمة والآيات واضحة، والمنار منصوبة، فأين يتاه بكم، وكيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم، هم أزمة الحق وأعلام الدين " وفي قول ثالث: " وإنه لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه ". وهذه النصوص توضح مراد الإمام وأن هناك نهجان: نهج الرأي والاجتهاد، الذي قد تصدرته قريش والامويون، ونهج التعبد المحض المتمثل بأهل بيت الرسالة والمتعبدين من الصحابة. نعم، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أخبر بأن أمته تعمل برهة بكتاب الله، ثم برهة بسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم تعمل بالرأي، فإذا عملوا بالرأي فقد ضلوا وأضلوا (1). وإن في نهي أهل بيت النبوة عن العمل بالرأي وتأكيدهم على لزوم استقاء الأحكام من الكتاب العزيز والسنة، لتصريح وتلويح إلى وجود النهج المقابل لهم (2). ونحن بتقديمنا ما مر كنا نبغي ايقاف القارى العزيز على أن الخلاف السياسي قد اثر على الاختلاف الفقهى بين المسلمين، وهو الاخر قد وضح لنا اهداف بعض الجهات في التشريع الاسلامي. وقد كنا بينا سابقا - في نسبة الخبر إلى ابن عباس - بعض الشئ في سبب اختلاف النقل عن الصحابي الواحد والدواعي والاسباب الكامنه وراءه، والان مع بيان أمر آخر وهو دور الراى والاجتهاد في الانحراف الفقهي بعد رسول الله، لاعتقادنا بأن في تبيين هكذا امور - غير مطروحه لحد اليوم - المعين الصافي والمنبع الدافق لتفهم تاريخ التشريع الاسلامي.


(1) كنز العمال 1: 180 / 915. (2) لو اردت المزيد فيمكنك مراجعة كتابنا (منع تدوين الحديث) ففيه ما يوضح انقسام المسلمين بعد رسول الله.

[ 335 ]

نعم، قد شرع التحريف لاحقا وقد كان للامويين والقرشيين الدور الاكبر فيه، وإن رسول الله وبتاكيده على العترة كان يريد ارشادهم - وإيانا - إلى أن الخلاف السياسي بين الصحابة سيوصل الامة إلى الابتعاد الفقهى عن العترة، وهذا يسبب لهم الابتعاد عن سبيل الرسول، لانا نعلم بان السنه هي الطريقة، في اللغة، والاضلال معناه الابتعاد عن الدرب، فقد يكون (صلى الله عليه وآله) اراد بكلامه في حديث الثقلين (ما إن اخذتم بهما لن تضلوا بعدي ابدا) الاشارة إلى لزوم استقاء الاحكام عنهما وعدم التأثر بالمؤثرات السياسيه، لان في ذلك الابتعاد عن نهج رسول الله وسنته. هذا وإنا كنا بينا في نسبة الخبر إلى ابن عباس بعض الجهات في التشريع، والان مع بيان جذور تشريع الراى والاجتهاد قبال النص وملابسات هذا الامر عند المسلمين لان فيه الخبر الكثير لتفهم تاريخ التشريع الاسلامي وما جرى عليه من أمور. الامة بين الرأي والاجتهاد عن الباقر (عليه السلام) أ نه قال لجابر: يا جابر! لو كنا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنا من الهالكين، ولكنا نفتيهم بآثار من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصول عنه، نتوارثها كابر عن كابر، نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم (1). وسأل رجل الصادق عن مسألة فأجابه فيها، فقال الرجل: أرايت إن كان كذا وكذا ما يكون القول فيها؟ فقال له: مه! ما أجبتك فيه شئ فهو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لسنا من (أرأيت) في شئ (2). عن سعيد الأعرج، قال: قلت لأبي عبد الله (الصادق) إن من عندنا ممن يتفقه، يقولون: يرد علينا ما لا نعرفه في كتاب الله ولا في السنة نقول فيه برأينا. فقال أبو عبد الله: كذبوا، ليس شئ إلا قد جاء في الكتاب وجاءت به السنة (3).


(1) بصائر الدرجات: 300 و 299. (2) الكافي 1: 58. (3) مستدرك وسائل الشيعة 17: 258، اختصاص المفيد: 281.

[ 336 ]

وعن الباقر قوله: ما أحد أكذب على الله وعلى رسوله ممن كذبنا أهل البيت أو كذب علينا، لأنا إنما نحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعن الله. فإذا كذبنا فقد كذب الله ورسوله (1) وقال: لو أ نا حدثنا برأينا ضللنا كما ضل من كان قبلنا (وفي آخر: فلولا ذلك كنا كهؤلاء الناس) (2) ولكنا حدثنا ببينة من ربنا بينها لنبيه فبينها لنا (3). وفي خبر آخر عنه (عليه السلام): إن الله علم نبيه التنزيل والتأويل فعلمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا وعلمنا والله الحديث (4). وعن الصادق أ نه قال: إن الله بعث محمدا فختم به الأنبياء فلا نبي بعده، وأنزل عليه كتابا فختم به الكتب فلا كتاب بعده - إلى أن قال -: فجعله النبي (صلى الله عليه وآله) علما باقيا في أوصيائه فتركهم الناس - فهم الشهداء على أهل كل زمان - حتى عاندوا من أظهر ولاية ولاة الأمر، وطلب علومهم، وذلك أ نهم ضربوا القرآن بعضه ببعض، واحتجوا بالمنسوخ وهم يظنون أ نه تأويله، ولم ينظروا إلى ما يفتح الكلام وإلى ما يختمه، ولم يعرفوا موارده ومصادره إذ لم يأخذوا عن أهله فضلوا وأضلوا (5). وقال النبي (صلى الله عليه وآله): من أفتى الناس بغير علم وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه فقد هلك وأهلك (6). وعن محمد بن حكيم قال قلت للصادق: إن قوما من أصحابنا قد تفقهوا وأصابوا علما ورووا أحاديث فيرد عليهم الشئ فيقولون فيه برأيهم، فقال: لا، وهل هلك من مضى إلا بهذا وأشباهه (7)؟! وقد جاء هذا الكلام بنحو آخر عن الباقر، وذلك حينما ذكر له عن عبيدة


(1) جامع احاديث الشيعة 1: 181. (2) بصائر الدرجات: 301. (3) بصائر الدرجات: 299. (4) جامع أحاديث الشيعة 1: 184 عن الكافي. (5) جامع أحاديث الشيعة 1: 220 عن تفسير العياشي. (6) جامع أحاديث الشيعة 1: 153. (7) المحاسن: 212.

[ 337 ]

السلماني أ نه روى عن علي بيع أمهات الأولاد، فقال الباقر: كذبوا على عبيدة أو كذب عبيدة على علي، فما حدثناكم به عن علي فهو قوله، وما أنكرناه فهو افتراء عليه، ونحن نعلم أن القياس ليس من دين علي، وإنما يقيس من لا يعلم الكتاب والسنة، فلا تضلنكم روايتهم، فإنهم لا يدعون أن يضلوا... (1) وعن أبي بصير، قال: قلت للصادق: ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سنة فننظر فيها؟ قال: لا، أما إنك إن أصبت لم تؤجر وإن أخطأت كذبت على الله عز وجل (2). وعن علي بن الحسين: أن دين الله لا يصاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلة والمقاييس الفاسدة ولا يصاب إلا بالتسليم، فمن سلم لنا سلم، ومن اقتدى بنا هدي، ومن كان يعمل بالقياس والرأي هلك، ومن وجد في نفسه شيئا مما نقوله أو نقضي به حرجا كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم وهو لا يعلم (3). ومن أوضح مواطن العمل بالرأي هو نهي قريش عن تدوين حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عهده (صلى الله عليه وآله)، فقد صح عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شئ تسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورسول الله (صلى الله عليه وآله) بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت (4). واستمر ذلك الخط الناهي بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال أبو بكر القرشي " لا تحدثوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيئا " (5)، وكتب عمر بن الخطاب إلى الامصار " من كان عنده منها شئ فليمحه " (6)، وقوله " فلا يبقين أحد عنده كتابا إلا أتاني به فأرى


(1) مستدرك وسائل الشيعة 17: 254. (2) الكافي 1: 56. (3) جامع أحاديث الشيعة 1: 334. (4) تقييد العلم، المستدرك على الصحيحين 1:، مسند أحمد: 162 وقريب منه في عوالي اللئالي 1: 68 / 120. (5) تذكرة الحفاظ 1: 2 - 3، حجية السنة: 394. (6) تقييد العلم: 53، حجية السنة: 395.

[ 338 ]

فيه رأيي... فأتوه بكتبهم، فأحرقها بالنار " (1). وقد حدد عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان الأحاديث النبوية بالتي عمل بها في زمن عمر بن الخطاب. قال محمود بن لبيد: سمعت عثمان على المنبر يقول: لا يحل لاحد أن يروي حديثا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر (2). وعن معاوية أنه قال: أيها الناس! أقلوا الرواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإن كنتم تحدثون فحدثوا بما كان يتحدث به في عهد عمر (3). وفي رواية ابن عساكر: إياكم والأحاديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا حديثا ذكر على عهد عمر (4)، وقد مر عليك كل هذا سابقا. بلى إنهم وبتشريعهم الرأي اتخذوا الاجتهاد مطية يحملون عليها آثار ومساوئ الرأي، وإن علي بن أبي طالب كان قد أكد بأن بدء وقوع الفتن أهواء تتبع، وأن الكثير من الاجتهادات ما هي إلا آراء شخصية ومصالح ارتضاها النهج الحاكم، وإليك بعض كلامه (عليه السلام): (... وإنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب الله، يتولى فيها رجال رجالا، ألا إن الحق لو خلص لم يكن اختلاف، ولو أن الباطل خلص لم يخف على ذي حجى، لكنه يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث، فيمزجان فيجعلان معا، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى، إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، يجري الناس عليها ويتخذونها سنة، فإذا غير منها شئ قيل: قد غيرت السنة وقد أتى الناس منكرا؟! ثم تشتد البلية وتسبى الذرية، وتدقهم


(1) الطبقات الكبرى لابن سعد 1: 140، حجية السنة: 395. (2) الطبقات الكبرى لابن سعد 2: 336، وعنه في السنة قبل التدوين: 97. (3) كنز العمال 1: 291. (4) تاريخ دمشق 3: 160.

[ 339 ]

الفتنة كما تدق النار الحطب، وكما تدق الرحا بثفالها (1)، ويتفقهون لغير الله ويتعلمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بأعمال الآخرة.) ثم أقبل بوجهه، وحوله ناس من أهل بيته وخاصته وشيعته، فقال: قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) متعمدين لخلافه، ناقضين لعهده، مغيرين لسنته، ولو حملت الناس على تركها وحولتها إلى مواضعها وإلى ما كانت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لتفرق عني جندي، حتى أبقى وحدي، أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله). أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) (2)، ورددت فدك إلى ورثة فاطمة (3)، ورددت صاع رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما كان (4)، وأمضيت قطائع أقطعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأقوام لم تمض لهم ولم تنفذ، ورددت دار جعفر إلى ورثته وهدمتها من المسجد (5)، ورددت قضايا من الجور قضي بها (6)، ونزعت نساء تحت رجال بغير حق فرددتهن إلى أزواجهن (7) واستقبلت بهن الحكم في الفروج والأحكام، وسبيت ذراري بني تغلب (8)، ورددت ما قسم من أرض خيبر، ومحوت دواوين العطايا (9)، وأعطيت كما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعطي بالسوية،


(1) الثفال بالكسر جلدة تبسط تحت رحا اليد ليقع عليها الدقيق، ويسمى الحجر الأسفل: ثفالا بها. (2) انظر الغدير وغيره: (3) قصة فدك مشهورة لا حاجة لبيانها، وللاعلام فيها كتب كثيرة. (4) انظر الخلاف للشيخ الطوسي لتعرف حقيقة الأمر. (5) كأنهم غصبوها وأدخلوها في المسجد. (6) كقضاء عمر بالعول والتعصيب في الإرث و... (7) كمن طلق زوجته بغير شهود وعلى غير طهر، وقد يكون فيه إشارة إلى قوله بعد بيعته: ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فإن الحق القديم لا يبطله شئ، ولو وجدته قد تزوج... إلخ، وانظر نهج البلاغة 1: 42 خ 14. (8) لأن عمر رفع الجزية عنهم فهم ليسوا بأهل ذمة، فيحل سبي ذراريهم، قال محي السنة البغوي: روي أن عمر بن الخطاب رام نصارى العرب على الجزية، فقالوا: نحن عرب لا نؤدي ما يؤدي العجم، ولكن خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض، بعنوان الصدقة. فقال عمر: هذا فرض الله على المسلمين. قالوا: فزد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية، فراضاهم على أن ضعف عليهم الصدقة. (9) إشارة إلى ما ذهب إليه عمر من وضعه الخراج على أرباب الزراعة والصناعة والتجارة لأهل العلم =

[ 340 ]

ولم أجعلها دولة بين الأغنياء، وألقيت المساحة (1) وسويت بين المناكح (2)، وأنفذت خمس الرسول كما أنزل عز وجل وفرض (3)، ورددت مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى ما كان عليه (4)، وسددت ما فتح فيه من الأبواب (5)، وفتحت ما سد منه، وحرمت المسح على الخفين (6)، وحددت على النبيذ، وأمرت بإحلال المتعتين (7)، وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات (8)، وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (9)، وأخرجت من أدخل بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجده ممن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخرجه، وأدخلت من أخرج بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ممن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أدخله (10)، وحملت الناس على حكم القرآن وعلى الطلاق على السنة (11)، وأخذت الصدقات على أصنافها وحدودها (12)، ورددت الوضوء والغسل والصلاة إلى مواقيتها وشرائعها ومواضعها (13)، ورددت أهل نجران إلى مواضعهم (14)،


= والولاة والجند، بمنزلة الزكاة المفروضة، ودون دواوين، فيها أسماء هؤلاء وأسماء هؤلاء. (1) راجع تفصيل هذا الأمر في كتاب الشافي للسيد المرتضى. (2) ربما كان إشارة إلى ما ذهب إليه عمر من منع غير القرشي الزواج من القرشية، ومنعه العجم من التزوج من العرب. (3) إشارة إلى منع عمر أهل البيت خمسهم. (4) يعني أخرجت منه ما زاده عليه غصبا. (5) إشارة إلى ما نزل به جبرئيل من الله تعالى بسد الأبواب إلا باب علي. (6) إشارة إلى ما أجازه عمر في المسح على الخفين، ومخالفة عائشة وابن عباس وعلي وغيرهم له في هذا. (7) يعني متعة النساء ومتعة الحج. (8) لما كبر النبي (صلى الله عليه وآله) في رواية حذيفة وزيد بن أرقم وغيرهما. (9) والجهر بالبسلمة مما ثبت قطعا عن النبي (صلى الله عليه وآله) في صلاته وروى الصحابة في ذلك اثارا صحيحة مستفيضة متظافرة، فانظر صحيح.... (10) يحتمل أن يكون المراد إشارة إلى الصحابة المخالفين الذين أخرجوا من المسجد في حيث إنهم كانوا مقربين عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإنه (عليه السلام) يخرج من أخرجه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كالحكم بن العاص وغيرهم. (11) كما مرت عليك الاجتهادات المخالفة للقرآن وما قالوه في الطلاق ثلاثا. (12) أي من أجناسها التسعة، وهي: الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب والإبل والغنم والبقر. (13) وذلك لمخالفتهم هذه الأحكام. وقد وضحنا حكم الوضوء منه في كتابنا هذا. (14) وهم الذين أجلاهم عمر عن مواطنهم.

[ 341 ]

ورددت سبايا فارس وسائر الأمم إلى كتاب الله وسنة نبيه.. إذن لتفرقوا عني. والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة، وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة، فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: يا أهل الإسلام! غيرت سنة عمر! ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعا! ولقد خفت أن يثوروا في ناحية عسكري. ما لقيت من هذه الأمة من الفرقة وطاعة أئمة الضلالة والدعاة إلى النار!! وأعطيت من ذلك سهم ذي القربى الذي قال الله عز وجل * (إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان) * (1)، فنحن والله عنى بذي القربى الذين قرننا الله بنفسه وبرسوله (صلى الله عليه وآله) فقال تعالى * (فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم، وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب...) * (2). وروى الطوسي في " التهذيب " عن الصادق قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لما قدم الكوفة وأمر الحسن بن علي أن ينادي في الناس: (لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة)، فنادى في الناس الحسن بن علي بما أمره به أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلما سمع الناس مقالة الحسن بن علي صاحوا: واعمراه! واعمراه! فلما رجع الحسن إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال له: ما هذا الصوت؟ فقال: يا أمير المؤمنين! الناس يصيحون: واعمراه! واعمراه! فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): قل لهم: صلوا (3). وعنه (عليه السلام): يا معشر شيعتنا والمنتحلين مودتنا، اياكم واصحاب الراى فانهم اعداء السنن تفلتت منهم الاحاديث أن يحفطوها، واعيتهم السنة أن يعوها فاتخذوا عباد الله خولا، وماله دولا، فذلت لهم الرقاب واطاعهم الخلق اشباه الكلاب، ونازعوا الحق اهله، وتمثلوا بالائمة الصادقين، وهم من الكفار الملاعين. فسئلوا عما لا يعلمون فانفوا أن يعترفوا بأنهم لا يعلمون فعارضوا الدين


(1) الأنفال: 41. (2) انظر روضة الكافي: 8: 58 ح 21. والآية: 7 من سورة الحشر. (3) تهذيب الأحكام 3: 70 / ح 27.

[ 342 ]

بارائهم فضلوا واضلوا، أما لو كان الدين بالقياس لكان باطن الرجلين اولى بالمسح من ظاهرهما... (1). عرفنا من مجمل الخبرين الاولين عدة أمور: 1 - إن هناك سننا قد شرعت من قبل الخلفاء لا يرتضيها علي، لمخالفتها لسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله). 2 - سعي علي لرفعها لكنه لم يقدر على كثير منها، لقوة التيار المدافع عن عمر، والمتابع لاجتهاداته وآرائه. 3 - إن الخلاف بين علي وعمر ليس على موضوع الخلافة وحده، بل على الفقه والشريعة كذلك وهو المشاهد في تخطئات الصحابة للخليفتين، بل يمكن ترجيح جانب الفقه - في غالب الأحيان على غيره - وهذا ما نقوله كذلك في سبب منع عمر للتدوين! وعليه فان هذه النصوص وضحت لنا حقائق كثيرة في تاريخ التشريع الإسلامي وعرفتنا بتغيير أحكام كثيرة في الإسلام، وذلك بتحكيم الرأي في الشريعة، وأن الإمام عليا لم يكن الوحيد من الصحابة الذين اعترضوا على المحاولين لتحريف الشريعة بإدخال الأهواء فيها، بل كان هناك صحابة آخرون - توفي بعضهم في عهد الشيخين - قد بينوا آفاق هذا الانحراف وبكوا على الاسلام، فخذ موضوع الصلاة مثلا وهو أمر عبادي يمارسه المسلم عده مرات في اليوم، لتعرف سعة الاختلاف فيه. الصحابة وأسفهم على تلاعب الحكام بالأحكام فعن حذيفة بن اليمان قوله: ابتلينا حتى جعل الرجل لا يصلي إلا سرا (2). وعن عبد الله بن مسعود. إنها ستكون أئمه يؤخرون الصلاة عن مواقيتها فلا تنتظروهم واجعلوا الصلاة معهم سبحة (3).


(1) بحار الانوار 2: 84. (2) صحيح المسلم 1: 91، وشرحه 5: 18، صحيح البخاري 2: 116. (3) مسند أحمد 1: 455، 459.

[ 343 ]

وفي آخر.. نظر عبد الله بن مسعود إلى الظل فرآه قدر الشراك، فقال: إن يصب صاحبكم سنة نبيكم يخرج الآن، قال: فوالله ما فرغ عبد الله من كلامه حتى خرج عمار بن ياسر يقول الصلاة (1). وعن عمران بن حصين، قوله لمطرف بن عبد الله لما صليا خلف علي بن أبي طالب (عليه السلام): لقد صلى صلاة محمد، ولقد ذكرني صلاة محمد (2) ومثله قول أبي موسى الاشعري لما صلى خلف الإمام علي (عليه السلام). روى الطحاوي عن أبي موسى الأشعري، قال: ذكرنا علي صلاة كنا نصليها مع النبي (صلى الله عليه وآله) إما نسيناها وإما تركناها عمدا، يكبر كلما خفض وكلما رفع، وكلما سجد (3). ويقول الزهري: دخلنا على أنس بن مالك بدمشق وهو وحده يبكي قلت: ما يبكيك؟ قال: لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة وقد ضيعت (4). وأخرج البخاري بسنده عن أم الدرداء، قالت: دخل علي أبو الدرداء وهو مغضب، قلت: ما أغضبك؟ فقال أبو الدرداء: والله لا أعرف فيهم من أمر محمد شيئا إلا أنهم يصلون جميعا (5). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: لو أن رجلين من أوائل هذه الأمة خلوا بمصحفيهما في بعض هذه الأودية، لأتيا الناس اليوم ولا يعرفان شيئا مما كانا


(1) مسند أحمد 1: 459. (2) مسند أحمد 4: 428، 429، 441، 444، 400، 415، كنز العمال 8: 143، السنن الكبرى 2: 68. (3) صحيح البخاري 2: 209 وصحيح مسلم 1: 295 وسنن النسائي 1: 164 وسنن أبي داود 5: 84، سنن ابن ماجة 1: 296، فتح الباري 2: 209 والمصنف لابن أبي شيبة 1: 241. شرح معاني الآثار 1: 130 الروض النصير 1: 638 كما في الموسوعة 376. (4) جامع بيان العلم 2: 244 الطبقات الكبرى ترجمة أنس صحيح البخاري 1: 141، الجامع الصحيح للترمذي 4: 632. (5) مسند أحمد 6: 244، البخاري 1: 166، فتح الباري 2: 109.

[ 344 ]

عليه (1). وفي المحلى وغيره: أن عثمان اعتل وهو بمنى، فأتى علي فقيل له: صل بالناس، فقال: إن شئتم صليت لكم صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) - يعنى ركعتين - قالوا: لا، إلا صلاة أمير المؤمنين - يعني عثمان - أربعا، فأبى (2). وروى الإمام مالك، عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه أنه قال: ما أعرف شيئا مما أدركت الناس إلا النداء بالصلاة (3). وأخرج الشافعي من طريق وهب بن كيسان، قال: رأيت ابن الزبير يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم قال: كل سنن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد غيرت، حتى الصلاة (4). وقال الحسن البصري: لو خرج عليكم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما عرفوا منكم إلا قبلتكم (5). وعن الصادق: لا والله ما هم على شئ مما جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا استقبال الكعبة فقط (6). ومما يجب الإشارة إليه هنا أن ابن الزبير لما استولى على مكة والحجاز بادر عبد الملك بن مروان إلى منع الناس من الحج، فضج الناس عليه فبنى القبة على الصخرة والجامع الأقصى ليشغلهم بذلك عن الحج، وليستعطف قلوبهم، وكانوا يقفون عند الصخرة ويطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة، وينحرون يوم العيد ويحلقون رؤوسهم. قال الجاحظ "... حتى قام عبد الملك بن مروان وابنه الوليد وعاملهما الحجاج ومولاهما يزيد بن أبي مسلم، فأعادوا على البيت بالهدم، وعلى حرم المدينة بالغزو فهدموا الكعبة، واستباحوا الحرمه وحولوا قبلة واسط ". إلى أن قال: "... فأحسب


(1) الزهد والرقائق: 61 كما في الصحيح من سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) 1: 144. (2) المحلى 4: 270 كما في موسوعة علي: 336. (3) الموطا (المطبوع مع تنوير الحوالك) 1: 93، جامع بيان العلم 2: 244. (4) الام، للشافعي 1: 208، والغدير 8: 166 عنه. (5) جامع بيان العلم 2: 244. (6) البحار 68: 91، قصار الجمل 1: 366.

[ 345 ]

أن تحويل القبلة كان غلطا، وهدم البيت كان تأويلا، وأحسب ما رووا من كل وجه: أنهم كانوا يزعمون... الخ ". ثم يقول الجاحظ: وتفخر هاشم بأنهم لم يهدموا الكعبة ولم يحولوا القبلة ولم يجعلوا... ومما يدل على تحويل قبلة واسط: أن أسد بن عمرو بن جاني قاضي واسط (قد رأى قبلة واسط رديئة فتحرف فيها فاتهم بالرفض) فأخبرهم أنه رجل مرسل من قبل الحكام ليتولى قضاء بلدهم. وهذا يعني أن الشيعة رفضوا قبلة واسط بعكس غيرهم الذين قبلوا بالأمر الواقع، حتى أصبح تحري القبلة مساوقا للاتهام بالرفض، وقد يمكن أن يكون أمر الأئمة من أهل البيت باستحباب التياسر لأهل العراق جاء من هذا الباب. وبهذا فقد عرفنا أن التلاعب بالدين وتحكيم الهوى في الشريعة لم يكن وليد عهد معاوية والأمويين، بل كانت له جذور سبقت ذلك العهد، لأن ابن مسعود مات في خلافة عثمان، فكلامه ناظر لعثمان ومن سبقه بالخلافة، وكذلك كلام حذيفة بن اليمان، فإنه قد مات بعد مقتل عثمان وبعد أربعين يوما من خلافة الإمام علي، ومثله كلام أبي موسى الأشعري وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك وغيرهم، فهي ترجع إلى ما قبل الأمويين، وفي كلام ابن أبي الحديد إشارة إلى تحكيم المصلحة على النصوص عند غالب الصحابة في الصدر الأول، إذ قال في شرحه للنهج: قد أطبقت الصحابة إطباقا واحدا على ترك الكثير من النصوص لما رأوا المصلحة في ذلك (1). وقال في مكان آخر: ".... وغيره من الخلفاء كان يعمل بمقتضى ما يستصلحه ويستوقفه، سواء أكان مطابقا للشرع أم لم يكن، ولا ريب أن من يعمل بما يؤدي إليه اجتهاده ولا يقف مع ضوابط وقيود يمتنع لأجلها مما يرى الصلاح فيه، تكون أحواله إلى الانتظام أقرب " (2). وهذه النصوص وغيرها أوقفتنا على وجود انحراف في الشريعة قبل عهد الإمام علي (عليه السلام)، وأن الإمام كان من الذين لا يرتضون هذا الانحراف، وفي كلامه آنف


(1) شرح نهج البلاغة 12: 83. (2) شرح نهج البلاغة 1: 28.

[ 346 ]

الذكر (لم يبق من الإسلام إلا اسمه ومن الإيمان إلا رسمه) إشارة إلى عظم المصيبة على الدين، وتردي حال الأمة خلال عقدين ونصف من الزمن بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بحيث طمست معالم الدين ومحقت أحكام الشريعة. ولمخالفة علي لذلك النهج وجدنا الاتجاه الحاكم ينسب إلى علي وغيره من أعيان الصحابة ما أفتى به الخليفة عمر بن الخطاب وغيره من أئمة النهج الحاكم وما ذهب إليه من رأي، كي يعززوا موقعية الخليفة وغيره بنسبة هذه الأقوال إلى هؤلاء، فلننظر مثلا (مشروعية الطلاق ثلاثا) و (صلاة التراويح) و (النهي عن المتعتين) و (جواز المسح على الخفين وأنه للمسافر ثلاثا وللمقيم يوم وليلة) و (النهي عن الصلاة بين طلوع الشمس وغروبها)، وما أفتى به عمر في الجدة وغيرها فقد نسبت كل هذه الأقوال إلى الإمام علي بن أبي طالب، مع علمنا - وعلم الجميع - بأن الخليفة عمر بن الخطاب كان وراءها لا غير، ويرشدك إلى ذلك أ نهم عللوا صحة الطلاق ثلاثا بأن الناس في عهده استهانوا بأمر الطلاق، وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة، فرأى الخليفة من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم (1). ومثله الحال بالنسبة إلى صلاة التراويح، فقد شرعها عمر بن الخطاب ودافع عنها بقوله: نعمت البدعة هذه. ولا ينكر أحد نهي الخليفة عن المتعة وتهديده وتوعده لمن فعلها؟ بعكس الإمام علي الذي أصر على كونها سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودافع عنها. وهكذا الحال بالنسبة إلى الأمور الشرعية الأخرى، فقد نسبت مسائل كثيرة قهرا إلى علي، مع أن الثابت عنه (عليه السلام) هو عكس ما قالوه، وسيتحقق للباحث ذلك لو درسها دراسة علمية متأنية ونحن قد تعرصنا - على عجل - في نسبة الخبر إلى ابن عباس لبعض نماذجه وها هنا نحن نوكد تارة اخرى على لزوم الوقوف على جذور كل مسألة، ومعرفة من هو وراء هذه الأحكام؟ ومن هو المستفيد منها؟ فلو عرفنا أن القائل الأول هو الخليفة أو من له شخصية اجتماعية عالية بحيث يجب تأييد رأيه، فلا يستبعد أن تنسب هذه الأقوال إلى علي أو غيره من أعيان


(1) اجتهاد الرسول: 240، اثر الادلة المختلف فيها: 277.

[ 347 ]

الصحابة لتصحيح ما ذهب إليه الحاكم أو تلك الشخصية، لأن أنصار الاتجاه المعاكس، وتصحيحا لموقف زعيمهم ينسبون هذه الأقوال إلى هذا أو ذاك دون أي مهابة أو محاشاة. والآن مع دراسة إمكان نسبة الغسل أو المسح إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعد أن عرفنا كليات هذه الأمور، وهل أن هذا المنسوب إليه يتفق مع مدرسته الفكرية والفقهية، ومع نقول تلامذته وأهل بيته، واتجاهه العلمي، أم لا يتفق؟ وهل يمكننا بمجرد نسبة نقل أو رأي لشخص ما تثبيت ذلك في أرقامه العلمية؟ إن هذا ما سنبحثه هنا للوقوف على النقل الصحيح عن علي وابن عباس وغيرهما. علي والمرويات الوضوئية اختلف النقل في الوضوء عن علي بن أبي طالب (عليه السلام): فأبو حية الوادعي، وزر بن حبيش، وعبد الرحمن بن أبي ليلى وغيرهم، رووا عنه انه غسل رجليه. وأما النزال بن سبرة وحبة العرني وأبو مطر الوراق وغيرهم فقد رووا عن علي مسحه على قدميه. فأما روايات عبد خير فهي متعارضة، فبعضها مسحي والآخر غسلي. ونحن تكلمنا عن قيمة تلك المرويات الغسلية والمسحية سندا ودلالة، فلابد لنا بعدها من التعرف على قرب كل من النسبتين إلى سلوكه وسيرته، وإن كنا قد أعطينا صورة إجمالية عن المسارات الفكرية في صدر الإسلام، ووقفنا على ملابسات بعض الأمور في الشريعة، وجذور الاختلاف بين المسلمين، وأن القرشيين منعوا تدوين حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عهده، لقول عبد الله بن عمرو بن العاص: " نهتني قريش أن أكتب حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) "، ومواصلتهم لهذا النهج من بعده، في عهد الشيخين وعهد عثمان ومعاوية و... وأنهم قد سدوا فراغ عدم التحديث والتدوين بتشريعهم الرأي والاجتهاد وذهابهم إلى أن ما يقولونه هو الشرع، لقياسهم الأشياء بأمثالها!! وأنهم يعرفون ملاكات الأحكام الشرعية و!!!

[ 348 ]

مع أن الإمام على وجمع من الصحابة لم يستسيغوا هذا النمط من التفكير وتحكيم قول الرجال على النص في الشريعة، وعدوا هذا العمل خارجا عن التعبد المحض بأقوال الله وسنة رسوله، فتراهم يعترضون على اتجاه الرأي وتحكيم قول الرجال في الشريعة! وبما أن الخليفة عثمان بن عفان كان من دعاة الرأي والاجتهاد على ما صرح هو بذلك لما اعترض عليه لإتمامه الصلاة بمنى، فقال: " رأي رأيته "، وقال لعلي عند اعتراضه عليه في نهيه من الإقران بين الحج والعمرة " ذلك رأي " (1) وغيرها. وقد ثبت لديك أن المعارضين لعثمان في الوضوء كانوا من المحدثين، لقوله: (إن ناسا يتحدثون)، وبعد هذا فنحن - حسب الأدلة والقرائن - أن يكون الوضوء مما تصرف فيه الرأي وأثر فيه الإجتهاد، حتى تحول مسح الرجلين فيه إلى غسل، وقد مر عليك تعليل الحجاج لذلك حين قال: ليس لابن آدم أقرب إلى خبثه من قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما. فإن هذا النص وغيره من النصوص شاهد على أن مسالة غسل الرجلين اجتهادية محضة، والا فما كان للحجاج أن يستدل بالرأي لو كان عنده نصا نبويا ثابتا في الغسل. وقبله الحال بالنسبة لأنس بن مالك فا. نه كان لا يرتضي تعليل الحجاج في الغسل، ويستشهد بالقرآن على كذبه، بقوله " صدق الله وكذب الحجاج، قال تعالى * (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) * (2)، ومثله موقف ابن عباس من الربيع وقوله: إن الناس أبوا الا الغسل ولا أجد في كتاب الله إلا المسح " (3). فان في تعليل ابن عباس " أبى الناس إلا الغسل " وكذا قول الإمام علي " هذا وضوء من لم يحدث "، وقوله " لرأيت أن باطن القدم أولى بالمسح من ظاهرها "، دلالات على أن الإمام عليا وابن عباس كانا لا يرتضيان ما رسم للناس من


(1) الموطا 1: 336 / 40. (2) الجامع لاحكام القرآن 6: 92، تفسير الطبري 6: 82، تفسير ابن كثير 2: 44، الدر المنثور 2: 262، تفسير الخازن 1: 435. (3) سنن ابن ماجة 1: 156 / 458.

[ 349 ]

مشروعية الغسل، فأرادا بكلامهما إلزام الآخرين بما ألزموا به أنفسهم، لا اعتقادا منهم بمشروعية الرأي والاستحسان. ومع أننا نلاحظ وحدة المنقولات عن علي وابن عباس نلاحظ العكس في مرويات الإتجاه المقابل. فعثمان وأنصاره - من أنصار الغسل - قد اختلفوا في النقل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأحدهم يروي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه مسح رأسه ثلاثا، والآخر يقول أ نه (صلى الله عليه وآله) مسحه واحدة، وثالث يزيد قيد " مقبلا ومدبرا " فيه، ورابع يجعل باطن الأذن في الوجه وظاهرها من الرأس، وخامس ينقل عنه (صلى الله عليه وآله) قوله: الأذنان من الرأس، وسادس يفرق عدد الغسلات للأعضاء فيجعل عدد غسل الوجه ثلاثا واليدين مرتين والرجل واحدة - كما فيما روى عن عبد الله بن زيد بن عاصم - والآخر يجعلها ثلاثا في الكل، وهكذا دواليك إلى ما شاء الله من الاختلافات. فهذا الاختلاف في النقل ينبئ عن تحكيم الرأي وتعدده فيه، فرسول الله إما أن يكون مسح رأسه مقبلا ومدبرا ثلاثا، أو مسح ببعض الرأس ولا غير. وهكذا الحال بالنسبة إلى غسل اليدين، فهل السنة عنه (صلى الله عليه وآله) هي المرتان - كما روي عن عبد الله ابن زيد بن عاصم - أم الثلاث - كما نقل عن الاخرين -؟؟ إن كثرة الاختلاف تنبئ عن تعددية الرأي واختلاف المشارب والاتجاهات، وأن كلا يريد تحكيم رأيه بنسبته إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله). ومما تجب الإشارة إليه هنا هو إن أكثر الصحابة إن لم نقل كلهم - من رواة الغسل - كانت الأسانيد إليهم ضعيفة والطرق إليهم واهية، وبخاصة لو لاحظنا معارضتها للطرق المسحية الصادرة عنهم، وإنا إن شاء الله سنثبت بأن الغسل موقوف على عثمان بن عفان وقد فهمه برأيه الخاص، وهو من قبيل ما قاله في: (رأي رأيته)، وذلك عند مناقشتنا لمروياته، وأنه ليس في مرويات الآخرين ما يؤكد رفعها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) لثبوت ضعف النسبة إليهم. وعلى ذلك فقد يكون عثمان بن عفان قد التبس عليه أمر الوضوء، فاعتبر ذي المقدمة هو المقدمة، وأكد على كونه السنة المفروضة، وأ نه من أجزاء الوضوء وهذا هو الذي كان يتخوف رسول الله (صلى الله عليه وآله) منه على أمته من بعده، حيث صح عنه قوله

[ 350 ]

لعلي (عليه السلام): قاتلت على التنزيل وتقاتل على التأويل (1). كل هذا ما سنبحثه لاحقا عند مناقشتنا لمرويات عثمان بن عفان إن شاء الله تعالى. وبذلك فقد عرفنا وجود نهجين في الوضوء. الأول: النهج الحاكم = نهج الوضوء الثلاثي الغسلي، فهؤلاء قد منعوا من تدوين الحديث وشرعوا الرأي = (الوضوء الثلاثي الغسلي). الثاني: غيرهم من الناس = (الوضوء الثنائي المسحي) وهؤلاء قد دونوا حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عهده وأصروا على التحديث به وإن وضعت الصمصامة على أعناقهم في عهد عثمان بالذات. وحدة الآراء والفقه عند الطالبيين أشرنا في نسبة الخبر إلى ابن عباس وفي مدخل هذه الدراسة إلى وحدة الفكر والهدف بين ابن عباس وعلي بن أبي طالب، وتخالفهما مع الاتجاه الحاكم، وأكدنا كذلك على أن النهج الحاكم وتصحيحا لما يذهبون إليه راحوا ينسبون أقوالا إلى علي وابن عباس وغيرهم من أعيان الصحابة مع أن الثابت عنهم غير ذلك، ومن تلك المفردات هي مفردة الوضوء: أ - ابن عباس والوضوء لا ينكر أحد بأن ابن عباس كان من دعاة المسح والمنكرين للغسل، وقد مر عليك اعتراضه على الربيع وقوله لها: " لا أجد في القرآن إلا غسلتين ومسحتين "، والمطالع في كتب الفقهاء والمحدثين يعلم بان الثابت عندهم من مذهب ابن عباس هو المسح لا الغسل.


(1) المستدرك للحاكم 3: 123.

[ 351 ]

ب - الإمام السجاد والو ضوء قد مر عليك في خبر عبد الله بن محمد بن عقيل - من أسانيد ابن عباس المسحية - أن الإمام علي بن الحسين السجاد قد أرسل عبد الله بن محمد إلى الربيع بنت المعوذ ليسألها عما تدعيه من وضوء النبي (صلى الله عليه وآله)، وهذا يعني أن سؤاله إياها كان استنكاريا لا حقيقيا، إذ لا يعقل أن لا يعرف علي بن الحسين الوضوء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى يأتي ليسأل الربيع عن ذلك. ج‍ - عبد الله بن محمد بن عقيل والوضوء أخرج الحميدي بسنده إلى عبد الله بن محمد بن عقيل، أنه جاء إلى الربيع ليسألها عن وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فذكرت له أنه (صلى الله عليه وآله) غسل رجليه، ثم قالت: وقد أتاني ابن عم لك - تعني ابن عباس - فأخبرته، فقال: ما أجد في كتاب الله إلا غسلتين ومسحتين. وهذه الجملة من الربيع تشير - بوضوح - إلى أ نها علمت مغزى سؤال ابن عقيل وكونه استنكاريا وليس بحقيقي، فأرادت أن تفهمه بأنها ثابتة على رأيها رغم عدم استساغة الطالبيين لهذا النقل. د - اطباق ائمة أهل البيت على نسبة المسح لعلي إن الخبير بالروايات الحديثية عند مدرسة أهل البيت يقر بأن الثابت عندهم عن علي هو المسح، ونحن سنثبت في القسم الثالث من البحث الروائي لهذه الدراسة، وحين مناقشتنا لما رواه أهل البيت في صفة وضوء النبي (صلى الله عليه وآله) بأن نقل أهل البيت هو الأقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لكونه (صلى الله عليه وآله) عليا بكتابة حديثه، وأن الأئمة من ولده قد تداولوا كتاب علي بينهم، واعتبروه وديعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندهم، فكانوا يكنزونه كما يكنز الناس الذهب والفضة. بخلاف أهل السنة والجماعة الذين منعوا من تدوين حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمدة قرن أو أكثر من الزمن، وشرعوا الرأي والاجتهاد في الاحكام بجنبه، ثم دونوا سنة

[ 352 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) مخلوطة بأفهام وآراء الآخرين في كتاب اعتبروه سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله). ه‍ - جزومات العامة على أن مذهب الباقر هو المسح والمراجع لكتب التفسير والفقه يرى اسم الإمام الباقر فيمن ذهب إلى المسح، وأ نه فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، دون ما يدعى من الغسل. قال الفخر الرازي في تفسيره: (المسألة الثامنة والثلاثون): اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما، فنقل القفال عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وعكرمة، والشعبي وأبي جعفر محمد ابن علي الباقر أن الواجب فيهما المسح وهو مذهب الإمامية من الشيعة (1). فإن ثبوت المسح عن الباقر في الصحاح والمسانيد الحديثية، لدليل صحة خبر المسح عنه في مرويات مدرسة أهل البيت وأ نه ليس بدعا من الأمر، وهذا ما سنوضحه لاحقا عند مناقشتنا لمرويات أهل البيت إن شاء الله تعالى. و - جزومات العامة بأن مذهب علي (عليه السلام) هو المسح لفقهاء العامة نصوص كثيرة تدل على أن مذهب الإمام علي بن أبي طالب هو المسح، وهو الذي يتفق مع ما نقله أهل بيته عنه، وإليك بعض النقول كي تقف على حقيقة الأمر: قال ابن حجر:... ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك [ أي الغسل ] إلا عن علي وابن عباس وأنس (2). وقال ابن حزم: وقد قال بالمسح على الرجلين جماعة من السلف منهم: علي بن أبي طالب وابن عباس (3).


(1) التفسير الكبير، للرازي 11 - 12: 161. تفسير غرائب القرآن (تفسير الطبري) 6: 73 - 74. (2) فتح الباري 1: 213 ونحوه عن الشوكاني في نيل الاوطار 1: 209. (3) المحلى 1 - 2: 56 م 200.

[ 353 ]

وقال موفق الدين ابن قدامة: ولم يعلم من فقهاء المسلمين من يقول بالمسح غير من ذكرنا (1). وكان علي بن أبي طالب وابن عباس ممن ذكرهم. وقد نسب أهل العلم المسح إلى علي كابن جرير الطبري في تفسيره (2) والجصاص في احكامه (3) وابن كثير في تفسيره (4) والمتقي الهندي في كنزه (5) وغيرهم. وقد جزم العيني بثبوت القول بالمسح عن علي وابن عباس وأنس بن مالك في عمدة القارئ (6). ونسبة هؤلاء الأعلام المسح إلى علي بن أبي طالب تدلنا بصراحة على أن مذهبه كان المسح لا غير، وأن نسبة الغسل إليه ما هي إلا أكاذيب، وافتراءات وضعت من قبل الاتجاهات المخالفة لتصحيح مذهب عثمان بن عفان، لأ نه قد ثبت أن عليا وأهل بيته كانوا من المعارضين للرأي ومن المدونين لحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وثبوت هذان الأمران عنه ينافي ما وضحناه للقارئ من تحكيم الرأي في الوضوء الغسلي، إذ وقفت على نصوص علي الزارية بهم، كقوله (لرأيت) و (هذا وضوء من لم يحدث)، كل هذه النصوص ترجح أن يكون مذهب الإمام هو المسح لكونه لا يرتضي الغسل بل يعتبره بدعة وإحداثا قد أدخل في الدين، هذا من زاوية. ومن زاوية أخرى نلاحظ في الروايات التي نسبت الوضوء الثلاثي الغسلي لعلي وابن عباس أ نها تدعي الابتداء منهم تبرعا بإرائة الوضوء دون سؤال مسبق، بخلاف روايات المسح التي تنقل عنهما، فإنها جاءت بعد سؤال من سائل، أو بصيغة اعتراض على خطأ وإحداث عند الناس يراد رفعه. ففي الروايات الأربع الغسلية التي رواها عطاء عن ابن عباس، وجدنا ادعاء


(1) المغني 1: 151 م 175. (2) تفسير الطبري 6: 86. (3) احكام القرآن للجصاص 2: 346 - 347. (4) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 2: 45. (5) كنز العمال 9: 439. (6) عمدة القاري 2: 21.

[ 354 ]

ابن عباس دون أي مبرر بقوله " أتحبون أن أريكم كيف كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ "؟، وفي الروايات التي تدعي الوضوء الثلاثي الغسلي لعلي، تجد عشر روايات منها تدعي الابتداء التبرعي بمثل قوله " أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله (صلى الله عليه وآله) " و " من سره أن يعلم وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو هذا " و " هكذا توضأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) " و " هكذا كان وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) " و " من سره أن ينظر إلى طهور رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهذا طهوره " وما قاربها من العبارات، التي تستبطن أن المدعي يريد إثبات شئ في عقله وإشاعته بين المسلمين، وإلا فإن الوضوء من الأمور البديهية التي لا معنى للإصرار والتأكيد على الابتداء بها، وقد سبق أن ذكرنا في المدخل أن عثمان قد استعمل نفس هذه الاساليب، فقال في أحد نصوصه: كنت على وضوء ولكن أحببت أن أريكم كيف توضأ النبي (صلى الله عليه وآله) (1) وفي آخر: هكذا وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحببت أن أريكموه (2). وهذا بخلاف روايات المسح التي تنقل وجود ناس يكرهون أن يشربوا فضل الوضوء قياما، وأن عليا حدث بذلك، فأراد إيضاح بطلان ذلك التوهم للمسلمين، فيكون من المنطقي جدا أن يأتي بالوضوء فيشرب بعده من فضل وضوئه ويقول بلسان قاطع: أين الذين يزعمون أنه لا ينبغي لأحد أن يشرب قائما؟! مضافا إلى أ نها تنقل لنا حضور الصلاة (صلاة العصر) التي أراد أن يصليها علي في الرحبة، وهي تستدعي الوضوء - وجوبا أو استحبابا - فيكون من الملائم جدا أن يأتي علي بالوضوء أمام الملأ من المسلمين. بل الذي في رواية أبي مطر الوراق التصريح بأن رجلا طلب من علي أن يريه وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند الزوال، أي في وقت يناسب التعلم، وعند ذاك يستجيب الإمام علي فيدعو قنبرا مولاه ليأتيه بماء للوضوء، فيتوضأ أمام المسلمين ثم يقول: اين السائل عن وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كذا كان وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله). فإذا أردنا تطبيق المدعى من الوضوءين مع منطق وقوع الحدث وملابساته وجدنا روايات المسح أولى وأوفق من روايات الغسل التي تبتدئ بطرح أفكار أقل


(1) سنن الدار قطني 1: 93 / 8. (2) سنن الدار قطني 1: 91 / 4.

[ 355 ]

ما يقال في حقها: أنها متنازع فيها في تلك الفترة، فيكون ادعاؤهم مصادرة بالمطلوب. الروايات الوضوئية وما تحمل من شواهد: وفي تتبع آخر للمرويات الوضوئية انفرجت لنا زاوية جديدة وظهرت لنا حقيقة قيمة، هي أن الروايات المسحية تنقل عن الماسحين - إلى هذا الموطن من البحث - أ نهم لم يدعوا الوضوء المسحي مجردا عن الدليل، أو بادعاء محض الرؤية، لأن التمسك بمجرد ادعاء رؤيتهم للنبي قد يعارض بادعاء مقابل من الغاسلين، أو يؤول بتأويلات مختلفة، فمن هنا جاءت مروياتهم المسحية مقرونة بالدليل الدامغ من الكتاب ومن السنة، وبرد الوجوه المرتأة والأدلة الاستحسانية، وهذه الجهات خلت عنها الروايات المدعية للغسل. فروايات ابن عباس مشحونة بقوله: " افترض الله غسلتين ومسحتين " وقوله: " لا أجد في كتاب الله إلا المسح " و " نجد في كتاب الله المسح " وما شاكلها من العبائر التي تصرح بان كتاب الله نزل بالمسح لا غير، وأن من ذهب إلى غير المسح، فقد خالف الظهور القرآني وترك العمل بكتاب الله. ونفس هذه النبرة تجلت في كلام أنس بن مالك في رده للحجاج حيث أعلن أنس احتجاجه بكتاب الله فقال: صدق الله كذب الحجاج، قال تعالى * (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) * كان يقول: نزل القرآن بالمسح. وفي نفس الوقت رأيناهم يعرضون بأصحاب الرأي ويضربون بآرائهم عرض الجدار، فيقول ابن عباس: " أبى الناس إلا الغسل "، و " يأبى الناس إلا الغسل "، كما يقول أنس في رد تعليل الحجاج الغسل بأن الرجل اقرب أعضاء الإنسان للخبث، " كذب الحجاج "، لأ ن دين الله لا يصاب بالرأي، وإذا سلمنا حجية الرأي فليس على إطلاقه، إذ ما قيمته بعد وضوح وظهور قوله تعالى * (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) *؟! وجاء الإمام علي بنص يحمل في ثناياه الاستدلال بالكتاب وبالسنة ويفند الرأي في آن واحد، لأ نه (عليه السلام) قال: " لولا إني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسح على ظهورهما

[ 356 ]

لظننت أن بطونهما أحق " فأرسل الإمام ظهور المسح من كتاب الله ارسال المسلمات، ولم يجعل مجالا لاحتمال الغسل أبدا فيه، لظهور المسح في قوله: * (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) * فأراد أن يوضح هذا الامر الثابت بقوله: إن هذا المسح الظاهر من أمر الله في القرآن يختص بمسح ظاهر القدمين فقط، لأ نه رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسح ظهورهما فقط دون بطونها، أي أنه احتج بالسنة النبوية المباركة مع القرآن، ثم فند (عليه السلام) ثالثا الرأي، فقال ما معناه: لو كان للرأي حجية في مقابل فعل النبي (صلى الله عليه وآله) لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما لقربه من الخبث. وهو ما استدل به الحجاج على الغسل لاحقا!! فيكون ملخص كلام الإمام علي هو: أن الكتاب أمر بالمسح بالأرجل، لا غير، ومعناه لا فرق في المسح بباطن القدمين أو ظهورهما، وإن كان مسح بطون القدمين أولى من ظهورهما حسب الرأي، لكنه لما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسح ظهورهما تعبد بذلك ولم يتجاوز إلى غيره. ولا يخفى عليك أن هذا النص يدل على أن الباء في الآية القرآنية للتبعيض - لا كما يزعمه المالكية من أ نها للإلصاق - لأ ن الأمر بالمسح جاء من خلال نص الآية الشريفة، وقد مسح النبي (صلى الله عليه وآله) بظاهر قدميه لا باطنها، إذ قال علي (عليه السلام): أ نه لو لا فعل النبي (صلى الله عليه وآله) لكان باطنها أحق بالمسح، لانه (صلى الله عليه وآله) المبين لاحكام الله تعالى. وعلى كلا الوجهين يكون النبي (صلى الله عليه وآله) والإمام علي (عليه السلام) قد بينا البعضية من الباء، لأ ن النبي (صلى الله عليه وآله) مسح بظاهر قدميه - وهو بعض القدم - والإمام علي (عليه السلام) قرر أولولية الباطن - لولا مسح النبي (صلى الله عليه وآله) الظهر - بالمسح، والباطن بعض القدم أيضا. وعلى كل حال فإن النقولات المسحية عن علي وابن عباس وأنس بن مالك حملت معها أدلتها القوية من القرآن والسنة ورد الرأي، بعكس الطرف المقابل، أعني روايات الغسل، فإنها لم تجرؤ أن تقدم سوى ادعاء لا يعلم مدى مصداقيته ووثاقته، وان الأدلة التعضيديه كقوله (صلى الله عليه وآله) " ويل للاعقاب من النار " و " أسبغوا الوضوء " هي أجنبية عما نحن فيه، لعدم إمكان الاستفادة منها لمشروعية غسل الأرجل، بل الأول منه ما هو إلا حكم يتعلق بالعقب الذي هو معرض للنجاسة، فلا يمكن الاستدلال به على أنه فعل الرسول وحكم القرآن، ومثله الحال بالنسبة إلى الإسباغ فهو حكم

[ 357 ]

كمالي للوضوء ولا يدل على غسل الأرجل. نعم، إن الأعلام قد جدوا لتعضيد الغسل بصرف الظهور القرآني. تارة بقراءة النصب واخرى بادعاء النسخ، وثالثه بادعاء أن القرآن نزل بالمسح وجاءت السنة بالغسل، وما ضارعها من وجوه، حتى قال ابن حزم في بعض مواطن رده على أبي حنيفة ومالك: وأبطلتم مسح الرجلين - وهو نص القرآن - بخبر يدعي مخالفنا ومخالفكم أننا سامحنا أنفسنا وسامحتم أنفسكم فيه، وأ نه لا يدل على المنع من مسحها، وقد قال بمسحها طائفة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم (1). واخرى بروايتهم عن رسول الله: أنه غسل رجليه!! الوضوء والتعليم غير المعقول: ومن طرائف ما وقع في روايات الغسل أ نها تدعي في بعضها أن عليا دخل على حبر الأمة ابن عباس، وفاجأه مبتدئا بقوله: " ألا أريك كيف كان يتوضأ رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟... " ثم سرد له الوضوء الغسلي، مشعرة بأنه ارتضى ذلك الوضوء وتلقاه تلقيا عاديا!! وهذا من غرائب الطرائف، لأن ابن عباس كان يجاهر بالمسح حتى بعد استشهاد الإمام علي كما في خبر الربيع، فالخبر مصرح بأن ابن عباس بقي على موقفه المسحي إلى آخر حياته، مع أنك قد عرفت أن أحدا لم يدع الإخبار عن حس في رجوع ابن عباس، بل الثابت عنه البقاء على المسح حتى النهاية، فكيف سكت عن الوضوء الغسلي المدعى. وإذا صرفنا النظر عن ذلك، فإننا لا نستطيع التصديق بأن حبر الأمة الذي كان يبيت مع النبي (صلى الله عليه وآله) في غرفة واحدة، يبقى ردحا من الزمن منتظرا أن يجيئه الإمام علي (عليه السلام) فيعلمه الوضوء تبرعا وبدون سابق سؤال من ابن عباس؟! وهل يخفى على الإمام علي أن ابن عباس كان يعلم وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أم أن ابن عباس كان مخطئا طيلة عمره في وضوئه حتى علمه الإمام علي. إننا لا نفهم من هذا النص إلا تحشيد النهج الحاكم أكبر عدد من الصحابة


(1) المحلى 2: 61.

[ 358 ]

استنصارا للوضوء الغسلي، وأن يلقي تبعة ما استحدثه عثمان على عاتق علي وابن عباس وغيرهما من أعيان الصحابة، وإلا فإن ما ينقله هذا النص غير معقول لا من جهة جهل ابن عباس ولا من جهة تعليم علي إياه، لكون الوضوء أول أوليات العبادات. ومثله النص الآخر الذي ادعي فيه أن عليا علم الحسين الوضوء في وقت متأخر. فهل كان الحسين جاهلا بوضوء جده وهو ريحانته وسبطه؟! أم أ نه لم ير النبي (صلى الله عليه وآله) قط يشرب فضل وضوئه قائما مع أنه من ألصق الناس به وأقربهم منه منزلة مادية ومعنوية؟ وكيف يتلائم هذا النص مع النص الآخر الذي فيه أن الحسين هو وأخوه الحسن علما الشيخ الذي لا يحسن الوضوء، وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله). فعن الروياني: أن الحسن والحسين مرا على شيخ يتوضأ ولا يحسن، فأخذا في التنازع، يقول كل واحد منهما: أنت لا تحسن الوضوء، فقالا: أيها الشيخ كن حكما بيننا، يتوضأ كل واحد منا، فتوضئا، ثم قالا: أينا يحسن؟ قال: كلاكما تحسنان الوضوء، ولكن هذا الشيخ الجاهل [ يعني نفسه ] هو الذي لم يكن يحسن، وقد تعلم الآن منكما، وتاب على يديكما، ببركتكما وشفقتكما على أمة جدكما (1). وقد أغرقت الرواية الغسلية في النزع بادعائها أن السجاد، والباقر رويا الوضوء الغسلي عن الحسين، وأن أباه عليا علمه إياه، مع أننا علمنا أن السجاد أرسل عبد الله بن محمد بن عقيل إلى الربيع منكرا عليها وضوءها، وأن المحفوظ عنه وعن ابنه الباقر هو المسح، وقد مر عليك تصريح الفخر الرازي بأن مذهب الباقر محمد ابن علي هو وجوب المسح في الرجلين (2). وهذه اللفتة أيضا تجدها في مرويات عثمان الوضوئية، فإنها تحاول تسطير أكبر عدد من أسماء الصحابة لمساندة الوضوء الغسلي، فتدعي أن عثمان استشهد على


(1) مناقب آل أبي طالب 3: 400. (2) التفسير الكبير 12: 161.

[ 359 ]

وضوئه الغسلي جماعة من الصحابة، فدعاهم ليريهم وضوءه، وحمد الله على موافقتهم له (1) وتسكت الرواية عن ذكر أسمائهم، وتجئ رواية أخرى فتذكر أسماء صحابة مخالفين لعثمان فقها وفكرا وسياسة لتحشرهم معه في الوضوء فتدعي وجود طلحة والزبير وعلي وسعد (2) هما ممن أيداه، مع أننا نعلم أن طلحة والزبير من أشد المخالفين لعثمان ولم يثبت عنهم وضوء غسلي عند العامة، وكذلك سعد، وأما علي فهو علم في الوضوء المسحي، ومن أول المعارضين للوضوء الغسلي، وقد مر عليك في المدخل مواقف الصحابة الفقهية المخالفة لعثمان. فلماذا تفترض هذه الرواية استشهاد عثمان لهؤلاء لا غيرهم، مع أن الثابت عنهم خلاف عثمان أو عدم موافقته على أقل تقدير؟! إن هذه النكتة تدلنا على وجود أصابع تريد التلاعب بالوضوء، لتنتصر لرأي الخليفة والسائرين غلى نهجه. وهذه اللفتة إذا بحثناها في الوضوء المسحي وجدناها تنسجم تماما مع منطق الأحداث والحالة الطبيعية التي تنبثق عنها نصوص الأحكام والتعاليم الدينية، لأن الروايات المسحية الصادرة عن علي تكاد تتفق على صدور الوضوء عنه في الرحبة وفي أيام خلافته، وأ نه علم أبناء الكوفة لسؤال منهم، وأن الذي طلب توضيح الوضوء كان من التابعين، فلم نجد في تلك الروايات عليا علم صحابيا جليلا كابن عباس، أو سبطا من الأسباط كالحسين، حكما من الأحكام الأولية التي يعرفها أبسط المسلمين!! فتكون خلاصة هذه الفقرة أننا وجدنا في الروايات المدعية لغسل لعلي، أن صحابيا يعلم صحابيا أوضح الواضحات، ولم نجد مثل هذه الزلة في روايات المسح، بل كلها تتماشى مع حالة التعليم والتعلم الطبيعية. وبنظرة عجلى في أبواب الفقه يستطيع القارئ أن يدرك أن الحالة الطبيعية في كتب الفقه هي أن يسأل التابعي الصحابي عما خفي عليه من أحكام، باعتباره


(1) انظر كنز العمال 9: 441 / 26883، عن الدار قطني 1: 85 / 9. (2) كنز العمال 9: 447 / 26907.

[ 360 ]

لم يتشرف بلقيا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو أن يسأل الصحابي صحابيا آخر عن واقعة شهدها المسؤول ولم يشهدها السائل، أو أن يختلف صحابيان أو أكثر في فرع من الفروع التي يمكن خفاء أحكامها عليهم. وأما أن يسأل صحابي جليل قوي الصحبة، قريب من النبي (صلى الله عليه وآله)، صحابيا آخر عن أمر مثل الوضوء فهو من غير المعقول ومن البعيد عن سير الفقه، وهل بإمكاننا مثلا أن نصدق أن عمار بن ياسر سأل عليا أو غيره عن عدد ركعات الصلاة اليومية، أو أن عليا ابتدأه بتعليمه ذلك؟! إن هذا ما يأباه العقل والمنطق والوجدان. روايات الوضوء وأطراف النزاع: ثم إننا لو دققنا في روايات الماسحين وجدناها تحدد أطراف النزاع بجلاء ووضوح، بعكس روايات الغاسلين فإنها تبهم التيار المعارض ولا تصرح بأسمائهم، فها هي رواية عبد الله بن محمد بن عقيل، تحدد أطراف النزاع، فتذكر إرسال السجاد عبد الله إلى الربيع لينكر عليها وضوءها الغسلي، فالخبر ينقل لنا أن عبد الله أيضا من أطراف النزاع، فهؤلاء في كفة والربيع في كفة، والرواية تنقل أيضا بأمانة تكذيب ابن عباس للربيع عبر قوله: " ما أجد في كتاب الله إلا مسحتين وغسلتين " فإن معناها رفض ما ترويه الربيع أو ترتأيه من الوضوء الغسلي. ومثل ذلك ما جاء في رواية أنس بن مالك، فإنها حددت أن الحجاج بن يوسف كان داعية الغسل بحجة أقربية الرجل للخبث، وصرحت بأن أنسا كذب الحجاج جهرة في دعواه تلك مع جبروت الحجاج وطغيانه، ولا يفوتك أن الحجاج حين أمر الناس بغسل القدمين لم يجسر على ادعاء أنه نص القرآن أو سنة النبي (صلى الله عليه وآله) أو سيرة الصحابة، ذلك، لأ ن القرآن ظاهر في المسح، وأما سنة النبي (صلى الله عليه وآله) وسيرة الصحابة فكانا غير مدونين على عهد الحجاج، بل الحكومة كانت آنذاك ما زالت جاهدة في اكتساب التابعين وتابعي التابعين والفقهاء ليقولوا بما تريده، فمن رافض لذلك ومن منخرط معها، والتدوين لم تفتح أبوابه عند الحكام بعد، فلذلك لم يدع الحجاج أن الغسل سنة النبي (صلى الله عليه وآله) ولا سيرة الصحابة بل ادعى فيها الرأي، وإن الرجل اقرب

[ 361 ]

للخبث! وهذا فيه أوضح إشارة إلى أن هذا الوضوء استحكم بعد التدوين في زمن ابن عبد العزيز ولم يكن له ماله الآن من مرويات وأتباع... وعلى أي حال فإن روايات المسح فيها تحديد لأطراف النزاع، وهذا التحديد يخدمنا في معرفة رموز الطرفين، فإن الربيع والحجاج من سلك الاجتهاد والرأي ومن المعدودين في جانب الحكومات، وأما ابن عباس وأنس بن مالك والسجاد، وابن عقيل فهم من سلك التعبد المحض - في هذه المفردة - ومن المضطهدين من قبل السلطات. وهذا التصريح لا نجده أبدا في روايات الغسل، فإنها تنقل الغسل ساكتة غير مصرحة بالمخالفين لذلك، بل الذي رأيناه في روايات عثمان هو تعمد الإبهام للمخالفين بمثل قولهم: " إن ناسا " و: " حدثت أن عثمان اختلف في خلافته في الوضوء ". وأما روايات الإمام علي فإنها أكدت على جملة " وهذا وضوء من لم يحدث "، وهي وإن كانت شاملة لكل المحدثين في الوضوء، إلا أ نها ربما يظهر منها التعريض بعثمان بن عفان، لأ نه أول من سن الخلاف في الوضوء كما عرفت، فتكون رواية الإمام محددة لمنشأ الوضوء الغسلي المحدث، وأنه عثمان بن عفان، والتعريض هنا أبلغ من التصريح كما لا يخفى، لاقتضاء المقام البلاغي ذلك حفاظا على وحدة المسلمين. نصوص الوضوء والسير الطبيعي: وفي مماشاة لسير الأحداث الوضوئية يتبين لنا صدق انسجام الوضوء المسحي مع سير السيرة النبوية في الوضوء، ونفار الوضوء الغسلي عن هذه السيرة وبروزه بشكل مفاجئ في غير مقطعه الزمني، مما يدل على حداثته وبروزه في وقت متأخر. ذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله) علم المسلمين جميع ضروريات دينهم، وما مات حتى بين لهم معالم دينهم، فعلم الصحابة ذلك وكانوا يعلمون من لم ير النبي أيضا، وبقي هذا المجتمع الذي بناه النبي (صلى الله عليه وآله) بلا نزاع ولا خلاف في الوضوء، فعبرت الأحداث زمان ولم يستجد ما يوجب الاختلاف سوى حروب الردة التي سرعان ما انتهت واندثرت. ثم جاء زمن خلافة عمر بن الخطاب، فكثرت الفتوح بشكل غير مجرى التاريخ، فافتتح المسلمون بلاد فارس وبلاد الروم، وتوسعت رقعة الدولة الإسلامية،

[ 362 ]

فصار الناس من سائر الأمم يدخلون في دين الإسلام أفواجا أفواجا، وجئ بالأسارى الذي صاروا موالي للمسلمين واختلطوا معهم، وأسلم الكثير منهم بعد اطلاعهم على دين الإسلام. فكان منطق الأحداث يقتضي هنا بروز وشيوع أحاديث الوضوء التعليمي، لأن الداخلين الجدد في الإسلام كان لابد لهم من الصلاة، ولا صلاة إلا بطهور، فمن المقطوع به أن يسألوا الصحابة عن كيفية الوضوء وتفاصيله وجزئياته، ليؤدوا فرائض الله، وهنا لابد أن يتجلى دور الصحابة في روايات الوضوء، وكان المفروض أن يبرز الخلاف بينهم لو كان ثمة خلاف بينهم فيه، ولكننا ما رأينا قط وقوع خلاف وضوئي آنذاك، مما يعني أن الداخلين الجدد كانوا قد تلقوا وضوءا واحدا لا خلاف فيه وإلا لبرز. وما أن تسلم عثمان أزمة الأمور حتى برز الوضوء الثلاثي الغسلي مقرونا بصرخات الاختلاف من أناس لم يرتضوه، فكأنه ولد معارضا من أناس أثبتنا أنهم من علية الصحابة، وهذا الانبثاق المفاجئ المعارض بنقول صحابة آخرين وبنص القرآن الكريم، لا يتلائم مع سير الاحداث كما عرفت. لأ ن الوضوء ليس بالأمر الخفي ولا بالحكم المجهول. هذا الإحداث والإبداع للوضوء الجديد خلق حالة ارتباك في ذهنية المسلمين، فانشطروا إلى مثلثين غاسلين تبعا لعثمان، ومثنين ماسحين بقاء على ما كان، وبما أن الكوفة كانت - لقربها من بلاد فارس ولاتخاذ علي لها عاصمة لخلافته - مشحونة بالعجم والموالي والمسلمين الحديثي عهد بالاسلام الذين التبس عليهم أمر الوضوء نتيجة الملابسات التي خلقها عثمان، وجدنا النصوص التعليمية عن علي بن أبي طالب في الكوفة وفي الرحبة، وعند الصلاة، وبعد سؤال سائل، وكلها تحمل ردودا على إعمال الرأي في الوضوء، وتؤكد أن المسح هو السنة النبوية، كما أ نها تعرض بالمحدث لهذا الخلاف وهو عثمان بن عفان، فجاءت النصوص عن علي في وقتها الطبيعي وبعد حدوث الاختلاف قطعا في زمان عثمان، وهذه الحالة طبيعية جدا ومتماشية مع سير الأحداث.

[ 363 ]

فهذا الانسجام في روايات المسح، والشذوذ في روايات الغسل يرجح نسبة الخبر المسحي إلى علي ويحكم بصحته وملائمته للوقائع ولرفض الاجتهاد والرأي، كما يحكم بصحة انتساب الوضوء الغسلي إلى عثمان بن عفان فقط، لشذوذه عن السير الطبيعي للحدث الوضوئي ولفقه المسلمين، ولملائمته لمدرسة عثمان القائلة ب‍ " رأي رأيته "، كما أنه يلائم نفسيته التي نص عليها، حيث كان متنظفا حتى أ نه كان يتوقى وصول غبار بناء مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) إلى أنفه في المدينة (1). الوضوءان بين الاضطهاد والانفراج: وهناك نكتة أخرى تؤيد صحة انتساب الوضوء المسحي إلى علي بالخصوص، وابن عباس وأنس بن مالك، وأن الوضوء الغسلي نشأ وترعرع تحت أنظار سلطة عثمان والسلطة الأموية والعباسية من بعد، تلك النكتة هي أن المسحيين عاشوا مرحلة الاضطهاد، لانهم لم يكونوا على وفاق مع السلطة في تفكيرهم وسياستهم، وآثار هذا الضغط السلطوي لم تنفك عنها نصوص الوضوء المسحي ولا رواده، لأ ن الكثير من الصحابة كانوا لا يجرؤون على التصريح بما أثروه عن النبي (صلى الله عليه وآله)، كما في خوف عمار من عمر في التيمم، وكما في ضرب عثمان لعمار وابن مسعود، فمن المحتمل جدا أن يكون الكثير من المسحيين قد قضوا أعمارهم ولم تصل أصواتهم إلينا، يؤيد ذلك أن أشهر ثلاثة أعلام من عظماء الصحابة الذين حملوا لواء مدرسة المسح، كانوا ممن امتد بهم العمر وانفسح لهم المجال لنشر التحديث بالوضوء. فروايات علي (عليه السلام) المسحية صادرة في زمان خلافته وفي رحبة الكوفة، بعد أن كان مبسوط اليد، مرفوعا عنه الحصار الفكري، فراح يقوم الاعوجاج الحاصل في الوضوء، ويروي للناس وضوء النبي (صلى الله عليه وآله)، ويفند الرأي وما اخترعه الرأي من محدثات. وعين هذا الكلام يأتي في مرويات ابن عباس، فإنها كانت صادرة بعد استشهاد الإمام علي وقبل استشهاد الإمام الحسين كما أثبتنا ذلك في المدخل (2)، وهي حالة


(1) العقد الفريد (2) انظر وضوء النبي (صلى الله عليه وآله) / المدخل: 196 - 197.

[ 364 ]

الانفتاح التي حصلت بعد أن قضى معاوية على خصومه واستتب له الحكم، فراح ابن عباس يطارح ويفند وينشر آراءه بلا خوف من السلطات. وهكذا رواية أنس بن مالك فهي متأخرة جدا إذا قيست بالنصوص الصادرة عن علي وابن عباس، وقد ساعد على تصريح أنس بمعارضة الحجاج ومن ثم وصولها إلينا هو الغطاء والحماية السياسية المحدودة التي حصل عليها أنس من عبد الملك بن مروان، باعتباره خادم النبي (صلى الله عليه وآله) وله القدسية عند المسلمين مما تتحاشى السلطة عادة الإيقاع به وتثوير الرأي العام ضده، اللهم إلا إذا اقتضت ذلك ضرورة ملحة لإدامة حكومتهم. أي أن المعارضة لوضوء عثمان بدءت في عهده من قبل (الناس) (1) وبعده من قبل الإمام علي وبعد علي واصل ابن عباس المسيرة وتبعه في ذلك أنس بن مالك في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي، أي أن المعارضة مع وضوء عثمان بدءت في حياته استمرت وحتى اواخر عهد الصحابي أنس بن مالك! لما جاءت به النصوص. فلو افترضنا استشهاد الإمام علي في إحدى حروبه تحت لواء النبي (صلى الله عليه وآله) كحمزة وجعفر، وموت ابن عباس أو مقتلة أو اغتياله في زمن معاوية، وموت أنس قبل إدراكه إعلان الحجاج لاختلف وضع الوضوء اختلافا جذريا عما هو عليه الآن، ولضاع الكثير من عيون رواياته. ومما يحتمل في هذا الأمر أن بكاء أنس في دمشق وقوله (غيرتم كل شئ حتى الصلاة) كان من جملته بكاوئه على الوضوء المغير من قبل الحكام، لأنك ترى الحجاج يسعى لتحكيم الوضوء الغسلي المخالف للقرآن الحكيم، وأنس يرى هذا التغيير جهرا وليس له قوة يصحح بها الوضع إلا الوقوف بوجه الحجاج وتكذيبه موضحا سقم ما ذهب إليه. فتأخر النصوص جميعا عن زمن عثمان، وصدورها عن أصحاب التعبد، وفي أزمنة الانفراج التي حصل عليها هؤلاء الأعلام الثلاثة، كلها تؤكد على أن الوضوء الغسلي عثماني حكومي، وأن الوضوء المسحي أصيل نبوي. ويعضد هذا الكلام أننا نرى أكثر مرويات الوضوء عند الشيعة إنما صدرت عن


(1) كما في خبر مسلم 1: 207 / 8 وعنه في الكنز 9: 324 / 26797.

[ 365 ]

الإمام محمد الباقر، حتى تناقل الأعلام في المدرسة المقابلة ثبوت المسح عنه، إذ مر عليك كلام الفخر الرازي في تفسيره، وغيره من أعلام العامة، وذلك لأن الإمام الباقر عاش في فترة انفتاح علمي وارتفاع الضغط عنه، لإشراف الحكومة الأموية على نهاياتها وانشغالها بالحروب والانقسامات، وكذلك صدرت روايات أخرى عن الإمام الصادق لنفس السبب، فعدم اتقاء الإمام الباقر الأمويون في الوضوء والتقاء الإمام الصادق اولئك - كما في بعض الاخبار - تؤكد سير المسالة. فمن كل هذه الدلالات والقرائن والإشارات والتتبعات نعلم بلا شك ولا ارتياب، أن نسبة الوضوء المسحي إلى علي بن أبي طالب هو الأصح والأثبت والأوفق بالسير الطبيعي، والأنسب بمواقف علي وحياته العلمية والعملية، لروائيته عنه عند الفريقين وكذلك ابن عباس، وأن الوضوء الغسلي المنسوب إليه لا يتلائم مع شخصيته ولا منهجيته العلمية ولا العملية، وإنما هو أنسب بعثمان والأمويين ومن تابعهم من أصحاب الرأي والاجتهاد، الذين راحوا ينسبون آراءهم إلى الطرف المقابل لهم في الفكر والمباني ليوفروا لآرائهم الغطاء الشرعي.

[ 367 ]

مناقشة مرويات عبد الله بن زيد بن عاصم المازني سندا ودلالة ونسبة المناقشة السندية لمروياته الغسلية المناقشة السندية لمروياته المسحية البحث الدلالي نسبة الخبر إليه

[ 369 ]

عبد الله بن زيد المازني وروايات الغسل

[ 371 ]

اختلفت الروايات عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني غسلا ومسحا، والغالب منها غسلية وقد اخرجت في الكتب التسعة. وعدت من أصح الأحاديث في باب (مسح الرأس مقبلا ومدبرا). والرواة عن عبد الله بن زيد غسلا، هم: 1 - يحيى بن عمارة المازني 2 - حبان بن واسع وبما أن عمرو بن يحيى قد انفرد بروايته عن أبيه (يحيى بن عمارة) واختلف في النقل عنه بصيغ مختلفة، فتارة روى عن أبيه: أن رجلا قال لعبدالله. وأخرى عن أبيه: شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله. وثالثا: عن أبيه عن عبد الله أنه أفرغ من الإناء على يديه... ورابعا: عن أبيه أنه قال لعبدالله، وهو جد عمرو بن يحيى وخامسا: عن أبيه عن عبد الله الذي أري النداء وسادسا: عن أبيه أنه قال: كان عمي... لذلك رأينا من الضروري تصنيف هذه الروايات - حسب حكاية ابنه عمرو بن يحيى عنه - تسهيلا للباحث في الوقوف على حقيقة الأمر، ثم الإتيان بما رواه حبان بن واسع.

[ 372 ]

أ - ما رواه عمرو بن يحيى عن أبيه: أن رجلا قال لعبدالله... الإسناد الأول قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف (1)، قال: أخبرنا مالك (2) عن عمرو بن يحيى المازني (3) عن أبيه (4): أن رجلا قال لعبدالله بن زيد - وهو جد عمرو بن يحيى - أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء فأفرغ على يديه فغسل مرتين، ثم مضمض واستنثر ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه (5). الإسناد الثاني وأخرج عبد الرزاق عن مالك بن أنس عن عمرو بن يحيى أن رجلا قال لعبدالله بن زيد - وكان من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) -: هل تستطيع أن ترينى كيف كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ؟ قال: نعم، فدعا عبد الله بن زيد بوضوء فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين، ثم مضمض واستنثر ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه إلى


(1) هو التنيسي، أبو محمد الكلاعي المصري، احتج به البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي (انظر تهذيب الكمال 16: 333، سير أعلام النبلاء 10: 357، تهذيب التهذيب 6: 86) وغيرها من المصادر. (2) هو إمام المذهب المالكي، مشهور، لا يحتاج إلى ترجمة. (3) هو عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبى حسن الأنصاري،، المدني، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 22: 295، تهذيب التهذيب 8: 118، التاريخ الكبير للبخاري 6: 382) وغيرها من المصادر. (4) هو يحيى بن عمارة بن أبي حسن، الأنصاري،، المدني، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 21: 474، تهذيب التهذيب 11: 259، التاريخ الكبير للبخاري 8 الترجمة 3058) وغيرها من المصادر. (5) صحيح البخاري 1: 58.

[ 373 ]

المرفقين [ مرتين ]، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ فيه ثم غسل رجليه (1) الإسناد الثالث وأخرج البغوي بسنده إلى مالك عن عمرو بن يحيى عن أبيه أن رجلا قال لعبدالله بن زيد بن عاصم - وهو جد عمرو بن يحيى - وساق مثل ما تقدم (2). المناقشة تكلمنا سابقا عن رجال هذه الأسانيد، إلا عمرو بن يحيى الذي ضعف حديثه ابن معين فضلا عن عدم توثيقه له. قال الدارمي عن ابن معين: صويلح وليس بالقوي (3). وقال ابن طالوت عن يحيى بن معين أيضا: ضعيف الحديث (4). وقال إسحاق بن منصور عنه ايضا: صالح (5) نعم حكى معاوية بن صالح عن ابن معين أنه قال: ثقة إلا أنه اختلف عليه في حديثين (الأرض كلها مسجد، وكان يسلم عن يمينه) (6) وهذه الحكاية عن يحيى بن معين كاذبة في نفسها، لأن الراوي الكبير إذا اختلف عنه في حديثين، أو أكثر منه لا يقال عنه ضعيف الحديث أو صويلح أو ليس بالقوي، لأنه ما من إمام من أئمة الحديث إلا واختلف عنه في عدة أحاديث. فقول ابن معين " ضعيف الحديث " يشير إلى كونه ضعيفا في الحديث على الدوام كما هو واضح ونشير أيضا إلى أننا لم نعثر على من وثق معاوية بن صالح (7).


(1) المصنف لعبد الرزاق 1: 44. (2) شرح السنة للبغوي 1: 299. (3) تهذيب التهذيب 8: 119، ميزان الاعتدال 3: 293. الكامل في الضعفاء 5: 139. (4) هامش تهذيب الكمال 22: 298. (5) الجرح والتعديل 6 الترجمة 1485. (6) مقدمة فتح الباري: 432. (7) انظر ترجمته في تهذيب الكمال 28: 194.

[ 374 ]

ولاجل تليين ابن معين لعمرو بن يحيى ذكره الذهبي في المغني والميزان (1) وابن عدي في الكامل (2) وابن حجر ضمن المطعونين من رجال الصحيح (3). فقال ابن عدي: وعمروبن يحيى قد روى عنه الائمة كما ذكرت وهم أيوب، وعبيد الله والثوري، وشعبة، ومالك، وابن عيينة، وعبد الله بن عمرو، ويحيى بن سالم وغيرهم، وقد روى هؤلاء عن عمرو بن يحيى أو عامتهم غير ما ذكرت، ومالك روى من بينهم غير ما ذكرت أحاديث من مشاهير وغرائب وليس في الموطأ، وهو لا بأس برواية هؤلاء الأئمة عنه (4). والذي يلوح لنا من عبارة ابن عدي أنه يريد أن يقول أنه لا يمكن الاحتجاج به من غير تابع. والحاصل: فإن الاحتجاج به من دون اعتبار لا يخلو من إشكال. نعم إن أبي حاتم والنسائي وغيرهما وثقوا عمرو بن يحيى، إلا أن هذا التوثيق لا يعطي لمروياته الحجية ببساطة بعد وجود ما يعارضه من التضعيف وخصوصا من ناقد بارع في الرجال كابن معين. ومما يدل على ضعفه في الحديث وأنه ليس بمتقن فيه أن ابن رجب الحنبلي قال: قرأت بخط أبي حفص البرمكي الفقيه: قال: ذكرت لأبي الحسن - يعني الدارقطني -: جاء عمرو بن يحيى في ذكره الحمار موضع البعير في توجه النبي (صلى الله عليه وآله) انظر خيبر، وأن أحمد لم يضعفه بذلك، فقال أبو الحسن: مثل هذا في الصحابة، قال: روى رافع بن عمرو المزني قال: رأيت النبي (صلى الله عليه وآله) يخطب على بغلة بمنى، وروى الناس كلهم خطبة النبي (صلى الله عليه وآله) على ناقة، فيضعف الصحابي بذلك. وقال ابن رجب الحنبلى أيضا: وقد ذكر أبو بكر الأثرم لأحمد أن ابن المدينى كان يحمل على عمرو بن يحيى


(1) المغني في الضعفاء 2 الترجمة 4728، ميزان الاعتدال 3: الترجمة 6475. (2) الكامل في الضعفاء 5: 140. (3) مقدمة فتح الباري: 432. (4) الكامل في الضعفاء 5: 140.

[ 375 ]

وذكر له هذا الحديث أن النبي (صلى الله عليه وآله) صلى على حمار، وقال: إنما هو بعير (1). فمن الواضح أن الدارقطني قد ضعف عمرو بن يحيى بالأولى، لأنه قد حكم بضعف الصحابي في الحديث إذا لم يكن متقنا فيما يروي، ومن المقطوع به عند أهل صناعة الحديث أن رواية الحديث هكذا قادحة في ضبط الراوي ومؤثرة في عدم الاحتجاج به. وأما حمل ابن المديني - شيخ البخاري واستاذه - فقد يكون منشأه ما ذكرناه من قلة ضبط عمرو بن يحيى وعدم اتقانه لرواية الحديث، لأنه لا يوجد هناك سبب آخر غيره، والنص ظاهر جدا فيما قلناه. فمع ذلك يستحكم الاشكال أكثر لو قيل بإمكانية الاحتجاج به. والإنصاف: فإن الأقوال الذامة هي الراجحة في المقام، لأنها قد فسرت سبب الذم، وكشفت عن العلة فيه. والخلاصة: فإن هذه الأسانيد تحتاج - على الأصح - إلى تابع أو شاهد كي يرفعها إلى درجة الحجية، وحيث لم نحصل على ذلك فإن الاحتجاج بها إذن لا يخلو من الإشكال. ب - ما رواه عمرو بن يحيى عن أبيه: شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله... الإسناد الأول قال البخاري: حدثنا موسى (2)، قال: حدثنا وهيب (3) عن عمرو عن أبيه:


(1) شرح علل الترمذي: 151 و 161. (2) هو موسى بن إسماعيل المنقري، مولاهم، أبو سلمة التبوذكي البصري (انظر تهذيب الكمال 29: 21، سير أعلام النبلاء 10: 360، تهذيب التهذيب 10: 333) وغيرها من المصادر. (3) هو وهيب بن خالد بن عجلان، تقدمت ترجمته في الأسناد الخامس من مرويات بن عباس المسحية.

[ 376 ]

شهدت عمرو بن أبي حسن (1) سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي (صلى الله عليه وآله) فدعا بتور من ماء فتوضأ لهم وضوء النبي (صلى الله عليه وآله)، فأكفا على يده من التور فغسل يديه ثلاثا، ثم أدخل يده في التور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث غرفات ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثا ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم أدخل يده فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، ثم غسل رجليه إلى الكعبين (2). الإسناد الثاني قال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب (3)، قال: حدثنا وهيب (4)، قال: حدثنا عمرو بن يحيى عن أبيه، قال: شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي (صلى الله عليه وآله)، فدعا بتور من ماء فتوضأ لهم [ فكفا على يديه فغسلهما ثلاثا ثم أدخل يده في الاناء ] فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات من ماء، ثم أدخل يده في الإناء فغسل وجهه ثلاثا، ثم أدخل يده في الإناء فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أدخل يده في الإناء فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر بهما ثم أدخل يده في الإناء فغسل رجليه (5). الإسناد الثالث روى سحنون بن سعيد التنوخي عن عبد الرحمن بن القاسم عن مالك عن عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن عن أبيه يحيى أنه سمع جده أبا حسن يسأل


(1) هو عمرو بن أبي حسن - وهو أخو عمارة بن أبي حسن - جد عمرو بن يحيى بن عمارة على ما قاله ابن حجر في الاصابة 2: 532. (2) صحيح البخاري 1: 58، باب غسل الرجلين إلى الكعبين. (3) هو سليمان بن حرب الأزدي الواشحي، أبو أيوب البهري، احتج به الجماعة (انظر تهذيب الكمال 11: 384، سير أعلام النبلاء 10: 330، تهذيب التهذيب 4: 178) وغيرها من المصادر. (4) تقدمت ترتمته في مرويات بن عباس المسحية. (5) صحيح البخاري 1: 59 باب مسح الرأس مرة.

[ 377 ]

عبد الله بن زيد بن عاصم - وكان من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) -: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ، قال عبد الله: نعم، قال: فدعا عبد الله بوضوء فأفرغ على يديه فغسل يديه مرتين ثم مضمض واستنثر ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين ثم مسح برأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع بهما إلى المكان الذي منه بدأ ثم غسل رجليه، وقال مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة: احسن ما سمعنا في ذلك وأعمه عندنا في مسح الرأس هذا (1). المناقشة تضعف هذه الأسانيد من عدة جهات: الاولى: من جهة عمرو بن يحيى الذي مر الكلام عنه الثانية: من جهة عمرو بن ابي حسن المهمل في كتب الرجال، نعم ذكره ابن حجر في الإصابة لكنه لم يلتزم كونه من الصحابة، وسيأتيك تفصيله في خلاصة البحث السندي لهذة المرويات. الثالثة: أنه معلول بالاضطراب السندي حسبما سيتضح لك في خلاصة البحوث السندية، إن شاء الله تعالى. ج‍ - ما رواه عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد الإسناد الأول قال البخاري: حدثنا مسدد (2)، قال: حدثنا خالد بن عبد الله (3)، قال:


(1) المدونة الكبرى، لمالك بن انس 1: 2 - 3. برواية سحنون عن عبد الرحمن بن القاسم. (2) تقدمت ترجمته في الإسناد الأول مما روي عن عبد خير عن علي في الغسل. (3) هو خالد بن عبد الله الطحان، أبو الهيثم المزني مولاهم الواسطي روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 8: 99، سير أعلام النبلاء 8: 246، تهذيب التهذيب 3: 100) وغيرها من المصادر.

[ 378 ]

حدثنا مرو بن يحيى عن ابيه عن عبد الله بن زيد أنه أفرغ من الاناء على يديه فغسلهما، ثم غسل أو مضمض واستنشق من كف واحدة ففعل ذلك ثلاثا، فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين ومسح برأسه ما اقبل وما ادبر وغسل رجليه إلى الكعبين ثم قال: هكذا وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1). الإسناد الثاني قال البخاري: حدثنا أحمد بن يونس (2)، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة (3)، قال: حدثنا عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد قال: أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ فغسل وجهه ثلاثا ويديه مرتين مرتين ومسح برأسه فأقبل به وأدبر وغسل رجليه (4). الإسناد الثالث أخرج مسلم في كتاب الطهارة (باب في وضوء النبي (صلى الله عليه وآله)) عدة طرق: 1 - منها: حدثني محمد بن الصباح (5)، حدثنا خالد بن عبد الله عن عمرو بن يحيى بن عمارة عن أبية عن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري وكانت له صحبة قال: قيل له: توضأ لنا وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدعا بإناء فأكفأ منها على يديه فغسلهما ثلاثا ثم أدخل يده فاستخرجها فمضمض واستنشق من كف واحدة ففعل ذلك ثلاثا ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثا ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح


(1) صحيح البخاري 1: 59. (2) أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي إليربوعي، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 1: 375 وتهذيب التهذيب 1: 50) وغيرها من المصادر. (3) هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، أبو عبد الله، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 18: 152، وسير أعلام النبلاء وتهذيب التهذيب 6: 343) وغيرها من المصادر. (4) صحيح البخاري 1: 60. (5) هو محمد بن الصباح الدولابي، أبو جعفر البغدادي البزاز، صاحب كتاب السنن، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 25: 388، سير أعلام النبلاء 10: 670، تهذيب التهذيب 9: 229) وغيرها من المصادر.

[ 379 ]

برأسه فاقبل بيديه وأدبر ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله). 2 - منها: (...) وحدثني القاسم بن زكريا (1)، حدثنا خالد بن مخلد (2) عن سليمان - وهو ابن بلال - عن عمرو بن يحيى بهذا الإسناد ولم يذكر الكعبين. 3 - منها: (...) وحدثني إسحاق بن موسى (3) الأنصاري، حدثنا معن (4)، حدثنا مالك بن أنس عن عمرو بن يحيى بهذا الإسناد وقال مضمض واستنثر ثلاثا ولم يقل من كف واحدة، وزاد بعد قوله: فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه وغسل رجليه. 4 - منها: حدثنا عبد الرحمن بن بشر العبدي (5)، حدثنا بهز، حدثنا وهيب، حدثنا عمرو بن يحيى بمثل إسنادهم، واقتص الحديث وقال فيه: فمضمض واستنشق واستنثر من ثلاث غرفات وقال أيضا: فمسح برأسه فأقبل به وأدبر مرة واحدة، قال بهز: أملى علي وهيب هذا الحديث وقال وهيب: أملى علي عمرو بن يحيى هذا الحديث مرتين. المناقشة مر الكلام عن رجال هذه الأسانيد وفيه ممن لم نترجم لهم، وقد عرفت حال


(1) هو القاسم بن زكريا بن دينار القرشي، أبو محمد الطحان الكوفي، روى له مسلم والترمذي والنسائي و ابن ماجة (انظر تهذيب التهذيب 23: 351، تهذيب الكمال 8: 313) وغيرهما من المصادر. (2) خالد بن مخلد القطواني، أبو الهيثم البجلي، مولاهم، روى له أبو داود في حديث مالك والباقون (انظر تهذيب الكمال 8: 163، تهذيب التهذيب 3: 116، التاريخ الكبير للبخاري 3: الترجمة 595) وغيرهما من المصادر. (3) هو إسحاق بن موسى الأنصاري الخطمي، أبو موسى المدني احتج به مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة (انظر تهذيب الكمال 2: 480، التاريخ الكبير للبخاري)، وغيرهما من المصادر. (4) هو معن بن عيسى الاشجعي، مولاهم القزاز، أبويحيى المدني، احتج به الجماعة (انظر تهذيب الكمال 28: 336، سير أعلام النبلاء 9: 304، تهذيب التهذيب 10: 252) وغيرهما من المصادر. (5) هو عبد الرحمن بن بشر بن الحكم بن حبيب بن مهران العبدي، أبو محمد النيسابوري (أنظر تهذيب الكمال 16: 545 وسير أعلام النبلاء 13: 340 وتهذيب التهذيب 6: 144) وغيرها من المصادر.

[ 380 ]

رجال الإسناد الأول للبخاري وما قاله عثمان بن أبي شيبة عن أحمد بن يونس (في الإسناد الثاني للبخاري): كان ثقة وليس بحجة، وكذا كلام على بن الحسين بن حبان في عبد العزيز الماجشون، إذ قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده، قيل لأبي زكريا: عبد العزيز الماجشون هو مثل ليث وابراهيم بن سعد؟ فقال: لا إنما كان رجلا يقول بالقدر والكلام ثم تركه واقبل إلى السنة ولم يكن من شأنه الحديث فلما قدم بغداد كتبوا عنه فكان بعده يقول: جعلني أهل بغداد محدثا. وفي أسانيد مسلم (القاسم بن زكريا) الذي لم يوثق من قبل المتشددين كابن معين ويحيى بن سعيد القطان وابن أبي حاتم بل لم يرد فيه توثيق إلا عن النسائي، ونقل ابن عساكر في المعجم المشتمل (الترجمة: 730) عن النسائي أنه قال: لا بأس. وأما خالد بن مخلد فقد ورد فيه ما لازمه أنه لا يمكن الاحتجاج به. قال: عبد الله بن أحمد بن حنبل: له أحاديث مناكير (1). وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به (2). وقال ابن سعد: كان منكر الحديث في التشيع مفرطا وكتبوا عنه ضرورة (3). وقال ابن عدي: وعندي إن شاء الله لا بأس به (4). هذا وقد ذكره الذهبي في ديوان الضعفاء والمغني (5). وأما إسحاق بن موسى ومعن بن عيسى القراز فلم يرد فيهم توثيق من المتشددين، فإن إسحاق قد ولى القضاء وكان قدم دمشق مع المتوكل، وقال النسائي عنه: أصله كوفي وكان بالعسكر. أما الطريق الأخير لمسلم ففيه عبد الرحمن بن بشر العبدي الذي لم يرد توثيق


(1) تهذيب الكمال 8: 165، الجرح والتعديل 3 الترجمة 1599، ميزان الاعتدال 1: 2463. (2) المصادر السابقة. (3) الطبقات الكبرى لابن سعد 6: 406. (4) الكامل في الضعفاء 3: 34. (5) أنظر هامش تهذيب الكمال 8: 166 عنهما.

[ 381 ]

فيه إلا أن يحيى بن سعيد والحاكم أبو عبد الله كانا يحترمانه لمكان أبيه وقال عنه صالح الأسدي: صدوق. وفيه وهيب بن خالد الباهلي الذي روى له الجماعة وقال عنه أحمد (لا بأس به) وقد مر عليك أن هذان الوصفان (صدوق) و (لا بأس به) يشعران بعدم شريطة الضبط عنده فيلزم أن يتابع عليه من طريق آخر. ومع ذلك فإن هذه الأسانيد تضعف من جهتين اخريين. الأولى: الإضطراب السندي - كما سيتضح لك في آخر هذا القسم -. الثانية: من جهة عمرو بن يحيى المضعف عند ابن معين والذي يظهر أنه إنما ضعفه بسبب قلة ضبطه لما في تلك الأسانيد من اضطراب... الإسناد الرابع قال الترمذي: حدثنا محمد بن أبي عمر (1)، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد: أن النبي (صلى الله عليه وآله) توضأ: فغسل وجهه ثلاثا، وغسل يديه مرتين مرتين، ومسح برأسه وغسل رجليه (2). المناقشة فيه محمد بن أبي عمر وقد مدح بما دون الوثاقة، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سهل الأسفراييني، قال: سمعت أحمد بن حنبل وسئل عمن نكتب؟ فقال: أما بمكة فأبن أبي عمر. وقال أيضا: سألت عنه، فقال: كان رجلا صالحا، وكان به غفلة، ورأيت عنده


(1) هو محمد بن يحيى بن ابي عمر العدني، أبو عبد الله نزيل مكة، وقد ينسب إلى جده، روى له مسلم والترمذي النسائي وابن ماجة (انظر تهذيب الكمال 26: 639، تهذيب التهذيب 9: 518 سير أعلام النبلاء 12: 96) وغيرها من المصادر. (2) سنن الترمذي 1: 33 ح 47.

[ 382 ]

حديثا موضوعا، حدث به عن ابن عيينة، وكان صدوقا (1). ويطعن في هذا السند وغيره من جهة عمرو بن يحيى، وما لوحظ من الاضطراب السندي والمتني فيه. الإسناد الخامس قال الدارمي: حدثنا يحيى بن حسان (2)، حدثنا عبد العزيز بن محمد (3) وخالد بن عبد الله (4) عن عمرو بن يحيى عن أبيه: أن عبد الله بن زيد بن عاصم دعا بتور من الماء فأكفا على يديه فغسلهما ثلاث مرات وغسل وجهه ثلاثا ويديه إلى المرفقين مرتين مرتين ثم قال: هكذا رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ (5). وقال الدارمي: أخبرنا يحيى، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد عن النبي (صلى الله عليه وآله) نحوا منه. المناقشة يخدش هذا الطريق بعبد العزيز بن محمد الدارودي الذي بسطنا عنه الكلام فيما تقدم (6)، وبعمرو بن يحيى، وبالاضطراب السندي والمتني في هذه الأسانيد.


(1) الجرح والتعديل 8 الترجمة 560. (2) التنسى، البكري، أبو زكريا البصري، روى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي (انظر تهذيب الكمال 31: 266، سير أعلام النبلاء 10: 127، تهذيب التهذيب 11: 197) وغيرها من المصادر. (3) هو الدرارودي وقد بسطنا الكلام عنه في مرويات ابن عباس الغسلية. (4) اظنه الطحان وهو ممن روى له الجماعة وقد تقدمت ترجمته سابقا (انظر تهذيب الكمال 8: 99، تهذيب التهذيب 3: 100، التاريخ الكبير للبخاري 3 الترجمة 550) وغيره من المصادر. (5) سنن الدارمي 1: 177. (6) في مرويات بن عباس الغسلية.

[ 383 ]

د - ما رواه عمرو بن يحيى عن أبيه: أنه قال لعبدالله - وهو جد عمرو بن يحيى - الإسناد الاول قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة (1)، عن مالك، عن عمرو بن يحيى عن أبيه أنه قال لعبدالله بن زيد بن عاصم - وهو جد عمرو بن يحيى - هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء، فأفرغ على يديه، فغسل يديه ثم تمضمض واستنثر ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم مسح برأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه (2). المناقشة يطعن هذا السند من جهتين: 1 - من جهة الاضطراب السندي والمتني لأسانيد الوضوء عن عبد الله بن زيد ابن عاصم عموما. 2 - ومن جهة عمرو بن يحيى المضعف عند ابن معين والمشعر بأن تضعيفه له كان بسبب قلة ضبطه لما في تلك الأسانيد من الاضطراب، بالخصوص.


(1) القعنبي الحارثي، أبو عبد الرحمن المدني، روى له الجماعة سوى ابن ماجة (انظر تهذيب الكمال 16: 136، سير أعلام النبلاء 10: 257، تهذيب التهذيب 6: 31) وغيرها من المصادر. (2) سنن أبي داود 1: 29.

[ 384 ]

الإسناد الثاني 1 - قال النسائي: أخبرنا محمد بن سلمة (1)، والحارث بن مسكين (2) قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن القاسم (3)، قال: حدثني مالك عن عمرو بن يحيى عن أبيه أنه قال لعبدالله بن زيد بن عاصم، وكان من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) وهو جد عمرو بن يحيى -: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ، قال: عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء فأفرغ على يديه فغسل يديه مرتين مرتين ثم تمضمض واستنشق ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه (4). 2 - وقال النسائي: أخبرنا عتبة بن عبد الله عن مالك - وهو ابن أنس - عن عمرو بن يحيى عن أبيه أنه قال: لعبدالله بن زيد بن عاصم، وهو جد عمرو بن يحيى: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ، قال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء فأفرغ على يده إليمنى فغسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه (5).


(1) المرادي الجملي، مولاهم، أبو الحارث المصري، روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة (انظر تهذيب الكمال 25: 278، تهذيب التهذيب 9: 193، الجرح والتعديل 7: الترجمة 1499) وغيرها من المصادر. (2) الأموي، أبو عمرو المصري، مولى محمد بن زبان بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، روى له أبو داود والنسائي (انظر تهذيب الكمال 5: 281، سير أعلام النبلاء 12: 54، الجرح والتعديل 3 الترجمة 419) وغيرها من المصادر. (3) هو عبد الرحمن بن القاسم العتقي، أبو عبد الله المصري الفقيه، احتج به البخاري والنسائي، وروى له أبو داود (انظر تهذيب الكمال 17: 344، سير أعلام النبلاء 9: 120، تهذيب التهذيب 6: 252) وغيرها من المصادر. (4) سنن النسائي 1: 71. (5) سنن النسائي 1: 71.

[ 385 ]

المناقشة تكلمنا عن رجال هذين الإسنادين، سوى محمد بن سلمة والحارث بن مسكين وعتبة بن عبد الله وهم ثقات، لكن أهم ما في هذه الأخبار هو الاضطراب السندي فيه، ولوجود عمرو بن يحيى المضعف عند ابن معين وغيره والمشعر بأن تضعيفه جاء لعدم ضبطه، وقد تقدم عليك أن ابن المديني حمل عليه لقلة ضبطه، وأن الدارقطني قد ضعفه أيضا. وستعرف لاحقا أن الاضطراب في النقل سندأ ومتنا في هذه الأسانيد لدليل على ذلك أيضا. الإسناد الثالث قال ابن ماجة: حدثنا الربيع بن سليمان (1)، وحرملة بن يحيى (2)، قالا: أخبرنا محمد بن إدريس الشافعي (3)، قال: انبئنا مالك بن انس، عن عمرو بن يحيى، عن ابيه أنه قال لعبدالله بن زيد، وهو جد عمرو بن يحيى: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ، فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء فأفرغ على يديه مرتين ثم تمضمض واستنثر ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه (4).


(1) المرادي، مولاهم، أبو محمد البصري، روى له أصحاب السنن الاربعة (انظر تهذيب الكمال 9: 87، تهذيب التهذيب 3: 245، الجرح والتعديل 3 الترجمة 2083) وغيرها من المصادر. (2) التجيبي، أبو حفص المصري، صاحب الشافعي، روى له مسلم والنسائي وابن ماجة (انظر تهذيب الكمال 5: 548، سير أعلام النبلاء 11: 389، تهذيب التهذيب 2: 229) وغيرها من المصادر. (3) امام المذهب الشافعي. (4) سنن ابن ماجة 1: 149 ح 434.

[ 386 ]

الإسناد الرابع روى يحيى (1) عن مالك، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، أنه قال لعبدالله ابن زيد بن عاصم، - وهو جد عمرو بن يحيى، وكان من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) -: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد بن عاصم: نعم، فدعا بوضوء، فأفرغ على يده، فغسل يديه مرتين مرتين، ثم تمضمض، واستنثر ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه (2). 2 - وروى سحنون عن عبد الرحمن بن القاسم العتقي عن مالك عن عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن عن أبيه أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله ابن زيد بن عاصم نحو ما تقدم (3). المناقشة مر الكلام عن رجال هذين الإسنادين، والمناقشة فيه تأتي من جهة عمرو بن يحيى المضعف عند ابن معين وغيره، والاضطراب السندي والدلالي في هذه الأخبار.


(1) هو يحيى بن يحيى بن كثير، صاحب الامام مالك، وراوي نسخة الموطأ المشهورة عنه، أبو محمد الليثي البريري المعمودي، لم يرو له أحد في الكتب الستة (انظر سير أعلام النبلاء 10: 519، تهذيب التهذيب 11: 300، وفيات الاعيان 6: 143) وغيرها من المصادر. (2) الموطأ 1: 18. (3) المدونة الكبرى 1: 3 وقد مر في الإسناد الثالث لما رواه عمرو بن يحيى عن أبيه: شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله...

[ 387 ]

ه‍ ما رواه عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله ابن زيد الذي اري النداء الإسناد قال النسائي: اخبرنا محمد بن منصور، قال: حدثنا سفيان عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد الذي - اري النداء - قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) توضأ فغسل وجهه ثلاثا ويديه مرتين وغسل رجليه مرتين ومسح برأسه مرتين (1) المناقشة إن رجال هذه الإسناد قد عرفت حالهم سابقا سوى محمد بن المنصور، وهو مردد بين الخزاعي (2) والطوسي (3)، والترديد بينهما لا يضر لكون كل منهما ثقة. وكذا قد عرفت أن هذا الإسناد مخدوش بعمرو بن يحيى وبالاضطراب السندي والمتني الذي يعرف من مجموع ما روى عنه في الوضوء. و - ما رواه عمرو بن يحيى عن أبيه، قال: كان عمي... الإسناد قال البخاري: حدثنا خالد بن مخلد، قال: حدثنا سليمان، قال: حدثني


(1) سنن النسائي 1: 72. (2) انظر تهذيب الكمال 26: 497. (3) انظر تهذيب الكمال 26: 499.

[ 388 ]

عمرو بن يحيى عن أبيه، قال: كان عمي يكثر من الوضوء، قال: لعبدالله بن زيد أخبرني كيف رأيت النبي (صلى الله عليه وآله) يتوضأ؟ فدعا بتور من ماء فكفأ على يديه فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يده في التور فمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة، ثم ادخل يده فاغترف بها، فغسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين ثم اخذ بيده ماء فمسح رأسه فأدبر واقبل ثم غسل رجليه، فقال: هكذا رأيت النبي (صلى الله عليه وآله) يتوضأ (1). المناقشة يخدش هذا الطريق من عدة جهات الاول: من جهة الاضطراب. الثانية: من جهة عمرو بن يحيى. الثالثة: من جهة خالد بن مخلد الذي وردت فيه تجريحات وتلينات كثيرة (2). الرابعة: من جهة سليمان بن بلال - على ما مر عليك في الإسناد الأول لمرويات ابن عباس الغسلية. ز - ما رواه حبان بن واسع أن اباه حدثه أنه سمع عبد الله... الإسناد قال مسلم: حدثنا هارون بن معروف (3) ح، وحدثني هارون بن سعيد (4)


(1) صحيح البخاري 1: 61. (2) انظر مناقشة الأسانيد الثلاث الأول لما رواه عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد. (3) هو المروزي، أبو على الخزاز، الضرير، روى له البخاري ومسلم وأبو داود (انظر تهذيب الكمال 30: 107، سير أعلام النبلاء 11: 129، تهذيب التهذيب 11: 11) وغيرها من المصادر. (4) السعدي، أبو جعفر الأيلي، روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة (انظر تهذيب الكمال 30: 90، تهذيب التهذيب 11: 7، الجمع لابن القيسراني 2: 552) وغيرها من المصادر.

[ 389 ]

الأيلي وأبو الطاهر (1)، قالوا: حدثنا ابن وهب (2)، أخبرني عمرو بن الحارث (3): أن حبان بن واسع (4) حدثه أن أباه (5) حدثه أنه سمع عبد الله بن زيد بن عاصم يذكر أنه رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) توضأ فمضمض ثم استنثر ثم غسل وجهه ثلاثا ويده اليمنى ثلاثا والأخرى ثلاثا ومسح برأسه بماء غير فضل يده وغسل رجليه حتى أنقاهما (6). المناقشة في هذا الإسناد جمع من الرجال لم نذكرهم آنفا وإليك حالهم: فأما هارون بن معروف، فثقة على ما هو صريح ابن معين (7) والعجلي وأبي زرعة (8) وأبي حاتم وصالح بن محمد البغدادي (9) وغيرهم. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمع منه أبي ببغداد سنة خمس عشرة ومئتين بعد ما عمى (10). وأما هارون بن سعيد الايلي، فقد وثقه أبو حاتم (11) والنسائي (12) وابن حبان


(1) هو أحمد بن عمرو بن عبد الله القريشي، أبو طاهر الأموي، روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة (انظر تهذيب الكمال 1: 415، تهذيب التهذيب 1: 64) وغيرها من المصادر. (2) هو عبد الله بن وهب القرشي، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 16: 277) وقد مرت ترجمته. (3) الأنصاري، أبو أمية المصري، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 21: 570، سير أعلام النبلاء 6: 249، تهذيب الكمال 8: 14) وغيرها من المصادر. (4) هو الأنصاري المدني، روى له مسلم وأبو داود والترمذي، حديث الوضوء هذا لا غير (انظر تهذيب الكمال 5: 330، التاريخ الكبير للبخاري 3 الترجمة 380، الجرح والتعديل 3 الترجمة 1321). (5) هو واسع بن حبان الأنصاري، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 30: 396، تهذيب التهذيب 11: 102). 6) صحيح مسلم (بشرح النووي) 3 - 4: 126، سنن أبي داود 1: 30 / 120، سنن الترمذي 1: 27 / 35. (7) تهذيب الكمال 30: 108، تاريخ بغداد 14: 15. (8) الجرح والتعديل 9 الترجمة 398. (9) تاريخ بغداد 14: 15. (10) الجرح والتعديل 9 الترجمة 398، تهذيب الكمال 30: 109. (11) الجرح والتعديل 9 الترجمة 377. (12) تهذيب الكمال 30: 91.

[ 390 ]

حيث ذكره في كتاب الثقات (1). وأما أبو طاهر، فهو ثقة على ما هو صريح النسائي (2) وغيره إلا أن علي بن الحسن بن خلف بن قدير قال عنه أنه لا يحفظ (3). وأما عبد الله بن وهب فهو مما يتأمل في سلامة مروياته، فهو وإن وثقه ابن معين في رواية ابن أبي خيثمة عنه (4) وأبو زرعة (5) إلا أن الباقين وإن كانوا عدلوه الا أنهم لم يوثقوه، فقد قال أبو حاتم: صالح الحديث، صدوق (6). وقد قلنا بأن وصف الراوي ب‍ (صالح الحديث) أو (صدوق) وما يماثله يشعر بعدم شريطه ضبطه ويخرج روايته من كونها صحيحة إلى حسنه، فلا يمكن الاحتجاج بها من دون الاعتبار. وأما ما قاله أبو طالب عن أحمد بن حنبل: " عبد الله بن وهب صحيح الحديث، يفصل السماع عن العرض، والحديث عن الحديث، ما اصح حديثه واثبته، قيل له: اليس كان يسئ الأخذ؟ قال: قد يسئ الاخذ، ولكن إذا نظرت في حديثه، وما روى عن مشايخه، وجدته صحيحا " (7). فلا أدري كيف يصح الحديث عنه مع أنه كان يسئ الاخذ؟! هذا لا يكون؟! وأما ما قاله الدارمي عن يحيى بن معين " أرجو أن يكون صدوقا " (8) فيعارضه ما ورد عن ابن معين - على ما رواه ابن أبي خيثمة عنه - في توثيقه!! والذي نميل إليه هو التشكيك فيما رواه ابن ابي خيثمة عنه في توثيقه، لما رواه ابن عدي في الكامل حيث قال: حدثنا ابراهيم بن عبد الله بن أيوب المخرمي، عن ابيه، قال: كنت عند سفيان وعنده ابن معين، فجاءه ابن وهب بجزء، فقال: يا أبا محمد: أحدث بما فيه عندك؟ فقال له ابن معين: يا شيخ، هذا والريح بمنزلة، ادفع إليه حتى


(1) الثقات، لابن حبان 9: 240. (2) انظر تهذيب الكمال 1: 416. (3) تهذيب الكمال 1: 417. (4) تهذيب الكمال 16: 283. (5 - 7) الجرح والتعديل 5 الترجمة 879. (8) هامش تهذيب الكمال 16: 283.

[ 391 ]

ينظر فيه حديثه (1). نعم يمكن أن يقال: لا تنافي بين توثيق ابن معين وبين قوله (أرجو أن يكون صدوقا) لأنه وثقه لكونه ثقة في نفسه، وهذا لا ينافي كونه غير متقن في الرواية وفي الاخذ عن المشايخ! ويدل على هذا شهادة ابن معين نفسه بقوله: سمعت عبد الله بن وهب، قال لسفيان بن عيينة: يا ابا محمد الذي عرض عليك امس فلان اجزها، فقال: نعم (2). وقال الدوري، قال يحيى: رأيت عبد الله بن وهب يعرض له على سفيان بن عيينة وهو قاعد ينعس - أو قال يحيى: وهو نائم - قلت ليحيى: إنهم يقولون: إن عبد الله بن وهب قال لسفيان بن عيينة: السماع الذي كان أول من أمس أجزه لي؟ فقال يحيى: انا سمعته يقول لسفيان - يعنى هذا (3). وكيفما كان فالاحتجاج بعبدالله بن وهب مع كونه " يسئ الاخذ " مشكل جدا. وأما عمرو بن الحارث، فقد وثقه يحيى بن معين (4) وأبو زرعة (5) والعجلي (6) والنسائي (7) وهذا التوثيق حكاه إسحاق بن منصور عنهم، فيجب التوقف في نقله لأنه - أي عمرو بن الحارث - قد صنع حراما يوجب تلبسه بالفسق وخروجه عن دائرة المتقين وسبحانه يقول (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) فقد قال يحيى بن بكير عن الليث بن سعد: كنت أرى عمرو بن الحارث عليه اثواب بدينار قيمصة وردائه وازاره، ثم لم تمض الايام والليالي حتى رأيته يجر الوشي والخز فانا لله وانا إليه راجعون (8). ذكر عباس الدوري عن يحيى بن معين انه قال: كان [ عمرو بن الحارث ] يعلم ولد صالح بن علي الهاشمي، وكان سئ الحال، فلما علمهم وحسن حاله صار يلبس


(1) الكامل في الضعفاء 4: 202. (2) هامش تهذيب الكمال 16: 283. (3) تهذيب الكمال 16: 283. (4 - 5) تهذيب الكمال 14: 21: 573، الجرح والتعديل 6 الترجمة 1252. (6) تهذيب الكمال 21: 573 عن الثقات للعجلي الورقة 41. (7) تهذيب الكمال 21: 573. (8) تهذيب الكمال 21: 575.

[ 392 ]

الوشي والخز (1). ولبس الخز منهى عنه لحديث علي: أنه نهى عن مركوب الخز والجلوس عليه. وابن الاثير قد اباح لبسه لعمل الصحابة ولبسهم له فقال: الخز المعروف اولا: ثياب تنسج من صوف وابريسم، وهى مباحة، وقد لبسها الصحابة والتابعون فيكون النهي عنها لاجل التشبه بالعجم وزي المترفين (2). وانت ترى غلبة التعصب في كلام ابن الاثير وخروجه عن الضوابط القرآنية والمعايير العلمية وتقديسه للسلف دون أي دليل وبرهان، فهو يعتقد بعدم عصمه الصحابي والتابعي لكنه في الحال نفسه يتعامل معهم كأنهم معصومون وهو يراهم قد عصوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بلبسهم الخز، فيسعى لتأويل فعلهم ويجعله حاكما على السنة، فتراه يحتج بلبسهم للخز على جواز، لبسه مع ثبوب النهي الشرعي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه. فانه وبعد تفصيله للخز إلى انواع قال: (وإن اريد بالخز النوع الآخر، وهو المعروف الان فهو حرام لأن جميعه معمول من الابريسم وعليه يحمل الحديث الاخر (قوم يستحلون الخز والحرير...) (3). وعلى أي حال فالخز منهى عنه - على ما هو صريح ابن الاثير - وعلى ما هو ظاهر استرجاع الامام الليث بن سعد، لأن الاسترجاع لا داعي له لو جاز لبس الخز، فالاسترجاع إذا علته ثبوت النهي عند الليث. إذا عرفت ذلك فاعلم أن العصيان يوجب الفسق ويخرج الفرد من العدالة ولا يمكن تصحيح حاله بالوجوه المذكورة، وعليه فالاحتجاج بامثال عمرو بن الحارث من اشكل المشكلات. وأما حبان بن واسع، فهو مجهول الحال ولم يذكره أحد بتوثيق أو تضعيف، اللهم إلا ما كان من ابن حبان، فانه أورده في كتاب الثقات (4).


(1) تهذيب الكمال 21: 575 عن تاريخ الدويري 44112. (2) النهاية، لابن الاثير 2: 28. (3) النهاية، لابن الاثير 2: 28 وانظر جامع الاصول، لابن الاثير 10: 682. (4) الثقات لابن حبان 6: 244.

[ 393 ]

وتفرد بن حبان بايراده له في كتابه الثقات لا يعني شيئا لأن جل العلماء إن لم نقل كلهم يتوقفون في توثيقاته التي تفرد بها، وذلك لما عرف من تساهله في هذا الامر، ولاشتمال كتابه على من لا يعرفهم هو نفسه. وليست لحبان بن واسع رواية في الكتب الستة غير هذه، رواها عنه مسلم والترمذي وأبو داود وهو يؤكد جهالة حاله من حيث التوثيق والتضعيف. وأما واسع بن حبان، فقد وثقه أبو زرعة وذكره ابن حبان في ثقاته. والحاصل: فان الاعتماد على هذا الطريق مشكل جدا لجهالة حال حبان بن واسع ولان عمرو بن الحارث قد أتى بما يوجب عدم وثاقته، وعليه فهذا الطريق مما يتوقف فيه. الخلاصة تقدم الكلام في حبان بن واسع - أحد رواة الوضوء عن عبد الله بن زيد ابن عاصم - وقد عرفت جهالة حاله، وإن ذكر ابن حبان له في (الثقات) ليس بذي أهمية، لكونة قد جاء بكثير من المجاهيل ومن ليسوا بأهل للاحتجاج في ثقاته، ولو تصفحت الكتب الستة لعرفت أنهم لم يخرجوا له حديثا غير هذا، الذي تفرد عنه عمرو بن الحارث، نعم روى ابن لهيعة عنه في سند الترمذي، وهو الآخر ضعيف وممن لم يحتج به. بقي الإشارة إلى الطرق الأخرى التي رواها عمرو بن يحيى عن أبيه، وهذه الأسانيد مختلف فيها: فتارة نرى يحيى بن عمارة (أب عمرو بن يحيى) يجعل نفسه السائل عن عبد الله بن زيد، وأخرى يصف لنا وضوء عبد الله دون سؤاله إياه، وثالثا يجعل عمرو بن أبي حسن السائل، ورابعا يجعله (رجل منهم)، وخامسا يقول: قيل له، وسادسا يكون حاكيا لوضوء عبد الله بن زيد بن عبد ربه - الذي أري النداء - لا عبد الله بن زيد بن عاصم. والواضح أن اختلاف النقل عنه بهذا الحد يسقط روايته عن الحجية، وخصوصا لو رأينا عمرو بن يحيى هو المنفرد في النقل عن أبيه، وإليك تفصيل صور المسألة.

[ 394 ]

1 - روى عمرو بن يحيى، عن أبيه: أن رجلا قال لعبدالله بن زيد بن عاصم: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ؟ كما في الإسناد الأول والثاني والثالث من (أ). وأخرى روى عمرو بن يحيى، عن أبيه، قوله: شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد بن عاصم عن وضوء النبي (صلى الله عليه وآله)، فدعا بتور من ماء فتوضأ...، كما في الإسناد الأول والثاني من (ب). وثالثا: روى عمرو بن يحيى، عن أبيه، أنه سمع جده أبا حسن سأل عبد الله ابن زيد بن عاصم - وكان من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) -: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ؟ كما في الإسناد الثالث من (ب) والرابع من (د) الطريق الثاني. ورابعا: روى عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، وأنه أفرغ على يديه فغسلهما، ثم غسل...، كما في الإسناد الأول والثالث والخامس من (ج‍) وخامسا: روى عمرو بن يحيى عن أبيه، قال: أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخرجنا له ماء في كوز من صفر، فغسل...، كما في السند الثاني والرابع من (ج‍). وسادسا: روى عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد بن عاصم - وكانت له صحبة - قال: قيل له: توضأ لنا وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فدعا بإناء، وفي آخر: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ؟ فنتساءل الآن: لو كان جد عمرو بن يحيى هو الذي سأل عبد الله أن يصف له وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلماذا يبهمه في الإسناد الآخر بقوله: أن رجلا قال لعبدالله: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ؟ وفي آخر: قيل له: توضأ لنا وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله)!! وهل أن عبد الله بن زيد قد توضأ ابتداءا، لقوله: " أفرغ على يديه فغسلهما ". أم أنه توضأ استجابة لطلبهم منه " توضأ لنا وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) " و " هل تستطيع أن تريني كيف كان وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) ". أم أنه لم يتوضأ، بل حكى لهم وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخرجنا له ماء من كوز من صفر، فتوضأ، فغسل... ".

[ 395 ]

وإلى من يرجع ضمير " وهو جد عمرو بن يحيى " هل إلى عبد الله بن زيد ابن عاصم؟ أم إلى عمرو بن أبي حسن؟ نحن بقرينة " وكان من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) " نفهم رجوعه إلى عبد الله بن زيد لا إلى الرجل المبهم وعمرو بن أبي حسن، إذ لا يعقل أن يسأل رجل صحابي! عن وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) والوضوء من القربات الإلهية والتي لا يمكن أن تخفى على أحد. نعم، أرجع البعض الضمير إلى عمرو بن أبي حسن، لكنه ترجيح بلا مرجح ودعوى بلا دليل، وتفصيله قد يخرجنا عما نحن بصدده من بيان وجوه الاضطراب في هذه الأسانيد، وإن تضعيف ابن معين لعمرو بن يحيى جاء لسوء ضبطه لا لكذبه، أي أن تضعيفه كان مفسرا بسوء الضبط وقد مر عليك أن ابن المديني والدارقطني قد اسقطا الاعتماد على ما يرويه على ما هو الظاهر منهما، ومعه لا يمكن الأخذ بالتوثيق فيلزم البحث عما يصححه من تابع أو شاهد. وإذا لم يكونا فتسقط رواياته من الحجية. هذا، وإنا لا يمكننا عزو الاضطراب والإيهام إلى الرواة عن عمرو بن يحيى، لأنهم وإن اختلفوا في رواية هذه النصوص إلا أن جميعهم أو أكثرهم ثقات أثبات فعلى هذا فلا يتصور الاضطراب عنهم، والرواة عن عمرو بن يحيى، هم: 1 - خالد بن عبد الله الواسطي 2 - عبد العزيز بن سلمة الماجشون 3 - سفيان بن عيينة 4 - سليمان بن بلال 5 - وهيب بن خالد الباهلى 6 - مالك بن أنس - إمام المذهب المالكي - فقد روى خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه: أن الناس طلبوا من عبد الله أن يتوضأ لهم وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأفرغ على يديه فغسلهما، ثم قال: هكذا وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) (الإسناد الأول والثالث والخامس من " ج "). وفي رواية عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله أنه قال: أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاخرجنا له ماء في كوز من صفر فتوضأ... (الإسناد

[ 396 ]

الثاني من " ج‍ "). وفي رواية سفيان بن عيينة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد: أن النبي (صلى الله عليه وآله) توضأ فغسل وجهه... (الإسناد الرابع من " ج‍ ") وفي إسناد النسائي، عن ابن عيينة إدراج كلمة (الذي أري النداء) بعد عبد الله: " سفيان، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه عن عبد الله الذي أري النداء "، وفيه: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) توضأ فغسل وجهه... وفي رواية سليمان بن بلال، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال: كان عمي يكثر من الوضوء، قال لعبدالله: أخبرني كيف رأيت النبي (صلى الله عليه وآله) توضأ؟ فدعا... " الإسناد من (و) ". وفي رواية وهيب، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه: شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن عاصم عن وضوء النبي (صلى الله عليه وآله) (الإسناد الأول والثاني من " ب "). وتختص روايات مالك بالنصوص المختلفة عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، فتارة يبهمه ب‍ (أن رجلا)، وأخرى يصرح بأنه (عمرو بن أبي حسن)، وفي رواية سحنون عن عبد الرحمن بن القاسم عن مالك عن عمرو بن يحيى عن أبيه (أنه سمع جده يسأل عبد الله). وجاء في (فتح المالك بتبويب التمهيد لابن عبد البر على موطأ الإمام مالك) وبعد ذكره حديث مالك عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، قوله: لم يختلف على مالك في إسناد هذا الحديث ولا في لفظه، إلا أن ابن وهب روى - في موطئه عن مالك، عن عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد بن عاصم، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فذكر معنى ما في الموطأ مختصرا، ولم يقل: وهو جد عمرو بن يحيى. وذكره سحنون في المدونة عن مالك، عن عمرو بن يحيى ابن عمارة بن أبي حسن، عن أبيه يحيى: أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد بن عاصم، ولم يقل " وهو جد عمرو بن يحيى " ولا ذكر عمن رواه عن مالك. وقال أحمد بن خالد: لا نعرف هذه الرواية عن مالك، إلا أن تكون لعلي بن زياد، وليس هذا الحديث

[ 397 ]

في نسخة القعنبي، فإما أسقطه، وإما سقط له، ولم يقل أحد من رواة هذا الحديث في عبد الله بن زيد بن عاصم " وهو جد عمرو بن يحيى " إلا مالك وحده، ولم يتابعه عليه أحد، فإن كان جده، فعسى أن يكون جده لأمه. وممن رواه عن عمرو بن يحيى: سليمان بن بلال، ووهب، وابن عيينة، وخالد الواسطي، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وغيرهم، ولم يقل فيه أحد منهم: وهو جد عمرو بن يحيى، وقد نسبنا عمرو بن يحيى بما لا اختلاف فيه (1). وهذا أول الكلام والبحث لا ينتهي عنده، والسؤال المطروح الآن: من هو الراوي الأخير عن رسول الله؟ أهو عمر بن أبي حسن، أم...؟ وإلى من يرجع ضمير " وهو جد عمرو بن يحيى " في نص البخاري والبغوي وغيرهم، هل إلى عبد الله بن زيد؟ أم إلى الرجل المبهم، أم إلى عمر بن أبي الحسن؟ وهل الواقعة كانت حكاية من عبد الله لصفة وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) ابتداءا، أم أنه توضأ ثم نسب فعله إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ إلى غيرها من التساؤلات التي تثبت الاضطراب وترشدنا إلى أن تضعيف ابن معين وابن المديني والدارقطني لعمرو بن يحيى كان في محله جدا، إذ كيف يختلف راو في نقله عن أبيه إلى هذا الحد. نعم، هو ثقة في نفسه - كما هو صريح غير واحد، كما قدمنا إليك - لكن الوثاقة شئ والاحتجاج بما يقوله شئ آخر، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن الاضطراب فيما رواه عمرو بن يحيى، مستقر الأطراف، فلا يمكن ترجيح وجه من وجوه الاضطراب على الآخر، فغالب الأسانيد متصلة صحيحة إليه، وخصوصا بعد ما عرفت جهالة عمرو بن أبي حسن، وعدم ثبوت كونه من الصحابة أو التصريح بجهالة رجل فيه، لقوله " إن رجلا سأل عبد الله... " في نص آخر. ولو ثبت وجود رجل مجهول في السند فسيكون حكمه حكم المنقطع ولا يمكن الاحتجاج به. والإسناد المضطرب كما تعرف هو مما لا يمكن الاحتجاج به - إذا لم يترجح أحد


(1) فتح المالك 1: 233 - 234.

[ 398 ]

الوجوه فيه على الأخرى - على ما هو صريح ابن الصلاح (1) والعراقي (2) والطيبي (3) والنووي (4) والسيوطي (5) وفحوى كلام ابن كثير (6) وغيرهم (7) وقد أكد العراقي على هذا في منظومته حيث قال: مضطرب الحديث ما قد وردا * مختلفا من واحد فأزيدا في متن أو في سند إن اتضح * فيه تساوي الخلف، أما إن رجح بعض الوجوه، لم يكن مضطربا * والحكم للراجح منها وجبا كمخط للسترة جم الخلف * والاضطراب موجب للضعف (8) ولا يمكن لأحد فيما نحن فيه نفي وجود الاضطراب في أخبار عمرو بن يحيى عن أبيه بدعوى رجحان بعض الوجوه على الأخرى، وأن الرجل المجهول في الأسانيد الثلاث الأول قد عرف، وهو عمرو بن أبي حسن، لأمور: الأولى: إن هذا مجرد دعوى لبعض الأعلام لم يقم عليها دليل. الثانية: إن عمرو بن أبي حسن هو الآخر مجهول الحال، ولم يذكره أصحاب الرجال والتراجم إلا ابن حجر، إذ أورده في الإصابة، وكان مستنده قول أبي موسى سعيد بن يعقوب، وما أخرجه بطريقه إلى محمد بن هلال المزني، عن عمرو بن يحيى بن عمارة، عن عمه، عن عمرو بن أبي حسن، أنه قال: رأيت النبي (صلى الله عليه وآله) يتوضأ فمضمض واستنشق مرة واحدة. فقال ابن حجر - بعد إتيانه بالإسناد السابق -: في الإسناد من لا أعرفه (9). وإن فحوى كلام ابن حجر لدليل صريح على نفي كونه من الصحابة، لوجود من لا يعرفهم في طريق الخبر.


(1) مقدمة ابن الصلاح: 124. (المطبوع مع التقيد والايضاح) (2) التقيد والايضاح: 125. (3) الخلاصة في أصول الحديث: 73. (4 - 5) تدريب الراوي 1: 141. (6) الاختصار في علوم الحديث: 54. (7) انظر فتح المغيث 1: 221، الباعث الحثيث: 68، قواعد التحديث: 136. (8) فتح المغيث 1: 221. (9) شرح الزرقاني على الموطأ 1: 65.

[ 399 ]

الثالثة: إن كثير من العلماء وخصوصا رواة الموطأ وشراحه، أبهموا السائل، على ما هو صريح الزرقاني (1) وابن حجر (2) والعيني (3) والسيوطي (4) وغيرهم وهذا يقتضي أن يكون المحفوظ عن الامام مالك هو روايته عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن ذلك الرجل المبهم. ومما يؤيد ثبوت الاضطراب في هذه الأسانيد أن الرواة والعلماء قد اختلفوا في تعيين جده، فقال البعض أنه عبد الله بن زيد بن عاصم، وقال البعض أنه عمرو بن أبي حسن وقال ثالث: أنه أبو حسن - على ما رواه سحنون في المدونة - ومن العجيب أن علماء الدراية قد مثلوا للاضطراب بمثال ليس بأشد اضطرابا من مرويات عمرو بن يحيى، فقال السيوطي في تدريب الراوي: "... ومثاله: ما رواه أبو داود وابن ماجة من طريق إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، عن جده حريث، عن أبي هريرة مرفوعا " إذا صلى أحدكم فليجعل شيئا تلقاء وجهه، الحديث " اختلف فيه على إسماعيل اختلافا كثيرا، فرواه بشر بن المفضل، ورواه سفيان الثوري عنه عن أبي عمرو بن حريث، عن أبيه، عن أبي هريرة ورواه حميد بن الأسود، عنه، عن أبي عمرو بن محمد ابن عمرو، عن جده حريث بن سليم، عن أبي هريرة. ورواه وهيب بن خالد وعبد الوارث، عنه، عن أبي عمرو ابن حريث، عن جده حريث. ورواه ابن جريح، عنه، عن حريث بن عمارة، عن أبي هريرة.


(1) شرح الزرقاني على الموطأ 1: 65. (2) فتح الباري 1: 232. (3) عمدة القاري 3: 68. (4) تنوير الحوالك 1: 39.

[ 400 ]

ورواه داود بن علية الحارثي، عنه، عن أبي عمرو بن محمد، عن جده حريث بن سليمان (1). وأنت إذا حكمت عقلك في طرق عمرو بن يحيى لاستبان لك أن أسانيده أشد اضطرابا مما مثلو به في كتب الدراية، وخصوصا أنت ترى في أسانيده رجلا مجهولا، وكذلك وجود عمرو بن أبي حسن المهمل في كتب الرجال. وقد جاء في كتب الدراية: أن كثرة نعوت الراوي من اسم وكنية وصفة بحيث يشهر بشئ منها، فيذكر بغير ما اشتهر به لغرض من الأعراض فيظن أنه راو آخر فيحصل الجهل بحاله. والإنصاف أن هذا الاضطراب يوجب ضعف رواية عمرو بن يحيى، ويسقطه عن الاعتبار والحجية. أما مروية حبان بن واسع، فهي الأخرى لا يمكن الاحتجاج بها، لجهالة حال حبان، ولأن عمرو بن الحارث قد أتى بما يوجب عدم وثاقته.


(1) تدريب الراوي 1: 141 - 143.

[ 401 ]

عبد الله بن زيد وروايات المسح

[ 403 ]

المطالع في كتب السنن والأخبار يشاهد مجموعة روايات قد حكت المسح عن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري، ونحن بإتياننا لتلك الروايات نواصل البحث مع القراء. أ - ما رواه عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله الإسناد الاول قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد: أن النبي (صلى الله عليه وآله) توضأ فغسل وجهه ثلاثا ويديه مرتين ومسح برأسه ورجليه مرتين (1). المناقشة قد عرفت حال رجال هذا السند سابقا، وهم ثقات، سوى عمرو بن يحيى الموثق من قبل النسائي والترمذي وأبي حاتم وابن سعد، والمضعف من قبل ابن معين والدار قطني وابن المديني!! الإسناد الثاني قال الدار قطني: أخبرنا جعفر بن محمد الواسطي (2)، أخبرنا موسى بن إسحاق (3)، أخبرنا أبو بكر (4)، أخبرنا ابن عيينة، بهذا الإسناد - أي


(1) مصنف ابن أبي شيبة 1: 16، كنز العمال 9: 451 رقم 26922. (2) هو جعفر بن محمد الواسطي، شيخ الدار قطني (انظر تهذيب الكمال 5: 105، وتهذيب التهذيب 2: 106، وتاريخ بغداد 7: 179). (3) الظاهر انه موسى بن إسحاق بن عبد الله بن موسى، أبو بكر الأنصاري، الخطمي (انظر تاريخ بغداد 13: 53). (4) هو الامام أبو بكر بن أبي شيبة صاحب المصنف المعروف تقدمت ترجمته في مرويات ابن عباس المسحية.

[ 404 ]

الإسناد المتقدم - مثله (1). المناقشة رجال هذا الطريق ثقات أيضا - سوى عمر بن يحيى المتقدم - فالواسطي ثقة حسب قول الخطيب في تاريخه: " كان ثقة "، وموسى بن إسحاق ثقة على ما هو صريح عبد الرحمن بن أبي حاتم، حيث قال: كتبت عنه وهو ثقه صدوق " (2). وقال البغدادي: كان عفيفا دينا فاضلا (3) وقال احمد بن حنبل: كان فصيحا ثبتا في الحديث (4) ب - ما رواه عباد بن تميم عن عمه [ عبد الله ] الإسناد قال الطحاوي: حدثنا روح بن الفرج (5)، قال: حدثنا عمرو بن خالد (6)، قال: حدثنا ابن لهيعة (7)، عن أبي الأسود (8)، عن عباد بن تميم (9)، عن عمه [ عبد الله ]: أن


(1) سنن الدار قطني 1: 82. (2) تاريخ بغداد 13: 53. (3) تاريخ بغداد 13: 53. (4) تاريخ بغداد 13: 53. (5) هو روح بن الفرج القطان، أبو الزنباع المصري، من موالي آل الزبير بن العوام (انظر تهذيب الكمال 9: 250، تهذيب التهذيب 3: 297). (6) هو عمرو بن خالد بن فروح الحنظلي، أبو الحسن الجزري الحراني (انظر تهذيب الكمال 21: 601، سير أعلام النبلاء 10: 427، تهذيب التهذيب 8: 25). (7) هو عبد الله بن لهبعة بن عقية الحضرمي الاعدولي، أبو عبد الرحمن المصري، روى له مسلم وأبو داود و الترمذي وابن ماجة (انظر تهذيب الكمال 15: 487، تهذيب التهذيب 5: 373، سير أعلام النبلاء 8: 10) و غيرهما من المصادر. (8) هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل القرشي الاسدي، أبو الأسود المدني، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 25: 645، سير أعلام النبلاء 6: 150، تهذيب التهذيب 9: 307) وغيرها من المصادر. (9) هو عباد بن تميم بن غزية الأنصاري، ابن أخي عبد الله بن زيد بن عاصم، وكان تميما - أخا عبد الله بن زيد - لامه وقيل لابيه، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 14: 107، تهذيب التهذيب 5: 90، الجرح =

[ 405 ]

النبي (صلى الله عليه وآله) توضأ ومسح على القدمين، وأن عروة كان يفعل ذلك (1). المناقشة روح بن الفرج ثقة، على ما هو صريح الدار قطني (2) والمزي (3) وابن حجر (4) وغيرهم. وأما عمرو بن خالد، فهو ممن وثقه ابن معين (5) وابن حجر (6) والعجلي (7)، وقال الحاكم عن الدار قطني: ثقة حجة (8). وقال مسلمة في الصلة: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات (9)، ولم نعثر على قول بجرحه بشئ. وأما ابن لهيعة، فهو ممن لا يحتج به، لتردد الرجاليين فيه بين الجرح والتليين المفسرين. نعم، روى الطبراني في الكبير، عن المقدام بن داود سماعا منه، عن أسد بن موسى سماعا منه، عن ابن لهيعة سماعا منه، عن أبي الأسود، عن عباد بن تميم، عن أبيه. لقوله: حدثنا المقدام بن داود، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود، عن عباد بن تميم، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ، فبدأ


= والتعديل 6: الترجمة 398). (1) شرح معاني الآثار 1: 35 ح 162. (2) انظر سنن الدار قطني 2: 171 - 172. (3) تهذيب الكمال 9: 250. (4) تهذيب التهذيب 3: 297. (5) انظر هامش تهذيب الكمال 21: 603. (6) تقريب التهذيب 2: 69. (7) ثقات العجلي: 363 ترجمة 1256. (8) تهذيب التهذيب 8: 26. (9) تقريب التهذيب 2: 69 ترجمة 571.

[ 406 ]

فغسل وجهه وذراعيه، ثم تمضمض واستنشق، ثم مسح برأسه (1). وعلق أبو عمر الفهري القرطبي في كتابه " الاستيعاب " - على ما رواه عباد في الوضوء، وأنه قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ ويمسح بالماء على رجليه (2) - بقوله: وهو حديث ضعيف الإسناد لا تقوم به حجة. وأنت ترى سخف دعواه، ويكفيك دليلا على ذلك قول ابن حجر في الإصابة بعد أن صرح بوثاقه رجال رواية عباد بن تميم عن أبيه أو عمه - والذي سيأتي لاحقا - قال: وأغرب أبو عمر فقال: أنه ضعيف (3). وقال الشوكاني: أخرج الطبراني، عن عباد بن تميم عن ابيه، قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ ويمسح على رجليه (4). وقال ابن حجر: روى البخاري في تاريخه، وأحمد [ في مسنده ]، وابن أبي شيبة، وابن أبي عمر، والبغوي، والبارودي وغيرهم، كلهم عن طريق أبي الأسود عن عباد بن تميم، عن أبيه قال: رأيت رسول الله يتوضا ولمسح الماء على رجليه (5). وفي كنز العمال: عن مسند تميم بن زيد - أبو عباد - عن عباد بن تميم، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وضأ ومسح بالماء على لحيته ورجليه (6). وبهذا، فقد عرفنا أن عبادا كان قد روى لنا الوضوء المسحي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بطريقين. الأول: عن طريق عمه عبد الله. والثاني: عن طريق أبيه تميم بن زيد. والسند الأخير منه هو صحيح على شرط البخاري ومسلم، وإنك ستعرف ذلك


(1) المعجم الكبير، للطبراني 2: 60 ح 1285. (2) الاستيعاب 1: 185 (المطبوع بهامش الإصابة). (3) الإصابة 1: 185 وانظر مسند أحمد: مسند المدنيين. (4) عمدة القاري 2: 240، وخبر الطبراني موجود في المعجم الكبير 2: 60 ح 1286 وصحيح ابن خزيمة 1: 101. (5) الاصابة 1: 185. (6) كنز العمال والمعجم الكبير 2: 60 ح 1286.

[ 407 ]

حين بحثنا عن روايات عباد المسحية (1) إن شاء الله تعالى. ومما يجب التنبيه عليه هنا هو عدم رواية عباد حديثا عن عمه في الوضوء الثلاثي الغسلي، وهذا يعضد كون المروي عن عبد الله هو المسح، لرواية عباد عنه ذلك، ولروايته مثل ذلك عن أبيه تميم... البحث الدلالي قد عرفت فيما مضى أن النصوص الواردة عن عبد الله بن زيد بن عاصم مختلفة لفظا، فتارة يقول الراوي: " فمسح برأسه فأقبل وأدبر " وأخرى لم تره يقيد المسح بقيد ما، لقوله: " ثم أدخل يده في الإناء فمسح برأسه " أو " ثم أدخل يده فمسح رأسه " أو " ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه ". ولهذه النصوص الثلاث الأخيرة دلالة على أن النبي (صلى الله عليه وآله) أخذ ماءا جديدا لمسحه، لقول الراوي " ثم أدخل يده... " وفي آخر " فمسح بماء غير فضل يده " (2). أما النص الأول فليس فيه هذا المعنى، لمسحه (صلى الله عليه وآله) بالرأس مقبلا ومدبرا بعد أن أتم غسل الذراعين، ببلل يديه. نعم، هناك نص عن الربيع بنت معوذ يخالف ما نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله): أنه أخذ ماءا جديدا لرأسه، والسند هو: أخبرنا محمد بن هارون أبو حامد، أخبرنا محمد بن يحيى الأزدي، حدثنا عبد الله بن داود، سمعت سفيان بن سعيد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ، قالت: كان النبي (صلى الله عليه وآله) يأتينا فيتوضأ، فمسح رأسه بما فضل في يديه من الماء ومسح هكذا، ووصف ابن داود قال: بيديه من مؤخر رأسه إلى مقدمه، ثم


(1) ضمن رواه المسح من التابعين. (2) انظر مسند أحمد 4: 39، 40، 41، والترمذي 1: 26، 35 عن حبان بن واسع عن أبيه عن عبد الله بن زيد عاصم.

[ 408 ]

رد يديه من مقدم رأسه إلى مؤخره (1). وعن الحسين بن إسماعيل، أخبرنا زيد بن أحزم، أخبرنا عبد الله بن داود، أخبرنا سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ: أن النبي (صلى الله عليه وآله) توضأ ومسح رأسه ببلل يديه (2). فهذه النصوص تراها متعارضة فيما بينها، فالبعض منها تذهب إلى أنه (صلى الله عليه وآله) مسح ببلل يديه، والأخرى بماء غير فضل يده!! فنتساءل: أيهما هو الأقرب إلى سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والثابت عنه (صلى الله عليه وآله)؟ فلو كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد مسح بفضل يديه و " ببلل يديه " فما الموجب لإدخال يده (صلى الله عليه وآله) في الإناء تارة أخرى ومسح رأسه به؟! وهل المسح يحتاج إلى أخذ ماء جديد، أم ان ذلك هو من لوازم الغسل؟ وهل ان المسح يقتضى الاستيعاب حتى يصح كلام عبد الله بن زيد بن عاصم؟! قال ابن حزم: المسح في اللغة التي نزل بها القرآن هو غير الغسل بلا خلاف، والغسل يقتضي الاستيعاب والمسح لا يقتضيه (3). هذا أولا. واما ثانيا: الملاحظ في غالب مرويات عبد الله بن زيد بن عاصم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد غسل وجهه ثلاثا، ويديه مرتين مرتين ومسح برأسه فأقبل بهما وأدبر، وغسل قدميه. وهذا النقل يخالف ما حكاه غيره من الصحابة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأنهم لو ذكروا التثليث لكان في جميع الأعضاء، وهكذا المرة والمرتين، وليس فيما نقلوه ما يشابه نقل ابن عاصم!! فنتساءل: ما هو حكم اليدين هل هو ثلاثا أم ثنتين؟! فلو قيل بصحة النقلين، فيكون معناه: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أراد بفعله هذا تصحيح كلا النقلين عنه ومعناه: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) غسل ذراعيه تارة ثلاث مرات واخرى


(1) سنن الدارقطني 1: 87 ح 2 باب المسح بفضل اليدين. (2) سنن الدارقطني 1: 87 ح 1 باب المسح بفضل اليدين. (3) المحلى 2: 52.

[ 409 ]

مرتين. فلو صح هذا نتساءل: لماذا اختص عبد الله بن زيد بهذا النقل عنه دون الصحابة؟ ولو كان الاستيعاب من شروط الغسل لا المسح! فلم مسح رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأسه مقبلا ومدبرا؟ الم يكن الغسل هو تطهير العضو بالماء وازالة الوسخ عنه والمسح هو امرار يده عليه فقط؟ ولو صح هذا الخبر عنه (صلى الله عليه وآله)، فلم لا نرى الأعلام يعملون به كأبي حنيفة القائل بجواز مسح الرأس بثلاث أصابع، والثوري بإجزاء مسح بعض الرأس ولو شعرة واحدة، وحد أصحاب الشافعي بشعرتين وباصبع وببعض اصبع، وقال الأوزاعي والليث بإجزاء مسح مقدم الرأس فقط ومسح بعضه كذلك، ومثله قول داود: يجزي من ذلك ما وقع عليه اسم مسح، وكذلك بما مسح إصبع أو أقل (1). فلو كان هذا مذهب الأعلام، فعلام حملوا خبر الاستيعاب للرأس مقبلا ومدبرا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟! وعلى أي شئ يدل ذاك؟! ولو صح ما جاء عن عبد الله بن زيد بن عاصم في الأخبار السابقة، فكيف يمكن تطابقه مع ما نقله عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد، أن النبي (صلى الله عليه وآله)، أتي بثلثي مد ماء فتوضأ، فجعل يدلك ذراعيه (2). فلو صح ما قاله محقق صحيح ابن حبان من أن إسناده صحيح، وصح ما جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، فكيف يمكن تطابق تلك النقول مع ما يحكيه عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد بن عاصم!! وبهذا فقد عرفت أن أخبار عبد الله بن زيد بن عاصم مضطربة في نفسها ومع غيرها، ومخالفة لروايات الآخرين من الصحابة، ومجملة الدلالة على المقصود، ومعارضة لأخبار مسحية أخرى جاءت عنه، ومخالفة لصريح القرآن المجيد حسبما ستعرف لاحقا إن شاء الله تعالى.


(1) انظر المحلى 2: 52. (2) صحيح ابن حبان بترتيب ابن بليان 3: 364.

[ 411 ]

نسبة الخبر إليه إن أول ما يطالعنا حول وضوء هذا الصحابي، هو وجود نقلين لوضوئه، (مسحي ثنائي) و (غسلي ثلاثي)، وقد تبين خلال البحث الأنف أن الوضوء المسحي هو الراجح صدوره عنه. والذي يؤيد هذه النتيجه المتوصل إليها، وجود أكثر من شاهد ومؤشر يجعلنا نطمئن بوضوئه المسحي، وأن نشك فيما روي عنه من الوضوء الغسلي. فهذا الصحابي هو من خزرج الأنصار، الذين عرفوا بمواقفهم المشرفة تجاه النبي في حياته وتجاه أهل بيته في حياته وبعد وفاته (صلى الله عليه وآله). فقد قدم الخزرج من الأنصار ثمانية شهداء من مجموع أربعة عشر شهيدا في بدر (1)، وقدموا في معركة أحد سبعين شهيدا وأربعين جريحا في حين استشهد اربعة من المهاجرين فقط (2)، وكان في غزوة بني المصطلق ثلاثون فارسا من المسلمين عشرون منهم من الأنصار (3)، وحين انهزم المسلمون في بداية وقعه حنين كان النداء موجها إلى الأنصار، ثم على بني الحارث بن الخررج الذين كانوا صبرا عند اللقاء (4)، وقد كانت الأنصار في كل ذلك إلى جانب الرسول (صلى الله عليه وآله) ضد قريش وعتاتها، وقد تجلى ذلك واضحا في وقعة الخندق (الأحزاب) حيث دافعوا عن مدينتهم بحفر الخندق، وأكبروا موقف علي في قتله عمرو بن ود ومن عبر معه الخندق، كما تجلى الصراع وبغض قريش للأنصار في فتح مكة، حيث اعتبرت قريش أن أطول الباع في هزيمتها أمام النبي إنما كان للأنصار. وهذا هو الذي يفسر لنا سر تسليط النبي (صلى الله عليه وآله) الضوء على الأنصار، والأمر


(1) الأنصار والرسول، لابراهيم بيضون: 26 عن خليفه بن خياط 1: 20 (2) الأنصار والرسول، لابراهيم بيضون: 32 عن المغازي: 30، ابن سعد، عزوات: 43 (3) الأنصار والرسول، لابراهيم بيضون: 34 (4) المغازي النبوية: 92، ومغازي الواقدي 3: 899.

[ 412 ]

بمحبتهم والاهتمام بأمرهم. فجاء عن النبي - على ما رواه البراء عنه - في الأنصار قوله: " لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، من احبهم فقد احب الله، ومن ابغضهم فقد ابغضه الله (1) ". وعن ابي سعيد الخدري قوله: إنا كنا لنعرف المنافقين نحن معاشر الأنصار ببغضهم علي بن ابي طالب (2)، إذ ان علي بن أبي طالب كان محكا للأنصار لكون الحق يعرف به وببغضه يتشخص أهل الباطل، وبواسطته يتميز الايمان عن النفاق، وذلك لدليل على أن أرضية الفكر الايماني للأنصار ومنحى الاعتقاد عندهم قد وقف على معرفة علي بن أبي طالب. فهم قد آووا ونصروا النبي وقاتلوا معه، ثم مع أهل البيت، فقد يكون الرسول (صلى الله عليه وآله) قد عني بدعائه - الآتي - هذه الأدوار: " اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار (3) " وأنت تعلم بأن الحكم في (الأنصار) قد ترتب على الصفة المشتقة منه وهي النصرة، ومعناه: أنه دعى لهم لنصرتهم له وأن الذي يبغصهم لهذه الصفه فهو كافر، أما هذا فلا يجري في علي بن أبي طالب: لأنه (صلى الله عليه وآله) جعل الحكم على ذات علي وباسمه دون أي قيد، وهذا يوضح الفارق بينهما وإن كانا قد اجتمعا على ارضيه واحدة وهي أن حبهم إيمان وبغضهم نفاق. فجاء عن انس قوله (صلى الله عليه وآله): " حب الأنصار آية الإيمان وبغضهم آية النفاق (4) ". وعن ابي هريرة: " لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الاخر (5) ". وعن النووي في شرح مسلم: إن من عرف مرتبة الأنصار، وما كان منهم في نصرة دين الاسلام، والسعي في اظهاره وايواء المسلمين، وقيامهم في مهمات دين الاسلام حق القيام، وحبهم النبي وحبه إياهم، وبذلهم أموالهم وأنفسهم بين يديه وقتالهم ومعاداتهم سائر الناس ايثار للاسلام، وعرف من علي بن ابي طالب قربه من


(1) صحيح مسلم 1: 85 ح 129 كتاب الأيمان (2) الترمذي 5: 635 ورواه الخطيب عن ابي ذر بلفظ آخر (كنز العمال 13: 106 (3) صحيح مسلم 4: 1948 ح 2505 باب فضائل الأنصار. (4) مسلم 1: 85 كتاب الأيمان. (5) مسلم 1: 86 ح. 13 كتاب الأيمان

[ 413 ]

رسول الله وحب النبي له، وما كان منه في نصرة الإسلام وسوابقه فيه، ثم أحب الأنصار وعليا لهذا. كان ذلك من دلائل صحة إيمانه، وصدقه في إسلامه، لسروره بظهور إلاسلام، والقيام بما يرضى الله سبحانه وتعالى ورسوله، ومن ابغضهم كان بضد ذلك، واستدل به على نفاقه وفساد سريرته والله اعلم (1) وقد اشترك الأنصار مع آل البيت في كونهم من المنبوذين عند قريش، لما قتلوا من صناديدهم ورؤسائهم، فاشتركوا هم وعلي في كفة مقابلة لكفة القرشيين المغلوبين، ولذلك سعى القرشيون لاعادة مجدهم بعد فتح مكة، وحاولوا الوقوف أمام المد الأنصاري المعاضد لعلي في مواقفه وما أن توفى النبي (صلى الله عليه وآله) حتى بدت تلك النبرة عالية في أن قريشا هي الأحق بالخلافة من الأنصار، بعد أن أبعدوا عليا عن الخلافة بمختلف الوجوه والمعاذير. فقد صرح عمربن الخطاب قائلا: إن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة، وتخلفت عنا الأنصار بأسرها (2) واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر (3)، ونادت الأنصار في ذلك اليوم: لا نبايع إلا عليا (4). وإن سعدا بن عبادة ما طالب بالخلافة إلا بعد أن راهم قد صرفوها عن علي (5)، وحين وقف علي إلى جانب الأنصار قالوا: لا نبالي بمن عادانا ما دام علي معنا. هذا وحسبك أن سعدا لم يبايع قط وصار إلى الشام وقتل هناك (6). ولما تسلم أبو بكر الخلافة، لم يف للأنصار بمقولته: (نحن الامراء وأنتم


(1) شرح مسلم، للنووي 1 - 2: 423 - 424. (2) صحيح البخاري 4: 111، الطبري 2: 446، مسند احمد 1: 55 (3) الكامل في التاريخ 4: 327 وانظر اسماء كبار الأنصار المتخلفين في الاحتجاج للطبرسي 1: 75. (4) الكامل في التاريخ 2: 325 والغدير 7: 78. (5) كشف المحجة: 173 - 189 ط النجف (6) مروج الذهب 2: 301

[ 414 ]

الوزراء) (1) فابعدهم عن الولايات حتى صرح شاعر الأنصار قائلا: يا للرجال لرائع الاخبار * ولما أراد القوم بالأنصار لم يدخلوا منا زعيما واحدا * يا صاح في نقض ولا إمرار وقطع أبو بكر البعوث وعقد الألوية، فعقد أحد عشر لواء لخالد بن الوليد، وعكرمة بن ابي جهل، والمهاجر بن أبي امية، وخالد بن سعيد - وعزله قبل أن يسير (2) - وعمرو بن العاص، وحذيفة بن محصن الغلفاني أو الغفاري، وعرفجة بن هرثمة، وشرحبيل بن حسنه، ومعن بن حاجز، وسويد بن مقرن، والعلا بن الحضرمي (3). وجعل يزيد بن أبي سفيان أميرا على الشام (4)، وأمر الوليد بن عقبه (5) ولما ولي أبو بكر قال له أبو عبيدة: أنا أكفيك المال. وقال عمر: أنا أكفيك القضاء، وكان عامله على مكة عتاب بن اسيد، وعلى الطائف: عثمان بن أبي العاص، وعلى صنعاء: المهاجر بن أبي أمية، وعلى حضرموت: زياد بن لبيد الأنصاري، وعلى خولان: يعلي بن منية، وعلى زبيد ورمع: أبو موس الاشعري، وعلى الجند: معاذ بن جبل، وعلي البحرين: العلاء بن الحضرمي، وبعث جرير بن عبد الله إلى نجران، وعبد الله بن ثور إلى جرش، وعياض بن غنم إلى دومة الجندل، وكان بالشام أبو عبيدة وشرحبيل ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، وكل منهم على جند، وعليهم خالد بن الوليد (6). وهذه التركيبة الإدارية والسياسيه والعسكرية لخلافة أبي بكر ليس فيها أثر واضح للأنصار، بل أغلبيتهم الساحقة من قريش ومن القبائل الأخرى، بل الكثير منهم من أعداء الإمام علي والأنصار، أو قل من أصحاب الرأي والإجتهاد، المنافرين


(1) انساب الاشراف 1: 584. (2) انظر ابن الأثير 2: 402 وذلك بعد اخباره عمر بتخلف خالد عن بيعته وتأييده لعلي يوم السقيفة. (3) الكامل في التاريخ 2: 346 (4) الكامل في التاريخ 2: 420 وفيه 2: 404 " وجعل لعمرو بن العاص عملا وليزيد بن أبي سفيان عملا ". (5) الكامل 2: 357. (6) مروج الذهب 2: 302

[ 415 ]

لأصحاب التعبد المحض، حتى أن الأنصار تخلفت عن خالد في مسيره لقتال مالك بن نويرة (1)، ثم لحقوا به مخافة الفرقة. واعترض أبو قتادة على خالد في قتله مالكا - وشهد فيمن شهد أن مالكا، وأصحابه قد أذنوا وأقاموا وصلوا (2) - واقسم أن لا يغزو مع خالد غزوة قط. ولما آلت الخلافة إلى عمر بن الخطاب فكان غالب ولاته شخصيات قرشية اجتهادية منافرة لعلي والأنصار، حتى أن عمر أراد أن يستعمل عبد الله بن عباس - بعد هلاك عامل حمص - لكنه صرح لابن عباس بخوفه من اجتماع الناس إليهم، فلم يوله عمل حمص، مضافا إلى رفض ابن عباس ذلك العمل المقرون بهذا الهاجس وتلك الريبة من التعبديين واصحاب علي (3). والذي نريد أن نعرضه هنا هو أن الذين اعتمدهم عمر طيلة فترة خلافته هم شريحة معارضة للأنصار ولعلي، فقها وسياسة، فقد كانوا يتراوحون بين هذه الاسماء، وهم: أبو عبيده بن الجراح. سعد بن أبي وقاص، عتبة بن غزوان، النعمان بن مقرن المثنى بن حارثة الشيباني، المغيرة بن شعبة، أبو موس الأشعري، عتاب بن أسيد، يعلى بن منية، عثمان بن أبي العاص، العلاء بن الحضرمي، حذيفة بن محصن، عياض بن غنم، ربعي بن الأفكل، عرفجة بن هرثمة، عتبة بن فرقد، أبو مريم الحنفي، شريح بن الحارث الكندي، كعب بن سور الأزدي، عمرو بن العاص، معاوية بن أبي سفيان (4)، وولى عمارا سنه 21 ه‍ على الكوفة ثم عزله بوشاية جرير بن عبد الله البجلي وولى جبير بن مطعم ثم عزله وولى المغيرة بن شعبه بدله (5)، وكان من جملة عماله


(1) الكامل في التاريخ 2: 403. (2) الكامل 2: 358. (3) انظر مروج الذهب 2: 321 - 322. (4) انظر الكامل في التاريخ 2: 427 و 451 و 488 و 489 و 526 و 554 و 555 - 70، 3: 20 و 21 و 38. حوادث سني 13 - 23. (5) الكامل في التاريخ 3: 20 - 21.

[ 416 ]

على المدائن سلمان الفارسي (1)، واستعمل النعمان بن مقرن لقبال أصفهان وبعث معه الزبير بن العوام وعمرو بن معد يكرب وحذيفة وعبد الله بن عمرو. ولما قتل عمر في سنه 23 ه‍، كان عماله كالاتي: نافع بن عبد الحرث الخزاعي على مكة، سفيان بن عبد الله الثقفي على الطائف، يعلى بن منية على صنعاء، وعلى الجند عبد الله بن أبي ربيعة، المغيرة بن شعبة على الكوفة، أبو موسى الأشعري على البصرة، عمرو بن العاص على مصر، عمير بن سعد على حمص، معاويه بن أبي سفيان على دمشق، وعثمان بن أبي العاص الثقفي على البحرين وما والاها (2). وحين فشل جيش المسلمين في معركة الجسر بسبب سوء التدبير الحربي وهلك من المسلمين أربعه الاف شخص غرقا وقتلا، سمع عمر بذلك فحث الناس على الجهاد، واستعمل على مقدمته طلحة بن عبيد الله. وعلى ميمنته الزبير بن العوام، وعلى مسيرته عبد الرحمن بن عوف. وأشار عبد الرحمن على عمر أن يولي سعد بن أبي وقاص وأشار عثمان بعلي، فطلبوا ذلك من علي فكرهه، ثم أمر عمر عليهم سعد بن أبي وقاص (3). وقد كان المسلمون إذا أرادوا أن يسألوا عمر عن شئ رموه بعثمان أو بعبد الرحمن بن عوف (4). وهذه التركيبة في خلافة عمر بن الخطاب تكاد تخلو من الأنصار ومن بني هاشم ومن عيون اصحاب نهج التعبد والأنصار، وبعكسه يحتل فيها القرشيون والمجتهدون المقام الأول ويختصون بحصة الأسد منه. وأما عثمان بن عفان، فإنه لم يقتصر على إبعاد الأنصار عن واجهة الأحداث فقط، بل راح يقرب أقرباءه ويوليهم المناصب ويغدق على من تابعه الأموال: فمن الذين حباهم عثمان وقربهم هم:


(1) مروج الذهب 2: 305 (2) الكامل 3: 77. (3) انظر مروج الذهب 2: 307 (4) الكامل في التاريخ 2: 450.

[ 417 ]

الحكم بن أبي العاص، مروان بن الحكم، الحارث بن الحكم بن أبي العاص (أخو مروان وصهر الخليفة من ابنته عائشة)، سعيد بن العاص بن أميه، الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية (أخا عثمان من أمه)، عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، أبو سفيان، عبد الله بن سعد ابن أبي سرح (أخو عثمان من الرضاعة)، الزبير بن العوام، طلحة بن عبيد الله التيمي، عبد الرحمن بن عوف الزهري، سعد بن أبي وقاص، يعلي بن أمية بن خلف (1). ولم نجد من المنخرطين في سلك عثمان من الأنصار إلا أقل من القليل كزيد بن ثابت وحسان بن ثابت. وكان ولاته وعماله من أمثال: المغيرة بن شعبه، وسعد بن أبي وقاص، والوليد بن عقبة، وعبد الله بن أبي سرح، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي موسى الاشعري، وعبد الله بن عامر بن كريز (ابن خال عثمان)، وسعيد بن العاص (2)، وغيرهم من الأمويين القرشيين أتباع الإجتهاد والرأي. ولذلك انتفض عليه أهل المدينة وأهل مصر وأهل الكوفة، وفيهم عيون الأنصار وقادتهم، حتى قتلوه في عقر داره. وأما الإمام علي بن أبي طالب، فإنه في خلافته أعاد للأنصار ولأنصار التعبد المحض دورهم الأصيل الذي يمثل سنة النبي (صلى الله عليه وآله) بدون دوافع ولا نوازع، فقد كان معه من أعلام الأنصار أبو أيوب الأنصاري، وأبو الهيثم بن التيهان، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأبو قتاده الأنصاري وغيرهم (3)، وتخلف عنه جماعه قليلون من الأنصار، قال ابن الأثير: ثم جاءوا إلى علي وبايعوا (4)، ولم يتخلف عنه إلا نفير يسير ممن لهم مطامع معلومة ومآرب دينوية. وكان ولاة علي بن أبي طالب في فترة خلافته القليلة هم: عثمان بن حنيف الأنصاري، وعمارة بن شهاب الثوري - وكانت له هجرة -، وعبيد الله بن عباس،


(1) انظر الغدير 8: 286 (2) انظر تاريخ الطبري أحداث سنة 24 - 36. (3) الكامل في التاريخ 3: 221. (4) الكامل في التاريخ 2: 354

[ 418 ]

وقيس بن سعد الأنصاري، وسهل بن حنيف الأنصاري، وقرظة بن كعب الأنصاري - الذي أمره عمر بالاقلال من الحديث -، وقثم بن العباس، وعبد الله بن العباس، ومحمد بن أبي بكر، وخليد بن قرة اليربوعي، ومالك الأشتر، وأبو أيوب الأنصاري (1)، ولما سار علي إلى صفين استخلف على الكوفة أبا مسعود الأنصاري (2). وبعد استشهاد الإمام علي ظل الأنصار أوفياء للإمام الحسن، وعلى رأسهم زعيمهم وصاحب رايتهم على عهد رسول الله، قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري، وبقي معه رهطه من الأنصار، إلى أن صالح الإمام الحسن معاوية، فكان قيس والأنصار آخر من أغمد السيف عن معاوية. وبقي الصراع والعداء بين معاوية والأنصار قائما مستمرا، وذلك بسبب مواقف الأنصار المناهضة للحزب القرشي، قال الدكتور ابراهيم بيضون:... وهكذا كانت العلاقه بين معاوية والأنصار متأثرة بذلك التراكم الذي شابها، ابتداء من الهجرة ووقعة بدر، ومرورا بيوم الدار (مقتل عثمان) وأيام صفين، حتى سقوط الدولة الراشديه التي كان آخر المقاتليين عنها قيس بن سعد (3). ويبدو عداء الأمويين للأنصار من خلال ارسال معاوية لبسر بن أرطأة القرشي لاخضاع الحجاز لسيطرته، قائلا له: " سر حتى تمر بالمدينة، فاطرد أهلها، وأخف من مررت به، وانهب مال كل من أصبت له مالا " (4)، ويقول له في شأن القرشين " وسر إلى مكة فلا تعرض فيها لأحد " (5). وبلغ العداء ذروته بين الأنصار والقرشيين والأمويين في وقعة الحرة، التي أبيحت فيها المدينة ثلاثة أيام، تلك المعركة التي كان عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري زعيمها البارز، والذي قتل معه عبد الله بن زيد بن عاصم - صاحب حديث الوضوء - ضد الحكم الأموي، والتلاعب بالدين، فقد قتل عبد الله بالحرة في


(1) انظر الكامل في التاريخ 3: 201 و 261 و 350 و 374 و 398. (2) الكامل 3: 35. (3) الأنصار والرسول: 60 (4) أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي: 453 - 454. (5) الطبري 6: 80

[ 419 ]

سنة 63 ه‍ وهو ابن سبعين سنه (1)، وقتل معه ابناه خلاد وعلي. فقد كان عبد الله بن زيد بن عاصم إذن من المخالفين للدولة الأموية والمقتولين بسيفهم، وقد جاد بنفسه محاولا رفع الابداع والظلم الذي حاق بالدين، بالمسلمين، وهذا ما يجعله - بالطبع - هدفا لسهام الأمويين لتشويهاتهم له فقها وسياسة وموقفا، كما سترى، وهو ما يجعلنا نتوقف في شأن كل ما ينسب إليه من آراء تؤيد الموقف والرأي الفقهي والسياسي الأموي. جئنا بهذه التقدمة التاريخيه للاشارة إلى أن التخالف السياسي قد يؤدي إلى التخالف الفقهي، بمعنى: إن الإتجاه الحاكم - نظرا لموقعيته وظروفه - قد يصر على تطبق مفردة خاصة لما يرى فيه من مصلحة. وهذا ليس بدعا في التاريخ - لما قدمناه لك من شواهد في هذه الدراسة - وقد كان في نسبة الخبر إلى ابن عباس تفسير لظاهره اختلاف النقل عن الصحابي الواحد، وفي نسبة الخبر إلى علي بن أبي طالب قد وضحنا دور القرشيين في الشريعة واخذهم بالرأى والاجتهاد قبال النص ومخالفته نهج التعبد المحض معهم، والآن مع بيان تخالف الأنصار مع المهاجرين فقها وسياسة. وبكلامنا هذا لا نعني أن الأنصار كانوا جميعا من نهج التبعد المحض أو أنهم لم يخالفوا عليا أو سنة رسول الله قط. وكذا لا نعني أن فقه القرشين يخالف النصوص في جميع الأحيان، بل الذي نريد قوله أن أمر الاجتهاد والذهاب إلى أحكام أخرى مصلحة هي أقرب إلى الفهم القرشي من الأنصاري. لكون الأول هو الحاكم فلابد من تطبيق رأيه، أما الأنصاري فليست له مصلحة أو هدف في هذا التغيير، وإن كان من بينهم من يذهب إلى آراء مخالفة للنصوص اجتهادا من عند نفسه. وقد نقلنا سابقا نصوصا دالة في تبني الاتجاه الحاكم لمذهب الشيخين وغيرهم من الخلفاء فلا يستبعد بعد هذا أن يرجح الرأي الفقهي المنتزع من الاجتهاد على الرأي الفقهي المأخوذ من النص. وخصوصا حينما عرفنا دور الأمويين في تحريف الأحكام وتأكيدهم على فقه عثمان.


(1) تهذيب الكمال 14: 540، تهذيب التهذيب 5: 223، شذرات الذهب 1: 71

[ 420 ]

كانت هذه إلمامة بالزاوية السياسية والتركيبة الاجتماعية، والتي يقابلها تقاطع آخر بين الأنصار والقرشيين من الناحية الفقهية، وذلك ما أفرزته حالة تمسك المد الأنصاري بمسلك التعبد المحض، وانجراف التيار القرشي وراء مسلك الاجتهاد والرأي على أن وجود متعبدين ماحضين من القرشيين، ووجود مجتهدين مرتئين من الأنصار لا يخرم الإطار العام للمسير الفقهي لكلا الاتجاهين، وإذا توخينا الدقة أكثر سمينا الاتجاه الأول " الأنصار والمتعبدون " والثاني " قريش والمجتهدون "، فمن شذ من الأنصار دخل في حيز " المجتهدين " ومن شذ من القرشيين درج في المتعبدين. وبمعنى آخر: نحن لا نريد بقولنا هذا تصحيح فعل الأنصاري والقول بأن جميع أقواله وأفعاله مستوحاة من النص، أو أنهم جميعا يتفقون مع علي بن أبي طالب، لاجتماعهم معه على أرضية واحدة، وكذا لا نريد القول بعكسه في القرشي، بل الذي نريد قوله: أن المسلك العام للأنصار هو الأخذ بما عرفوه وعملوا به من سنة ونص وعدم ايمانهم بضرورة الاجتهاد في المفردات التي نزل بها الوحي، بخلاف القرشي الذي يسعى لتحكيم رأى القريشيين واعطاءه الشرعية. وإن كان هناك من شذ من الطرفين عن مسيرهم العام، إذ تلحط الشذوذ في سيرة الواحد منهم، فيأخذ الأنصاري مثلا بالنص في مفردة ويجتهد في أخرى، وكذا القرشي فقد يجتهد في مفرده ويدافع عن النص في مفردة أخرى، لكن الصبغة العامة والسيرة الغالبة عند الأنصاري هي اتباع ما عرفوه وجرت سيرتهم عليه وعدم تأثرهم بالجديد المستحدث، بل وقوفهم أمامه في بعض الأحيان، بخلاف القرشي الذي تأخذه العصبية لتحكيم رأي قرينه لأنه يمس بكيانهم القبلى. وإليك مثالا على ذلك. نحن نعلم أن عثمان بن عفان قد أتم الصلاة بمنى خلافا لسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيرة الشيخين وجاء عن معاوية أنه لما قدم مكة حاجا قصر بمنى في الظهر فنهض مروان بن الحكم وعمرو بن عثمان، فقالا: ما عاب أحد ابن عمك بأقبح ما عتبه به. فقال لهما: وما ذاك؟ قالا: ألم تعلم أنه (أي عثمان) أتم الصلاة بمكة؟ قال لهما: ويحكما! وهل كان غير ما صنعت؟ قد صليتهما مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومع أبي بكر وعمر.

[ 421 ]

قالا: فإن ابن عمك أتمها وأن خلافك إياه عيب. قال الراوي: فخرج معاوية إلى العصر فصلاها أربعا (1) ومن هذا القبيل نرى اعتلاء صرخة الرفض الفقهي من أبي قتادة الأنصاري، حيث واجه خالد بن الوليد في تعريسه بأم تميم زوج مالك بن نويرة، قائلا له مستنكرا: هذا عملك؟! فزبره خالد، فغضب أبو قتادة ومضى، وكان أبو قتادة قد شهد لمالك بالإسلام، ومن بعد تلك الفاجعة عاهد الله أن لا يشهد مع خالد حربا أبدا (2). وغضب أبو قتادة ومضى حتى أتى أبا بكر فغضب عليه أبو بكر حتى كلمه عمر (3). وكذلك نرى في حكم الجدة اسم محمد بن مسلمة الأنصاري (4) أو عبد الرحمن بن سهل الأنصاري (5) يعترض على أبي بكر في فقهه في الجدة ويصحح له خطأه فيه. ولما تسلم عمر أزمة الأمور، وراح يمد خطاه الاجتهادية ما امتدت، تبلور واتضح الخلاف الفقهي بين " الأنصار والمتعبدين " وبين عمر زعيم " قريش والمجتهدين "، فزاد عدد الأرقام زيادة ملحوظة في معارضة فقه الخليفة الثاني من الأنصار على وجه الخصوص. فقد أراد عمر أبن الخطاب أن يقيد الذمي من المسلم، فنهاه معاذ بن جبل الأنصاري (6)، فاستجاب لقوله ثم قال: " لولا معاذ لهلك عمر " (7). وكان عمر يجنح لإقادة النبطي من المسلم ويصر على ذلك فنهاه


(1) مسند أحمد 4: 94، فتح الباري 2: 457، نيل الاوطار 3: 240 - 241. (2) تاريخ الطبري 3: 243. (3) تاريخ الطبري 3: 242، شرح النهج 4: 187 ط قديم (4) الموطأ 1: 335، مسند أحمد 4: 224 (5) الموطأ 1: 335، الاستيعاب 2: 7400 الاصابة 2: 402. (6) جمع الجوامع للسيوطي 7: 304. (7) السنن الكبرى 7: 443، التمهيد: 199، كنز العمال 7: 82، فتح الباري 12: 120، الأصابة 3: 427.

[ 422 ]

زيد بن ثابت الأنصاري (1). وقد خطأ زيد عمر في مسألة ارث الجد وشرح له الحكم عن طريق تقريب مراتب الورثة من خلال التشبيه بالشجرة (2)، بعد أن طلب منه عمر موافقته على رأيه فأبى زيد. وحين استأذن رجل من الأنصار على عمر، وكان عمر يجهل حكم الاستئذان بعث الأنصار أصغرهم سنا - وهو أبو سعيد الخدري - ليشهد عند عمر أن ذلك سنة رسول الله (3)، وتنفر أبى بن كعب من حالة عمر هذه فقال له: يا بن الخطاب لا تكونن عذابا على أصحاب رسول الله (4). وقدم شاب من الأنصار لعمر ماء مع عسل فأبى عمر، محتجا بقوله: * (اذهبتم طيباتكم...) * فاحتج عليه الشاب الأنصاري بأنها نزلت في الكفار لا في أهل القبله (5). ونهى عمر بن الخطاب صلاة ركعتين بعد العصر، إلا أن أنس بن مالك الأنصاري وأبا سعيد الخدري الأنصاري وأبا أيوب الأنصاري ظلوا يصلونهما مخالفة لفقه عمر، والتزاما بفقه الرسول (صلى الله عليه وآله)، وكذلك روى اباحة - إن لم نقل استحباب - هاتين الركعتين أبو أيوب الأنصاري والنعمان بن بشير الأنصاري، والأسود بن زيد الأنصاري، وأبو الدرداء الأنصاري (6)، وإن رواية هؤلاء جواز الصلاه لا يعنى أنهم وفي جميع المفردات كانوا من نهج التعبد المحض، فقد تخلف بعض هؤلاء عن الاصول في مفردات اخرى. وعارض عمر بن الخطاب في تحريمه للمتعة جمهورا من الصحابة منهم جابر بن عبد الله الأنصاري الذي قال: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام


(1) كنز العمال 7: 303، السنن الكبرى 8: 32. (2) السنن الكبرى 6: 247 (3) صحيح مسلم 3: 1694، صحيح البخاري 3: 837، مسند أحمد 3: 19. (4) صحيح مسلم 3: 1696. (5) شرح النهج 1: 61 (6) طرح التثريب في شرح التقريب 2: 186

[ 423 ]

على عهد رسول الله وأبي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث (1)، كما عارضه أبو سعيد الخدري (2)، وابي بن كعب في قراءته * (فما استمتعتم به منهن إلى أجل (3) *، وكان عمر قبل ذلك أراد أن ينهي عن متعة الحج فحاججه ابي فأضرب عمر عن ذلك (4). ويبدو أن عمر التفت إلى أنه يحكم في المدينة - التي هي معقل الأنصار - وأن المعارضين لفقهه يزدادون يوما بعد آخر، فلذلك وجد المخرج من هذا الصراع الفقهي المتفاقم. بأن صرح في خطبته في الجابية قائلا، من أراد أن يسأل عن القرآن فليات ابي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الحلال والحرام فليات معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني فإني له خازن (5). فامتص عمر ردة الفعل الفقهي الأنصاري بجعله هذه المحاور الثلاثة لمن أراده من الأنصار حلا لأزمته تلك. وهكذا برزت أسماء لامعة من الأنصار تناهض فقه الخليفة عمر بن الخطاب فإذا أضيف إليها المتعبدين من غير الأنصار، كعلي وابن عباس وابن مسعود وعمار بن ياسر، تشكلت جبهة فقهيه عريضة من " الأنصار والمتعبدين " تضاد " القرشيين والمجتهدين ". ولعل خير شاهد في هذا المجال، هو أن نرى عمرا يشيع الوفد الأنصاري إلى أطراف المدينة من أجل أن يأمرهم بإقلال الحديث، الحديث الذي لا يتوائم مع سير الفقه القرشي الاجتهادي. ومثل ذلك ما نرى من أسماء المحبوسين بالمدينة. الممنوعين من التحديث ففيهم من الأنصار: أبو مسعود وأبو الدرداء وحذيفة بن اليمان (6)، ومن المتعبدين أبو ذر


(1) صحيح مسلم 1: 395، فتح الباري 9: 141. (2) عمدة القاري 8: 31. (3) تفسير الطبري 5: 9. (4) مسند احمد 5: 143، والدر المنثور 1: 216. (5) الاموال: 223، مستدرك الحاكم 3: 271. (6) حذيفة عبسي، وانما سمي حذيفة بن اليمان للجوئه إلى الأنصار وانضمامه إلى قبائل اليمن، فهو بهذا الاعتبار معدود في عداد الأنصار.

[ 424 ]

الغفاري وعبد الله بن مسعود الهذلي وعقبة بن عامر الجهني. وأما المعارضون لفقه عثمان فكثر لكن الحق أن معارضته الفقهيه لم تقتصر على الأنصار، بل كانت المعارضة من كليهما، كما كان ذلك في معارضته السياسية والمالية والادارية، لأن عثمان - وهو المعني بالوضوء هنا - أراد صياغة مشروع أموي سياسي فقهي، فنجح في بعض وأخفق في بعض. لقد كان أول تحرك قرشي اجتهادي صدر في بداية خلافة عثمان، هو رأي عمرو بن العاص بدرء الحد عن عبيد الله بن عمر رغم إجماع المهاجرين والأنصار على كلمة واحدة يشجعون عثمان على قتله، إلا أن المعارضة سرعان ما انخفض صوتها، ولم يبق إلا صوت علي ثابتا - حتى فر منه ابن عمر أيام خلافته -، وصوت محمود بن لبيد الأوسي الأنصاري، وزياد بن لبيد البياضي الأنصاري، الذي بقي يعرض بعبيد الله بالشعر، فنهاه عثمان، فقال في ذلك: ابا عمرو عبيدالله رهن * فلا تشكك بقتل الهرمزان فإنك إن غفرت الجرم عنه * وأسباب الخطا فرسا رهان أتعفو إذ عفوت بغير حق * فمالك بالذي تحكي يدان (1) وقدم عثمان الخطبة على صلاة العيدين، خلافا لسنة رسول الله الثابتة في الصلاة ثم الخطبة، وكان أبو سعيد الخدري، وجابر الأنصاري، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، كلهم ممن رووا خلاف ما فعل عثمان، واستمر مروان بن الحكم الأموي القرشي على نهج عثمان، فراح ليصعد على المنبر قبل الصلاة فجذبه أبو سعيد الخدري، فجذبه مروان وارتفع فخطب، فقال أبو سعيد: غيرتم والله (2). وعلم أبي بن كعب الخليفة عثمان حكم رجل طلق امرأته ثم راجعها حين دخلت في الحيضة الثالثة (3). وأما فقه الإمام علي فإننا بدراسة مفصلة لفقه الصحابة حصلنا على نتيجة مفادها التقارب الشديد في المسائل المختلف فيها بين فقه علي والأنصار، والتنافر بين


(1) انظر تاريخ الطبري 5: 41، الغدير 8: 134. (2) صحيح البخاري 2: 111، صحيح مسلم 1: 242، مسند احمد 3: 10، 20، 52، 54، 92. (3) السنن الكبرى 7: 417.

[ 425 ]

هذا الفقه والفقه القرشي، اتباع الاجتهاد، منعة التدوين والتحديث، حتى أنه ليكاد يقف الفقهان على طرفي نقيض في المسائل المختلف فيها، وهذا ما يؤكد أن الحالة الفقهيه الأنصارية العامة تنتظم وتتفق في كثير من الأحيان مع السلك العلوي التعبدي، وتتنافر مع الفقه القرشي الاجتهادي، ولذلك قل ما نجد نزاعا فقهيا بين أنصاري وبين الإمام علي طيلة عمر الإمام علي، بخلاف الحزب القرشي الاجتهادي، فقد وقع الخلاف الفقهي بين علي وبينهم حتى طفح الكيل. فصرح علي بذلك في كثير من كلماته وخطبه مع المفردات الفقهية المسجلة في المصادر الناصة على قيام الاختلاف على اشده بين الفقه العلوي التعبدي، وبين الفقه الاجتهادي القرشي. واتسع الخرق حين انتزى معاوية على الأمة، فراح يؤسس ما شاء من فقه عثماني أموي كما وضحناه وسنشير إليه بعد قليل، غير أن اللافت للنظر هو أن معاوية كانت تخالفه الأنصار منذ كان واليا على الشام لعمر وعثمان، وحتى استلامه الملك، وقد كان الصحابي النقيب الجليل عبادة بن الصامت الأنصاري رأس حربة الأنصار في مخالفة نهج معاوية الفقهي ففي حين كان معاوية يتعاطى الربا ولا يرى به بأسا، أصر عبادة بن الصامت على معارضته ذلك الفقه المنحرف، قائلا: اشهد أني سمعت رسول الله يقول ذلك، وقال: إني والله ما أبالي أن لا أكون بأرض يكون بها معاويه (1). وحاول معاوية إقناعه بالإنصراف عن رأيه الفقهي التعبدي بحرمة الربى، قائلا له: اسكت عن هذا الحديث ولا تذكره، فقال عبادة: بلى وإن رغم أنف معاوية (2)، وذهب عبادة إلى المدينة منصرفا عن الشام، واخبر بذلك عمر فأمره بالرجوع إلى الشام وقال له: لا إمرة عليك (3). دون أن يردع معاوية عن رأيه الفقهي بالقوة المعهودة عن عمر. واعترض على معاوية في معاملاته الربوية أبو الدرداء - وهو من الأنصار - أيضا، قائلا: سمعت رسول الله عن مثل هذا فقال: إلا مثلا بمثل، فقال معاويه: ما أرى


(1) انظر سنن النسائي 7: 277، سنن البيهقي 5: 278. (2) تاريخ دمشق 7: 212 (3) تاريخ دمشق 7: 212

[ 426 ]

بهذا بأسا، فقال له أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية؟ أنا أخبره عن رسول الله وهو يخبرني عن رأيه، لا أساكنك بأرض أنت بها (1). وغزا عبد الرحمن بن سهل الأنصاري في زمن عثمان - ومعاوية أمير على الشام - فمرت به روايا خمر لمعاويه، فقام إليها برمحه فبقر كل راوية منها، فناوشه الغلمان، حتى بلغ شأنه معاوية، فقال: دعوه فإنه شيخ قد ذهب عقله، فقال عبد الرحمن: كلا والله ما ذهب عقلي ولكن رسول الله نهانا أن ندخل بطوننا واسقيتنا خمرا (2). ومزق عبادة بن الصامت الأنصاري مرة اخرى روايا تحمل الخمر وهي في طريقها إلى الشام، فأرسلوا إلى أبي هريرة في أن يكلم عبادة، فإنه لا يتركهم ولا يترك عيبهم، فكلمه أبو هريرة، فأجابه عبادة بما كانوا بايعوا عليه رسول الله في بيعة العقبة من أن لا يكتموا حقا (3). ولشده معارضات عبادة الفقهية أرحله معاوية بأمر عثمان من الشام إلى المدينة، وابدى عثمان - الاجتهادي - تذمره منه قائلا: مالنا ولك يا عبادة؟! فقام عبادة وخطب بين الناس قائلا: إني سمعت رسول الله أبا القاسم يقول: إنه سيلي اموركم بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى، فلا تضلوا بربكم، فوالذي نفس عبادة بيده إن فلانا - يعني معاوية - لمن اولئك (4). واستمرت المعارضة الفقهيه حتى ملك معاويه، فخطب فادعى الأفضلية لابي بكر وعمر وعثمان، ثم فضل نفسه على من بعده، فكذبه عبادة بن الصامت وقرعه بالحجة الواضحة، فأمر معاوية به فضرب (5). وأجاز اجتهاد معاوية - القرشي - الجمع بين الاختين بملك اليمين!! فاعترض


(1) الموطا: 59، سنن النسائي 7: 279، سنن البيهقي 5: 280. (2) الاصابة 2: 401، الاستيعاب 2: 5401 اسد الغابة 3: 299. (3) تاريخ دمشق 7: 211. (4) مسند احمد 5: 325، تاريخ دمشق 7: 212. (5) تاريخ دمشق 7: 213.

[ 427 ]

عليه النعمان بن بشير الأنصاري (1)، ولا ننس أن مثل هذا الراي كان قد صدر عن عثمان قبله. ولما وصلت النوبة إلى يزيد بن معاوية، تبدل الخلاف الفقهي والعقائدي والسياسي من مجرد معارضته فقهية إلى مواجهة مسلحة صارخة بين الأنصار والمتعبدين من جهة، وبين الأمويين القرشيين والمجتهدين من جهة اخرى. وتوحدت جبهة الهاشميين والأنصار المتعبدين ضد مشروع معاوية القاضي باستخلاف يزيد فلما كتب معاوية إلى سعيد بن العاص واليه على المدينة يأمره بأخذ البيعة، قال الراوي: فابطأ الناس (الأنصار وهم عظم سكان المدينة) عنها... لاسيما بني هاشم... وكتب سعيد بن العاص إلى معاويه:... وإني أخبرك أن الناس عن ذلك بطاء، لاسيما أهل البيت من بني هاشم، فإنه لم يجبني منهم أحد (2). وكان محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري من وفد أهل المدينة، قال لمعاوية حين استشهارهم في بيعة يزيد: إن كل راع مسؤول عن رعيته، فانظر من تولي أمر أمة محمد؟! فاخذ معاوية بهر (3). واضطر معاوية لاقناع أهل المدينة والأنصار أو اخضاعهم لبيعة يزيد أن يرحل رحلتين من الشام إلى المدينة، الأولى في سنة 50 ه‍، استعمل فيها اسلوب اللين والمخادعة والترغيب، والثانيه في سنة 51 ه‍، استخدم فيها اسلوب العنف والاجبار والترهيب، وكان معه الف فارس، وهدد معاوية وقال: لأقتلنهم إن لم يبايعوا. هذا، وكان أهل المدينة يكرهون يزيد (4). فنتيجة لكل هذا وصلت الأمور إلى ذروتها في زمن حكم يزيد، فحدثت وقعة الحرة، حيث لم تخضع المدينة المنورة بزعاماتها الأنصارية للمسار الأموي، حتى أن زعيمهم عبد الله بن حنظلة الغسيل قال: والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء، إنه رجل ينكح الامهات والبنات والاخوات، ويشرب


(1) الدر المنثور 2: 137 (2) الإمامه والسياسة 1: 144 - 146. (3) الكامل 3: 21 - 216. العقد الفريد 2: 302 - 304. (4) تاريخ دمشق 6: 155.

[ 428 ]

الخمر، ويدع الصلاة، والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت لله فيه بلاء حسنا (1). وصرح بمثل هذا جماعة من قيادات الأنصار صحابة وتابعين. وفي هذا الانشقاق بين الأنصار والمتعبدين من جهة، وبين قريش والمجتهدين من جهة اخرى، يقف عبد الله بن زيد بن عاصم في خضم الأحداث في صفوف المتعبدين، غير شاذ عن جماعة الأنصار في خطوطها العريضة. شهد هو وأمه أم عمارة - نسيبة بنت كعب - أحدا (2)، وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال في موقفها يوم أحد: لمقام نسيبة اليوم خير من مقام فلان وفلان (3)، وإن النبي قال في ذلك اليوم في حقهم: " رحمة الله عليكم أهل البيت (4) " فيظهر أنهم من المتعبدين الملتزمين بالدفاع عن الدين. وقد قتل مسيلمة الكذاب أخاه حبيب بن زيد وقطعه (5)، وقتل عبد الله مسيلمة الكذاب، أو شارك وحشيا في قتله (6)، غير أن معاوية ادعى زورا وكذبا أنه هو الذي قتل مسيلمة، ليسلب عبد الله بن زيد هذه الفضيلة في قتل المدعي للنبوة، وذلك القتل من معاوية لم ينقل عن غير معاوية، فلا يكاد يخفى القصد من وراء ادعائه هذا، الذي حاول المزي أن يبرره بانه يحتمل ان يكون معاوية شارك في قتل مسيلمه (7). وقد كان من الصحابة الذين استشهدوا ضد الأمويين في واقعة الحرة، فقد ذكر في قيادات الحرة الذين استشهدوا فيها، هو ومعقل بن سنان الاشجعي، وعبد الله بن حنظله الغسيل الأنصاري (8).


(1) تاريخ دمشق 7: 372 (2) تهذيب الكمال 14: 539 (3) مغازي الواقدي (4) تهذيب الكمال 14: 539 (5) تهذيب الكمال 14: 539. (6) تهذيب التهذيب 5: 223. (7) انظر تهذيب الكمال 14: 539 (8) شذرات الذهب 1: 71،

[ 429 ]

ولم يقتصر على التضحية بنفسه، بل قتل معه ابناه خلاد وعلي (1) في تلك الوقعة المريرة. وتكاد المصادر تتفق على أنه قتل في وقعة الحرة التي كانت آخر ذي الحجة سنة 63، وهو ابن سبعين سنة (2). عبد الله بن زيد والوضوء بعد هذه المقدمة التي عرفنا على ضوئها امورا كثيرة في تاريخ الشريع الاسلامي، وتعرفنا كذلك على تخالف الأنصار مع المهاجرين فقها وسياسا، لابد من الأشارة إلى أهداف القرشين في الوضوء بالخصوص، فإنهم من جهه كانوا يريدون مشاركة الأنصار في شرعية هذا الوضوء الجديد، لكونهم شريحة مهمة في الاسلام، ومن جهة آخرى كان لا يمكنهم نسبة ذلك الوضوء إلى أعيان الأنصار كأبي سعيد الخدري وأبي موسى الأشعري وغيرهما ببساطة، لأن الناس كانوا قد وقفوا على وضوء هؤلاء، وإن نقل شئ يخالف وضوئهم سيخطا من قبل الآخرين فرأوا من الأنسب أن ينسب الوضوء الثلاثي الغسلي إلى صحابي أنصاري مغمور كعبه الله بن زيد، لا يكون محورا للتساؤل ولا محطا لأن تتوجه انظار المسلمين إليه، فمع امكان نسبة الوضوء وامثاله لامثال عبد الله بن زيد من صغار الصحابة المغمورين ومع تحقق الفرض به لا داعي لأن ينسب ذلك إلى كبار الصحابة. ونحن لو وقفنا على موقف أنس بن مالك الأنصاري مع الحجاج بن يوسف الثقفي لعرفنا تخالف موقف هذا الأنصاري مع ما ما ينقل عن عبد الله بن زيد الأنصاري في الوضوء. ومثله الحال بالنسبه إلى جابر بن عبد الله الأنصاري الذي جاء عنه أنه كان يمسح على قدميه (3).


(1) تهذيب التهذيب 5: 223 عن ابن سعد. (2) تهذيب الكمال 14: 540، تهذيب التهذيب 5: 223 (3) عمدة القاري 2: 240.

[ 430 ]

وانت ترى أن مواقف هؤلاء الأعاظم من الأنصار كان المسح لا الغسل، وهو يوضح لنا سر انتساب الغسل إلى عبد الله بن زيد بن عاصم المغمور دون غيره. والعجب أنهم يعدونه صاحب حديث الوضوء مع أنه كان له من العمر. حين وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) 17 عاما فقط، ولم يعطو هذا اللقب لغيره من كبار الصحابة وقديمي الصحبة واقرباء النبي وخاصته. في حين نعلم أن الصلاة افترضت قبل الاسراء (1)، وقد افترضت الصلاة على النبي بعد نزول الوحي، وحين افترضت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتاه جبرئيل وهو باعلى مكه، فهمز بعقبة في ناحية الوادي، فانفجرت منه عين، فتوضأ جبرئيل ورسول الله ينظر إليه، ليريه كيف الطهور للصلاة، ثم توضأ رسول الله كما رأى جبرئيل توضأ (2). وفي هذا الصدد قال محقق سيرة ابن هشام: فالوضوء على هذا الحديث مكي بالفرض مدني بالتلاوة، لأن آية الوضوء مدنية (3) فلو صح هذا فلماذا يختص عبد الله بن زيد بهذا اللقب دون غيره من الصحابة؟ وما يعنى هذا؟ نعم نحن لو تابعنا السير التاريخي للوضوء لعرفنا بصمات الفقه القرشي عليه. إن التثليث في غسل الأعضاء وغسل الأرجل كان المدار الأول للاختلاف بين المسلمين في عهد عثمان بن عفان، ثم تطور حتى رأينا ابن عمر يغسل رجليه سبع مرات وكان يعتبر الوضوء هو الانقاء، وأن أبا هريرة كان يطيل غرته بغسل ساقيه، حتى وصل الأمر بمعاوية أن يتوضأ للناس، فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر، ثم مسح من مقدمه إلى موخره ومن موخره إلى مقدمه (4). والباحث لو تأمل في الوضوءات البيانيه عن رسول الله لم يشاهد زيادة (مسح الرأس مقبلا ومدبرا) عن أحد من الصحابة إلا عن عبد الله بن زيد بن عاصم والربيع


(1) انظر هامش سيرة ابن هشام 1: 260 عن السهيلي. (2) سيرة ابن هشام 1: 260. (3) انظر هامش سيرة ابن هشام 1: 260. (4) سنن ابي داود 1: 124 / 31.

[ 431 ]

بنت معوذ، وحيث أن هذا الحكم كان يتوافق مع ما ذهب إليه معاويه بن أبي سفيان ولم يأت في الوضوءات البيانيه الأخرى عن الصحابة فهذا مما يجعلنا نشككك فيه وخصوصا بعد أن عرفنا أن موقف الربيع بنت المعوذ كان موقفا أمويا، وأن ابن عباس كان لا يرتضي حكايتها عن رسول الله. ومثله الحال وجود نقلين عن عبد الله بن زيد بن عاصم ليس في أحدهما: غسل الرجلين ومسح الراس مقبلا ومدبرا وغسل الاعضاء ثلاثا وهذا ما يرجح أن يكون الوضوء الثنائي المسحي عنه هو الأرجح. إن موضوع مسح الراس قد تغير من أيام معاويه وأخذ يفقد حكمه حتى ترى فقهاء المذاهب الأربعه يجوزون غسل الرأس بدلا من مسحه، وان كان من بينهم من يذهب إلى كراهتها (1). وبما أن مستند هذا الحكم انحصر بعبد الله بن زيد بن عاصم والربيع ولم ينقل هذا القيد عن غيرهما عن رسول الله، وحيث عرفنا أن معاويه كان وراء هذا الرأى، فلا يستبعد بعد هذا أن تكون الربيع قد حكت ما يعجب معاويه وأنصاره، أو أن ينسبوا إلى عبد الله بن زيد بن عاصم مثله. وبعد هذا يحق للمطالع أن يتساءل أو يشكك في نسبة هذا الوضوء الثلاثي الغسلي لهذا الصحابي الشاب دون غيره من أعيان الصحابة، وخصوصا بعد ان وقفنا على وجود وضوء ثنائي مسحي منقول ومروي عنه بلا اضطراب ولا خلل لا في المتن ولا في السند. وبهذا فقد علمنا كل العلم كيف كان الأمويون - ومن بعدهم العباسيون - ينسبون كل ما يرتؤونه إلى خصومهم الفقهيين والفكريين تدعيما لمزاعمهم. والذي يؤكد هذه الناحية هو إننا رأينا أن كل منقولات عبد الله بن زيد ابن عاصم عن النبي لا تتجاوز العشرين في المجاميع الحديثية المعتمدة عند أهل السنة والجماعة، ونحن وإن كنا لا ننكر صعوبة الإلمام بفقهه من خلالها فقط، إلا إننا بضميمة ما قدمنا يمكننا استلال الكثير من خلالها، والتأكد من أن الوضوء الثنائي المسحي


(1) انظر الفقه على المذاهب الاربعة، للجزيري 1: 57.

[ 432 ]

أصح نسبة إليه وأقرب إلى نفسه ومساره الفقهي، وإلى فقه الأنصار. فقد روي عبد الله بن زيد أنه رأى النبي في المسجد واضعا احدى رجليه على الاخرى، وروى استقاء النبي (صلى الله عليه وآله) وتحول ردائه، وروى قوله (صلى الله عليه وآله): " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة "، وروى قوله (صلى الله عليه وآله): " لا وضوء إلا فيما وجدت الريح أو سمعت الصوت "، وروى قوله (صلى الله عليه وآله): " إن ابراهيم حرم مكة ودعا لها حرمت المدينة كما حرم ابراهيم مكة ودعوت لهم في مدها وصاعها مثل ما دعا به ابراهيم لمكة "، وروى قضية توزيعه (صلى الله عليه وآله) الغنائم يوم حنين على المؤلفة قلوبهم دون الأنصار وترضي النبي لهم، وروى قول النبي (صلى الله عليه وآله) في حقه وحق أهله: " رحمة الله عليكم اهل البيت "، وروى أن النبي توضأ مرتين مرتين، وروى أنه (صلى الله عليه وآله) تمضمض واستنشق من كف واحد، وروي عنه كيفية وضوء النبي (صلى الله عليه وآله). وها نحن نرى أن جميع منقولاته هذه توافق نهج التعبد المحض، وما رواه كبار الصحابة عن النبي (صلى الله عليه وآله) وليس فيها ما يخالفهم إلا في هذا الموضع المتنازع فيه وهو الوضوء، فما هو سر ذلك؟! ولماذا التأكيد على الوضوء الغسلي الماسح للرأس مقبلا ومدبرا بماء جديد دون سائر المفردات الفقهية الأخرى؟! وهل عجز الصحابة الكبار وقدماء الصحبة عن أن يبينوا حكم الوضوء الذي عرفت كيفيته منذ بدء نزول الوحي، حتى يفرد هذا الصحابي الشاب المعارض للاجتهاد والقرشين والأمويين فقها وسياسة ببيان الوضوء العثماني الأموي الاجتهادي؟! وبهذا قد تكون عرفت سبب تعريفه غالبا " بصاحب حديث الوضوء "؟! وأنه يدل على مزعمة كالتي زعمت في عبد الله بن زيد الذي أري الأذان؟! على أن رواية عبد الله بن زيد للوضوء مرتين مرتين، فيه تعضيد للوضوء المسحي الذي لا يجيز التثليث، كما أن روايته: " ان النبي توضأ فجعل يدلك ذراعيه " تؤيد الوضوء الثنائي المسحي لأن المصرح به - أي الدلك - يتوافق مع الوضوء بماء قليل، لا بماء كثير وتثليث للغسلات وغسل للمسوحات، لأن المد لا يكفي لذلك كما اكدنا ذلك مرارا. وعليه: فالوضوء إما بمد أو ثلثي مد - كما في رواية ابن حبان عن عبد الله - وأن

[ 433 ]

النقلين - الوضوء مرتين، والدلك - لا يتطابق مع ما حكاه عبد الله بن زيد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في روايات أخرى من غسله لرجليه ثلاثا ومسحه للرأس مقبلا ومدبرا، لأن المد يتفق مع غسل الأعضاء مرة ومرتين ثم مسح الرأس والرجلين، لعدم بقاء ماء لغسل الرجلين إما افتراض وقوع ذلك مع تثليث غسل الأعضاء وخصوصا الرجل منه فبعيد جدا. فنحن لو قلنا بصحة روايات عبد الله بن زيد بن عاصم الغسلية فستخالف ما جاء عنه: (أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) توضأ المرة والمرتين) أو (أن النبي (صلى الله عليه وآله) أتى بثلثي مد ماء فتوضأ فجعل يدلك ذراعيه)، وحيث لا يمكن القول بصحة النقلين معا، لزم الترجيح بينهما. إن تخصيص الوضوء الثلاثي الغسلي بهذا الصحابي الأنصاري المعارض ليجعلنا في شك منه، ويرجح عندنا الوضوء الثنائي المسحي المنقول عنه عن النبي بدون كل هذه الملابسات، بل بمعضدات من فقه الأنصار ومواقفهم السياسية بل من فقهه ومواقفه السياسيه هو بالذات. يبدو أن الأمويين استغلوا انزواءه وصغر سنه حين وفاة النبي، وعدم وجود الأدوار البارزة له والأضواء المسلطة عليه، فاتخذوه وسيلة لكسب الأنصار والمتعبدين إلى جانب وضوئهم - العثماني الاجتهادي -، وما ذلك من فعلات الأمويين ببعيد. أضف إلى ذلك، ما قدمناه من اضطراب روايات الغسل اضطرابا شديدا في السند، وربما في المتن، وخلو روايات المسح عن ذلك خلوا تاما، مضيفين إليه وجود نقلين آخرين في الوضوء الثنائي المسحي عن عباد: أحدهمأ عن ابيه تميم بن زيد المازني، وقد جاءت في اغلب المصادر الثاني: عن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم وهو ما أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار. وهذين النقلين يدعمان النقل المسحي عن عبد الله بن زيد ويوضحان تقاربه لفقه الأنصار، لان النقل الثاني عن عباد والذي أخرجه الطحاوي يؤيد ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عيينة عن عمرو بن يحيى، عن أبيه عن عبد الله أن النبي توضأ

[ 434 ]

مرتين ومسح برأسه ورجليه، وهذا يتفق مع ما روى عنه من (أن رسول الله توضأ المرة والمرتين) و (أن النبي توضأ بثلثي المد - أو المد - فجعل يدلك ذراعيه). وفي المقابل ترى الوضوء بالمد أو ثلثي المد لا يتفق غسل الأرجل والأعضاء ثلاثا!! وبهذا فقد عرفنا - على ضوء هذا النص - ان الأنصار كانوا يذهبون إلى المسح للامور التالية. 1 - لحكاية عباد المسح عن عمه عبد الله بن زيد وأبيه تميم. 2 - لرواية تميم - أخ عبد الله - المسح عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما في أغلب المصادر. 3 - لما جاء عن عبد الله بن زيد في المسح وضعف ما نسب إليه في الغسل. ونحن لو جمعنا وضوء هؤلاء الثلاثة مع ما جاء عن أنس بن مالك الأنصاري وجابر بن عبد الله الأنصاري لعرفنا أن المسح كان أقرب إلى فقه الأنصار من الغسل. وعليه فالوضوء الغسلي لا يتفق مع العقل والنقل لعدم امكان تطابقه مع المد أو ثلثيه، ولمعارضته لاخبار مسحيه اخرى عنه وعن ابن أخيه عباد وبطرق متكثرة دون أي اضطراب في ذلك، وهذا ما يؤكد ما قلناه من فقه الأنصار، وفقه عبد الله بن زيد الأنصاري وفقه تميم بن زيد الأنصاري وفقه أنس بن مالك الأنصاري وجابر بن عبد الله الأنصاري وفقه علي بن أبي طالب وعبد الله بن العباس وفقه الطالبيين. وهذا كله يقوي نسبة الوضوء الثنائي المسحي إلى عبد الله بن زيد وضعف ما يقابله من وضوء ثلاثي غسلي منسوب إليه. ولا نغالي إذا قلنا أن القدماء ألمحوا إلى بعض هذا الأمر الذي قلناه، وتنبهوا إلى الاختلاف المنقول عن عبد الله بن زيد. وأن نقطة التوقف في الاختلاف تكون عند عمرو بن يحيى. وحسبنا للتدليل على ذلك هذا النص عن مسند أحمد: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا سفيان، قال: حدثنا عمرو بن يحيى ابن عمارة بن أبي حسن المازني الأنصاري، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد: أن النبي توضأ. قال سفيان: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عمرو بن يحيى - مند أربع وسبعين سنه، وسألته بعد ذلك بقليل وكان يحى أكبر منه - قال سفيان: " سمعت منه ثلاثة

[ 435 ]

أحاديث: فغسل يديه مرتين، ووجهه ثلاثا، ومسح برأسه مرتين ". قال أبي: سمعته من سفيان ثلاث مرات يقول: " غسل رجليه مرتين " وقال مرة: " مسح برأسه مرة "، وقال مرتين: " مسح برأسه مرتين " (1). فالثابت عند سفيان هو صدور حكاية الوضوء النبوي عن عبد الله بن زيد، وهذا ما لا كلام فيه، لكن النص أعلاه ينبئنا عن حصول الارتباك وعدم الوحدة في النقل عند عمرو بن يحيى: فتارة يذكر غسل وجهه ثلاثا، وتارة لا يذكره، وتارة ينقل غسل يديه مرتين، وأخرى لا ينقله، وينقل المسح بالرأس مرتين تارة، وينقل المسح مرتين تارتين أخريين، ومرة أخرى المسح بالرأس مرة، ويخلو السمع الأول عن غسل الرجلين في حين ينقل السماع الثاني غسلهما مرتين. وهكذا يقع الاختلاف والنقص والتفاوت الفاحش بين النقلين، ولا مجال لافتراض هذا الاختلاف عن سفيان، ولا يحيى بن سعيد، فينحصر القاء العهدة على عمرو بن يحيى، وذلك ما اثبتناه، وقد قلنا بأن جرح ابن معين له وطعن ابن المديني فيه وتضعيف الدارقطني له كان مفسرا وانه بسبب قلة ضبطه، وهذا الذي ذكرناه - فيما تقدم من الاضطراب السندي والمتني - جار في روايات الغسل حسب، فإذا أضفت إلى ذلك معارضتها بروايات المسح، الخالية عن كل هذا، تبين بوضوح أرجحية الوضوء الثنائي المسحي عن عبد الله بن زيد بن عاصم، واتضح مرجوحية ما نسب إليه من الوضوء الثلاثي الغسلي.


(1) الفتح الرباني بترتيب مسند احمد 2: 36

[ 437 ]

مناقشة رويات عبد الله بن عمرو بن العاص سندا ودلالة ونسبة المناقشة السندية لمروياته الغسلية المناقشة السندية لمروياته المسحية خلاصة البحوث السندية البحث الدلالي نسبة الخبر إليه

[ 439 ]

عبد الله بن عمرو بن العاص وروايات الغسل

[ 441 ]

اختلفت دلالة الروايات عن عبد الله بن عمرو بن العاص في الوضوء الغسلي فبعضها مجملة وأخرى مبينة، وثالثة دالة على الوضوء بالمفهوم لا بالمنطوق، على ما قيل. وهذا الاختلاف روي عن عبد الله بعدة أسانيد مرجعها إلى طريقين، أحدهما: برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والأخرى برواية مصدع عن عبد الله بن عمرو بن العاص. الأول: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وهي على نحوين: أ - ما رواه في صفة وضوء النبي (صلى الله عليه وآله) ب - ما رواه في الوضوء ثلاثا ثلاثا فأما ما رواه في صفة وضوء النبي (صلى الله عليه وآله) الإسناد قال أبو داود: حدثنا مسدد (1)، حدثنا أبو عوانة (2)، عن موسى بن أبي عايشة (3)، عن عمرو بن شعيب (4)، عن


(1) هو مسدد بن مسرهد وقد تقدم تقدمت ترجمته في مرويات علي بن أبي طالب الغسلية. (2) هو الوضاح اليشكرى وقد تقدم الكلام عنه في مرويات على بن أبي طالب الغسلية. (3) هو موسى بن أبي عائشة الهمداني، أبو الحسن الكوفي، روى له الجماعه (انظر تهذيب الكمال 29: 90 سير أعلام النبلاء، 6: 150، تهذيب التهذيب 10: 352) وغيرها من المصادر. (4) هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص القريشي السهمى، أبو ابراهيم، لم يرو =

[ 442 ]

أبيه (1) عن جده (2) أن رجلا أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله، كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء، فغسل كفيه ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثم مسح برأسه، فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بأبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم، أو " ظلم وأساء " (3). المناقشة تقدم الكلام عن مسدد وأبي عوانة في مرويات علي بن أبي طالب. أما موسى بن أبي عايشة فهو ثقة على ما هو صريح غير واحد من أئمة الرجال، قال الحميدي، عن سفيان بن عيينة: حدثنا موسى بن أبي عايشة وكان من الثقات. (4) ونقل إسحاق بن منصور وعباس الدوري، عن يحى بن معين: ثقة (5). وقال يعقوب بن سفيان: كوفي ثقة (6) وذكره ابن حبان في الثقات (7). وقد مدحه آخرون، قال علي بن المديني: سمعت يحي بن سعيد، قال: كان


= له مسلم، وقد روى له البخاري في القراءة خلف الامام، وروى له ايضا اصحاب السنن الاربعة (انظر تهذيب الكمال 22: 64، سير أعلام النبلاء 5: 165 تهذيب التهذيب 8: 48) وغيرها من المصادر. (1) هو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص القريشي السهمى، الحجازي - والد عمرو بن شعيب - روى له البخاري في القراءة خلف الامام، وروى له ايضا اصحاب السنن الاربعة (انظر تهذيب الكمال 12: 534، التاريخ الكبير للبخاري 4: الترجمة 2562، تهذيب التهذيب 4: 356) وغيرها من المصادر. (2) اختلف في المراد بالجد هل هو جده الاعلى (عبد الله بن عمرو بن العاص) أم جده الادنى محمد؟ (3) سنن أبي داود: 1: 33 ح 135 باب الوضوء ثلاثا ثلاثا. (4) الجرح والتعديل 8: الترجمة 700، تهذيب الكمال 29: 91. (5) الجرح والتعديل 8: الترجمة 700، تهذيب الكمال 29: 91. (6) تهذيب التهذيب 10: 353. (7) الثقات لابن حبان 5: 404.

[ 443 ]

سفيان الثوري يحسن الثناء على موسى بن أبي عائشة (1). وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سمعت أبي يقول تريبني رواية موسى بن أبي عائشة (حديث عبيد الله بن عبد الله في مرض النبي (صلى الله عليه وآله))، قلت: ما تقول فيه؟ قال: صالح الحديث. قلت: يحتج بحديثه؟ قال يكتب حديثه (2) ويراد بقوله (يكتب حديثه) أن حديثه لا يحتج به هو فيما إذا تفرد به، أما لو كان له تابع صحيح فيحتج به، وقد رد ابن حجر على استرابة أبي حاتم بقوله: عنى أبو حاتم أنه اضطرب فيه، وهذا من تعنته، وإلا فهو حديث صحيح (3). وأما عمرو بن شعيب، فهو ممن اختلفت الأقوال فيه، وإليك بعضها: قال يحى بن سعيد القطان: إذا روى عنه الثقات فهو ثقة يحتج به (4). وقال سفيان بن عيينة: كان إنما يحدث عن أبيه عن جده، وكان حديثه عند الناس فيه شئ (5) وعن معتمر بن سليمان: سمعت: أبا عمرو بن العلا يقول: كان لايعاب على قتادة، وعمرو بن شعيب إلا أنهما كانا لا يسمعان شيئا إلا حدثا به (6). وقال محمد بن عبد الله الرازي عن معمر، عن أبى عمرو بن العلاء: كان قتادة وعمرو بن شعيب لا يفوت عليهما شئ يأخذان عن كل أحد (7). وقال أبو الحسن الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: عمرو بن شعيب له أشياء مناكير وإنما يكتب حديثه، يعتبر به، فأما أن يكون حجة فلا (8). وقال محمد بن على الجوزجانى الوراق: قلت لاحمد بن حنبل: عمرو بن شعيب سمع من أبيه شيئا؟ قال: يقول حدثني أبي، قلت: فأبوه سمع من عبد الله بن عمرو؟


(1 - 2) تهذيب الكمال 29: 91. (3) تهذيب التهذيب 10: 353 (4) تهذيب الكمال 22: 68، سير أعلام النبلاء 5: 166. (5) سير أعلام النبلاء 5: 166. (6) الصعفاء للعقيلي 3: 74، تهذيب الكمال 22: 68. (7 - 8) تهذيب الكمال 22: 68.

[ 444 ]

قال: نعم، أراه قد سمع منه (1). وقال أبو بكر الأثرم: سئل أبو عبد الله عن عمرو بن شعيب، قال: أنا اكتب حديثه وربما احتججنا به، وربما وجس في القلب منه شئ، ومالك يروي عن رجل عنه (2). وقال علي بن المديني، عن يحى بن سعيد: حديثه، عندنا واه (3). وذكره البخاري في الضعفاء الصغير (4). وعن البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهوية، وأبا عبيد، وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ما تركه أحد من المسلمين (5). قال البخاري: من الناس بعدهم؟ وقد تعقب الذهبي قول البخاري هذا مستنكرا صدوره عنه فقال في الميزان: ومع هذا القول فما احتج به البخاري في جامعه (6)! وقال في سير أعلام النبلاء: استبعد صدور هذه الألفاظ عن البخاري، أخاف أن يكون أبو عيسى وهم (7)، وإلا فالبخاري لا يعرج على عمرو افتراءه يقول: (فمن الناس بعدهم)؟ ثم لا يحتج به أصلا ولا متابعة (8). وروى أبو داود عن أحمد بن حنبل قال: أصحاب الحديث إذا شاؤوا احتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وإذا شاوءوا تركوه.


(1) تهذيب الكمال 22: 68، سير أعلام النبلاء 5: 167. (2) الجرح والتعديل 6: الترجمة 1323، سير أعلام النبلاء 5: 167. (3) الجرح والتعديل 6: الترجمة 1323، سير أعلام النبلاء 5: 166، تهذيب الكمال 22: 68. (4) الضعفاء الصغير للبخاري: الترجمة 261. (5) تهذيب الكمال 22: 69. (6) ميزان الاعتدال 3: الترجمة 6383. (7) يعني به الترمذي، وذلك لان ما روي عن البخاري: " رايت أحمد بن حنبل... " إنما هو من رواية الترمذي عنه. (8) سير أعلام النبلاء 5: 167.

[ 445 ]

وعلق الذهبي على هذا القول بقوله: هذا محمول على أنهم يترددون في الاحتجاج به لا أنهم يفعلون ذلك على سبيل التشهى (1). وقال أبو عبيد الآجري: قيل لأبي داود: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عندك حجه؟ قال: لا، ولا نصف حجة، ورجح بهز بن حكيم عليه (2). قال ابن أبي شيبة: سألت علي بن المديني عن عمرو بن شعيب، فقال: ما روى عنه أيوب وابن جريح فذلك كله صحيح، وما روى عمرو عن أبيه عن جده، فإنما هو كتاب وجده، فهو ضعيف (3). وروى عباس ومعاوية بن صالح عن يحيى: ثقة (4). وروى الكوسج عن يحيى: قال: يكتب حديثه (5). وروى عباس أيضا عن يحيى قال: إذا حدث عن أبيه عن جده فهو كتاب، ويقول: أبي عن جدي فمن هنا جاء ضعفه أو نحو هذا القول، فإذا حدث عن ابن المسيب أو سليمان بن يسار أو عروة فهو ثقة عنهم أو قريب من هذا (6). وقال أبو حاتم: سألت يحيى عنه، فغضب وقال: ما أقول؟ روى عنه الأئمة (7)! وروى زهير عن يحيى: ليس بذلك (8). وهذه الأقوال المتناقضة ظاهرا عن يحيى يحتمل فيها ثلاثة وجوه: فإما أن تكون بعضها مكذوبة منسوبة إليه، وإما أن يكون هناك وجه للجمع بينهما، وإما أن يكون ابن معين قد اضطرب في الحكم على عمرو بن شعيب. ويؤيد الاحتمال الأخير ما حكاه عباس الدوري عنه فتارة وثقة وأخرى ضعفه. وقال الذهبي - وبعد نقله الأقوال السابقة عن يحي بن معين -: فهذا أمام الصنعة أبو زكريا قد تلجلج قوله في عمرو، فدل على أنه ليس حجة عنده مطلقا، وأن غيره أقوى منه (9).


(1) سير أعلام النبلاء 5: 118. (2 - 8) سير أعلام النبلاء 5: 169، تهذيب الكمال 22: 71. (9) سير أعلام النبلاء 5: 169.

[ 446 ]

ومع ذلك فإنه يمكننا أن نجمع بين أقوال ابن معين لأنه كما في رواية عباس الدوري عنه لم يضعف روايات عمرو عموما، إلا خصوص ما رواه عن أبيه عن جده مع بقاء كونه ثقة في الرواية عن غير أبيه. ومثله يمكننا أن نجمع بين قولي يحيى بن سعيد القطان المتقدمين، لأن قوله (إذا روى عنه الثقات فهو ثقة يحتج به) يعني به روايته عن غير أبيه عن جده، وأما قوله (حديثه عندنا واه) فلروايته عن عمرو بن شعيب عن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال أبو زرعة: روى عنه الثقات وإنما انكروا عليه كثرة روايته عن أبيه عن جده، وقالوا: إنما سمع أحاديث يسيرة وأخذ صحيفة كانت عنده، فرواها وما أقل ما نصيب عنه مما روى عن غير أبيه عن جده المنكر، وعامة هذه المناكير التي تروى عنه إنما هي عن المثنى بن الصباح، وابن لهيعة والضعفاء، وهو ثقة في نفسه، إنما تكلم فيه بسبب كتاب عنده (1). وكلام ابن زرعة - هنا - يؤيد ما استظهرناه من أن اختلاف كلام ابن معين وابن القطان إنما هو لكثرة روايته عن أبيه عن جده وبسبب كتابه أيضا، إلا أن كلامه أيضا ليس تاما فقوله (وعامة هذه المناكير التي تروى عنه إنما هي...) غير مطرد، لان له مناكير رواها عنه الثقات أيضا، وصرح بذلك الذهبي حين قال: ويأتى الثقات عنه بما ينكر أيضا (2). وقال ابن عدي: حدثنا محمد بن أحمد بن حمدان، قال: حدثنا علي بن عثمان ابن نفيل، حدثنا أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز قال: كان الزهري يلعن من يحدث بهذا الحديث (ويعنى به: نهيناكم عن النبيذ فانتبذوا). فقلت لسعيد: هو يذكره عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: إياه أعني (3).


(1) تهذيب الكمال 22: 70. (2) سير أعلام النبلاء 5: 169. (3) الكامل في الضعفاء 5: 114.

[ 447 ]

وقال أيضا: حدثنا الفضل بن الحباب، قال: حدثنا مسدد عن يزيد بن زريع، حدثنا أيوب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال (لا يحل سلف ولا بيع وشرطان في بيع، ولا بيع في ما لا يضمن، ولا بيع ما ليس عندك). سمعت أبا يعلى يقول: قال أبو عبد الرحمن الأذرمي، يقال: ليس يصح من حديث عمرو بن شعيب إلا هذا وهذا أصحها (1). وقال أيضا حدثنا ابن حماد، حدثني عبد العزيز بن منيب المروزى وحدثنا محمد بن جعفر بن يزيد، حدثنا محمد بن الهيتم، قالا: حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر عن أيوب، قال: كنت إذا أتيت عمرو بن شعيب غطيت رأسي حياءا من الناس (2). وقال: حدثنا محمد بن جعفر الإمام وبشر بن موسى، قالا: حدثنا مؤمل بن إهاب، قال: حدثنا عبد الرزاق عن معمر قال: كان أيوب إذا قعد إلى عمرو بن شعيب غطى رأسه (3). وقال جرير بن عبد الحميد عن مغيرة: كان لا يعبأ بحديث سالم بن أبي الجعد، وفلاس بن عمرو، وأبي الطفيل، وبصحيفة عبد الله بن عمرو، ثم قال مغيرة: ما يسرنى أن صحيفة عبد الله بن عمرو عندي بتمرتين أو بفلسين (4). قال الحافظ: اعتبرت حديثه، فوجدت أن بعض الرواة يسمي عبد الله، وبعضهم يروي ذلك الحديث بعينه فلا يسميه، ورأيت في بعضها قد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده محمد عن عبد الله، (وفي بعضها عمرو عن جده محمد) (5). وعلق الذهبي على هذا بقوله: جاء هذا في حديث واحد مختلف، وعمرو لم يلق جده محمدا أبدا (6). وقال أبو حاتم البستي في كتاب الضعفاء والمجروحين: إذا روى عن طاووس وابن المسيب وغيرهما من الثقات غير أبيه فهو ثقة، يجوز الاحتجاج به، وإذا روى


(1) الكامل في الضعفاء 5: 115. (2) الكامل في الضعفاء 5: 114. (3 - 4) سير أعلام النبلاء 5: 169، وميزان الاعتدال 2: 266. (5 - 6) سير أعلام النبلاء 5: 170.

[ 448 ]

عن أبيه عن جده، ففيه مناكير كثيرة فلا يجوز الاحتجاج بذلك (1). وقال أيضا: ليس الحكم عندي في عمرو بن شعيب إلا مجانبة ما روى عن أبيه عن جده، والاحتجاج بما روى عن الثقات غير أبيه، ولولا كراهية التطويل لذكرت من مناكير أخباره التي رواها عن أبيه عن جده أشياء يستدل على وهن هذا الإسناد (2). وقال أيضا: إذا روى عن أبيه عن جده، فإن شعيبا لم يلق عبد الله فيكون الخبر منقطعا، وإذا أراد به جده الأدنى، فهو محمد ولا صحبه له، فيكون مرسلا (3). قال ابن عدي في الكامل: وعمرو بن شعيب في نفسه ثقة إلا إذا روى عن أبيه، عن جده فانه يكون مرسلا، لأن جده عنده هو محمد بن عبد الله بن عمرو وليس له صحبه (4). وقال العقيلي: حدثنا محمد، وقال: حدثنا عباس، قال: سمعت يحيى يقول: عمرو بن شعيب كذاب، إنما هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو ابن العاص، وهو يقول: أبى عن جدي، عن النبي (صلى الله عليه وآله) فمن هنا ضعف (5). وذكره الذهبي في ديوان الضعفاء فقال: اختلف فيه وحديثه صحيح أو حسن (6). وعبارة الذهبي هنا مجملة وموهمة إذ أنه لم يبين هل أن صحة حديثه أو حسنه هو في روايته عن غير أبيه عن جده فقط، أم مطلقا؟ وقد بين الذهبي هذا الإجمال في السير حيث قال: فهذا يوضح لك أن الآخر من الأمرين عند ابن حبان أن عمرا ثقة في نفسه، وأن روايته عن أبيه عن جده، إما منقطعة أو مرسلة، ولا ريب أن بعضها من قبيل المسند المتصل، وبعضها يجوز أن تكون روايته وجادة أو سماعا، فهذا محل نظر واحتمال، ولسنا ممن نعد نسخة عمرو عن أبيه عن جده من أقسام الصحيح الذي لا نزاع فيه من أجل الوجادة، ومن أجل أن فيها مناكير، فينبغي أن يتأمل في حديثه،


(1 - 3) المجروحين، لابن حبان 2: 72. (4) الكامل في الصعفاء 5: 116. (5) الضعفاء للعقيلي 3: 274. (6) ديوان الضعفاء للذهبي 2: 206.

[ 449 ]

ويتحايد ما جاء منه منكرا ويروى ما عدا ذلك من السنن والأحكام محسنين لإسناده، فقد إحتج به أئمة كبار ووثقوه في الجمله وتوقف فيه آخرون قليلا، وما علمت أن أحدا تركه (1). وذكره أيضا في المغني، فقال: اختلف فيه وحديثه حسن أو فوق الحسن (2). وقال أبو الفتح الأزدي: سمعت عدة من أهل العلم بالحديث يذكرون أن عمرو بن شعيب فيما رواه عن سعيد بن المسيب وغيره فهو صدوق، وما رواه عن أبيه عن جده، يجب التوقف فيه (3). وقال ابن الجوزي: قلت: وإنما توقفوا فيه، لأنه إذا قال عن جده احتمل أن يكون صحيحا (4). وقال ابن حجر: ضعفه ناس مطلقا ووثقه الجمهور، وضعف بعضهم روايته عن أبيه عن جده حسب، ومن ضعفه مطلقا فمحمول على روايته عن جده، فأما روايته عن أبيه فربما دلس ما في الصحيفة بلفظ عن... (5). وقال أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع: (... وأما إذا قال " أخبرني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "، فإنه ينظر فيه، فإن عين الجد وسماه فلا إشكال، لأنه سمى الجد الأدنى وهو محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص فيكون مرسلا، لأنه ما لقي النبي (صلى الله عليه وآله)، وإن سمى الجد الأعلى وهو عبد الله بن عمرو بن العاص فيكون مسندا، وأما إذا لم يسمه واطلق ذلك، فيحتمل أن يكون جده الأدنى فيكون مرسلا، ويحتمل أن يكون عن جده الأعلى فيكون مسندا، ولا نعلم ذلك فيجب التوقف فيه ولا يجب العمل به (6). وقال الزيلعي في نصب الراية: قال ابن القطان: إنما روت أحاديث عمرو بن شعيب، لأن الهاء عن جده، يحتمل أن تعود على عمرو، فيكون الجد محمدا


(1) سير أعلام النبلاء 5: 175. (2) المغني في الضعفاء 2: 145. (3 - 4) الضعفاء لابن الجوزي 2: 227 الترجمة 2564. (5) تهذيب التهذيب 8: 51. (6) شرح اللمع 2: 628.

[ 450 ]

فيكون الخبر مرسلا، أو تعود على شعيب فيكون الجد عبد الله فيكون الحديث مسندا متصلا، لأن شعيبا سمع من جده عبد الله بن عمرو، فإذا كان الأمر كذلك فليس لأحد أن يفسر الجد بأنه عبد الله بن عمرو إلا بحجة، وقد يوجد في بعض الأحاديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، فيرتفع النزاع (1). هذه هي أهم الأقوال في عمرو بن شعيب، وقد اتضح لك أن طائفة من أساطين العلم كابن القطان وابن حبان وأبي إسحاق الشيرازي وغيرهم أنكروا أن يكون السند تاما من جميع الوجوه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) - أعني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -، وذلك لأن الجد هنا غير معين، فلعله يكون محمد بن عبد الله بن عمرو، وهذا يعنى أن السند منقطع، ولعله يكون عبد الله بن عمرو بن العاص، وأنت تعلم بأن مجئ الإحتمال يبطل الاستدلال، على أن البعض كابن حبان وغيره صرحوا: بأن شعيب لا يصح له سماع من عبد الله بن عمرو بن العاص، وهذا يعني أن هذا السند ضعيف على كلا الاحتمالين سواء احتمل أن يكون الجد هو عبد الله بن عمرو ابن العاص، أو أنه يكون محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، هذا شئ. والشئ الآخر الذي يقال هنا هو ما صرح به ابن حبان وغيره: من أن في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مناكير كثيرة رواها عنه ثقات لا ضعفاء فقط، وهذا مما يجعل الاعتماد على مروياته مشكل جدا. وللنووي قول قد تعنت فيه، وإليك نصه: فإذا عرفت هذا فقد اختلف العلماء في الاحتجاج بروايته هكذا (2) فمنعه طائفة من المحدثين كما منعه المصنف وغيره من أصحابنا، وذهب أكثر المحدثين إلى صحة الاحتجاج به وهو الصحيح المختار (3). ومختار النووي هذا جاء لما روي عن البخاري قوله: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني... يحتجون بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ما تركه أحد من المسلمين. وكذا قول البخاري: من الناس بعدهم؟.


(1) نصب الراية 2: 331 - 332. (2) يعني بذلك روايته عن أبيه عن جده. (3) المجموع في شرح المهذب 1: 65.

[ 451 ]

ونحن قد وضحنا سابقا أن الذهبي توقف في صحة هذه النسبة إلى البخاري، باعتبار أن البخاري لم يحتج به في جامعه الصحيح. ولو تفحصت صحيح البخاري لما رأيته يروي عن عمرو بن شعيب فضلا عن أن يكون قد احتج به، فعدم احتجاج البخاري به دراية وأمر محسوس لكل متتبع لجامعه الصحيح، وقوله السابق رواية، والدراية والقول عن حس مقدم على الرواية والظن عند جميع العقلاء. وما أحوج البخاري وجامعه الصحيح إلى هذه الرواية التي تحكي الوضوء البياني برواية صحابي آخر، فالبخاري ما روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص إلا " ويل للأعقاب من النار "، وهي تدل على الوضوء بالمفهوم لا بالمنطوق، فلو كان الخبر الآنف - رواية شعيب عن أبيه عن جده - صحيحا لما توانى عن إدراجها في جامعه الصحيح، فتأمل جيدا!! وربما يقال: إن ما صرح به ابن حبان من عدم سماع شعيب من عبد الله بن عمرو بن العاص يخالفه ما اثبته الدارقطني - من خلال أكثر من رواية - من سماع شعيب لجده عبد الله. ويجاب على ذلك: بأن الروايات التي صرح شعيب فيها بالسماع عن جده قد تكون معلولة لاستبعاد أن يكون مثل ابن حبان (الرجالي المحدث) لم يقف عليها بل يمكن أن يكون فيها أشياء قد خفيت على الدارقطني هذا أولا. وثانيا: إن الدارقطني حينما أثبت سماع شعيب عن جده عبد الله بن عمرو لا يريد أن يحدد الجد به، لكونه مشترك بين ثلاثة حسب قوله: " لعمرو بن شعيب ثلاثة أجداد الأدني منهم محمد، والأوسط عبد الله، والأعلى عمرو، وقد سمع - يعنى شعيبا - من الأدني محمد، ومحمد لم يدرك النبي (صلى الله عليه وآله) وسمع جده عبد الله، فإذا بينه وكشفه فهو صحيح حينئذ... (1). " فقوله " فإذا بينه وكشفه فهو صحيح حينئذ " يرشدنا إلى أنه لو لم يبينه ويكشفه فحديثه غير صحيح أو مما يتوقف فيه، فتأمل جيدا في قوله فلن تجد غير ما ذكرنا. وخلاصة القول: إن روايته عن أبيه عن جده مع إجمال الجد وتردده بين


(1) تهذيب الكمال 22: 73.

[ 452 ]

الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص وبين محمد ابنه يوجب التوقف، بل لا يبعد القول بضعف السند، لأن الاحتجاج به ملئ بالاشكالات والاحتمالات المبطلة للاعتماد عليه. وهذا الكلام - الذي قدمناه إليك - إنما هو في خصوص روايته عن أبيه عن جده، وأما إذا أردنا أن نتحدث حول مطلق مروياته التي رواها عن أبيه وعن غير أبيه فان الكلام سينحو منحى آخر، ذلك لأن القول بوثاقته مع ما عرف عنه من تحريضه عمر بن عبد العزيز على لعن الإمام علي دونه خرط القتاد، فقد جاء في الأمالي الخميسة: (... إن عمرو بن شعيب لما أسقط عمر بن عبد العزيز - من الخطب على المنابر - لعن أمير المؤمنين، قام إليه عمرو بن شعيب وقد بلغ إلى الموضوع الذي كانت بنو أميه تلعن فيه عليا، فقرأ مكانه (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر) فقام إليه عمرو بن شعيب فقال: يا أمير المؤمنين السنة السنة، يحرضه على لعن علي بن أبي طالب). فقال عمر بن عبد العزيز: اسكت قبحك الله، تلك البدعة لا السنة (1). ومن المعلوم أن الناصبي لا يحتج به إجماعا. وتلخص مما سبق: أن هذا الطريق ضعيف بعمرو بن شعيب الناصبي، حسبما تقدم عليك تفصيله، وكذا بأبي عوانة على ما تقدم توضيحه في مرويات علي الغسلية. ب - ما رواه الوضوء ثلاثا ثلاثا الإسناد قال النسائي: أخبرنا محمود بن غيلان (2) قال حدثنا يعلى (3) قال، حدثنا


(1) الامالي الخميسة: 153. (2) هو محمود بن غيلان العدوي، مولاهم أبو محمد المروزي، روى له الجماعة سوى أبي داود (انظر تهذيب الكمال 27: 305، سير أعلام النبلاء 12: 223، تهذيب التهذيب 10: 64.) وغيرها من المصادر. (3) هو يعلى بن عبيد بن أبي امية الأيادي، ويقال الحنفي، أبو يوسف الطنافسي، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 32: 389، سير أعلام النبلاء 9: 476، تهذيب التهذيب 11: 402.) وغيرها من المصادر.

[ 453 ]

سفيان (1) عن موسى بن أبي عايشة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: جاء أعرابي إلى النبي (صلى الله عليه وآله) يسأله عن الوضوء فأراه الوضوء ثلاثا ثلاثا، ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم (2). المناقشة في هذا الطريق محمود بن غيلان وهو ثقة على ما هو صريح النسائي (3) وأبو حاتم (4) وابن حجر في موضعين (5) وأحمد بن حنبل (6) وغيرهم. وأما يعلى بن عبيد الطنافسي فهو متكلم فيه، فقد وثقه جماعة ولينه آخرون، وإليك بيان ذلك: قال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه: كان صحيح الحديث، وكان صالحا في نفسه (7). وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة (8). وقال أبو حاتم: صدوق، وهو أثبت أولاد أبيه في الحديث (9). وذكره ابن حبان في كتاب الثقات (10). فمهما يكن من شئ فإن الاحتجاج بيعلى في مقامنا غير ممكن، وذلك لأن يعلى هذا ضعيف في سفيان على ما هو صريح غير واحد، وقد ذكره الذهبي في المغني من أجل ذلك وقال: إن عثمان بن سعيد الدارمي قال: قال يحيى بن معين: يعلى ضعيف في


(1) هو الامام سفيان الثوري غني عن التعريف احتج به الجماعة (انظر تهذيب الكمال 11: 154، سير أعلام النبلاء 7: 229.) وغيرها من المصادر. (2) سنن النسائي 1: 88 الاعتداء في الوضوء. (3) تهذيب الكمال 27: 308، تاريخ بغداد 13: 90. (4) الجرح والتعديل 8: الترجمة 1340. (5) تهذيب التهذيب 10: 65، تقريب التهذيب 2: 233. (6) تاريخ بغداد 13: 89. (7) الجرح والتعديل 9: الترجمة 1312. (8) تهذيب الكمال 32: 391، الجرح والتعديل 9: الترجمة 1312. (9) تهذيب الكمال 32: 391، الجرح والتعديل 9: الترجمة 1312. (10) الثقات لابن حبان 7: 653.

[ 454 ]

سفيان ثقة في غيره (1). قال ابن حجر في التقريب: ثقة إلا في حديثه عن الثوري، ففيه لين (2). وقول ابن حجر هذا موهم - فضلا عن كونه غير دقيق - ذلك لأن حديث يعلى عن سفيان ضعيف لا أنه فيه ضعف أو فيه لين، وبين المعنيين فرق شاسع لا يخفى على أهل العلم والإختصاص. فلأجل ذلك لا يمكن الاحتجاج به في مقامنا، لأن السند ضعيف به، وبعمرو بن شعيب كما عرفت. وروى ابن ماجه: حدثنا خالي يعلى، عن سفيان، عن موسى بن أبي عايشة (3) بنفس السندين المتقدمين وبنفس متن الإسناد الثاني. الثاني: ما رواه مصدع عن عبد الله بن عمرو الإسناد الاول قال مسلم: وحدثني زهير بن حرب (4)، حدثنا جرير (5)، ح. وحدثنا إسحاق (6)، اخبرنا جرير عن منصور (7) عن هلال بن يساف (8)، عن


(1) المغني في الضعفاء 2: 7212، تهذيب الكمال 32: 391. (2) تقريب التهذيب 2: 378. (3) سنن ابن ماجه 1: 146 ح 422. (4) هو زهير بن حرب بن شداد الحرشى أبو خيثمه النسائي، تقدمت ترجمته في مرويات علي بن أبي طالب. (5) هو جرير بن عبد الحميد بن قرظ الظبي، أبو عبد الله الرازي، القاضي، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 4: 541، سير أعلام النيلاء 9: 9، تهذيب التهذيب 2: 75) وغيرها. (6) هو إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، تقدمت ترجمته في مرويات علي بن أبي طالب. (7) هو منصور بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة...، السلمي، أبو عتاب الكوفي، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 28: 546، سير أعلام النبلاء 5: 402، تهذيب التهذيب 10: 312.) وغيرها. (8) هو هلال بن يساف الاشجعى، مولاهم، أبو الحسن الكوفي، وهو ممن ادرك علي بن أبي طالب - على ما قاله المزي في التهذيب الكمال -، وهلال روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه، والبخاري في الادب (انظر تهذيب الكمال 30: 353، تهذيب التهذيب 11: 86، التاريخ الكبير للبخاري 8: الترجمة 2712.) وغيرها من المصادر.

[ 455 ]

أبى يحيى (1)، عن عبد الله بن عمرو، قال: رجعنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا بماء بالطريق، تعجل قوم عند العصر، فتوضؤا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ويل للأعقاب من النار. اسبغوا الوضوء (2). المناقشة إن بعض رجال هذا الإسناد متكلم فيهم وبعضهم قد وثقوا. فأما جرير فقد وردت فيه عدة أقوال، أهمها: ما قاله محمد بن سعد: كان ثقة كثير العلم، يرحل إليه (3). وقال يعقوب بن شيبة: حدثني عبد الرحمن بن محمد، قال: سمعت سليمان بن حرب يقول: كان جرير بن عبد الحميد وأبو عوانه يتشابهان في رأى العين، ما كانا يصلحان إلا أن يكونا راعي غنم (4). وقال عبد الرحمن بن محمد: سمعت إبراهيم بن هاشم يقول: ما قال لنا جرير قط ببغداد " حدثنا " ولا في كلمة واحدة، قال إبراهيم: فقلت: تراه لا يغلط مرة، فكان ربما نعس ثم ينتبه، فيقرأ من الموضع الذي انتهى إليه (5). وقال علي بن المديني: كان جرير بن عبد الحميد الرازي، صاحب ليل، وكان له رسن، يقولون: إذا أعيى، تعلق به - يريد أنه كان يصلي (6). وقال أحمد بن حنبل: لم يكن بالذكي في الحديث، اختلط عليه حديث أشعث


(1) هو مصدع، أبو يحيى الاعرج المعرقب، مولى معاذ بن عفراء الانصاري، قد ادرك عمر بن الخطاب على ما صرح به المزي، وهو ممن روى له الجماعة سوى البخاري (انظر تهذيب الكمال 28: 14، تهذيب التهذيب 10: 157، الجرح والتعديل 8: الترجمة 1962.) وغيرها من المصادر. (2) صحيح مسلم 1: 214 ح 26 باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما وأخرجه احمد في مسنده: حدثني أبي، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان وعبد الرحمن عن سفيان عن منصور. (3) الطبقات الكبرى لابن سعد 7: 281. (4) تهذيب الكمال 4: 544، ميزان الاعتدال 1: 544، سير أعلام النبلاء 9: 12. (5) تهذيب الكمال 4: 546، سير أعلام النبلاء 9: 14. (6) تهذيب الكمال 4: 547، سير أعلام النبلاء 9: 14.

[ 456 ]

وعاصم الأحول حتى قدم عليه بهز فعرفه (1). قال عبد الرحمن بن محمد: كان عثمان بن أبي شيبة يقول لأصحابنا: إنما كتبنا عن جرير من كتبه، فأتيته (المتكلم هو عبد الرحمن) فقلت: يا أبا الحسن كتبتم عن جرير من كتبه؟ قال: فمن أين؟! قال: وجعل يروغ، قال: قلت له: من أصوله، أو من نسخ؟ قال: فجعل يحيد ويقول: من كتب، قلت: نعم، كتبتم على الأمانة من النسخ؟ فقال: كان أمره على الصدق، وإنما حدثنا أصحابنا أن جريرا قال لهم حين قدموا إليه، وكانت كتبه تلفت: هذه نسخ أحدث بها على الأمانة، ولست أدري، لعل لفظا يخالف لفظا، وإنما هي على الأمانة (2). وقال حنبل بن إسحاق: سئل أبو عبد الله: من أحب إليك جرير أو شريك؟ فقال: جرير أقل سقطا من شريك، وشريك كان يخطئ (3). وقال النسائي: ثقة (4). وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش: صدوق (5). وقال أبو القاسم اللالكائي: مجمع على ثقتة (6). وقال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحيى بن معين: جرير أحب إليك من منصور أو شريك؟ فقال: شريك أعلم به (7). ولأجل هذه الأقوال ذكره ابن حجر ضمن المطعونين من رجال صحيح البخاري (8). وهذه الأقوال التي عرضناها تقتضي - في نفسها - عدم إمكان الاحتجاج به لعدة اشياء: الأول: لقول سليمان حرب - بعد أن قرنه بأبى عوانة السيئ الحفظ -: (ما كانا يصلحان إلا أن يكونا راعي غنم) وهذه العبارة تشير إلى عدم اتقانهما وضبطهما وأنهما ليسا من الضابطين في الحديث.


(1) ميزان الاعتدال 1: 394. (2) تهذيب الكمال 4: 548 - 549، سير أعلام النبلاء 9: 16. (3 - 5) تهذيب الكمال 4: 549، سير أعلام النبلاء 9: 17. (8) انظر مقدمة فتح الباري: 329.

[ 457 ]

الثاني: إن الخطأ في القراءة لقوي جدا فيه، لأنه كان ينعس وينتبه وهو في حال الأداء، فالأخذ عن شخص كهذا مشكل جدا. الثالث: إن جريرا لم يكن بالذكي في الحديث، فكان ممن يختلط عليه حديث شيخ بشيخ آخر فيضيع عليه الواقع، وقد قدمنا إليك أنه اختلط عليه حديث اشعث وعاصم الأحول حتى ميز بهز بن أسد له ذلك. الرابع: إن كتبه قد تلفت، فكان يحدث من نسخ ما على الأمانة، مع أنه لا يدري هل أنها مطابقة للواقع أم لا؟، والذي دفعه للرواية منها هو الأمانة لا غير حتى مع كونه غير متثبت بما يؤدي. وأما توثيقات البعض له فهي لا تعارض هذه الأقوال فيه، لأنهم لا يعنون من توثيقهم له سوى أنه ثقة في نفسه، صادق غير كاذب، وهذا كما لا يخفى يجامع كونه ليس ذكيا، وأنه مخلطا وغير ذلك. والحاصل: فإن الاحتجاج بجرير مشكل جدا، خاصة لو لاحظنا أن بعض الأقوال فيه هي من الجروح التي يمكن عدها مفسرة، وعليه فيكون حديثه مما يتأمل فيه. وأما منصور بن المعتمر فهو ثقة على ما هو صريح أبي حاتم (1) والعجلي (2) وابن حجر (3) والذهبي (4)، وقد أشاد الرجاليون بحفظه واتقانه وتظلعه في هذه الصناعة فراجع. وأما هلال بن يساف فقد وثقه يحيى بن معين بقوله: ثقة (5). وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة (6).


(1) الجرح والتعديل 8: الترجمة 778. (2) الثقات، للعجلي: 440 الترجمة 1639 وفيه: ثقة ثبت في الحديث، وكان اثبت اهل الكوفة. (3) تقريب التهذيب 2: 277 وفيه: ثقة ثبت وكان لا يدلس. (4) سير أعلام النبلاء 5: 402 وفيه: الحافظ الثبت القدوة، وقال ايضا: كان من اوعية العلم، صاحب اتقان و تأله وخبر. (5) تهذيب الكمال 30: 354. (6) الثقات، للعجلي: 460.

[ 458 ]

وذكرة ابن حبان في الثقات (1). ووثقه ابن سعد في طبقاته (2)، وابن حجر في تقريبه (3) وغيرهما. وأما أبو يحيى الأعرج، فظاهر حاله أنه مما لا يمكن الاحتجاج والوثوق بمروياته، وإليك أهم الأقوال فيه: قال الذهبي في ديوان الضعفاء: صدوق تكلم فيه ابن حبان بلا دليل كعادته (4). وقول ابن حبان هو: " كان ممن يخالف الأثبات في الروايات، وينفرد عن الثقات بألفاظ الزيادات مما يوجب ترك ما انفرد منهما، والاعتبار بما وافقهم فيها (5) ". فاتهام الذهبي لابن حبان باطل من جهتين الاولى: أن ابن حبان هو الأقدم في هذه الصنعة منه، والأقرب عهدا إلى الرواة من الذهبي وأن الاتهام يتوجه بالأولويه له لا لابن حبان. الثانيه: إن المتكلم في أبي يحيى الاعرج ليس ابن حبان فقط - كما سيأتي - وأن الذهبي لم يحط علما بمن جرحه أو لينه، وإلا بأي شئ نفسر عدم تعديله لأبي يحيى في المغني؟! فهو لم يدافع عنه بأي شئ سوى قوله " تكلم فيه (6) ". وقد ذكره في ميزان الاعتدال وحكى قول السعدي فيه " زائغ جائر عن الطريق (7) ". بعد أن قال: صدوق قد تكلم فيه، وهذا يدل على اضطراب الذهبي فيه. وقال ابن الجنيد: سأل ابن الغلابي يحيى بن معين وأنا أسمع عن مصدع (أبى يحيى)، فقال: لا أعرفه (8). وقال الجوزجاني: كان زائغا حائدا عن الطريق (9).


(1) الثقات، لابن حبان 5: 503. (2) الطبقات الكبرى، لابن سعد 6: 297. (3) تقريب التهذيب 7: الترجمة 7352. (4) ديوان الصعفاء 2: 361. (5) المجروحين، لابن حبان 3: 39. (6) المغني في الضعفاء 2: 408. (7) ميزان الاعتدال 4: 118. (8) هامش تهذيب الكمال 28: 14. (9) انظر هامش تهذيب الكمال 28: 14 عن احوال الرجال الترجمة 249.

[ 459 ]

ورد ابن حجر قول الجوزجانى بقوله: والجوزجاني مشهور بالنصب والانحراف فلا يقدح فيه قوله (1). نعم ذكره العقيلي في الضعفاء وقال: حدث علي بن أحمد، قال: حدثنا صالح، حدثنا علي، قال سمعت سفيان، قال: قال عمرو بن دينار، اسم أبي يحيى، مصدع، قال سفيان: وقال أهل الكوفه: قطع بشر بن مروان عرقوبيه، قيل لسفيان: في أي شئ قطع عرقوبيه؟ قال: في التشيع (2). وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب:.... ومصدع هو الذي مر به ابن أبي طالب وهو يقص، فقال: تعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت (3). وقال ابن حجر أيضا في تقريب التهذيب: مقبول (4). وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة (5). وحاصل الأمر في مصدع: إن الاحتجاج به لا يخلو من تأمل، وأحسن ما يقال فيه هو قول ابن حبان وابن حجر. وخلاصه القول في هذا الطريق: أنه ضعيف في نفسه، مقبول منظور فيه باعتبار غيره، بشرط ألا ينفرد ويخالف الثقات!! أسانيد اخرى 1 - قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (6)، حدثنا وكيع (7)


(1) تهذيب التهذيب 1: 158. (2) الضعفاء للعقيلي 4: 274. (3) تهذيب التهذيب 10: 158. (4) تقريب التهذيب 2: 250. (5) الثقات، للعجلي: 429. (6) هو الامام الحافظ عبد الله بن محمد بن أبى شيبة، أبو بكر بن ابى شيبة الكوفي العبسى، تقدمت ترجمته في مرويات عبد الله بن عباس المسحية. (7) هو وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي، أبو سفيان الكوفي، تقدمت ترجمته في مرويات علي بن ابي طالب الغسليه.

[ 460 ]

عن سفيان (1) ح، وحدثنا ابن المثنى (2) وابن بشار (3) قالا: حدثنا محمد بن جعفر (4)، قال: حدثنا شعبة (5)، كلاهما عن منصور بهذا الإسناد (6)، وليس في حديث شعبة (أسبغوا الوضوء)، وفي حديثه (7) عن أبي يحيى الاعرج (8). 2 - وأسند ابن جرير عن منصور بن المعتمر بالأسانيد المتقدمه أن النبي أبصر قوما يتوضأون لم يتموا الوضوء فقال: اسبغوا الوضوء ويل للعراقيب أو الأعقاب من النار (9) 3 - وروي عن أبي كريب قال: حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن منصور بالإسناد المتقدم، وفيه: فتوضؤوا فجاء رسول الله فرأى أقدامهم بيضاء من أثر الوضوء فقال: ويل للعراقيب من النار أسبغوا الوضوء (10) 4 - وقال الطبري: حدثنا ابن بشار، قال حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان عن منصور بنفس الأسانيد المتقدمة نحو ما تقدم (11)


(1) هو الامام سفيان بن سعيد الثوري، أبو عبد الله الكوفي، احتج به الجماعة وغيرهم (انظر تهذيب الكمال 11: 154 سير اعلام النبلاء 7: 229، الجرح والتعديل 4: الترجمة 972) وغيرها من المصادر الكثيرة. (2) هو محمد بن المثنى المعروف بالزمن، تقدمت ترجمته في مرويات على بن ابي طالب الغسلية. (3) هو محمد بن بشار بن عثمان العبدى، أبو بكر البصري، بندار، وإنما قيل له بندار لانه كان بندارا في الحديث، والبندار: الحافظ، جمع حديث بلده، روى له الجماعه (انظر تهذيب الكمال 24: 511، سير أعلام النبلاء 12: 144، تهذيب التهذيب 9: 70) وغيرها في المصادر. (4) محمد بن جعفر المعروف بغندر تقدمت ترجمته في مرويات علي بن أبي طالب الغسلية. (5) هو الامام شعبة بن الحجاج تقدمت ترجمته في مرويات علي بن أبي طالب الغسلية. (6) كلاهما: أي كل من سفيان وشعبة عن منصور، وقوله (بهذا الاسناد) يعنى بالاسناد الاول الذي رواه مصدع عن عبد الله بن عمرو. (7) يعني: وفي حديث شعبة وجود اضافه الاعرج (عن ابى يحيى الاعرج) لا ابي يحيى فقط. (8) صحيح مسلم 1: 214، باب وجوه غسل الرجلين بكاملهما واخرج ابن ماجه (1: 154 ح: 45) عين ما اخرجه مسلم سندا ومتنا من طريق سفيان، وروى الطبري في تفسيره (6: 85) عن ابي كريب قال: حدثنا وكيع عن سفيان بالاسناد المتقدم، وكذا احمد في مسنده (2: 164، 2: 193، 2: 201). (9 - 10) تفسير الطبري 6: 86. (11) تفسير الطبري 6: 85.

[ 461 ]

المناقشة وفي هذه الطرق سفيان الثوري وهو من الأئمة الحفاظ، المشهورين في صناعة الحديث حتى لقب بأمير المؤمنين في الحديث (1)، ولم نعثر على من طعن فيه بشئ. قال وكيع عن شعبة: سفيان أحفظ مني (2). وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان وهيب يقدم سفيان في الحفظ على مالك (3). وقال يحيى بن سعيد القطان: ليس أحد أحب الي من شعبة ولا يعدله أحد عندي، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان (4) وقال سفيان بن عيينة: أصحاب الحديث ثلاثة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه (5) وقال بشر بن الحارث، عن عبد الله بن داود: ما رأيت أفقه من سفيان (6)، وقال الخطيب في تاريخ بغداد: كان إماما من ائمة المسلمين وعلما من أعلام الدين، مجمعا على أمانته بحيث يستغني عن تزكيته، مع الإتقان والحفظ والمعرفة والضبط والورع والزهد. (7) وأما محمد بن بشار العبدي فهو ممن تكلم فيه، وإليك أهم أقوالهم: قال أبو عبيد الاجري: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن بندار نحوا من خمسين الف حديث، وكتبت عن أبي موسى شيئا، وهو أثبت من بندار، ثم قال: لو لا سلامة، في بندار ترك حديثه (8) أقول: وكلام الآجري هنا يشعر أن الأخذ منه متوشح بالاحتياط، فتأمل في عبارته.


(1) من قبل شعبة وسفيان بن عيينة، وابو عاصم، ويحيى بن معين، وغيرو احد من العلماء (انظر في ذلك تهذيب الكمال 11: 164). (2 - 3) تهذيب الكمال 11: 165. (5) تهذيب الكمال 11: 166. (6) تهذيب الكمال 11: 167. (7) تاريخ بغداد 9: 151. (8) تهذيب الكمال 24: 514.

[ 462 ]

وقال عبد الله بن محمد بن يسار: سمعت أبا حفص عمرو بن علي يحلف أن بندارا يكذب فيما يروي عن يحيى (1). وعلق الذهبي على هذا القول بقوله (... كذبه الفلاس (2)، فما أصغى أحد إلى تكذيبه أحد)، لتيقنهم أن بندارا صادق أمين (3). وهذا خلط وخبط من الذهبي، إذ متى كان تيقن الآخرين من العلماء بصدق راو ما حجة على من كذبه منهم، فلو كان الأمر كذلك لما جاز لعالم أن يبدي برأيه أمام الآخرين، فالمسألة ليست تصويب في المجالس البرلمانيه، بل المسألة مسألة اجتهاد - تحت ضوابط القرآن والسنة - مباح لكل من يقدر عليه، هذا من جهة. ومن جهة اخرى فانه لا حق للذهبي - وهو لم يعاصر الفلاس أو غيره ممن وثق بندارا - أن ينتصر لأحد بلا دليل ملموس، فغاية ما استند إليه الذهبي في انتصاره لمن وثق هو عدم إصغاء الآخرين للفلاس، وهو كما ترى. وقال عبيد الله الدورقي: كنا عند يحيى بن معين فجرى ذكر بندار، فرأيت يحيى لا يعبأ به ويستضعفه، ورأيت القواريرى لا يرضاه، وكان صاحب حمام (4). وقال عبد الله بن المدينى: سمعت أبي وسألته عن حديث رواه بندار عن ابن مهدى عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن زر عن عبد الله عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " تسحروا فان السحور بركة " فقال: هذا كذب، حدثني أبو داود موقوفا وأنكره أشد الإنكار (5). وقال أبو حاتم: صدوق (6) وقال النسائي: صالح لا باس به (7) وقال أبو الفتح الأزدي: بندار قد كتب الناس عنه وقبلوه، وليس قول


(1) تاريخ بغداد 2: 103. (2) هو أبو حفص عمرو بن علي الذي حلف بأن بندارا يكذب. (3) ميزان الاعتدال 3: 490 الترجمة 7269. (4) تهذيب الكمال 24: 516، ميزان الاعتدال 3: 490. (5) تهذيب الكمال 24: 515، تاريخ بغداد 2: 103. (6) تهذيب الكمال 24: 517، ميزان الاعتدال 3: 490. (7) تهذيب الكمال 24: 517.

[ 463 ]

يحيى بن معين والقواريري مما يجرحه، وما رأيت أحدا ذكره إلا بخير وصدق (1). أقول: إذا كان التكذيب بهذه الصورة لا يجرحه فأي شئ يجرحه في الدنيا؟ وحاصل القول في بندار هو عدم إمكان الاحتجاج به لأن الجرح والتكذيب - بالشكل المتقدم - يقدم على التعديل. وخلاصة القول: في هذا الطريق، أنه يطعن فيه من عدة جهات: الاولى: من جهة ابن المثنى الذي قال النسائي عنه: لا بأس به، كان يغير في كتابه، وقول صالح بن محمد الحافظ: صدوق اللهجة، وإن في عقله شئ، وقول أبي حاتم: صالح الحديث، صدوق. وهذه الأقوال المتقدمة - في مرويات علي بن أبي طالب - تقتضي في نفسها عدم إمكان الاحتجاج به من دون متابعة. الثانية: من جهة ابن بشار - بندار - المارة ترجمته قبل قليل. الثالثة: من جهة محمد بن جعفر المعروف بغندر كما وضحناه سابقا. وهذه الطعون - وإن كانت طعون - لكنها لم تكن الأساسية فيه، لوجود تابع صحيح إلى منصور بن المعتمر من رواية مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن منصور، وحق الطعن فيه بما بعد منصور، فقد قدمنا إليك سابقا أن أبا يحيى الأعرج مما لا يمكن الاحتجاج بمروياته من دون تابع صحيح، لأنه قد تكلم فيه، وأحسن شئ قيل فيه ما قاله ابن حجر من أنه مقبول. وعلى أي حال فإن القول بأن الطريق الأول حسن غير بعيد، ولكن لا يمكن الاحتجاج به من دون تابع يجعله يرتقى إلى تلك المرتبة. هذا من جهة السند، إلا أن الالتزام به من جهة الدلالة لمن أشكل المشكلات: إذ لادلالة فيه على الغسل لا من قريب ولا من بعيد، بل يمكن أن يقال أنه ينفع دليلا على المسح، على ما سيأتي توضيحه لاحقا.


(1) تاريخ بغداد 2: 104، تهذيب الكمال 24: 516.

[ 465 ]

عبد الله بن عمرو بن العاص وروايات المسح

[ 467 ]

ما رواه يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو الإسناد الاول قال البخاري: حدثنا موسى (1)، قال: حدثنا أبو عوانة (2)، عن أبي بشر (3)، عن يوسف بن ماهك (4)، عن عبد الله بن عمرو قال: تخلف النبي عنا في سفرة سافرناها فادركنا وقد أرهقنا العصر فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثة (5). المناقشة ذكر الذهبي موسى بن إسماعيل في ميزان الاعتدال ونقل قول ابن خراش فيه: (صدوق وتكلم فيه الناس) (6)، وكلام ابن خراش فضلا عن كونه مبهم فهو مجمل لا ينهض لمقاومة توثيقات الأعلام. أما أبو عوانه فقد مر عليك (في مرويات علي ابن أبي طالب الغسلية) الكلام فيه. أما أبو بشر فهو ثقة على ما هو صريح يحيى بن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم،


(1) هو موسى بن اسماعيل، أبو سلمة التبوذكي تقدمت ترجمته في مرويات عبد الله بن زيد بن عاصم الغسلية. (2) هو الوضاح بن عبد الله اليشكري، تقدمت ترجمته في مرويات علي بن أبي طالب الغسلية. (3) هو جعفر بن أياس، ابن أبي وحشية اليشكري، أبو بشر الواسطي، بصري الاصل، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 5: 5، سير أعلام النبلاء 5: 465، تهذيب التهذيب 2: 83) وغيرها. (4) هو يوسف بن ماهك بن بهزاد الفارسي المكي، مولى قريش، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 32: 451 سير أعلام النبلاء 5: 68، تهذيب التهذيب 11: 421) وغيرها من المصادر. (5) صحيح البخاري 1: 52 باب غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين. (6) ميزان الاعتدال 4: 200 الترجمة 8846.

[ 468 ]

وأحمد بن عبد الله العجلي، والنسائي بحكاية إسحاق بن منصور وجعفر بن أبي عثمان الطيالسي عنهم (1). وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث (2). وضعف شعبة حديث أبي بشر عن حبيب ومجاهد، قال صالح بن أحمد بن حنبل عن علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول كان شعبة يضعف أحاديث أبي بشر عن حبيب بن سالم (3). وقال المفضل بن غسان الغلابي، عن أحمد بن حنبل: كان شعبة يقول: لم يسمع أبو بشر من حبيب بن سالم، وكان شعبة يضعف حديث أبي بشر عن مجاهد (4). وقال حنبل بن إسحاق، عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل، قال يحيى: قال شعبة: لم يسمع أبو بشر من حبيب بن سالم، وكان شعبة يضعف حديث أبي بشر عن مجاهد (5). وقال ابن عدي في الكامل: حدث عنه شعبة وهشيم وغيرهما بأحاديث مشاهير وغرائب وأرجو أنه لا بأس به (6). وقد نقل ابن حجر في هدى الساري بعض تلك الاقوال، وختمه بقوله: احتج به الجماعة لكن لم يخرج له الشيخان من حديثه عن مجاهد ولا عن حبيب بن سالم (7). وأما يوسف بن ماهك فهو ثقة على ما هو صريح يحيى بن معين برواية إسحاق بن منصور وعثمان بن سعيد الدارمي عنه (8). وقال النسائي: ثقة (9). وقال ابن خراش: ثقة عدل (10).


(1) تهذيب الكمال 5: 7. (2) الطبقات الكبرى، لابن سعد 7: 253. (3 - 5) تهذيب الكمال 5: 7. (6) الكامل في الضعفاء 2: 152. (7) هدى الساري: 393. (8) تهذيب الكمال 32: 453، وانظر الجرح والتعديل 9: الترجمة 961. (9) تهذيب الكمال 32: 453. (10) تهذيب الكمال 32: 453.

[ 469 ]

وذكره ابن حبان في كتاب الثقات (1). والحاصل: إن هذا السند مخدوش بأبي عوانة. الإسناد الثاني قال البخاري: حدثنا أبو النعمان - عارم بن الفضل - (2)، قال: حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو، قال: تخلف عنا النبي (صلى الله عليه وآله) في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثا (3). المناقشة ويخدش هذا الطريق بأبي عوانة كذلك، أما أبو النعمان فهو ثقة على ما هو صريح الذهلي (4) وأبو حاتم (5) والعجلي (6) وغيرهم. إلا أن عارم مع ذلك قد خلط بأخرة على ما هو صريح كثير من أهل العلم، كابن حبان (7) والدار قطني (8) وابن حجر (9) وأبو داود (10) والبخاري (11) وغيرهم،


(1) الثقات لابن حبان 5: 549. (2) هو محمد بن الفضل السدوسي، أبو النعمان البصري، وعارم ليس اسمه بل صفة وصف بها، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 26: 287، سير أعلام النبلاء 10: 265، تهذيب التهذيب 9: 402) وغيرها من المصادر. (3) صحيح البخاري 1: 23 باب من رفع صوته بالعلم. (4) تهذيب التهذيب 9: 405 (5) الجرح والتعديل 8: الترجمة 267، تهذيب الكمال 26: 291. (6) الثقات، للعجلي: 411. (7) المجروحين 2: 294. (8) ميزان الاعتدال 3: الترجمة 8057. (9) تقريب التهذيب 2: 200. (10) الضعفاء، للعقيلي 4: 121. (11) التاريخ الكبير، للبخاري 1: الترجمة 654.

[ 470 ]

والحق إن اختلاطه لا يضر بما رواه في مقامنا، وذلك لأنه يروى هنا عن أبي عوانة، وروايته عنه قبل اختلاطه قطعا، لأنه اختلط بعد سنة عشرين ومئتين على ما هو صريح أبي حاتم (1)، وأبو عوانة مات سنة سبع وأربعين ومئة على ما هو صريح دحيم ويحيى بن معين وغيرهما (2). وهذا يعنى أنه سمع منه قبل اختلاطه بسنين عدة. ومهما يكن فإن هذا الطريق، مخدوش بأبي عوانة وبأبي بشر، حسبما قدمنا. الإسناد الثالث قال مسلم: حدثنا شيبان بن فروخ (3) وأبو كامل الجحدري (4)، جميعا عن أبي عوانة، قال أبو كامل: حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو، قال: تخلف عنا النبي (صلى الله عليه وآله) في سفر سافرناه فأدركنا وقد حضرت صلاة العصر فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى " ويل للأعقاب من النار " (5). المناقشة شيبان بن فروح ممن تكلم فيه، فقد قال فيه أبو زرعة: صدوق (6). وقال أبو حاتم: كان يرى القدر واضطر الناس إليه بأخرة (7).


(1) الجرح والتعديل 8: 267. (2) تهذيب الكمال 30: 452. (3) هو شيبان بن أبي شيبة الحبطى، مولاهم، أبو محمد الأبلى، روى له مسلم وأبو داود والنسائي (انظر تهذيب الكمال 12: 598، تهذيب التهذيب 4: 374، التاريخ الكبير للبخاري 4: الترجمة 2711) وغيرها. (4) هو فضيل بن حسين البصري، أبو كامل الجحدري، روى له البخاري تعليقا، وروى له مسلم وأبو داود و النسائي (انظر تهذيب الكمال 23: 269، سير أعلام النبلاء 11: 111، تهذيب التهذيب 8: 290) وغيرها من المصادر. (5) صحيح مسلم 1: 214 ح 27 باب وجوب غسل الرجلين بكاملهما. (6) تهذيب الكمال 12: 600، المغني في الضعفاء 1: 75 الترجمة 2805. (7) الجرح والتعديل 4: الترجمة 1562، المغني في الضعفاء 1: 475 الترجمة 2805.

[ 471 ]

وقال ابن حجر: صدوق يهم، رمي بالقدر (1). وعلى هذا فالاحتجاج به مشكل في هذا الطريق من هذه الجهة، إلا أن أبو كامل الجحدري تابع هذا الطريق وهو ثقة فلا يضر إذن كلام من تكلم فيه مع وجود تابع ثقة كهذا في هذا الطريق. وأبو كامل وثقة غير واحد من ائمة أهل العلم. قال أبو حاتم، قال علي بن المديني: أبو كامل ثقة (2). وقال ابن حجر في التقريب: ثقة (3). وقال أحمد بن حنبل: أبو كامل بصير بالحديث، متقن، يشبه الناس وله عقل سديد لا يتكلم إلا أن يسأل (4). وذكره ابن حبان في كتاب الثقات (5). ومع ذلك فهذا الطريق يخدش بأبي عوانة ويعل بأبي بشر.


(1) تقريب التهذيب 1: 356. (2) الجرح والتعديل 7: الترجمة 409. (3) تقريب التهذيب 2: 112. (4) تهذيب الكمال (الهامش) 23: 271. (5) الثقات لابن حبان 9: 10.

[ 472 ]

خلاصة البحوث السندية قد عرفت - فيما مر - حال الأسانيد عن عبد الله بن عمرو غسلا ومسحا وأنها ترجع في حقيقتها إلى ثلاثة أسانيد، اثنان منهما غسلية والثالث مسحي، أما الاثنان الغسلية فهما: 1 - ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: وقد وضحنا سابقا أقوال الأعلام فيه، وأن جده هنا مردد بين جده الأدنى: محمد بن عبد الله بن عمرو ابن العاص، وبين جده الأعلى: عبد الله بن عمرو بن العاص، فلو كان المقصود من جده هو محمد فسيكون السند مرسلا، لأنه لم يدرك النبي، ولو كان المعني به عبد الله بن عمرو فإنه على القول بصحة سماع شعيب من جده عبد الله فهو مما يتوقف فيه، وذلك لأن بعض الأعلام وإن استظهر صحة سماع شعيب من جده - عبد الله - لكنهم لم يصححوا هذا السند، لعدم تصريحه بأن الجد في السند هو عبد الله، فقال الدارقطني: لعمرو بن شعيب ثلاثة أجداد الأدنى منهم محمد، والأوسط عبد الله، والأعلى عمرو، وقد سمع - يعنى شعيبا - من الأدنى محمد ولم يدرك النبي (صلى الله عليه وآله) وسمع جده عبد الله، فإذا بينه وكشفه فهو صحيح حينئذ...). أما إذ أجمله - كما في مقامنا - فإنه يبقى مردد يجب التوقف عنده. وعلى أي حال فمجرد احتمال كون المعني بالجد هو محمد يسقطه عن الاحتجاج والاستدلال، لثبوت عدم صحة سماعه من النبي (صلى الله عليه وآله). على إننا حكينا لك سابقا قول ابن حبان وغيره ممن لم يثبت لديهم ولم يصححوا سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو، وخصوصا حينما وقفنا على وجود أبي عوانة في سند أبي داود، ويعلى في سند النسائي، الملينين من قبل علماء الرجال.

[ 473 ]

وعلى هذا: فالسند منقطع وضعيف ولا يمكن الاحتجاج به، وخصوصا بعد معرفتنا بكون عمرو بن شعيب ناصبى، والناصبي لا يأخذ بقوله عند جميع أئمة الدراية والرجال. 2 - ما رواه منصور بن المعتمر عن هلال بن يساف عن أبي يحيى الأعرج عن عبد الله. 3 - وأما الثالثة المسحية فهي: ما رواه يوسف بن ماهك عن عبد الله ابن عمرو بن العاص في المسح. وقد قلنا بأن هذا الطريق مخدوش بأبي عوانة إلا أن مرتبة ضعف أحاديث أبي عوانة مما تتدارك بالاعتبار والشواهد، وهى ليست كأخواتها التي سبقت. وإذا اتفق الشيخان (مسلم والبخاري) على اخراجه، فتصير حجة على من يعتقد بهذا المبنى!! البحث الدلالي بعد أن اتضح لديك عدم إمكان الاحتجاج بما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، لابد من الكلام عن دلالة مرويات أبي يحيى الاعرج (مصدع) على المطلوب، وهل أنها تدل على الوضوء بالمنطوق أم بالمفهوم؟ ولو كانت دلالتها بالمفهوم، فالى أي حد يمكن به إثبات المدعى؟ الحق: أن روايات أبي يحيى الأعرج مجملة من جهة بيان الوضوء، فهي لم تبين أي شئ منه، غاية ما فيها أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: ويل للأعقاب (أو العراقيب) من النار. فالاجمال واضح في رواياته لعدم صراحتها في شئ، وقد ادعى البعض الاضطراب في متونها كذلك، لأن بعض الطرق عن أبي يحيى الأعرج تذكر أن سبب قول النبي (صلى الله عليه وآله) هو: " أن قوما تعجلوا عند العصر فتوضؤا وهم عجال، ولما رأى أعقابهم تلوح لم يمسها ماء، قال (صلى الله عليه وآله): ويل للأعقاب من النار ". وهذا المتن هو من رواية جرير عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي يحيى عن عبد الله بن عمرو،

[ 474 ]

وهذا غير ما رواه وكيع عن سفيان عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي يحيى، الذي ليس فيه سوى: أسبغوا الوضوء. أما في رواية سفيان وعبد الرحمن عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي يحيى هو مجئ قوله (صلى الله عليه وآله) ويل للأعقاب، لأنه (صلى الله عليه وآله) رأى قوما يتوضؤون وأعقابهم تلوح. وفي رواية غندر (محمد بن جعفر) عن شعبة عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي يحيى: أن النبي (صلى الله عليه وآله) أبصر قوما يتوضؤون لم يتموا الوضوء فقال: أسبغوا ويل... وفي رواية أبي كريب عن عبد الله عن إسرائيل عن منصور عن هلال عن أبي يحيى.... أنه قال ويل للأعقاب، لأنه رأى أقدامهم بيضاء من أثر الوضوء. وأنت تعلم بأن رواية وكيع عن سفيان... هي أرجح مما رواه غندر وجرير بن عبد الحميد عن أبي يحيى. وكذا تعلم بأن فيما رواه وكيع عن سفيان عن منصور هو وجود جملة (أسبغوا الوضوء)، وهذه الجملة لا دلالة لها على غسل الرجلين. أما ما رواه سفيان وعبد الرحمن عن سفيان عن منصور ففيها جملة (وأعقابهم تلوح) وهذه الرواية ساكتة عن معنى اللوح - وإن كانت قد وضحت في رواية جرير عن منصور عن أبي هلال عن أبي يحى بأن أعقابهم تلوح لم يمسها ماء لكنها لم تكن هي العله: لاحتمال أن يكون اللوح في الأقدام جاء لوجود نقطة يابسة لم تغسل في الرجل، وقد تكون لأجل وجود نجاسة ظاهرة في الأعقاب، أو لأوساخ ظاهرة لا يمكن الوقوف معها على النجاسة في الرجل إلا بعد رفعه، وقد تكون تلوح لكونها مغسولة. ومع وجود هذه الاحتمالات المتساوية في القوة لا مجال لترجيح أحدها على الآخر، وبذلك تبقى الرواية على إجمالها ولا يمكن الاستفادة منها في الاستدلال. ولنرجع إلى ما احتملناه من أن النبي قد يكون رآها مغسوله فنهى عنها، لعدم وجود حكم من الشارع للأعقاب بالخصوص لا غسلا ولا مسحا، فما احتملناه وإن كان بعيدا عن فهم الاخرين إلا أن له وجها معقولا، وخصوصا لو لاحظنا ما رواه ابن جرير عن أبي كريب عن عبيدالله عن إسرائيل عن منصور: إن القوم توضؤوا

[ 475 ]

فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرأى أقدامهم بيضا من أثر الوضوء. وهذا النص يعنى أن الأقدام كانت مغسولة بما فيها الأعقاب والعراقيب، لقول الراوي: إن النبي (صلى الله عليه وآله) رآها بيضا، والبياض يتناسب مع كونها مغسولة. ولا يمكن القول بأن جملة (فرأى أقدامهم بيضاء) تعني أن الأقدام كانت مغسولة دون العراقيب ولأجله قال (صلى الله عليه وآله): ويل للعراقيب من النار، لأن الاطلاق (أقدامهم) لا يفهم منه العقلاء إلا الاستيعاب حتى للعراقيب، ويدل عليه ما استدل عليه مفسروا أهل السنة والجماعة لقوله تعالى (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) هو استيعاب الغسل حتى للعراقيب. وبهذا فقد عرفنا بأن أقوى الأسانيد الغسلية هي مجملة غير واضحة، وهي ليست صريحة في بيان المطلوب والدلالة على الغسل، لكن الأسانيد المرجوحة منها هي أكثر بيانا، فما يعنى هذا؟ وبأيهما يؤخذ؟! بقى الكلام عن مرويات يوسف بن ماهك، وهذه الروايات وإن كانت مجملة أيضا - في بيان تفاصيل الوضوء - إلا أنها صريحة في زاوية واحدة منها، وهي: أن أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) بأجمعهم مسحوا أقدامهم في الوضوء، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) لم ينههم عن المسح بل ذكرهم بأمر إضافي وهو ويل للأعقاب من النار، قالها مرتين أو ثلاثا. أي أن النبي (صلى الله عليه وآله) أقر فعلهم [ أي المسح ] ثم أرشدهم إلى أمر اضافي وهو لزوم الحيطة من الأعقاب لكونها معرضة للنجاسة، وإن وجود النجاسة في البدن أو الثوب وخصوصا في الرجل يدعوا إلى الهلكة، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد اكد بأن أكثر عذاب أهل القبور من رذاذ البول، وهذا يتفق مع كون قوله (صلى الله عليه وآله) (ويل للأعقاب من النار) هو تنبيه على وجوب طهارة العقب من النجاسة الخبثية. فلو كان المسح باطلا لقال لهم: لا تمسحوا، ومن مسح فوضوئه باطل، وحيث لم ينههم عن المسح، بل أقر فعلهم بالسكوت ثم التنويه والإرشاد على أمر يجب مراعاته للماسحين، وهو الحيطة من رذاذ البول وما يتعلق بالاعقاب من النجاسة. عرفنا بأن جملة (ويل للأعقاب من النار) بنفسها لا تدل على الغسل الواجب للرجل. ونحن كنا قد وضحنا سابقا أن روايات يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو

[ 476 ]

هي من طريق أبي عوانة عن أبي بشر، وقد كان هذا الطريق مخدوش بأبي عوانة، فلو فرضنا أنه معارض بما رواه منصور عن هلال بن يساف عن أبي يحيى الأعرج عن عبد الله بن عمرو بن العاص، فنحن نرجح ما رواه أبو عوانة على ذلك الطريق لمجموع الجهات الآتية: الاولى: إن متون جميع طرق أبي عوانة عن أبي بشر عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو متحدة لا زيادة فيها ولا نقص، بخلاف ما رواه أبويحيى الأعرج فإن متونها مجملة مضطربة. الثانية: هناك عدد من الحفاظ، وهم مشايخ البخاري ومسلم وغيرهما كموسى التبوذكي، وشيبان بن فروخ، وأبو كامل الجحدري وعارم بن الفضل، وعفان بن مسلم الصفار وحتى محمد بن جعفر (غندر) كلهم قد رووا عن أبي عوانة عين ما يرويه الآخر، بخلاف تلك المرويات فإن الرواة اختلفوا في الرواية عن منصور. الثالثة: إن البخاري لم يخرج في الوضوء عن عبد الله بن عمرو إلا ما رواه أبو عوانة وهذه ميزة أو مرجح لما في المقام. الرابعة: إن رواية أبي عوانة متفق عليها حيث أخرجها الشيخان (البخاري ومسلم) بخلاف رواية أبي يحيى والتي هي من إفراد مسلم، ولا يخفى عليك أن المتفق عليه عند الشيخين. يترجح على ما يتفرد به أحدهما، كما فيما نحن فيه. وقد يقال: أن هناك مرويات وشواهد في هذه المسألة كويل للأعقاب من النار، التي رويت عن عائشة وأبي هريرة وغيرهما عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وهذا بحد ذاته دليل على عدم تفرد عبد الله بن عمرو بن العاص في هذه القضية. قلنا: سنبين في البحث القرآني لهذه الدراسة أن مرويات (ويل للاعقاب) وإن ثبت صدورها عن رسول الله فهي غير دالة على شئ من أفعال الوضوء بالخصوص، بل إنها تدل على أمر خارجي وهو لزوم طهارة الأعقاب، علما بأن روايات عبد الله بن عمرو ليس فيها تصريح سوى رواية يوسف بن ماهك عنه، الدالة على المسح على الأقدام لقوله: (فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار) ونؤكد القول وللمرة الثانية: بأنا لم نعثر على شئ في تلك الروايات يشير

[ 477 ]

إلى تصريح النبي (صلى الله عليه وآله) بوجوب الغسل بل إنهم استفادوا من جملة (ويل للأعقاب من النار) للدلالة على الغسل، ولا دلالة فيها على المطلوب. ولا أدري كيف فهم الأعلام دلالتها على الغسل مع وضوح كونها مجملة جدا. والإنصاف إن هذه الرواية لا يمكن الركون إليها من الناحية الاستدلالية وفي كلام أعلامهم ما يشير إلى هذا وإليك بعض أقوالهم: قال النووي: وقوله (صلى الله عليه وآله): (ويل للأعقاب من النار)، فتواعدهما بالنار لعدم طهارتها ولو كان المسح كافيا لما تواعد على ترك غسل عقبيه، وقد صح من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كيف الطهور.... ثم عقب النووي الرواية بقوله: هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود وغيره بأسانيدهم الصحيحة والله أعلم (1). وكلام النووي يشعر بأن " ويل للأعقاب من النار " لا تكفي للدلالة على وجوب غسل الرجلين لقوله: (وقد صح من حديث عمرو بن شعيب). وهذا يعني أنه فسر المجمل (ويل للأعقاب) بما هو مبين له وهو حديث عمرو بن شعيب، ومنه نستشعر بأن (ويل للاعقاب) مجملة حتى عند النووي، هذا شئ. والشئ الآخر هو أن قوله (ولو كان المسح كافيا لما تواعد على ترك غسل عقبيه) يدل على مشروعية المسح، لأنه (صلى الله عليه وآله) حينما لم ينههم وقد رآهم قد مسحوا فهو تقرير منه (صلى الله عليه وآله) على مشروعية المسح، أما قوله (ويل للأعقاب) فليس نهيا عن المسح بل إرشاد إلى الحيطة في الأعقاب، لأنها معرضه للنجاسة، فتوعدهم بالنار لامكان بطلان صلاتهم لو لم يغسلوا تلك الأعقاب النجسة. وهناك أمر ثالث أشار إليه النووي وهو صحة إسناد عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فإنا نتعجب منه كيف يحكم بصحة الإسناد إلى عمرو بن شعيب وقد عرفناك بأن الحكم بصحة تلك الأحاديث أمر لا يساعد عليه البحث العلمي.


(1) شرح صحيح مسلم للنووي (3 - 4): 131 ح 9، قاله في معرض شرحه لحديث عائشة.

[ 478 ]

فرواية أبي داود مخدوشة بأبي عوانة، فضلا عن عمرو بن شعيب والتردد في جده، أما رواية النسائي فهي الاخرى مخدوشة بيعلى بن عبيد الطنافسي الذي صرح يحيى بن معين بضعف حديثه في خصوص سفيان - كما فيما نحن فيه - وكذا بعمرو بن شعيب والتردد في جده. ولا أدرى كيف يحكم النووي بصحة حديث عمرو بن شعيب وأنت ترى حاله؟ لا أحسب أن النووي فعل ذلك إلا لاعتقاده بعدم إمكان الاحتجاج بويل للأعقاب لكونها مجملة، فلجأ إلى ما يبينها (وهي رواية عمرو بن شعيب) وإن كانت ضعيفة جدا. قال ابن حزم - بعد ذكره رواية مصدع في مسلم -: فكان هذا الخبر - ويعني به رواية مصدع (أبي يحيى الأعرج) عن عبد الله بن عمرو بن العاص - زائدا على ما في الآية وعلى الأخبار التي ذكرنا، وناسخا لما فيها ولما في الآية، والأخذ بالزائد واجب (1). وقد كان ابن حزم قد وضح قبله دلالة الآية على المسح سواء قرئت بالخفض أم الفتح، وهي على كل حال عطف على الرؤوس، إما على اللفظ وإما على الموضع كما هو صريحه (2). أما قوله (وعلى الأخبار التي ذكرنا) فكان يعني بها روايات الصحابة التي دلت على مسح الرجلين كرواية علي ورفاعة بن رافع وابن عباس و... ومثله قوله (وناسخا لما فيها ولما في الآية) فكان يعني بها أن رواية مصدع ناسخة للآية الدالة على المسح ولأخبار المسح الصريحة. لكن هذا الكلام غير صحيح لعدم وقوع النسخ في الوضوء في الشريعة المحمدية كما سيتضح لاحقا، إذ لو كان النسخ واقعا فعلا لكان أول من علمه علي وابن عباس وأنس، في حين نرى هؤلاء قد رووا المسح عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفعلوا به، فلو كان المسح قد نسخ لما فعله صحابة أمثال هؤلاء. ولما اشتهر عنهم بأن مذهبهم المسح. أضف إلى ذلك إن جمعا من التابعين قد ذهبوا إلى المسح قولا وفعلا، فلو كان


(1) المحلى 2: 57. (2) انظر المحلى 2: 56 وفيه عدة روايات وأقوال صريحة في المسح على القدمين. (

[ 479 ]

النسخ ثابتا عندهم لما فعلوا ذلك. وعليه فيكون ادعاء النسخ أمر مشكوك فيه، إذ لو كان لعلمه هؤلاء الصحابة والتابعين، ونضيف إليه: إن القول بنسخ الكتاب القطعي بخبر الواحد الظني مما يضحك الثكلى، وخبر مصدع هو خبر واحد، بل إن جميع أخبار الغسل هي هكذا، كما سيأتي تفصيله لاحقا. وقد تبين مما تقدم: أن ابن حزم قد اعترف بكون المسح هي سيرة المسلمين في الصدر الأول. وأنه المنزل من قبل الله في القرآن العظيم، وأنه فعل النبي (صلى الله عليه وآله)، لما رواه عن جمع من الصحابة أمثال: علي بن أبي طالب وابن عباس ورفاعة بن رافع وأنس بن مالك وغيرهم. قال ابن حجر - وهو في معرض شرح رواية موسى التبوذكي عن أبي عوانة في البخاري: (قوله: ونمسح على أرجلنا) انتزع منه البخاري أن الإنكار عليهم كان بسبب المسح لا بسبب الاقتصار على غسل بعض الرجل، فلهذا ذكره في الترجمة (1) (ولا يمسح على القدمين)، وهذا ظاهر الرواية المتفق عليها، وفي إفراد مسلم (فانتهينا إليهم وأعقابهم بيض تلوح لم يمسها الماء) فتمسك بهذا من يقول بإجزاء المسح ويحمل الإنكار على ترك التعميم، لكن الرواية المتفق عليها أرجح، فتحمل هذه الرواية عليها بالتأويل، فيحتمل أن يكون معنى قوله (لم يمسها الماء) أي ماء الغسل جمعا بين الروايتين...) (2). ولعمري أن ابن حجر قد أنصف هنا في عدة أمور: الاولى: الذهاب إلى أن رواية أبي عوانة عن يوسف بن ماهك هي أرجح من رواية مصدع عن عبد الله بن عمرو، لكون الاولى متفق عليها بخلاف رواية مصدع التي تفرد بها مسلم.


(1) ويعني بالترجمة عنوان الباب في البخاري (غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين)، وقد علق ابن حجر على (قوله: باب غسل الرجلين): كذا للاكثر وزاد أبو ذر ولا يمسح على القدمين. (2) فتح الباري 1: 213.

[ 480 ]

الثانية: إن دلالة مرويات عبد الله بن عمرو بن العاص - بعد الجمع بينهما - محتملة الدلالة، وهذا يفهم من قوله المتقدم " فيحتمل أن يكون.... " فلو كانت دلالتها قطعية أو معتبرة لصرح بها كما هو عادته. الثالثة: إن قوله (انتزع منه البخاري) يشعر - بل يكشف - عن عدم إقرار ابن حجر التام على هذا الانتزاع من البخاري، فإن ابن حجر احتمل في المقام - كما وضحنا لك - ولكن البخاري كان قد انتزع، وواضح جدا لأهل النظر أن الانتزاع والاحتمال اجتهاد يمكن الخطأ فيه. وبعد هذا نتعجب من ابن حجر كيف جمع بين رواية مصدع المرجوحة وبين رواية يوسف بن ماهك الراجحة - المتفق عليها بما لا سبيل إلى قبوله - ونحن قد أوقفناك سابقا على أن بعض روايات مصدع مخدوشة من جهتين: 1 - من جهة مصدع 2 - من جهة جرير بن عبد الحميد، فكيف يتصور بعدها إمكان معارضة هذا الخبر بما اتفق عليه الشيخان حتى تصل النوبة إلى أن يجمع بينهما، أو أن يصير نتيجة الجمع بينهما هو الغسل؟!! والذي يهون الخطب: إن ما قاله ابن حجر هو مجرد احتمال، فلو كان كذلك فنحن نحتمل قباله احتمال آخر وهو الذي مر عليك، لأن روايات يوسف بن ماهك صريحة في المسح على القدمين، وروايات مصدع مجملة الدلالة، فيمكن ارجاع روايات مصدع المجملة إلى روايات يوسف بن ماهك التي فيها صراحة في المسح، ويحمل جملة (ويل للأعقاب من النار) على أنه إشارة إلى أمر خارج عن حقيقة الوضوء من قريب، وهذا الجمع هو الذي تقتضيه قواعد الجمع بين المتعارضين، وهو ارجاع المجمل للمبين لا التخبط كما فعله ابن حجر، فاحتمالنا يرجح على احتمال ابن حجر، بل يمكننا القول بأن احتمال ابن حجر هو خطأ واضح، لأنه أرجع الأحاديث المجملة إلى رواية المسح ثم استنتج منها الغسل!! وهذا من أسخف الاستدلال. أما ما ادعاه من أن (ويل للاعقاب) نهي عن مسح الرجلين، فهى دعوى بلا دليل، بل الدليل عليها لا لها، لأن ابن حزم وابن رشد وغيرهم عدوا هذه الرواية

[ 481 ]

- المتفق عليها - من روايات المسح. فقال ابن رشد: (وقد رجح الجمهور قراءتهم هذه بالثابت عنه (صلى الله عليه وآله) إذ قال في قوم: لم يستوفوا غسل أقدامهم في الوضوء (ويل للأعقاب من النار)، قالوا: فهذا يدل على أن الغسل هو الفرض، لأن الواجب هو الذي يتعلق بتركه العقاب، وهذا ليس فيه حجه لأنه إنما وقع الوعيد على أنهم تركوا أعقابهم دون غسل، ولا شك أن من شرع في الغسل ففرضه الغسل في جميع القدم، كما أن من شرع في المسح ففرضه المسح عند من يخير بين الأمرين، وقد يدل هذا على ما جاء في أثر آخر خرجه أيضا مسلم أنه قال: فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى (ويل للأعقاب من النار)، وهذا الأثر وإن كانت العادة قد جرت بالاحتجاج به في منع المسح فهو أدل على جوازه منه على منعه، لأن الوعيد إنما تعلق فيه بترك التعميم لا بنوع الطهارة، بل سكت عن نوعها، وذلك دليل على جوازها، وجواز المسح هو أيضا مروي عن بعض الصحابة...) (1). فأما قول ابن رشد: " لأن الوعيد إنما تعلق فيه بترك التعميم لا بنوع الطهارة بل سكت عن نوعها " يعني به أن على النبي - باعتباره المبلغ والمبين لأحكام السماء - أن يصرح بالغسل أو ينهى عن المسح حينما رآهم فعلوا ذلك، فسكوت النبي (صلى الله عليه وآله) عن حكم المسح واكتفائه بجملة (ويل للأعقاب من النار) دون التصريح بالغسل يدل على جواز المسكوت عنه وهو المسح، وعدم دلالة هذه الجملة على الغسل. أما قوله (إنما تعلق فيه بترك التعميم) فيمكن الإجابة عنه بأنه لو أراده (صلى الله عليه وآله) لبينه، كما تستدعيه وظيفته الإلهية، فلما لم يبينه عرفنا أنه لم يرد التعميم. هذا وقد نقل العيني قول الطحاوي: لما أمرهم بتعميم غسل الرجلين حتى لا يبقى منها لمعه، دل على أن فرضها الغسل، ثم نقل اعتراض ابن المنير: بان التعميم


(1) بداية المجتهد 1: 15.

[ 482 ]

لا يستلزم الغسل، فالرأس تعم بالمسح وليس فرضها الغسل (1)، وهذا، الكلام من ابن المنير يؤكد اجمال ما يستدل به على الغسل، وعليه: فيكون ما اتفق عليه الشيخان - والدالة على المسح - هي الأرجح في المسألة سندا. وبعد ذلك وجب علينا البحث عن أسباب صدور الغسل عن عبد الله بن عمرو ابن العاص، وخصوصا بعد وقوفنا على كون الروايات المنسوبة إليه ضعيفة وليست موضوعة - حتى يمكن لنا طرحها - وهذا هو الذي أوجب علينا اعطاء بعض الوجوه والأسباب في ذلك، وإليك توضيح هذا الأمر في نسبة الخبر إليه.


(1) عمدة القارئ 2: 21.

[ 483 ]

نسبة الخبر إليه عبد الله بن عمرو بن العاص كان من الصحابة الذين أسلموا قبل آبائهم (1)، وهو أحد العبادلة الأربع الذين اشتهروا بالزهد والعلم!! وقد ذكر الذهبي: أنه هاجر بعد سنة سبع، وشهد بعض المغازي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) (2)، وقد عد من المدونين على ما هو صريح ابن سعد - وغيره - حيث قال: استأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كتابة حديثه فأذن له (3)، واشتهر عنه معرفته بالسريانية كذلك (4). " وكان عبد الله مع أبيه معتزلا لأمر عثمان، فلما خرج أبوه إلى معاوية خرج معه، فشهد صفين، ثم ندم بعد ذلك فقال: مالي ولصفين، مالي ولقتال المسلمين، وخرج مع أبيه إلى مصر، فلما حضرت عمرو بن العاص الوفاة استعمله على مصر، فأقره معاوية ثم عزله " (5). هذا، وبسط المؤرخون حالات عمرو بن العاص وابنه عبد الله، وذكروا عمروا فيمن نقم على عثمان، لعزله إياه عن ولاية مصر أيام خلافته. " وخرج عمرو بن العاص إلى منزله بفلسطين وكان يقول: والله إني كنت لألقي الراعي فأحرضه على عثمان، وأتى عليا وطلحة والزبير فحرضهم على عثمان، فبينما هو بقصره بفلسطين ومعه ابناه محمد وعبد الله، وسلامة بن روح الجذامي إذ مر به راكب من المدينة، فسأله عمرو عن عثمان، فقال: هو محصور، فقال عمرو... " (6). ولقد غير عمرو موقفه اتجاه عثمان بعد محاصرته وقتله، فقال


(1 - 2) انظر سير أعلام النبلاء 3: 91. (3) تقييد العلم، الطبقات الكبرى 4: 262. (4) الطبقات الكبرى 2: 189. (5) الطبقات الكبرى 7: 495. (6) الكامل في التاريخ 3: 163 في حوادث سنة خمس وثلاثين.

[ 484 ]

الدكتور حسن إبراهيم حسن: "... وهنا غير عمرو بن العاص سياسته دفعة واحدة، وأصبح في حزب عثمان، لأنه كان - كما لا يخفى - من أشد الناس دهاء، وكان لا يعمل عملا إلا إذا تأكد من نجاحه، يدلك على ذلك أنه لم يسلم إلا بعد أن ظهر له ظهورا بينا أن محمدا ((صلى الله عليه وآله وسلم)) سوف ينتصر، وما كان ذهابه إلى الحبشة إلا ليرى ما يكون من أمر محمد وقريش، فإن كانت الغلبة لقريش كان على أولى أمره مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولم يكن قد خذل قريشا بالقعود عن نصرتها، ولكنه أسلم ودخل في الإسلام لما رأى أن أمر النبي (صلى الله عليه وآله) ظاهر على قريش لا محالة، كذلك كان حاله في هذا الظرف، فتبين له بثاقب رأيه وبعد نظره أن هذه الثورة لن تنتهي إلا بحدوث انقلاب في حالة الأمة العربية، ولم يكن عمرو بالرجل الساكن الذي لا يلتزم الحيدة في مثل تلك الظروف، بل لابد من دخوله في هذه الاضطرابات، وأن يكون له ضلع فيها، عسى أن يناله من وراء ذلك ما كان يؤمل منذ زمن طويل، لأنه كان طموحا إلى العلا (1) ". وقد نال ما كان يأمله من أمور الولاية والزعامة، فقد ولي سرية (ذات السلاسل) من قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقاد الجيش الإسلامي لفتح فلسطين على عهد أبي بكر، ومنه افتتح مصر على عهد عمر بن الخطاب في سنة ثماني عشرة من الهجرة، فقال الذهبي عنه "... وولى امرته (أي مصر) زمن عمر بن الخطاب وصدرا من دولة عثمان، ثم أعطاه معاوية الأقاليم، وأطلق مغله ست سنين، لكونه قام بنصرته، فلم يلي مصر من جهة معاوية إلا سنتين ونيفا، ولقد خلف من الذهب قناطير مقنطرة " (2). وقال عنه أيضا: " كان من رجال قريش رأيا ودهاء وحزما وبصرا بالحروب، ومن أشرف ملوك العرب، ومن أعيان الصحابة، والله يغفر له ويعفو عنه، ولولا حبه للدنيا ودخوله في أمور لصلح للخلافة، فإن له سابقة ليست لمعاوية، وقد تأمر على أبي بكر وعمر لبصيرتة بالأمور ودهائه " (3). وقد شرح الدكتور حسن إبراهيم حسن نفسية عمرو بن العاص وحبه للإمارة


(1) تاريخ عمرو بن العاص للدكتور حسن ابراهيم حسن: 240. (2) سير أعلام النبلاء 3: 58. (3) سير أعلام النبلاء 3: 59.

[ 485 ]

ومما قاله هو ".. وقد بلغ حب عمرو للإمارة أنه حين أراد أن يعقد أبو بكر الألوية لحرب الشام، كلم عمرو بن العاص عمر بن الخطاب أن يخاطب أبا بكر في تأميره على جيوش المسلمين بدل أبي عبيدة، وقد قدمنا أن عمروا كان أميرا على أبي بكر وعمر وأبي عبيدة وغيرهم أيام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)... " (1). نعم كانت هذه هي نفسية عمرو بن العاص، وقد عرفها الجميع عنه، خصوصا ولديه محمد وعبد الله، والذي يحز في النفس أن نرى ابنه الزاهد العابد عبد الله!! يتبع والده على ما ساقه هواه ونفسه في حربه ضد علي بن أبي طالب، إذ عرفه - حينما استشاره - بأن الدنيا مع معاوية والآخرة مع علي. فلو كان يعرف هذا فكيف به يدخل جيش معاوية ضد على، وهل يصح ما علله لفعله من سماعه لأمر الرسول باتباع أبيه؟!! مما لا نشك فيه أن الباري جل وعلا قد أمر الناس بإطاعة الوالدين، وأن الرسول الأكرم قد دعا المسلمين بلزوم تلك الطاعة، لكننا في الوقت نفسه لا نصدق تعميم هذا الحكم حتى لو كانت في أوامر الوالدين معصية للخالق، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فمن جهة يعلم عبد الله بأن عليا مع الحق وأن المحاربة معه محاربة للحق - لنهيه والده (2) ومن جهة أخرى نراه يصير قائدا من قواد جيش معاوية. بلى، إن عبد الله بن عمرو أكد في عدة نصوص بأن جبهة معاوية هي الفئة الباغية، فقد حكى عبد الرحمن السلمى بقوله: لما قتل عمار دخلت عسكر معاوية لأنظر هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا، وكنا إذا تركنا القتال تحدثوا إلينا وتحدثنا إليهم، فإذا معاوية، وعمرو، وأبو الأعور، وعبد الله بن عمرو يتسايرون، فأدخلت فرسي بينهم لئلا يفوتني ما يقولون. قال عبد الله لأبيه: يا أبه، قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قال. قال: وما قال؟


(1) تاريخ عمرو بن العاص: 108. (2) انظر الكامل في التاريخ 3: 275 أواخر حوادت ست وثلاثين،

[ 486 ]

قال: ألم يكن المسلمون ينقلون في بناء مسجد النبي لبنة لبنة، وعمار لبنتين لبنتين، فغشى عليه، فأتاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: ويحك يا ابن سمية، الناس ينقلون لبنة لبنة، وأنت تنقل لبنتين لبنتين رغبة في الأجر، وأنت مع ذلك تقتلك الفئة الباغية. قال عمرو لمعاوية: أما تسمع ما يقول عبد الله؟ قال: وما يقول؟ فأخبره، فقال معاوية: أنحن قتلناه؟ إنما قتله من جاء به، فخرج الناس من فساطيطهم وأخبيتهم يقولون: إنما قتل عمار من جاء به، فلا أدري من كان أعجب أهو أم هم...) (1) وعليه، فعبدالله كان يعرف بأن أباه ومعاوية هما ائمة الفئة الباغية وهما اللذان قتلا عمارا، وإن اعتراضه عليهما يكشف عن ذلك، فكيف يبقى معهم حتى آخر المطاف؟! ويحضر مجلس يزيد (2)؟!! وبم يمكننا أن نفسر هذه المشاركة منه، وهل يصح ما علله من سبب لالتحاقه بجيش معاوية؟! ألم يكن موقفة هذا هو عون للظلمة المنهي عنه في الذكر الحكيم. وللتأكيد إليك خبرا آخر في هذا السياق. جاء في الاستيعاب وأسد الغابة: أن الحسين بن علي مر على حلقة فيها أبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمرو بن العاص فسلم، فرد القوم السلام وسكت عبد الله حتى فرغوا، ثم رفع صوته، قال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. ثم أقبل على القوم وقال: ألا أخبركم بأحب أهل الارض إلى أهل السماء؟ قالوا: بلى قال: هذا هو الماشي، ما كلمني كلمة منذ ليالي صفين! ولإن يرضى عني أحب الي من أن يكون لي حمر النعم؟ فقال أبو سعيد: إلا تعتذر إليه؟


(1) الكامل في التاريخ 3: 311، وفي العقد الفريد 4: 319 فلما بلغ عليا ذاك قال: ونحن قتلنا أيضا حمزة لانا أخرجناه!!! (2) انظر تاريخ الطبري وغيره.

[ 487 ]

قال: بلى، وتواعدا أن يفدوا إليه، فلما أتياه، استأذن أبو سعيد فأذن له، فدخل، ثم استأذن لعبدالله فلم يزل به حتى أذن له، فلما دخل أخبر أبو سعيد الحسين بما جرى من قبل ذلك، فقال الحسين: أعلمت يا أبا عبد الله أني أحب أهل الأرض إلى أهل السماء؟ قال: أي ورب الكعبة. قال: فما حملك على أن تقاتلني وأبي يوم صفين؟ فوالله لأبي كان خيرا مني! قال: أجل ولكن أبي أقسم علي - وكان الرسول قد أمرني بطاعته - فخرجت، أما والله ما اخترطت سيفا ولا طعنت برمح ولا رميت بسهم؟ فان قوله (ما اخترطت سيفا و...) يوحي إلى أنه كان يعلم بضلالة الفئة التي هو فيها، فلو عرف حق الحسين وأنه أحب أهل الأرض إلى أهل السماء، وسعى إلى الاعتذار منه، فكيف نراه يلوح للفرزدق بن غالب - في الخبر الآتي، وبعد تلك الواقعة - بأن خروج الحسين جاء للملك والسلطان لقوله، (فو الله ليملكن ولا يجوز السلاح فيه ولا في أصحابه). وتمام هذه الحكاية في تاريخ الطبري، فقد جاء في (حوادث سنة ستين): عن عوانة بن الحكم عن لبطة بن الفرزدق بن غالب عن أبيه قال: حججت بأمي فأنا أسوق بعيرها حتى دخلت الحرم في أيام الحج، وذلك في سنة 60 إذ لقيت الحسين بن علي خارجا إلى مكة، معه أسيافه وتراسه، فقلت: لمن هذا القطار؟ فقيل: للحسين بن علي، فأتيته، فقلت: بأبي وأمي يابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما أعجلك عن الحج. فقال: لو لم أعجل لأخذت. قال، ثم سألني: ممن أنت، فقلت له: امرؤ من العراق، قال [ الفرزدق بن غالب ]: فوالله ما فتشني عن أكثر من ذلك واكتفى بها مني. فقال: إخبرني عن الناس خلفك. قال، فقلت له: القلوب معك والسيوف مع بني أمية، والقضاء بيد الله. قال، فقال لي: صدقت. قال: فسألته عن أشياء فأخبرني بها من نذور ومناسك، قال: وإذا هو ثقيل

[ 488 ]

اللسان من برسام أصابه بالعراق. قال، ثم مضيت فإذا بفسطاط مضروب في الحرم وهيئته حسنة، فأتيته فإذا هو لعبدالله بن عمرو بن العاص، فسألني فأخبرته بلقاء الحسين بن علي، فقال لي: ويلك فهلا إتبعته، فوالله ليملكن ولا يجوز السلاح فيه ولا في أصحابه. قال: فهممت والله أن ألحق به، ووقع في قلبي مقالته، ثم ذكرت الأنبياء وقتلهم فصدني عن اللحاق بهم، فقدمت على أهلى بعسفان قال: فوالله إني لعندهم إذ أقبلت عير قد امتارت من الكوفة، فلما سمعت بهم خرجت في آثارهم حتى إذا اسمعتهم الصوت وعجلت عن إتيانهم صرخت بهم ألا ما فعل الحسين بن علي. قال: فردوا علي ألا قد قتل. قال: فانصرفت، وأنا العن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال: وكان أهل ذلك الزمان يقولون ذلك الأمر وينتظرونه في كل يوم وليلة، قال: وكان عبد الله بن عمرو يقول: لا تبلغ الشجرة ولا النخلة ولا الصغير حتى يظهر هذا الأمر. قال: فقلت له: فما يمنعك أن تبيع الوهط. قال فقال لي: لعنة الله على فلان (يعني معاوية) وعليك. قال: فقلت: لا بل عليك لعنة الله. قال: فزادني من اللعن ولم يكن عنده من حشمه أحد، فألقي منهم شرا. قال: فخرجت وهو لا يعرفني (1). كان هذا مجمل عن حياة عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه إن لم يكن من أعداء علي بن أبي طالب فقد كان من الذين رضوا بالضلال والباطل، وذلك لمعرفته بمكانة علي بن أبي طالب والحسين بن علي وعمار بن ياسر ومظلوميتهم ثم ابتعاده عنهم. فقبوله بولاية الكوفة ومصر من قبل معاوية وتأسفه عن ذهابهما عنه، معناه عدم زهده في الملك والمال، لأنه لو كان زاهدا في أمور الدين والدنيا للزمه الاحتياط بأن يعتزل القتال ضد علي، وعدم الدخول في جبهة معاوية، ثم عدم رضاه بالولاية


(1) تاريخ الطبري 4: 291 حوادث سنة 60.

[ 489 ]

من قبله. وكذا لزمه ترك القناطير المقنطرة التي ورثها من أبيه وإرجاعها إلى بيت المال لإعانة الفقراء والمعوزين، وذلك لعلمه بأن غالب هذه الأموال كان قد حصل عليها عمرو بعد ولايته وإمرته وبدون استحقاق!!. فعلام تدل هذه المواقف؟! على الزهد أم على شئ آخر؟؟! ألم يدل قوله (أما والله على ذلك، ما ضربت بسيف ولا طعنت برمح ولا رميت بسهم، وما رجل أحوج مني من رجل لم يفعل ذلك) على أن معركة صفين كانت معركة باطلة باعتقاده، وخصوصا بعد وقوفنا على تصريحه لمعاوية وغيره بأنهم هم الذين قتلوا عمار بن ياسر - وهو الذي تقتله الفئة الباغية -!! وهل تصدق أن لا يضرب عبد الله بن عمرو بسيف ولا يطعن برمح وهو قائد ميمنة جيش معاوية (1)، والمحرض على الحرب ضد علي (2). وهو من كبار رجال جيش معاوية ومن الذين شهدوا على وثيقة التحكيم عنه (3) وهو من الذين كان يستعين بهم عمرو بن العاص لتنظيم الصفوف (4). وكيف بعبدالله لا يضرب بسيف ولا يطعن برمح وهو القائل: وقالوا لنا إنا نرى أن تبايعوا * عليا، فقلنا: بل نرى أن نضارب (5) وقد ذكر ابن الأثير في حوادث سنة إحدى وأربعين: أن معاوية استعمل عبد الله بن عمرو بن العاص على الكوفة، فأتاه المغيرة بن شعبة فقال له: استعملت عبد الله على الكوفة وأباه على مصر فتكون أميرا بين نابي الأسد، فعزله عنها واستعمل المغيرة على الكوفة (6).


(1) صفين، لنصر بن مزاحم: 206، تاريخ ابن الخياط: 118. (2) صفين: 334 وفيه (وعبد الله يحرض الناس على الحرب). (3) الاخبار الطوال: 196. (4) صفين: 227. 5) العقد الفريد 4: 320. (6) الكامل في التاريخ 3: 413.

[ 490 ]

وعليه، فعبدالله لم يكن بالزاهد العابد حسبما يصوره التأريخ، بل كان حاكما من قبل معاوية على الكوفة ومصر، ولا يعقل أن يولي معاوية شخصا لم يثبت ولائه واخلاصه له!! عبد الله بن عمرو وإجتهاده بمحضر الرسول عن ابن شهاب: أن سعيد بن المسيب وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أخبراه أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إني لأقول لأصومن الدهر ولأ قومن الليل، فقال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت الذي تقول لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت؟ قال: قد قلت ذلك يا رسول الله. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنك لا تستطيع ذلك فافطر وصم، ونم وقم، وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر. قال: قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): صم يوما وافطر يومين. قال: إني أطيق أفضل من ذلك. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): لا أفضل من ذلك. وعن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو. قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يا عبد الله بن عمرو في كم تقرأ القرآن؟ قال قلت: في يوم وليلة، قال فقال لي: إرقد وصل وصل، وارقد واقرأه في كل شهر، فما زلت أناقضه ويناقضني حتى قال: إقرأه في سبع ليال، قال ثم قال لي: كيف تصوم؟ قال قلت: أصوم ولا أفطر. قال فقال لي: صم وأفطر، وصم ثلاثة أيام من كل شهر. فما زلت أناقضه ويناقضني حتى قال لي: صم أحب الصيام إلى الله، صيام أخي داود، صم يوما وافطر يوما، قال فقال عبد الله بن عمرو: فلإن أكون قبلت رخصة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحب إلي

[ 491 ]

من أن يكون لى حمر النعم حسبتة (1). وعن يحيى بن حكيم بن صفوان: أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جمعت القرآن فقرأته في ليلة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنى أخشى أن يطول عليك الزمان وأن تمل قراءته ثم قال: اقرأه في شهر، قال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعني استمتع من قوتي وشبابي قال: اقراه في عشرين، قلت: أي رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعني استمتع من قوتي وشبابي قال: اقرأه في سبع، قلت: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعني استمتع من قوتي وشبابي، فأبى (2). وفي آخر: فغضب وقال: قم فاقرأ (3). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: زوجني أبي امرأة من قريش، فلما دخلت علي جعلت لا أنحاش لها مما بي من القوة على العبادة، من الصوم والصلاة، فجاء عمرو بن العاص إلى كنته حتى دخل عليها، فقال لها: كيف وجدت بعلك؟ قالت: خير الرجال - أو كخير البعولة - من رجل لم يفتش لنا كنفا، ولم يقرب لنا فراشا، فأقبل على فعذمني وعضني بلسانه، فقال: أنكحتك إمرأة من قريش ذات حسب فعضلتها وفعلت، ثم إنطلق إلى النبي فشكاني، فأرسل إلي النبي فأتيته، فقال لي: أتصوم النهار؟ قلت نعم! قال: أفتقوم الليل؟ قلت: نعم قال: لكني أصوم وأفطر، وأصلى وأنام، وأمس النساء، فمن رغب عن سنتى فليس مني - إلى أن قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) -: إن لكل عابد شرة، وإن لكل شرة فترة، فإما إلى سنة، وإما إلى بدعة، فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك (4) فهذه النصوص توضح بان عبد الله بن عمرو لم يتعبد بتعاليم


(1) الطبقات الكبرى 4: 264. (2) البخاري في فضائل القرآن 9: 84 ومسلم (1159) (184) كما في هامش سير أعلام النبلاء 3: 83، وانظر حلية الاولياء 1: 285. (3) حلية الاولياء 1: 285. (4) حلية الاولياء 1: 286، وانظر سير أعلام النبلاء 3: 90 ومسند أحمد 2: 158 والبخاري في فضائل القرآن 9: 82.

[ 492 ]

النبي بل كان يجتهد أمامه، راجيا التعمق في العبادة، وأن رسول الله أخبره بعاقبة الزاهد المتعمق!! هذا وقد بقى عبد الله مصرا على ما رآه حتى أواخر حياته (1) مع وقوفه على نهى الرسول وسماعه لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (لا أفضل من ذلك)، نعم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخبره بإمكان ضعفه وتكاسله عن العبادة عند الكبر لقوله (إنك لعلك أن تبلغ بذلك سنا وتضعف) (2). وفي نص آخر: يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل (3). وجاء في سيرة ابن هشام أن عبد الله بن الحارث سأل عبد الله بن عمرو: هل سمع كلام ذو الخويصرة وقوله لرسول الله لم أرك عدلت؟ فأجابه بالإيجاب، ثم نقل له كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأن له شيعة سيتعمقون في الدين (4). بلى، إن عبد الله تأسف في كبره على عدم استجابته لتعاليم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال (... فأدركني الكبر والضعف حتى وددت إني غرمت مالى وأهلي وإني قبلت رخصة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كل شهر ثلاثة ايام...) (5) وقد علق الذهبي بعد كلام طويل له بقوله ".. فمتى تشاغل العامة بختمة في كل يوم، فقد خالف الحنفية السمحة، ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه ولا تدبر ما يتلوه. هذا السيد العابد الصاحب [ يعني به عبد الله بن عمرو ] كان يقول لما شاخ: ليتني قبلت رخصة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكذلك قال له (عليه السلام) في الصوم، وما زال يناقضه حتى قال له: صم يوما وأفطر يوما، صوم أخي داود (عليه السلام)، وثبت عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: أفضل الصيام صيام داود، ونهى (عليه السلام) عن صيام الدهر (6)، وأمر (عليه السلام) بنوم قسط من


(1) لقوله: فلان اكون قبلت رخصة رسول الله أحب إلي من أن تكون لي حمر النعم حسبة. (2) الطبقات الكبرى 4: 263. (3) الطبقات الكبرى 4: 265. (4) سيرة ابن هشام 4: 139. (5) حلية الاولياء 1: 284، سير أعلام النبلاء 3: 91، مسند أحمد 2: 200، الطبقات الكبرى 4: 264. (6) اخرجه البخاري: 195 في الصوم، باب صوم داود، ومسلم (1159) (187) في الصيام باب النهي عن صيام الدهر بلفظ (لا صام من صام الابد).

[ 493 ]

الليل، وقال: (ولكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني) وكل من لم يزم نفسه في تعبده وأوراده بالسنة النبوية، يندم ويترهب ويسوء مزاجه، ويفوته خير كثير من متابعة سنة نبيه الرؤوف الرحيم بالمؤمنين، الحريص على نفعهم، وما زال (صلى الله عليه وآله وسلم) معلما للأمة أفضل الأعمال، وآمرا بهجر التبتل والرهبانية التي لم يبعث بها، فنهى عن سرد الصوم، ونهى عن الوصال، وعن قيام أكثر الليل إلا في العشر الأخير، ونهى عن العزبة للمستطيع، ونهى عن ترك اللحم إلى غير ذلك من الأوامر والنواهي. فالعابد بلا معرفة لكثير من ذلك معذور مأجور، والعابد العالم بالآثار المحمدية، المتجاوز لها مفضول مغرور، وأحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل، الهمنا الله واياكم حسن المتابعة، وجنبنا الهوى والمخالفة (1) ". وبهذا فقد وقفنا على نفسية عبد الله بن عمرو بن العاص وأن روحية الاجتهاد كانت هي الحاكمة عليه في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن بعده لا التعبد، لأنه لو كان متعبدا بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما جاز له أن يناقضه (صلى الله عليه وآله وسلم) - أو يناقصه حسب تعبير الذهبي - في كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل كان عليه الامتثال والطاعة، لقوله سبحانه * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) * (2) وإن ما قدمناه يدعونا للتشكيك فيما علله عبد الله في سبب خروجه على علي بن أبي طالب من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمره بإطاعة أبيه (3)، لأن وقوفه أمام أوامر الرسول ومناقضته له، وثبوت تأسفه وتركه لتعاليم الرسول حتى آخر حياته، كل هذه تخالف مقولته السابقة من أنه قد تعبد بكلام رسول الله!! وعليه، فخروج عبد الله بن عمرو على علي بن أبي طالب ودخوله في جيش


(1) سير أعلام النبلاء 3: 85 - 86. (2) سورة الاحزاب 33 - 36. (3) انظر سيرة أعلام النبلاء 3: 92 وقال في الهامش: إسناده ضعيف لضعف عبد الله بن قدامة ضعفه أبو حاتم و الدارقطني والنسائي وابن حبان وغيرهم.

[ 494 ]

معاوية لم يكن لتعبده بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) بل جاء اجتهادا من عند نفسه، ولما رجاه من فائدة ومصلحة في هذا الأمر!! تأثر العرب بيهود الجزيرة كل ما مر كان بمثابة المقدمة الاولى لما نريد قوله هنا، والآن مع مقدمة أخرى نأتي بها لتوضيح ما نبغي إليه. نحن قد وضحنا في بحوثنا عن (السنة بعد الرسول) أن عرب شبه الجزيرة لم تكن لهم مدنية راقية ولا ثقافة عالية قبل الإسلام (1)، وأنهم قد تأثروا كثيرا بالوافدين إليهم كيهود فلسطين و...، إذ كانوا يرجعون إليهم في كثير من الأمور، لكونهم قادمين من حضارات عريقة (كالروم والفرس و...) ويحملون معهم أخبار الديانات والمغيبات، وأنهم كانوا أصحاب كتب ومدونات، فكان العرب ينظرون إليهم نظر التلميذ إلى معلمه، ويعدوهم مصدر الثقافة الدينية والعملية لهم، فما عرض الإسلام على قبيلة أو عشيرة منهم إلا وهرعوا إلى مناطق اليهود يستفتونهم في قبول هذا الأمر أو رده. ومما جاء في هذا الأمر 1 - أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعا قبيلة كندة إلى الإسلام، فأبوا قبوله، فأخبرهم شخص أنه سمع من اليهود أنهم قالوا: إنه سوف يظهر نبي من الحرم قد أطل زمانه (2)، وهذا الخبر دعاهم للتثبت أكثر في الأمر، ثم قبوله. 2 - نجد قبيلة بكاملها تذهب إلى يهود فدك لتسألها عن قبول الإسلام أو رده (3). 3 - جاء في الاصابة: أن وفد الحيرة وكعب بن عدي أسلما على يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولما توفى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ارتابوا إلا كعبا


(1) انظر مقلنا في مجلة تراثنا العدد 53 - 54 السنة الرابعة عشرة. (2) دلائل النبوة، لأبي نعيم: 113. (3) البداية والنهاية 3: 145، دلائل النبوة لأبي نعيم: 102.

[ 495 ]

فإنه استدل على إسلامه بقوله: إنى خرجت أريد المدينة فمررت براهب كنا لانقطع أمرا دونه... (1) 4 - نقل ابن عباس عن حي من الأنصار كانوا أهل وثن، أنهم كانوا يرون لليهود المجاورين لهم فضلا عليهم في العلم، وكانوا يقتدون بكثير من فعلهم (2). إلى غير ذلك من النصوص الدالة على اعتقاد عرب شبه الجزيرة قبل الإسلام باليهود، وأنهم أهل الفصل والعلم، وممن يرجع إليهم في أمر الحياة والدين. وقد حذر الله ورسوله المؤمنين من اليهود في عدة آيات من الذكر الحكيم، وعدهم القرآن أشد الناس عداوة للذين آمنوا فقال تعالى * (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين اشركوا...) * (3)، لأنه سبحانه كان مطلعا على نواياهم وسرائرهم وأنهم هم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يستقبحون الكذب والافتراء على الله ورسوله في حين أنهم * (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) * (4) وجاء عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه أمر زيد بن ثابت بتعلم السريانية خوفا من اليهود، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لزيد: إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا علي أو ينقصوا فتعلم السريانية (5). وروي عن عمر أنه قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إنا نسمع أحاديث من يهود، تعجبنا، أفترى أن نكتبها؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى، لقد جئتكم بها بيضاء نقية (6). وروى الخطيب بسنده عن عبد الله بن ثابت الأنصاري قال: جاء


(1) الاصابة 3: 298. (2) الاسرائيليات وأثرها في كتب التفسير: 109. (3) سورة المائدة 5: 82. (4) سورة البقرة 2: 146. (5) تاريخ دمشق 6: 280، الطبقات الكبرى 2: 115. (6) النهاية، لابن الاثير 5: 282، حجية السنة: 317، جامع بيان العلم وفضله 2: 42.

[ 496 ]

عمر بن الخطاب إلى النبي ومعه جوامع من التوراة، فقال: مررت على أخ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة أفلا أعرضها عليك؟ فتغير وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله). فقال [ الأنصاري ]: أما ترى ما بوجه رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟! فقال عمر: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، فذهب ما كان بوجه رسول الله (صلى الله عليه وآله). فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): والذي نفسي بيده، لو أن موسى أصبح فيكم ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، أنتم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين (1). فتلخص مما مر: هو تأثر العرب بيهود الجزيرة قبل الإسلام وحتى بعده، إذ وقفت على نصوصهم في ذلك، والآن مع عبد الله بن عمرو وزاملة اليهود سبق أن وضحنا ارتباط بعض الصحابة باليهود واليهودية، وقد مر عليك في مدخل هذه الدراسة اعتراض أبو ذر الغفاري على كعب الأحبار بحضور عثمان وقوله له: يا ابن اليهودية أتعلمنا ديننا، وعدم ارتياح عثمان من كلام أبي ذر وتهديده له بالنفي. وكذا جاء في كلام عائشة بنت أبي بكر ما يشير إلى قناعتها باتصال الخليفة عثمان باليهود لقولها عنه (اقتلوا نعثلا (2) فقد كفر) فمن نسبة عثمان بنعثل وتصريحها بكفره، نفهم برجوع عثمان إلى بعض أفكارهم بعد الإسلام. ومن هذا المنطلق لزم علينا التعرف على عبد الله بن عمرو بن العاص وهل أخذ عن اليهودية واليهود أم لا؟ مما لا يختلف فيه اثنان من أهل التحقيق هو عثور عبد الله بن عمرو بن العاص على زاملتين من كتب اليهود في معركة اليرموك، وقد كانت صحيفته تلك تسمى أحيانا باليرموكية وأخرى بالزاملة، وقد شك بعض العلماء في حجية مرويات عبد الله، لاحتمال روايتها عن الزاملتين لا عما سمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)!.


(1) مجمع الزوائد 1: 174، المصنف لعبد الرزاق 10: 313 وقريب منه في ج 11: 111، مسند أحمد 3: 38. (2) وكان هذا رجلا يهوديا.

[ 497 ]

هذا وقد أخرج أحمد في مسنده: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن واهب بن عبد الله المعافري، عن عبد الله بن عمرو، قال: رأيت فيما يرى النائم كأن في أحد أصبعي سمنا، وفي الأخرى عسلا، فأنا العقهما، فلما أصبحت ذكرت ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: (تقرأ الكتابين التوراة والفرقان) فكان يقرأهما (1). وقد علق الذهبي على الخبر آنف الذكر بقوله (ابن لهيعة ضعيف الحديث، وهذا خبر منكر، ولا يشرع لأحد بعد نزول القرآن أن يقرأ التوراة ولا أن يحفظها، لكونها مبدلة محرفة، منسوخة العمل، قد اختلط فيها الحق بالباطل، فلتجتنب، فأما النظر فيها للاعتبار وللرد على اليهود، فلا بأس بذلك للرجل العالم قليلا، والإعراض أولى. فأما ما روي من أن النبي أذن لعبدالله أن يقوم بالقرآن ليلة وبالتوراة ليلة، فكذب موضوع، قبح الله من افتراه، وقيل: بل عبد الله هنا هو ابن سلام، وقيل: إذنه في القيام بها، أي يكرر على الماضي لا أن يقرأ بها في تهجده) (2). وعجيب من الذهبي أن يقول هذا عن عبد الله ويتهم ابن سلام بدله، وقد قال قبل قوله هذا بصفحات قليلة (... وقد روى عبد الله أيضا عن أبي بكر، وعمر، ومعاذ، وسراقه بن مالك، وأبيه عمرو، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي الدرداء، وطائفة، وعن أهل الكتاب، وأمعن النظر في كتبهم، واعتنى بذلك (3). ونحن لو قبلنا ضعف هذا الحديث بابن لهيعة، فماذا نفعل بما اتفق عليه الجميع من عثور عبد الله على زاملتين يوم اليرموك وتحديثه عنها، وعلى حسب تعبير الذهبي (... وأمعن النظر في كتبهم واعتنى بذلك). ويضاف إليه: إن غالب الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير جاءت عن عبد الله بن عمرو بن العاص لا عن عبد الله بن سلام حتى يصح ما نقله الذهبي عن البعض إنه عبد الله بن سلام!! بل اعتقادنا إن رؤيا عبد الله - وعلى عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) -، كانت من الرؤى الصادقة والتي تظهر مكنون عبد الله عند رسول الله (صلى الله عليه وآله).


(1) أخرجه أحمد في مسنده 2: 222، حلية الأولياء 1: 286، سير أعلام النبلاء 3: 86. (2) سير أعلام النبلاء 3: 86 - 87. (3) سير أعلام النبلاء 3: 81.

[ 498 ]

هذا وقد توجه الدكتور محمد بن محمد أبو شهبة إلى خطورة رفع الإسرائيليات إلى النبي فقال: " ولو أن هذه الإسرائيليات جاءت مروية صراحة عن كعب الأحبار أو وهب بن منبه أو عبد الله بن سلام وأضرابهم، لدلت بعزوها إليهم أنها مما حملوه، وتلقوه عن كتبهم، ورؤسائهم، قبل إسلامهم، ثم لم يزالوا يذكرونه بعد إسلامهم، وأنها ليست مما تلقوه عن النبي (صلى الله عليه وآله) أو الصحابة، ولكانت تشير بنسبتها إليهم إلى مصدرها، ومن أين جاءت، وإن الرواية الإسلامية بريئة منها. ولكن بعض هذه الإسرائيليات - بل الكثير منها - جاء موقوفا على الصحابة ومنسوبا إليهم - رضي الله عنهم - فيظن من لا يعلم حقيقة الأمر، ومن ليس من أهل العلم بالحديث أنها متلقاة عن النبي (صلى الله عليه وآله)، لأنها من الأمور التي لا مجال للرأي فيها، فلها حكم المرفوع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ولم تكن مرفوعة صراحة " (1). ثم جاء الأستاذ ليذكر شروط أئمة علم أصول الحديث في ذكر موقوفات الصحابة التي لها حكم المرفوع إلى النبي فقال: "... فمنشؤها في الحقيقة هو ما ذكرت لك، وهي: التوراة وشروحها، والتلمود وحواشيه، وما تلقوه عن أخبارهم، ورؤسائهم الذين افتروا، وحرفوا وبدلوا، ورواتها الأول، هم: كعب الأحبار، ووهب بن منبه وأمثالهما، والنبي والصحابة - رضوان الله عليهم - بريئون من هذا. ويجوز أن يكون بعضها مما ألصق بالتابعين، ونسب إليهم زورا، ولا سيما أن أسانيد معظمها لا يخلوا من ضعف أو مجهول، أو متهم بالكذب أو الوضع، أو معروف بالزندقة، أو مغمور في دينه وعقيدته " (2).


(1) الاسرائيليات واثرها في كتب التفسير: 94 - 95. (2) الاسرائيليات وأثرها في كتب التفسير: 96.

[ 499 ]

" ولعل قائلا يقول: أما ما ذكرت من احتمال أن تكون هذه الروايات الإسرائيلية مختلقة، موضوعة على بعض الصحابة والتابعين، فهو إنما يتجه في الروايات التي سندها ضعيف أو مجهول، أو وضاع، أو متهم بالكذب، أو سئ الحفظ، يخلط بين المرويات، ولا يميز، أو نحو ذلك، ولكن بعض هذه الروايات حكم عليها بعض حفاظ الحديث بأنها صحيحة السند أو حسنة السند، أو إسنادها جيد، أو ثابت، أو نحو ذلك فما تقول فيها؟ والجواب: أنه لا منافاة بين كونها صحيحة السند أو حسنة السند أو ثابتة السند، وبين كونها من إسرائيليات بني إسرائيل وخرافاتهم، وأكاذيبهم، فهى صحيحة السند إلى ابن عباس، أو عبد الله بن عمرو بن العاص، أو إلى مجاهد، أو عكرمة، أو سعيد بن جبير وغيرهم، ولكنها ليست متلقاة عن النبي، لا بالذات ولا بالواسطة، ولكنها متلقاة من أهل الكتاب الذين أسلموا، فثبوتها إلى من رويت عنه شئ، وكونها مكذوبة في نفسها، أو باطلة، أو خرافة شئ آخر... " (1). وقال في مكان آخر: " ويوغل بعض زنادقة أهل الكتاب فيضعون على النبي خرافات في خلق بعض أنواع الحيوانات التي زعموا أنها مسخت، ولو أن هذه الخرافات نسبت إلى كعب الأحبار وأمثاله أو إلى بعض الصحابة والتابعين لهان الأمر، ولكن عظيم الإثم أن ينسب ذلك إلى المعصوم، وهذا اللون من الوضع والدس من أخبث وأقذر الكيد للإسلام ونبى الإسلام " (2). وقال عند بيانه الإسرائيليات في بناء الكعبة (البيت الحرام والحجر الأسود) وبعد نقله خبرا عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: (قال ابن كثير: إنه من مفردات ابن لهيعة، وهو ضعيف، والأشبه والله أعلم أن يكون موقوفا على عبد الله بن عمرو بن العاص، ويكون من الزاملتين اللتين أصابهما


(1) الاسرائيليات وأثرها في كتب التفسير: 96. (2) الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير: 166 - 167.

[ 500 ]

يوم اليرموك، ومن كتب أهل الكتاب، فكان يحدث بما فيهما...) (1) وعلى هذا فنحن لا يمكننا أن نحدد نقولات عبد الله بن عمرو بن العاص وإسرائيلياته بما تتعلق بالقصص وأخبار الفتحة والاخرة وما اشبهها فقط، كما اراده لاستاذ أبو شهبه وغيره - بل نراها تسري إلى نقولاته في الأحكام الشرعية كذلك لورود هذا الاحتمال فيها، وعليه فإن وافقت تلك الأحكام اليهود فقد تكون أخذت منهم، لأن الإسرائيليات لا تنحصر بالقصص وأخبار الفتحة والآخرة، وخصوصا بعد معرفتنا بأن عبد الله كان من أهل الاجتهاد والنظر في الشريعة وعلى عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله). فإذا عرفنا هذه الأمور فيمكننا أن نطرح احتمالا فيما رواه البخاري وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي (صلى الله عليه وآله) قوله (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) وإنها جاءت لإعذار أمثاله ممن رووه عن بني إسرائيل، إذ لا يعقل أن يجيز النبي (صلى الله عليه وآله) - كما في رواية عبد الله - نقل الإسرائيليات ولا حرج، ويحظر الآخرين من نقل روايته (صلى الله عليه وآله وسلم) - كما جاء في نقل الآخرين عنه - وكذا يمكننا طرح احتمال آخر في سبب تسمية عبد الله صحيفته بالصادقة وأنها جاءت لرفع تشكيكات المشككين من الصحابة والتابعين، وعدم اطمينانهم بنقولاته عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لمخالفتها لما سمعوه وتلقوه عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فتأكيد عبد الله باختصاصه بتلك الأحاديث دون المسلمين وقوله " هذه الصادقة فيها ما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليس بيني وبينه فيها أحد " قد تكون جاءت لرفع هذا التشكيك. وضوء اليهود نقل الأستاذ كرد علي عن مخطوطة ألفها أحد كهان الطائفة السامرية في نابلس جاء فيه "... ويشترط أن يكون المصلي طاهرا، والطهارة عندهم على نوعين، الغسل أولا والوضوء ثانيا. فالطهارة من الحدث شروط أولى على كل موسوي، حتى إن لمس الحائض


(1) الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير: 237، 169 عن تفسير ابن كثير والبغوي 1: 316 ط المنار، فتح الباري 6: 31.

[ 501 ]

موجب للغسل، وعلى الحائض أن تحضر ثلاثا من النساء يقفن على رأسها حين اغتسالها. وأما الوضوء، فيغسل المتوضئ أولا يديه، وإذا كان من أصحاب الأعمال اليدوية فيغسل يديه إلى المرفقين والساعدين ثلاث مرات، ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثا ثم يغسل وجهه ويمسح اذنيه ويغسل رجليه ثلاثا، ويتلون التوراة في الصلاة باللسان.... " (1) استنتاج تحصل مما سبق: أن عرب شبه الجزيرة كانوا قد تأثروا بالحضارات المجاورة قبل الإسلام، وبما أن اليهود كان لهم تاريخ ديني قديم عند بعض تلك الأمم، فكانوا هم الأشد والأقدر تأثيرا على عرب الجزيرة. ويمكن عزو سر استقطاب اليهود للعرب هو روايتهم الحكايات العجيبة في الكون والحياة عن أنبيائهم، فمن البديهي أن يتأثر هؤلاء بأحبار اليهود لما حكوه لهم من قصص عجيبة وحكايات غريبة، وليس من السهل - بعد مجئ الإسلام - أن يتخلص هؤلاء من هذا التأثير عليهم، إذ وقفت على نصوص لبعض الصحابة في ذلك. ويضاف إليه هو اجتهاد بعض هؤلاء الصحابة بمحضر الرسول، لأن بعض هؤلاء كانوا قد سمعوا عظيم الثواب في امتثال العبادات الإسلامية، فأفرطوا في الاقبال عليها إلى حد الرهبانية التي نهى الاسلام عنها، وكان هؤلاء بعملهم هذا قد خرجوا عن حدود الامتثال والتعبد الصحيح إلى الرهبنة المنهي عنه في الإسلام وهو الاجتهاد مقابل النص. وقد يكون هذا أحد الأسباب التي أوقعت هؤلاء البعض في خلطهم للأصول والمفاهيم الشرعية، إذ أن هذا الاعتقاد سيدعوهم لإدخال ما ليس من الدين فيه. وعلى ضوء ما تقدم نقول: من غير المستبعد أن يكون عبد الله بن عمرو


(1) خطط الشام، لكرد علي 6: 219.

[ 502 ]

ابن العاص، - وأمثاله من الذين اجتهدوا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) -، وراء فكرة الوضوء الثلاثي الغسلي، لوقوفنا على إصراره لصيام الدهر، وقيام الليل وتطويله، واعتزال النساء، وختم القرآن في كل ليلة و... فهذا الصحابي وأمثاله قد يكونوا أحبوا التقرب إلى الله فراءوا التعمق في العبادة هو الطريق الأمثل إلى هذا القرب الالهي فغسلوا أرجلهم بدل المسح، لسماعهم قوله (صلى الله عليه وآله) (أفضل الأعمال أحمزها)!! مخالفين بذلك نص الرسول ونهيه على الرهبنة في الإسلام، وإن الإسلام هو التسليم لا الاجتهاد الحر. وقد يكونوا اجتهدوا على أن الغسل يكفي عن المسح، لأنه الأقرب إلى النفس، متجاهلين أن الأحكام الشرعية أمور توقيفية لا يجوز فيها الزيادة والنقيصة، بل الواجب فيها التعبد بما نزل به الوحي وعمل به الرسول. وإنا سنوضح لاحقا بأن الغسل ليس هو سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لعدم اجماع الصحابة عليه، بل إن اختلافهم في النقل عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وثبوت المسح عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من صحابة كبار أمثال ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، ورفاعة بن رافع و... لمؤشر على ذلك. ومما يحتمل في الأمر كذلك هو تأثرهم بعمل اليهود، لما عرفنا عن وضوئهم. وعلى ضوء ما مر نرجح كون عبد الله بن عمرو بن العاص من دعاة فكرة الوضوء الثلاثي الغسلي، للأسباب التالية. أولا: لملائمة الغسل لنفسيته المتعمقة في الدين ثانيا: لتأثرة - كبقية المتأثرين بأهل الكتاب وقصص اليهود -، فقد مر قول الذهبي: (وأمعن النظر في كتبهم، واعتنى بذلك). ثالثا: عثوره على زاملتين من اليهود وحكايته عنها، فربما يكون الوضوء الثلاثي الغسلي قد أخذ منهم، لعمل اليهود به، فلا يستبعد أن يكون موجودا في الزاملتين كذلك. منبهين على أن في كلام عائشة وبعض الصحابة أشد مما قلناه (1)، وسيتضح


(1) انظر مقالنا المطبوع في تراثنا العددان 55 و 56 باسم (السنة بعد الرسول) ص 64 وما بعده.

[ 503 ]

بعض آفاقه في نسبة الخبر إلى عثمان بن عفان. وعليه فلا يستبعد أن يكون عثمان بن عفان وعبد الله بن عمرو بن العاص هما اللذان أخذا بالوضوء الثلاثي الغسلي من اليهود اجتهادا منهم بأنه الأطهر والأنقى، لعدم ثبوت الغسل عن رسول الله - لما تقدم -، ولكون الروح الاجتهادية الموجودة عندهم قد تكون هي التي دعتهم لاتخاذ هكذا قرار في الوضوء. والمتأمل فيما حكاه الأستاذ كرد علي من وضوء اليهود يقف على مسائل لم يتفق المسلمون عليها، كلزوم الغسل على من لمس الحائض، أو غسل المتوضئ يديه قبل الوضوء، أو مسح الأذنين وغيرها، وهذه المسائل موجودة اليوم في فقه بعض المذاهب الإسلامية، وقد تكون قد دخلت من اليهود في الإحكام الشرعية، واختلطت مع مسائل إسلامية أخرى فأخذت صورتها اليوم. فإن تصريح ابن عباس بأنه لا يجد في كتاب الله إلا المسح ثم مخالفته لنقل الربيع عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكذا ما نراه عن بعض التابعين وقوله: إن القرآن نزل بالمسح لكن السنة جرت بالغسل، كل هذه ترشدنا إلى وجود نهجين في الشريعة، أحدهما يتعبد بالنصوص - قرآنية أم حديثية - والآخر يجتهد في معرفة الأحكام من عند نفسه. هذا وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يتخوف على أمته من شيوع هذه الروح الاجتهادية عندهم، إذ كان يأمرهم مرارا بلزوم التعبد بأقواله ونصوصه، ولو تأملت فيما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعمر بن الخطاب لما أتاه بجوامع التوارة: والذي نفسي بيده لو أن موسى (عليه السلام) أصبح فيكم ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، أنتم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين. ولفظة (وتركتموني لضللتم) تعني وبوضوح إن عدم الأخذ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الابتعاد عن الدرب والطريقة المستقيمة، لأن طاعة الله تتجلى في اتباع سنة نبيه وهو ما أمرنا به رب العالمين، لا في اجتهادات الصحابة وإن اجتهادات الصحابة المخالفة لظهور القرآن يبعدنا عن سنة الرسول لا محالة. ونحن قد وضحنا في كتابنا منع تدوين الحديث آفاق وجذور انقسام المسلمين إلى نهجين.

[ 504 ]

1 - التعبد المحض 2 - الرأي والاجتهاد وأكدنا فيه بأن الفقه الحاكم كان يأخذ بالاجتهاد قبال النص بعكس التعبد المحض الذي لا يرتضي إلا التحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد قام الوزير اليماني بدراسة تتبع فيها أحاديث معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة - وهم من النهج الحاكم - توصل من خلالها إلى أن الأحاديث المروية عن هؤلاء وحدة مترابطة تصب في هدف محدد واحد. وتلخص مما سبق: إن الوضوء الغسلي هو الأقرب إلى نفسية عبد الله ابن عمرو بن العاص وإن لم يصح إسنادها إليه - حسبما قدمنا - طبق ضوابط المحدثين، وإن المسح كان مما يعمل به عبد الله في عهد رسول الله لما حكاه عنه (كنا في غزوة فأرهقنا..) وقد مر عليك قول الأعلام بأن هذا النص أدل على المسح من دلالتها على الغسل، وبذلك فقد عرفنا أن المسح هو ما عمل به الصحابة على عهد رسول الله ومنهم عبد الله بن عمرو، أما الغسل فهو أمر طارئ حدث بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) ولظروف شرحناها مفصلا. وقد كانت للدولة الأموية يد في ذلك. ولرب سائل يقول: إن اتحاد بعض الأحكام - بين اليهودية والإسلام - في الشريعة لا يعني اتخاذ هذه الأحكام منهم، فقد تكون مشرعة وممضاة من قبل الإسلام كذلك، لعلمنا بأن الإسلام قد اقر أحكام كثيرة كانت في الأديان السابقة، ومنها شريعة موسى عليه السلام، فقد يكون الوضوء من تلك الأحكام الممضاة من قبل الشارع؟ وبعد هذا لا يجوز حصر الوضوء الغسلي باليهود، إذ أنه إسلامي كذلك، لإمضاء الله ورسوله له؟ الجواب: إن ما قلتموه صحيح، لو ثبت صدور الغسل عن الله ورسوله - حسب القواعد العلمية - لكنك قد عرفت سابقا بأن مرويات الغسل مرجوحة بالنسبة الى مرويات المسح من جميع الجهات، وسيأتي عليك في البحث القرآني بأن القرآن هو أدل على المسح من الغسل، وعليه يكون المحفوظ عن الشرع هو المسح لا الغسل، لكون

[ 505 ]

أسانيد الغسل مغلوبة كما وكيفا حسبما تقدم تفصيله. هذه من جهة السند، أما من جهة الدلالة فإن إصرار الصحابة الماسحين على المسح ونبذهم لمقولة الغسل ليوحى إلى ضياع معالم الدين، فإن تباكي أنس بن مالك وقوله: ضيعتم كل شئ وحتى الصلاة ليؤكد هذه الحقيقة. وعليه يسوغ للباحث الموضوعي المتعقل أن يحتمل احتمالا - بشكل لا يخلو من نحو اعتبار - وخصوصا حينما لم يقف على شرعية الغسل عن رسول الله أن يقول بأن الوضوء الغسلي لا يتفق مع تشريع الله ورسوله. لأن اعتراض حبر الأمة (ابن عباس) على الربيع، وتخطئة خادم الرسول (أنس بن مالك) للحجاج، واستدلال صهر الرسول وزوج بنته الإمام علي بالرأي - من باب الإلزام - وقوله (... لكان باطن القدم أولى بالمسح من ظاهره) ليرشدنا إلى سقم الروايات الغسلية عنه (صلى الله عليه وآله)، بل إن هذه الاعتراضات والأقوال تضعف ما ادعاه البعض من اجماع الصحابة والتابعين على الغسل، بل إنها تؤكد صدور العكس عنه (صلى الله عليه وآله)، وإن ما جاء عنه (صلى الله عليه وآله) في الغسل قد كثر في عهد الأمويين بالذات، وهذا ما نثبته بالأرقام في القسم الثاني من بحثنا الروائي. نعم قد أجمعت المذاهب الأربعة على الغسل، وأنت تعلم بأن اجماع هؤلاء لا يمكن أن يرجح على ما جاء عن عهد الصحابة وثبوت اختلافهم في الوضوء. وإن الباحث المحقق يعرف بأن الغسل جاء لاحقا وتبعا لمواقف الخلفاء (الأمويين والعباسيين) وإن الناس أبو إلا ذلك، لقرب الغسل إلى الرأي والاستحسان. وبعد هذا فلا يحق لنا ولا لغيرنا أن يدعي اجماع الأمة على الغسل أو المسح - أو القول بأن الغسل هو سنة رسول الله لا غير - لثبوت اختلاف الصحابة في ذلك، ولمعرفته بعدم ثبوت الغسل عنه (صلى الله عليه وآله)، فان جعل القائل المدعى دليلا هو مصادرة بالمطلوب حسب تعبير الأصوليين، ولا يمكن قبوله والركون إليه لعدم ثبوته عندنا. وعليه فيكون ما ادعيناه هو الأقرب إلى نفسية عبد الله بن عمرو بن العاص - وإن كانت روايات الغسل عنه ضعيفة سندا - وذلك لامتلاكه روحية الاجتهاد قبال النص، وعثوره على زاملتين من اليهود، وتحديثه بها، ولما شرحناه من ملابسات أخرى في هذه الدراسة.

[ 507 ]

مناقشة رواية الربيع بنت المعوذ بن عفراء سندا ودلالة ونسبة المناقشة السندية لخبرها البحث الدلالي نسبة الخبر إليها

[ 509 ]

أخرج اصحاب السنن والمسانيد أحاديث للربيع بنت المعوذ بن عفراء الأنصارية رواها، عنها عبد الله بن محمد بن عقيل، والطرق إلى عبد الله كثيرة، أهمها ما رواه سفيان بن عيينه ومعمر بن راشد، وروح بن القاسم عنه. الأسانيد فاما ما رواه سفيان: فقد أخرجه الحميدي في مسنده، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، قال: أرسلني علي بن الحسين إلى (الربيع بنت) المعوذ بن عفراء أسألها عن وضوء رسول الله 9 وكان يتوضأ عندها، فأتيتها فأخرجت إلي إناء يكون مدا أو مدا وربع بمد بني هاشم، فقالت: بهذا كنت أخرج لرسول الله 9 الوضوء فيبدأ فيغسل يديه ثلاثا قبل أن يدخلهما الإناء ثم يتمضمض ويستنثر ثلاثا ثلاثا، ويغسل وجهه ثلاثا، ثم يغسل يديه ثلاثا ثلاثا، ثم يمسح رأسه مقبلا ومدبرا، ويغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، قالت: وقد جاءني ابن عمتك (وفي نسخة: ابن عم لك)، فسألني عنه فاخبرته، فقال: ما علمنا في كتاب الله إلا غسلتين ومسحتين - يعنى ابن عباس (1) -. وفي مسند أحمد: قال عبد الله، حدثني أبي، حدثنا سفيان بن عيينة، قال حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل قال: أرسلني علي بن الحسين إلى الربيع بنت المعوذ ابن عفراء، فسألتها عن وضوء رسول الله 9، فأخرجت له - يعني إناء يكون مدا أو نحو مد وربع - قال سفيان: كأنه يذهب إلى الهاشمي - قالت: كنت أخرج له الماء في هذا فيصب على يديه ثلاثا، وقال مرة يغسل يديه قبل أن يدخلهما، ويغسل وجهه


(1) مسند الحميدي 1: 164.

[ 510 ]

ثلاثا، ويمضمض ثلاثا ويستنشق ثلاثا ويغسل يده اليمنى ثلاثا واليسرى ثلاثا ويمسح برأسه، وقال: مرة أو مرتين مقبلا ومدبرا، ثم يغسل رجليه ثلاثا، وقد جاءني ابن عم لك فسألني - وهو ابن عباس - فأخبرته، فقال لي: ما أجد في كتاب الله إلا مسحتين وغسلتين (1). واما ما رواه معمر فقد أخرج عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع، أن رسول الله 9 غسل قدميه ثلاثا ثم قالت لنا: إن ابن عباس قد دخل علي فسألني عن هذا (الحديث) فأخبرته، فقال: يأبى الناس إلا الغسل، ونجد في كتاب الله المسح - يعني القدمين - (2). واما ما رواه روح بن القاسم فقد أخرج ابن أبي شيبة، حدثنا ابن علية، عن روح بن القاسم، عن عبد الله ابن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت المعوذ بن عفراء، قالت: أتاني ابن عباس فسألني عن هذا الحديث - تعني حديثها الذي ذكرت أنها رأت النبي توضأ، وأنه غسل رجليه - قالت: فقال ابن عباس: أبى الناس إلا الغسل ولا أجد في كتاب الله إلا المسح (3) المناقشة رواة الطرق السابقة كلهم ثقات، إلا عبد الله بن محمد بن عقيل، فقد لينه بعض أهل العلم (4)، إلا أنهم لم يمسوه في أصل عدالته أو صدقه، لأن تليينهم جاء لسوء


(1) مسند أحمد 6: 358 وانظر السنن الكبرى للبيهقي كذلك 1: 72. (2) المصنف لعبد الرزاق بن همام 1: 22 ح 65 وعنه في كنز العمال. (3) المصنف لابن أبي شيبة 1: 37 ح 99 وعنه في كنز العمال. (4) ولنا في نسبة الخبر إلى الربيع بعض الكلام عن أمثال هذه التلينات ومدى حجيتها، واسبابها.

[ 511 ]

حفظه وقلة ضبطه وإليك أهم اقوالهم فيه: قال يعقوب: وابن عقيل صدوق، وفي حديثه ضعف شديد جدا (1). وقال أبو معمر القطيعي: كان ابن عيينة لا يحمد حفظه (2). وقال الحميدي عن سفيان: كان ابن عقيل في حفظه شئ فكرهت أن ألقه (3). وقال أبو بكر بن خزيمة: لا احتج به لسوء حفظه (4). وقال الترمذي: صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان أحمد بن حنبل واسحاق بن ابراهيم والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل، قال محمد بن إسماعيل: وهو مقارب الحديث (5). وقال أحمد بن عبد الله العجلي: مدني تابعي جائز الحديث (6). وقال ابن حجر: حديثه لين، ويقال: تغير بأخرة (7). وقال الحاكم: عمر فساء حفظه، فحدث على التخمين، وقال في موضع آخر: مستقيم الحديث (8). وقال أبو أحمد ابن عدي روى عنه جماعة من المعروفين الثقات، وهو خير من ابن سمعان، ويكتب حديثه (9). وقال عمرو بن علي: سمعت يحيى وعبد الرحمن جميعا يحدثان عن عبد الله بن محمد بن عقيل، والناس يختلفون فيه (10). وقال الفسوي: صدوق، في حديثه ضعف (11).


(1) تهذيب الكمال 16: 81. (2 - 4) الجرح والتعديل 5: الترجمة 706، تهذيب الكمال 16: 81. (5) الجرح والتعديل 5: الترجمة 706، تهذيب الكمال 16: 81. 6) تهذيب الكمال 16: 83 عن الثقات للعجلي الورقة 31. (7) تقريب التهذيب 1: 447. (8) تقريب التهذيب 6: 15. (9) الكامل في الضعفاء 4: 129. (10) تهذيب الكمال 16: 81. (11) سير أعلام النبلاء 6: 205.

[ 512 ]

هذه هي أهم الأقوال الواردة فيه، وقد رأيت أن علة التليين لا تتعدى سوء حفظه وإلا فهو في نفسه ثقة صدوق، وقد احتج به بعض أساطين العلم كأحمد بن حنبل والحميدي وإسحاق بن إبراهيم. وعليه فقد اتضح من مجموع كلمات العلماء أن عبد الله بن محمد بن عقيل ممن يتابع عليه، وذلك لأنه لم يجرح بما يمس بوثاقته وصدقه، بل تليينه جاء لسوء حفظه، وهذا الضعف قد يتدارك - بواسطة القرائن وغيرها - فترتقي مروياته من درجة الضعف إلى درجة الحسن، وقد مر عليك (في مرويات عبد الله بن عباس المسحية) إسناد ابن ماجة عن الربيع الذي حكم عليه بأنه طريق حسن (1)، وهذا يقتضي أن ما أسنده عبد الرزاق عن الربيع - وكذا البيهقي عنها هنا - حسن أيضا لاتحاد العلة في الجميع، إذ أن جميع رواة هذه الأسانيد - سوى عبد الله - ثقات حفاظ، بل إن بعضهم أئمة! وإليك القرائن التي يمكن بمجموعها أن ترقى هذه الأسانيد إلى درجة الحسن. 1 - روى هذا الحديث عن عبد الله بن محمد بن عقيل ثلاثة من أثبات أهل العلم. فالاول: سفيان بن عيينة على ما في إسناد الحميدي والبيهقي و... والثانى: معمر بن راشد الأزدي، على ما في إسناد عبد الرزاق. والثالث: روح بن القاسم، على ما في إسناد ابن ماجة وأبي بكر بن أبي شيبة، والذي قال عنه الذهبي: قد وثقه الناس، فرواية ثلاثة أعلام كهؤلاء عنه بمتون متفقة بلا زيادة فيها ولا نقيصة، لقرينة قوية على صدور قول ابن عباس المتقدم للربيع. 2 - ظاهر كلام الترمذي هو الاحتجاج بما يرويه عبد الله بن محمد بن عقيل، لو اتفقت مروياته مع مرويات الثقات لأنه كان قد صدر باب (ما جاء في مسح الرأس مرة) بما رواه محمد بن عجلان - الضعيف - عن عبد الله ابن عقيل عن الربيع، وقال بعد ذلك: " والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم "، ومعنى كلامه هو احتجاجه بمرويات


(1) انظر ص: من هذا المجلد.

[ 513 ]

الضعفاء لو وافقت ما رواه الثقات، أي أن هذه الروايات تكون حسنة بغيرها. فلو كانت رواية ابن عجلان عن عبد الله بن عقيل معتبرة - بنص الترمذي - مع أن فيها ابن عجلان الضعيف، فهذه الرواية أولى بالعمل لكون الجرح هنا في عبد الله وحده. 3 - إن الذى رواه عبد الله بن محمد بن عقيل في هذه الإسانيد عن ابن عباس هو الأقرب للواقع، لموافقته للروايات الصحيحة المسحية عن ابن عباس ولأقوال العلماء الجازمة بأن مذهب ابن عباس هو المسح على القدمين لا غير والذى مر عليك في مرويات عبد الله بن عباس المسحية. نعم، إنهم يطلقون على روايات ابن عقيل وجابر الجعفي وامثالهم أنها منكرة، لكي لا يأخذ الناس بها، وسيتضح لك من بحوثنا إن النكارة عند القوم غير النكارة الحقيقية، فالنكارة عندهم هي رواية شئ لا يرتضونه، وليس معناه عدم صحة تلك الروايات، إذ إنك ستلاحظ وجود متابعات وشواهد كثيره تدل على صحة تلك الاخبار المدعاة فيها النكارة، وفي نسبة الخبر إلى الربيع إشارة اجمالية إلى جذور هذه المساله ودواعي هكذا نسب. البحث الدلالي إن قول ابن عباس للربيع بنت المعوذ (أبى الناس إلا الغسل ولا أجد في كتاب الله إلا المسح) يوقفنا على أمور: الاولى: وقوع هذا القول منه لها ما بين سنة 40 إلى 60 للهجرة، لأن قوله " أبي الناس " لا يحصل إلا بعد شيوع هذا الوضوء بينهم، وهذا لم يحصل إلا في الزمن المتأخر، لأنا قد وضحنا سابقا - في مدخل الدراسة - عدم اختلاف الأمة في الوضوء على عهد الرسول والشيخين، وأن الخلاف قد ظهر في عهد عثمان بن عفان بالخصوص، ورجحنا فيه كون عثمان من الماسحين - في الست الاوائل من عهده - وأن قوله (إن ناسا) المطروح في صدر الدراسة كان المنعطف في هذا الامر، لأن الأمة كانت لا ترضى به ولا بوضوئه، بل أدى اختلافهم معه إلى إباحة دمه وقتله، فلا يصح أن يكون - إباء الناس إلا الغسل!! - في تلك الفترة من تاريخ الاسلام، بل إن هذا التضاد بين الخليفة عثمان والأمة هو الذي دعاه أن يشهد بعض الصحابة على

[ 514 ]

وضوئه ويحمد الله على موافقتهم له. إذا يكون اللقاء الأول بينها وبين الطالبيين، هو ما دار بين ابن عباس والربيع في سنة 40 إلى 60، وقد حددنا الخبر بهذه الفتره لوجود حالة الانفتاح واللين بين الصحابة - في عهد معاوية - ولاضطهاد ابن عباس في الزمن المتأخر - وبعد مقتل الحسين بالذات - وتخليه عن الافتاء. أما اللقاء الثاني فكان بين الربيع وعبد الله بن محمد بن عقيل - بعد مقتل الإمام الحسين - لأن إرسال على بن الحسين ابن عمه عبد الله بن محمد بن عقيل لا يمكن تطبيقه إلا في هذه الفترة، لأن عبد الله بن محمد بن عقيل كان قد توفى سنة 145 وهو من الطبقة الرابعة من التابعين، وعلى بن الحسين توفى سنة 92 وهو من الطبقة الثانية، فلا يتصور ولادة عبد الله إلا في العهد الأموي، كان هذا بعض الشئ عن تاريخ النص والاسرار الكامنة فيه. الثانية: إن ما نقلته الربيع عن ابن عباس وقوله (أبى الناس إلا الغسل) يفهمنا بأنه كان يريد من كلامه الاستدلال بثلاثة أشياء على شرعية المسح: الاول: استدلاله بالقرآن وأنه لم يجد فيه غير المسح. الثاني: استدلاله بالسنة النبوية، وينتزع ذلك من رفضه لنقل الربيع واعتراضه عليها، وهذا يفهم بأنه كان لا يقبل نقلها، حيث لم يرى النبي (صلى الله عليه وآله) قد فعل ذلك، وهو الذي بات عنده وصلى معه ورأى وضوءه وشمله دعائه. الثالث: استدلاله بالرأي الزاما منه لهم فقوله: " ألا ترى سقوط التيمم في الرأس والرجلين " يفهم بأنه كان يريد أن يلزمهم بما الزموا به انفسهم! الثالثة: إن النص السابق - وغيره - يرشدنا إلى تخالف الطالبيين مع الربيع والنهج الحاكم في الوضوء، لأن إرسال على بن الحسين عبد الله بن محمد بن عقيل، إلى الربيع، ومجئ عبد الله بن عباس وعبد الله بن محمد بن عقيل إليها، لا يعنى أنهم جاءوا ليأخذوا الوضوء عنها، بل يرشدنا إلى أن موقفهم كان اعتراضي، ومعناه أنهم لم يأتوها مستفهمين بل مستنكرين؟! إذ لا يعقل أن لا يعرف ابن عباس حكم الوضوء وهو الذي بات عنده وصلى معه. أو أن لا يعرف علي بن الحسين وضوئه حتى يرسل ابن عمه ليسئل الربيع عنه

[ 515 ]

- وهو بذاك العمر وهو من ائمة المسلمين وفقهاء أهل البيت -. وكذا الحال بالنسبة إلى عبد الله فلا يعقل أن لا يعرف الوضوء وهو من أهل بيت الرسول وهو ابن زينب الصغرى وخاله محمد بن الحنفية وابن عمه السجاد. الرابعة: إن نص الربيع وما نقلته عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسح الرأس مقبلا ومدبرا لم يرد إلا في رواية عبد الله بن زيد بن عاصم ومعاوية، ونحن قد تكلمنا عن ملابسات هذا الخبر وكيفية نسبته إلى عبد الله حين مناقشتنا لمروياته واحتملنا أن يكون الغسل منسوب إليه، لكونه من مغموري الصحابة وأن الخلفاء كانوا يحتاجون إلى أنصاري يروى لهم الوضوء فوقع اختيارهم عليه، وهذا الاحتمال لا يستبعد طرحه هنا كذلك، لأن الربيع لم تكن بتلك المرأة المعروفة في تاريخ الإسلام وهي أنصارية فلا يستبعد أن يكونوا قد - نسبوا لها هذا، أو أنهم - اقنعوها بأن الغسل سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنقلت الخبر اجتهادا من عند نفسها لكن بصورة الحس والمشاهدة، أو أنها اجتهدت فيما رأته عن الرسول وتصورت أن ما فعله كان على نحو السنة، لأن ما حكته ينقض بعضه بعضا، وإنا سنوضح سقم رأيها بعد قليل في نسبة الخبر إليها. الخامسة: إن نصوص الربيع في الوضوء عن رسول الله تخالف ما اشتهر عنه فيه، فإنها قد روت عنه (صلى الله عليه وآله) أنه مسح رأسه ما اقبل منه وما ادبر وصدغيه وإذنيه مرة واحدة، وجاء عن بقية الصحابة أنه (صلى الله عليه وآله) مسح رأسه ثلاثا، وجاء عنها - في سنن ابن ماجة - قولها: توضأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمسح رأسه مرتين (1)، وهذا يخالف ما جاء عن عثمان وعلي وسلمة بن الأكوع بأنه (صلى الله عليه وآله) مسح رأسه مرة (2). وقد جاء في الجامع للترمذي عنها أن رسو ل الله بدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه، كلتيهما ظهورهما وبطونهما. وهذا يخالف ما جاء عن عبد الله بن زيد بن عاصم حيث قال: بدأ (صلى الله عليه وآله) بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدء منه. وفي سنن الدار قطني: قال العباس: هذه المرأة (ويعنى بها الربيع) حدثت عن


(1) سنن ابن ماجة 1: 150 ح 438. (2) سنن ابن ماجة 1: 150 ح 435، 436، 437.

[ 516 ]

النبي أنه بدأ بالوجه قبل المضمضة والاستنشاق، وقد حدث أهل بدر منهم عثمان وعلي رضي الله عنهما أنه بدأ بالمضمضة والاستنشاق قبل الوجه والناس عليه (1). وهناك مقاطع أخرى في خبرها تخالف به نقولات الصحابة. فبأى النقولات نأخذ وما هي سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ نترك ذلك للقارى كي يحكم فيه؟.


(1) الدار قطني 1: 96 ح 5.

[ 517 ]

نسبة الخبر إليها نحن كنا قد آلينا على انفسنا - من أول الدراسة إلى هنا - الإشارة إلى بعض بحوثنا التأسيسية على سبيل الأجمال حين تفتقر الحاجة إليها، وذلك لاعتقادنا بافتقار هكذا دراسات لمثلها، لأن في دراسة ملابسات التشريع والمؤثرات التي أدت إلى اختلاف المسلمين العطاء الفكري الكثير، لكونه يوقفنا على العلل والاسباب ويفهمنا بواقع الاختلاف وجذوره وظروفه الحقيقية والموضوعية. فنحن قد بينا أولا في نسبة الخبر إلى ابن عباس ظاهرة اختلاف النقل عن الصحابي الواحد، ثم اعقبناه ببيان معالم الرأي والاجتهاد في الأحكام الشرعية ودور القرشيين في هذا التحريف - في نسبة الخبر إلى علي بن أبي طالب - ثم أشرنا في نسبة الخبر إلى عبد الله بن زيد بن عاصم إلى تخالف الانصار مع القرشيين في الفقه والخلافة، والآن مع بيان ظاهرة اخرى في هذا المضمار، هي فاشية عند أئمة الجرح، فإنهم بعد أن عدوا التشيع والنصب من الجروح، نراهم يعدلون عن هذا في أغلب الأحيان، فيأخذون جانبا ويذرون الآخر منه، فمثلا نراهم يعدلون قتلة علي وعمار و... في حين يجرحون من روى في مثالب معاوية و...!! وهكذا الحال بالنسبة لرواة الفضائل، فهم يجرحون رواة فضائل علي (1)، ويعتبرون محبة غيره تعديلا (2). وهذا إن دل على شئ فهو ادل على إمتداد الاتجاهين في علم الرجال كذلك. وإنك لو راجعت البخاري مثلا لرأيته قد تجنب الأخذ عن جعفر الصادق،


(1) كما مر عليك في ترجمة عبد الرزاق بن همام وغيره، انظر الأبواب الثلاث الأول من كتاب " العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل " لمحمد بن عقيل، ففيه أسماء من جرحوهم من أهل البيت وبعض محبيهم وشيعتهم. (2) كما سيأتي عليك فيما قالوه عن بعض محبي معاوية، وللمزيد انظر الابواب الثلاث الاخيرة من كتاب " العتب الجميل " ففيه تعديلهم لأعداء أهل البيت والفساق!!

[ 518 ]

ومثله الحال بالنسبة إلى الإمام مالك، فإنه كان لا يروي عن الصادق حتى يضمه إلى آخر (1)، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، ولا يحتج به ويستضعف (2). في حين نراهما ينقلان عن بعض النواصب ومخالفي الإمام علي بالخصوص!!، وقد عاتب العلامة أبو بكر بن شهاب، البخاري لعدم روايته عن الصادق بقوله: قضية أشبه بالمرزئة * هذا البخاري إمام الفئة بالصادق الصديق ما احتج في * صحيحة واحتج بالمرجئة ومثل عمران بن حطان أو * مروان وابن المرأة المخطئة مشكلة ذات عوار إلى * حيرة ارباب النهى ملجئة وحق بيت يممته الورى * مغذة في السير أو مبطئة إن الإمام الصادق المجتبى * بفضله الأي أتت منبئة أجل من في عصره رتبة * لم يقترف في عمره سيئة قلامة من ظفر إبهامه * تعدل من مثل البخاري مئة وقال الذهبي عنه: بر صادق، كبير الشان، لم يحتج به البخاري (3). قال علي بن المديني: سئل يحيى بن سعيد القطان عن الصادق فقال: في نفسي منه شئ ومجالد أحب الي منه (4). فلا عجب بعد هذا أن يقدم القطان مجالدا على الصادق، ومجالد هو الذي قال عنه النسائي في الضعفاء والمتروكين: ضعيف (5)، وابن معين: لا يحتج به (6)، وأحمد


(1) هذا ما نقله مصعب عنه، انظر تهذيب الكمال 5: 76 تهذيب التهذيب 2: 156. 2) حكاه إبن حجر عنه في تهذيب التهذيب 2: 104. (3) ميزان الاعتدال 1: 414 ترجمة 1519، تذكرة الحفاظ 1: 166، سير أعلام النبلاء 6: 255. (4) تهذيب التهذيب 2: 104. (5) الضعفاء والمتروكين: 213 الترجمة 552. (6) ميزان الاعتدال 1: 414، تاريخ الإسلام لعام 141 - 161 ص 288. تهذيب التهذيب 2: 156، تهذيب الكمال 27: 219.

[ 519 ]

ابن حنبل: ليس بشئ، يرفع كثيرا مما لا يرفعه الناس (1). وقال البخاري: كان يحيي بن سعيد يضعفه وكان ابن مهدي لا يروى عنه وكان ابن حنبل لا يراه شيئا، يقول ليس بشئ (2). وقال عمرو بن علي: سمعت يحيى بن سعيد يقول:... ولو شئت أن يحملها لي مجالد كلها عن الشعبي عن سروق عن عبد الله فعل (3). وقد عاتب العلامة صارم الدين الوزير - من الزيدية - يحيى بن سعيد القطان بقوله: رام يحيى بن سعيد * لك يا جعفر وصما واتى فيك يقول * ترك الاسماع صما (4) فلا عجب بعد هذا أن يفعلوا هكذا مع أهل بيت النبوة إذ أنها كانت نتيجة طبيعتة لسلسلة الاحداث التي مر بها تاريخ الاسلام، ابتداء من سن لعن علي بن أبي طالب على المنابر، ومرورا بسم الحسن وقتل الحسين، حتى وصل الأمر إلى ترك الأخذ عن الصادق بحجة أنه يروي مرسلا!! وللشيخ محمد أبو زهرة كلام جميل في الإمام الصادق قال فيه: ومن الغريب أننا نجد بجوار هؤلاء من محدثي القرن الثالث من يشكك في رواية الإمام الصادق - عترة النبي - ويتكلم في الثقة في حديثه * (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولوا إلا كذبا) * ولكن التعصب المذهبي يعمي ويصم وليس في قول المغالين ولا في قول المشككين ما ينقص من مقام الإمام الصادق الجليل، فلم ينقص من مقام جده علي بن أبي طالب كرم الله وجهه كذب الكذابين عليه، كما لم يضر عيسى بن مريم (عليه السلام) افتراء المفترين عليه، ما بين منكر لرسالته ومدع لألوهيته) (5). نعم إنهم قالوا في النسائي: أنه آذى نفسه بكلامه في أحمد بن صالح المصري (6)


(1 - 3) تهذيب الكمال 27: 222. (4) انظر الفلك الدوار: 42 وعنه في الرواة والشهود للدكتور المحطوري: 214. (5) الإمام الصادق، لابي زهرة: 39. (6) ميزان الاعتدال 1: 103 الترجمة 406.

[ 520 ]

ولم يقولوا في يحيى بن سعيد القطان أنه اذى نفسه بكلامه في الإمام الصادق!! ولم نرى يحيى بن معين - وهو إمام الجرح والتعديل - يقول في حريز بن عثمان والجوزجاني - وهم من النواصب - ما قاله في جارح أحمد بن حنبل: " ما احوجه إلى أن يضرب، وشتمه (1) "!! بل نراه يلين الشافعي لامور واهية (2)، بل أنه لين بعضا لعدم روايته في فضائل معاوية وجرح آخر لروايته في فضائل علي؟!! وغيرها من النصوص الدالة على تخالف النهجين في الرجال كذلك! فقد نقل عن ابن معين أنه سمع الإمام أبي الأزهر - الذي قال فيه الذهبي -: ثقة بلا تردد، يحدث عن عبد الرزاق الصنعاني حديثا في علي. قال: من هذا الكذاب النيسابوري الذي حدث بهذا عن عبد الرزاق؟ فقام أبو الأزهر، فقال: هو ذا أنا، فتبسم يحيى بن معين وقال: اما أنك لست بكذاب، وتعجب من سلامته، وقال: الذنب لغيرك فيه (3) ياترى لماذا صنع يحيى بن معين هكذا؟ نعم، أنهم تكلموا في أحمد بن الازهر النيسابوري لروايته عن عبد الرزاق عن معمر حديثا في فضائل علي - وحسب إدعاء بعضهم - يشهد القلب بانه باطل، والحديث - المعهود هو - عن معمر عن الزهري عن عبد الله بن عباس قال: نظر النبي إلى علي، فقال: أنت سيد في الدنيا، سيد في الآخرة، حبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله، فالويل لمن ابغضك (4) فقد تكلموا في عبد الرزاق لروايته هذا الحديث الذي له شواهد ومتابعات كثيرة عليه. فبما يمكننا أن نفسر هذه الظاهرة عند الرجاليين لو لم يصح ما قلناه.


(1) سير أعلام النبلاء 12: 79 - 82، وكذا في ميزان الاعتدال. (2) انظر هامش تهذيب الكمال 24: 380. (3) سير أعلام النبلاء 12: 366، تهذيب الكمال 1: 260. (4) المستدرك للحاكم 3: 128، مجمع الزوائد 9: 133، تهذيب التهذيب 1: 11 - 13، تاريخ بغداد 4: 41.

[ 521 ]

بلى أنها كانت حلقات متواصلة لنهج واحد، فقد اتهموا الحاكم النيسابوري بالتشيع لروايته حديث الطائر المشوي وحديث من كنت مولاه فعلي مولاه في كتابه (1). واتهم خيثمة بن سليمان العابد بالتشيع لتأليفه في فضائل الصحابة ومنها فضائل علي. قال غيث بن علي: سألت عنه الخطيب فقال: ثقة ثقة، فقلت يقال: أنه متشيع، قال: ما ادري إلا أنه صنف في فضائل الصحابة ولم يخص احدا (2) وقد مر عليك أنهم نقموا على عبد الرزاق بن همام لروايته الفضائل، قال الذهبي: وما كان يغلوا فيه بل كان يحب عليا ويبغض من قاتله (3). لقد رابني من عامر أن عامرا * بعين الرضا يرنوا إلى من جفانيا وقال الآخر: وعيرها الواشون أني احبها * وتلك شكاة ظاهر عنك عارها (4) نعم أنهم وثقوا الخارجي البغيص عمران بن حطان - الراثي عبد الرحمن ابن ملجم (5) - وقاتل الحسين عمر بن سعد (6)، ومروان بن الحكم - لاعن


(1) انظر تاريخ بغداد 5: 474. (2) لسان الميزان 2: 411. (3) تذكرة الحفاظ 1: 364. (4) خزانة الادب 9: 505. (5) بقوله: يا ضربة من تقي ما أراد بها * إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لاذكره يوما فأحسبه * أو في البرية عند الله ميزانا اكرم بقوم بطون الارض أقبرهم * لم يخلطوا دينهم بغيا وعدوانا لله در المرادي الذي سفكت * كفاه مهجة شر الخلق انسانا أمس عشية عشاه بضربته * مما جناه من الآثام عريانا (6) سير أعلام النبلاء 4: 349 الميزان 2: 258 تهذيب التهذيب 7: 450، وقد سئل =

[ 522 ]

علي بن أبي طالب - والقائل للحسين: أنتم اهل بيت ملعونون (1) خلافا لصريح القرآن الكريم الذي يقول عنهم أنهم أهل بيت مطهرون. ومثله توثيقهم لعنبسة بن خالد الأموي الذي كان يعلق النساء بالثدي والجوزجاني وحريز الناصبين. وفي المقابل نراهم يجرحون محبي علي ورواة فضائله وفضائل اهل بيته الذين مر عليك اسماء بعضهم. وقال الشاعر: إن بني ضرجوني بالدم * وخضبوا وجهي بلون العندم من يلق أساد الرجال يكلم * شنشنة أعرفها من أخزم كان هذا بعض الشئ فيمن روى فضائل علي بن أبي طالب وما جرى على أهل بيته من مأسي ومصائب، والان مع حكم من يذكر مثالب معاوية وغيره. فجاء في ترجمة ابراهيم بن الحكم بن ظهر الكوفي قول أبي حاتم فيه: كذاب روى في مثالب معاوية فمزقنا ما كتبنا عنه (2). وقد جرح عبد الرزاق بن همام لقوله - لمن ذكر معاوية في مجلسه - لا تقذر مجلسنا بذكر ولد أبي سفيان (3).


= ابن معين عن هذا القاتل أهو ثقة؟ فقال: كيف يكون قاتل الحسين ثقة؟ وقد حدث يحيى بن سعيد عنه، فقال له رجل: أما تخاف الله؟ تروى عن عمرو بن سعد؟ فبكى، وقال: لا أعود يا أبا سعيد، هذا قاتل الحسين، أعن قاتل الحسين تحدثنا؟ انظر تهذيب الكمال 21: 257 و تقريب التهذيب 2: 56. (1) سير أعلام النبلاء 3: 478، مختصر ابن عساكر 24: 181 وانظر لعن النبي له في المستدرك للحاكم 4: 479. (2) ميزان الاعتدال 1: 27 الترجمة 73. (3) ميزان الاعتدال 2: 610 الترجمة 5044.

[ 523 ]

وقد نقل الذهبي عن الحاكم النيسابوري: أنه تكلم في معاوية فأوذي (1). وقد ضرب النسائي حتى اصابه الفتق، لعدم روايته في فضائل معاوية، بل تجريحه له، وهلموا جرا فعلل وتفعلل؟!! نعم أنهم نسبوا لإبراهيم بن الحكم الكوفي، الكذب لروايته حديثا في معاوية لا يقبلونه، وهذا النهج كان ساريا عندهم وقد وضحنا بعضه سابقا (2)، وقد اشرنا إلى دور الأمويين في تحريف الاحاديث لفظا ومعنى، فإنهم كانوا يقدمون على التحريف المعنوي حينما يرون شيوع النص اللفظى بين الناس بحيث لا يمكنهم تصحيفه وتحريفه، وقد كان عملهم هذا يعمل بشكلين، فتارة كانوا يضعون حديثا آخر في تحريفه، واخرى يأتون بتأويل وتفسير له بصورة ترضيهم بحيث يشكك الآخرين في دلالته. ومثال الاول: ما جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة وأبي هريرة: اللهم إنما أنا بشر فايما رجل من المسلمين سببته أو جلدته أو لعنته فاجعلها له زكاة ورحمه (3). ومثال الثاني: ما قاله بعض محبي معاوية في تأويل قوله (ص) (لا أشبع الله بطنك)، بانها مكرمة له حتى لا يكون ممن يجوع يوم القيامة لأنه (صلى الله عليه وآله) كان قد قال في حديث آخر (اطول الناس شبعا في الدنيا اطولهم جوعا يوم القيامة) (4)، وبذلك يكون هذا النص هو دعاء له لا عليه. في حين إنا لو عرفنا وقت صدور النص وملابسات لاتضح لنا بأنه كان دعا عليه


(1) وهو ما حكاه العماد الحنبلي عنه، انظر شذرات الذهب 3: 177. (2) في مدخل الدراسة راجع (الوضوء في العهدين الأموي والعباسي) منه، ونسب الخبر في هذه الدراسة. (3) صحيح مسلم 4: 2007 / 88، مسند احمد 3: 400. (4) الترمذي 4: 560 رقم 2478 وابن ماجة 2: 1111 رقم 3350، سير أعلام النبلاء 3: 123.

[ 524 ]

وعقابا له، لكونه قد عصى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين ناداه ثلاث مرات، لبقائه لاهيا يأكل غير مستجيبا لطلبه (صلى الله عليه وآله). بلى إن معاوية كان أول من سن هذا التحريف المعنوي للاخبار وذلك عند اشتهارها عندهم وعند افتقاره لتاويلها، فقد جاء عنه قوله يوم صفين - لما تناقل الناس في معسكره قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) في عمار " تقتلك الفئة الباغية ": بأن عليا هو الذي قتله لأنه الذي جاء به (1)، ولما بلغ عليا ذاك قال: ونحن قتلنا حمزة لأنا اخرجناه (2)!! انظر كيف انقلبت الموازين واختلط الصحيح بالسقيم والحق بالباطل، وكيف صار الجرح مدحا، والذم فضيلة، واللعنة رحمة؟!! وكيف خضعت الامور لسلطان القوة والقدرة، وصارت الامور تخضع لهوى الناس وحب الدنيا. فقد نقل الذهبي عن أبي وفرة - يزيد بن محمد الرهاوي - سمعت أبي يقول، قلت لعيسى بن يونس: أيهما أفضل: الأوزاعي أو سفيان؟ فقال: واين أنت من سفيان؟ قلت لعيسى بن يونس: أيهما افضل: الأوزاعي، فقهه، وفضله، وعلمه، فغضب وقال: أتراني أؤثر على الحق شيئا، سمعت الأوزاعي يقول: ما أخذنا العطاء حتى شهدنا على علي بالنفاق، وتبرأنا منه، وأخذ علينا بذلك الطلاق، والعتاق، وايمان البيعة، قال: فما عقلت أمري، سألت مكحولا ويحيى بن أبي كثير، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن عبيد بن عمير، فقال: ليس عليك شئ إنما أنت مكره فلم تقر عيني حتى فارقت نسائي، وأعتقت عبيدي، وخرجت من مالي، وكفرت ايماني فاخبرني: سفيان كان يفعل ذلك (3). ولم تختص هذه الحالة بالتابعين وتابعي التابعين بل، أنها سبقتهم إلى الصحابة


(1) الكامل في التاريخ 3: 311. (2) العقد الفريد 4: 319. (3) سير أعلام النبلاء 7: 130 - 131.

[ 525 ]

قبل ذلك، فكانوا يخالفون عليا، إما خوفا أو طمعا. فقد أخرج الدارقطني في علله بسنده عن ابن المالكي، حدثنا بندار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان عن جعفر بن محمد عن ابيه، عن علي بن الحسين، عن عبد الله بن عباس: أن عليا أرسل إلى طلحة بن عبد الله والزبير بن العوام فقال: قل لهما إن اخاكما عليا يقرؤكما السلام ويقول: ما نقمتما علي؟ استأثرت بمال أو جرت في حكم؟ فقالا: ولا واحدة من ثنتين، ولكنه الخوف والطمع (1) جئنا بما تقدم كي يتعرف القاري على نفسية بعض ائمة الجرح والتعديل وأن تعديلهم وجرحهم لم يخضع للمعايير العلمية فقط، بل تأثر بالمؤثرات الخارجية كذلك. وكذا الحال بالنسبة إلى المنقول عن الصحابي أو التابعي، فلا يمكن الأخذ عن اولئك باعتبار أنه صحابي أو تابعي فقط، بل يلزم عرض المنقول عنهم على سيرته العامة وأقواله الاخرى ثم تصحيح هذه النسبة أو تلك وعدمها إليه، وهذا ما قلناه كرارا ودعونا إليه في بحوثنا. وقد ساعدتنا النصوص السابقة للتعرف على مدى اعتبار - ما نحن فيه و - قولهم في عبد الله بن محمد بن عقيل، وهل حقا أنه لين، أم أنه ثقة وقد لين لامور ارتضوها؟! ومن هي الربيع بنت المعوذ، وهل تأثرت بالامويين أم أن حكايتها للخبر جائت دون أي تأثير وتأثر باولئك؟!! بل لم لا يروى البخاري خبر ابن عباس (أبى الناس إلا الغسل ولا أجد في كتاب الله إلا المسح) في صحيحه رغم كونه على شرطه؟! وغيرها من التساؤلات. نترك القاري الكريم مع حوارية عبد الله بن محمد بن عقيل مع الربيع، جاعلين نصها دليلا لمعرفة موقفها وبعض الملابسات، ولا نرى ضرورة للتعليق على ماروته


(1) العلل للدارقطني 3:

[ 526 ]

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في جواز التغني (1) أو اسباب دخولها إلى واسط (2) - البلدة التي بناها الحجاج بن يوسف الثقفي لعسكره - لاعتقادنا بان النص السابق وحده، وما مر في البحث الدلالي عنها كاف لتجسيم امتداد الاتجاهين في عهدها. فابن عقيل أراد بكلامه السابق أن يوقفها على خطأها في الفهم والاجتهاد لقوله لها: فباي شئ كان الإناء؟ فأجابت: قدر مد أو مد وربع فجملة (فباي شئ كان الإناء) يفهمنا بأن ابن عقيل أراد بكلامه بيان أمرين: أولهما: ارشادها إلى سقم رؤيتها لأنه (صلى الله عليه وآله) لو كان يمسح رأسه مقبلا ومدبرا لاحتاج إلى أكثر من مد، لعدم استيعاب المد لغسل تمام أعضاء الوضوء، وهذا التشكيك من ابن عقيل هو الذي حدى بالربيع أن تزيد في قدر المد!! فقالت: قدر مد بالهاشمي أو مد وربع. أي أنها انتهت إلى عدم كفاف وايفاء هذا القدر من الماء (أي المد) لمسح الرأس كله مقبلا ومدبرا مع غسل الرجلين وبقية الاعضاء ثلاثا، فإنها أتت بتلك الزيادة، كي تعذر نفسها. وثانيهما: أن ابن عقيل أراد أن يرى الإناء الذي كانت تصب فيه الماء لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، كي يوضح على ضوئه أن ما تقوله لا يلائم ما تفرضه من حجم الماء الذي فيه، لان الماء الموجود في هذا الظرف الصغير لا يمكن معه غسل الرجلين ثلاثا!! أي إن ابن عقيل اراد أن يوضح لها كذب كلامها وعدم تطابقه مع الواقع على وجه الدقة والتحقيق لا الحدس والتخمين، أي أنه استفاد من النقد الداخلي للخبر للدلالة على سقم رأيها. هذا بعض الشئ عن استدلال ابن عقيل على الربيع، وأنت قد عرفت سابقا


(1) مسند احمد 6: 359. (2) تاريخ واسط، لاسلم بن سهل المعروف ببحشل: 74.

[ 527 ]

وفق هذه الدراسة أن دعاة المسح كانوا غالبا يستدلون على ما يذهبون إليه بالقرآن والسنة والرأي، ولم يكتفوا بطرحه على نحو الإدعاء - كما كان يفعله الاتجاه المقابل -. وقد مرت عليك نصوص الإمام علي وكيفية تحكيمه للرأي في الزام الاخرين بضرورة مسح القدمين. وهكذا الحال بالنسبة إلى ابن عباس كيف استدل بالقرآن والسنة والرأي الزاما على ما يذهب إليه. ومثله كان موقف انس بن مالك من الحجاج بن يوسف الثقفي. والان تأمل في كلام جابر بن عبد الله الأنصاري - الذي ختم الحجاج بن يوسف في يده كي لا يحدث - ومدى تطابقه مع ما حكاه عبد الله بن محمد بن عقيل عن أبيه عن جده في الوضوء، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجزي من الوضوء مد، ومن الغسل صاع، فقال رجل: لا يجزينا، فقال: وقد كان يجزي من هو خير منك وأكثر شعرا (يعني النبي) (1). فقد جاء في صحيح ابن خزيمة عن جابر بن عبد الله مثل ما سبق عن عبد الله بن محمد بن عقيل، إذ قال له رجل: لا يكفينا يا جابر؟ قال: قد كفى من هو خير منك وأكثر شعرا (2). وقد جاء نحو هذا عن ابن عباس (3). وقد جاء عن جابر بن عبد الله الأنصاري - برواية ابن عقيل - قوله: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا توضأ ادار الماء على مرفقيه (4)، وهذا يتفق مع القائلين بلزوم غسل المرفقين من الاعلى إلى الاسفل! كانت هذه صورة اخرى لتخالف النهجين، اردنا عرضه بشكل آخر كي يتضح


(1) سنن ابن ماجة 1: 99. (2) صحيح ابن خزيمة 1: 62. (3) انظر نسبة الخبر إلى ابن عباس. (4) سنن الدارقطني 1: 83، السنن الكبرى للبيهقي 1: 56 باب ادخال المرفقين في الوضوء.

[ 528 ]

معالم النهجين، والوقوف على ما ادعيناه من كون المدونين هم الدعاة للمسح والاقرب إلى نهج التعبد المحض، لاخذهم بالقرآن والسنة واستدلالهم بهما. وفي المقابل قد رأيت كيف يحكم (اهل الاجتهاد والرأي) ما يذهبون إليه، ولو تأملت في موقف الحجاج بن يوسف الثقفي - الداعي لغسل الارجل، بحجة أنها اقرب إلى الخبث - مع المحدثين والمدونين، وسبب ختمه في عنق وايدي بعض الصحابة امثال سعد الساعدي وجابر بن عبد الله الأنصاري، لعرفت عمق المشكلة، وأن اصحاب الرأي والاجتهاد كانوا يرون المحدثين حجر عثرة أمام اجتهاداتهم، وقد مر عليك كلام عثمان سابقا وأن المخالفين له كانوا ممن يتحدثون عن رسول لقوله (إن ناسا يتحدثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)...). فبعد هذا لا يستبعد أن يكون عدم ارتضاء عبد الله بن عباس، وابن عقيل، وجابر بن عبد الله الأنصاري الاكثار من الماء وقولهم للرجل: (قد كفى من هو خير منك وأكثر شعرا)، جاء للتأكيد على لزوم التعبد بقول وفعل الرسول، وعدم السماح بالرأي والاجتهاد في مثل هكذا امور، وخصوصا بعد وقوفنا على اهتمام النهج الحاكم للمخالفة مع نهج علي وابن عباس وترجيحهم لفقه الرأي والإجتهاد على فقه النصوص، وحيث أن وضوء الربيع كان يصب فيما يريداه، وهو مما كان يدعم رأي الحجاج الثقفي وغيره، فلا يستبعد - بعد هذا - أن يكون هذا الوضوء قد تأثر بمؤثرات ذلك العهد، وعليه فأقل ما يمكن أن يقال في خبر الربيع أنه كان يفيد الحجاج وغيره، ويتخالف مع وضوء علي بن أبي طالب وابن عباس المضطهدين في ذلك العصر!!

[ 529 ]

مناقشة رواية عائشة بنت أبي بكر المناقشة السندية لخبرها البحث الدلالي نسبة الخبر إليها

[ 531 ]

الإسناد قال النسائي في المجتبى (1) ومثله في السنن الكبرى (2): اخبرنا الحسين بن حريث، قال: حدثنا (3) الفضل بن موسى (4) عن جعيد بن عبد الرحمن (5)، قال اخبرني عبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذباب (6)، قال أخبرني أبو عبد الله سالم - يعني سبلان (7) -، قال وكانت عائشة تستعجب


(1) سنن النسائي (المجتبى) 1: 72 باب مسح المرأة رأسها. (2) السنن الكبرى، للنسائي 1: 86 باب كيف تمسح المرأة رأسها؟ (3) في المجتبى (حدثنا) (4) هو الفضل بن موسى الشيباني، أبو عبد الله المروزي، روى له الجماعة (انظر تهذيب الكمال 22: 254، سير أعلام النبلاء 9: 203، تهذيب التهذيب 8: 286) وغيرها من المصادر. (5) هكذا في المجتبى والسنن الكبرى، والذي في كتب الرجال الجعد بن عبد الرحمن بن اوس الكندي، روى له الجماعة سوى ابن ماجة، نعم أشار بعضهم بأنه يقال له: الجعيد، وهذا كله لا يضر، لان كل من الجعد والجعيد واحد على الأظهر الاقوى (انظر تهذيب الكمال 4: 561، تهذيب التهذيب 2: 80، التاريخ الكبير للبخاري 2 / 1 / 240) وغيرها من المصادر. (6) هو عبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذباب الدوسي المدني، تفرد النسائي في الرواية عنه (انظر تهذيب الكمال 18: 407، ميزان الاعتدال 2: الترجمة 5247، تهذيب التهذيب 6: 422) وغيرها من المصادر. (7) في السنن الكبرى (سيلان)، وهو سالم بن عبد الله النصري، أبو عبد الله المدني، روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة (انظر تهذيب الكمال 10: 154، تهذيب التهذيب 3: 438، الجرح والتعديل 4: 798) وغيرها من المصادر.

[ 532 ]

بأمانته وتستأجره فأرتني كيف كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ، قال: فتمضمضت واستنثرت ثلاثا وغسلت وجهها ثلاثا ثم غسلت يدها اليمنى ثلاثا واليسرى ثلاثا ووضعت يدها في مقدم رأسها ثم مسحت رأسها مسحة واحدة إلى مؤخره ثم أمرت (1) بيدها بأذنيها ثم مرت على الخدين. قال سالم: كنت آتيها مكاتبا (2) ما تختفئ مني فتجلس بين يدي وتتحدث معي حتى جئتها ذات يوم، فقلت: ادعي لي بالبركة يا أم المؤمنين، قالت: وما ذاك، قلت: أعتقني الله، قالت: بارك الله لك، وأرخت الحجاب دوني فلم أرها بعد ذلك اليوم. المناقشة وبيان حال رجال هذا الطريق كالاتي: 1 - فأما الحسين بن حرث، فهو ممن وثقه النسائي (3) وممن ذكره ابن حبان في كتاب الثقات (4) ولم نعثر على توثيق رجالي له غيرهما. 2 - وأما الفضل بن موسى فهو ممن وثقه يحيى بن معين (5) وابن سعد (6) وغيرهما، وقال أبو حاتم: صدوق صالح (7). وقال ابن حجر في التقريب: ثقة، ثبت، ربما اغرب (8). وقال الذهبي في الميزان: ما علمت فيه لينا إلا ما روى عبد الله


(1) في السنن الكبرى (مرت). (2) في المجتبى هنا زيادة (ما تختفي مني). (3) تهذيب الكمال 6: 360، تاريخ الخطيب 8: 37. (4) الثقات لابن حبان 8: 187. (5) تهذيب الكمال 23: 257. (6) الطبقات الكبرى لابن سعد 7: 372. (7) الجرح والتعديل 7: الترجمة 390. (8) تقريب التهذيب 2: 111.

[ 533 ]

ابن علي بن المديني، سمعت أبي، وسئل عن أبي تميلة والسنياني، فقدم أبا تميلة، وقال: روى الفضل أحاديث مناكير (1). 3 - وأما جعيد، الذي هو الجعد بن عبد الرحمن بن أوس في كتب الرجال، فهو ثقة على ما صرح بن يحيى بن معين (2) والنسائي (3)، ولم نعثر على من طعن في وثاقته. 4 - وأما عبد الملك بن مروان بن الحرث، فهو مجهول الحال، لم نعثر على توثيق أو مدح رجالي له سوى ابن حبان فقد ذكره في كتاب الثقات (4)، وذكر ابن حبان لراو في كتابه لا يساوي شيئا عند ائمة الجرح والتعديل لما عرف عنه من التساهل في التعديل حتى أنه ذكر في كتابه من لا يعرفهم على ما هو صريح البعض من الائمة (5). 5 - وأما سالم سبلان فهو الاخر لم نعثر فيه على شئ سوى أن أبا حاتم قال: شيخ (6)، وأن ابن حبان ذكره في الثقات وفي موضعين، وهذا يعنى تعددهما كما لا يخفى (7). وأنت بصير بأن (شيخ) لا دلالة لها على التوثيق سوى أنها تدل على مرتبة من مراتب التعديل - وهي الثالثة - على ما هو صريح العراقي (8) والسيوطي (9) والصنعاني (10).


(1) ميزان الاعتدال 3: الترجمة 6754. (2) انظر تهذيب الكمال 4: 562. (3) انظر تهذيب الكمال 4: 562. (4) الثقات لابن حبان 7: 107. (5) (6) الجرح والتعديل 4: 184 الترجمة 798. (7) انظر الثقات لابن حبان 4: 307. (8) فتح المغيث للعراقي: 173. (9) تدريب الراوي 1: 187. (10) توضيح الافكار 2: 163.

[ 534 ]

وكلمة (شيخ) إذا قيلت في راو، فان مروياته تعد حينئذ حسنة تحتاج إلى تابع يصححها على ما قد وضحناه سابقا. ومهما يكن فهذا الطريق محتمل الجهالة لعدم عثورنا على توثيق أو مدح لعبد الملك بن مروان سوى ادراج ابن حبان له في كتاب الثقات، وقبله الحال بالنسبة إلى سالم سبلان فلم نعثر فيه سوى قول أبي حاتم عنه (شيخ)، وقد اتضح لك سابقا أن ذكر ابن حبان شخصا في كتابه لا يساوي شيئا، لذكره من لا يعرفهم في كتابه وأن (شيخ) ليس من الفاظ التعديل!

[ 535 ]

البحث الدلالي لم يستدل أحد بهذا الخبر في بيان صفة وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بل كلما فيه هو بيان لكيفية تمسح المرأة رأسها، وأن عائشة لم تبين حكم الارجل فيه، وقد يكون المباركفورى (1) ترك التمسك بهذا الخبر لعدم تماميتة، أو لامر آخر كان يلحضه. نسبة الخبر إليها قد مر عليك سابقا مخالفة عائشة بنت أبي بكر لأخيها عبد الرحمن في الوضوء - يوم وفاة سعد بن أبي وقاص المتوفي سنة 55 ه‍ - وقولها له: يا عبد الرحمن اسبغ الوضوء فاني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ويل للاعقاب من النار (2)، وقد قلنا بأنها لو أرادت - على فرض صحة النسبة إليها - الإستفادة من كلمة (الاسباغ) و (ويل للاعقاب) للدلالة على لزوم غسل القدمين، لاجبناها بان لا دلالة لهاتين الكلمتين على مطلوبها...، بل في كلامها تنويه إلى ثبوت المسح عندها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأنها لو كانت قد رأت رسول الله (صلى الله عليه وآله) غسل رجليه للزمها القول: يا عبد الرحمن اغسل رجليك فإني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يغسلهما. لا أن تستدل بقوله (صلى الله عليه وآله) (ويل للاعقاب من النار) وحيث أنها لم تر رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد غسل رجليه فقد استدلت على وجوب الغسل انتزاعا من قوله (ويل للاعقاب) ودلالة هذا على لزوم الغسل. وإن تشكيك أمثال المباركفوري في صحة انتساب الوضوء الغسلي إلى عائشة، قد يأتي للامور التالية: الأولى: عدم صحة الطرق إليها الثانية: الثابت عن الأمويين أنهم كانوا يدعون الناس إلى الأخذ بفقه عثمان


(1) انظر كلامه في تحفة الاحوذي لشرح الترمذي 1: 136. (2) صحيح مسلم 1: 213 / 25، الموطأ 1: 19 / 5، شرح معاني الآثار 1: 38 / 188، سنن ابن ماجه 1: 154 / 452، المصنف لعبد الرزاق 1: 23 / 69، والحميدي في مسنده عن ابن عيينة، مسند احمد 6: 112، وغيره.

[ 536 ]

والمخالفة مع من يخالفه كما مر عليك في اعتراض مروان بن الحكم وعمرو بن عثمان على معاوية حين صلى بمنى ركعتين (1)، ومثله قول الحجاج للشعبي: مر القاضي فليمضها على ما أمضاها عليه أمير المؤمنين عثمان (2) واخيرا دعوة الحجاج الناس إلى غسل الأرجل بدعوى أنها اقرب إلى الخبث، فلا يستبعد - بعد هذا - أن ينسبوا إليها هذا الامر دعما لموقفهم. الثالثة: استفادة النهج الحاكم أمويين وعباسيين (3) من هذا الوضوء للتعرف على الطالبيين. الرابعة: نسبة النهج الحاكم ما يريدونه إلى اعيان الصحابة، فقد يكون أنهم أرادو بهذه النسبة إلى عائشة تقوية الوضوء العثماني. الخامسة: عدم وجود نص يشير إلى تبني عائشة للوضوء الغسلي قبل وفاة سعد بن أبي وقاص؟ وهو يوحي إلى عدم ثبوت ذلك عنها في الصدر الاول. السادسة: إن نسبة الاقوال إلى أعيان الصحابة كان من المنهج المرسوم، وقد وقفت سابقا على نسبة المسح على الخفين وغيره إلى عائشة (4) في حين أن المعروف عنها هو غير ذلك، فقد يكون الوضوء الغسلي من تلك الموارد. السابعة: عدم وجود وضوء بياني عن الشيخين بل وجود المسح عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، وكذا عن محمد بن أبي بكر وعبد الرحمن بن أبي بكر - والذي انتزعناه من مفهوم خبر مسلم - وهذا يشير إلى استقرارهم على الوضوء وأن الخلاف نشأ لاحقا لملابسات ذكرناها، فقد تكون عائشة لم تقل بهذا الوضوء، وأن الأمويين نسبوا لها ذلك، وقد يكونوا اقنعوها بأن قوله (صلى الله عليه وآله): " ويل للأعقاب " لها الدلالة على الغسل. وعلى ذلك: فالخبر الغسلي عن عائشة إما صحيح وإما خطأ، فلو كان صحيحا وثابتا عنها فتلك ملابساته، وإن لم يصح فهذه وجوهه؟!


(1) مسند أحمد 4: 94، فتح الباري 2: 457، نيل الاوطار 3: 259. (2) حلية الأولياء 4: 325. (3) كما مر عليك في خبر علي بن يقطين وغيره. (4) في نسبة الخبر إلى ابن عباس.

[ 537 ]

مناقشة روياية عبد الله بن انيس سندا ودلالة ونسبة المناقشة السندية للرواية البحث الدلالي نسبة الخبر إليه

[ 539 ]

الإسناد قال الطبراني: حدثنا علي (1)، قال: حدثنا أبو كريب (2)، قال: حدثنا زيد بن الحباب (3)، قال: حدثني حسين بن عبد الله (4)، قال: حدثني عبد الرحمن ابن عباد بن يحيى بن خلاد الزرقي (5)، قال: دخلنا على عبد الله بن انيس (6)، فقال: إلا أريكم كيف توضأ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكيف صلى؟ قلنا: بلى فغسل يديه ثلاثا ثلاثا، ومضمض واستنشق ثلاثا وغسل وجهه وذراعيه إلى المرفقين ثلاثا ثلاثا، ومسح برأسه مقبلا ومدبرا، وأمس أذنيه، وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم أعد ثوبا فاشتمل به وصلى، وقال: هكذا رأيت حبيبي


(1) هو علي بن سعيد بن بشير بن مهران (أحد شيوخ الطبراني) (انظر سير أعلام النبلاء 14: 45، ميزان الاعتدال 3: 131، تذكرة الحفاظ 2: 750) وغيرها من المصادر. (2) هو محمد بن العلا بن كريب، روى له الجماعة (انظر سير أعلام النبلاء 11: 394، التاريخ الكبير للبخاري 1: 205، الجرح والتعديل 8: 52) وغيرها من المصادر. (3) هو زيد بن الحباب بن الريان، التميمي، أبو الحسين العكلي، روى له البخاري في القراءة خلف الامام، وباقي الجماعة (انظر تهذيب الكمال 10: 40، سير أعلام النبلاء 9: 393، تهذيب التهذيب 3: 402) وغيرها من المصادر. (4) هو مردد بين عدة اشخاص، إلا أن المرجح بلحاظ الطبقة أن يكون الحسين بن عبد الله بن عبيدالله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي (انظر تهذيب الكمال 6: 383، تهذيب التهذيب 2: 341، ميزان الاعتدال 1: الترجمة 2012) وغيرها. (5) لم نعثر على ذكر له في كتب الرجال الموجودة بين ايدينا. (6) هو مردد بين الجهني المدني، حليف الانصار (انظر تهذيب الكمال 14: 313 تهذيب التهذيب 5: 149) وبين والد عيسى بن عبد الله بن انيس، والذي هو ليس بالجهني (انظر تهذيب الكمال 14: 316، تهذيب التهذيب 5: 151) وقد فرق علي بن المديني وخليفة بن الخياط وغيرهما بينهما، أما ابن حجر فقال باتحادهما (انظر تهذيب التهذيب 5: 151). (

[ 540 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ (1). المناقشة يخدش هذا الطريق من عدة جهات: الاولى: من جهة شيخ الطبراني علي بن سعيد المتكلم فيه. قال الدارقطني: لم يكن بذاك في حديثه، سمعت بمصر أنه كان والي قرية، وكان يطالبهم بالخراج، فما كانوا يعطونه، قال: فجمع الخنازير في المسجد، قلت: فكيف هو في الحديث؟ قال: حدث بأحاديث لم يتابع عليها، وتكلم فيه أصحابنا بمصر (2). وقال ابن يونس: كان يفهم ويحفظ (3). وواضح أن جرح الدار قطني هو جرح مفسر، أضف إليه أنه حدث بأحاديث لم يتابع عليها أحد من محدثي أهل السنة. الثانية: من جهة زيد بن الحباب، فهو وإن قيل بوثاقته - على ما هو صريح ابن معين وغيره (4) - إلا أنه أخذ عليه سوء حفظه وتقليبه لأحاديث الثوري، فقد قال ابن معين: كان يقلب حديث الثوري ولم يكن به بأس (5). وقال أحمد بن حنبل: كان كثير الخطأ (6). وقال ابن حبان: كان يخطئ، يعتبر بحديثه إذا روى عن المشاهير، وأما روايته عن المجاهيل ففيها المناكير (7). الثالثة: من جهة الحسين بن عبد الله، وهو مردد بين عدة أشخاص والاقرب إلى طبقته أن يكون أبو عبد الله المدني، وهو ضعيف. قال أحمد بن حنبل: له أشياء منكرة (8) وقال يحيى بن معين: ضعيف (9)، وعنه أيضا: ليس به بأس يكتب


(1) المعجم الاوسط للطبراني 5: 81 ح 4145. (2 - 3) سير أعلام النبلاء 14: 146. (4 - 6) انظر تهذيب الكمال 10: 46. (7) الثقات لابن حبان 8: 250. (8 - 9) الجرح والتعديل 3: الترجمة 258.

[ 541 ]

حديثه (1). وقال البخاري: قال علي تركت حديثه، وتركه أحمد أيضا (2). وقال أبو زرعة: ليس بالقوي (3). وقال أبو حاتم: ضعيف، وهو أحب إلى من حسين بن قيس، يكتب حديثه ولا يحتج به (4). وقال الجوزجاني: لا يشتغل بحديثه (5). وقال النسائي: متروك (6)، وقال في موضع آخر: ليس بثقة (7). وقال أبو جعفر العقيلي: له غير حديث لا يتابع عليه (8). وقال أبو أحمد بن عدي: أحاديثه يشبه بعضها بعضا، وهو ممن يكتب حديثه، فاني لم أجد في أحاديثه حديثا منكرا قد جاوز المقدار والحد (9). وقال محمد بن سعد: كان كثير العلم، ولم أرهم يحتجون بحديثه (10). وعليه، فان لم يكن هذا الحسين بضعيف، فهو مجهول. الرابعة: من جهة عبد الرحمن بن عباد الذي لم نعثر على ترجمة له في الكتب الموجودة عندنا. وعليه فلا يمكن التشكيك في ضعف هذا الطريق، بل يمكن الاستظهار بأن لا أصل له عن عبد الله بن أنيس، وأن الطبراني - عندما أخرج هذا الحديث - قال: لا يروي عن عبد الله بن أنيس إلا بهذا الاسناد. تفرد به زيد بن الحباب (11). وقد عرفت بان زيدا كان كثير الخطاء وممن لا يعتمد على حديثه.


(1 - 2) انظر تهذيب الكمال 6: 384. (3 - 5) الجرح والتعديل 6: 358، تهذيب الكمال 6: 385. (6) الضعفاء والمتروكين للنسائي: الترجمة 240. (7) تهذيب الكمال 6: 385. (3 - 5) الجرح والتعديل 6: 358، تهذيب الكمال 6: 385. (6) الضعفاء والمتروكين للنسائي: الترجمة 240. (7) تهذيب الكمال 6: 385. (8) الضعفاء للعقيلي 1: 246. (9) الكامل في ضعفاء الرجال 2: 351. (10) تهذيب الكمال 6: 385. (11) المعجم الاوسط للطبراني 5: 81.

[ 542 ]

البحث الدلالي لم يستدل أحد من الاعلام بخبر عبد الله بن انيس في الوضوء الغسلي، وإن كان الترمذي ذكره فيمن روى ذلك (1). لكن المباركفوري قال في كتابه تحفة الاحوذي لشرح الترمذي: وأما حديث عبد الله بن أنيس فلينظر من أخرجه (2). ونحن تركنا التعليق على هذا الخبر لعدم تمسك الاعلام به، بل تركهم له. نسبة الخبر إليه كنا نأتى غالبا بهذه النسبة فيما لو تعارض النقلان عن الصحابي الراوي، أما لو لم يكن هناك نقلان عنه، أو لم يثبت عنه نقل واحد، كما هو صريح المباركفوري في مقامنا، فلا نرى ضرورة لذكر النسبة إليه. تم المجلد الأول من البحث الروائي في صفة وضوء النبي، ويتلوه المجلد الثاني وأوله مناقشة مرويات عثمان بن عفان، سندا ودلالة ونسبة. إن شاء الله تعالى.


(1) سنن الترمذي 1: 34 ذيل حديث 48. (2) تحفة الاحوذي لشرح الترمذي 1: 136. (3 - 5) الجرح والتعديل 6: 358، تهذيب الكمال 6: 385. (6) الضعفاء والمتروكين للنسائي: الترجمة 240. (7) تهذيب الكمال 6: 385. (8) الضعفاء للعقيلي 1: 246. (9) الكامل في ضعفاء الرجال 2: 351. (10) تهذيب الكمال 6: 385. (11) المعجم الاوسط للطبراني 5: 81.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية