الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




وصول التهاني- محمود سعيد ممدوح

وصول التهاني

محمود سعيد ممدوح


[ 1 ]

وصول التهاني بإثبات سنية السبحة والرد على الالباني تأليف محمود سعيد ممدوح

[ 3 ]

بسم الرحمن الرحيم إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله ، اللهم صل وسلم وبارك عليه ، وعلى آله الطاهرين ، وأصحابه والتابعين . أما بعد ، فقد اطلعت على ما كتبه الشيخ محمد ناصر الالباني بشأن السبحة وحكمه عليها بأنها بدعة (السلسلة الضعيفة ج‍ 1 / 95 - 100) ، وهذا حكم منكر ، وستري بعينيك أيها القارئ أنني لا أتقول بل أقول الحق إن شاء الله تعالى . وقد وجدته حكم على الاحاديث النبوية الشريفة بما لا يجوز عند أهل العلم بالحديث ، فضعف الصحيح ، وجود الضعيف ، واستدل بالموقوف الضعيف ، بل لم يعط الموضوع حقه من البحث والتنقيب عن أفعال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ، فحكم على ما فعلوه بانه بدعة ، إلى غير ذلك مما ستراه إن شاء الله تعالى . وسميت هذا الجزء " وصول التهاني بإثبات سنية السبحة والرد على الالباني " .

[ 4 ]

وكنت أود أن لا أكتب في هذا الموضوع ، ولكن دفعني للكتابة فيه اتباع بعض الناس للقول بأن السبحة بدعة من الذين لا معرفة لهم بالحديث وغيره ، ينهون الناس عن التقليد ، ويتكلمون في عباد الله الصالحين ، وهم من أشد الناس تقليدا (1) . اتبعوا هذا القول المنكر المردود ، وشنعوا على عباد الله الذين استعانوا بالسبحة لضبط ذكر الله تعالى ، فعطلوا وضايقوا وشنعوا ، بل سعى بعضهم إلى قطع السبح التي يسبح بها ، نسأل الله تعالى السلامة والبعد عن الجهل . فهذا الجزء حررته نصيحة لهم ، فهم إخواننا ، ولهم حق علينا بلا ريب . قال تعالى : (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) . وأرجو ممن وقف عليه أن ينظر إليه بعين الانصاف ، وليتجنب التعصب والاعتساف ، اللهم عليك توكلنا وإليك أنبنا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . * * * واعترافا بفضل السابقين ، فنحن عالة عليهم ومنهم آخذون ، أقول : صنف في السبحة جماعة من الاعيان منهم : - الحافظ جلال الدين السيوطي ، ورسالته مطبوعة في الجزء الثاني من " الحاوي " بعنوان " المنحة في السبحة " .


(1) وصف أحدهم رسالة في أحكام المسجد ، ذكر فيها أن من البدع بالمساجد استعمال السبحة بالذكر تبعا للشيخ الالباني ، وراجت هذه الرسالة - على ما فيها من أخطاء - بين العوام . (*)

[ 5 ]

- العلامة محمد بن علان الصديقي المتوفى سنة 1057 ه‍ ، سماه " إيقاد المصابيح لمشروعية اتخاذ المسابيح " في شرحه على الاذكار [ 1 / 252 ] . ولم أقف عليه . - العلامة أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي في جزء سماه " نزهة الفكر في سبحة الذكر " . وقفت عليه ، وقد طبع في الهند . والسيوطي واللكنوي رحمهما الله تعالى لم يتكلما على الاسانيد بما يفيد ، بل أكثرا من العزو فقط . هذا وقد تعقب فضيلة الشيخ عبد الله الهرري في جزءين ما كتبه الالباني عن السبحة ، ولكن في رده إعواز شديد ، وأخطاء حديثية عديدة . إلا أنه أجاد إلى حد ما في الكلام على الحديث الاول : " نعم المذكر السبحة " ، وعلى ذلك لا أتكلم عليه ، بل أبدا بعون الله تعالى تعقبي بما ستراه .

[ 6 ]

فصل قال الشيخ محمد ناصر الالباني بعد كلام ما نصه : غاية ما روي في ذلك حديثان أوردهما السيوطي في رسالته المشار إليها ، فلا بد من ذكرهما وبيان علتهما : الاول : عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به فقال : " أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل إ ، فقال : اسبحان النه عدد ما خلق في السماء . 100 ل لحديث . رواه أبو داود [ 1 / 235 ] ، والترمذي [ 4 / 277 - 278 ] ، والدورقي في مسند سعد [ 130 / 1 ] ، والمخلص [ 9 / 17 / 2 ] ، والحاكم [ 1 / 547 - 548 ] ، من طريق عمرو بن الحارث أن سعيد بن أبي هلال حدثه عن خزيمة عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عن أبيها . وقال الترمذي : حديث حسن ، وقال الحاكم : صحيح الاسناد ، ووافقه الذهبي فأخطأ لان خزيمة هذا مجهول . قال الذهبي نفسه في الميزان : خزيمة لا يعرف ، تفرد عنه سعيد بن أبي هلال . وكذا قال الحافظ في التقريب إنه لا يعرف

[ 7 ]

وسعيد بن أبي هلال مع ثقته ، حكى الساجي عن أحمد أنه اختلط ، فأنى للحديث الصحة أو الحسن ؟ انتهى كلام الالباني . * * * أقول وبالله تعالى التوفيق ومنه العون والسداد : عزى الالباني الحديث لجماعة ، ثم للحاكم من طريق عمرو بن الحارث ، أن سعيد بن أبي هلال حدثه عن خزيمة . . . إلخ . أقول : ليس في المستدرك ذكر لخزيمة أبدا ، بل الذي في المستدرك : رواية سعيد بن أبي هلال عن عائشة مباشرة بدون واسطة ، وهو كذلك في تلخيص المستدرك للذهبي الذي وافق الحاكم على تصحيح الحديث ، فخطأه الالباني بدون حق . ثم كأنه يستدرك على الذهبي فيقول : لان خزيمة هذا مجهول قال الذهبي نفسه في الميزان لا يعرف ، اه‍ . فانظر إلى الايهام ثم احكم عليه بما تراه . . ثم اعلم يا أخي الآتي : قال الحاكم في المستدرك : حدثنا إسماعيل بن أحمد الجرجاني ، ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلافي ، ثنا حرملة بن يحيى ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، أن سعيد بن أبي هلال حدثه عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ، أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة . . . الحديث . صححه الحاكم ووافقه الذهبي ، انظر المستدرك [ 1 / 547 ] . وله متابعة عند ابن حبان ، لم يذكرها الالباني ، رغم أن السيوطي عزاها في المنحة لابن حبان ! ! . قال ابن حبان : أخبرنا عبد الله بن محمد بن سلم ، حدثنا

[ 8 ]

حرملة بن يحيى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، أن سعيد بن أبي هلال حدثه عن عائشة بنت سعد به . موارد الظمآن ص [ 579 ] . هذا سند صحيح لا غبار عليه . وعبد الله بن سلم ثقة ، انظر سير أعلام النبلاء [ 14 / 306 ] ، الانساب [ 426 / ب ] . وحرملة وشيخه ابن وهب إمامان ثقتان ، وكذا عمرو بن الحارث . أما سعيد بن أبي هلال فثقة أخرج له الجماعة ، ولد بمصر سنة 70 ه‍ ، ونشأ بالمدينة ، ثم رجع إلى مصر في خلافة هشام وتوفي كما في الثقات [ 6 / 374 ] سنة 149 ، وانظر التهذيب [ 4 / 94 ] . وعائشة بنت سعد تابعية مدنية ثقة ، روى عنها أهل المدينة ، ماتت سنة 117 ه‍ . التهذيب [ 12 / 436 ] . فالسند صحيح ، وصرح البزار في مسنده برواية سعيد بن أبي هلال عن عائشة بنت سعد وروى لها حديثين كذلك ، منهما حديث التسبيح بالنوى الذي أعله الالباني ، انظر مسند البزار (1 / 134 / 1) . وله شاهد موقوف عن عمر رضي الله عنه ذكره ابن أبي شيبة في المصنف [ 2 / 391 ] . وهذا وحده كاف في نقض كل ما كتبه الالباني وهدمه . وهنا نسأل إخواننا الذين يبدعون ويتعدون ، لماذا تقلدون الالباني ؟ كان الاولى لكم الاخذ بأقوال الائمة أهل هذا الشأن . فاعن به ولا تخض بالظن ولا تقلد غير أهل الفن أو إذا كنتم من أهل النظر لتتبعتم الطرق ، ونظرتم في الاسانيد ، وعند ذلك يتبين الصواب ، فلنستغفر الله تعالى عما بدر منا ، إنه كان غفارا .

[ 9 ]

فصل فإن قبل أعل الالباني الحديث بسعيد بن أبي هلال فقال : سعيد بن أبي هلال مع ثقته حكى الساجي عن أحمد أنه اختلط ، فأنى للحديث الصحة أو الحسن ! انتهى كلام الالباني . أجيب بأن سعيدا وثقه أبو حاتم ، والدارقطني ، والعجلي ، وابن سعد ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، وآخرون ، واحتج به الجماعة وفي هذا القدر كفاية لتصحيح حديثه والاحتجاج به في الصحيحين كما فعل البخاري ومسلم . أما غمزه والكلام فيه بغير حجة ، فهذا عمل لا يصح أن يصدر من مطلع ، فالقائم به نادى على نفسه بعدم الاطلاع فمن من الرواة سلم من الكلام فيه ؟ . هذا أندر من النادر ، بل شيخ لصناعة الامام البخاري تكلم فيه بما هو مدفوع . وكان يكفيه الرجوع إلى مقدمة الفتح بدلا من تسويد الورق بالكلام في عباد الله الثقات . قال الحافظ ص [ 406 ] : وشذ الساجي فذكره في الضعفاء . وقال ص [ 462 ] : ذكره الساجي بلا حجة ، ولم يصح عن أحمد تضعيفه ، اه‍ .

[ 10 ]

وبذلك يتبين أن حكاية الساجي عن أحمد لم تصح ، وإن صحت فهي غير مقبولة ، لان البخاري ومسلما أخرجا له في الاصول ، فتضعيف سعيد بن أبي هلال غير وارد إطلاقا . ولذلك لم يذكره ا لحافظ المتقن سبط ابن العجمي في كتابه " الاغتباط بمن رمي بالاختلاط " ، ولا ابن الكيال في ا الكواكب النيرات " . والقاعدة عند المحدثين - جزاهم الله خيرا - أن التعديل يقدم على الجرح غير المفسر . وبهذا يتبين لك خطأ الالباني في دعواه اختلاط الثقة سعيد بن أبي هلال (1) ، وهي دعوى مردودة أراد بها أن يوهم العامة أن حديثه غير صحيح ولا حسن ، ليسلم له رأيه في تضعيف الحديث المذكور .


(1) ومشى الألباني على تضعيف سعيد س أبي هلال في كتبه ، انظر مثلا : صحيحته [ 1 / 137 ، 4 / 23 ] ، إرواء [ 3 / 254 ] ، رده على الشيخ البوطي ص [ 10 ] . فعليه أن يغير كلامه في سعيد بن أبي هلال ، وإلا فليقل ما حجته ني تضعيفه بعد ثبوت شذوذ رواية الساجي عن أحمد ؟ (*)

[ 11 ]

فصل اعترض معترض لا علم له بالحديث على طريق سعيد بن أبي هلال عن عائشة بنت سعد الذي لا يوجد فيه خزيمة ، بأن خزيمة سقط منه ، وأن سعيد بن أبي هلال لا يروي عن عائشة بدليل أن الحافظ في التهذيب لم يذكره في الرواة عن عائشة . وجواب الاعتراض الاول : أن هذه دعوى كبيرة بدون دليل ، فعليه بالدليل وهيهات . وأن السنة فيها الكثير من أمثال هذه الرواية بنزول ثم بعلو ، فيكون سعيد بن أبي هلال كان يرويه عن خزيمة عن عائشة مرة ، ومرة أخرى عن عائشة بدون واسطة ، وما دام الراوي ثقة ، وأدرك عائشة إدراكا واضحا بينا ، وكانت مشهورة بالرواية ، بحيث إنهم ذكروا في ترجمتها أن مالكا رضي الله تعالى عنه لم يرو عن امرأة غيرها ، تبين لك شهرتها واتساع روايتها فرواية سعيد الثقة المكثر عنها واردة لا يردها إلا مكابر . ولهذا صحح هذا الطريق جماعة من الحفاظ منهم الذهبي ، وقبله ابن حبان والحاكم في صحيحيهما . فالسند متصل إن شاء الله تعالى على مذهب من يشترط اللقاء ومن لم يشترطه .

[ 12 ]

وجواب الاعتراض الثاني : أن هذا اعتراض ضعيف ، ولكنني أجيب عليه حتى لا يلتبس على المعترض أمثاله . قال الحافظ في مقدمة التهذيب [ 1 / 3 ] : ثم إن الشيخ رحمه الله - أي المزي - قصد استيعاب شيوخ صاحب الترجمة ، واستيعاب الرواة عنه ، ورتب ذلك على حروف المعجم في كل ترجمة ، وحصل من ذلك على الاكثر ، ولكنه شئ لا سبيل إلى استيعابه ولا حصره . . . إلخ . وأيضا رواية سعيد بن أبي هلال عن عائشة خارج الكتب الستة ومصنفات أصحابها ، والحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله تعالى غالب بل كل ما يذكره في الترجمة من الرواة في الكتب الستة فقط ، ولم يعتن بذكر غيرهم كما هو معلوم من مراجعة تهذيب الكمال له ، فإنه رحمه الله تعالى علم على موضع رواية كل راو عن شيخه في الكتب المذكورة ، ولم يخرج عنها ، وهذا شرط كتابه . وبعد أن تبين لك صحة حديث سعد رضي النه تعالى عنه من وجه ، وتحسينه من وجه آخر ، وهذا عمل الحفاظ المتقنين ، تعلم قيمة قول الالباني : (فأنى للحديث الصحة أو الحسن) .

[ 13 ]

فصل ثم قال الالباني : الثاني : عن صفية قالت : دخل علي رسول الته صلى الله عليه وسلم وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بهن فقال : " يا بنت حيي ما هذا ؟ " ، قلت : أسبح بهن ، قال : " قد سبحت منذ قمت على رأسك أكثر من هذا " ، قلت : علمني يا رسول الله ، قال : " قولي سبحان الله عدد ما خلق الله من شئ " . أخرجه الترمذي [ 4 / 274 ] ، وأبو بكر الشافعي في الفوائد [ 73 / 255 / 1 ] ، والحاكم [ 1 / 547 ] ، من طريق هاشم بن سعيد عن كنانة مولى صفية عنها . وضعفه الترمذي بقوله : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، من حديث هاشم بن سعيد الكوفي ، وليس إسناده بمعروف ، وفي الباب عن ابن عباس . وأما الحاكم فقال : صحيح الاسناد ، ووافقه الذهبي . وهذا منه عجب ، فإن هاشم بن سعيد هذا أورده هو في الميزان وقال : قال ابن معين ليس بشئ . وقال ابن عدي مقدار ما يرويه لا يتابع عليه . ولهذا قال الحافظ في التقريب : ضعيف .

[ 14 ]

وكنانة هذا مجهول الحال لم يوثقه غير ابن حبان ، انتهى كلام الالباني . * * * قلت : وهذا الكلام عليه مؤاخذات . الاولى : في الكلام على كنانة مولى صفية حيث قال : هذا مجهول الحال لم يوثقه غير ابن حبان . قلت : كنانة روى عنه ستة هم . زهير وحديج ابنا معاوية ومحمد بن طلحة وهاشم بن سعيد الكوفي وسعد بن بشر الجوهني ويزيد بن المغلس الباهلي ، ووثقه ابن حبان وضعفه الازدي . أما تضعيف أبي الفتح الازدي له فمردود كما هو معلوم عند أهل العلم بالحديث (1) . وتوثيق ابن حبان مقبول ، وقال الحافظ في التقريب : مقبول ، ثم رد تضعيف الازدي فقال : ضعفه الازدي بلا حجة ، اه‍ . انظر التهذيب [ 8 / 449 ] ، التاريخ الكبير [ 4 / 1 / 237 ] ، الثقات [ 5 / 339 ] ، التقريب [ 2 / 137 ] . فإن قيل قول الحافظ في التقريب : مقبول ، يعني عند المتابعة ، أجيب بأنه مقبول فعلا لانه توبع كما سيأتي ص [ 22 ] . أما قول الذهبي في الكاشف [ 3 / 11 ] : وثق ، فلا يعني تضعيف


(1) قال الحافظ رحمه الله تعالى : لا عبرة بقول الأزدي لانه هو ضعيف مقدمة الفتح ص [ 386 ] . وانظر الصفحات : 390 ، 392 ، 393 ، 394 ، 395 ، 400 من المقدمة . (*)

[ 15 ]

التوثيق ، بل معناه أن توثيق غيره أقوى منه . ومثل كنانة هذا ، بل وأقل منه ، يرى الذهبي أن حديثه يعمل ويحتج به . قال الذهبي في الميزان : وفي رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أن أحدا نص على توثيقه ، والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ، ولم يأت بما ينكر عليه أن حديثه صحيح ، اه‍ . الميزان [ 3 / 426 ] . ولولا ضيق المقام لاتيت بكل الامثلة التي أشار إليها الحافظ الذهبي ، ولكن نذكر منهم إبراهيم المخزومي ، مقدمة الفتح ص [ 388 ] ، وأسامة بن حفص ، وأسباط أبوأليسع ، مقدمة الفتح ص [ 389 ] ، وكنانة ليس بأقل من المذكورين . ومن تناقض الالباني أنه يعمد (1) إلى مثل كنانة فيحسن حديثه تماما ، بينما يضعف كنانة هنا .


(1) بل يعمد إلى أقل من كنانة التابعي فيقبل حديثه ، قال في مختصر العلو عن سند فيه صالح بن الضريس : وهذا سند لا بأس به ، فإن صالحا هذا أورده ابن أبي حاتم [ 2 / 1 / 406 - 407 ] . وقال : روى عنه محمد بن أيوب ، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا ، وقد روى عنه الذهلي ، اه‍ . مختصر العلو ص [ 173 ] . وقال في إرواء الغليل [ 1 / 242 ] : الحسن بن محمد العبدي ، أورده ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل [ 1 / 2 / 35 ] فقال : روى عن أبي زيد الانصاري ، روى عنه علي بن المبارك الهنائي . قلت - أي الالباني - : فقد روى عنه إسماعيل بن مسلم أيضا كما ترى وهو العبدي القاضي ، وبذلك ارتفعت جهالة عينه ، وقد ذكره ابن حبان في الثقات [ 4 / 124 ] ثم هو تابعي ، اه‍ . = (*)

[ 16 ]

وأهدي إلى إخواننا من مقلديه هذين النصين من كتبه : قال الالباني في إرواء الغليل [ 5 / 21 ] : طلحة بن عبد الله لم يوثقه غير ابن حبان ، لكن روى عنه جماعة فهو حسن الحديث إن شاء الله ، وفي التقريب : مقبول . انتهى بنصه . فلماذا يحسن الالباني حديث طلحة الذي لم يوثقه غير ابن حبان (1) بينما يقول كنانة مجهول الحال ؟ . بل تراه يصحح حديث مالك بن خير الزيادي ، وهو مثل كنانة ، بل كنانة أحسن حالا منه . فيقول في صحيحته [ 2 / 517 ] بعد تصحيحه لحديث الزيادي المذكور : والزيادي ترجمه ابن أبي حاتم [ 4 / 1 / 208 ] ، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا ، لكن روى عنه جماعة من الثقات ، وثقه ابن حبان ، اه‍ . فلماذا يعتمد توثيق ابن حبان هناك ويرده هنا ؟ ومن التناقض في عبارته المذكورة أيضا اعتماده سكوت ابن أبي حاتم ، بينما تراه


= فانظر إلى مجهول الحال الذي يحسن حديثه ، بينما يرد حديث كنانة بقوله : كنانة مجهول الحال لم يوثقه غير ابن حبان ، ثم يذكر تساهل ابن حبان في الحاشية . (1) وانظر قوله في سلسلته الصحيحة [ 2 / 64 ] عن توثيق ابن حبان : وهو متساهل في التوثيق معروف بذلك ، ولذلك لا يعتمده المحققون من العلماء ، اه‍ . فلماذا تعتمده هنا يا فضيلة الشيخ ؟ . وتوثيق ابن حبان فيه تفصيل ، ورده مطلقا خطأ كبير ، ولذلك ذكرت أن توثيقه لكنانة مولى صفية مقبول ، والكلام على توثيق ابن حبان يحتاج لبسط ليس هذا محله ، والله المستمان . (*)

[ 17 ]

في مواضع أخرى يصرح بأن ما سكت عنه ابن أبي حاتم مجهول . وقيل أن ننتقل إلى النقطة التالية ، لنا وقفة مع الشيخ الالباني هنا . قلت في الحاشية ص [ 98 ] : أشار - أي الحافظ - في التقريب إلى أنه - أي كنانة - لين الحديث . بينما قال الحافظ في التقريب [ 2 / 137 ] ما نصه : كنانة مولى صفية ، يقال اسم أبيه نبيه ، مقبول ضعفه الازدي بلا حجة من الثالثة ، ب خ ت ، انتهى . والحافظ بين في المقدمة الفرق بين المقبول واللين ، فالاول وهو المقبول له متابع - وقد توبع كنانة - وهو أحسن حالا من الثاني أي اللين . فما الداعي لتغيير كلام الحافظ والتصرف فيه ؟ وما اسم هذا الفعل عند المحدثين يا فضيلة الشيخ ؟ هل هو إخبار بغير الواقع أم لا ؟ المؤاخذة الثانية : هاشم بن سعيد الكوفي قالم ة عنه أحمد : لا أعرفه ، وقال ابن معين : ليس بشئ ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وضعفه أبو حاتم . التهذيب [ 11 / 17 - 18 ] ، الثقات [ 7 / 585 ] ، الجرح والتعديل [ 4 / 2 / 104 ] . وقال ابن عدي بعد ان ذكر له بعض الاحاديث : ومقدار ما يرويه لا يتابع عليه . الكامل [ 7 / 2573 ] .

[ 18 ]

أما قول ابن معين : ليس بشئ ، فقد يكون معناه أن الراوي قليل الحديث . قال الحافظ في مقدمة الفتح ص [ 421 ] في ترجمة عبد العزيز بن المختار البصري : ذكر ابن القطان الفاسي أن مراد ابن معين من قوله في بعض الروايات " ليس بشئ " يعني أن أحاديثه قليلة جدا ، اه‍ . وقول الامام أحمد لا أعرفه ، لا يضره فقد عرفه غيره ، وكذا كلام ابن عدي لا يضره هنا لانه قال : ومقدار ما يرويه لا يتابع عليه . اه‍ . وستأتي متابعة له إن شاء الله تعالى ص [ 22 ] . بقي توثيق ابن حبان وتضعيف أبي حاتم ، فيكون الراوي فيه لين أو ضعف قريب ، ولذلك أرى أن أعدل الاقوال فيه قول الحافظ الناقد الذهبي . في الكاشف [ 3 / 217 ] : ضعف . فيكون حديث صفية رضي الله تعالى عنها المذكور في سنده ضعف يسير يحسن بالمتابعة أو الشاهد . المؤاخذة الثالثة : الشاهد للمتن قريب جدا وهو حديث سعد بن أبي وقاص المذكور ، فهو شاهد قوي للمتن ، فيكون الحديث حسنا لغيره به فقط . وإذا كان حديثا سعد وصفية رضي الله عنهما ضعيفين ، فلماذا لا يقوي كل منهما الآخر فيصير كل منهما شاهدا للآخر فيكون

[ 19 ]

الحديث حسنا لغيره ، هذا إذا قلنا برأي الالباني الذي ضعف الحديثين ، وهو ملزم بهذا الذي تقرره القواعد الحديثية ، وبه أيضا ينهدم كل ما كتبه الالباني عن السبحة ، والحمد لله رب العالمين . المؤاخذة الرابعة : أما المتابعة للسند ، فقد توبع هاشم بن سعيد الكوفي . أخرجها الطبراني عن روح بن الفرج ، ثنا عمرو بن خالد ، ثنا حديج بن معاوية ، ثنا كنانة مولى صفية ، عن صفية بنت حيي رضي الله عنها . وانظر أمالي الاذكار - المجلس الخامس عشر - مصورة بمكتبة الحرم المكي الشريف . وروح بن الفرج القطان المصري ثقة من مشايخ الطبراني والطحاوي . التهذيب [ 3 / 297 ] . وعمرو بن خالد ثقة ثبت من رجال البخاري . التهذيب [ 8 / 25 ] . وحديج بن معاوية قال عنه في التقريب [ 1 / 156 ] : صدوق يخطئ . هذه متابعة قوية لهاشم بن سعيد ، فيكون الحديث حسنا بلا ريب ، ولذا حسنه الحافظ في أمالي الاذكار [ ل 177 / 1 ] . ألا يكفي هذا بمفرده لهدم كل ما كتبه الشيخ الالباني ؟ المؤاخذة الخامسة : وتنزلا مع الشيخ الالباني ، إن كان كنانة مولى صفية مجهول الحال ، فإن كنانة لم ينفرد بالحديث ، بل أخرج الطبراني في الدعاء متابعة له : قال الطبراني في الدعاء : حدثنا محمد بن

[ 20 ]

عثمان بن أبي شيبة ، ثنا أبي قال : وجدت في كتاب أبي بخطه : ثنا مستلم بن سعيد ، عن منصور بن زاذان ، عن يزيد - يعني بن معتب - مولى صفية بنت حيي رضي الله عنها . قلت : شيخ الطبراني حافظ وثقه صالح جزرة ، وفي ترجمته ما يحتاج إلى التحرير ، لكنه يصلح للمتابعات ولا ريب (1) . انظر الميزان [ 3 / 642 ] . ووالده حافظ ثقة ، وكذا جده . ومستلم قال عنه الحافظ : صدوق ربما وهم . التقريب [ 2 / 241 ] . ومنصور ثقة احتج به الجماعة . التهذيب [ 10 / 306 ] . ويزيد لم أجد له ترجمة ، وهو تابعي ، فاذكر ما ذكرته بشأن كنانة سابقا ، وزد عليه قول الذهبي : وأما المجهولون من الرواة ، فإن كان الرجل من كبار التابعين أو أوساطهم احتمل حديثه ، وتلقي بحسن الظن إذا سلم من مخالفة الاصول ومن ركاكة الالفاظ ، اه‍ . مقدمة المغني ص [ ك ] . وأخرجه الطبراني في الاوسط بنفس السند [ 2 / ل 34 ب ] ، وانظر الدعاء له [ ل 193 أ ] . فهذه متابعة قوية لكنانة . فهل يمكن أن يرد بعد هذا حديث صفية رضي الله عنها أو يضعف ؟ . تنبيه قال الالباني في رده على الشيخ الحبشي بعد كلام : فعلى


(1) والالباني يقول عنه في صحيحته [ 4 / 156 ] : وفيه كلام لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن ، اه‍ . لكنه يتناقض ، ويضعف حديثه في إرواء الغليل [ 7 / 107 ] . (*)

[ 21 ]

الشيخ - أي الحبشي - أن يفتش عن لفظ هذا الطريق - الذي فيه متابعة لكنانة - ، وينظر إن كان فيه هذا العد - أي العد بالنوى - فإن ثبت فيه ، وخلا عما يخدج في الاحتجاج به كما هو ظاهر كلام الحافظ ثبت دعواه ، وإلا فدون ذلك خرط القتاد . انتهى كلام الالباني ص [ 38 ] . الحمد لله تعالى قد فتشت عن لفظ الحديث ، ورأيت بعيني كتاب الدعاء للطبراني الذي أحال عليه الحافظ - جزاه الله خيرا - وفيه ذكر النوى ، وخلا أيضا عما يخدج في الاحتجاج به كما هو ظاهر كلام الحافظ . وهذا يظهر تقصير الالباني ، الذي يدعي دعاوى كبيرة ، فكان ينبغي أن يتوقف في الحكم على الحديث ، أو يقلد الحافظ حتى يرجع إلى الامالي وهي موجودة ، ولكن ليس فيها ذكر سند الطبراني في الدعاء . ثم كان عليه أيضا أن يرجع إلى الدعاء للطبراني لينظر في سند الحديث ثم يحكم عليه ، علما بأن الطبراني أخرج نفس الحديث سندا ومتنا في المعجم الاوسط . ولكنه اكتفى برأيه ، ولم يرجع إلى الاصول ، ولم يرجع إلى أصل الامالي ، ثم بعد ذلك جمع ما كتبه في السلسلة الضعيفة ، وطبعت مرات - وتبعه بعض العوام - على ما فيها من أخطاء وكثر القول بضعف حديثي صفية وسعد رضي الله عنهما ، وهذا ليس من صنيع أهل هذا الشأن ، فإن المراجعة والاتقان وضبط ما كان وإصلاح الخطا أولى من الاكثار ، كما أشار إلى ذلك الامام مسلم رحمه الله تعالى في مقدمة صحيحه [ 1 / 46 - 47 ] بشرح النووي .

[ 22 ]

فصل ثم قال الالباني : ومما يدل على ضعف هذين الحديثين أن القصة وردت عن ابن عباس بدون ذكر الحصى ولفظه قال : " عن جويرية أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال : ما زلت على الحال التي فارقتك عليها ؟ قالت : نعم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن : سبحان الله وبحمده عدد خلقه ، ورضا نفسه ، وزنة عرشه ، ومداد كلماته " . اخرجه مسلم [ 8 / 83 - 84 ] ، والترمذي [ 4 / 274 ] وصححه ، وابن ماجه [ 2 / 423 ] ، وأحمد [ 6 / 325 ، 430 ] . فدل هذا الحديث الصحيح على أمرين : الاول : أن صاحبة القصة هي جويرية لا صفية كما في الحديث . الثاني : أن ذكر الحصى في القصة منكر ، ويؤيد هذا إنكار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على الذين رآهم يعدون بالحصى ، وقد جاء ذلك عنه من طرق سبق أحدها ، ولو كان ذلك مما أقره صلى الله عليه وسلم لما خفي على ابن مسعود إن شاء الله . وقد تلقى هذا

[ 23 ]

الانكار منه بعض من تخرج من مدرسته ألا وهو إبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه الكوفي ، فكان ينهى ابنته أن تعين النساء على فتل خيوط التسبيح التي يسبح بها ، رواه ابن أبي شيبة في المصنف [ 2 / 89 / 2 ] بسند جيد . انتهى كلام الالباني . * * * أقول وبالله تعالى التوفيق : هذا الكلام عليه مؤاخذات : الاولى : قوله : " إن صاحبة القصة هي جويرية لا صفية كما في الحديث الثاني " قد مر بك أن حديث صفية حسن ، وحديث سعد صحيح ، فتكون القصة قد تعددت مرة مع صفية ومرة مع امرأة ومرة مع جويرية . وهذا كثير جدا في أسباب الورود ، فالجمع أولى بدلا من ردها والاقتصار على رواية جويرية فقط ، ما دام أن الاسانيد قد رواها الائمة بأسانيد صحيحة أو حسنة . فلا تعارض حينئذ ، وإعمال كل الادلة واجب كما هو مقرر ، وهذه الطريقة يعرفها صغار طلبة العلم ، فلماذا التحكم بقصر القصة على رواية جويرية رضي الله تعالى عنها ؟ . الثانية : أما الحكم على أن ذكر الحصى في القصة منكر فخطأ من الالباني ، وهو فرع ناتج عن حكمه المخطئ الذي نشأ عن عدم البحث والتتبع ، بل والميل نحو إحداث أقوال شاذة ، وقد أداه كل ذلك إلى تضعيف حديثي سعد وصفية الثابتين . الثالثة : أما قوله : " يؤيد هذا إنكار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على الذين رآهم . . . إلى قوله إن شاء الله " ، ففيه أخطاء يجب التنبه لها .

[ 24 ]

1 - في الكلام على إنكار ابن مسعود رضي الله عنه على الذين رآهم يعدون بالحصى . اعلم وفقني الله وإياك إلى اتباع الحق وترك الدعاوى الفارغة ، أن هذا الانكار لم يثبت ، وأنا أذكر الاثر الذي اعتمده الالباني ، واغتر به العوام ص [ 96 ] من سلسلته الضعيفة . قال ابن وضاح القرطبي في البدع والنهي عنها ص [ 12 ] : أنا أسد عن جرير بن حازم عن الصلت بن بهرام قال : مر ابن مسعود بامرأة معها تسبيح تسبح به فقطعه وألقاه . ثم مر برجل يسبح بحصى فضربه برجله ، ثم قال : لقد سبقتم ، ركبتم بدعة ظلما ، أو لقد غلبتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما . سنده ضعيف للانقطاع الذي بين الصلت بن بهرام وابن مسعود رضي الله عنه لان ابن بهرام وإن كان ثقة ، ولكنه من أتباع التابعبن . التهذيب [ 4 / 432 ] . ثم لماذا يستدل بهذا الاثر الضعيف الموقوف على أن ذكر الحصى منكر ؟ وهل رأيت - أخي القارئ - من يجعل الموقوف الضعيف حكما على المرفوع الصحيح ؟ ! . . . إلى الله المشتكى . ومن المعلوم المقرر في علم الاصول ، أن فعل الصحابة ليس بحجة مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما بالك وقد خالفه جمع من الصحابة كما سيأتي بيان ذلك ! فما بالك ولم يصح هذا الفعل عن هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه ! . ومن المعلوم أيضا أن فعل أحد الصحابة ليس بحجة على الآخرين ، فلو صح أثر ابن مسعود

[ 25 ]

لم يكن حجة أبدا على غيره ، والله أعلم . والالباني قال في ص [ 96 ] عن أثر ابن مسعود : " وسنده صحيح إلى الصلت " أي إن سنده فيه انقطاع أي ضعف ، وأضف إلى ضعف السند ، النكارة التي في المتن ، فكيف يتعدى هذا الصحابي المجتهد الجليل رضي الله تعالى عنه على هذه المرأة ، ثم يضرب عبدا من عباد الله برجله هل هذا هدي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ . ولماذا يحتج هنا بالموقوف الضعيف في الاحكام الشرعية وهو مردود اتفاقا ، بينما يرد العمل بالحديث الضعيف في الفضائل والمناقب وهو مقبول اتفاقا ، ماذا تسمي هذا ؟ . تنبيه : قال الالباني في ص [ 96 ] من سلسلته الضعيفة : ثم روى - أي ابن وضاح - عن أبان بن أبي عياش قال : سألت الحسن عن النظام - خيط ينظم فيه لؤلؤ وخرز ونحوهما - من الخرز والنوى ونحو ذلك يسبح به ؟ فقال : لم يفعل ذلك أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ولا المهاجرات . وسنده ضعيف ، اه‍ . لا أدري لماذا سود الالباني الورق ، وأتى بهذا الاثر الموضوع الذي لا قيمة له بالمرة ، لا في الشواهد ولا المتابعات ؟ فإن في سنده أبان بن أبي عياش كذاب بلا ريب ولا شك ، فاعجب ألف مرة لقول الالباني سنده ضعيف ، فإن هناك بونا كبيرا بين الضعيف والموضوع . والمصنفون في الرجال ترجموا لابان بن أبي عياش

[ 26 ]

بما يكشف عن حاله ، لكنني أنقل ما نقله الالباني عنهم لترى تناقضه الغريب ، ولتعجب معي من هذا الصنيع . قال الالباني في ص [ 67 ] من السلسلة الضعيفة : أبان هو ابن أبي عياش الزاهد البصري ، قال أحمد : متروك الحديث ، وقال شعبة : لان يزني الرجل خير من أن يروي عن أبان ، قلت - أي الالباني - : ولا يجوز أن يقال مثل هذا إلا فيمن هو كذاب معروف بذلك ، وقد كان شعبة يحلف على ذلك ، اه‍ . فانظر - رحمك الله - كيف يرى أن أبان هنا في ص [ 67 ] كذاب معروف بذلك ، بينما يحكم على أثره في ص [ 96 ] بأنه ضعيف . بل إن أبان متهم بالكذب عن الحسن بالذات . قال أبو عوانة : كنت لا أسمع بالبصرة حديثا إلا جئت به ، فحدثني - أي أبان - به عن الحسن حتى جمعت مصحفا ، فما أستحل أن أروي عنه ، اه‍ . الميزان [ 1 / 11 ] . فالله المستعان على هذا التناقض . فالذي يستشهد بالموضوع المتحقق وضعه عنده ، ولكن عن طريق تغيير حقيقة الحكم على السند لا شك أنه يضحك على العوام بغية ترويج فكرته في بدعية السبحة ، فهل الامانة العلمية تستدعي هذا العمل ؟ ولو كان الشيخ البوطي أو الصابوني أو غيرهما من الذين يرد عليهم الالباني فعلوا فعله لانزل عليهم وابلا من الشتائم والاستهزاءات وغير ذلك . ورحم الله من كان عفيف اللسان منصفا . قوله : " وقد جاء ذلك عنه من طرق سبق إحداها " . أقول أما الذي سبق فلا قيمة له هنا وتبين أنه ضعيف . أما قوله

[ 27 ]

من " طرق " ففيه إيهام أن هذه الطرق صحيحة أو حسنة معمول بها والامر ليس كذلك وإليك بيان هذه الطرق . الاول : قال ابن وضاح في البدع والنهي عنها [ 11 ] : أنا أسد ، عن عبد الله بن رجاء عن عبيد الله بن عمر ، عن يسار أبي الحكم أن عبد الله بن مسعود حدث : أن أناسا بالكوفة يسبحون بالحصى في المسجد فأتاهم وقد كوم كل رجل منهم بين يديه كومة حصى ، قال : فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد ، ويقول : لقد أحدثتم بدعة ظلما ، أو قد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما ، اه‍ . يسار هو تصحيف من الناسخ والصواب سيار ثقة ولكنه من أتباع التابعين ، انظر التهذيب [ 4 / 291 ] . فيكون في السند انقطاع . أضف إلى هذا النكارة الواضحة في المتن كيف يرمي هذا الصحابي الجليل عباد الله بالحصى في المسجد ثم يرغمهم على الخروج منه فيخالف بذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " ما كان الرفق في شئ إلا زانه . . . الحديث " . رواه مسلم عن عائشة . قد يقول قائل إن الطريقين السابقين لاثر ابن مسعود - طريق الصلت وطريق سيار - يقوي كل منهما الآخر فيكون هذا الاثر حسنا . والجواب عليه : أن الانقطاع لا يتقوى بمثله لاتحاد المخرج ، ولاحتمال أن يكون هناك أكثر من راو سقط في الانقطاع ، فكيف يتقوى من هذا حاله بمثله ؟ أضف إلى هذا الاختلاف الواضح بين

[ 28 ]

المتنين فلا يتقوى أحدهما بالآخر . ففي الاول أنه مر على امرأة ثم رجل فقطع وضرب ، وفي الثاني أنه رمى الناس ثم أخرجهم من المسجد . . . فافهم وتدبر . الثاني : قال ابن وضاح : حدثني إبراهيم بن محمد ، عن حرملة ، عن ابن وهب ، قال : حدثني ابن سمعان قال : بلغنا عن ابن مسعود أنه رأى أناسا يسبحون بالحصى فقال : على الله تحصون لقد سبقكم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما ، أو لقد أحدثتم بدعة ظلما ، اه‍ . سنده موضوع ، وابن سمعان هو عبد الله بن زياد المخزومي كذبه غير واحد ولم يسمع من ابن مسعود . التهذيب [ 5 / 219 ] . بقي مما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه ما رواه الدارمي قال : أخبرنا الحكم بن المبارك ، أنا عمر بن يحيى قال : سمعت أبي يحدث ، عن أبيه : قال كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد ، فجاءنا أبو موسى الاشعري فقال : أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد ؟ قلنا : لا . فجلس حتى خرج ، فلما خرج قمنا إليه جميعا ، فقال له أبو موسى : يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفا أمرا أنكرته ، ولم أر والحمد لله إلا خيرا ، قال : فما هو ؟ فقال : إن عشت فستراه ، قال : رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصا ، فيقول كبروا مائة ، فيكبرون مائة ، فيقول هللوا مائة ، فيهللون مائة ، ويقول سبحوا مائة ، فيسبحون مائة ، قال : فماذا قلت لهم ؟ ما قلت لهم شيئا

[ 29 ]

انتظار رأيك أو انتظار أمرك ، قال : أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم ، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم ؟ . ثم مضى ومضينا معه ، حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال : ما هذا الذي أراكم تصنعون ؟ قالوا : يا أبا عبد الله (1) حصا نعد به التكبير والتهليل والتسبيح ، قال : فعدوا سيئاتكم ، فأنا ضامن ألا يضيع من حسناتكم شئ ، ويحكم أمة محمد ما أسرع هلكتكم ، هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم مترافرون ، وهذه ثيابه لم تبل ، وآنيته لم تكسر ، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحوا باب ضلالة ! ، قالوا : والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير ، قال : وكم من مريد للخير لن يصيبه ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا : " إن قوما يقرؤرن القرآن لا يجاوز تراقيهم " ، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم ، ثم تولى عنهم . فقال عمرو بن سلمة رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج . اه‍ . إن صح هذا إلى ابن مسعود - إذ في الحكم بن المبارك مقال (2) - ، فإن فيه إنكار عد التسبيح فقط ، فإنهم لما قالوا : " يا أبا


(1) هكذا في النسخة المطبوعة ، والصواب يا عبد الله ، والله أعلم . (2) ذكر الالباني في رده على الشيخ الحبشي أن إسناد الدارمي رجاله كلهم ثقات ، رجال البخاري في صحيحه غير عمارة وهو ثقة ، وغاب عن الالباني أن في سنده الحكم بن المبارك روى عنه البخاري في الادب المفرد فقط ولم يدخله في الصحيح ، وقال الحافظ في التقريب . صدوق ربما وهم . انظر التهذيب [ 2 / 438 ] ، التقريب [ 1 / 192 ] . (*)

[ 30 ]

عبد الرحمن حصا نعد به التكبير والتهليل والتسبيح " ، أنكر ابن مسعود العد فقط بقوله : " عدوا سيئاتكم . . . إلخ " وسكت عن الحصى . ففيه دليل جلي واضح على جواز استعمال الحصى في التسبيح عند ابن مسعود . وكان مذهب ابن مسعود رضي الله عنه كراهة العد . قال ابن أبي شيبة في المصنف : حدثنا أبو معاوية ، عن الاعمش ، عن إبراهيم ، قال : كان عبد الله يكره العد ، ويقول : أيمن على الله حسناته ، اه‍ . المصنف [ 2 / 391 ] . سنده صحيح ، أبو معاوية هو محمد بن خازم التميمي ثقة لا سيما عن الاعمش ، والاعمش ثقة وإن كان مدلسا وقد عنعن ، لكن روايته عن إبراهيم محمولة على السماع كما ذكر ذلك الذهبي في الميزان [ 2 / 224 ] . المؤاخذة الرابعة : قوله : (وقد تلقى . . . إلخ " . هذا خطأ بناه على خطأ ، لانه قد مر بك أنه لم يصح عن ابن مسعود رضي الله عنه إنكار التسبيح بالحصى ، بل مر جواز ذلك عنه . أما عن سند أثر النخعي رحمه الله تعالى : فقال ابن أبي شيبة : حدثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن حسن ،

[ 31 ]

عن إبراهيم بن المهاجر ، عن إبراهيم أنه كان ينهى ابنته أن تعين النساء على فتل خيوط التسابيح التي يسبح بها ، [ 2 / 391 ] . هذا السند فيه إبراهيم بن المهاجر ، وفيه تعديل وجرح مفسر ، فحديثه ضعيف . التهذيب [ 1 / 168 ] ، الجرح والتعديل [ 1 / 1 / 132 ] . قال الثوري وأحمد : لا بأس به ، وقال أبو داود تبعا لشيخه : صالح الحديث ، لكن ضعفه يحيى بن معين وابن حبان ويحيى بن سعيد والدارقطني وهو الراجح عن النسائي وغمزه شعبه . والجرح المفسر فيه هو قول الدارقطني : حدث بأحاديث لا يتابع عليها . وقال أبو حاتم الرازي : ليس بالقوي هو وحصين وعطاء بن السائب ، قريب بعضهم من بعض ، ومحلهم عندنا محل الصدق ، يكتب حديثهم ولا يحتج به . قال عبد الرحمن بن أبي حاتم : قلت لابي : ما معنى لا يحتج بحديثهم ؟ قال : كانوا لا يحفظون فيحدثون بما لا يحفظون ، فيغلطون ترى في أحاديثهم اضطرابات ما شئت ، اه‍ . وفي مقدمة الفتح ص [ 390 ] : قال ابن أبي خيثمة في تاريخه : قيل ليحيى بن معين إن إسرائيل روى عن أبي القتات وعن إبراهيم بن مهاجر ثلاثمائة يعني مناكير ، فقال : لم يؤت منه - أي إسرائيل - أتي منهما ، اه‍ . فهل بعد هذا يقبل تفرد ابن مهاجر ؟ .

[ 32 ]

وفي التقريب [ 1 / 44 ] : صدوق لين الحفظ ، وذكره الذهبي في المغني [ 1 / 27 ] . إذا علمت هذا تبين لك أن ابن مهاجر المذكور لا يجود حديثه إلا بمتابع ، أما إذا انفرد فضعيف . ومن تناقض الالباني أنه رد تصحيح الحاكم والذهبي لحديث فيه إبراهيم بن مهاجر المذكور فقال ما نصه : قال الحاكم صحيح الاسناد ووافقه الذهبي ، وزاد عليه فقال : قلت على شرط مسلم . ثم قال الالباني : وهو كما قال لولا أن فيه إبراهيم بن مهاجر ، قال الحافظ : صدوق لين الحفظ . انتهى بنصه . إرواء الغليل [ 5 / 47 ] . فانظر إلى رد الالباني التصحيح بقوله : لولا أن فيه إبراهيم بن مهاجر . . . إلخ . فالله المستعان على هذا التناقض الذي يمكن فيه لمن تتبع كتب الالباني أن يخرج جزءا لطيفا يسميه " رد الالباني على الالباني " . واعجب يا أخي لصنيع الالباني الذي يغمز سعيد بن أبي هلال الثقة ويضعف حديثه ، بينما يجود حديث إبراهيم بن مهاجر . فأين هؤلاء العوام المعترضون على عباد الله تعالى الذاكرين له ، تركوا تقليد الائمة المجمع على جلالتهم بدعوى العمل بالدليل والاجتهاد ، فوقعوا في تقليد الاخطاء والتناقض والتحريف والمخالفة للمتفق عليه .

[ 33 ]

ثم اعلم أن إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى ، لم ينه ابنته عن تسبيح بالنوى أو السبح ولكنه نهاها - إن صح عنه - عن فتل الخيوط ، ولا يلزم من نهيها عن فتل الخيوط نهيها عن استعمالها ، لان هذا النهي يحتمل أن يكون بسبب عدم رغبته في اختلاط ابنته بالنساء ، أو بسبب أنه مشتغل بالعلم وقد تأتي النساء لمنزله مما يسبب له ضررا ، أو اتباعا لشيخه في كراهة العد فقط ، إلى غير ذلك من الاحتمالات ، وما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال . ولكن الذي فات الشيخ الالباني أن أثر إبراهيم نخعي فيه أن النساء كان لهن تسابيح يسبحن بها ، وهذا كان في عصر التابعين ، فقد أتى الشيخ بما عليه لا له ، فافهم أخي القارئ وتدبر .

[ 34 ]

فصل قال الالباني : قد يقول قائل : إن العد بالاصابع كما ورد في السنة لا يمكن أن يضبط به العدد إذا كان كثيرا . فالجواب : قلت إنما جاء هذا الاشكال من بدعة أخرى ، وهي ذكر الله في عدد محصور لم يأت به الشارع الحكيم ، فتطلبت هذه البدعة بدعة أخرى وهي السبحة ، فإن أكثر ما جاء من العدد في السنة الصحيحة - فيما أذكر الآن - مائة ، وهذا يمكن ضبطه بسهولة لمن كان ذلك عادته . انتهى كلام الالباني ص [ 99 ] . كأن الشيخ الالباني يرى أنه إذا كان هناك عددا كبيرا يصعب عده بالاصابع فلا مانع من استعمال السبحة ، ولكن لما كان هذا غير موجود في السنة الصحيحة ، كان استعمالها بدعة ، لانه لا يعرف أكثر من مائة في السنة . فمن أجل عدم علم الشيخ بوجود عدد أكبر من مائة في السنة حكم ببدعية السبحة ، وهذا تحكم كبير ، وبعد عظيم عن السنة . فهل إذا أتينا للشيخ بما ورد في السنة الصحيحة يرجع عن قوله ؟ .

[ 35 ]

1 - قوله : " ذكر الله في عدد محصور لم يأت به الشارع الحكيم . . . إلخ " . اعلم أن الشارع قد رغب في ذكر الله تعالى ذكرا كثيرا ، وقد بلغ هذا مبلغ التواتر ، والكثير لا حد له ، وقد ورد أن عددا كبيرا من الصحابة والتابعين اعتادوا الذكر بأعداد كبيرة تصل إلى المائة ألف والاربعين ألف والعشرة آلاف ، فهل هؤلاء مبتدعة أم نحن جاهلون بالشرع ؟ . . . الاول ممتنع والثاني واقع . 2 - وما دام ذكر الله تعالى كثيرا بكافة أنواعه من المندوب المطلوب ، فالمحافظة عليه مندوبة ، قال رسول الد صلى الله عليه وسلم : " أحب الدين إلى الله أدومه وإن قل " . رواه البخاري . ومنه يعلم أن ذكر الله تعالى بالمئات والآلاف مطلوب ، ومطلوب المحافظة عليه ، وهذا عمل الصحابة رضوان الله عليهم كما سيأتي ، بل من راجع " الزهد " و " الحلية " لوجد كثيرا من ذلك . فكيف يمكن اتهام سادات الائمة من علماء وصالحين بالابتداع بسبب قصور الفهم وقلة الاطلاع ، إن هذا لشئ عجاب ! . 3 - قوله : " أكثر ما جاء من العدد في السنة الصحيحة - فيما أذكر الآن - مائة . . . إلخ " ، وما دمت لا تذكر وقت الكتابة ، فنحن نذكرك ، ونذكر إخواننا ، فإن الذكرى تنفع المؤمنين . قال ، سول الله صلى الله عليه وسلم : " من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة ، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا

[ 36 ]

أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه " . رواه مسلم (16 / 17 مسلم بشرح النووي) . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيعجز أحدكم أن يكسب في كل يوم ألف حسنة ؟ فسأله سائل من جلسائه كيف يكسب ألف حسنة قال : يسبح مائة تسبيحة فتكتب له ألف حسنة ، أو تحط عنه ألف سيئة " . رواه مسلم (16 / 20 مسلم بشرح النووي) . فانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم : " كل يوم " ، فمن لا يريد أن يكسب كل يوم مائة ألف حسنة ويحافظ على هذا المكسب العظيم ؟ ! . أيكون هذا مبتدعا ؟ . وقد جاء النص في أكثر من مائة ، أخرج أحمد والطبراني عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير مائتي مرة في يوم ، لم يسبقه أحد كان قبله ، ولا يدركه أحد بعده ، إلا بأفضل من عمله " . قال الهيثمي : ورجال أحمد ثقات ، وفي رجال الطبراني من لم أعرفه . مجمع الزوائد [ 10 / 86 ] .

[ 37 ]

فصل وأعلم أنه قد استعمل النوى أو الحصى في التسبيح جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ، وقد تقرر أن الصحابة رضوان الله عليهم لا يفعلون البدعة . ورد ذلك بأسانيد قوية عن أبي الدرداء ، وأبي هريرة ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبي صفية ، وغيرهم رضي الله تعالى عنهم . وهناك أسانيد أخرى مشبهة أو ضعيفة تطلب من " المنحة " للحافظ السيوطي . ومن طالع كتب " الطبقات " لابن سعد " و " الزهد " للامام أحمد ، و " الحلية " لابي نعيم ، و " التاريخ " للخطيب البغدادي ، لاخرج جزءا لطيفا فيه استعمال السلف الصالح - رحمهم الله تعالى - النوى أو الحصى أو المسابيح في التسبيح . 1 - أثر أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه : قال عبد الله بن الامام أحمد : حدثني أبي ، حدثنا مسكين بن بكير ، أنبأنا ثابت بن عجلان ،

[ 38 ]

عن القاسم بن عبد الرحمن قال : كان لابي الدرداء نوى من نوى العجوة ، حسبت عشرا أو نحوها في كيس ، وكان إذا صلى الغداة أقعى على فراشه ، فأخذ الكيس ، فأخرجهن واحدة واحدة يسبح بهن ، فإذا نفدن أعادهن واحدة واحدة ، كل ذلك يسبح بهن ، اه‍ . الزهد ص [ 141 ] . هذا سند صحيح إن شاء الله تعالى . مسكين بن بكير روى له البخاري متابعة ، ومسلم وغيره في الاصول ، وثقه ابن عمار ، وقال أحمد وابن معين وأبو حاتم : لا بأس به . ومن تكلم فيه كأبي أحمد الحاكم فبالنسبة لاحاديثه عن سعيد بن عبد العزيز وعن شعبة ، وهو هنا لم يرو عنهما . التهذيب [ 10 / 120 ] ، الجرح والتعديل [ 4 / 1 / 329 ] . وثابت بن عجلان تابعي شامي ، ثقة احتج به البخاري ، وثقه ابن معين ، وقال دحيم والنسائي : ليس به بأس ، وقال أبو حاتم : لا بأس به صالح الحديث ، وتوقف فيه أحمد وكانه مرض أمره . واستغرب ابن عدي له ثلاثة أحاديث ، وهذا لا يضره ، فمن من الرواة من لا ينفرد أو يهم ؟ أما قول العقيلي : لا يتابع في حديثه ، فقد تعقبه أبو الحسن بن القطان بقوله : إن هذا لا يضر إلا من لا يعرف بالثقة ، وأما من وثق فانفراده لا يضر . قال الحافظ : وصدق فإن مثل هذا لا يضره إلا مخالفته الثقات لا غير ، فيكون حديثه حينئذ شاذا ، اه‍ . انظر الضعفاء للعقيلي [ 1 / 175 ] ، الكامل [ 2 / 524 ] ، التهذيب [ 2 / 10 ] .

[ 39 ]

والقاسم بن عبد الرحمن هو أبو عبد الرحمن الشامي الدمشقي ، وثقه ابن معين والعجلي والترمذي ويعقوب بن سفيان ويعقوب بن شيبة ، ومن تكلم فيه كابن حبان فلاحاديث منكرة رواها عنه ضعفاء ، لذلك قال أبو حاتم الرازي : حديث الثقات عنه مستقيم لا بأس به ، وإنما ينكر عنه الضعفاء . التهذيب [ 8 / 322 - 324 ] ، الجرح والتعديل [ 2 / 3 / 113 ] . والراوي عنه ثابت بن عجلان ثقة كما مر ، وشامي مثله . روى عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما ، فروايته عن أبي الدرداء أولى ، لانه شامي مثله وعده يعقوب بن سفيان من الطبقة العليا من التابعين بالشام . المعرفة والتاريخ [ 2 / 330 ] . 2 - أثر أي هريرة رضى الله عنه : قال أبو داود [ 2 / 339 ] : حدثنا مسدد ، ثنا بشر ، ثنا الجريري ، ح وثنا مؤمل ، ثنا إسماعيل ، ح وثنا موسى ، ثنا حماد كلهم عن الجريري ، عن أبي نضرة ، حدثني شيخ من طفاوة قال : تثويت أبا هريرة بالمدينة - أي جئته ضيفا - ، فلم أر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أشد تشميرا ، ولا أقوم على ضيف منه ، فبينا أنا عنده يوما ، وهو على سرير له ، معه كيس كبير فيه حصى أو نوى ، وأسفل منه جارية سوداء ، وهو يسبح بها ، حتى إذا أنفذ ما في الكيس ألقاه إليها فجمعته فأعادته في الكيس فدفعته إليه . . . الحديث . وسكت عنه أبو داود فهو صالح عنده .

[ 40 ]

وأخرج بعضه النسائي [ 8 / 151 ] ، والترمذي (كتاب الاستئذان ، تحفة 8 / 71 - 72) وقال : هذا حديث حسن ، إلا أن الطفاوي لا نعرفه إلا في هذا الحديث ، ولا نعرف اسمه ، وأحمد في المسند [ 2 / 540 ] . وإنما حسنه الترمذي لان الطفاوي تابعي لم يأت بمتن منكر ، والراوي عنه ثقة ، وقد احتج النسائي بالطفاوي مع تعنته المشهور في الرجال . وهذا مذهب كثير من المحدثين ، لم ينفرد به الترمذي رحمه الله تعالى ، فلا يقول متقول هنا : وتساهل الترمذي معروف ، كما هي عادة البعض . وفي مقدمة " المغني " للذهبي نقلا عن " الضعفاء " له قال : وأما المجهولون من الرواة ، فإن كان الرجل من كبار التابعين أو أوساطهم احتمل حديثه ، وتلقي بحسن الظن إذا سلم من مخالفة الاصول ومن ركاكة الالفاظ ، اه‍ . وباقي السند رجاله ثقات . ولتسبيح أبي هريرة بالنوى شاهدان يقويان تحسين الترمذي : 1 - قال أبو نعيم في الحلية : حدثنا أبو بكر بن مالك ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي وإبراهيم بن زياد قالا : ثنا إسماعيل بن عليه ، عن خالد الحذاء ، عن عكرمة قال قال أبو هريرة : إني لاستغفر الله وأتوب إليه كل يوم اثني عشر الف مرة ، اه‍ . الحلية [ 1 / 383 ] وسنده صحيح . وعزاه الحافظ في الاصابة [ 4 / 209 ] لابن سعد وصححه . وانظر تذكرة الحفاظ [ 1 / 35 ] .

[ 41 ]

فبعد أن ثبت هذا عن أبي هريرة ، كيف يمكن إحصاء اثني عشر ألف تسبيحة كل يوم بدون آلة تساعده كنوى أو حصى ؟ . والقاعدة عندهم : إذا ثبت الشئ ثبتت لوازمه . 2 - أخرج أبو نعيم في الحلية قال : حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، ثنا الحسن بن الصباح ، ثنا زيد بن الحباب ، عن عبد الواحد بن موسى قال : أخبرني نعيم بن المحرر (1) بن أبي هريرة ، عند جده ، أبي هريرة أنه كان له خيط فيه ألفا عقدة ، فلا ينام حتى يسبح به ، اه‍ . [ 1 / 383 ] . وعزاه الحافظ السيوطي في المنحة لاحمد في الزهد (2) ،


(1) ولنذكر هنا تناقضا للالباني وقع له في المحرر بن أبي هريرة في ذلك أنه وثق المحرر في جهة وصحح حديثه ، ثم في جهة أخرى جعله علة في السند . أما توثيقه وتصحيح حديثه ، ففي ارواء الغليل [ 4 / 301) حيث قال عن المحرر ما نصه : فهو ثقة إن شاء الله ، فقول الحافظ فيه : مقبول ، غير مقبول ، وعليه فالاسناد صحيح ، اه‍ . أما جعله المحرر المذكور علة في السند : فقوله في السلسلة الصحيحة [ 4 / 156 ] ما نصه : هذا إسناد رجاله كلهم رجال البخاري ، غير المحرر بن أبي هريرة في فإنه من رجال النسائي وابن ماجه فقط ، ولم يوثقه غير ابن حبان ، ولذلك لم يوثقه الحافظ ابن حجر ، بل اكتفى بقوله : مقبول ، يعني عند المتابعة ، اه‍ . فانظر - رحمني الله وإياك - إلى هذا التناقض ، يوثق الراوي ، ثم يعلل به الاسناد ، ويخطئ الحافظ ثم يقبل قوله . (2) لكن لم أجده في الزهد المطبوع ، وليعلم أن المطبوع أقل من الاصل = (*)

[ 42 ]

وأورده الذهبي في تذكرة الحفاظ [ 1 / 35 ] . وسنده حسن إلى نعيم الذي لم أجد له ترجمة فيما لدي من كتب الرجال والله أعلم . 3 - أثر سعد بن أبي وقاص رضى الله تعالى عنه : قال ابن سعد في الطبقات [ 3 / 143 ] : أخبرنا قبيصة بن عقبة ، عن سفيان ، عن حكيم بن الديلمي : أن سعدا كان يسبح بالحصى . قبيصة ثقة احتج به الجماعة . التهذيب [ 8 / 347 ] . وسفيان هو الثوري ، لا يسأل عن مثله . وحكيم بن الديلمي هو المدائني ثقة . التهذيب [ 2 / 449 ] ، من السادسة . التقريب [ 1 / 194 ] . لم يرو عن سعد رضي الله عنه . لكن رواه يحيى بن سعيد موصولا ، قال ابن أبي شيبة [ 2 / 389 ] في المصنف : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سفيان ، عن حكيم بن الديلمي ، عن مولاة لسعد : أن سعدا كان يسبح بالحصى أو النوى . وسنده يمكن أن يكون مقبولا على طريقة كثير من الحفاظ


= بكثير ، قال عنه الحافظ في مقدمة تعجيل المنفعة ص [ 11 ] : إنه كتاب كبير يكون في قدر ثلث المسند مع كبر المسند ، وفيه من الاحاديث والآثار مما ليس في المسند شئ كثير ، اه‍ . فرحم الله الامام أحمد وجزاه عنا خير الجزاء .

[ 43 ]

المتقدمين والمتأخرين ، وهذا ما يقتضيه النظر الصحيح لا التعنت القبيح . ومما يزيده وضوحا ، قول الذهبي في الميزان - وهو من أهل الاستقراء التام في الرجال : ولا أعلم من النساء من اتهمت ولا تركت ، اه‍ . الميزان [ 4 / 604 ] ، ووافقه الحافظ في اللسان [ 7 / 522 ] . 4 - أثر أبي صفية رضي الله تعالى عنه : أخرج الامام أحمد في الزهد قال : حدثنا عفان ، ثنا عبد الواحد بن زياد ، عن يونس بن عبيد ، عن أمه قالت : رأيت أبا صفية رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان جارنا ، قالت : فكان يسبح بالحصى . هذا سند صحيح رواته ثقات محتج بهم . فإن قال قائل : أم يونس بن عبيد لم يرو عنها غير ابنها كما ذكر ذلك الامام مسلم بن الحجاج في المنفردات ص [ 19 ] ، ولم يوثقها أحد ، فكيف يحتج بها ؟ . أجيب بالآتي : 1 - أم يونس روى عنها أيضا غير ابنها ، المعلى بن الاعلم كما في الجرح والتعديل [ 8 / 333 ] ، والتاريخ الكبير [ 9 / 44 ] ، ولم يذكر فيها جرحا ولا تعديلا ، وهي على شرط ابن حبان في ثقاته ولاكنني لم أجدها فيه .

[ 44 ]

فهي مستورة لارتفاع جهالة العين برواية اثنين ، فتبقى جهالة الحال . وحديث المستور من الرواة الذين تقادم العهد بهم مقبول ، فما بالك إذا كان من التابعين وعليه العمل في كثير من كتب الحديث كما قرره الحافظ ابن الصلاح في المقدمة ص [ 145 ] . 2 - احتج الائمة الحفاظ الاثبات ممن صنفوا في الصحابة ومعهم البخاري وابن أبي حاتم وغيرهما بأن أبا صفية من الصحابة ، بل ومن المهاجرين اعتمادا على طريق أم يونس بن عبيد ، وفي كل الروايات ذكر الحصى أو النوى . وهذا أكثر دليل ، وأوضح برهان على قبولهم رواية أم يونس وتوثيقهم لها . ومما يؤيد هذا ويقويه ويوضحه أن الحافظ ذكر في مقدمة الاصابة [ 1 / 4 - 5 ] أنه رتبه على أربعة أقسام ، ثم قال : القسم الاول : فيمن وردت صحبته بطريق الرواية عنه أو عن غيره ، سواء كانت الطريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة ، أو وقع ذكره بما يدل على الصحبة بأي طريق . ثم قال : وأميز ذلك في كل ترجمة ، اه‍ . وتراه في ترجمة أبي صفية رضي الله عنه يذكر صحبته دون تمييز أو تعقيب ، مما يدل على أن الطريق عنده صحيح أو حسن . تنبيه : علل الالباني - في رده على الشيخ الحبشي - أثر أبي صفية بالآتي :

[ 45 ]

قال الالباني : في السند إليه أم يونس بن عبيد ، ولا ذكر لها في شئ من كتب التراجم ، اه‍ . وهذا خطأ من الالباني فإن أم يونس ذكرها البخاري في التاريخ الكبير [ 9 / 44 ] ، وذكرها مسلم في المنفردات ص [ 19 ] ، وذكرها ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل [ 8 / 333 ] . فكيف يقال : لا ذكر لها في كتب التراجم ؟ . والآن نسأل الشيخ الالباني : ماذا تقول في أبي صفية ، هل هو صحابي أم لا ؟ فإن أجبت بالنفي فقد خالفت سبيل الحفاظ وأتيت بقول منكر لا معنى له وإن أجبت بالاثبات ، فليس هناك طريق لاثبات صحبة أبي صفية إلا طريق أم يونس الذي فيه أنه كان يسبح بالحصى والنوى . فأنت ملزم بالثاني ولا تستطيع أن تنفك عنه (1) ، وعليه لا يمكن الحكم ببدعية السبحة . والله المستعان . وهناك آثار أخرى لم أذكرها لوجود الضعف فيها . وانظر إذا شئت " المصنف " لابن أبي شيبة [ 2 / 389 ] و " المنحة " في الحاوي للسيوطي [ 2 / 4 ] . * * *


(1) وأزيد من هذا أن الألباني عندما يريد أن يحتج بأقل من أم يونس يفعل ، بل ويصرح بقبول رواية المستورين من التابعين . فيقول عن راو تابعي ما نصه : " وجملة القول أن الرجل مستور الحال ، والنفس تطمئن للاحتجاج بحديث أمثاله من مستوري التابعين ، وعلى ذلك جرى كثير من المحققين " اه‍ . تخريج السنة لابن أبي عاصم [ 1 / 214 ] . (*)

[ 46 ]

وكان من عادة السلف الاكثار من التسبيح . قال الحافظ السيوطي في المنحة : وذكر الحافظ عبد الغني في الكمال في ترجمة أبي الدرداء عويمر رضي الله عنه : أنه كان يسبح في اليوم مائة ألف تسبيحة . وذكر أيضا عن سلمة بن شبيب قال : كان خالد بن معدان يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحة ، اه‍ . وقوله : " في اليوم " يدل على المداومة بالعدد المذكور . قال السيوطي : ومن المعلوم المحقق أن المائة ألف ، بل والاربعين ألفا وأقل من ذلك لا يحصر بالانامل ، فقد صح بذلك أنهما كانا يعدان بآلة ، والله أعلم ، اه‍ . وأخرج الترمذي في الدعاء (12 / 298 عارضة) عن مسلم بن عمرو قال : كان عمير بن هانئ يصلي كل يوم ألف ركعة ، ويسبح مائة ألف تسبيحة . فإذا أمعنت فيما ذكرت في هذا الفصل ، علمت قيمة قول الالباني : " إنما جاء هذا الاشكال من بدعة أخرى ، وهي ذكر الله في عدد محصور لم يأت به الشارع الحكيم ، فتطلبت هذه البدعة بدعة أخرى وهي السبحة " . انتهى بنصه ، فافهم وتدبر والله المستعان .

[ 47 ]

فصل وقد استعمل السبحة الجماهير من السلف والخلف . وقال الحافظ السيوطي في المنحة : ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عد الذكر بالسبحة ، بل كان أكثرهم يعدون بها ، ولا يرون ذلك مكروها ، اه‍ . انظر الحاوي في الفتاوي [ 2 / 5 ] . وقد كنت جمعت كثيرا من عبارات العلماء الثقات الاعلام في بيان جوازها ، ثم رأيت أن أقتصر هنا على ما يوصل إلى المراد . 1 - قال شيخ الاسلام أحمد بن تيمية (مجموع الفتاوى 22 / 506) : وعد التسبيح بالاصابع سنة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم للنساء : " سبحن ، واعقدن بالاصابع فإنهن مسؤولات مستنطقات " . وأما عده بالنوى والحصى ونحو ذلك فحسن ، وكان من الصحابة رضي الله عنهم من يفعل ذلك وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم أم مؤمنين تسبح بالحصى ، وأقرها على ذلك ، وروي أن أبا هريرة كان يسبح به . وأما التسبيح بما يجعل في نظام من الخرز ونحوه ، فقال فيه هو حسن غير مكروه .

[ 48 ]

2 - قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في الوابل الصيب ص [ 295 ] : الفصل الثامن والستون في عقد التسبيح بالاصابع ، وأنه أفضل من السبحة ، اه‍ . 3 - قال العلامة محمد بن علي الشوكاني (نيل الاوطار 2 / 353) : والحديثان الآخران - أي حديث سعد وصفية رضي الله عنهما - يدلان على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى ، وكذا بالسبحة ، لعدم الفارق ، لتقريره صلى الله عليه وسلم للمرأتين على ذلك وعدم إنكاره ، والارشاد إلى ما هو أفضل لا ينافي الجواز ، اه‍ . ونقله المبارك فوري في تحفة الاحوذي [ 9 / 458 ] موافقا له .

[ 49 ]

وبعد ما تبين لك من خطأ الالباني في النقل ، أردت - بحول الله تعالى وقوته - أن أبين الخطأ الذي وقع فيه من جهة النظر . 1 - السبحة آلة تستخدم لعد ما ندب الشارع إليه ، فهي وسيلة لمقصود وهو الذكر من تكبير وتسبيح وتهليل ونحوه . وقد تقرر أن للوسائل حكم المقاصد . قال القرافي في الفروق [ 3 / 111 ] : الوسائل تتبع المقاصد في أحكامها ، فوسيلة المحرم محرمة ، ووسيلة الواجب واجبة ، اه‍ . 2 - بعض الناس اعتاد أن يسبح أو يستغفر بعدد كبير ألف ألفين مثلا ، أو أن أحدهم اعتاد أن يتكلم الناس معه عقب الصلاة ، وهو يذكر ما ورد في هذا المحل ، فيقطع الذكر ويجيب السائل أو يرد السلام أو نحو ذلك ، كل ذلك يستدعي أن يقطع ما هو فيه ، ثم عندما يعود إلى الذكر مرة أخرى ينسى العدد الذي ذكره ، فلا يستطيع أن يتذكر إلا بالاستعانة بالسبحة ومن القواعد المقررة أن الامر إذا ضاق اتسع ، وأن المشقة تجلب التيسير . 3 - أشار الالباني إلى أن التسبيح بالسبحة مخالف لهديه صلى الله عليه وسلم

[ 50 ]

ص [ 96 ] . وغاب عنه أن هديه صلى الله عليه وسلم أفعائه ، وأقواله ، وتقريراته . 4 - وصرح الالباني بأنه - أي التسبيح بالسبح - مخالف لامره صلى الله عليه وسلم ، لقوله : " واعقدن بالانامل . . . الحديث " . مثلا ، أو أن أحدهم اعتاد أن يتكلم الناس معه عقب الصلاة ، وهو يذكر ما ورد في هذا المحل ، فيقطع الذكر ويجيب السائل أو يرد السلام أو نحو ذلك ، كل ذلك يستدعي أن يقطع ما هو فيه ، ثم عندما يعود إلى الذكر مرة أخرى ينسى العدد الذي ذكره ، فلا يستطيع أن يتذكر إلا بالاستعانة بالسبحة ومن القواعد المقررة أن الامر إذا ضاق اتسع ، وأن المشقة تجلب التيسير . 3 - أشار الالباني إلى أن التسبيح بالسبحة مخالف لهديه صلى الله عليه وسلم

[ 50 ]

ص [ 96 ] . وغاب عنه أن هديه صلى الله عليه وسلم أفعائه ، وأقواله ، وتقريراته . 4 - وصرح الالباني بأنه - أي التسبيح بالسبح - مخالف لامره صلى الله عليه وسلم ، لقوله : " واعقدن بالانامل . . . الحديث " . وهذا خطأ ، لان التسبيح بالسبحة ليس فيه مخالفة ، والامر بالانامل أمر إرشاد ، لا يمنع من استعمال غير الانامل ، وليس فيه أيضا ما يدل على حصر التسبيح بالانامل . إذا علمت ذلك تبين لك أن الامر بالعقد على الانامل ليس فيه نهي عن التسبيح بالنوى أو الحصى أو السبح . وليكن هذا آخر الجزء الذي كتبته على سبيل النصيحة والتبيان ، وأستغفر الله مما بدر من هفوات اللسان ، والله أسأل أن ينفع به ويجعله في ميزان حسناتي ، إن ربي سميع الدعاء . وكان الفراغ من تحريره في غرة رمضان المعظم سنة 1404 ه‍ بمكة المكرمة زادها الله تشريفا وتعظيما وتكريما . والحمد لله أولا وآخرا ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية