الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




وفيات الائمة- من علماء البحرين والقطيف

وفيات الائمة

من علماء البحرين والقطيف


[ 1 ]

مجموعة وفيات الائمة (عليهم السلام) ويليه وفاة السيدة زينب (ع)

[ 3 ]

مجموعة وفيات الائمة (عليهم السلام) ويليه وفاة السيدة زينب (ع) تأليف مراجع من العلماء الاعلام طبعة جديدة محققة ومصححة دار البلاغة

[ 4 ]

كافة الحقوق محفوظة ومسجلة الطبعة الاولى 1412 ه‍ - 1991 م دار البلاغة للطباعة والنشر والتوزيع. هاتف وفاكس: 317425 - 820320 - 834265 - ص ب: 16 / 25 - تلكس: 22597 بلاغ - بيروت - لبنان

[ 5 ]

وفاة الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب " عليه السلام " تأليف المرحوم الشيخ علي نجل محمد آل سيف الخطي

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المحمود بعموم الاحوال، المشكور بجزيل النعم والنوال، المتنزه عن مشاركة الاغيار ومناسبة الامثال، المتعالية ذاته بعزة العظمة وكمال الجلال، المتفرد بدوام الملك وامتناع الزوال، وأشهد أن لا إله إلا الله المقتدر الفعال، وأن محمدا عبده ورسوله المرتضى لوحيه في جميع الخصال، وأن الخليفة من بعده بلا واسطة ولا انفصال، ووزيره وابن عمه صاحب ذي الفقار والحوض الزلال، ذو المعجزات العضال، ووسيلة الدعاة إلى ذي الجلال، علي بن أبي طالب سهم الله الصائب في أهل الضلال، شهادة تصلح لقائلها ضعيف الاعمال، وتنجحه من مرديات قبائح الافعال، صلى الله وسلم عليهما وعلى الطاهرة الزكية أم الحسنين وزوجة علي بن أبي طالب (سلام الله عليهم). أما بعد: لما تصفحت أحوال الامام، فوجدت أحدهما على ما فيه من حسن التطويل، قد اقتصر في الاستشعار بوفاته على نزر قليل، والآخر أسهب في وصف قطام وشبيب، فلم يحسن إذ ذاك إطنابه، فكأنما هو ذا تسمع له طرفا من ديوان الصبابة، فعن لي أن أجمع بينهما وهما بحران، فاستقصرتهما على مغالبة الزمان، وأخرجت منهما اللؤلؤ والمرجان، ونظمتهما خلال ما

[ 8 ]

استطرفته، وعقدتهما مع ما استحسنته، ولا أدعي البراءة من الغيب، وتحصنت بالله عن أرجاف المراء وجنود الريب، على كلام مختصر رقيق، وأسلوب مستحسن أنيق، مسترقا من الله نفسي الامارة من الرياء والاعجاب، مسترفقا توفيقه في سلوك الحق والصواب، سائلا منه أن يجعله مدخرا ليوم الحساب، منتظرا به الشفاعة يوم المآل، ملتزما بعض ما التزمه المؤلف الاول، معولا على ما نقله وربما عليه المعول فقد أغير في الشعر، وقد أحذف منه وربما أذكر بعض الرواية في سلك مناسبته، بم يعن لي ذكر بعضها الآخر مع ما ينتظم به فلا يعجل باللوم علي عجول، ولا يبتدر في الاعابة إلي ملول، وليسدد أخ ناصح كريم، ويستر الهفوة مني لامح حليم، فإنني بالقصور معذور، على أن لا يسقط الميسور بالمعسور، فها أنا أقول وبالله التوفيق ومنه نيل المأمول. سبق (صلوات الله وسلامه عليه) فخرا فجل أن يسابق، ولحق من تقدمه فضلا وأنى يلاحق، حتى غرس في قلوب أبت الهدى غرائس الاضغان، وغرس نفوسهم بمحمود سعيه غرائس الاشجان، فأنتجت له نتائج الحسد والعدوان، ولم تأخذه في الله لومة لائم، جانب النصف ومتع نفسه الزكية في الله بالتلف، وشغف بالقرب منه غاية الشغف، فاستوطن قباب الا خطار، واستأجن شرب الراحة والاصدار، فلذلك التهب نفس كل حاسد بما أخفاه، وحاقد بسالف من الكفر أرداه، فدعوه عن رتبته ودفعوه عن منزلته، ومنعوه من بلغته، وبالغوه في أذيته، لكنه لحظ إلاسلام بطرف الرحمة والالطاف وبسط له أنماطا للشفقة والاعطاف، ولم يجعل للدنيا في حماه منصبا، ولا خالط زلال مطلبه من أجاجها مشربا، فسالم في الله راغما جد معطسه (1)، واستبق الاسلام بانقياده وقد اتشح من الشرف جميل ملبسه، إذ كانت الدنيا لديه كقلامة ظفر، هانت عليه كما قال رسول الله (ص): يا علي إن الله زينك بزينة لم يزين


(1) المعطس: الانف. (*)

[ 9 ]

بها أحدا من الخلق، الزهد في الدنيا، وجعل الدنيا لم تنل منك شيئا. فكان سلام الله عليه كما قال النجم الزاهر ابنه محمد الباقر: والله إن عليا ليأكل أكلة العبد، ويجلس جلسة العبد، وانه ليشتري القميصين فيخير غلامه خيرهما، ثم يلبس الاخير، فإذا جاز أصبعه قطعه، وإذا جاز كعبه حذفه. وقال (ع): لقد تزوجت فاطمة الزهراء، وما لي ولها فراش غير جلد كبش، كنا ننام عليه في الليل، ونعلف عليه الناضج في النهار، وما لي خادم غيرها. ولقد ولي علي (ع) خمس سنين، ما وضع أجرة على أجرة، ولا لبنة على لبنة، ولا قطع قطعيا، ولا ورث بيضاء ولا صفراء وإنه كان ليطعم الناس خبز البر واللحم، ويذهب إلى منزله فيأكل خبز الشعير والزيت والخل، وما ورد عليه أمران كلاهما لله رضى، إلا أخذ بأشدهما على بدنه، ولقد أعتق ألف مملوك من كد يداه، وعرق فيها وجهه، وإنه ليصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وناهيك ما فاهت به ألسن أعدائه، وطبق الآفاق مما رق من مناقبه وراق، فمن ذلك اصطفاه من هذا العالم بالغ الحكمة، لمقتضى عظيم اللطف بهم وواسع الرحمة، فلما أراد الله أن يبرز نور نبوته من مكنون علمه في خير بريته، جعله المنذر وعلي الهادي إليه، فكان مما صنع الله به وزاده من الخير، ان قريشا أصابهم القحط الشديد والجدب المبيد، وكان أبو طالب كثير العيال، فقال رسول الله (ص) للعباس: يا عم إن أخاك ذو عيال كثير، وقد أصاب الناس ما ترى، فانطلق بنا نخفف عنه من عياله، آخذ أنا رجلا وتأخذ أنت رجلا، فنكفيهما عنه. قال العباس: نعم، فأتيا إلى أبي طالب، فقالا: إنا نريد أن نخفف عنك عيالك، حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال أبو طالب: إن تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله (ص) عليا فضمه إليه، فلما أمر الله تعالى جبرائيل أن يهبط إلى الارض بإظهار الرسالة، وجد رسول الله قائما بالابطح بين أمير المؤمنين وجعفر، وجلس جبرائيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه، وانتبه رسول الله صلى الله عليه وآله فأدى إليه جبرائيل الرسالة عن الله عزوجل.

[ 10 ]

قال الثعلبي في تفسير قوله تعالى: (والسابقون الاولون) (1) فلم يزل علي مع رسول الله (ص) حتى بعثه نبيا، فاتبعه علي وآمن به وصدقه، ونزل جبرائيل يوما على النبي وهو بأعلى مكة فغمز جبرائيل بعقبة وانفجر الماء فتوضأ النبي (ص) وصلى الظهر، واتبعه عليا في تلك الصلاة، وهي أول صلاة فرضها الله عزوجل، ثم نزلت الآية: (وأنذر عشيرتك الاقربين) (2). روى الثعلبي في تفسيره عن البراء بن عازب قال: لما نزلت هذه الآية جمع رسول الله بني عبد المطلب، وقال: إني أنا النذير إليكم من الله عز وجل، وجئتكم بما لم يجئ به أحد، جئتكم بالدنيا والآخرة، فأسلموا، أو سلموا وأطيعوا، فمن يؤاخيني ويؤازرني، ويكون لي وليي ووارثي ووصيي بعدي، وخليفتي وقاضي ديني ؟ فسكتوا، وأعاد القول ثلاثا، ولم يقل غير علي بن أبي طالب (ع) أنا، فقال رسول الله (ص): أنت أنت، قال: فقاموا وهم يقولون لابي طالب: أطع ابنك فقد أمر عليك، ولما مات أبي طالب، كثر منهم الاذى إلى رسول الله، وأمير المؤمنين يتحمل عنه مكان أبيه، ويكابد الاذى والمشقة فيه، حتى أذن الله لنبيه بالمهاجرة إلى يثرب ويخلف عليا لاداء الديون، ورد الودائع، وكفالة النساء ليخرج بهن إليه، وأمره الله أن يبيته على فراشه ليخفي خروج رسول الله على قريش، فيفرط عليهم ما دبروه في هلاكه ومكروه في قتله، فأخبر عليا بذلك فانسر سرورا عظيما، وسجد لله شكرا، فقال له علي بن أبي طالب: امض فيما أمرت به فإني لله ولك مطيع، فداك أبي وأمي ونفسي، فخرج رسول الله قاصدا إلى المدينة، وبات أمير المؤمنين على فراش رسول الله فاديا له بنفسه، وأوحى الله إلى جبرائيل وميكائيل إني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، فمن منكما يؤثر أخاه بالحياة، فاختار كل واحد منهما الحياة لنفسه، فقال: الله تعالى: ألا كنتما


(1) سورة التوبة، الآية: 100. (2) سورة الشعراء، الآية: 214. (*)

[ 11 ]

مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين ابن عمه محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه، اهبطا إليه واحرساه من عدوه. فهبطا إليه وجلس جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، وجبرائيل يمسح عليه بجناحيه ويقول: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب من مثلك، وقد باهى الله بك الملائكة، فنزل قوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه إبتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد) (1) وأحاط القوم ببيت رسول الله، يقذفوه بالحجارة ليخرج إليهم رسول الله (ص) ليقتلوه، غير شاكين أنه على فراشه، فلما قرب الصبح انتضوا أسيافهم وهجموا عليه، فخرج لهم أمير المؤمنين، فتفرقوا عنه، ثم تهيأ للخروج للمدينة، بعد رد الودائع وأداء الديون. فلما وصل (ع) المدينة، استقبله رسول الله (ص) وضمه إلى صدره، وقبله وهو يقول: من مثلك يا أبا الحسن، وقد وفيت بعهد الله وأنجزت وصية رسول الله، ووقيته بنفسك، أنت مني بمنزلة هارون من موسى. ولله در من قال: [ والله ما يهواك إلا مؤمن * بر ولا يقلوه إلا ملحد ] [ صهر النبي ونفسه وأمينه * ووليه المتعطف المتودد ] [ فالدين والاشراك لولا سيفه * ما قام ذا شرفا وهذا يقعد ] [ من لم يدر وجها إلى صنم ولا * للات والعزى قديما يسجد ] [ ومبيته فوق الفراش مجاهدا * بمهاد خير المرسلين يمهد ] [ رجلا يتيه به الفخار مفاخرا * ويسود إذا يعزا إليه السؤدد ] قال: وكان منطقه وتاجه، وبه أظهر الله كواكبه، وأمد سراجه، حتى غدا غسق ليله فلقا من صباحه، وعاد من هشيم مرتعه يقهقه بوروده واقاحه، فلو تفكروا بعقول فارغة ممن شواغل الحسد والاضغان، لعلموا مكان هذه الفدية


(1) سورة البقرة، الآية: 207. (*)

[ 12 ]

الشريفة والبيتة المنيفة، والمنزلة الراجحة المباركة، التي فاز بفضيلة المؤازرة والمشاركة في جميع فوائد النبوة والرسالة، من اهتدى من الامة إلى يوم القيامة، وانه سبب سلامة النبي وحفظه، وانتظام أمر الدعوة إلى الملة الحنيفة، وانه الحامل للاجابة إليها، والناصر لجيوش رسول الله وسراياه، فقد قاتل في (بدر) حتى هزم المشركين، وغنم المسلمون أموالا كثيرة وأسارى. وفي (أحد) وقد فر المسلمون عن رسول الله، وانقطع سيفه وأعطاه الله (ذو الفقار)، فما زال به إلى أن أصابه سبعون جراحة، واعجب الملائكة بثباته فقال جبرائيل: يا رسول الله إنها لهي المؤاساة، فقال رسول الله: انه مني وأنا منه فعرج جبرائيل ينادي " لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي " وهزم أصحاب قريش، إذ أقبل عمرو بن عبد ود وابنه، فنزل قوله تعالى: (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا) (1) فقال رسول الله: قتل علي لعمرو أفضل من عبادة الثقلين إلى يوم القيامة. وقتل في غزاة بني النضير رامي قبة النبي (ص)، وعشرة دونه وفر الباقون. وفي غزاة ذات السلاسل: إذ جاء أعرابي فقال: يا رسول الله، إن جماعة من العرب يريدون أن يقتلوك، فأنفذ أبا بكر في سبعمائة فرجع مهزوما، ثم بعث عمر فرجع بالرعب يجبن أصحابه وهم يجبنوه. فقال رسول الله: في الثالثة: أين علي بن أبي طالب ؟ قال: ها أنا ذا يا رسول الله، فأعطاه الراية، فسار بها متنكبا للطريق، فظل يسير بالليل، ويكف بالنهار، لئلا يعلم به أحد من القوم فيفروا، حتى اتصل بفم الوادي، فتيقن ابن العاص وصولهم فدعته الضغينة والحسد لامير المؤمنين (ع)، إلى أن يعمل الحيلة حتى يعلم به القوم


(1) سورة الاحزاب، الآية: 25. (*)

[ 13 ]

فيفروا، ويفرط على علي بن أبي طالب ما دبره في هلاك أعداء الله وأعداء رسوله، فأوعز للاول والثاني، أن قولا لعلي بن أبي طالب أن هذه الارض كثيرة السباع والذئاب، فالرأي أن يعلوا على الجبل، فلم يلتفت أمير المؤمنين (ع) لمقالتهما ونكس على القوم، فجرى واستأصلهم، فأنزل الله تعالى على نبيه البشارة بسورة العاديات. فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله يتلقاه، فلما رآه أمير المؤمنين (ع)، ترجل لرسول الله إجلالا له، فقال رسول الله: اركب يا علي، فان الله ورسوله عنك راضيان. وفي غزاة بني المصطلق، قتل مالكا وابنه، وفر الباقون، وغنم المسلمون أموال الباقين. وفي خيبر إذ دفع الراية رسول الله لابي بكر، ففر، ثم إلى الثاني ففر، فقال (ص): لاعطين الراية رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله، كرارا غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه، فلما كان من الغد دعا بعلي بن أبي طالب (ع) فأتى به سلمان الفارسي يقوده من الرمد، فبصق رسول الله في عينيه فما اشتكاهما، فدفع إليه الراية ودعا له، فخرج وقتل مرحبا، وفر الباقون إلى حصنهم وأغلقوه عليهم، فعالجه أمير المؤمنين (ع)، حتى قلع بابه، وكان يعالج إغلاقه وفتحه أربعون رجلا منهم، وجعله جسرا للخندق، قيل وأكمل بيده حتى اقتحم المسلمون الحصن، وأثخنوهم قتلا وغنموا أموالهم. ولله در من قال: [ أقسمت بالمشرفيات الرقاق وبالجرد * العتاق وبالعسالة الذبل ] [ وكل أبلج طعم الموت في فمه * يوم الكريهة أحلى من خبا العسل ] [ لقد نجا من لظى نار الجحيم غدا * في الحشر كل موال للامام علي ] [ مولى تعالى أن يحيط به * وصف وجل عن الاشباه والمثل ] [ لا يدرك الفكر من كلي مدحته * جزءا ويرجع عنه العقل في عقل ] [ لولا حدود مواضيع لما انتصبت * ولا استقامت قناة الدين من ميل ]

[ 14 ]

[ سل عنه بدرا وأحدا والنضير ويوم * خيبر والاحزاب والجمل ] [ وسل من العلماء الراسخين ترى * له فضائل ما جمعن في رجل ] [ قل فيه واسمع له وانظر إليه ترى * ملؤ المسامع والافواه والمقل ] [ زوج البتول أخو الهادي الرسول * مزيل الكرب عن أنبياء الله في الازل ] [ يا من يرى أنه يحصي مناقبه * أهل تراها على التفصيل والجمل ] [ إن وجدت مجال القول ذا سعة * وإن وجدت لسانا قائلا فقل ] [ وإلا فسل عنهم الذكر المجيد تجد * في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل ] قال: وكان قد أهلك المسلمين العجب، بكثرتهم حتى قال الاول: إنا لن نغلب من قلة، وكانوا اثني عشر ألفا، ففروا عن رسول الله (ص)، ولم يبق معه من يذب عنه بسيفه غير علي بن أبي طالب (ع)، حتى قتل جمعا منهم، فانهزم المشركون وتراجع المسلمون من هزيمتهم، قتلا وأسرا، وغنموا أموالهم، وأصاب جيش رسول الله الوهن في تبوك، حتى فر عنه أصحابه، وقد خلف أمير المؤمنين، فنزل جبرائيل على رسول الله وقال: يا رسول الله أدر وجهك نحو المدينة، ونادي يا أبا الغيث أدركني يا علي، فسمع علي نداء رسول الله، وهو مع سلمان في حديقة من المدينة، وهو على نخلة ينزل منها كربا، وسلمان يجمعه. قال سلمان: فسمعت أمير المؤمنين يقول: لبيك لبيك يا رسول الله ها أنا جئتك فنزل والحزن ظاهر عليه، ودمعه ينحدر على لمته، فقلت: ما شأنك يا أبا الحسن ؟ قال: يا سلمان انكسر جيش رسول الله، وبقى فريدا يدعوني ويستغيث بي، ثم ذهب إلى منزله، ولبس لامة حربة ثم قال (ع): ضع قدمك على موضع قدمي، قال سلمان: فاتبعته حذو النعل بالنعل سبعة عشر خطوة، فعاينت جيوش المشركين، وعلي قد دخل فيهم، فصرخ صرخة ألهبت النار فيهم، وحكم سيفه فأخذ منهم مأخذه حتى ولوا الدبر، ونصر الله نبيه، وكانت كلمة الله هي العليا ونبيه المنصور، ودخل الناس في دين الله أفواجا وأسلمت قبائل اليمن وملوك حمير، وتتابعت

[ 15 ]

وفود العرب من كل ناحية، ومن إنشاده (ع) يقول: [ الله أكرمنا بنصر محمد * وبنا أقام دعائم الاسلام ] [ في كل معترك تطير سيوفنا * منه الجماجم عن فراخ الهام ] [ ويزورنا جبريل في أبياتنا * بفرائض الاسلام والاحكام ] [ فنكون أول مستحل حله * ومحرم لله كل حرام ] [ نحن الخيار من البرية كلها * وإمامها وإمام كل إمام ] [ انا لنمنع من أردنا منعه * ونجود بالمعروف للمعتام ] قال عبد الله بن عمر: ما كنا نعرف المشركين والمنافقين، على عهد رسول الله إلا ببغضهم لعلي بن أبي طالب، وعلم ما يجري عليه، من أهل الشقاق والنفاق الشاكين في الله ورسول الله (ص)، ألبسه الله من الفضل والفضائل حلل أنواره، وجليل مناره، لتقوم به الحجة على الخلائق، بحيث لا يبقى عذر لمنافق أو مفارق. روى التغلبي في تفسيره والشافعي والخوارزمي في المناقب، قال أنس بن مالك: أهدى إلي النبي بساط ابن جندب، فقال لي: يا أنس ابسطه، فبسطته، فقال: ادع لي العشرة، فدعوتهم، فأمرهم بالجلوس على البساط، فقال: ادع لي عليا، فدعيته له، فناجاه طويلا، ثم رجع على البساط فقال: يا ريح احملينا، قال أنس: فحملتنا الريح، والبساط يدف بنا دفيفا، ثم قال: يا ريح ضعينا قال: فوضعتنا الريح قال: فقال: أمير المؤمنين أتدرون في أي مكان أنتم ؟ قلنا: لاقال: هذا موضع الكهف والرقيم، قوموا وسلموا على إخوانكم، قال أنس: فقمنا وسلمنا عليهم، فلم يردوا علينا، فقام أمير المؤمنين وقال: السلام عليكم يا معاشر الصديقين والشهداء، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، قال أنس: فقلت: يا أمير المؤمنين ردوا عليك السلام، ولم يردوا علينا، فقال أمير المؤمنين: ما بالكم لم تردوا على إخوانكم ؟ فقالوا: لا نكلم بعد الموت إلا نبيا أو وصي نبي

[ 16 ]

ثم قال (ع): يا ريح احملينا، فحملتنا الريح، والبساط يدف دفيفا ثم قال (ع): يا ريح ضعينا، فإذا نحن بالحرة، فقال أمير المؤمنين (ع): ندرك النبي في آخر ركعة، فتوضينا وأتيناه، وإذا النبي يقرأ آخر ركعة: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا) (2). وفي روضة الواعظين، عن الصادق (ع) قال: اجتمعت التسعة يعني الذين كانوا مع علي (ع) على البساط، في دار الاقرع بن حابس، مسكن صهيب الرومي يومئذ، فقالوا: لقد كثر محمد في ابن عمه علي، حتى لو أمكنه أن يقول لنا اعبدوه لفعل، قال سعد بن أبي وقاص: ليت محمدا أتانا فيه بآية من السماء، كما أتاه الله في نفسه من انشقاق القمر وغيره. فباتوا ليلتهم، فنزل نجم من السماء، حتى صار في ذروة جدار أمير المؤمنين (ع)، متعلقا يضئ في المدينة، حتى دخل ضياؤه في البيوت والآبار والمغارات والمواضع المظلمة، فانذعر أهل المدينة ذعرا شديدا، فخرجوا وهم لا يعلمون على دار من نزل، إنما يرونه على بعض منازل رسول الله، فخرج رسول الله لما سمع ضجيج الناس إلى المسجد، فقال: ما الذي أذعركم وأخافكم، لعله هذا النجم الذي نزل على دار أخي وابن عمي علي، قالوا: نعم يا رسول الله، قال: أفلا تقولون لمنافقيكم التسعة الذين اجتمعوا أمس في دار صهيب الرومي وقالوا: في وفي أخي ما قالوه ؟ قال قائل منهم: ليت محمدا أتانا في علي بآية كما أتاه الله في نفسه من انشقاق القمر وغيره. فأنزل الله تعالى هذا النجم على شرفة أمير المؤمنين، وقد أنزل الله في هذا النجم قرآنا تسمعونه. ثم قال: (والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى، ان هو إلا وحي يوحى) (1) وبقي على شرفة أمير المؤمنين، إلى


(1) سورة الكهف، الآية: 9. (2) سورة النجم، الآيات: 1 - 4. (*)

[ 17 ]

أن غاب كل نجم وهم ينظرونه: [ هذا هو السر الخفي ومن لولاه * ما كانت الدنيا ولا الفلك ] [ ولا تكون هذا الكون من عدم * إلى الوجود فهذا المالك الملك ] فقال بعض المنافقين: لو شاء لامر محمد هذه الشمس أن تنادي باسم علي هذا ربكم فاعبدوه، فهبط جبرائيل فأخبر النبي بما قالوه. وكان ليلة النجم، فأقبل على الناس بوجهه في صبيحتها، ثم قال: استدعوا لي عليا من منزله، فدعي له، فقال: يا أبا الحسن إن قوما من منافقي أمتي ما قنعوا بآية النجم، حتى قالوا: لو شاء محمد لامر هذه الشمس فنادت باسم عليا هذا ربكم فاعبدوه، فأت البقيع في غد معي، فقف نحو طلوع الشمس، فإذا بزغت فادع بدعوات أنا ألقنك إياها وقل للشمس: السلام عليك، يا خلق الله الجديد، وتسمع ما تقول لك الشمس، وترد عليك فسمع التسعة وانصرفوا، يقول بعضهم لبعض: لا تزالون تغرون محمدا بأن يظهر في ابن عمه كل يوم آية، مثلما قال في مثل هذا اليوم، فقال الاول والثاني: والله لنحضرن البقيع، فننظر ونسمع ما يكون من الشمس وعلي، فلما صلى رسول الله أقبل على علي وقال: قم يا أبا الحسن إلى ما أمرك الله به، حتى تأتي البقيع وتقول للشمس ما قلت لك، وأسر إليه سرا كانت فيه الدعوات التي علمه إياها، فخرج أمير المؤمنين يسعى إلى البقيع، حتى بزغت الشمس، فهم بالدعاء همهمة لم يعرفوها، فقالوا: هذه الهمهمة مما علمه محمد من سحره، فقال لها: السلام عليك يا خلق الله الجديد، فأنطقها الله تعالى بلسان عربي مبين، وقالت: السلام عليك يا أخا رسول الله ووصيه، أشهد أنك الاول والآخر، والظاهر والباطن، وانك عبد الله وأخو رسول الله حقا، فأرعدوا واختلطت عقولهم، ورجعوا إلى رسول الله مسودة وجوههم بغيظ نفوسهم، فقالوا: يا رسول الله ما هو إلا العجب العجيب، الذي لم نسمع به من النبيين، ولا من المرسلين، ولا من الامم السالفة القديمة، لو كنت تقول أن عليا ليس ببشر

[ 18 ]

فاعبدوه، فقال رسول الله (ص): أسمعتم ما قالت الشمس، وتشهدون بما سمعتم ؟ قالوا: يحضر عليا ويقول، ونسمع ونشهد بما قال للشمس وما قالت له. فقال لهم رسول الله: بل تقولون، فقالوا: قال علي للشمس: السلام عليك يا خلق الله الجديد، بعد أن همهم همهمة تزلزل منها البقيع، فأجابته الشمس: السلام عليك يا أخا رسول الله ووصيه، أشهد أنك الاول والآخر، والظاهر والباطن، وأنك عبد الله وأخو رسول الله، فقال رسول الله: الحمد لله الذي خصنا بما تجهلون، وأعطانا علم ما لا تعلمون، اني واخيت عليا دونكم، وأشهدتكم أنه أخي ووصيي، فماذا أنكرتم، عساكم تقولون ما قالت له الشمس، إنك الاول والآخر والظاهر والباطن، فقالوا: نعم يا رسول الله لانك أخبرتنا أن الله هو الاول والآخر، والظاهر والباطن، في كتابه المنزل عليك. فقال رسول الله: ويحكم وأنى لكم علم بما قالت الشمس، أما قولها (الاول): فإنه أول من آمن بالله وبي من الرجال، وخديجة من النساء. وقولها (الآخر): لانه آخر الاوصياء وأنا آخر الانبياء والرسل. وقولها (الظاهر): انه ظهر على كل ما أعطاني الله من علم وحكمة، فما علمه معي غيره، ولا يعلمه بعدي إلا هو، ومن ارتضاه الله لسره من ولده. وقولها (الباطن): لانه والله باطن علم الاولين والآخرين، وسائر الكتب المنزلة على الانبياء والمرسلين، وما زادني الله به من علم ما لا تعلمون، وفضل ما لم تعطوه، فماذا أنكرتم ؟ فقالوا بأجمعهم: نحن نستغفر الله، فاستغفر لنا. فأنزل الله عليه: (سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين) (1). [ تبا لناصبة الانام لقد * تهافتوا في الضلال بل تاهوا ] [ قاسوا عتيقا بحيدرة سخنت * عيونهم بالذي به فاهوا ]


(1) سورة المنافقون، الآية: 6. (*)

[ 19 ]

[ كم بين من شك في عقيدته * وبين من قال إنه الله ] فمن نظر في حال ذاته الطاهرة، وصفاته الباهرة، ومناقبه العالية، ومذاهبه الشافية، قضى بسليم عقله من وصمات الجسد إنها نصوص صريحة بمقتضى الحكمة البالغة، إذ عرف رتبة النبوة، وعلم مقام الهادية، وانه نفس رسول الله كما في آية المباهلة. وقد اعترف منهم العلماء ورواه منهم الجمهور، فهو الحقيق بمقامه ورتبته، الهادي من بعده لامته. ففي الطرائف قال: ورواه التغلبي من عدة طرق، فمنها ما رفعه إلى عبابة بن ربعي، قال: بينما عبد الله بن عباس، جالس على شفير زمزم يقول: قال رسول الله (ص)، إذ أقبل رجل معتم بعمامة، فقال ابن عباس: سألتك بالله من أنت، فكشف العمامة عن وجهه فقال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا جندب بن جنادة البدري، أنا أبو ذر الغفاري. سمعت رسول الله بهاتين وإلا صمتا، ورأيته بهاتين وإلا عميتا، وهو يقول علي قائد البررة وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، أما إني صليت مع رسول الله يوما من الايام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا، فرفع السائل يده إلى السماء وقال: أللهم إني سألت في مسجد نبيك ورسولك محمد فلم يعطني أحد شيئا، وكان على راكعا، فأومى بخنصره الايمن وكان يتختم فيها، فأقبل السائل فأخذ الخاتم من خنصره وذلك بعين رسول الله (ص). فلما فرغ من صلاته، رفع النبي رأسه إلى السماء وقال: إن موسى بن عمران سألك وقال: (رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري وأحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به ازري وأشركه في أمري) (1) فأنزلت قرآنا


(1) سورة طه، الآيات: 25 - 32. (*)

[ 20 ]

ناطقا (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) (1). أللهم وأنا محمد عبدك، ورسولك، وصفيك، أللهم فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري، وأجعل لي وزيرا من أهلي علي أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري، قال: فما استتم رسول الله الكلمة حتى نزل جبرائيل من عند الله تعالى فقال: يا محمد اقرأ (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (2). وفي رواية الشافعي وابن المغازلي بطريقه إلى ابن عباس: قال رسول الله: الحمد لله الذي جعلها في وفي أهل بيتي، ثم أكمل الحجة وأكدها ليهلك من هلك عن بينة، ويحي من حيي عن بينة، فقال تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك - في علي - وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) (3) فأقام رسول الله (ص) في غدير خم عليا علما للناس. وفي ما رواه المغازلي عن أبي هريرة وقد أخذ رسول الله (ص) بيد علي بن أبي طالب (ع) فقال: ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ فقالوا: بلى يا رسول الله. قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، أللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله. فقال عمر: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، فأنزل الله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) (4). ومن رواية ابن مردويه قال: قال رسول الله (ص): الحمد لله على إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضى الرب سبحانه وتعالى برسالتي إليكم، والولاية


(1) سورة القصص، الآية: 35. (2) سورة المائدة، الآية: 55. (3) سورة المائدة، الآية: 67. (4) سورة المائدة، الآية: 3. (*)

[ 21 ]

لعلي بن أبي طالب. وأمر أبا بكر وعمر وعثمان أن يقوموا ويسلموا على علي بإمرة المؤمنين ففعلوا وهنوه بالخلافة عليهم، وأمر أزواجه فسلمن عليه بإمرة المؤمنين. [ حتى إذا قبض النبي ولم يكن * في لحده من بعد غسل يلحد ] [ خانوا مواثيق النبي وخالفوا * ما قاله خير البرية أحمد ] [ واستبدلوا بالرشد غيا بعدما * عرفوا الصواب وفي الضلال تمردوا ] [ يا للرجال لامة مفتونة * سادت على السادات فيها الاعبد ] [ أضحى بها الاقصى البعيد مقربا * والاقرب الادنى يذاد ويبعد ] [ لعبوا بها حينا وكل منهم * متحيرا في حكمها متردد ] [ ولو اقتدوا بإمامهم ووليهم * سعدوا وكان هو الولي الاوكد ] [ لكن شفوا بخلافه ابدا ما سعدوا * به وهو الولي الاسعد ] قال: فلما أمكنتهم الفرصة انتهزوها، فبلغوا غاياتهم من إظهار الاسلام، و حصلوها إذ طلبو الحيلة بذلك الايقاع والبطش برسول الله (ص) وأهل بيته (ع) كما رواه سعيد بن العاص: أنه لما بلغ عبد الله بن عمر ما فعل يزيد بالحسين وأصحابه وأهل بيته من القتل والاسر والتنكيل، استنهض أهل المدينة والحجاز على حربه حتى بلغ بجنده دمشق، فخرج له يزيد وقال: يا عبد الله أبوك قلدني أمر الشام، قا ل: نعم، قال: أتحب أن أريك الصك الذي كتبه أبوك إلى أبي إذ ولاه ؟ قال: نعم، فأخرج له طومارا من سفط وفيه صك فقال: يا عبد الله هذا خط أبيك ؟ قال: نعم، فقرأه فإذا فيه: إن الذي أكرهنا على الاقرار به فأقررنا والصدور وغرة، والنفوس واجفة، والبصائر شائكة ما كانت عليه، من جحدنا ما دعانا إليه فأطعنا فيه رفعا لسيفه وتكاثره بالحي علينا من اليمن، وتعاضد من سمع به ممن ترك دينه، وما كان عليه آباؤه في قريش، فبهبل أقسم واللات والعزى ما جحدها عمر منذ عبدها، ولا عبد للكعبة ربا، ولاصدق لمحمد قولا، ولا ألقى السلام إلا

[ 22 ]

للحيلة وإيقاع البطش به، فإنه قد أتانا بسحر عظيم. فخذ يابن سفيان سنة قومك واتباع ملتك ممن جحد هذه الابنية التي يقولون ان لها ربا أمرنا بإتيانها، وجعلها لهم قبلة والسعي حولها، فجعلوا صلاتهم للاحجار فما الذي أنكره علينا، لو لا سحره ما أطعنا، فانظر بعين مبصرة واسمع بأذن واعية، وتأمل بعقلك واشكر اللات والعزى واستخلاف السيد الرشيد عتيق ابن العزى على أمة محمد وتحكمه في أموالهم ودمائهم وشريعتهم، فعاش يخضع جهرا ويشتد سرا، ولقد وثبت وثبة على شهاب بني هاشم الثاقب، وقرنها الزاهر، وعلمها الناصر المسمى بحيدرة المصاهر لمحمد على المرأة التي جعلوها (1) سيدة نساء العالمين ويسمونها فاطمة الزهراء حتى أتيت دارها، وهي فيها مع علي وابنيهما الحسن والحسين وابنتيهما زينب وأم كلثوم والامة المدعوة بفضة، ومعي خالد بن الوليد وقنفذ، فقرعت الباب فأجابتني الامة فضة، فقلت لها: قولي لعلي دع عنك الاباطيل ولا تلج نفسك إلى طمع الخلافة، فالامر لمن اختاره المسلمون. ثم قلت للمهاجرين والانصار: الامام في قريش فقالوا: إذا هي للاصلع البطين أمير المؤمنين (ع) الذي أخذ رسول الله البيعة على أهل ملته، وسلمنا له بإمرة المؤمنين في أربعة مواطن، فإن كنتم نسيتموها يا معاشر قريش فما نسيناها، وليست البيعة ولا الامامة ولا الوصية إلا حقا مفروضا وأمرا صحيحا لا تبرعا ولا ادعاء، فكذبناهم، وأقمت أربعين رجلا شهدوا على محمد أن الامامة بالاختيار، فعند ذلك قالت الانصار: نحن أحق، وتنازعوا، فقلت والجمع يسمعون: لا نختار إلا أكبرنا سنا، قالوا: فمن ؟ قلت: أبي بكر، فأقبل بنو هاشم يتميزون غيظا، فقالوا: لا نبايع إلا عليا، فوثبت إلى أبي فضيل وصافحته وتلاني عثمان وسائر من حضر. ثم قال: من ينكرون بيعة أبي بكر: ويقولون ما فعل علي. فأقول له: خلعها وصار جليس بيته، فيبايعون وهم كارهون فعلمنا أن عليا يستنفرهم

[ 23 ]

فيعدونه للنصرة ليلا، ويقعدون عنه نهارا، فأتيت داره لاخرجه منها فقالت لي الامة فضة: إن أمير المؤمنين مشغول بنفسه فقلت: خلي عنك وقولي له يخرج وإلا دخلنا عليه وأخرجناه كرها، فخرجت فاطمة الزهراء ووقفت من وراء الباب، فقالت لنا: أيها الضالون المكذبون ماذا تقولون واي شئ تريدون ؟ فقلت: يا فاطمة ما بال ابن عمك قد أوردك للجواب وجلس من وراء الحجاب ؟ فقالت: طغيانك يا شقي أخرجني، وألزمك الحجة وكل ضال غوى، فقلت: دعي عنك الاباطيل وأساطير النساء وقولي لعلي بن أبي طالب يخرج، فقالت: لا حبا ولا كرامة فقلت لخالد بن الوليد: أنت ورجالنا هلموا في جمع حطب الجزل، إني مضرمها فقالت: عليك يا عدو الله وعدو رسوله. فضربت بيدها على الباب لتمنعني من فتحه فتصعب علي، فضربت كفيها بالسوط حتى آلمها، فسمعت لها زفيرا وبكاء فكدت ألين وأنقلب، فذكرت أحقاد علي وولوغه في دماء العرب وصناديد اليمن، وكيد محمد وسحره، فركلت الباب وقد ألصقت أحشاء ها بالباب تترسه، وسمعتها قد صرخت صرخة حسبتها جعلت أعلى المدينة أسفلها، وقالت: يا أبتاه يا رسول الله. هكذا يفعل بي وأنا حبيبتك وابنتك، آه يا فضة إليك فخذيني، فقد قتل والله ما في أحشائي من حمل، فجعلت تمخض وهي مستندة على الجدار، فدفعت الباب ودخلت فأقبلت علي بوجه أغشى بصري نوره فصفقتها على خديها من ظاهر الخمار، فخرمت أذينها فتناثرت أقراطها إلى الارض، فخرج علي فلما أحسست به أسرعت إلى خارج الدار فقلت لخالد بن الوليد ومن معه: نجوت من أمر عظيم، وخرج علي وقد ضربت فاطمة بيديها على ناصيتها لتكشف عنها وتستغيث بالله مما نزل بها، فأسبل علي عليها ملاءتها وقال: يا بنت رسول الله إن الله بعث أباك رحمة للعالمين، وأيم الله لئن كشفت عن ناصيتك شاكية إلى ربك ليهلكن هذا الخلق لاجابك حتى لا يبقى على وجه الارض منهم أحدا، فكوني يا سيدة النساء رحمة ولا تكوني عذابا. واشتد عليها المخاض ودخلت البيت وأسقطت سقطا قد سماه علي

[ 24 ]

محسنا، وجمعت جمعا كثيرا لا مكاثرة لعلي ولكن ليشتد بهم قلبي، وجئت واستخرجته من بيته مكرها مغصوبا، وسقته للبيعة سوقا حثيثا وإني لاعلم علما يقينا لو اجتهد من على الارض على قهره ما قهرناه، ولكن لهنات في نفسي أعلمها ولا أقولها، وقام أبو فضيل ومن بحضرته يهزؤون بعلي فقال علي: يا عمر أتريد أن أعجل لك ما أخرته عنك ؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين، فسمعني خالد وأسر إلى أبي بكر، فقال أبو بكر عند ذلك ما لي ولك يا عمر ثلاث مرات، فقمت أنا وأبو فضيل وعثمان وأنا أقول: جزى الله عليا خيرا، لم يمنعك البيعة. فوثب جندب بن جنادة وهو يقول: والله يا عدو الله ما بايع علي عتيقا، وكلما لقينا قوما نخبرهم أن عليا بايع وأبو ذر يقول: والله ما بايع، فمن دخل يا معاوية بعلي واستثار أحقاده السالفة غيري، وأما أنت وأبوك وأبو سفيان وأخوك عتبة، فإني أعرف منكم في تكذيبكم لمحمد في جبل حرى لقوله: إنكم لم تسلموا طوعا، وإنما أسلمتم كرها. فجعلكم طلقاء، حتى قال أبوك لمحمد: والله يا ابن أبي كبشة لاملانها عليك خيلا ورجالا، وأحول بينك وبين هذه الاعواد، وكان محمد يظهر للناس أن لا يعلوها غيره وغير علي ومن يليه من أهل بيته، فبطل سحره وخاب سعيه، وعلاها أبو بكر وعلوتها بعده، وإني لارجو أن تكون لبني أمية عيدان اطنابها فمن ذلك وليتك وخالفت قوله فيكم وما أبالي من تأليف شعره ونثره إذ قال يوحي إلي (والشجرة الملعونة في القرآن) (1) فزعم بها أنتم، وأنا مع تذكيري إياك يا معاوية وشرحي لك، ناصح ومشفق عليك فيما أوصيتك به ومكنتك من شريعة محمد وأمته، أن تبدي لهم مطالبة بضغن أو شماتة بموت، ولا تنقض فرضا، ولا تغير لمحمد سنة فتفسد علينا الامة، بل خذهم من مأمنهم واقتلهم بأيديهم وتوصل إلى قتلهم برئيسهم، واعف عنهم يطيعوك ويحبوك. فما آمن علينا وعليك من ثورة علي وشبليه الحسن والحسين فإن أمكنك في عدة من الامة، فبادر ولا تقنع بصغار * (هامش ص 24) (1) سورة الاسراء، الآية: 60. *

[ 25 ]

الامور، واحفظ وصيتي وعهدي لك، واخفه ولا تبديه، واسلك طريق أسلافك واطلب بثارك، فقد أخرجت إليك بسري وجهري. فلما أتى عبد الله على آخره، أمسك عن لوم يزيد وعما عزم عليه، وتفرق أصحابه وجنده ورجع معتذرا. ولله در من قال: [ فوالذي رفع السماوات العلا * وله يدين فصيحها والاعجم ] [ لو لا تأسينا بكم لتقطعت * أكبادنا وجلودنا والاعظم ] [ لكنكم غربتم وضربتم وحرمتم * وسلبتم وصلبتم وحرقتم ] [ وثلبتم وشتمتم وسبيتم * وأضعتم ومنعتم وأجعتم ] [ وأخفتم وأهنتم وأجعتم * وبعدتم وغلبتم وقتلتم ] [ فإذا أصبنا بعدكم بمصيبة * قلنا مصابكم أجل وأعظم ] [ وأقل رزؤكم يهون عندنا * أرزاءنا اللاتي تشف وتسقم ] [ إرث البتول ونحلة الهادي لها * غصبا وعبرتها تسح وتسجم ] [ وغدا مهاجرها وأنصاريها * كل له في ذاك سهم يسهم ] [ والمرتضى أراده في محرابه * بيمين أشقاها الحسام المخذم ] [ فتكلم الحسن ابنه في حقه * فغدا بمنطقه الاذية يكلم ] [ ولذلك سالم مكرها حتى قضى * بالسم وهو والمستظالم المسلم ] [ وإذا جرى ذكر الحسين تحدرت * عيني بما فيها أسر وأكتم ] [ ما كان أدهى يومه وأمره * فلطعمه حتى القيامة علقم ] روي عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: قلد أبو بكر الصدقات بقرى المدينة وضياع فدك الاشجع بن مزاحم الثقفي وهو معروف بالزندقة والنفاق، وله أخ قتله أمير المؤمنين (ع) بهوازن، فجعل أول قصده ضيعة من ضياع أهل البيت (ع) تعرف ب‍ (بانقيا)، فجاء بغتة واحتوى عليها وعلى صدقات كانت لعلي (ع) وتغطرس على أهلها فابتدر أهل المدينة برسول إلى علي يخبرونه بما فرط من الرجل، فدعي بفرسه السابح، واجتذب رمحه المرتجز، وتقلد

[ 26 ]

سيفين واصطحب معه ابنه الحسين (ع)، وعمار بن ياسر، والفضل بن العباس، وعبد الله بن جعفر حتى وافى القرية، فوجه ابنه الحسين (ع) إلى الاشجع يسأله المسير إلى أمير المؤمنين (ع) فأتاه الحسين وقال له: أجب أمير المؤمنين فقال الاشجع: ومن أمير المؤمنين ؟ فقال له الحسين: على بن ابى طالب، فقال له الاشجع: انا اعرف أمير المومنين ابا بكر وقد خلفته، فقال الحسين: أجب على بن أبي طالب فقال: أنا سلطان، وعلي بن أبي طالب من العوام والحاجة له، فليسير إلي، فقال له الحسين (ع): ويلك أيكون أبي من العوام وأنت سلطان ؟ فقال: أجل لان أباك بايع أبي بكر كرها ونحن بايعناه طائعين وكنا له غير كارهين، وشتان بيننا وبينه. فأعلم الحسين (ع) أباه بمقالة الاشجع، فالتفت أمير المؤمنين (ع) إلى عمار بن ياسر وقال له: يا أبا اليقظان سر إليه، وألطف له المقال، واسأله أن يصير إلينا، فأنا كتاب الله يؤتى إليه ولا يأتي. فسار له عمار وألطف له القول، فانتهر عمارا وأفحش له في المقال، فوضع عمار حمائل سيفه في عنقه، ومد يده إلى السيف، فقيل لامير المؤمنين أدرك عمار، فوجه أمير المؤمنين (ع) أصحابه وقال لهم: صيروا به إلي، وكان مع الاشجع ثلاثون فارسا، فلما وصل أصحاب أمير المؤمنين (ع) قالوا له: ويلك هذا علي بن أبي طالب قتلك وقتل أصحابك عنده دون النطفة، فسكت أصحابه جزعا، فلما أتوا به إلى أمير المؤمنين قال: لا تعجلوا عليه، فإن العجلة بالطيش لا تقوم بها حدود الله وبراهينه، ثم التفت إليه وقال: يا ويلك بما استحللت ما أخذت من أهل البيت، وما دليلك على ذلك ؟ فقال الاشجع: وأنت بما استحللت قتل هذا الخلق في كل حق وباطل وان مرضاة صاحبي أبي بكر أحب إلي من اتباع مرافقتك. فقال أمير المؤمنين: ايه عليك، ما أعرف لنفسي عندك ذنبا إلا قتل أخيك بهوازن، وليس بمثل هذا تطلب الثارات، قبحك الله وترحك. فقال الاشجع: بل قبحك وبتر عمرك، فإن حسدك للخلفاء لا يزال بك حتى يوردك موارد الهلكة والمعاطب، وبغيك على الخلفاء يقصر بك مرادهم. فغضب

[ 27 ]

الفضل بن العباس، وتمطى إليه بسيفه وضرب عنقه، فاجتمع أصحابه على الفضل، وسل أمير المؤمنين سيفه ذا الفقار، فلما نظروا إلى لمعانه وبريق عيني أمير المؤمنين (ع) رموا أسلحتهم وقالوا: الطاعة الطاعة يا أمير المؤمنين، فقال: (ع): أف لكم، انصرفوا برأس صاحبكم هذا إلى صاحبكم الاكبر، فما بمثلكم يطلب الثأر ولا تنقضي الاوتار. فانصرفوا برأس صاحبهم حتى ألقوه بين يدي أبي بكر، فجمع المهاجرين والانصار فقال: معاشر الناس إن أخاكم الثقفي قلد صدقات المدينة فغافصه علي بن أبي طالب فقتله أخبث قتلة، وقد خرج نفر من أصحابه إلى الحجاز، فليخرج إليه من شجعانكم من يرده عن سنته، فسكت القوم مليا كأنما على رؤوسهم الطير. فقال أبو بكر: أخرس أنتم أم ذو ألسن ؟ فابتدر إليه الحجاج بن صخر وقال له: إن سرت سرنا معك، أما والله لوسار جيشك لينحرنهم علي نحر البدن، ثم قال غيره: إلى من توجهنا ؟ إلى الجزار الاعظم الذي يخطف النفوس بسيفه، وإن لقاء أحدنا الموت أهون من علي بن أبي طالب، فقال إذا ذكرت لكم علي بن أبي طالب دارت أعينكم في وجوهكم، وأخذتكم سكرة الموت، فقال عمر: ليس لها إلا خالد بن الوليد، فأرسلاه في جيش عظيم وقالا له: إن نابذك علي بالحرب فتجيئنا به أسيرا. فنظر الفضل إلى غبرة الخيل وقال: يا أمير المؤمنين قد وجه إليك ابن أبي قحافة بقسطل فقال: يا ابن عباس هون عليك، فلو كانوا صناديد قريش وقبائل حنين وفرسان هوازن لما استوحشت إلا من ضلالتهم، ثم شد محزم الدابة واستلقى على قفاه غير مكترث بهم، وانتبه لصهيل الخيل، فقال له خالد: يا أبا الحسن إنك عليم غير معلم، وفهيم غير مفهم، فما هذه اللوثة التي بدرت منك والنبوة التي ظهرت فيك ؟ فإن كنت كارها لهذا الرجل فليس يكرهك، ولا تكونن ولايته عليك ثقلا على كاهلك، ولا شجى في حلقك، ودع الناس وما تولوا، ضل من ضل، وهوى من هوى، وهدي من هدي، ولا

[ 28 ]

تضرم النار بعد خمودها فتجد غبة غير محمودة، فقال أمير المؤمنين (ع): أتهددني بنفسك يا خالد وبابن أبي قحافة، فما بمثلك ومثله تهديد، فدع عنك ترهاتك واقصد إلى ماجئت فيه، فقال خالد: يا علي ارجع عن سنتك فتحظى بالكرامة، وإلا حملتك أسيرا، فقال له أمير المؤمنين (ع): يابن اللخناء والردة عن الاسلام، أتحسبني يا ويلك، مالك بن نويرة قتلته ونكحت امرأته، يا خالد جئتني برقة عقلك واكفهرار وجهك وتشميخ أنفك، والله إن تمطيت عليك وعلى أوغادك بسيفي هذا لاشبعن من لحومكم عود الضباع وطلس الذئاب، فقال خالد توعدني وعد الاسد، وتروغ روغان الثعلب، وما مثلك إلا من يتبع قوله فعله، فقال أمير المؤمنين (ع): شأنك، فسل أمير المؤمنين سيفه، فلما رأى خالد تصميم أمير المؤمنين قال: لم أرد هذا يا أمير المؤمنين، فخفق عليه بسيفه ولم يرد قتله، إلا أنه كان إذا أومى لم يرد يده، فنكسه عن دابته ولحق أصحابه الجزع والخوف، فقال لهم (ع): ما لكم تكافحون عن سيدكم، والله لو كانت أموركم إلي لسلخت رؤوسكم عن أجسادكم هو أخف من حب الحصيد على أيدي العبيد وعلى السيل تقتسمون مال الفئ، فقال المثنى بن الصباح وكان عاقلا وقال: والله يا أمير المؤمنين ما جئنا لعداوة بيننا وبينك، وإنا لنعرفك صغيرا وكبيرا، ونحن أتباع مأمورون وجند مؤازرون، فتبا لمن وجه بنا إليك، أما كان له معرفة بيوم بدر وأحد، فاستحى أمير المؤمنين وقال: يا خالد ما أطوعك للخائنين والناكثين، جئتني تجوب مقاوز البسابس لتحملني إلى ابن أبي قحافة أسيرا بعد معرفتك بي، وأنا قاتل عمرو بن عبد ود ومرحب وقالع باب خيبر، وتزعم أنه قد خفي علي ما تقدم به إليك صاحباك وأنت تذكر لهما ما كان مني قديما، فقالا لك إنما ذلك من دعاء النبي وهو الآن أقل من ذلك، فوالله لولا ما تقدم به إلى من رسول الله (ص) لكان مني إليهما ما هما أعلم به منك، فاتق الله يا خالد ولا تكن للخائنين عضدا. فقال خالد: يا علي ارجع عن سنتك وأنا أعرف ما تقول، وما عدلت عنك العرب إلا لطلب دخول آبائهم قديما، وصعوبة إخراج مال الله من يدك، وما دهاهم به من بيعة أبي بكر إلا

[ 29 ]

استلانة جانبه وأخذ الاموال فوق استحقاقهم، ولعل اليوم من يميل إلى الحق وأنت قد بعت الدنيا بالآخرة، ولو اجتمعت أخلاقهم إلى أخلاقك لما خالف خالد فقال أمير المؤمنين (ع): والله ما أوتي بخالد إلا من جهة هذا الخؤون المفتن ابن صهاك، لا زال يؤلب القبائل ويوسعهم من عطائه، ويذكرهم ما أنساهم الدهر، وسيعلم غب فعله إذا فاضت نفسه. فقال خالد: يا أبا الحسن بحق أخيك إلا قطعت هذا الكلام من نفسك وصرت إلى منزلك مكرما إذا كانوا راضين بالكفاف، فقال: لا جزاهم الله خيرا عن أنفسهم ولا عن المسلمين خيرا. فركب أمير المؤمنين (ع) دابته وأتى المدينة وصار إلى قبر رسول الله (ص) وأبو بكر في المسجد، فقال للعباس: ادع لي ابن أخيك عليا لاعاتبه في الاشجع، فقال العباس: إني اخاف عليك منه إذا عاتبته أن لا تنتصر منه، فقال أبو بكر: أتخوفني منه دعني وإياه، فدعاه العباس وأتى إلى جانبه، فقال يابن أخي إن أبا بكر استبطأك فقال: لو دعاني لاجبته، ثم عاتبه أبو بكر في الاشجع، فقال: ما أنت أعرف بالحلال والحرام مني، إنما قتلت زنديقا منافقا في بيته صنم من الرخام يتمسح به ويصير إليك ثم ترادد الكلام بين العباس وأبو بكر، حتى قال العباس أبلغ من شأنك يا أبا بكر تتعرض لولدي وإبن أخي، أنت ابن أبي قحافة ابن مرة ونحن بنو عبد المطلب بن هاشم أهل بيت النبوة والخلافة، تسميتم بأسمائنا، وتقدمتم علينا في سلطاننا، وقطعتم أرحامنا، ومنعتم ميراثنا ثم أنتم تزعمون أن لا إرث لنا وأنت أولى وأحق بهذا الامر منا، فسحقا وبعدا أنى تؤفكون، ثم أخذ بيد علي وانصرفا، فقال علي (ع): ليس لنا إلا الصبر، دعهم يا عم يستضعفونا يحكم الله وهو خير الحاكمين. ولله در الشاعر حيث يقول: [ يا للرجال الدين قل ناصره * ودولة ملكت ملاكها السفل ] [ أضحى أجير ابن جذعان لها خلفا * برتبة الوحي مقرون ومتصل ]

[ 30 ]

[ فأين أجلاف تيم والخلافة * والحكم الربوبي لولا معشر جبل ] [ ولا فخار ولا زهد ولا ورع * ولا وقار ولا علم ولا عمل ] [ وقال منها أقيلوني فلست إذا * بخيركم وهو مسرور بها جذل ] [ ونصها وهو منها المستقيل على * الثاني ففي أي شئ يصدق الرجل ] [ ثم اقتفاها عدي من عداوته * وانفض من فضها العدوان والجدل ] [ وأجمعوا الشور في الشورى وقلدها * أمية وكذا العدوان تنتقل ] [ تداولوا لها على ظلم وأورثها * بعض لبعض فبئس الحكم والدول ] [ وصاحب الامر والمنصوص فيه * بأمر الله عن حكمه ناء ومعتزل ] [ من لم يعش في غوات الجاهلين * ذوي غي ولا مقتدي آراءه هبل ] [ عافوه وهو أعف الناس بينهم * طفلا وأعلى محلا وهو مكتهل ] [ حتى قضى وهو مظلوم وقد * ظلم الحسين من بعده والظلم ينتقل ] وفي أحد التأليفين وضمانه على مؤلفه، حاصله في الارشاد من كتاب سليم قال: لقيت محمد بن أبي بكر، فقلت، وهل شهد موت أبيك أحد غيرك وغير أخيك عبد الرحمن وعائشة وعمر ؟ قال: لا، قلت: فما الذي سمعوا ؟ قال: دعا بالويل والثبور، وقال: هذا رسول الله وعلي يبشراني بالنار، ومعهما الصحيفة التي تعاقدنا عليها في الكعبة، ورسول الله يقول لي: قد وفيت بها وظاهرت عليا ولي الله، فابشر أنت وصاحباك بالنار في أسفل درك الجحيم في أسفل السافلين، فلما سمع عمر خرج وهو يقول: إنه ليهجر، قال: لا والله لا أهجر أين تذهب، ثم قال: ألم أحدثك أن محمدا - ولم يقل رسول الله - قال لي وهو في الغار، أن سفينة جعفر وأصحابه تعوم في البحر ؟ قلت: يا رسول الله أرنيها، فمسح يده على وجهي، فلما نظرت إليها أضمرت أنه ساحر، فقال عمر: يا هؤلاء إن أبا بكر يهجر، فلا تخبروا واكتموا لئلا يشمت بنا أهل هذا البيت. ثم خرج وخرج أخي وخرجت عائشة لتتوضأ للصلاة، فأسمعني من قوله

[ 31 ]

ما لم يسمعوا، فقلت له لما خلوت به: يا أبت قل لا إله إلا الله قال: لا أقولها ولا أقدر عليها أبدا حتى أرد النار فأدخل التابوت، فلما ذكر التابوت ظننت أنه يهجر، فقلت له، أي تابوت ؟ قال: تابوت من نار مقفل عليه بقفل من نار، فيه اثنا عشر رجل أنا وصاحبي هذا فقلت له: تعني الثاني قال: نعم، قال: أعني أنه في جب من جهنم مقفل عليه بصخرة، قلت له: تهذي ؟ قال: والله لا أهذي، لعن الله ابن صهاك هذا الذي أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني فبئس القرين، ثم ألصق خده بالارض، فما زلت أسمع منه يدعو بالويل والثبور حتى أغمضته، ثم دخل عمر فقال: هل حدثك بشئ بعدنا ؟ فحدثته بكل ما سمعت منه، فقال: رحم الله خليفة رسول الله، اكتم يا محمد، هذا كله هذيان. ثم قال لي: إياك أن يخرج من فمك شئ مما سمعت، فيشمت بنا علي بن أبي طالب وأصحابه. [ برئت إلى الرحمن ثم محمد * وحيدرة وابنيه والام منهم ] [ ومن دان في أقوالهم وفعالهم * ومن كل شيعي نفى اللعن عنهم ] [ فلعنهم للدين أصل مؤصل * ودين بلا أصل فذاك مهدم ] وأما الثاني فلم يزل في ولايته يسعى لشيعة علي (ع) بالاذى، ويظهر لهم العداوة والبغضاء، ويبدي لهم الاهانة والحفا، فاشتكوا منه إلى أمير المؤمنين (ع) فقال: اصبروا إن الله مع الصابرين. ثم لقيه يوما خارج المدينة يريد بساتينها، فقال أمير المؤمنين: يا عمر إن شيعتي يشتكون منك، فقال: وإن فعلت فلا أبالي، فقال أمير المؤمنين (ع) أتحب أن أريك ما لا تبالي ؟ وكان أمير المؤمنين (ع) في يده قوس، فألقاه عليه، فإذا هو ثعبان كهيئة البغل فاتح فاه وهو يريد ابتلاعه، فالتجأ عمر إلى أمير المؤمنين (ع) وهو يتضرع بين يديه، فمد أمير المؤمنين (ع) يده. وتناوله فإذا هو قوسا بإذن الله تعالى. ثم رجع إلى منزله ودعا بسلمان الفارسي، وقال له: امض إلى عمر وقل

[ 32 ]

له إن أهل المشرق أرسلوا مالا فوصله خفية، فإن لم يقسمه على الفقراء والمساكين فضحته، قال سلمان: فمضيت إلى عمر وأخبرته فقال لي: من أخبر عليا وقد جاء في جوف الليل ؟ فقال سلمان: أما علمت أن عليا يعلم من علم الله تعالى، فقال عمر: بل هو ساحر، فلا عليك أن تتركه وتواليني أكرمك، فقال سلمان (رض): ويلك يا عمر لو أن الدنيا قبضتك، وخيرتني بينها وبين شعرة واحدة من رأس علي بن أبي طالب (ع)، لما اخترتك، أما علمت أنه إمام المتقين، ويعسوب الدين، وولي الجبار، ووصي سيد الابرار ؟ فقال عمر: لا تخبره بما صار بيني وبينك، وقل له إن عمرا سامع مطيع لله ولك. قال سلمان: فلما رجعت إلى أمير المؤمنين أخبرني بما جرى حرفا، والله در من قال: [ يا نبي الوحي والكتاب وطة * والمثاني وما حوى السورات ] [ في هواكم وهجو شأن قلاكم * ألسن المدح والهجا قاصرات ] [ كيف يحصي الثناء سطور طروس * نمت وشى بردها فقرات ] [ أو يحيط القريش منكم بوصف * وعليكم تنزلت آيات ] وفي الخصال: أن عمرا أمر عثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص أن يدخلوا بيتا ومعهم أمير المؤمنين، ويغلقوا عليهم الباب يتشاورون فيما بينهم في أمر الخلافة، وأجل لهم ثلاثة أيام، فإن توافقوا وأبى واحد منهم يقتلوه، زعم أن عليا يأبي فيقتلوه، فلما توافقوا على عثمان قال أمير المؤمنين (ع): ألا تسمعون مني قولا، فإن يكن حقا فاقبلوه، وإن يكن باطلا فاتركوه، فقال أمير المؤمنين: أنشدكم الله هل فيكم أحد زوجه الله تعالى فاطمة سيدة نساء العالمين غيري ؟ قالوا: أللهم لا، قال: هل فيكم أحد إبناه الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة غيري ؟ قالوا: اللهم لا، قال: هل فيكم أحد أعلم بناسخ القرآن ومنسوخه غيري ؟ قالوا: اللهم لا، قال: هل فيكم أحد قال فيه رسول الله: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه

[ 33 ]

وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله، وادر الحق معه حيثما دار غيري ؟ قالوا: أللهم لا، ثم قال: هل فيكم من قال فيه رسول الله: إذا تغلقت خزائن العلوم فعلي مفتاحها غيري ؟ قالوا: أللهم لا، فما زال ينشدهم بما ينكرون مما خصه الله تعالى إلى خمس وأربعين منقبة، ثم قال: إذا أقررتم وبان لكم فضلي عليكم، فاتقوا الله ولا تتعرضوا لسخطه، وردوا الحق إلى أهله واقتفوا سنة نبيكم محمد، فإن خلافي خلافه وطاعتي طاعته، ولم أقل هذا راغبا في دنياكم، ولا افتخارا وتزكية لنفسي، وإنما حدثت بنعمة الله لتقوم عليكم الحجة. ثم أن عثمان بعد عمر تسلمها في نكرها، وتسنمها على دبرها، وحطم بحنبطها ربيع الدين في ابان بلوغه، وهشم أنيع الحق عجلان ولوغه، وبدد أموال الله في غير أهلها، ورفع درجات بني أمية وهم الشجرة الملعونة في القرآن على لسان أهل البيت وأشراف الاصحاب، وكان على خلاف رسول الله (ص) مدة حياته، فآوى المغيرة عمه وقد هدر رسول الله (ص) دمه، فقال لابنه رسول الله (ص) وكانت يومئذ تحته: إياك أن تخبري أباك بمكان المغيرة، غير موقن أن الوحي ينزل على رسول الله، فقالت لا أكتم على رسول الله عدوه، فنزل الوحي بإخبار النبي بمكان المغيرة وبعث رسول الله إليه ليقتله، فأخفاه عثمان ولم يظفر به، فلما خرج أمير المؤمنين (ع) من منزل عثمان،، أخذ بيد عمه وأتى به إلى النبي، فقال (ص): أللهم العن المغيرة بن العاص، والعن من يأويه، والعن من يحمله، والعن من يطعمه، والعن من يسقيه والعن من يجهزه، والعن من يعطيه سقاء أو حذاء أو وعاء، وانطلق به عثمان وأخرجه سرقة، وفعل به جميع ما لعن عليه رسول الله (ص) فانتقب حذاءه في مسيره، وتورمت قدماه ولم يطق المسير، واستظل بسمرة، فعلم به النبي (ص) وبعث إليه علي (ع) فقتله. وجاء عثمان لابنة رسول الله (ص) فضربها حتى أنهكها ضربا وكان سبب وفاتها.

[ 34 ]

[ باعوه بالامر الضعيف سفاهة * وقت الحياة فكيف بعد وفاته ] [ خذلوه في وقت يخاف ويرتجى * أيراد منهم أن يفوا لمماته ] ونفى أبا ذر إلى الربذة، وضرب عمارا حتى فرث لحمه، وكسر أضلاع ابن عباس، وتتبع شيعة علي بن أبي طالب (ع) بأنواع العذاب والاذى، وكتب إلى معاوية أفحش وأشنع مما كتبه عمر، وتظاهر باللعب حتى أنكر عليه المسلمون واجتمع الانصار على قتله تقربا لله تعالى وطلبا لطاعته، وعائشة تحرضهم على قتله وتقول اقتلوا نعثلا قتله الله فقد كفر.

[ 35 ]

في وفاته (ع) الحمد لله عز شأنه، وأشكره بما عمني من فضله وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله أنى ينتهي أمده أو يحد مكانه، وأشهد أن محمدا (ص) عبده رسوله، أرسله والكفر جاش قد ارتفع بنيانه، فأيده بأمير المؤمنين (ع) حتى هد شامخه، وتداعت أركانه، صلى الله وسلم عليهما وعلى ذريتهما الاكرمين، ما اتضح الصباح وامتد لسانه. أما بعد فهذه كلمات يسيرة قد اقتصرت عليها من الوفاة الكبيرة لئلا يسأم السامعون، وينام الحاضرون ويذم الطامعون فيعرضون، فأقول والله الموفق: سبق صلوات الله وسلامه عليه كل سابق، وأردف خلفه كل ملاحق، غرس في فجاج قلوب أبت الهدى غرائس الاحزان حتى نتجت له نتائج الحسد والعدوان، فدعوه عن رتبته ودفعوه عن منزلته، فمضى الاول بضغينته، ومضى الثاني بجفاه وإهانته لشيعته، وأفحش الثالث في نوبته، وأشنع فيما ارتكبه من نكره وخطيئته، حتى اجتمع المهاجرون والانصار على قتله تقربا لله ورغبة في طاعة الله، فلم تزل المرأة تحرضهم على ذلك وتستحثهم عليه فتقول: اقتلوا نعثلا قتله الله فقد كفر، فلما قتل اجتمعوا على مبايعة أمير المؤمنين (ع) فأبى، وترددوا عليه مرارا حتى أجابهم على شروط شرطها عليهم، منها المساومات في العطاء، وأن القوي والضعيف سواء، يأخذ الحق للضعيف من القوي، فأول

[ 36 ]

من بايعه طلحة حتى قيل ان البيعة لا تتم لان أول يد بايعته شلاء وأن يد طلحة شلت بأحد، ثم الزبير وسائر الانصار والمهاجرين. فلما سمع معاوية حرض أهل الشام على قتال أمير المؤمنين يتعلل عليه بدم عثمان، وبايعه طلحة والزبير وكتب إليهما وأمرهما أن يصيرا إلى البصرة، فأتيا أمير المؤمنين (ع) وطلبا إليه أن يزيدهما في النفقة، فقال لهما أمير المؤمنين: ألم تبايعاني على المساواة ؟ فإن انتظرتم عطائي زدتكم، فقالا: إنا لم نرد شيئا من ذلك، ثم استأذناه للعمرة، فقال: كلا بل تريدان الغدرة، ثم أذن لهما، فلحقا بمكة واتفقا مع عائشة على قتال أمير المؤمنين، وقصدوا بجمعهم للبصرة، وخرج أمير المؤمنين (ع) في أربعة آلاف فارس من المهاجرين والانصار في ثاقب المناقب. قال ابن عباس: قلت لأمير المؤمنين (ع) وهو متوجه إلى البصرة: انك في نفر يسير فلو تأنيت حتى يلحق بك الناس، فقال: يجيئنا من الغد من ناحية الكوفة خمسة كراديس كل كردوس خمسة آلاف وستمائة وخمسة وستون رجلا. قال ابن عباس: فلما صليت الفجر قلت لغلامي: اسرج لي على فرسي، قال: فتوجهت نحو الكوفة، وإذا بغبرة قد ارتفعت، فسرت نحوها، فلما دنوت منها صحيح بي من أنت ؟ قلت: أنا ابن عباس، فقلت: لمن هذه الراية ؟ قالوا: لفلان، قلت: كم أنتم ؟ قالوا: طوي الديوان عند الجسر على خمسة آلاف وستمائة وخمسة وستون رجلا. قال: ثم مضوا ومضيت، ثم التفت فإذا أنا بغبرة قد ارتفعت، فدنوت منهم، فصيح بي من أنت ؟ قلت: ابن عباس، فأمكسوا عني، فقلت: لمن هذه الراية ؟ فقالوا: لربيعة، قلت: من رئيسها ؟ قالوا: زيد بن صوحان العبدي، قلت: كم أنتم ؟ قالوا: طوي الديوان عند الجسر على خمسة آلاف وستمائة وخمسة وستون رجلا، فمضوا ومضيت على وجهي، وإذا أنا بغبرة قد ارتفعت، فأخذت نحوها، فصحيح بي من أنت ؟ قلت: ابن عباس، فأمسكوا عني، قلت: لمن هذه

[ 37 ]

الراية ؟ قالوا: لفلان، قلت: كم أنتم ؟ قالوا: طوي الديوان عند الجسر على خمسة آلاف وستمائة وخمسة وستون رجلا، قال: فمضوا ومضيت، وإذا أنا بغبرة قد ارتفعت، فدنوت منهم، فصيح بي من أنت ؟ قلت: ابن عباس، فأمسكوا عني، قلت: كم أنتم ؟ قالوا: طوي الديوان عند الجسر على خمسة آلاف وستمائة وخمسة وستون رجلا. قال: فمضوا ومضيت على وجهي، وإذا أنا بغبرة قد ارتفعت، فدنوت منهم، فصيح بي من أنت ؟ قلت: ابن عباس، فأمسكوا عني، فقلت: لمن هذه الراية ؟ قالوا: رئيسها الاشتر، قلت: كم أنتم ؟ قالوا: طوي الديوان عند الجسر على خمسة آلف وستمائة وخمسة وستون رجلا قال: فمضوا مضيت إلى العسكر، فقال لي أمير المؤمنين (ع): من أين أقبلت ؟ قلت: إني سمعت مقالتك، فاغتممت مخافة أن يجئ الامر على خلاف ما قلت، فقال أمير المؤمنين: نظفر بهم إن شاء الله تعالى، ثم نقتسم أموالهم، فيصيب كل واحد منا خمسمائة دينار. فلما كان من الغد أمر أمير المؤمنين (ع) أن لا يحدثوا شيئا من الحرب حتى يكون الابتداء منهم. قيل وأرسل إلى طلحة والزبير فلم يرتدعا، وكتب إلى عائشة ما للنساء وقود العساكر، أتطلبين بدم عثمان وبالامس تقولين اقتلوا نعثلا قتله الله فقد كفر، فاتقي الله يا عائشة، وارجعي إلى منزلك، واسبلي عليك سترك، فلم تفعل. ثم أن أمير المؤمنين خطب من بايعه وقال: أيها الناس: إني ما تأنيت عن هؤلاء إلا ليرجعوا عن الحرب، فلم يستجيبوا لي، وبعثوا إلي أصبر للطعان وأثبت للجلاد، وقد كنت لا أهدد بالحرب ولا أذعن إليهما، ولعمري لئن أبرقوا وأرعدوا فلقد عرفوني ورأوا مكاني، فأنا أبو الحسن الذي فللت حدهم، ومزقت جماعتهم، فبذلك ألقى عدوي وأنا على بينة من ربي لما وعدني من النصر والظفر، وإني لعلى غير شبهة. ثم رفع يده إلى السماء وقال: أللهم إن طلحة بن عبد الله أعطاني صفقة

[ 38 ]

يمينه طائعا، ثم نكث بيعتي، أللهم فعاجله بالعقوبة ولا تمهله، وان الزبير بن العوام قطع قرابتي، ونقض عهدي، وظاهر عدوي، ونصب لي الحرب وأنت تعلم أنه ظالم لي، فاكفه كيف شئت وأنى شئت. ثم أنه أعطى الراية ابنه محمد بن الحنفية، وجعل على الميمنة ابنه الحسن، وعلى الميسرة ابنه الحسين، وعلى الخيالة عمارا، وعلى الرجالة محمد بن أبي بكر، وعلى المقدمة عبد الله بن العباس، فجعل أهل البصرة يرمون أصحاب أمير المؤمنين حتى عقروا بنبلهم جماعة. فقالوا: ما انتظارك بهؤلاء وقد عقرونا بنبلهم يا أمير المؤمنين ؟ فقال (ع): أللهم اشهد أني قد أعذرت وأنذرت، فكن لي عليهم شاهدا. ثم دعا بالمصحف فقال: من يأخذ ويدعو هؤلاء إلى ما فيه ؟ فأخذه مسلم بن عبد الله المجاشعي، فقال لهم: هذا كتاب الله بيننا وبينكم، فضربه رجل منهم على يده اليمنى فقطعها، فأخذ المصحف بيده اليسرى فقطعت، ثم احتضنه فما زال يضرب عليه حتى قتل رضوان الله عليه. ثم أمر أمير المؤمنين (ع) ابنه محمد أن اقتحم، فحمل الراية وظل يضرب ويطعن حتى أعجب أباه، فرجع محمد رضي الله عنه وحمل أمير المؤمنين، فما زال يضرب بالسيف حتى انحنى سيفه، فوقف يسويه بركبته، فقال له أصحابه: نحن نكفيك يا أمير المؤمنين فلم يجب، وحمل ثانية، فجعل يضرب قدما قدما حتى التوى السيف، فرجع يسويه بركبته وهو يقول: والله ما أريد بذلك إلا الله والدار الآخرة، ثم التفت إلى ولده محمد بن الحنفية: فقال هكذا فاصنع يا بني. ثم اشتبك العسكران واقتتلوا قتالا شديدا حتى احمرت الارض بالدم، وصار هودج فلانة كالقنفذ من كثرة النبال، وقطع على خطام جملها ثمان وتسعون كفا مخضبا، وما زالت الحرب على ساقها حتى عقر جملها. فقال أمير المؤمنين (ع) لاصحابه: ادفعوه فإنه شيطان، فدفعوه وقد قتل طلحة ثم

[ 39 ]

طعن أمير المؤمنين هودجها وقال لها: هكذا أمرك رسول الله ؟ قالت: ظفرت يا أبا الحسن فأحسن وملكت فاسمح فقال لمحمد أخيها: شأنك أختك، فادخلها البصرة ثم أمرها أن تعود إلى المدينة. قال ابن عباس في حديثه السابق: فقال أمير المؤمنين (ع) للخازن: اقسم المال، فقسمه، ثم قال له: هل بقي عندك شئ ؟ فقال: ألفي درهم، فقال: هل أعطيت الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية خمسمائة خمسمائة، وعزلت لي خمسمائة ؟ قال، لا، قال هذه لنا، فلم تزد درهما ولا تنقص درهما كما أخبر (ع) وهي من بعض فضائله. قال الراوي: وكتب إلى جميع الامصار فأجابته سوى معاوية، هش للسلطنة ويتعلل عليه بقتل عثمان وكتب إليه مع جرير البجلي إنه لزمك البيعة، لانه بايعني من بايع أبا بكر وعمر، ولست ممن تحل له الخلافة فبايع جريرا. فكتب إلى أمير المؤمنين بعدم الاجابة يتعلل بما تعلل به من طلب دم عثمان، وأن يرجع الامر شورى فيمن يختاره أهل الشام، فكتب إليه أمير المؤمنين (ع) أتاني كتاب ليس له نور يهديه، ولا قائد يرشده، زعمت أن خطيئتي في عثمان سدت عليك بيعتي، وما أمرت بأمر يلزمني خطأه، وليس في أهل الشام من يحكم على المسلمين حتى تحل له الشورى، فإن سميت أحدا كذبك المهاجرين والانصار. فصار معاوية بعد ورود الكتاب عليه يستشير ثقاته في حال القتال، فقال عقبه أخوه: ابعث إلى ابن العاص واخدعه بالاموال والولايات فانه قريع زمانه، وقلوب أهل الشام تميل إليه فما زال به حتى أجابه ونهضوا لحرب أمير المؤمنين، فخرج من الكوفة يريد ملاقاتهم وأدرك أصحابه العطش، فلاح لهم دير راهب، فمالوا إليه وسألوه عن الماء، فقال، إنه بعيد عن هذا المكان جدا، فأمر أمير المؤمنين بالحفر بالقرب من الدير فانكشف لهم عن صخرة تلمع كأنها الثلج، فعجزوا عن اقتلاعها، وقلعها أمير المؤمنين وحده ودحى بها عن

[ 40 ]

موضعها أذرعا، وإذا بماء يفوق على الشهد، فشربوا منه وارتووا، ثم وضع الصخرة وعفى الموضع، ونزل الراهب، فقال: إن الدين مبني على معرفة قالع الصخرة ومظهر الماء المعين، فمن يكون هذا ؟ قالوا وصي رسول الله، فأسلم وتبعه حتى استشهد معه. قال الاصبغ بن نباتة: لما التقى الجيشان بصفين، مضيت إلى معاوية ومعه ملا من أصحابه، ودفعت إليه كتابا من أمير المؤمنين فقرأه ثم قال: إن عليا لا يدفع إلينا قتلة عثمان، فقلت له: يا معاوية لا تتعلل علينا بقتلة عثمان، لانك تطلب الملك والسلطان، ولو أردت نصره لنصرته حيا، لكنك تربصت به لتجعله سببا إلى وصول الملك إليك. قال الاصبغ: فأردت أن أزيد غيظه، فقلت لابي هريرة: أحلفك الله يا صاحب رسول الله أشهدت غدير خم ؟ قال نعم، قلت: ما سمعت من رسول الله في علي ؟ قال: سمعته يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيثما دار. فقلت له: إنك واليت عدوه وعاديت وليه، فتنفس صعدا وحولق وتغير وجه معاوية، فانتهرني وقال: لا تخدع أهل الشام عن طلب دم عثمان، وعند صاحبك قتلته، وقد أغراهم به فهم اليوم عضده وأنصاره، قال: فمضيت إلى أمير المؤمنين (ع) وأخبرته، فقال: إني لا أعجب من بغض معاوية وحسده، لكنما عجبي ممن رأى منزلتي من رسول الله كأبي هريرة وأبي الدرداء وغيرهم، وقد أزمعوا على قتالي، ثم عقد الالوية للحرب، فلما رأى أصحاب رسول الله (ص) لواءه بكوا لتذكار رسول الله، وبكى أمير المؤمنين بكاء شديدا، وقال لمالك الاشتر: إن معي راية لم أخرجها منذ قبض رسول الله إلا يومي هذا، وقد قال لي رسول الله (ص) عند وفاته: يا أبا الحسن إنك لتحارب الناكثين والقاسطين والمارقين، وأي تعب ونصب يصيبك من أهل الشام فاصبر على ما أصابك إن الله مع الصابرين، قال: وسبق أهل الشام على الماء، ومنعوا أصحاب أمير المؤمنين (ع) الماء، فشربوا ماء آسنا حتى فشى فيهم السقم، فأرسل

[ 41 ]

أمير المؤمنين (ع) من يستعطف معاوية ويداري أهل الشام، فامتنع معاوية حتى قال قائلهم اقتلوهم عطشا كما لم يرحموا عثمان، فقال بعض أصحاب معاوية: أما والله لو سبقك علي لما منعك الماء، فلو كانوا من الترك والديلم والروم فطلبوك الماء لما يحل لك أن تمنعهم، فكيف وهم أصحاب رسول الله وابن عمه وصاحب سره وخليفته، لكنه الجور والله، ثم لحق بأمير المؤمنين (ع) وقاتل معه حتى استشهد رحمه الله تعالى، واستأذن مالك الاشتر والاشعث بن قيس وخواص أمير المؤمنين في حال القتال، قالوا: نموت عطشا ومعنا الاسنة والاسياف فأذن لهم بالقتال، وقال لقنبر: اخرج رمح رسول الله الملموس بيده الشريفة، وسيصير لا بني الحسن ثم ينكسر بيد ابني الحسين في كربلاء، وتقلد سيف رسول الله (ص) وتدرع بدرعه، وخرج وعليه جحفته وقضيبه الممشوق، واقتتلوا قتالا شديدا حتى انكشف أهل الشام عن الماء بعد قتل ذريع، وقد أثخنوا بالجراح، ونزلت مقدمة أمير المؤمنين (ع) على الماء، ونزل (ع) عند مقدمته، ثم استسقى معاوية من أمير المؤمنين الماء، فقال بعض أصحاب معاوية وهو الذي قال: اقتلوهم عطشا كما لم يرحموا عثمان: يا أبا الحسن ملكت فاسمح وجد علينا بالماء، فقال أمير المؤمنين، قولوا لمعاوية يشرب ويسقي دوابه لا أمنعه، ولا يحول بينه وبين الماء حائل، ولله در من قال: [ ملكنا فصار العفو منا سجية * ولما ملكتم سال بالدم أبطح ] [ وحللتم قتل الاسارى وطالما * غدونا عن الاسرى نعف ونصفح ] [ فحسبكم هذا التفاوت بيننا * وكل إناء بالذي فيه ينضح ] قال الراوي: ثم قامت الحرب بينهم أياما وشهورا، وروي أن عمارا استسقى يوما فأتي له بقدح فيه لبن فشربه، فقال، الله أكبر قد قال لي رسول الله: آخر زادك من الدنيا ضياح من لبن، وتقتلك الفئة الباغية، وهذا آخر أيامي من الدنيا، ثم حمل على القوم وهو يقول: الجنة الجنة تحت ظلال الاسنة، اليوم ألقى الاحبة محمدا وصحبه، فأحاطوا به حتى قتل رضوان الله

[ 42 ]

عليه. ودعى أمير المؤمنين قنبرا وقال له: قل لابني محمد وعبد الله بن جعفر ليحملا إذا أنا حملت، وقال لكميل بن زياد قل لسليمان بن صرد ليحمل إذا أنا حملت، فحمل (ع) وحملوا معه، وازدحم الناس بعضهم ببعض وجثوا على الركب، وكسفت الشمس، وثار الغبار، وأظلمت الدنيا، وظلت الالوية، وفقدت الرايات، ومر مواقيت الصلاة، وصاروا لا يسجدون إلا تكبيرا، ولا يسمع إلا وقع الحديد على الحديد، حتى تكادموا بالافواه، ونادى القوم في تلك المفازات الله الله يا معشر العرب في الحرمات من النساء والبنات، واتصل الليل بالنهار، فكانت ليلة الهرير، وسمع فيها لامير المؤمنين خمسمائة تكبيرة عدد من قتله بيده، وأصبح أصحاب أمير المؤمنين (ع) والمعركة خلفهم فاقتحموها. فلما رأى ابن العاص أن الحرب عفتهم أشار على معاوية برفع المصاحف على رؤوس الاسنة، وقال: بيننا وبينكم كتاب الله، فامتنع أصحاب أمير المؤمنين عن القتال لما رأوا المصاحف على رؤوس الرماح، فقال لهم أمير المؤمنين: ذرونا نناجزهم، فما هي إلا ساعة فإن الحرب قد عفتهم، فلم يجيبوه، فقال (ع): هذه خدعة، وأنا كتاب الله الناطق، فلم يفعلوا وكتبوا بينهم إمهال إلى شهر رمضان، ثم خدع معاوية ثانية أصحاب أمير المؤمنين (ع) حتى ألجأوه إلى تحكيم الحكمين، فأراد أن ينصب لهم ابن عمه عبد الله بن العباس، فأبى أصحابه وقالوا: إلا أبو موسى الاشعري، فأجاب وهو كاره وجعل معاوية من قبله ابن العاص، وبعث كل بحكمه. فغدر ابن العاص بأبي موسى الاشعري إذ قال: إنا لنخلع عليا ومعاوية، وندع الناس ومن يختارونه، فقام ابن العاص وقال: لقد سمعتم ما قال وإني قد أقررت خلع علي وأثبت صاحبي، وبادر الحصين وضرب أبا موسى الاشعري بعصى كانت في يده، ثم ندم وقال: ليتها كانت السيف، فرجع أمير المؤمنين (ع) مرغوما قد استضعفه قومه، وخرج من طاعته ثمانية آلاف من عباد قومه ونساك خاصته، وكانوا إثنا

[ 43 ]

عشر ألف، وأمروا فيهم عبد الله بن الكوا، فأرسل لهم أمير المؤمنين عبد الله بن العباس، فقالوا: ليخرج علي بنفسه لعله يزيل ما بأنفسنا، فخرج لهم أمير المؤمنين بنفسه، وبرز عبد الله بن الكوا في عشرة رجال وقال: يا أمير المؤمنين أنا آمن سيفك قال: نعم، قال له: يا عبد الله عما نذر الحرب عن معاوية ؟ فقال: برفع المصاحف على رؤوس الاسنة وأمر الحكمين، قال: ألم أقل لكم إنها خدعة فناجزوهم فأبيتم، وأردت أن أنصب لكم ابن عمي عبد الله بن العباس فإنه لا ينخدع، فألحيتم في أبي موسى الاشعري، فأجبتكم كارها، ولو وجدت أعوانا دونكم لما أجبتكم، ألم أشترط على الحكمين بمسمعكم أن يحكما بما أنزل الله في كتابه المجيد من فاتحته إلى خاتمته وإن لم يفعلا فلا طاعة لهما ؟ قال ابن الكوا: صدقت قد كان هذا كله فلا ترجع إلى حربه، قال (ع) حتى تنقضي المدة بيننا، قال ابن الكوا: فأنت مجمع عليه، قال (ع): لا يسعني غيره. فرجع ابن الكوا والعشرة الذين كانوا معه عن رأي الخوارج، ولحق بأمير المؤمنين، وتفرق القوم عنه واجتمعوا إلى عبد الله بن وهب الراسي وذي الثدية، وأمروهما وعسكروا بالنهروان، وخرج أمير المؤمنين (ع) وعسكر على فرسخين، وبعث لهم عبد الله بن العباس، فقال لهم: ما الذي نقمتم على علي ؟ قالوا: أشياء كثيرة لو كان حاضرا لكفرناه بها، فأبلغ علي (ع) مقالتهم، فأتاهم وقال: أيها الناس أنا علي بن أبي طالب فتكلموا بما نقمتم علي، قالوا: نقمنا عليك أنك أبحتنا بعد قتال أهل البصرة في العسكر، ومنعتنا أسر النساء والذرية، فإن كانوا كفارا فهلا أحللته لنا، وإن كانوا مسلمين فقتالهم وسلبهم علينا حرام ؟ فقال لهم (ع): أهل البصرة بدؤنا بالقتال فحل لنا قتالهم، ولنا سلب من قتلناه، والنساء لم يقاتلن والذرية على الفطرة، وقد رأيت رسول الله من على المشركين، أفلا تمنوا على المسلمين بأن لا تسلبوا نساءهم وذريتهم ؟ فقال قوم منهم: لا تخاصموا قريشا، فإن الله قال: (بل

[ 44 ]

هم قوم خصمون) (1) وقال الباقون: نقمنا عليك أيضا لانك محيت اسمك من إمرة المؤمنين يوم صفين، فلست إذا بأمير علينا، فقال لهم: اقتديت برسول الله حين محى اسم الرسالة في صلح قريش، فقالوا: نقمنا عليك قولك للحكمين انظروا في كتاب الله، فإن كنت أفضل من معاوية فاثبتاني في الخلافة، فأنت إذا في شك من نفسك، فنحن أشد شكا فيك، فقال: أردت منهما أن ينصفاني، فلو قلت احكما لي واتركاه لم يرض معاوية، كما قال رسول الله لنصارى نجران (فنجعل لعنة الله على الكاذبين) (2) فلو قال فنجعل لعنة الله عليكم لم يرضوا، قالوا: نقمنا عليك قد حكمت فيما هو حق لك، فقال، إن رسول الله حكم سعد بن معاذ في بني قريظة فاقتديت به، فصاح من كل ناحية جماعة التوبة التوبة يا أمير المؤمنين، واستأمن إليه ثمانية آلاف وطلبوا الاعتزال، فأجابهم، وبقي على حربه أربعة آلاف رجل، فتقدم عبد الله بن الراسي وذو الثدية وقالا: والله ما نريد بقتالك إلا الله والدار الآخرة، فتلا علي (ع) هذه الآية: (قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) (3). ثم التحمت الحرب بين الفريقين، وأسعرت الحرب لظاها، وأسفرت عن زرقه صبحها وأحمر ضحاها، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى فني كثير من الخوارج، فقام عبد الله الراسي ونادى يا ابن أبي طالب، والله لا نبرح حتى تأتي على آخرنا، فابرز وذر الناس جانبا، فقال أمير المؤمنين وهو يبتسم: ما أقل حياؤه إنه ليعلم أني حليف السيف، وخدين الرمح، لكنه يئس من الحياة. فحمل عليه أمير المؤمنين (ع) فقتله، فما كانت إلا كدورة الرحى حتى أتى على آخرهم، فلم يفلت منهم إلا عشرة كما أنه لم يقتل من أصحابه عشرة، وقد أخبر (ع) قبل منصرفه وقال: إنا نقتلهم ولم يفلت منهم إلا عشرة،


(1) سورة الزخرف، الآية: 58. (2) سورة آل عمران، الآية: 61. (3) سورة الكهف الآية: 103 - 104. (*)

[ 45 ]

ولم يقتل منا إلا عشرة. والله در من قال: [ ياليت في الاحياء شخصك حاضر * وحسين مطروح بعرصة كربلا ] [ عريان يكسوه الصعيد ملابسا * أفديه مسلوب اللباس مسربلا ] [ متوسدا حر الصخور معفرا * بدمائه ترب الجبين مرملا ] [ ظمآن مجروح الجوارح لم يجد * ماء سوى دمه المبدد منهلا ] [ ولصدره تطأ الخيول وطالما * بسريره جبريل كان موكلا ] [ عقرت أما علمت لاي معظم * وطأت وصدر غادرته مفصلا ] [ ولثغره يعلو القضيب وطالما * شرفا له كان النبي مقبلا ] [ وبنوه في أسر الطغاة صوارخا * ولهاء معولة تجاوب معولا ] [ ونساؤه من حوله يندبنه * بأبي النساء النادبات الثكلا ] [ يندبن أكرم سيد من سادة * هجروا القصور وآنسوا وحش الفلا ] [ بأبي بدورا في المدينة طلعا * أمست بأرض الغاضرية آفلا ] [ نزحت عن عقر دارهم أيدي العدى * بأبي الفريق الظاعن المترحلا ] [ ضاقت بهم أوطانهم فتبوأوا * شاطي الفرات عن المواطن موئلا ] [ ظفرت بهم أيدي البغاة ولم أجد * وأبيك تقتنص الكلاب الاشبلا ] [ منعوهم ماء الفرات ودونه * بسيوفهم دمهم يراق محللا ] [ هجرت رؤوسهم الجسوم فواصلت * زرق الاسنة والوشيج الذبلا ] [ يبكي أسيرهم لفقد قتيلهم * أسفا وكل في الحقيقة مبتلى ] [ هذا يميل على اليمين معفرا * بدم الوريد وذا يقاد مغللا ] [ ومن العجائب أن تقاد أسودها * أسرى وتفترس الكلاب الاشبلا ] [ لهفي لزين العابدين يقاد في ثقل * الحديد مقيدا ومكبلا ] [ أفدى الاسير وليت خدي موطئا * كانت له بين المحامل محملا ] قال الراوي: وعن جويرية بن مسهر البجلي قال: لما أقبلنا مع أمير المؤمنين (ع) من قتل الخوارج، حتى إذا قطعنا أرض بابل حضرت

[ 46 ]

الصلاة، فنزل أمير المؤمنين ونزل الناس معه، فقال (ع): أيها الناس إن هذه الارض ملعونة قد عذبت في الدهر ثلاث مرات، وفي خبر مرتين، وهي تتوقع الثالثة، وهي أول أرض عبد فيها وثن، وهي إحدى المؤتفكات، وإنه لا يحل لنبي أو وصي نبي أن يصلي فيها، فمن أراد أن يصلي فليصل، فمال الناس عن جنبي الطريق يصلون، وركب بغلة رسول الله (ص)، قال فمضيت خلفه، وقلت: والله لاتبعن أمير المؤمنين وأقلد به صلاتي اليوم، فمضيت خلفه، فوالله ما جزنا جسر سورى حتى غربت الشمس، فشككت، فالتفت إلي وقال: يا جويرية شككت ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فنزل عن دابته في ناحية، فتوضأ ثم قام، فنطق بكلام لا أحسبه إلا كأنه بالعبرانية، ثم نادى الصلاة الصلاة، فنظرت والله إلى الشمس وقد خرجت من بين جبلين ولها صرير، فصلى العصر وصليت معه، فلما فرغنا من الصلاة غابت الشمس وعاد الليل كما كان أولا، واجتمع نفر من الخوارج وقالوا: إن عليا ومعاوية قد أفسدوا هذا الامر، فلو قتلناهم لعاد الامر إلى أهله، فقال رجل من أشجع: وما أمر العاص بدونها وإنه أصل هذا الفساد، وتأسفوا على من قتل بالنهروان، فقال عبد الرحمن بن ملجم المرادي والبرك بن عبيدالله التميمي وعمرو بن أبي بكر التميمي فلو شرينا من الله أنفسنا والتمسنا غرة هؤلاء وقتلناهم لارحنا منهم العباد والبلاد، فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم عليا، فقيل له: وأنى لك به ؟ قال: أغتاله، وقال البرك بن عبد الله: أنا أكفيكم معاوية، وقال عمر بن أبي بكر: أنا أكفيكم ابن العاص، ومضوا إلى البيت شرفه الله تعالى وتحالفوا على الوفاء بينهم، فأتى إلى أمير المؤمنين (ع) رجل من مراد وقال له: احرس نفسك يا أمير المؤمنين، فإن أناسا من مراد يريدون قتلك، فقال: مع كل رجل ملكان يحفظانه ما لم يقدر عليه أحد، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، وكفى بالاجل جنة حصينة، ثم إنه (ع) أنشأ يقول: [ تلكم قريش تمناني لتقتلني * فلا وربك ما فازوا وما ظفروا ] [ فإن بقيت فرهن ذمتي لهم * وإن عدمت فلا يبقى لهم أثر ]

[ 47 ]

[ وسوف يورثهم فقدي على عجل * ذل الحياة بما خانوا وما غدروا ] قال الراوي: ثم إن ابن ملجم قصد الكوفة مع الوفد الذين بعث بهم حبيب بن المنتجب عامل أمير المؤمنين ليتربص الفرصة، ودخل في جملتهم عليه وسلم كما سلموا، وكان طلق اللسان حسن المقال، فأعجب أمير المؤمنين (ع) لما سمع من مقالته، ورأى حسن تأدبه في أقواله وأفعاله، فسأله عن اسمه، فلما أخبره أطرق برأسه يفكر، ثم رفع رأسه وقال: أمرادي أنت أنت ؟ ثلاث مرات وهو يقول: نعم فاسترجع أمير المؤمنين (ع) وحولق وتمثل ببيت ابن معد يكرب الزبيدي وهو يقول: [ أريد حياته ويريد قتلي * خليلي من عزيزي من مراد ] ثم دعاه للبيعة واستحلفه مرارا كثيرة، وأخذ عليه العهود والمواثيق أن لا يغدر به، فقال: ما رأيتك يا أمير المؤمنين فعلت بغيري مثلما فعلت بي، أتراك تؤكد على البيعة ثلاثا وتستحلفني ثلاثا ؟ فقال: إني لا أرى أنك تفي بما عاهدت عليه، وستخضب هذه من هذا، وأشار إلى لحيته ورأسه، ولقد قرب وقتك وحان زمانك، فقال: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين هذه يميني وهذه شمالي فاقطعهما أو فاقتلني، فقال أمير المؤمنين: وكيف أفعل ولم تستوجب قبل شيئا ؟ ولو أنني أعلم أنك قاتلي، لكن هل كانت لك حاضنة يهودية وكنت إذا بكيت تلطم وجهك وتقول لك اسكت يا من هو أشقى من عاقر ناقة صالح ؟ قال: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين. وفي بعض الروايات قال له: إذا أنا قتلتك فمن يقتلني وقد سبق القضاء، إنك قاتلي، فسمع ذلك مالك الاشتر رضي الله تعالى عنه والمقداد بن الاسود الكندي فجردا أسيافهما، وأتيا إلى أمير المؤمنين (ع) فقالا: ومن هذا الكلب الذي تخاطبه بما سمعنا، فأمرنا بقتله، فقال: افتأمروني بأن أقتل رجلا لم يفعل بعد شيئا ؟ واجتمع نفر من أصحاب أمير المؤمنين وخواص شيعته، فقالوا: إنا

[ 48 ]

نقترح أن نجعل كل ليلة على قبيلة تحرس سيدنا ومولانا أمير المؤمنين (ع)، فإنه يخرج غلسا إلى الجامع ونخاف أن يغتاله هذا اللعين فيفجعنا فيه، فابتدأت بذلك أهل الكنائس، فلما أقبل أمير المؤمنين (ع) وجدهم شاكين في سلاحهم، فقال: ما شأنكم ؟ قالوا: تخوفنا عليك من هذا المرادي اللعين فجئنا لنحرسك فجزاهم خيرا وتلا قوله تعالى: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون) (1) ثم قال: إذا نزل القضاء فلا راد له وكفى الاجل حارسا. فتفرق القوم، فكانت في الكوفة امرأة من الخوارج اسمها قطام بنت سجية بن تميم من تيم الرباب، وقد خطبها ابن ملجم وتمكن في قلبه حبها، فقالت: نعم على ثلاثة آلاف درهم وعبد وقينة، وأشترط عليك قتل الخليفة علي بن أبي طالب، فقال: والله ما أقدمني إلى هذا المصر وكنت بعيدا منه إلا قتل هذا الرجل، فلك ذلك، ولله در الفرزدق حيث يقول متعجبا من هذا الاقدام: [ فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة * كمهر قطام من فصيح وأعجمي ] [ ثلاثة آلاف وعبد وقينة * وضرب علي بالحسام المسمم ] [ فلا مهر أغلى من علي وإن علا * ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم ] روي أن ابن ملجم دخل يوما الجامع، وأمير المؤمنين على المنبر يخطب، فقال: والله لاريحن منك العباد، فسمعه بعض الاصحاب فأتى به ملبيا، فقال لهم أمير المؤمنين: وما تريدون منه ؟ فأخبروه بما قال، فقال (ع): خلوا عنه، فإنه لم يقتلني، ولم يزل يكرمه لسرعته في الخدمة ويؤثره على غيره لتأدبه استظهارا عليه، ومع ذلك يقول: أنت قاتلي لا محالة، بذلك أخبرني رسول الله.


(1) سورة التوبة، الآية: 51. (*)

[ 49 ]

ثم قال دخلت أنا يوما على رسول الله وفاطمة والحسن والحسين فبكى حين رآنا وقال بعض من حضر: أما تستر برؤيتهم يا رسول الله ؟ فقال: والذي بعثني بالحق نبيا أنا وهم لاكرم الخلق على الله تعالى، وما على وجه الارض نسمة أحب إلي منهم، أما علي بن أبي طالب فإنه أخي، وابن عمي، وخليفتي، ووصيي على أهلي وأمتي في حياتي وبعد وفاتي، محبه محبي، ومبغضه مبغضي، وهو مولى كل تقي، بولايته صارت أمتي مرحومة، وإنما بكيت على ما يحل بهم بعدي من غدر الامة، وإنه ليزال عن مقامه ومحله ومرتبته التي وضعه الله فيها، ثم لا يزال كذلك حتى يضرب على قرنه في محرابه ضربة تخضب لحيته ورأسه في بيت من بيوت الله، في أفضل الشهور شهر رمضان، في العشرة الاواخر منه، يضربه بالسيف شر الخلق والخليقة، أخو قدار ابن قديرة عاقر ناقة صالح، ثم استعبر وبكى بكاء شديدا عاليا. ثم قال: وأما ابنتي فاطمة الزهراء، فإنها سيدة نساء العالمين من الاولين، وهي بضعة مني ونور عيني وروحي التي بين جنبي، الحوراء الانسية الزهراء الزاهرة التي أزهرت من نورها السماوات بكواكبها، والارضين بأقطارها، ويقول الله تعالى إلى الملائكة: يا ملائكتي انظروا إلى أمتي إذا قامت إلى الصلاة وهي ترتعد خيفة وخشية مني، اشهدوا أني قد آمنت شيعتها من النار، ولكن ذكرت ما يصنع بها بعدي كأني بها، وقد دخل عليها في بيتها الذل والهوان، فترى نفسها ذليلة بعد ما كانت عزيزة في حياتي، فتناديها الملائكة بما نادت به مريم ابنة عمران (ان الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين) (1) فتمرض عند ذلك، فيبعث الله لها مريم ابنة عمران فتمرضها، فتقول: إني قد سئمت الحياة وتبرمت من أهل الدنيا، أللهم فألحقني بأبي، فيلحقها الله بي في المدة القليلة، فتقدم علي محزونة مغصوبة


(1) سورة آل عمران، الآية: 42. (*)

[ 50 ]

مكروبة مغمومة، أللهم العن غاصبيها وظالميها، وخلد في النار من آذاها وضرب جسمها حتى ألقت جنينها، فتقول الملائكة آمين. وأما ولدي الحسن فإنه قرة عيني وثمرة فؤادي ولكن ذكرت ما يحل به بعدي من الذل والهوان، حتى يقتل بالسم ظلما وعدوانا، فتبكيه الملائكة وكل نبي حتى الطير في الهواء، والحيتان في لجج البحار، فمن بكاه لم تعم عيناه يوم القيامة. وأما ولدي الحسين فإنه مني وأنا منه، وهو خير الخلق بعد أبيه وأخيه، وهو إمام المسلمين وخليفة رب العالمين، وسيد شباب أهل الجنة أجمعين، ولكني كلما نظرت إليه فكأني به وقد استجار بحرمي وقبري فلا يجار، فأضمه في منامي إلى صدري، وآمره بالرحيل إلى أرض مصرعه ومقتله، فيرتحل للشهادة إلى أرض تعرف بأرض كربلاء، تنصره جماعة من المسلمين، أولئك سادات أمتي يوم القيامة، وكأني أنظر إليه وقد رمي بسهم في قلبه ذي ثلاث شعب، فيخر عن فرسه الميمون صريعا يفحص في التراب برجليه، ثم يذبح ذبح الشاة من قفاه. ثم بكى وأبكى من كان حاضرا حوله، ونهض وهو يقول: أللهم إني أشكو إليك ما يلقى أهل بيتي من بعدي. [ فياليت شعري من أنوح ومن له * أبكي وما قلبي عليه بسالي ] [ أأشجو عليا حين عمم رأسه * بمنصلت ذي رونق وصقال ] [ له أم لبنت المصطفى بعد ما قضى * قضت لم تفز من إرثها بخلال ] [ أم الحسن الزاكي سقته جعيدة * من السم قتالا بغير قتال ] [ وإن حنيني للشهيد بكربلا * لباق فلا يقضى له بزوال ] [ فديت إماما بالطفوف كأنما * ركائبه قد قيدت بحبال ]

[ 51 ]

[ فديت وحيدا قد أحاط برحله * لآل أبي سفيان جيش ضلال ] [ يقول لانصار له قد أبحتكم * ذمامي وعهدي فاسمعوا لمقالي ] [ ألا فارحلوا فالليل مرخ سدوله * عليكم ومنهاج البسيطة خالي ] [ فقالوا جميعا وما يقول لنا وما * نقول جوابا عند رد سؤال ] [ تقيك من الموت الشديد نفوسنا * ويرخص عند النفس ما هو غالي ] [ فديت الذي يرنو الفرات بغلة * وما يلها من بردها ببلائي ] [ فديت فتى قد خر عن سرج مهره * كما خر طود من منيف جبال ] [ فديت صريعا قد علا الشمر صدره * لقطع وريد أو لجز قذالي ] [ فديت طريحا تركض الخيل فوقه * ترض خباجن صدره بنعالي ] وروي عن أنس بن مالك قال: مرض أمير المؤمنين في حياة رسول الله وعدته وعنده أبو فضيل وعمر، فدخل علينا رسول الله ونظر في وجهي فبكى، فقال أبو فضيل وعمر: لقد تخوفنا عليه يا رسول الله، فقال: لا بأس عليه، وإنه لن يموت إلا مقتولا مضروبا على أم رأسه مخضوبا بدمائه، في شهر الله الحرام شهر رمضان، في أثناء صلاته في بيت من بيوت الله، فوا شوقاه ووا أسفاه وواحزناه، ثم بكى بكاء شديدا. وفي المجالس عنه (ع) قال: سألت النبي ما أفضل الاعمال في شهر رمضان ؟ قال: الورع من محارم الله، ثم بكى، فقلت له: وما يبكيك يا رسول الله ؟ قال: أبكي لما يحل عليك من بعدي في شهر رمضان، كأني بك وأنت في محرابك إذ انبعث إليك أشقى الخلق من الاولين والآخرين، شقيق عاقر ناقة صالح، فيضربك ضربة على مفرق رأسك ويشقه نصفين، ويخضب لحيتك من دم رأسك، فقلت له: يا سيدي أفي سلامة من ديني ؟ فقال: نعم يا علي، من قتلك فقد قتلني، ومن سبك فقد سبني، لانك مني وأنا منك، وروحك روحي وروحي روحك، إلى أن قال: وإنه لا يقرب الحوض مبغض لك أبدا، ولن يغيب عنه محب لك أبدا. فخر علي (ع) ساجدا لله تعالى

[ 52 ]

وقال: الحمد لله الذي من علي بك يا مولاي، فلما مضى من شهر رمضان شطره، دخل المسجد يوما فصلى ركعتين، ثم صعد المنبر وخطب خطبة أكثر فيها من الحمد والثناء، ثم التفت إلى ولده الحسن وقال له: يا أبا محمد كم بقي من شهرنا هذا ؟ فقال الحسن (ع): ثلاثة عشر يوما يا أمير المؤمنين، ثم التفت إلى ولده الحسين (ع) وقال له: يا أبا عبد الله كم مضى من شهرنا هذا ؟ فقال الحسين: سبعة عشر ليلة يا أمير المؤمنين، فضرب على لحيته وهي يومئذ بيضاء، فقال: الله أكبر الله أكبر، ليخضبها بدمها إذ انبعث أشقاها، ثم قال (ع): قل ما أصحبكم، قالت أم كلثوم: لما سمعت ذلك من أبي قلت له وكيف ذلك يا أبتاه ؟ قال (ع): رأيت البارحة نبي الله في منامي وهو يمسح الغبار عن وجهي ويقول: يا علي لا عليك وقد قضيت ما عليك. وما زال ابن ملجم يتربص به الغفلة، وينتهز فيه الفرص، ويصلح سيفه ويكرر صقله ويسقيه، فدخل يوما بيته فأخذته الملعونة قطام وأخرجته من جفنه تنظر إليه وإلى حسن صقله، فقالت: إني أريد أن أسقيه سما نقيعا عندي، فقال ابن ملجم: إنه لا حاجة له في السم، وهو لو وقع على حجر ابرأه شطرين، فقالت: لابد له من السم، لان عليا ليس كمن لاقيت من الشجعان، فما زالت تصفه وتعظمه في عينه بكلام يغيظه ليجهد نفسه في قتله، فأخذه بعدما عملت فيه ما شاءت من السم، وخرج إلى السوق ومر على الامام (ع) وهو عند ميثم التمار، فسلم عليه بخشوع النفاق وخضوع الملاق، فجعل أمير المؤمنين يطيل النظر إليه، ويرسل الفكر فيما عزم عليه، فقال: يا ميثم هذا قاتلي لا محالة، فقال: ومتى يكون ذلك يا سيدي ؟ فقال (ع): (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) (1) وإذا نزل القضاء فلا مردله، وكفى بالاجل حارسا، ثم استرجع وحولق وذكر رسول الله (ص) وقال:


(1) سورة الرعد، الآية: 36. (*)

[ 53 ]

[ ما لانسان من الموت نجا * كل امرء لا بد يأتيه الفنا ] [ تبارك الله وسبحانه * لكل شئ آخر وانتها ] [ يقدر الانسان في نفسه * شيئا ويأباه عليه القضا ] [ لا تأمن الايام في مكرها * لكل شئ مدة وانقضا ] [ فبينما الانسان في غفلة * يمشي وقد حل عليه القضا ] قال الراوي: وانصرف الملعون، فبقي شبيب بن بحرة التميمي، فقال له: هل لك في المعونة على قتل علي بن أبي طالب لنحوز من الله الثواب ؟ فقال له شبيب: ويلك وأنى لك بذلك ؟ فقال: نكمن له في بعض صلاته ونضربه ضربة رجل واحد، فإن نحن قتلناه شفينا غل صدورنا منه، وإن كانت الاخرى كنا كمن مضى من قبلنا من أهل الخير والصلاح، فقال له: قد عرفت بلاءه في الاسلام وسابقته مع ابن عمه رسول الله، وما أجد نفسي تجيبني إلى ذلك أبدا. فما زال به حتى أجابه، قال: فأخبر قطام بذلك، فبعثت إلى بعض أقاربها فدعته إلى مساعدة ابن ملجم، فغدوا جميعا إلى الاشعث بن قيس، وأبدوا إليه ما في نفوسهم من العزيمة على قتل أمير المؤمنين، فواطأهم على ذلك، فلما كانت الليلة التاسعة عشر من شهر رمضان، أتى (ع) بعد أن صلى المغرب وما شاء من النفل ليفطر، وكان سلام الله عليه يتعشى ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين، وليلة عند عبد الله بن جعفر، ولا يزيد على ثلاث لقم، وكان يقول: أرجو أن ألقى الله وأنا خميص الحشى، فقدمت إليه ابنته أم كلثوم قرصين من شعير وقصعة فيها لبن وجريش ملح، فقال (ع): قدمت إلى أدامين في طبق واحد، وقد علمت أنني متبعا ما كان يصنع ابن عمي رسول الله، ما قدم إليه أدامان على طبق واحد حتى قبضه الله إليه مكرما، ارفعي أحدهما فإن من طاب مطعمه ومشربه طال وقوفه بين يدي الله يوم القيامة، ثم أكل قليلا وحمد الله كثيرا وأخذ في الصلاة والدعاء إلى أن غفت عيناه، فاستيقظ وقال: رأيت النبي فشكوت إليه ما أنا فيه من التبلد بهذه

[ 54 ]

الامة، فقال لي: ادع عليهم فإن الله تعالى لا يرد دعائك، فقلت: أللهم أبدلني بهم خيرا، وأبدلهم بي شرا. ثم إنه (ع) أسبغ الوضوء، وأخذه الفكر مما لحقه من التعب في طلب إصلاح هذه الامة وما قصدوه به من الاذية، فخرج يسعى. قال إسماعيل بن عبد الله الضلعي: بت قريبا من الحيرة، فلما جنني الليل وإذا أنا برجل قد أقبل، فاستتر برابية، ثم صف قدميه فأطال في المناجاة، وكان فيما قال: أللهم إني سرت فيهم بما أمرني رسولك وصفيك المرسل فظلموني، وقاتلت المنافقين كما أمرني فجهلوني، وقد مللتهم وملوني، وبغضتهم وبغضوني، فلم يبق لي خلة انتظرها إلا المرادي، أللهم فاجعل له الشقاء، وتغمدني بالسعادة، إنه قد وعدني نبيك إذا سألتك أللهم [ فإنه لن يرد دعائي ] وقد رغبت إليك في ذلك. ثم مضى فقفوت خلفه حتى دخل منزله، فإذا هو علي بن أبي طالب. ولما أخذ مضجعه بعد أن صلى العشاء الآخرة، رأى النبي محمدا (ص) وهو يقول له: يا أبا الحسن إني إليك مشتاق، وإن الله سيلحقك بنا عن قريب وعند الله خير وأبقى، ثم انه انتبه (ع) وجميع أولاده وأهل بيته وعشيرته، فأخبرهم ونعاهم نفسه، فأخذوا في البكاء والنحيب، فنهاهم عن ذلك وجعل يوصيهم بفعل الخير واجتناب السوء، ثم تفرقوا واشتغل بالصلاة والدعاء والتلاوة، ثم يخرج تارة إلى خارج الدار ينظر في الكواكب والعلامات لما أخذه من القلق والارق، ويكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أللهم بارك لي في الموت وما بعد الموت، أللهم بارك لي يوم ألقاك، والله ما كذبت ولا كذبت وإنها الليلة التي وعدت فيها. ثم نعس قليلا واستيقظ وأسبغ الوضوء، ونزل وكان في الدار إوز أهدي للحسن والحسين (ع)، فلما صار في صحن الدار تصارخن في وجهه فقال: لا إله إلا الله صوائح تتبعها نوائح من نسوة صوارخ، فسمع ذلك الحسن، فقال: وما ذاك يا أبتاه، قال: يا بني إن

[ 55 ]

قلبي يحدثني أني مقتول لا محالة، قال لابنته أم كلثوم بحقي عليك إلا ما أطلقت هذا الاوز يأكل من حشائش البر، ولا تحبسي من لا له لسان ولا يقدر على الكلام، وأطعميه وخلي سبيله، ثم مد يده إلى الباب ليفتحه فانحل مئزره فشده شدا وثيقا وقال: [ أشدد حيازيمك للموت * فإن الموت لا قيكا ] [ ولا تجزع من الموت * إذا حل بواديكا ] [ ولا تغتر بالدهر * وإن كان يواتيكا ] [ فكم رفع أقواما * وقد كانوا صعاليكا ] [ كما أضحكك الدهر * كذاك الدهر يبكيكا ] قالت أم كلثوم: كنت أمشي خلف أبي، فلما سمعت ذلك منه قلت: واغوثاه يا أبتاه مالي أراك يا قرة عيني تنعي نفسك، فأخذت في البكاء فوقف عندي وجعل يعزيني على نفسه وهو يبكي، ثم خرج فأعلمت أخوي الحسن والحسين وقلت لهما: إن أبانا قد تنكر حاله في هذه الليلة، فأخبرتهما بما جرى فأدركاه، فقال له الحسن: مالك يا أبتاه خرجت في هذه الساعة ؟ فقال (ع): لاجل رؤيا أفزعتني، فقال الحسن: وما هي يا أبتاه ؟ فقال: رأيت كأن أخي جبرائيل نزل من السماء على جبل أبي قبيس، فتناول منه حجرين ومضى بهما إلى مكة، فضرب بأحدهما الآخر فصارا رمادا فذراهما في الهواء، فلم يبق بمكة ولا بالمدينة ولا بلد من بلاد الاسلام بيت إلا دخله من ذلك الرماد شيئا. فقال الحسن: وما تأويل ذلك يا سيدي ؟ قال: يا بني إن صدقت رؤيا أبيك فإنه مقتول، ولم يبق بيت من بيوت الاسلام إلا دخله من ذلك هم وحزن، فقال الحسن: ومتى يكون ذلك يا أبتاه ؟ فقال: إن الله تفرد بخمسة أشياء لم يطلع عليها نبي ولا وصي نبي وهو قوله تعالى: (ان الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الارحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما

[ 56 ]

تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير) (1) قال: فأردنا أن نصحبه إلى مصلاه فأبى، وقال: بحقي عليكما إلا ما رجعتما إلى منزلكما، قال: فأتينا البيت، وإذا بأختي أم كلثوم خلف الباب، فجلسنا معهما نبكي وقد مضى وحده. قال عبد الله بن محمد الازدي: كنت أصلي في المسجد الاعظم تلك الليلة، وهي الليلة التاسعة عشر من شهر رمضان مع رجال من أهل مصر كانوا يصلون ذلك الشهر من أوله إلى آخره، إذ نظرت إلى رجل قريب من السدة، فأقبل أمير المؤمنين (ع) وهو ينادي الصلاة الصلاة يرحمكم الله تعالى، قال حجر بن عدي: وسمعت الاشعث بن قيس يقول: النجاة النجاة لحاجتك فقد فضحك الصبح، فعلمت ما أراد، وخرجت لاخبر أمير المؤمنين، فإذا هو قد خرج وسبقني إلى الجامع. قال عبد الله الازدي: فما رأيت إلا بريق السيوف وقائلا يقول: الحكم لله لا لك ولا لاصحابك يا علي وشد عليه شبيب وضربه فأخطأه، وشد عليه ابن ملجم فضربه على مفرق رأسه فشقه نصفين، فخر يخور في دمه وهو يقول: فزت ورب الكعبة. شعر للمؤلف: [ طلى شيبه قان من الحلم رشده * تؤم هداة المتقين زواهره ] [ فديت دماء بالعلوم مسيلها * أحالت وجوها للمدارس ناظرة ] [ فمن مبلغا عني الرسول معزيا * بأن أهاضيب الشريعة هابرة ] [ ومن مبلغا يا شمس دارة فخرها * لقد أصبحت تلك المعالم دائرة ] [ وإن عيون المجد إذ فجعت به * تسح أماقيها من الثكل هامرة ] [ وها معصرات الورق تبدى حنينها * تطارح مسجور الحشاشة شاعرة ] قال عبد الله الازدي: وهرب الثالث الذي كان معهما، وسمعت


(1) سورة لقمان، الآية: 34. (*)

[ 57 ]

أمير المؤمنين (ع) يقول: لا يفوتكم الرجل، ولزم رأسه الشريف بيده وهو يقول: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله. وغشي عليه من انبعاث الدم على لحيته ووجهه، وقد صبغ جميع أثوابه وبدنه حتى احمرت الارض، وسمع الناس نعي جبرائيل يقول: تهدمت والله أركان الهدى، وانطمست أعلام التقى، وانفصمت العروة الوثقى، قتل والله علي المرتضى، قتل الوصي المجتبى، قتل خاتم الاوصياء، قتله أشقى الاشقياء. فقامت أم كلثوم لاطمة خدها صارخة وا أبتاه وا علياه وا أماه وا فاطماه، فأخذت الناس الدهشة وهم لا يعلمون وإلى أين يذهبون حتى أحاطوا به (ع)، واختلطت النساء بالرجال، وهبت ريح سوداء مظلمة، والملائكة تنعاه في السماء. وأقبل الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وبقية أولاده فوجدوه مشقوق الرأس، وقد علته الصفرة من انبعاث الدم وشدة السم، والناس من حوله في النياحة والعويل والبكاء المحرق للاكباد، فأخذ الحسن رأسه ووضعه في حجره، فأفاق وقال: هذا ما وعد الله ورسوله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم نظر إلى أولاده فرآهم تكاد أنفسهم تزهق من النوح والبكاء، فجرت دموعه على خديه ممزوجة بدمه، قال (ع): أتبكيا علي ؟ ابكيا كثيرا واضحكا قليلا، أما أنت يا أبا محمد ستقتل مسموما مظلوما مضطهدا، وأما أنت يا أبا عبد الله فشهيد هذه الامة وسوف تذبح ذبح الشاة من قفاك، وترض أعضاك بحوافر الخيل، ويطاف برأسك في مماليك بني أمية وحريم رسول الله تسبى، وإن لي ولهم موقفا يوم القيامة. فقال الحسن: من فعل بك هذا الفعل يا مولاي ؟ فقال: فعله ابن ملجم المرادي وسوف يطلع عليكم الساعة من هذا الباب، وأشار بيده إلى باب كندة على يد رجل محب لنا أهل البيت، فاشتغل الناس بالنظر إلى باب كندة على يد رجل محب لنا أهل البيت، فاشتغل الناس بالنظر إلى باب كندة وقد غص بهم الجامع وهم بين باك وباكية، فبينما هم كذلك وإذا هم برجال قد دخلوا بابن ملجم اللعين مكشوف الرأس، وحذيفة

[ 58 ]

يذود الناس عنه وكل منهم يود [ أن ] يبرد غلة صدره، وأنى لهم الشفاء بعد قتل سيد الاوصياء، وكيف يبرد منهم الغليل وقد فقد من اهتز له عرش الجليل، لكنما الامر لله ولا حول ولا قوة إلا بالله. [ عجبا لمصقول أصابك حده * في الرأس منك وقد علاه غبار ] [ لم لا تقطعت السيوف بأسرها * حزنا عليك وطنت الاوتار ] قال: ثم انكب الحسن على وجه أبيه يقبله، ففتح عينيه وقال: رفقا بي ملائكة ربي، فقال الحسن: يا أبت هذا عدو الله قد أمكننا الله منه، فالتفت إليه وقال: يا عدو الله ألم أحسن إليك ؟ قال: بلى، قال: فما حملك على ذلك ؟ قال: إني شحذته أربعين صباحا، وسألت الله أن يقتل به شر خلقه. فقال الحسن لحذيفة: كيف ظفرت بعدو الله ؟ قال: كنت نائما وزوجتي إلى جانبي إذ سمعت نعي جبرائيل ينعي أمير المؤمنين أباك في السماء، فأيقظتني زوجتي وقالت لي: أنت نائم لا نامت عيناك وقد قتل أمير المؤمنين، فقلت مكذبا لها: فض الله فاك، قد ألقى الشيطان على سمعك ذلك، فقالت: والله ما أظن بيتا في الكوفة إلا دخله صوت التعزية من السماء وترديد القول بالنعاء، فوهى فؤادي وتحدرت مدامعي، فظللت مبهوتا، وإذا الناعي ينعي أباك في الازقة والطرقات، والناس لا تفيق من البكاء والنحيب في كل جهة، فمددت يدي إلى قائم سيفي وسللته من غمده ونزلت حتى صرت في الجادة، وإذا بعدو الله يطلب مهربا وقد انسدت عليه الطرق في وجهه، فقلت: من أنت ؟ فتسمى لي بغير اسمه، فسألته عن الصيحة وقتل أمير المؤمنين، فقال: لا علم لي بذلك، قلت: هلا تجي معي نتحقق الخبر، قال: أنا ماض (لا) أمرأهم من ذلك، قلت: أظن أنك قاتله، فأراد أن يقول لا فقال نعم، فهممت عليه فراغ عني، وإذا ببريق سيفه تحت ثيابه فتحققت أنه قاتل أمير المؤمنين، فعلوته بسيفي، فسقط إلى الارض، فوقعت عليه، فخرج من أهل الجادة من ساعدني عليه وجئت به يا سيدي، فقال: الحمد لله الذي نصر وليه وخذل

[ 59 ]

عدوه، فابشر يا حذيفة بمغفرة ذنوبك، ولله در من قال: [ قل لابن ملجم والاقدار غالبة * هدمت ويحك للاسلام أركانا ] [ قتلت أفضل من يمشي على قدم * وأحسن الناس إسلاما وإيمانا ] [ وأعلم الناس بالقرآن ثم بما * سن الرسول لنا علما وتبيانا ] [ صهر النبي ومولاه وناصره * أضحت مناقبه نورا وبرهانا ] [ وكان منه على رغم الحسود له * مكان هارون من موسى بن عمرانا ] [ ذكرت قاتله والدمع منحدر * فقلت سبحان رب العرش سبحانا ] [ قد كان يخبرنا (أن) سوف يخضبها * شر البرية أشقاها وقد كانا ] قال: ولما حمل (ع) من مصلاه، والناس من حوله قد أشرفوا على الهلكة من شدة البكاء والنحيب، وبلغوا به منزله ومعهم ابن ملجم موثوقا، وأقبلت فضة أمة فاطمة الزهراء وبيدها حربة، فقالت: أموالي ذروني أضرب عدوالله بهذه الحربة فأشفي بعض جوى صدري، فقد أحرق فؤادي، وأقلق رقادي، وهيج حزني، وأوهى ركني، وأجرى دمعي، وهتك ستري، واجتث أصلي وفخري، وانقضت عليه كالشهاب، فقال لها الحسن (ع): اصبري يا أمة الله، وردها إلى الدار فقالت لابن ملجم: ويلك يا عدوالله أفجعتنا وجميع الاسلام، فمصيرك إلى النار، ولا بأس على سيدي فلقد قتل في جنب الله واختنقت بعبرتها، فقال لها ابن ملجم: يا أمة الله ابكي على نفسك إن كنت باكية، فلقد سقيته السم حتى عذقه، ولو كانت هذه الضربة على من في الارض لافنتهم جميعا. قال محمد بن الحنفية: لما طرحناه على فراشه أقبلت أم كلثوم وزينب وهما يندبانه ويقولان: من للصغير حتى يكبر، ومن للكبير بين الملا، يا أبتاه حزننا عليك طويل وعبرتنا لا تبرح ولا ترقى. قال: فضج الناس من وراء الحجرة بالبكاء والنحيب، وفاضت دموع أمير المؤمنين على خديه وهو يقلب طرفه وينظر إلى أهل بيته.

[ 60 ]

قال الاصبغ بن نباته غدونا على أمير المؤمنين (ع) ونحن نفر من أصحابه، فسمعنا البكاء في منزله، فبكيت حتى ارتفع صوتي بالبكاء، فخرج الحسن (ع) وقال: ألم أقل لكم انصرفوا، فقلت: لا والله يا ابن رسول الله، لا تحملني رجلي أن أنصرف ولم أر سيدي ومولاي وبكيت، ودخل الحسن فلم يلبث أن خرج إلي فأدخلني معه، فوجدته معصب الرأس بعمامة صفراء، فلم أشعر أن وجهه أشد صفرة من العمامة أو العمامة أشد صفرة منه، فنظرته وأنا أبكي، فقال لي: لا تبكي يا أصبغ، إنها والله الجنة. فقلت: جعلت فداك يا سيدي إنما لفقدي إياك، ثم دعا بابنيه الحسن والحسين وفتح يده وضمهما إلى صدره وعيناه تهملان دموعا، ثم أغمي عليه ساعة طويلة وأفاق، وهكذا كان رسول الله (ص) لما غلب عليه السم الساري في بدنه، فأتي له بقدح فيه لبن وعسل فشرب منه قليلا وقال: احملوه إلى أسيركم بحقي عليكم، طيبوا طعامه وشرابه، فقالوا: إنه قد أفجعنا فيك، فقال (ع): إنا أهل بيت لا نزداد على كثرة الاساءة لنا إلا إحسانا. قال حبيب بن عمر دخلت على أمير المؤمنين فحل لي عن جراحاته، فقلت: يا أمير المؤمنين ما جرحك هذا بشئ، وما عليك من بأس فقال (ع): إني مفارقكم، فبكيت وبكت أم كلثوم، فقال لها: يا بنية لوترين ما يرى أبوك ما بكيت، فقلت: ما ترى يا أمير المؤمنين ؟ فقال: أرى يا حبيبتي ملائكة السماء وملائكة الارض صفوفا بعضهم في اثر بعض يتلقوني، وأخي رسول الله جالس عندي يقول: فإن أمامك خير لك ولله در من قال: [ عين تروم فراق شخصك ساعة * كحلت بأميال العمى آماقها ] [ نفس للحظك لم تكن مشتاقة * ضربت بأسياف العدى أعناقها ] قيل وحضر عروة السلولي (1) وكان أعرف أهل زمانه بالطب، فذبح شاة


(1) وفي بعض الروايات: السكوني (المصحح). (*)

[ 61 ]

وأخرج من ريتها عرقا فأدخله في جراحته ثم أخرجه، وإذا عليه بياض الدماغ، فقال الطبيب بعد ان استعبر وبكى: أعهد عهدك يا أمير المؤمنين فإن الضربة وصلت إلى الدماغ. قال محمد بن الحنفية، فبينما نحن ليلة عشرين من شهر رمضان عند أبي علي (ع) وقد سرى السم في جميع بدنه الشريف، وكان تلك الليلة يصلي من جلوس وهو يعزينا على نفسه ويوصينا بما هو أهله من أفعال الخيرات واجتناب الشرور، ويكثر من ذكر الله تعالى وقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فلما أصبحنا أقبل الناس يعودونه ويسلمون عليه فيرد عليهم وهو يقول: سلوني قبل أن تفقدوني، قال الحسن (ع) فقلت سلوه قبل أن تفقدوه وخففوا سؤالكم عنه، فما زالوا يسألونه عما يريدون وهو (ع) يجيبهم ويعلمهم كثيرا من الاحكام، ويبين لهم من مسائل أصول الدين والاسلام، ويوعظهم بما يزجرهم من ارتكاب الآثام، قال: وكان ابن عباس حاضرا عنده، قال: وفي نفسي أن أسأله عن سبعين مسألة وأنا مشفق عليه لما أرى ما به، فما شعرت به إلا وقد قال لي: يا ابن العم عندك مسائل تريد أن تسألني عنها ؟ قلت: نعم، فاحتوى على ما في نفسي، وشرح لي عن كل مسألة مسألة، ثم قال: اثنوا لي الوسادة فثنيت له، فقال: الحمد لله قدره متبعين أمره كما أحب، ولا إله إلا الله الواحد، الاحد، الفرد، الصمد كما انتسب. أيها الناس كل امرء لاق لاق ما يفر منه في فراره، الاجل مساق النفس والهرب منه موافاته، كم اطردت الايام أبحثها عن مكنون هذا الامر، فأبى الله إلا اخفاءه. هيهات: علم مكنون. أما وصيتي فالله لا تشركوا به شيئا، ومحمد صلى الله عليه وآله فلا تضيعوا سنته، أقيموا هذين العمودين، وأوقدوا هذين المصباحين، وخلاكم ذم ما لم تشردوا. وحمل كل امرئ منكم مجهوده، وخفف عن الجهلة. رب رحيم وإمام دين عليم قويم، أنا بالامس صاحبكم وأنا اليوم عبرة لكم وغدا مفارقكم غفر الله لي

[ 62 ]

ولكم، إن تثبت الوطأة في هذه المزلة فذاك، وإن تدحض القدم فانا كنا في أفياء أغصان ومهاب رياح، وتحت ظل غمام اضمحل في الجو متلفقها، وعفا في الارض مخطها، وإنما كنت جارا جاوركم بدني أياما، وستعقبون مني جثة خلاء ساكنة بعد حراك وصامتة بعد نطق، ليعظكم هدوي، وخفوت إطراقي وسكون أطرافي فإنه أوعظ امري من النطق البليغ والقول المسموع، وداعي لكم وداع مرصد للتلاقي ! غدا ترون أيامي ويكشف لكم عن سرائري وتعرفوني بعد خلو مكاني وقيام غيري مقامي، فإن أبقى فأنا ولي دمى، وإن أفنى فالفناء ميعادي، العفو لي قربة ولكم حسنة فاعفوا واصفحوا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ؟ فيا لها حسرة على كل ذي غفلة ان يكن عمره عليه حجة أو توديه إلى النار شقوة، جعلنا الله وإياكم ممن لا تقتصر به عن طاعة الله رغبة أو تحل به بعد الموت نقمة، فإنما نحن له وبه، ثم أقبل علينا يوصينا، وقال: يا حسن ضربة مكان ضربة ولا تأثم. وجاء جماعة من اليهود وأستأذنوا عليه في تلك الساعة فأذن لهم، فدخلوا عليه وأسلموا على يديه، وأخبرهم عن كثير من الاحكام، ثم سألوا عن سبب إسلامهم قالوا: نعم رأينا الساعة المياه قد تكدرت والهواء قد سكن، والجو قد اسود، والبهائم قد صفت آذانها، والسحاب قد أقبل على داره، والطير قد رفرف على بيته، فعلمنا أنه وصي نبي، وذلك مكتوب في التوراة. ثم قال: (ع): أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته، اختاره لعلمه وارتضاه لخلقه، وأن الله باعث من في القبور، وسائل الناس من أعمالهم، عالما بما في الصدور، أوصيك يا حسن وكفى بك وصيا بما أوصاني به جدك رسول الله، فإذا كان ذلك يا بني فالزم بيتك وابك على خطيئتك، ولا تكن الدنيا أكبر همك، وأوصيك بالصلاة عند وقتها، والزكاة عند محلها، والصمت عند الشبهة، والاقتصاد في العطاء، والعدل في الرضى والغضب، وحسن الجوار، وإكرام الضيف،

[ 63 ]

ورحمة المجهود، وحب المساكين، ومجالستهم، والتواضع لهم، فإنه من أفضل العبادات وقصر الامل، وذكر الموت والزهد في الدنيا، فإنك رهين موت، وغرض بلاء، وطريح سقم، وأوصيك يا بني بخشبة الله في سرك وعلانيتك، وإياك ومواطن التهمة، والمجلس المظنون به السوء، فإن قرين السوء في جليسه، وكن لله يا بني ذاكرا، ولنعمائه شاكرا، وللبلاء صابرا، وعن المنكر ناهيا، بالمعروف آمرا، ودار الفاسق لدينك، وأبغضه بقلبك، وزايله بأعمالك، لئلا تكون مثله، وإياك والجلوس في الطرقات، ودع المماراة ومجاراة من لا عقل له، واقصد يا بني في مشيتك واقتصد في معيشتك، والزم الصمت تسلم، وقدم لنفسك تغنم، وتعلم الخير، وكن لله ذاكرا على كل حال، وارحم من أهلك الصغير، ووقر الكبير، ولا تأكل طعاما حتى تتصدق منه قبل أكله، وعليك بالصوم، فإنه زكاة البدن، وجنة لاهله من النار، واحذر جليسك واجتنب عدوك، وعليك بمجالسة أهل الذكر، وأكثر من الدعاء وخالط الناس مخالطة إن مت بكوا عليك، وإن غبت عنهم اشتاقوا إليك، فإني إليك يا بني ناصحا، وهذا فراق بيني وبينك، وأوصيك بأخيك محمدا خيرا، فإنه ابن أبيك، وأنت تعلم حبي له، وأما أخوك الحسين فلا أزيدك الوصاة في حقه، والله خليفتي عليكم، وإياه أسأل أن يصلحكم وأن يكف بأس الطغاة البغاة عنكم، والصبر الصبر حتى ينزل الامر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم قال: يا حسن إذا مت فغسلني وحنطني ببقية حنوط جدك رسول الله وأمك، فإنه من كافور الجنة جاء به جبرائيل يوم مات رسول الله، ولا تغال في كفني، ثم ضعني على السرير، ولا يحمل أحد منكم مقدمه، فإذا رأيتم مقدمه قد ارتفع فارفعوا أنتم مؤخره، فإن الله عزوجل يأمر جبرائيل وميكائيل [ أن ] يرفعونه، فإذا وضع المقدم فضعوا أنتم مؤخره فإنه موضع قبري، ثم تقدم يا حسن وصل علي وكبر سبعا، واعلم أنه لا يجوز إلا علي ورجل يخرج في آخر

[ 64 ]

الزمان اسمه القائم المهدي من ولد أخيك الحسين، ثم زحزحوا السرير واكشفوا التراب عنه، فإنكم ترون لحدا محفورا وساجة منقورة، فإذا وضعتموني [ في ] قبري واشرجتموه فعد إلي النظر، فإنك لا تجدني فإني ألحق بجدك رسول الله فاجتمع به، فإنه مامن نبي يموت ولو كان بالمغرب وبموت وصيه بالمشرق إلا ويجمع الله بين روحيهما وجسديهما، ثم يفترقان كل واحد إلى تربته التي أعدت له. ثم قال: يا أبا محمد ويا أبا عبد الله، كأني بكما وقد خرجت عليكما الفتن من ها هنا وها هنا، فاصبرا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين. ثم قال: أما أنت يا أبا محمد ستقتل مسموما مضطهدا، وأما أنت يا أبا عبد الله فشهيد هذه الامة، فعليك بتقوى الله والصبر الجميل. ثم نادى أولاده واحدا بعد واحد، إناثا وذكورا، صغيرا وكبيرا، وأوصاهم بطاعة الله وطاعة أخويهم الحسن والحسين (ع) وشفتاه تختلجان بذكر الله تعالى، وجبينه يرشح عرقا وهو ينشفه بيده، فقال له ابنه الحسن، يا أبه أراك تمسح جبينك، فقال: سمعت جدك رسول الله يقول: إن المؤمن إذا نزل به الموت عرق جبينه وسكن أنينه. ثم أدار عينيه في أولاده وأهل بيته واحدا بعد واحد وهو يقول: أستودعكم الله، حفظكم الله، وهو خليفتي عليكم وكفى به خليفة. ثم قال: (لمثل هذا فليعمل العاملون) (1) ثم مد يديه ورجليه وغمض عينيه، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم قضى نحبه صلوات الله وسلامه عليه، فأقاموا عزاءه، وارتفعت الاصوات بالنياحة والعويل من أهل بيته ونسائه وهن حاسرات، وخرجت نساء بني هاشم، مشققات الجيوب، ناشرات الشعور، لاطمات الخدود، وارتجت الكوفة بالنياحة والعويل، ودهش الناس وصار كأنه اليوم * (هامش ص 64) (1) سورة الصافات، الآية: 61. *

[ 65 ]

الذي مات فيه رسول الله، وأقبل الناس من كل فج، وأخذتهم الرجفة والزلزلة، وأظلمت الدنيا، واغبر الافق، وكسفت الشمس، وما قلب في ذلك اليوم حجر إلا وجد تحته دم عبيط، وكثر النوح من تحت الارض من الجن، وسمع الناس جبرائيل مع الملائكة ينعونه في السماء وقائلا يسمع صوته ولا يرى شخصه يقول: [ بنفسي ومالي ثم أهلي وأسرني * فداء لمن أضحى قتيل ابن ملجم ] [ علي أمير المؤمنين ومن بكت * لمقتله البطحاء وأكناف زمزم ] [ وظل له أفق السماء كأنه * شقيقة ثوب لونها لون عندم ] [ وناحت عليه الجن إذا فجعت به * حنينا كثكلى نوحها بترنم ] [ تكاد الصفا والمروتان كلاهما * يهدا وبان النقص في ماء زمزم ] [ لفقد علي خير من وطأ الثرى * أخي المصطفى الهادي النبي المكرم ] قال وعن رزين قال: كنت بالرحبة فسمعت غلاما يقول: مات أمير المؤمنين (ع) ورب الكعبة، قال: فقمت إليه وضربته وقلت له: ما تريد من المصالح، قال: كنت أرعى الاغنام منذ خمسين سنة، وكانت الذئاب تقع فيها فتدفع عن نفسها، وأرى هذه الساعة الرعاة يضجعون من كل ناحية وما ذاك إلا فقد إمام عادل. قال: فرحلت راحلتي ودخلت الكوفة فجرا وإذا الناس يضجون من كل ناحية مات أمير المؤمنين وسيد الوصيين ولله در من قال: [ عليك أمير المؤمنين تأسفي * وحزني وإن طال الزمان طويل ] [ جللت فجل الرزء فيك على الورى * كذا كل رزء للجليل جليل ] [ مصاب أصيب الدين منه بفادح * تكاد له شم الجبال تزول ] [ فليس بمجد فيك وجدي ولا البكا * مفيد ولا الصبر الجميل جميل ] [ وإن سئم الباكون فيك بكائهم * ملالا فإني للبكاء مطيل ] [ فما خف من حزني عليك تفجعي * ولا جف من دمعي عليك مسيل ] [ وينكر دمعي فيك من باب قلبه * خليا وما دمع الخلى هطول ]

[ 66 ]

[ وماهي إلا فيك نفس نفيسة * يحللها حر الاسى فتسيل ] [ تباين فيك القائلون فمعجب * كثير وذو حزن عليك قليل ] [ فأجر بنى الدنيا عليك لشأنهم * دني وأجر المخلصين جزيل ] [ عليك سلام الله ما اتضح الضحى * وما عاقبت شمس الاصيل أفول ] قال محمد بن الحنفية: ثم أخذنا في جهاز أبي ليلا، وهي الليلة الحادية والعشرون من شهر رمضان. قال: وكان الحسن (ع) يغسله، والحسين (ع) يصبب الماء عليه، وأخرجت زينب الحنوط الذي أوصى به، فشمل أهل الكوفة ريحه، لانه كان من كافور الجنة، ثم لفوه في خمسة أثواب، ثم وضعوه على السرير، ودخل عليه رجل أزهري اللون وانتحب وبكى برفيع صوته ودمعه كالسيل الجاري، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا سيد الوصيين، السلام عليك يا وصي خاتم الوصيين، انفصمت بك والله خلافة الانبياء فرحمك الله يا أبا الحسن، وكنت أول القوم إسلاما، وأخلصهم إيمانا، وأشدهم يقينا، وأخوفهم لله، وأعظمهم عند الله بلاء، وأحفظهم ميثاقا، وأكرمهم سوابقا، وأرفعهم درجة، وأشرفهم منزلة ومحلا، فجزاك الله عنا وعن الاسلام خير الجزاء، برزت به إذا تأخروا ونهضت به إذا وهنوا، ولزمت منهاج ابن عمك رسول الله (ص)، كنت له خليفة حقا، لم تنازع فيها، ولم تعجل على المنافقين الذين تعدوا عليك في أخذها، صبرت على كظم الغيظ، وكثرة الحاسدين وضغن، الفاسقين، قمت بالامر حين فشلوا، ومضيت بنور الله إذ وقفوا، كنت أحفظهم صوتا، وأعلاهم فضلا، وأقلهم كلاما، وأصوبهم منطقا، وأحسنهم رأيا، وأشجعهم قلبا، وأحسنهم عملا، وأعرفهم للامور، كنت والله للدين يعسوبا حين تفرق الناس، كنت للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا، وحملت أثقالهم حتى قضيت نحبك مأجورا، وحفظت إذ ضاعوا، كنت للكافرين عذابا صبا والمؤمنين غيثا وخصبا، حضيت والله

[ 67 ]

بنعمائها، وفزت بحبورها، لم تهلك الصفوف، ولم تكثرت بالالوف، ولم يزغ قلبك، ولم تضعف بصيرتك، كنت ولم تجبن نفسك كالجبل العظيم الذي لا تحركه العواصف، ولا تزيله القواصف، كنت كما قال ابن عمك رسول الله ضعيفا في بدنك، قويا في ذات الله، متواضعا في نفسك، عظيما عند الله ورسوله، جليل عند المؤمنين، لم يكن لاحد فيك مهمز، ولا لقائل فيك مغمز، ولا لاحد عندك هوادة الضعيف، والقوي عندك واحد، والقريب والبعيد عندك سواء في العطاء، تأخذ للضعيف من القوي، ولا تأخذك في الله لومة لائم، وقولك حق، وأمرك حتم، ورأيك علم، فانقرضت وقد أوضح بك السبل، وأطفئت بك النيران، واعتدل بك الدين، وقوي بك الاسلام، فجللت عين من لا يبكي عليك، وقد عظمت رزيتك في السماوات والارض، وقد هدت مصيبتك جميع الاسلام وجميع الانام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاءه وسلمنا إليه أمره، فوالله لن يصاب الاسلام بمثل مصيبتهم بك، كنت لهم كهفا حصينا، وعلى الكافرين غيظا، فألحقك الله بنبيه، ولا حرمنا الله أجرك، ولا أضلنا بعدك. وكان الناس كلهم يبكون لما يسمعون من كلامه، ثم انتحب باكيا ثم انتحب باكيا وانكب عليه يقبله والناس مما عاينوه منه سكارى كأنهم سقوا خمرا، ثم غاب ولم يعلمه، فسألوا الحسن (ع) وهو يبكي، فقال: هذا أخوه الخضر، ثم تأوه (ع) وقال: لاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنا لله وإنا إليه راجعون، وا انقطاع ظهراه وا أبتاه وا علياه وا فاطماه وا محمداه من أجلكم تعلمنا البكاء، فإلى الله المشتكى وهو المستعان على الامور كلها. ثم ارتفع مقدم السرير، فرفع الحسن والحسين (ع) مؤخره ونحن نسمع تسبيحا، وتقديسا، وتكبيرا، وتهليلا من أعلى الهواء، وقائلا يقول: أحسن الله لكم العزاء في سيدكم حجة الله، وأعظم لكم الاجر وجزاكم أحسن الجزاء، والصوت يردد هذه التعزية على هذه الصفة وخرجن نساء أهل الكوفة

[ 68 ]

وهن بحالة تصدع القلوب القاسية بالندب والبكاء فردهن الحسن (ع)، وان الحيطان والجدران والنخيل والاشجار لتنحني على سريره إجلالا له وشوقا، حتى إذا بلغوا به الغري فوضع المقدم فوضعوا المؤخر، ثم تقدم الحسن وصلى عليه كما أمره، وكشفوا التراب وإذا بقبر محفور ولحد مشقوق وساجة منقورة مكتوب عليها بخط حسن: (هذا قبر ادخره نوح النبي للعبد الصالح والميزان الراجح والصراط الواضح والعلم اللائح والزناد القادح، سراج الامة والكاشف عن وجه رسول الله (ص) الغمة، إمام المشارق والمغارب علي بن أبي طالب (ع). ثم سمعوا هاتفا يقول: انزلوا الجسد الطاهر في التربة الطاهرة، فلقد اشتاق الاب إلى ولده، والحبيب إلى حبيبه. فألحده الحسن (ع) وخرج من قبره، فوقف عليه صاحبه صعصعة بن صوحان العبدي وأرسل دموعه كالسيل الجاري وهو يقول: هنيئا لك يا أبا الحسن بهذه الشهادة وهذه التربة، فلقد طبت وطاب مولدك فطيب الله بك التراب، وقد عظم صبرك، وارتفع قدرك وجاهك، وربحت تجارتك، ولحقت بدرجة ابن عمك محمد المصطفى (ص)، وشربت بكأسه الاوفى، فلقد من الله علينا بك، وباقتفاء أثرك، والعمل بسيرتك، وبموالاتك، ومعاداة عدوك، فنسأل الله أن يحشرنا في زمرتك، فلقد نلت من الشرف ما لم ينله أحدا، وأدركت ما لم يدركه مجتهد، ولقد جاهدت الفجار والكفار بين يدي رسول الله (ص) حتى أقيمت بك السنن، وارتفعت بك الفتن، واستقام بك الاسلام، وانتظم من أجلك الايمان، فكم قصم الله بك من جبار عنيد وذي بأس شديد، وكم هدم بك من حصون الكفر والضلال، فهنيئا لك لك يا أمير المؤمنين، كنت أقرب الناس إلى رسول الله نسبا، وأولهم سلما، وأكثرهم علما، وأسخاهم كفا، وأعدلهم قسما، وأقربهم جاها، فعليك السلام ورحمة الله وبركاته. فبكى وأبكى جميع من حضر، ثم أشرجوا عليه اللبن، وأهالوا عليه

[ 69 ]

التراب، وسويت الارض، ثم رفعوا لبنة من قبره من عند الرأس الشريف، ونظروا فإذا ليس في القبر أحد والهاتف يقول: كان عبدا صالحا فألحقه الله بنبيه محمد (ص)، وكذلك يفعل بالانبياء، حتى لو أن نبيا مات بالمشرق والوصي بالمغرب لالحق الله النبي بالوصي. ولله در من قال: [ آه لها من حسرة لا تنقضي * طول الزمان وعبرة لا تنفذ ] [ بالله يا حادي السرى سحرا إذا * وافاك ربع للوصي ومعهد ] [ فاقبل وقبل بالجفون ترابه * فترابه لقذى النواظر أئمد ] [ وقل السلام عليك يا من عنده * يهبط أملاك السماء ويصعد ] قال ورجع الحسن والحسين ومن معهما من خواصهما وأهل بيتهما، مروا على مكان خرب من الكوفة، فسمعوا أنينا، فقفوا أثره، فإذا به رجل قد توسد لبنة وهو يحن حنين الثكلى الوالهة، فوقف عنده الحسن والحسين وسألاه عن حاله، فقال: إني رجل غريب لاأهل لي قد أعوزتني المعيشة، وأتيت إلى هذه البلدة منذ سنة، وكل ليلة يأتيني شخص إذا هدأت العيون بما أقتات به من طعام وشراب، ويجلس معي يؤنسني ويسليني عما أنا فيه من الهم والحزن وقد فقدته منذ ثلاثة أيام، فقالا له (ع) وهما يبكيان: صفه لنا، فقال: إني مكفوف البصر ولا أبصره، فقالا: ما اسمه ؟ قال: كنت أسأله عن اسمه فيقول: إنما أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، فقالا له: اسمعنا من حديثه، قال: دأبه التسبيح، والتقديس، والتكبير، والتهليل، وإن الاحجار والحيطان تجيب بإجابته، وتسبح بتسبيحه، وتكبر بتكبيره، وتهلل بتهليله، وتقدس بتقديسه، فقالا له: هذه صفات سيدنا ومولانا أمير المؤمنين (ع)، فقال الرجل الغريب: ما فعل الله به ؟، فقالا (ع) وهما يبكيان: قد أفجعنا فيه أشقى الاشقياء ابن ملجم المرادي، وها نحن راجعون من دفنه. فلما سمع ذلك منهما لم يتمالك دون أن رمى بنفسه على الارض وجعل يضرب برأسه الاشجار، ويحثو على رأسه التراب، ويصرخ صراخ المعولة الفاقدة، فأبكى

[ 70 ]

من كان حاضرا، ثم قال لهما: بالله ما اسمكما واسم أبيكما ؟ فقالا له: أبونا أمير المؤمنين (ع) علي بن أبي طالب، وأنا الحسن، وهذا أخي الحسين، وهؤلاء بقية أولاده وأقربائه وجملة من أصحابه راجعين من دفنه، فقال: سألتكما بالله وبجدكما رسول الله وأبيكما ولي الله إلا ما عرجتما بي على قبره لاجدد به عهدا، فقد تنغص عيشي بقتله وتكدرت حياتي بعد فقده. فأخذه الحسن (ع) بيده اليمنى، والحسين (ع) بيده اليسرى، والناس من رائهما بالبكاء والعويل المقرح للاكباد، حتى أتوا إلى القبر المنور، فجثى عليه وجعل يمرغ نفسه عليه ويحثو التراب على رأسه، حتى غشي عليه وهم حوله يبكون، وقد أشرفوا على الهلاك من كثرة البكاء والنحيب، فلما أفاق من غشوته رفع كفيه إلى السماء وقال: أللهم إني أسألك بحق من سكن هذه الحفرة المنورة أن تلحقني به وتقبض روحي إليك، فإني لا أقدر على فراقه ولا أستطيع التحمل لوجده واشتياقه، فاستجاب الله دعاؤه، فما وجدوه إلا مثل الخشبة الملقاة، فجهزوه، وقيل دفنوه بجنب أمير المؤمنين (ع): يا قبر سيدنا المجن سماحة * صلى عليك الله يا قبر فليعذبن سماح كفك في التراب * وليورقن بجنبك الصخر والله لو بك لم أدع أحدا * إلا قتلت لفاتني الوتر قال الراوي: قال حبيب بن عمر: لما رجع الحسن (ع) من دفن أبيه تلك الليلة وهي الليلة الحادية والعشرون من شهر رمضان، رقى المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على جده، ثم قال: أيها الناس إن في هذه الليلة نزل القرآن، وفي هذه الليلة رفع عيسى ابن مريم (ع)، وفي هذه الليلة قتل يوشع بن نون، وفي هذه الليلة مات أبي أمير المؤمنين، إنه كان لا يسبقه أحد كان قبله من الاوصياء ولا بعده، وإنه كان رسول الله ليبعثه في السرية فيقاتل جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن شماله، ومات ولم يورث بيضاء ولا صفراء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطاياه، كان

[ 71 ]

يجمعها ليشتري بها خادما لاهله، ثم خنقته العبرة وبكى. ثم نزل عن المنبر وصلى بأهله وخاصته صلاة الصبح، ثم جلس في معزا أبيه، فأتت الناس إليه التعزية. ثم انه (ع) أمر بإحضار اللعين ابن ملجم، فلما مثل بين يديه قال للحسين: يا أبا محمد إني ما أعطيت الله عهدا إلا وفيت به، وإني عاهدت الله أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما، وقد قتلت أباك، فإن شئت خليت بيني وبين معاوية ولك الله على إن قتلته لآتينك حتى أضع يدي في يدك. فقال الحسن: لا والله حتى تعاين النار. ثم قال للحسن: يا ابن رسول الله إني أريد أن أسارك بكلمة، فأبى الحسن وقال: إنه يريد أن يكدم على أذني، فقال الملعون: أي والله لو أمكنني منها لقلعتها من صماخها. ثم تراددوا في القول كيف يقتلونه، فقال الحسن: أنا ماض فيه بما أوصاني به أبي ضربة بضربة ولا تأثم، فأني سمعت رسول الله يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور. ثم أبركوه على ركبتيه وقام الحسن وضربه ضربة بالسيف شق بها رأسه، فانقلب عدو الله يخور في دمه لا رحمه الله تعالى، وقيل استوهبت جثته أم الهيثم زوجة حذيفة بن اليمان وأحرقتها بالنار، وأما شبيب بن بحرة فلقيه رجل حين أصيب أمير المؤمنين (ع) وخرج من الجامع فصرعه وبرك عليه يريد قتله، فرأى الناس يقصدونه، فخشي أن يكونوا عليه، فخلاه حتى دخل منزله، فرآه ابن عم له يحل الحرير من صدره، فقال له: لعلك قتلت أمير المؤمنين، فأراد أن يقول: لا، فقال نعم، فقتله، وأما الثالث فلم يظفر به أحد، قيل وكانت قطام جالسة على روشن لها، فسمعت ضجيج الناس وقائلا يقول: قتل أمير المؤمنين، فصفقت كفيها فرحا، فأقلب الله عليها الروشن، فما وجدوها إلا كالرغيف المحترق وعجل الله بروحها إلى النار، وأما اللذان تعاقدا مع ابن ملجم على قتل علي ومعاوية وابن العاص، فقد خاب أملهما وقتلا، أما ابن العاص فاستخلف على الصلاة تلك الليلة خارجة العامري فظن عمرو التميمي أنه ابن العاص [ فضربه فمات خارجه من

[ 72 ]

تلك الضربة ] ثم قتل، وأما معاوية فأصابه البرك في اليتيه ثم قتل. وسلم معاوية وفيه يقول ابن زيدون: [ فليتها إذ فدت عمرا بخارجة * فدت عليا بما شاءت من البشر ] وكتب ابن العاص إلى معاوية بن أبي سفيان يخبره بقتل علي وسلامته. فبلغه الكتاب وكان في مجلسه ضرار بن ضمرة، فقال له: صف لي عليا يا ضرار - مظهرا للشماتة - فقال: اعفني من ذلك، قال له معاوية: لا أعفيك، فقال ضرار: رحم الله أبا الحسن عليا، كان فينا كأحدنا، ينبئنا إذا استنبأناه ويجيبنا إذا سألناه، ويقربنا إذا أردناه، لا يغلق دوننا بابه، ولا يمنعنا حجابه، ونحن والله مع تقربه إلينا وقربة منا لا نكلمه هيبة منه، وكان إذا ابتسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة عن لسانه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، كان والله غزير الدمعة، كثير الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، ويناجي ربه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب،، كان يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في بطشه، ولا ييأس الضعيف من عدله. فقال معاوية وهو يبكي: زدني يا ضرار: فقال ضرار: رحم الله أبا الحسن، كان طويل السهاد قليل الرقاد، يتلو كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار، فكيف بك يا معاوية لو رأيته في محرابه وقد أرخى الليل سدوله وغابت نجومه، وهو قابض على لحيته يتململ تململ السليم، ويئن أنين السقيم، ويبكى بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غري غيري أبي تعرضتي أم إلي تشوقتي، هيهات هيهات قد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وخطرك كبير، وعيشك حقير، ثم يقول: آه آه لبعد السفر، وقلة الزاد، ووحشة الطريق، وعظم السرى. فبكى معاوية وجلساؤه، ثم قال: يا ضرار كان والله أبو الحسن كذلك وأكثر، ثم قال معاوية: رحمك الله يا أبا الحسن، كنت عفيا عمن جنى

[ 73 ]

عليك، حليما بما سطى عليك، رقيق القلب، فكيف صبرك عنه يا ضرار ؟ فقال: صبري والله صبر من ذبح ولدها الواحد في حجرها بعد كبرها، فهي لا ترقى لها عبرة، ولا تبل لها حسرة، ولا تبرد لها زفرة. ثم قال: معاوية لاصحابه: أما إنكم لو فقدتموني ما كان فيكم من يثني علي مثلما يثني هذا على صاحبه علي، فقال له بعضهم: الصاحب على قدر صاحبه. وشوهدت أم شيبان المذحجية بحضرة معاوية بهذه الابيات تقول: [ لما ملكت أبا الحسين فلم تزل * بالحق تعرف هاديا مهديا ] [ فاذهب عليك صلاة ربك ما دعت * فوق الاراك حمامة قمريا ] [ قد كنت بعد محمد خلفا لنا * أوصى إليك بنا وكان وفيا ] [ فاليوم لا خلف نؤمل بعده * هيهات نأمل بعده انسيا ] قيل وبعث معاوية إلى دارمية الحجونية، فلما حضرت عنده قال لها: أتدرين لم بعثت إليك ؟ قالت: لا يعلم الغيب إلا الله تعالى، قال: بعثت إليك لاسألك عن حبك لعلي وبغضك إلي، واليتيه وعاديتني، قالت: اعفني، قال: لا أعفيك، قالت: إذا أبيت فإني أحببت عليا على عدله في الرعية، وقسمته بالسوية، وبغضتك على تقدمك على من هو أولى منك بالامر وطلبك ما ليس لك بحق، وواليت عليا على ما عقده له رسول الله من الولاية، وعلى حبه المساكين وتعظيمه لاهل الدين، وعاديتك على سفكك الدماء، وجورك في القضاء وحكمك في الهوى. وروي أنه قدمت عليه سودة بنت معمر الهمدانية شاكية من عامله بشر بن أرطأة وقد جار فيهم، فقالت: يا معاوية إن معاوية إن عزلته عنا شكرناك أو إلى الله شكوناك، فقال معاوية: والله لاحملنك إليه على قتب الشوس فينفذ فيك حكمه، فأطرقت رأسها ساعة ثم رفعت رأسها باكية حزينة وهي تنشد وتقول: [ صلى الآله على جسم تضمنه * قبر فأصبح فيه العدل مدفونا ] [ قد حالف الحق لا يبغي به بدلا * فصار بالحق والايمان مقرونا ]

[ 74 ]

ثم قال: يا سودة من هذا الذي قلت فيه هذين البيتين ؟ قالت: هو والله زوج البتول فاطمة بنت الرسول، هو والله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، اعلم يا معاوية أني جئته مثل مجيئي لك شاكية إليه من رجل ولاه علينا وجار فينا، فصادفته قائما يريد الصلاة، فعلم حين رآني أني شاكية، فأقبل علي بوجه طلق ورحمة ورفق، وقال لي: ألك حاجة ؟ فقلت: نعم يا مولاي. فأخبرته، فبكى رحمة لي، ثم قال: أللهم إنك تعلم أني لم آمره بظلم، ثم أخرج من جيبه قطعة جلد وكتب فيها (بسم الله الرحمن الرحيم، قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين) (1) فإذا قرأت كتابي هذا فاحفظ ما عندك وما بين يديك من عملك حتى يأتي من بقبضه منك والسلام. ثم دفع إلي الكتاب وانصرف عنا معزولا، فقال معاوية: اكتبوا لها ما تريد واصرفوها مكرمة غير شاكية. ورثاه أبو الأسود الدؤلي وقيل لغيره بهذه الابيات: [ ألا يا عين ويحك فاسعدينا * ألا فابكي أمير المؤمنينا ] [ وابكي خير من ركب المطايا * وفارسها ومن ركب السفينا ] [ ومن لبس النعال ومن حداها * ومن قرأ المثاني والمبينا ] [ ومن صام الهجير وقام ليلا * وناجى الله رب العالمينا ] [ إماما صادقا برا تقيا * فقيها قد حوى علما ودينا ] [ شجاعا أشوسا بطلا هماما * ومقداما لآساد العرينا ] [ زكيا سيدا قرما هزبرا * حميا أروعا بطلا بطينا ] [ مضى بعد النبي فدته نفسي * أبو حسن وخير الصالحينا ] [ إذا استقبلت وجه أبي حسين * رأيت البدر راع الناظرينا ] (هامش ص 74) (1) سورة الاعراف، الآية: 85. *

[ 75 ]

[ وكنا قبل مقتله بخير * نرى المولى رسول الله فينا ] [ يقيم الدين لا يرتاب فيه * ويقضي بالفرائض مستبينا ] [ فلا والله لا أنسى عليا * وحسن صلاته في الراكعينا ] [ فلا يفرح معاوية بن حرب * فلا قرت عيون الشامتينا ] [ وقل للشامتين بنا رويدا * سيلقى الشامتون كما لقينا ] [ أفي الشهر الحرام فجعتمونا * بخير الخلق طرا أجمعينا ] [ كأن الناس مذ فقدوا عليا * نعام جال في بلد سنينا ] [ فلو إنا سألنا المال فيه * بذلنا المال فيه والبنينا ] [ فلا يفرح معاوية بن حرب * فإن بقية الخلفاء فينا ] قيل ومن خواص تربته (ع) إسقاط عذاب القبر، وترك محاسبة منكر ونكير. وعن أبي عبد الله (ع) أنه قال: بين قبره والكوفة دار السلام محشر أرواح المؤمنين، وكأني بأناس منهم على منابر من نور يتنعمون إلى يوم القيامة. وروي أنه (ع) خرج يوما إلى ظهر الغري، وإذا برجال ومعهم جنازة، فسلموا عليه، فرد عليهم السلام، ثم قال لهم: من أين أقبلتم ؟ فقالوا: من اليمن، فقال: لمن هذه الجنازة ؟، فقال أحدهم: هذي جنازة والدي، وقد أوصاني أن أدفنه هنا، فقلنا: لماذا يا أبتاه وهو مكان شاسع ؟ فقال: إنه سيدفن بهذه الارض رجل يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر، ولا سبيل على هذه الارض لاجل من يقبر فيها، فقال (ع): أنا والله ذلك الرجل، فدفنوه وانصرفوا. ولله در من قال: [ إذا مت فادفني مجاور حيدر * أبا شبر أكرم به وشبير ] [ فتى لا يخاف النار من كان جاره * ولا يختشي من منكر ونكير ]

[ 76 ]

[ جوار علي فادفنوني فإنه * أميري ومن حر الجحيم مجيري ] [ أأظمأ وهو العذب في كل مورد * وأظلم بين الناس وهو خفيري ] [ فعار على حامي الحمى وهو في الحمى * إذا ضل في البيدا عقال بعيد ] وعن الرضا (ع) قال: إن لكل إمام عهدا في عنق أوليائه وشيعته، وإن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الاداء زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقا لما رغبوا فيه كانوا أئمتهم وشفعائهم يوم القيامة. وعن الصادق (ع) أنه قال: من زار إماما مفترض الطاعة وصلى عند قبره أربع ركعات، كتب الله له حجة مبرورة وعمرة، ومن زار واحدا منا كان كمن زار رسول الله. وعنه أيضا أنه قال: من زار أمير المؤمنين ماشيا كتب الله له بكل خطوة حجتين وعمرتين. وقال (ع) وقد سأله ابنه الحسن يا أبت ما لمن زار قبرك بعد موتك ؟ قال: يا بني من أتاني زائرا بعد موتى فله الجنة، ومن أتى أخاك زائرا فله الجنة، ومن أتاك زائرا بعد موتك فله الجنة. قال رسول الله (ص) للحسين: يا بني تزوركم بعد موتكم طائفة من أمتي يريدون بذلك بري وصلتي، فإذا كان يوم القيامة زرتها في مواقفها وأخذت بأعضادها وأدخلتها الجنة، ثم قال لعلي (ع): لتقتلن بأرض العراق وتدفن بها، وزواركم هم المخصوصون بشفاعتي يوم القيامة، فابشر وبشر محبيك، فإن لهم في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأن حثالة طائفة من الناس يعيرون زوار قبوركم كما تعير الزانية بزناها في آخر الزمان، أولئك شرار أمتي يوم القيامة. وروى صفوان الجمال قال: كنت عند مولاي جعفر بن محمد الصادق، وكنا نسير إلى نجف الكوفة، فلما بلغنا إلى هذا المكان المعروف بالاكمة، قال لي: أنخ الناقة، فأنختها، فقام واغتسل، واحتفى، وتضرع، وقال لي:

[ 77 ]

افعل كما فعلت، ثم قال لي: قصر خطاك فإن لك بكل خطوة مائة ألف حسنة، وتمحى عنك مائة ألف سيئة، وترفع لك مائة ألف درجة ويكتب لك ثواب كل شهيد وصديق مات أو قتل في سبيل الله. ثم مشى ومشيت خلفه وعلينا السكينة والوقار، ونحن نسبح الله ونقدسه ونهلله، إلى أن بلغنا الاكمة، فوقف، فنظر يمنة ويسرة وخط بعكازه خطا وقال لي: اطلب فطلبت، وإذا أنا بأثر قبر في الخط الذي خطه، فأرسل دموعه وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قال: السلام عليك أيها الوصي البر التقي، السلام عليك أيها النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون وعنه مسؤولون، السلام عليك أيها الصديق الشهيد، السلام عليك أيها الصديق الزكي، السلام عليك أيها الوصي، وصي رسول رب العالمين، السلام عليك يا خيرة الله من الخلق أجمعين، أشهد أنك حبيب الله وخاصته وخالصته، السلام عليك يا ولي الله، وموضع سره، وعيبة علمه، وخازن وحيه. ثم أنه (ع) انكب على القبر وبكى بكاء شديدا وقال: بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين، بأبي أنت وأمي يا حجة الخصام، بأبي أنت وأمي يا باب الله والمقام، بأبي أنت وأمي يا نور الله التمام، أشهد أنك قد بلغت عن الله عزوجل ورسوله (ص) ما حملت، ورعيت وحفظت ما استودعت، وحللت ما حلل الله وحرمت ما حرم الله، وأقمت أحكام الله، ولم تتعد حدود الله، وعبدت الله مخلصا حتى أتاك اليقين، صلى الله عليك وعلى الائمة من ولدك. وصلى ركعتين عند رأسه الشريف، ثم قال لي: يا صفوان، من زار أمير المؤمنين (ع) بهذه الزيارة من قرب أو بعد، وصلى مثل هذه الصلاة، رجع إلى أهله مغفورا ذنبه، مشكورا سعيه، وكتب له ثواب من زاره من الملائكة وغيرهم.

[ 78 ]

ثم رجع (ع) مقهقرا وهو يقول: يا جداه، يا طيباه، يا طاهراه، لا جعله الله آخر العهد مني لزيارتك، ورزقني العود إليك وإلى المقام في حرمك، والسكون مع الابرار من ولدك الصالحين، والسلام عليك وعلى الملائكة المحدقين بك ورحمة الله وبركاته. فقلت: يا سيدي أتأذن لي أن أعلم الناس ؟ قال: نعم فأعطاني دراهم فأصلحت بها القبر، فكان ما هو الآن معروفا عند شيعته، وقد كان مختفيا لوصية سبقت منه لعلمه بما [ في ] قلوب المنافقين والمارقين، حتى قيل ان صبيحة دفنه أخرجوا أربعة ثوابيت، فبعثوا بواحد إلى بيت الله الحرام، وواحد إلى المدينة، وواحد إلى بيت المقدس، وأدخلوا بيته واحدا. وروي ان سبب ظهوره أن هارون الرشيد خرج يوما للصيد والقنص في ظاهر الكوفة، فرأى ظبيا كثيرا، فأرسل عليهم الصقور والكلاب، فالتجأت الظبا بالاكمة، فوقفت عنها الصقور والكلاب. وكان يفعل ذلك مرارا كثيرة، فأخبر هارون عن تلك الاكمة أخبره رجل من بني أسد عن آبائه أن فيها قبر أمير المؤمنين (ع) فبنى عليه قبة، ولعل ذلك بعد اندراسه من العمارة الاولى لهجرانه خوفا من الاعداء. يقول الصادق (ع) من ترك زيارة أمير المؤمنين خوفا من أحد لم ينظر الله إليه، ألا تزورون من تزوره الملائكة. ولله در من قال من الرجى: [ قد قلت للبرق الذي شق الدجا * فكان زنجيا هناك يجذع ] [ يا برق إن جئت الغري فقل له * أتراك تعلم من بأرضك مودع ] [ فيك ابن عمران الكليم وبعده * عيسى يقفيه وأحمد يتبع ] [ بل فيك نور الله جل جلاله * لذوي البصائر يستشف ويلمع ] [ فيك الامام المرتضى فيك الوصي * المجتبى فيك البطين الانزع ] [ هذا ضمير العالم الموجود من * عدم وسر وجوده المستودع ] [ هذي الامامة لا يقوم بحملها * حلقاء ها بطة وأطلس أرفع ]

[ 79 ]

[ تأبى الجبال الشم عن تقليدها * وتضج تيهاء وتشفق برقع ] [ هذا هو النور الذي عذباته * كانت بغرة آدم تتطلع ] [ ما العالم العلوي إلا تربة * كانت لجثته الشريفة موضع ] وروي أن محمد بن الحنفية بكى حتى أنحل جسمه وتغير لونه، وكان يسمى سادس البكائين. قيل دخل يوما دمشق، فسمع رجلا يقول: هذا ابن أبي تراب، فأسند ظهره إلى جدار محراب جامع دمشق، ثم قال: اخسئوا ذرية النفاق، وحشوة النيران، وحطب جهنم، عن البدر الزاهر، والنجم الثاقب، واللسان النافذ، وشهاب المؤمنين، والصراط المستقيم (من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت، وكان أمر الله مفعولا) (1) أتدرون أي عقبة تقتحمون ؟ أخو رسول الله تستهدفون ؟ ويعسوب الدين تلمزون ؟ فبأي سبيل رشاد بعد ذلك تسلكون ؟ وأي حرف بعد ذلك تدفعون ؟ هيهات برز لله بالسيف، وفاز بالخضل، واستولى على الغاية، وأحرز الحظ، وانحسرت دونه الابصار، وانقطعت دونه الرقاب، وقرع الذروة العلياء، وكسرت والله من الامة التبعة، وفات الطلب، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد، اقلوا عليهم لا أبالكم من اللوم، وسدوا المكان الذي أبي يسد ثلمة أخيه رسول الله إن سفعوا وشقيق لنبيه إذ حصلوا، وبدين هارون من موسى إذ مثلوا، وذي قربى كبيرها إذ امتحنوا، ومصلى القبلتين إذ انحرفوا، والشهود له بالايمان إذ كفروا، والمدعو للخير إذ نكلوا، والمندوب لعهد المشركين إذ نكثوا، والخليفة على المهاجرين إذ جزعوا، والمستودع للاسرار ساعة الوداع إذ حجبوا. [ هذي المكارم لا تعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ] وانى يبعد من كل علا وسنى، فبأي آلاء أمير المؤمنين تختبرون ؟ وعن


(1) سورة النساء، الآية: 47. (*)

[ 80 ]

أمر من حديثه تأثرون، وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وفي هذا القدر كفاية إن شاء الله تعالى للمنصف، وغاية كمد للمتعسف، وغرض المحزون لبث الشجون، وإذراف المدامع من العيون على ما صدر بأمير المؤمنين (ع) من الكفرة الملاعين والمنافقين، تشتيت من البال وتعاقب المحن والاشجان والبلبال، وتراكم سحائب الهموم، وتفاقم المصائب والغموم، ملتمسا منكم أيها الاخوان والجماعات من المؤمنين والمؤمنات الابتهال إلى الله تعالى العالم بالخفيات، والتضرع إليه بكشف ما منيت به من البليات وأن يفرج عني وعن المؤمنين والمؤمنات مما حظيت من الكربات، وأن يكف بمنه عني بأس الباغين، والعفو عما أجريته في كل حين، وأن يحشرنا وإياكم مع الائمة في زمرتهم، وأن يثيبنا على محبتهم، إنه على ما يشاء قدير، وبالاجابة جدير، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

[ 81 ]

وفاة الامام الحسن بن علي " عليهما السلام " تأليف المرحوم الشيخ علي نجل محمد آل سيف الخطي

[ 83 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب كل شئ ووارثه، وخالق العالم ماضيه وحادثه، والصلاة والسلام على محمد معدن الرسالة، وفلك الفضل والجلالة، وعلى آله خير البرية، المبتلين في أموالهم وأنفسهم، ولن تبعد من الحق بلية، صلاة دائمة بدوام الدهور والايام. وبعد فإني إن شاء الله تعالى مورد في هذه الاوراق نبذة يسيرة مما يتعلق بالاخبار التي وردت في أمر الحسن (ع) مما يتعلق بحال خلافته، وصلحة لمعاوية، وما يتعلق بوفاته وبعض أحواله المناسبة لذلك، طلبا للثواب الجزيل، من الاله الجليل، وهو حسبي ونعم الوكيل. روي أن أمير المؤمنين (ع) لما ضرب ليلة تسعة عشر من شهر رمضان، وقد كانت وصيته تقدمت لابنه الحسن (ع) وجعله إماما بعده، ونصبه علما للناس بعده، فمما أوصى به للحسن (ع) ما روي عن الحسن، قال: لما حضرت أبي الوفاة أقبل يوصي، فقال: هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب أخو محمد رسول الله. أول وصيتي أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وخيرته، اختاره لعلمه، وارتضاه لبريته، وان الله باعث من في القبور، ثم إني أوصيك يا حسن وكفى بك وصيا بما أوصاني به النبي، فإذا

[ 84 ]

كان ذلك يا بني، فالزم بيتك، وابك على خطيئتك، ولا تكن الدنيا أكبر همك، وأوصيك يا بني بالصلاة عند وقتها، والزكاة في أهلها عند محلها، والصمت عند الشبهة، والاقتصاد والعدل في الغضب والرضى، وحسن الجوار، وإكرام الضيف، ورحمة المجهود وأهل البلاء، وصلة الرحم، وحب المساكين ومجالستهم، والتواضع، فإنه من أفضل العبادة، وقصر الامل، وذكر الموت، والزهد في الدنيا فإنك، رهين موت، وغرض بلاء، وطريح سقم، وأوصيك بخشية الله في سرك وعلانيتك، وأنهاك عن التسرع بالقول والفعل، فإذا عرض عليك شئ من أمر الدنيا فابدأ به، وإذا عرض عليك شئ من أمر الآخرة فتأنى حتى تصيب رشدك، وإياك ومواطن التهمة والمجلس المظنون به السوء، فإن قرين السوء يعير جليسه، وكن يا بني لله عاملا، وعن الخنا زاجرا، وبالمعروف آمرا، وعن المنكر ناهيا، وآخي الاخوان في الله وحب الصالح لصلاحه، ودار الفاسق في دينك، وابغضه بقلبك، وزايله بأعمالك، لئلا تكون مثله، وإياك والجلوس في الطرقات، ودع المماراة، ومجاراة من لا عقل له ولا علم، واقصد يا بني في معيشتك، واقصد في عبادتك، وعليك فيها بالامر الدائم الذي تطيقه، والزم الصمت تسلم، وقد لنفسك تغنم، وتعلم الخير تعلم، وكن لله ذاكرا على كل حال، وارحم من أهلك الصغير، ووقر الكبير، ولا تأكل طعاما حتى تتصدق منه قبل أكله، وعليك بالصوم فإنه زكاة البدن، وجنة لاهله من النار، وجاهد نفسك، واحذر جليسك، واجتنب عدوك، وعليك بمجالس الذكر، وأكثر من الدعاء، فإني لم آلك نصحا، وهذا فراق بيني وبينك. وأوصيك بأخيك محمد، فإنه ابن أبيك وتعلم حبي له، وأما أخوك الحسين (ع) فلا أزيدك الوصاة به، والله خليفتي عليكم، وإياه أسأل أن يصلحكم ويكف الطغاة البغاة عنكم، والصبر الصبر حتى ينزل الامر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

[ 85 ]

ثم التفت إلى أولاده الذين من غير فاطمة وأمرهم باتباع أخويهم الحسن والحسين (ع)، وأن لا يخالفوا له أمرا، وقال: عليكم بتقوى الله ربكم ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا، فاني سمعت أبا القاسم يقول: إن إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام. انظروا إلى ذوي أرحامكم يهون الله عليكم الحساب، والله الله في جيرانكم، فإنها وصية نبيكم، ما زال يوصيني بهم حتى ظننت أنه سيورثهم، الله الله في القرآن، فلا يسبقكم بالعمل به غيركم، الله الله في الصلاة، فإنها عمود دينكم، الله الله في بيت ربكم، لا تخلوا منه ما بقيتم، فإنه ان يترك لم تناظروا، الله الله في صيام شهر رمضان، فإن صيامه جنة لاهله من النار، الله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم، الله الله في الزكاة، فإنها تطفئ غضب الرب، الله الله في ذرية نبيكم، فلا يظلموا بين أظهركم، الله الله في الفقراء والمساكين، فاشركوهم في معايشكم، الله الله في ما ملكت أيمانكم، ولا تخافن في الله لومة لائم، يكفيكم من أرادكم وبغى عليكم، وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله، ولا تتركوا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيتولى الامر شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم. وعليكم بالتواصل والتبادل، وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب) (1). حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ فيكم نبيكم، استودعكم الله واقرأ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ثم التفت الى الحسن والحسين (ع) وقال: أوصيكما بتقوى الله، ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تبكيا على شئ منها ذوى عنكما، وقولا الحق واعملا به، وارحما اليتيم والضائع، واصنعا للآخرة، وكونا للظالم خصما، وللمظلوم ناصرا، واعملا بما في الكتاب، ولا تأخذكما في الله لومة لائم.


(1) سورة المائدة، الآية: 2. (*)

[ 86 ]

ثم نظر إلى محمد بن الحنفية وقال له: هل حفظت ما أوصيت به أخويك ؟ قال: نعم، (قال): اني أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخويك لعظم حقهما عليك، ولا توثق أمرا دونهما. ثم قال (ع) أوصيكما به فإنه شقيقكما وابن أبيكما، وقد علمتما أن أباكما يحبه، ثم قال للحسن (ع): أمرني رسول الله (ص) أن أوصي إليك وأدفع إليك كتبي وسلاحي، كما أوصى إلي ودفع كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها لاخيك الحسين (ع). ثم أقبل على الحسين (ع) وقال له: أمرك رسول الله صلى الله عليه وآله أن تدفعها إلى ابنك هذا، ثم أومى بيده إلى علي بن الحسين (ع) وقال له: أمرك رسول الله (ص) أن تدفعها إلى ابنك محمد واقرأه مني ومن رسول الله السلام، ثم استودعكم الله وهو خليفتي عليكم، ولم يزل ينطق بلا إله إلا الله حتى قبض صلوات الله وسلامه عليه، فقام الحسن والحسين (ع) في جهازه، وغسله الحسن (ع) وكفنه في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وكبر عليه سبع تكبيرات، وحمل إلى ظهر الغري، ودفن هناك صلوات الله عليه. [ صلى الاله على جسم تضمنه * قبر فأصبح فيه العدل مدفونا ] [ قد حالف الحق لا يبغي به بدلا * فصار بالحق والايمان مقرونا ] ثم رجع الحسن والحسين (ع) وأخوتهما من دفنه، وقعد في بيته ولم يخرج ذلك اليوم، ثم خرج عبد الله بن العباس بن عبد المطلب إلى الناس، فقال، إن أمير المؤمنين (ع) قد توفي وانتقل إلى جوار الله وقد ترك بعده خلفا، فإن أحببتم خرج إليكم وإن كرهتم فلا أحد، على أحد فبكى الناس وضجوا بالبكاء والنحيب، فقالوا: بل يخرج إلينا، فخرج إليهم الحسن وعليه ثياب سود وهو يبكي لفقد أبيه، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه، ثم قال: أيها الناس اتقوا الله فانا أمراءكم وساداتكم وأهل البيت الذين قال الله

[ 87 ]

فيهم: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (1) أيها الناس لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الاولون ولا يلحقه الآخرون، لقد كان يجاهد مع رسول الله فيفديه بنفسه، ولقد كان يوجهه برايته فيكنفه جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن شماله، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه، ولقد توفي في هذه الليلة التي عرج فيها بعيسى ابن مريم، والتي توفى فيها يوشع بن نون، وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة دينار فضلت من عطاياه، أراد أن يبتاع بها خادما لاهله. ثم خنقته العبرة وبكى وبكى الناس معه، ثم قال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي ابن عم محمد رسول الله، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير، أنا من أهل البيت الذين قال الله تعالى في حقهم: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) والذي افترض الله مودتهم في كتابه إذ يقول: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى، ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) (2) فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت. فلما انتهى إلى هذا الموضع قام عبد الله بن العباس بين يديه وقال: أيها الناس هذا الحسن بن علي بن أبي طالب ابن إمامكم وابن بنت نبيكم فبايعوه. فاستجابوا لبيعته وقالوا: ما أحبه إلينا وأحقه بالخلافة علينا. فبايعه الناس، ونزل عن المنبر وجلس مجلس أبيه أمير المؤمنين (ع)، وذلك في يوم الجمعة يوم الحادي والعشرون من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، فأتت إليه حبابة الوالبية، ولقد كانت أتت أباه عليا (ع) في رحبة المسجد وقالت: يا


(1) سورة الاحزاب، الآية: 33. (2) سورة الشورى، الآية: 23. (*)

[ 88 ]

أمير المؤمنين ما دلالة الامامة رحمك الله ؟ فقال: آتيني بتلك الحصاة، وأشار بيده إلى حصاة هناك، قالت: فأتيت بها، فطبع فيها بخاتمه وقال: يا حبابة إن ادعى مدع للخلافة بعدي وقدر أن يفعل كما فعلت فاعلمي أنه محق مفترض الطاعة، والامام بعدي لا يعزب عنه شئ يريد، قالت: فانصرفت، فلما قبض أمير المؤمنين (ع) أتيت إلى الحسن (ع) وهو جالس في مجلس أبيه والناس حوله يسألونه، فلما رآني قال لي: يا حبابة قلت: نعم يا مولاي قال: هاتي ما معك فأعطيته الحصاة، فطبع فيها بخاتمه كما طبع أمير المؤمنين، قالت: ثم أتيت الحسين وهو في مسجد النبي، فقرب ورحب وقال لي: أتريدين دلالة الامامة ؟ فقلت: نعم يا سيدي، فقال: هاتي ما معك، فناولته الحصاة فطبع فيها كما طبع أبوه وأخوه، ثم قالت: أتيت علي بن الحسين بعد قتل أبيه وقد بلغ بي الكبر وأنا أعد مائة وثلاثة عشر سنة، فرأيته ساجدا وراكعا مشغولا بالعبادة، فآيست من الدلالة، فأومى إلي بالسبابة فعاد إلي شبابي، فقلت يا سيدي كم مضى من الدنيا وكم بقي، فقال: يا حبابة أما ما مضى فنعم، وأما ما بقي فلا، ثم قال: هاتي ما معك فأعطيته الحصاة، فطبع فيها، ثم أتيت أبا جعفر محمد الباقر فطبع فيها، ثم أتيت أبا عبد الله الصادق، فطبع فيها، ثم أتيت أبا الحسن موسى بن جعفر فطبع فيها، وعاشت حبابة بعد ذلك تسعة أشهر ثم توفيت رحمة الله عليها، وأوصت أن تدفن معها تلك الحصاة، فدفنت معها. ثم ان الحسن أمر الامراء ورتب العمال وولى عبد الله بن العباس البصرة، وكتب إلى سائر العمال بالمبايعة له، فبايعه سائر العمال الذين كانوا تحت إمرة أمير المؤمنين، وهي الحجاز والعراق وفارس واليمن، وكتب إلى معاوية بن أبي سفيان كتابا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله الحسن بن أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان. أما بعد فإن الله بعث محمدا رحمة للعالمين، فأظهر به

[ 89 ]

الحق، وقمع به الشرك، وأعز به العرب، وشرف به قريش خاصة، فقال (وإنه لذكر لك ولقومك فسوف تسألون) (1)، فلما توفاه الله تعالى تنازعت العرب الامر بعده، فقالت قريش: نحن عشيرته وأوليائه فلا تنازعونا سلطاننا، فعرفت لها العرب ذلك وجاحدتنا قريش ما عرفته لنا العرب، فهاهنا ما أنصفتنا قريش، فمضوا على ما مضوا عليه، ولا غرو إلا منازعتك إيانا هذا الامر بغير حق في الدنيا معروف، ولا أثر في الاسلام محمود، فلله الموعد نسأل أن لا يؤتينا في هذه الدنيا شيئا ينقصنا عنده في الآخرة. إن عليا لما توفاه الله تعالى ولاني الامر بعده، فاتق الله يا معاوية، وانظر لامة محمد ما تحقن به دماؤها وتصلح به أمرها، وبايع كما بايع أولو الفضل والدين والسلام. وبعث بالكتاب مع الحارث بن سويد التيمي تيم الرباب، وجندب الاسدي، فقدما على معاوية ودفعا له كتاب الحسن (ع)، ودعياه إلى البيعة فلم يجبهما، وأظهر الشماتة بموت أمير المؤمنين (ع)، وكتب إلى الحسن كتابا فيه رد جوابه: أما بعد فقد فهمت ما ذكرت به رسول الله وهو أحق الاولين والآخرين بالفضل كله، وذكرت تنازع المسلمين الامر بعده بتهمة أبي بكر وعمر وأبي عبيدة وصلحاء المهاجرين، فكرهت لك ذلك، إن الامة لما تنازعت الامر بعد نبيها رأت قريشا أحقها به: فرأت قريش والانصار وذو الفضل من المسلمين أن يولوا من قريش أعلمها وأخشاها له وأقواها على الامر، فاختاروا أبا بكر، ولم يألوا ولو علموا مكان أبي بكر رجل غير أبي بكر يقوم مقامه ما عدلوا بالامر إلى أبي بكر، والحال الآن بيني وبينك على ما كانوا عليه، فلو علمت أنك أضبط لامر الرعية، وأحوط على هذه الامة، وأحسن سياسة، وأكيد للعدو، وأقوى على جمع الفي مني، سلمت إليك الامر بعد أبيك [ الذي ] سعى على عثمان


(1) سورة الزخرف، الآية: 44. (*)

[ 90 ]

حتى قتل مظلوما، فطالبه الله بدمه، ومن يطلبه الله فلا يفوته، ثم ابتز الامة أمرها وخالف جماعتها فخالفه نظراؤه من أهل السابقة والجهاد والقدم في الاسلام، فادعى أنهم نكثوا بيعته، فقاتلهم حتى سفكت الدماء واستحلت الحرم، أقبل علينا لا يدعي علينا بيعة، ولكنه يريد أن يملكنا اغترارا، فحاربنا وحاربناه، ثم صارت الحرب إلى أن اختار رجلا واخترنا رجلا ليحكما بما يصلح عليه الامر وتقوم به الجماعة والالفة، وأخذنا عليهما ميثاقا وعليه وعلينا مثله على الرضى بما يحكما، فأمضى الحكمان عليه الحكم بما علمت وخلعاه، فوالله ما رضي بالحكم ولا صبر له، فكيف تدعوني لامر إنما تطلبه بحق أبيك وقد خرج منه، فانظر لنفسك ودينك والسلام. وقال للحارث وجندب ارجعا، فليس بيني وبينه إلا السيف. فرجعا للحسن ودفعا إليه الكتاب وأخبراه بما قال معاوية، وما أضمره من الشماتة بموت أمير المؤمنين (ع)، فكتب إليه الحسن كتابا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من الحسن بن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك، فإني أحمد الله تعالى إليك الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإن الله جل جلاله بعث محمدا رحمة للعالمين، وكافة إلى الخلق أجمعين، لينذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين، فبلغ رسالات الله، وأقام بأمر الله، حتى توفاه الله غير مقصور ولا وان، بعد أن أظهر الله به الحق، وقمع به الشرك، فلما توفي تنازعت العرب سلطانه فادعت قريش سلطانه، فسلمت لهم العرب ذلك، وجاحدتنا قريش حقوقنا، واستولوا على ظلمنا، ولنا الحجة الظاهرة عليهم، والسلطان المبين، فالموعد الله وهو نعم المولى ونعم النصير، ولقد كنا تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا وسلطان نبينا، وإن كانوا ذوي سابقة في الاسلام، فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يبيد، وأن يجد المنافقون والاحزاب في ذلك مغمزا يثلبونه بنا، ويكون بذلك لهم سببا إلى ما أرادوا من إفساده، فاليوم فليتعجب المتعجب من

[ 91 ]

توثبك علي يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفعل في الدين معروف، ولا أثر في الاسلام محمود، وأنت ابن حزب من الاحزاب وأعداء قريش لرسول الله ولكتابه، والله تعالى حسيبك، فسترد وتعلم لمن عقبى الدار، وبالله لتلقين ربك عن قليل ثم ليجزينك بما قدمت يداك (وما ربك بظلام للعبيد) (1)، إن عليا لما مضى لسبيله رحمة الله عليه يوم قبض ويوم يبعث حيا ولاني أمر المسلمين من بعده، فأسأل الله أن لا يؤتينا في هذه الدنيا الزائلة شيئا ينقصنا عنده في الآخرة مما عنده من كرامته، وإنما حملني إلى الكتاب إليك الاعذار فيما بيني وبينك وبين الله تعالى في أمرك، ولك في ذلك إن فعلته الحظ الجسيم والصلاح للمسلمين، فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس ممن تبعني، فإنك تعلم أني أحق بهذا الامر منك عند الله وكل أواب حفيظ ومن له قلب منيب، ودع البغي واحقن دماء المسلمين، فوالله مالك خير في أن تلقى الله بدمائهم أكثر مما تلاقيه به، وادخل في الاسلام والطاعة، ولا تنازع الامر أهله ومن هو أحق به منك، ليطفئ الله النائرة بذلك، ويجمع الكلمة، ويصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيك سرت إليك بالمسلمين، وحاكمتك حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين، وبلغني أنك شمت بما لم يشمت به ذووا الحجى، وإنما مثلك في ذلك كما قال الاول: [ فإنا ومن قد مات منا لكالذي * يروح فيمسي في المبيت ليغتدي ] [ فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى * تجهز لاخرى مثلها فكان قد ] ثم أرسل الكتاب إليه مع جندب الازدي، فقدم به على معاوية، فقرأه وكتب جوابه: أما بعد فقد وصل كتابك وفهمت ما ذكرت فيه، ولقد علمت بما حدث، فلم أفرح ولم آيس، وإن عليا أباك لكما قال أعشى بن تغلبة:


(1) سورة فصلت، الآية: 46. (*)

[ 92 ]

[ فأنت الجواد وأنت الذي * إذا ما القلوب ملان الصدورا ] [ جدير بطعنة يوم اللقى * يضرجن منها النساء النحورا ] [ وما من بد من خليج البحار * فيعلو الاكام ويعلو الجسورا ] [ بأجود منه بما عنده * فيعطي الالوف ويوفي النذورا ] قال جندب لما أتيت الحسن بكتاب معاوية، قلت له ما أرى الرجل إلا سائرا إليك فابدأه بالمسير حتى تقاتله في أرضه وبلده، فأما أن تقول إنه ينقاد لك لا والله حتى يرى منا يوما أعظم من يوم صفين، فقال: أفعل إن شاء الله تعالى، ثم أن معاوية دس رجلا من حمير إلى الكوفة، ورجلا من القين إلى البصرة ليكتبا له بالاخبار ويفسدا على الحسن، فعرف ذلك الحسن، فأمر باستخراج الحميري من عند حجام بالكوفة وأمر بضرب عنقه، وكتب إلى البصرة كتابا إلى عبد الله ابن العباس، وكان عامله عليها، وأمره باستخراج الرجل القيني وقتله، فاستخرجه عبد الله بن العباس من بني سليم وقتله، وكتب الحسن إلى معاوية: أما بعد فإنك دسست الرجال للاحتيال والاغتيال، وأرصدت العيون كأنك تحب اللقاء وما أوشك ذلك، فتوقعه إن شاء الله تعالى، وبلغني أنك شمت بما لم يشمت به ذووا الحجى إلى آخر الكلام المتقدم ذكره. وكتب عبد الله بن العباس: أما بعد، ودسك أخا بني القين تلتمس من غفلات قريش مثل ما ظفرت به من يمانيتك لكما، قال أمية بن أبي الصلت: [ لعمرك إني والخزاعي طارقا * كنعجة غاز حتفها بتحفر ] [ أثارت عليها شفرة بكراعها * فظلت به من آخر الليل يتحر ] [ شمت بقوم من صديقك أهلكوا * أصابهم يوم من الدهر أصفر ]

[ 93 ]

فأجابه معاوية بما لا حاجة إلى ذكره. ثم إن معاوية كتب إلى عماله من جميع النواحي: من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان ومن قبله من المسلمين، سلام عليكم، فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فالحمد لله الذي كفاكم مؤنة عدوكم، وقتل خليفتكم، إن الله بلطفه أتاح لعلي بن أبي طالب رجلا من عباده فاغتاله وترك أصحابه متفرقين مختلفين، فجاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الامان لانفسهم وعشائرهم، فاقبلوا إلى حين يأتيكم كتابي بجهدكم وجندكم وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد الله وبلغتم الامل، وأهلك الله أهل البغي والعدوان، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ثم كتب إلى زياد وكان عامل علي (ع) بفارس، فضبطها ضبطا حسنا، فلما قتل علي بقي زياد في عمله، فأقره الحسن على فارس، فخاف منه معاوية، فكتب إليه: من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن عبيد، أما بعد، فإنك عبد كفرت النعمة، ولقد كان الشكر أولى بك من الكفر، وظننت أنه لا ينالك سلطاني، هيهات ما كل ذي لب يصيب رشده، بالامس عبد واليوم أمير، حطة ما ارتقاها مثلك يابن سمية، فإذا أتاك كتابي فخذ لي البيعة علي [ من ] معك وأسرع الاجابة، فإنك إن تفعل فدمك حقنت ونفسك تداركت، وإلا اختطفتك بأهون سعي، ورددتك إلى حيث كنت والسلام. فلما وصل الكتاب إلى زياد اغتاظ غيظا شديدا وجمع الناس فصعد المنبر وقال: عجبا لابن آكلة الاكباد، يتهددني وبيني وبينه ابن بنت رسول الله في مائة ألف من المهاجرين والانصار، والله لو أذن لي فيه لرأيته الكواكب نهارا، ولاوسعته ماء الخردل، اليوم الكلام والجمع غدا. ثم كتب لمعاوية: أما بعد فقد وصل كتابك وفهمت ما فيه، فرأيتك

[ 94 ]

كالغريق يغطشه الموج، فيتعلق بأرجل الضفادع، فاجتهد جهدك، فلست أنزل إلا على حيث تكره، ولا اجتهد إلا في ما يسؤك، وستعلم أينا الخاضع لصاحبه الطالب إليه والسلام. فلما ورد كتاب زياد على معاوية غمه وأحزنه، وبعث إلى المغيرة بن شعبة وخلا به، وقال له: يا مغيرة إن زياد قد أقام لنا بفارس يكش لنا كشيش الافاعي، وهو رجل ثاقب الرأي ماضي العزيمة، وقد كنت أخشى منه إذا كان صاحبه وأخشى ممالاته حسنا، فما الحيلة في إصلاح رأيه ؟، فقال المغيرة: إن زياد يحب الشرف والذكر وصعود المنابر، فلو لاطفت له المسألة وألفت له القول لكان أميل إليك، فاكتب إليه كتابا وأنا الرسول، فكتب: من معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن أبي سفيان، أما بعد، فإنك قطعت رحمك، ووصلت عدوك، وحملك سوء ظنك بي على أن قطت رحمي، ووصلت خصمي، وعققت قرابتي، حتى كأنك لست أخي، وليس صخر بن حرب أباك وأبي، وقد رأيت أن أعطف عليك ولا أؤاخذك بسوء فعلك، واعلم انك لو خضت البحر في طاعة بني هاشم ما ازددت منهم إلابعدا، فإن بني عبدشمس أبغض إلى بني هاشم من الشفرة إلى الثور الصريع، فارجع إلى أصلك واتصل بقومك، فقد أصبحت ضال النسب، فإن أحببت إجابتي فثق بقولي، وإن كرهت إجابتي ففعل جميل لا إلي ولا علي والسلام. فرحل المغيرة بالكتاب حتى دخل على زياد، فدفع إليه الكتاب، فجعل يتأمله ويضحك فلما فرغ من قراءته قال: حسبك يا مغيرة أني أطلعك على ما في ضميري، إني صاحب رؤية في نفسي، فلا تعجل علي ولا تبدأني بشئ حتى أبدأك به، ثم غلبت عليه الشقاوة وحب الجاه والرئاسة، فصعد المنبر بعد ثلاثة أيام، ثم قال: أيها الناس ادفعوا البلاء ما اندفع عنكم، وارغبوا في دوام العافية لكم،

[ 95 ]

فقد نظرت في أمور المسلمين، فوجدت أحمد العاقبتين العافية، وساء فعل في أموركم ما تحمدون عاقبته. ثم نزل عن المنبر، وكتب إلى معاوية كتابا: أما بعد، فقد وصل كتابك وفهمت ما فيه، والحمد لله الذي عرفك الحق وردك إلى الصلة، ولكنك إن كنت كتبت عقدا صحيحا ونية حسنة، لا غدر ولا مكيدة، فازرع في قلبي مودة وقبولا. فأعطاه معاوية جميع ما سأله، وكتب إليه جميع ما وثق به، واستخلفه مراغما لرسول الله حيث قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر، فنكث زياد بيعة الحسن وأطاع معاوية بن أبي سفيان، ثم اجتمعت العساكر إلى معاوية من كل جانب ومكان، فتكاملت عنده ستون ألفا، فسار بهم إلى العراق، واستخلف الضحاك بن قيس الفهري على الشام، والحسن مقيم بالكوفة لم يشخص، فكتب له عبد الله ابن العباس من البصرة: أما بعد فإن المسلمين ولوك أمورهم بعد علي، فشمر للحرب، وجاهد عدوك، وقارب أصحابك، واشتر من الضنين دينه بما لم يثلم لك دينا، وفضل أهل البويتات والشرف تصطلح به عشائرهم، حتى يكون الناس جماعة، فإن بعض ما تكره الناس إذا كانت عواقبه تؤدي إلى ظهور الحق، وعز الدين خير مما تحبه الناس، إذا كانت عواقبه تؤدي إلى ظهور الجور، وذل المؤمنين، وعز الفاجرين، واقتد بما جاء عن أئمة العدل، فقد جاء عنهم أنه لا يصلح الخداع إلا في الحرب، فإن الحرب خدعة، ولك في ذلك سعة إن كنت مجمعا على الحرب ما لم تبطل حقا، واعلم أن عليا أباك رغب الناس إلى معاوية، لانه واسى بينهم في الفئ، وساوى بينهم في القسمة والعطاء فنفل عليهم، واعلم أنك تحارب من حارب الله ورسوله في ابتداء الاسلام حتى ظهر أمر الله، فلما وحد الرب ومحق الشرك وعز الدين أظهروا الايمان، وقرؤوا القرآن مستهزئين بآياته، وقاموا إلى الصلاة كسالى، وأدوا الفرائض وهم كارهون، فلما رأوا أنه لا يعز في الدين إلا الاتقياء الابرار، توسموا بسماء

[ 96 ]

الصالحين الاخيار، ليظن المسلمون بهم خيرا، فما زالوا بذلك حتى أشركوهم في أماناتهم، فجاهدهم ولا ترض دنية ولا خسفا، فإن عليا لم يجب إلى الحكومة حتى غلب أمره فأجاب، وإنهم يعلمون أنه أولى بالامر إن حكموا بالعدل، فلما حكم بالهوى رجع إلى ماكان عليه حتى أتاه أجله، فجاهد أعداء الله ورسوله حتى يحول الموت دونك والسلام. فلما وصل كتاب ابن عباس للحسن وقرأه، قال: لقد نصح ابن عباس فيما يراه، ولكن هيهات أن أخالف سنة سنها رسول الله وأمير المؤمنين بعدهما طلبا لالتماس دنيا، فإن في الحق سعة عن الباطل، ثم أن الحسن لما بلغه توجه معاوية إلى العراق وأنه قد بلغ جسر منبج، تحرك وبعث حجر بن عدي، فأمر العمال والناس بالتهيؤ للمسير، ونادى مناديه الصلاة جامعة، فأقبل الناس يجتمعون من كل جانب ومكان، وقال الحسن: إذا اجتمعت جملة الناس فاعلمني، فجاء سعيد بن قيس الهمداني وقال له: أخرج، فخرج الحسن فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه، ثم قال: أما بعد فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرها، وقال لاهل الجهاد من المؤمنين (اصبروا فإن الله مع الصابرين) (1) فلستم تنالون ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون، وقد بلغني أن معاوية رأس المنافقين وابن عدو الله ورسوله بلغه أنا أزمعنا على المسير فتحرك لذلك، وأنه بلغ جسر منبج، فاخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة، حتى ننظر ونرى وترون. قال وانه في كلامه ليتخوف خذلان الناس عنه لما يعلم ما في قلوبهم من الميل إلى الدنيا واتباع الهوى، قال: فسكتوا، فما تكلم أحد منهم ولا أجابوه بحرف واحد، فلما رأى ذلك عدي بن حاتم الطائي قام وقال: أنا ابن حاتم يا سبحان الله ما أقبح هذا المقام، ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم، أين


(1) سورة الانفال، الآية: 46. (*)

[ 97 ]

خطباء ربيعة ومضر الذين ألسنتهم كالمخاريق، فإذا جد الجد فيراوغون كالثعالب ؟ أما تخافون مقت الله ؟ أما تخشون عيبها ولا عارها ؟ ثم استقبل الحسن بوجهه وقال: أصاب الله بك المراشد، وجنبك المكاره، ووفقك لما تحب وترضى، يابن رسول الله قد سمعنا مقالتك إلى أمرك، وسمعنا لك فيما قلت وما رأيت، فهذا وجهي إلى معسكري ولا أرجع إلى منزلي، فمن أحب أن يواتيني فليواف معي. ثم مضى لوجهه وخرج من المسجد ودابته بالباب، فركبها ومضى إلى النخيلة، وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه من الزاد، وبفرسه وبلامة حربه، فألحقه غلامه بذلك، فكان عدي بن حاتم أول الناس معسكرا، وقام قيس بن سعد بن عبادة الانصاري ومغفل بن قيس الرياحي، وزياد بن خصفة التيمي، فأنبوا القوم ولا موهم على التثاقل، وحرضوهم على الخروج إلى الجهاد، وكلموا الحسن بمثل كلام عدي بن حاتم في الاجابة والقبول، وقال لهم الحسن: صدقتم، ما زلت أعرفكم بحسن النية، والوفاء، والقبول، والنصية، والمودة الصحيحة، فجزاكم الله خيرا، ثم نزل وأمر إخوته بالتجهز فتهيؤا، وخرج الناس إلى معسكرهم، ونشطوا بعد تكاسلهم، وخرج الحسن والحسين وإخوته إلى المعسكر، واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأمره أن يحث الناس على الخروج. فجعل المغيرة يحثهم ويخرجهم حتى تكامل العسكر، وكان غالب من معه من أخلاط الناس بعضهم خوارج محكمة يؤثرون معاوية على كل حال، وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم، وبعضهم شكاك، وبعضهم أصحاب عصبية اتبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين، وليس معه من شيعة أبيه إلا فرقة قليلة، بعض من الانصار وبعض من همدان وإخوته وأهل بيته. فسار الحسن في عسكر عظيم وعدة حسنة، حتى نزل دير عبد الرحمن، فأقام فيه ثلاثة أيام، حتى اجتمع الناس، ثم دعى عبيدالله بن العباس، فقال

[ 98 ]

له: يا ابن العم إني أبعث معك إثنا عشر ألفا من فرسان العرب وقراء المصر، كل رجل منهم يرد الكتيبة، فسربهم وألن لهم جانبك، وابسط لهم وجهك، وافرش لهم جناحك، وادنهم من مجلسك، فإنهم بقية ثقاة أمير المؤمنين، وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفلوجة، ثم تصير بمسكن، ثم امض حتى تستقبل بهم معاوية، فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك، فإني على أثرك وشيك، وليكن خبرك عندي كل يوم، وشاور هذين في أمورك كلها، يعني قيس بن عبادة وسعد بن قيس الهمداني، فإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك، فإن فعل فقاتله، فإن أصبت فقيس بن سعد على الناس، وإن أصيب قيس بن سعد فسعد بن قيس على الناس، فسار عبيد الله بن العباس بالجيش حتى أتوا شينور، حتى خرج إلى شاهي، ثم لزم الفرات والفلوجة حتى اتى إلى مسكن، وأخذ الحسن في مسيره ببقية من الناس على حمام عمر، حتى أتى دير كعب، ثم ديار بكر، فنزل ساباط دون القنطرة، ولما وصل إلى الحبونية قرية من قرى مسكن بجيشه، حتى نزل بأزاء معاوية، فلما كان من الغد توجه بخيله إليهم، فخرج إليهم عبيد الله بن العباس بمن معه، فضربهم حتى ردهم إلى مصافهم، فلما عرف معاوية أن لا مطمع له في التوجه إلى العراق وهم من دونه، أرسل إلى عبيد الله بن العباس، فقال له: إن الحسن قد أرسلني في الصلح وهو مسلم الامر إلي، فإن دخلت الآن في طاعتي أعطيك ألف ألف دينار اعجل لك نصفها الآن، والنصف الآخر إذا دخلت الكوفة، أو الشام، فأقبل عبيدالله بن العباس ليلا، فدخل في عسكر معاوية، فوفى له معاوية بما وعده، وأعطاه الدراهم التي ضمنها، وأصبح الناس ينتظرون عبيد الله ليصلي بهم صلاة الصبح فلم يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه، فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة، ثم فتشوا عن خبر عبيد الله فوجدوه قد لحق بمعاوية، فكتب قيس بن سعد إلى الحسن يخبره بخبر عبيد الله وما فعل من لحوقه لمعاوية، وقام قيس بن سعد خطيبا فيهم فثبطهم، ثم ذكر عبيدالله بن العباس فنال منه، وقال:

[ 99 ]

ألا تعجبون من ابن عم رسول الله كيف اتبع هواه وغرته دنياه، فترك بيعة الحسن ابن بنت رسول الله وخير الخلق بعدهم، ودخل في حزب هذا الطاغي المنافق، أيها الناس لا يحملنكم ما فعل على الشك في الحق والوقوع في الباطل، فإن الدنيا لها طالب، والاخرى لها طالب، فنسأل الله تعالى بمنه أن يجعلنا وإياكم من الطالبين لما عند الله من الكرامة، والآخرة خير وأبقى. ثم أمرهم بالصبر والنهوض على العدو، فأجابوه بالطاعة، وقالوا له: انهض بنا إلى عدونا على اسم الله تعالى، فنزل ونهض بهم، فخرج لهم بسر بن أرطأة، فصاحوا: يا أهل العراق ويحكم هذا أميركم عندنا، وإمامكم الحسن قد دخل في طاعتنا فعلام تقتلون أنفسكم، فقال قيس بن سعد لاصحابه اختاروا إحدى اثنتين إما أن تقاتلوا بلا إمام وإما أن تبايعوا بيعة ضلال، فخرجوا وضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى مصافهم. فكتب معاوية إلى قيس بن سعد يدعوه ويعده ويمنيه، فكتب إليه قيس والله لا تلقاني أبدا إلا بيني وبينك الرمح والسيف، فكتب إليه معاوية لما يئس منه: أما بعد فإنك يهودي ابن يهودي تشقي نفسك وتقتلها فيما ليس لك، فإن ظهر أحب الفريقين إليك نبذك وعزلك، وإن ظهر أبغضهم إليك نكل بك وقتلك، وقد كان أبوك أوتر غير قوسه، ورمي غير غرضه، فأكثر الحز وأخطأ المفصل، فقتله قومه، وأدركه يومه فمات بحوران طريدا غريبا والسلام. فكتب إليه قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنه: أما بعد، فإنك وثن ابن وثن، دخلت في الاسلام كرها، فأقمت فيه فرقا، وخرجت منه طوعا، ولم يجعل الله لك فيه نصيبا، لم يقدم إسلامك، ولم يحدث نفاقك، ولم تزل حربا لله ولرسوله، وحزبا من أحزاب المشركين، وعدوا لله ولنبيه والمؤمنين من عباده، وذكرت أبي، فلعمري ما أوتر إلا قوسه،

[ 100 ]

ولا رمى إلا غرضه، فشغب عليه من لا يشق غباره ولا يبلغ كعبه، وزعمت أني يهودي ابن يهودي، وعلمت وعلم الناس أني وأبي أعداء الدين الذي دخلت فيه، وأنصار الدين الذي خرجت منه وصرنا إليه والسلام. فلما قرأه معاوية أغاظه وأراد إجابته، فقال عمرو بن العاص: مهلا فإنك إن كتبته أجابك بأشد من هذا، وإن تركته دخل في ما يدخل فيه الناس، فأمسك عنه، ثم كتب معاوية إلى الحسن (ع) كتبا متعددة يطلب منه الصلح وأن يجعل الامر له، وشرط له شروطا كثيرة، ثم أرسل إليه كتب الاشراف من أهل الكوفة ورؤساء القبائل يعدونه بالنصر والغدر بالحسن وتسليمه و أهل بيته إلى معاوية. ودس معاوية إلى عمرو بن حريث، والاشعث بن قيس، وإلى حجر بن الحر، وشبث بن ربعي دسيسا، وأفرد كل واحد بعين من عيونه، إنك إن قتلت الحسن بن علي بن أبي طالب فلك مائة ألف درهم، وجند من أجناد الشام، وبنت من بناتي، فبلغ الحسن ذلك، فاستلام ولبس درعا وكفرها، وكان يحترز ولا يتقدم بهم في الصلاة إلا كذلك، فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه لما عليه من الدرع المستور، ثم قدم إلى الحسن خبر عامله زياد، أنه استماله معاوية، واستخلص بيعته وبيعة فارس، فعلم الحسن (ع) أن أصحابه خذلوه وكرهوا مقامه فيهم، فقام خطيبا صبح ليلة نزوله ساباط، ليمتحن أصحابه و يختبر أحوالهم وطاعتهم، ليميز أوليائه من أعدائه، ويكون على بصيرة من أصحابه في لقاء معاوية، فأمر أن ينادى الصلاة جامعة فاجتمعوا، فصعد المنبر، فخاطبهم وقال: الحمد لله كما حمده حامد، وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق، وائتمنه على الوحي، أما بعد، فوالله إني لارجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه، وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت حاملا على أمرئ ضغينة، ولا مريدا

[ 101 ]

له بسوء ولا غائلة، وإنما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة، وإني ناظر لكم خير من نظركم لانفسكم، فلا تخالفوا علي أمري، ولا تردوا علي رأيي، غفر الله لكم و أرشدني وإياكم لما فيه من المحبة والرضى. قال: وكان غالب من معه من جنده محكمة وأصحاب فتن، فنظر الناس بعضهم إلى بعض وقالوا: ما ترونه يريد بما قال ؟ قالوا: نظن أنه يريد أن يصالح معاوية ويسلم إليه الامر، فقالوا: كفر والله الرجل، فشدوا على فسطاطه وانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته، ثم شد عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الازدي فانتزع مطرفه عن عاتقه، فبقي واقفا متقلدا سيفا بغير رداء، ثم دعى بفرسه فركبه، وأحدق به أخوته وخاصته وشيعته، ومنعوا عنه من أراده، ودعى من معه ربيعة وهمدان فطافوا به ومنعوه، فسار ومعه شوب من شيعته، فلما مر في مكان مظلم بساباط، بدر إليه رجل من بني أسد اسمه الجراح بن سنان لعنه الله، فأخذ بلجام فرسه وبيده مغول، فقال: الله أكبر أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل، فطعنه في فخذه فشقه حتى بلغ العظم، فاعتنقه الحسن وخرا جميعا إلى الارض فأكب عليه رجل من شيعة الحسن يقال له زيد بن حفصة التيمي فرضخ رأسه بحجر، وخضخضه عمارة ابن ظبيان (1) بخنجر فمات الجراح من ساعته لا رحمه الله تعالى، وقتل شخص ملعون كان يساعده، وحمل الحسن على سريره إلى المدائن، فبقي في المدائن أياما كثيرة لمعالجة جرحه. وأرسل إلى طبيب نصراني يعالجه، فلما برئ جرحه، أخرج كيسا فيه خمسمائة دينار وصبها بين يديه وقال له: يا أخا النصارى خذها ونحن نعتذر إليك لانا على طريق وقد نهب أعداء الله فسطاطنا، فضحك النصراني وقال له: يا ابن رسول الله أتدري منذ كم أتوقع قدومكم ؟ منذ فتح سعد بن أبي


(1) في رواية أخرى ظبيان بن عمارة. (*)

[ 102 ]

وقاص المدائن وأخذت العرب الجزائر، وقع في يدي كتابا بالسريانية من بعض كتب تلامذة المسيح، وفيه لولده: أن العام الفلاني يأتي بلدكم هذه أبناء رسول الله المبعوث في آخر الزمان، وبالاكبر منهم جراحة، وهو مطلوب من الاعداء فإذا لقيته يا بني فاقرأه مني السلام وقل لهما لا ينسياني من الشفاعة عند الله تعالى وعند جدهما رسول الله يوم القيامة، فما برحت أحسب الليالي والايام حتى كانت ساعتي تلك، فقلت: إن كان الكتاب صادقا الساعة يشرف ابنا رسول الله، فما أتممت كلامي إلا والمختار يدعوني ويقول لي: يقول لك عمي إنه قد نزل بنا أبناء رسول الله وبالاكبر منهما جراحة، فقلت: الله أكبر هذا هو الحق، فكل ما أعطيتنيه يا مولاي هدية مني إليك فاقبلها مني بحق جدك رسول الله، وإنكم أولياء الله وخلفائه، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا رسول الله وأنتم خلفاؤه في أرضه، فلا تنساني من الشفاعة، فقبلها الحسن وقال أنت شمعون المدعو ببطرس الاكبر، رزقك الله عشرين ولدا ذكرا. قال: نعم، قال: ثم دخلت عليه أم كلثوم فرأته مريضا، فبكت وقالت: يا اخي بأبي أنت وأمي أخبرني ما أنت عازم عليه، وقد علمت أهل الكوفة وغدرهم ومكرهم وخذلانهم لك، فقال (ع): أسير إلى الحجاز وفارس واليمن واستمد بالعساكر، فقالت: أما فارس فقد ذهب بها زياد واستخلفها لمعاوية، وأما الحجاز واليمن فإنهم يرون رأي عثمان، فإن وفوا لك بلسانهم فهم أغدر بقلوبهم، فأدركته رقة فبكى، فسمع الحسين وأخوه محمد بن الحنيفة بكاه فأتياه حافين متقلدين بسيوفهما، فقال له الحسين (ع): مالك تبكي لا أبكى الله لك عينا أتبكي من غدر أهل الكوفة بك ؟ والله إنهم أهل غدر ونفاق، ثم قال: يا قنبر علي بسيفي ودرعي، فوحق تربة جدي وأبي لئن أمرتني لا شربت بارد الماء، ولا توسدت وسادا حتى أفني أهل الكوفة، أو ألاقي حمامي ذون ذلك، فما على المرء المسلم من غضاضة إذا قتل في سبيل الله. ثم قال له محمد بن الحنفية بمثل ذلك فتجلى عنه بعض ما يجده، وقال: إن لله أمرا هو بالغه ربنا يفعل ما يشاء ويريد، ربنا تبارك وتعالى كل يوم

[ 103 ]

هو في شأن. ولما وصل خبر طعن الحسن ونهبه إلى معاوية سر سرورا عظيما، وأشاع ذلك في عسكره وعسكر قيس الذي هم لمرابطته ليزعزع قلوبهم ويرهبهم، وجعل أصحاب الحسن الذين مع قيس يتسللون إلى معاوية، فكتب قيس بذلك للحسن، فخطب الناس ووبخهم وقال: خالفتم أبي حتى حكم وهو كاره، ثم دعاكم إلى قتال أهل الشام بعد التحكيم فأبيتم، حتى صار إلى كرامة الله عز وجل، ثم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت، وقد بلغني خبر وهو أن أهل الشرف منكم أتوا معاوية فبايعوه، فحسبي منكم لا تغروني في ديني ونفسي. وأما قيس فلم يلتفت إلى كلام معاوية وقال: لا أفارق هذا المكان حتى يأذن لي الحسن بالانصراف، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: ألا إن أردت منهم الصلح وتسليم الامر فاطلب منه ذلك، لاني أرى أنهم قد اختلفت كلمتهم وذهبت نارهم، فكتب معاوية إلى الحسن كتابا يقول فيه: أما بعد، فإن الله يفعل في عباده ما يشاء (لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب) (1)، وإني أرى لك يا حسن أن تدخل في طاعتي ولك الامر من بعدي، ولك في بيت مال العراق من مال بالغ ما بلغ تحمله إلى حيث شئت، ولك خراج أي كور أردت في العراق معونة لك على نفقتك يجبيها أمينك ويحملها إليك في كل سنة، ولك أن تستولي بالاشياء، ولا تقضى دونك الامور، ولا تعصى في أمر أردت، أعاننا الله وإياك على طاعته إنه سميع مجيب، واحذر يا حسن أن تكون منيتك على أيدي رعاع الناس، فأبوك من قبلك الاسد الباسل، وقد أفسدوا عليه أمره، فأيس من أن يجد فينا عزة، وإن أنت أعرضت عما أنت عليه وبايعتني، وفيت لك بما وعدت، وأجريت لك ما


(1) سورة الرعد، الآية: 41. (*)

[ 104 ]

اشترطت، وأكون في ذلك كما قال قيس بن تغلبة: [ وإن أحد أسدى إليك أمانة * فاوف بها تدعى إذا مت وافيا ] [ ولا تحسد المولى إذا كان ذا غنى * ولا تجفه إن كان في المال فانيا ] ثم الخلافة لك من بعدي فأنت أولى الناس بها والسلام. وأرسل له الكتاب مع رجلين من بني عبد شمس أحدهما عبد الرحمن بن سمرة، والآخر عبد الله بن عامر، فقدما على الحسن (ع)، وعرضا عليه الكتاب، ورغباه في الامر، وهونا عليه الخطب، فلما رأى الحسن خذلان أصحابه وتفرقهم عنه واستحلالهم دمه ونهبهم فسطاطه وماله، وكتاباتهم لمعاوية في استحثاثهم في المسير إلى الكوفة ليسلموا له الحسن وإخوته، ورأى أنه لم يبق معه إلا فرقة قليلة من أهل بيته وخاصته وشيعته وشيعة أبيه، لا يقومون بقتال أهل الشام والعراق، أشفق على نفسه وعياله وشيعته، فأذعن لصلح معاوية وتسليم الامر إليه، وأشرط على الرجلين شروطا كثيرة، وأرسل معهما عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وكانت أمه هند بنت أبي سفيان أخت معاوية [ وكان ] يستوثق منه، فقدما على معاوية فرضي بذلك كله، وقال للرجلين المذكورين: اذهبا واضمنا له بكل ما شرط واعطياه عني العهود والمواثيق، وكتب الحسن (ع) بيده كتاب الصلح: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما صالح عليه الحسن معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين، على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخلفاء الراشدين الصالحين، وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده، بل يكون الامر بعده شورى بين المسلمين، وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا في أرض الله في شامهم، وعراقهم، ويمنهم، وحجازهم، وعلى أن لا يتعرض لسب علي، ولا لاحد من أشياعه وأتباعه، وعلى أن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم، ونساءهم، وأولادهم، وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله

[ 105 ]

وميثاقه وما أخذ الله على أحد من خلقه بما أعطاه الله من نفسه بالوفاء، وعلى أن لا يبتغي للحسن، ولا لاخيه الحسين، ولا لاحد من أهل بيت رسول الله غائلة سرا ولا جهرا، ولا يخيف أحدا منهم في أفق من الآفاق، شهد الله عليه وكفى بالله شهيدا، ويشهد به فلان وفلان والسلام. وسمى معاوية ذلك العام عام الجماعة، لاجتماع الناس عليه، ثم دفع الكتاب إلى رسولي معاوية فسار به، ثم أراد معاوية التوجه إلى العراق فمنعه قيس بن سعد أشد المنع، وقال: لا أدعك تسير حتى تأتيني من الحسن كتابا يدل على خروجي عنك، فكتب معاوية إلى الحسن كتابا يقول فيه: لقد أديت الامانة وبذلت النصيحة، فجزاك الله خيرا، فإذا قدم عليك كتابي هذا، فائت بعسكرك إلى الكوفة، فإني سائر لها والسلام. ثم سار الحسن (ع) من المدائن مع شيعته الذين بقوا معه ودخل الكوفة، ورجع قيس بن سعد بن عبادة إلى الكوفة وعسكره، ثم أتى معاوية بعسكره إلى الكوفة وضرب فسطاطه بالنخيلة قبل دخوله الكوفة، فخرج أشراف أهل الكوفة وأمراؤها يتلقونه، فقام خطيبا فيهم وخطب خطبة طويلة لم ينقلها الرواة تامة، وجاءت مقطعة، ولنذكر ما انتهى إلينا منها. قال الشعبي أن معاوية قال في خطبته بالنخيلة: أيها الناس ما اختلف أمر أمة بعد نبيها إلا وظهر أهل باطلها على أهل حقها. ثم انتبه وندم وقال: إلا هذه الامة فإنها وإنها، ثم قال ألا وإن كل شئ أعطيته الحسن، وكل شرط شرطته له فهو تحت قدمي لا أفي له منه بشئ، ثم قال: يا أهل الكوفة والله ما قاتلتكم، لا لتصلوا، ولا لتصوموا، ولا لتزكوا، ولا لتحجوا، وإنكم لتفعلون ذلك، وإنما قاتلتكم لاتأمر عليكم، فأعطاني الله ذلك وأنتم كارهون. قال وكان عبد الله بن شريك إذا حدث بذلك يقول: هذا والله هو التهتك

[ 106 ]

في الدين، قال: ثم أن معاوية قوض من النخيلة ودخل الكوفة ودخل الجامع، فأذن للناس بالحضور، فاجتمع الناس، فصعد المنبر وخطب خطبة طويلة أكثر فيها من الافتخار والتكبر، ثم قال للحسن: قم يا حسن واصعد المنبر وأخبر الناس بما جرى بيني وبينك من الصلح، فقام الحسن (ع) وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي فصلى عليه، ثم قال: إن أكيس الكيس التقي، وإن أحمق الحمق الفجور، وإنكم لو طلبتم ما بين جابلقا إلى جابرصا رجلا جده رسول الله لم تجدوا غيري وغير أخي الحسين، وقد علمتم أن الله تعالى هداكم بجدي رسول الله، وأنقذكم من الضلالة، ورفعكم من الجهالة، وأعزكم بعد الذلة، وكثركم بعد القلة، وأن معاوية نازعني حقا هو لي دونه، فنظرت إصلاح الامة وقطع الفتنة، وإن كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت، فرأيت أن أصالح معاوية وأضع الحرب بيني وبينه، ورأيت أن حقن الدماء خير من سفكها، ولم أرد بذلك إلا إصلاحكم (وان أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين) (1). ثم نزل عن المنبر وحضر يوما المسجد وفيه معاوية وعمرو بن العاص وجماعة من بني أمية، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: لو أمرت الحسن يخطب على المنبر بمجمع من الناس، فربما يحصل له حصر فيكون أنقص لحظه بين الناس، فقال: نعم، فقال معاوية: قم يا حسن واخطب الناس، فامتنع الحسن، فناشده الله، فقام الحسن، فصعد المنبر، ثم قال: الحمد لله الذي علا في توحده، وتفرد في ربوبيته، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، والحمد لله الذي أكرم بنا موضعكم، وأخرج من الشرك أولكم، وحقن دماء آخركم، فبلاؤنا عندكم قديما، وحديثنا أحسن حديثا، إن شكرتم أو كفرتم. ثم قال: أيها الناس إن رب علي كان أعلم بعلي


(1) سورة الانبياء، الآية: 111. (*)

[ 107 ]

حين قبضه إليه، لقد اختصه الله بفضل لم تعدوا بمثله ولم تجدوا مثل سابقته، فهيهات هيهات، طالما قلبتم له الامر حتى أعلاه الله عليكم، وهو صاحبكم في بدر وأخواتها، جرعكم رتقا، وسقاكم علقا، وأذل رقابكم، وأشرقكم بريقكم، فلستم بملومين على بغضه، وأيم الله لا ترى أمة محمد خفضا ما دامت ساداتهم وقادتهم بني أمية، ولقد وجه الله إليكم فتنة لم تصدروا عنها حتى تهلكوا، لطاعتكم طواغيتكم وانضوائكم، فعند الله احتسب ما مضى وما ينتظر من حسن رعيتكم وحتف حكمكم. ثم قال: يا أهل الكوفة، فارقكم بالامس سهم من مرامي الله صائب على أعداء الله، نكال على فجار قريش، لم يزل آخذا بحناجرها، جاثما على أنفاسها، ليس بالملومة في أمر الله، ولا بالسروقة في مال الله، ولا بالفروقة في حرب أعداء الله، أعطى الكتاب خواتمه وعزائمه، دعاه فأجابه، وقاده فاتبعه، لا تأخذه في الله لومة لائم، صلوات الله عليه ورحمته يوم قبض ويوم يبعث حيا. فأراد معاوية أن يخجله ويقطع عليه كلامه، فقال: يا حسن حدثنا بنعت الرطب كيف يكون، فقال: نعم يا معاوية إن الرطب أولا تلقحه الشمال، وتخرجه الجنوب، وتنضجه الشمس، ويصبغه القمر، وتنفحه الريح، والليل يبرده، والبرودة تحليه وتطيبه، ثم استمر في كلامه وقال: أيها الناس أنا ابن مروة والصفا، أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن من على الجبال الرواسي علا، أنا ابن من كسى محاسن وجهه الحيا، أنا ابن فاطمة الزهراء سيدة النساء، أنا ابن عديمات العيوب، أنا ابن نقيات الجيوب، أنا ابن أزكى الورى طرا، وكفاني بهذا فخرا. ثم أن معاوية أمر المؤذن أن يؤذن ويقطع عليه كلامه، فلما قال المؤذن

[ 108 ]

أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قال الحسن: يا معاوية محمد أبي أم أبوك، فإن قلت إنه ليس بأبي فقد كفرت، وإن قلت أنه أبي فقد أقررت بحقنا، وأنت تغصبنا ما هو لنا ولا ترد علينا حقنا ؟ فقال له معاوية: يا حسن أنا خير منك، فقال (ع): ولم ذلك ؟ فقال: إن الناس أجمعوا علي ولم يجمعوا عليك، فقال (ع): هيهات هيهات، إن هذا لشر علوت به يابن هند، ألم تعلم أن المجمعين عليك رجلان مطيع ومكره، فالطائع لك عاص لله، والمكروه معذور عند الله، وحاشا الله أن أقول أنا خير منك، لانك لا خير فيك، وإن الله تعالى قد برأني من الرذائل كما برأك من الفضائل، فهل لك أب كأبي تبايعني به، أو لك قديم كقديمي تساميني به، فهل تقول نعم يا معاوية، أو تقول لا ؟ فقال: بل اقول نعم وهي لك تصديق، فتعجب الحاضرون من ذلك ومن كلام الحسن، وأدركت معاوية الندامة وقال: أصاب متثبت أو كاد، وأخطأ عجل أو كاد، ماذا أردت من خطبة الحسن، ثم أن معاوية صعد المنبر فخطب خطبة طويلة وذكر عليا ونال منه، فقام له الحسين ويده في قائم سيفه، فأخذه الحسن بيده وقال: أيها الذاكر عليا أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول الله وجدك عتبة، وجدتي خديجة وجدتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرا وألامنا حسبا وأشرفا، قديما وحديثا، وأقدمنا كفرا ونفاقا. فقالت طوائف من أهل المسجد: آمين. قال الفضل بن الحسن البصري راوي هذا الحديث: آمين، وقال يحيى بن معين، آمين، وأنا أقول: آمين، وقال علي بن الحسين الاصبهاني: آمين، وقال عبد الحميد بن أبي الحديد: آمين، قلت ويقول مؤلف هذا الكتاب: آمين، ورحم الله عبدا قال: آمين. ثم خرج الحسن وأخوه الحسين من المسجد، فدخل عليه وجوه الشيعة وأكابر أصحاب أمير المؤمنين يلومونه على الصلح ويبكون إليه جزعا مما فعله،

[ 109 ]

فروي أنه دخل عليه سفيان بن أبي الليل النهدي، قال سفيان: فأتيت إليه وعنده رهط من شيعته وهو جالس بفناء داره، فقلت له: السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال، وعليك السلام يا سفيان انزل، فنزلت وعقلت راحلتي، ثم أتيت وجلست إلى جانبه، فقال لي، كيف قلت يا سفيان ؟ قال: قلت السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال: ما جرى هذا منك إلينا ؟ قلت: أنت والله بأبي وامي أذللت رقابنا حيث أعطيت هذا الطاغية البيعة وسلمت له الامر ومعك مائة الف كلهم يموتون دونك، فقد جمع الله عليك أمر الناس، فقال لي: يا سفيان إنا أهل بيت إذا علمنا الحق تمسكنا به، وإني سمعت عليا يقول: لن تنقضي الليالي والايام حتى يجتمع أمر هذه الامة على رجل واسع السرة، ضخم البلعوم، يأكل ولا يشبع، لا ينظر الله إليه ولا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر ولا في الارض ناصر، وإنه لمعاوية، وقد عرفت أن الله بالغ أمره، ثم أمر المؤذن أن يؤذن، فقمنا على حالب يحلب ناقة، فتناول الحسن الاناء وشرب قائما. ثم سقاني، وخرج وخرجنا إلى المسجد، فقال: ما جاء بك يا سفيان ؟ قلت: حبكم والذي بعث محمد بالحق نبيا بالهدى ودين الحق، قال: ابشر يا سفيان، فإني سمعت رسول الله يقول: يرد على الحوض أهل بيتي ومن تبعهم من أمتي كهاتين، أحدهما تفضل على الاخرى، ابشر يا سفيان فإن الدنيا تسع البر والفاجر، حتى يبعث الله إمام الحق من آل محمد، ولما وصل خبر الصلح إلى حجر بن عدي رضى الله عنه، اغتم غما شديدا وأنشأ بهذه الابيات يقول: [ أتاني فريق العال من آل مسكن * بأن إمام الحق أضحى مسالما ] [ فما زلت مدنيفا له بكآبة * أراعي نجوما خاشع الطرف واجما ] [ فراجعت نفسي ثم قلت لها اصبري * فإن إمامي كان بالامر عالما ] [ فبلغه عني أنني كنت شيعة * له وعلى أعدائه كنت ناقما ] [ أطاعنهم بالرمح في رهج الوغى * وأعلوا بسيفي هامهم والجماجما ] [ ونحن لمن سالمت سلم ومن يكن * عدوك نقرعه العداوة راغما ]

[ 110 ]

قال: ثم أتى الحسن ودخل بيته ودخل معه المسيب بن نجبة وعبيدة بن عمر الكندي، فقال المسيب بن نجبة للحسن: ما ينقضي عجبي منك، بايعت معاوية ومعك أربعون ألفا، ولم تأخذ لنفسك وثيقة وعهدا، أعطاك أمرا فيما بينك وبينه. ثم قال: ما سمعت أما والله ما أراد بها غيرك، فقال الحسن: فما ترى ؟ قال: أن ترجع لما كنت عليه، فقد نقض ما كان بينك وبينه، ثم قال: يا مسيب لو أردت بما فعلت الدنيا لم يكن معاوية بأصبر على اللقاء، ولا أثبت عند الحرب مني، ولكن أردت إصلاحكم وكف بعضكم عن بعض فارضوا بقضاء الله وقدره حتى يستريح بر ويستراح من فاجر، ودخل عبيدة بن عمر الكندي على الحسن، وكان قد ضرب على وجهه ضربة وهو مع قيس بن سعد، فقال له الحسن: ماذا أرى بوجهك ؟ فقال: أصبت مع قيس بن سعد بن عبادة، فالتفت حجر بن عدي رضي الله عنه إلى الحسن وقال: لوددت أنك مت قبل هذا ولم يكن ما كان، إنا رجعنا راغمين بما كرهنا، ورجعوا مسرورين بما أحبوا، فتغير وجه الحسن (ع) وغمز الحسين (ع) حجرا فسكت حجر. فقال الحسن: يا حجر ليس كل الناس تحب ما تحب، ولا رأيهم رأيك، ولا فعلت ما فعلت إلا اتقاء عليك، والله كل يوم هو في شأن، يا حجر إن رسول الله (ص) رفع له ملك بني أمية، فنظر إليهم يعلون منبره واحدا بعد واحد، فشق عليه ذلك، فأنزل الله في ذلك قرآنا، قال: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن) (1). وسمعت أبي علي بن أبي طالب يقول: سيلي أمر هذه الامة رجل واسع البلعوم كبير البطن، فسألته من هو ؟ فقال: معاوية، وقال: إن القرآن نطق بملك بني أمية ومدتهم قال الله تعالى: (ليلة القدر خير من ألف شهر) (2) * (هامش ص 110) (1) سورة الاسراء، الآية: 60. (2) سورة القدر، الآية: 3. *

[ 111 ]

ولما وقع الصلح بين الحسن ومعاوية انعزل قيس بن سعد بن عبادة ومن معه، وكان معه أربعة ألاف فارس، فأبى أن يبايع، فألزمه معاوية على البيعة وأكرهه على ذلك، فجاء قيس بن سعد إلى الحسن وقال له: يا ابن رسول الله أنا في حل من بيعتك ؟ قال: نعم، فانصرف قيس وبايع، وكان قيس رجلا طويلا إذا ركب الفرس المشرف رجلاه تخطان في الارض وما في وجهه طاقة شعر، وكان يسمى خصي الانصار لقلة شعره، فلما أرادوا إدخاله على معاوية للبيعة قال: إني حلفت لا ألقاه إلا وبيني وبينه الرمح والسيف، فأمر معاوية بإحضار رمح وسيف ليبر يمينه، ودخل على معاوية، فوضع له كرسي وجلس معاوية على سريره والحسن (ع) معه، فقال له، أتبايع يا قيس ؟ قال: نعم، فوضع يده على فخذه ولم يمدها إلى معاوية، فأكب معاوية على قيس بن سعد بن عبادة حتى مسح يده على يده، ولم يرفع قيس إليه يده. ثم أن الحسن (ع) أقام في الكوفة أياما، ثم تجهز للشخوص إلى المدينة فدخل عليه المسيب بن نجية وظبيان بن عمارة لوداعه، فقال الحسن: الحمد لله الغالب على أمره، لو اجتمع الخلق جميعا على أن لا يكون ما هو كائن ما استطاعوا، فقال أخوه الحسين (ع) للمسيب: لقد كنت كارها لما كان طيب النفس على سبيل أبي حتى أعزم على أخي فأطعنه، فكأنما يجذ أنفي بالمواسي، ولكنه الامام وتجب علينا طاعته، قال المسيب: إنه والله ما يكبر علينا هذا الامر إلا أن تضاموا وتقصوا وأما نحن فإنهم يطلبون مودتنا بكل ما قدروا عليه، فقال الحسين (ع): يا مسيب إنا نعلم أنك تحبنا، فقال الحسن (ع): سمعت ابي يقول: سمعت رسول الله يقول: من أحب قوما كان معهم، فعرض له المسيب وظبيان بالرجوع عن المسير فقال: ليس إلى ذلك من سبيل، فلما كان من الغد خرج (ع) بأهله وإخوته وأولاده وجميع من يليه من أهل بيته، وخرج سائرا، فلما صار بدير هند، نظر إلى الكوفة وقال: [ وما عن قلا فارقت دار معاشري * هم المانعوني حوزتي وذماري ]

[ 112 ]

[ ولكنه ما حم لا بد واقع * وما هذه الدنيا بدار قراري ] فكأني بلسان حال تلك المنازل حيث عظم عليها لفراقه الخطب النازل وساورها الخطب الهائل القيم الدائم، فاشتمل عليه الغم المتراكم لفراق تلك الاخلاق المسكية العطرة، والشمائل الزكية النضرة، والاستيحاش من الانس بالتهجد في الاسحار والاشراق بالعلوم، والاذكار بالليل والنهار، وفقد أياديهم المقلدة أعناق الزمان بالفضل والاحسان، تبكيهم من قلب ذائب بايد، وطرف ساجم غير جامد، ويبدي الشكاية والحنين، ويدعوهم من قلب حزين، وينشد ويقول بما قال بعض ذوي العقول: [ لقد كنت أبكي والديار أنيسة * وما ضغنت للطاعنين قفول ] [ فكيف وقد شط المزار وروعت * فريق التداني فرقة ورحيل ] [ إذا غبتم عن ربع حلة بابل * فلا سبحت للسحب فيه ذيول ] [ ولا هب معتل النسيم ولا سرى * بليل على تلك الربوع بليل ] [ وما النفع فيها وهي غير أواهل * ومعهدها ممن عهدت محيل ] [ تنكر منها عرفها فاهيلها * غريب وفيها الاجنبي اهيل ] [ نقاضي النوى مني فما لظلاله * مقيل ولا مما جناه مقيل ] [ فحسبي إن شطت بكم غربة النوى * علاج يحول لا يكاد يحول ] [ لعل الصبا إن شطت الدار أو نأى * مثالكم أو عز منك مثيل ] [ تمر بنا في الليل وهنا عسى بها * يداوي عليل أو يبل غليل ] [ أروم بمعتل الصبا بروء علتي * وأعجب ما يشفي العليل غليل ] [ فليس بمجد فيك وجدي ولا البكا * مفيدي ولا الصبر الجميل جميل ] [ فإن خف حزن الثاكلات لسلوة * فحزني على مر الدهور ثقيل ] ثم سار الحسن حتى دخل المدينة، فأقام بها ملازما بيته، كاظما غيظه، مسلما لله أمره، ثم توجه إلى بيت الله الحرام، وساق معه المحامل، وحج

[ 113 ]

بيت الله ماشيا لم يركب قط، وقد فعل ذلك عشرين سنة. وروى الكليني مرسلا عن أبي أسامة، عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال: خرج الحسن إلى مكة، فلما كان في بعض الطريق ورمت قدماه من المشي، فقال له بعض مواليه: لو ركبت يا سيدي لسكن هذا الورم، قال: كلا إذا أتينا هذا المنزل، فإنه سيستقبلك غلام معه دهنا، فاشتر منه ولا تماكسه، فقال له مولاه: بأبي أنت وأمي ما قدامنا منزل فيه أحد يبيع هذا الدواء، قال: بلى فإنه أمامك دون المنزل، فساروا أميالا، فإذا هم بالغلام، فقال الحسن لمولاه: دونك الرجل خذ منه الدهن وأعطه الثمن، فقال له، الاسود: يا غلام لمن أردت هذا الدهن ؟ فقال: للحسن بن علي، فقال: انطلق بي إليه، فانطلق به وأدخله عليه، فقال: بأبي أنت وأمي لم أعلم أنك محتاج إلى هذا الدهن ولست آخذا له ثمنا، إنما أنا مولاك، ولكن ادع الله تعالى أن يرزقني ولدا ذكرا يحبكم أهل البيت، فإني خلفت أهلي تمخض: فقال (ع): انطلق إلى منزلك فقد وهب الله لك ذكرا سويا وهو من شيعتنا، ثم سار (ع) من ذلك المنزل، وكان معه رجل من ولد الزبير يتوالاه ويقر بإمامته، فنزلوا منزلا تحت نخل يابس، ففرش للحسن تحت نخلة والزبيري تحت نخلة أخرى، فقال الزبيري: لو كان في هذه النخلة رطب لاكلنا منه، فقال الحسن: وإنك لتشتهي الرطب ؟ فقال الزبيري: نعم، فرفع يده إلى السماء ودعى الله سبحانه وتعالى بكلام لم أفهمه، فاخضرت النخلة وصارت إلى حالها وحملت رطبا، فقال الجمال الذي أكتروا منه: سحر والله، فقال الحسن: يا ويلك ليس هذا سحر، ولكنها دعوة ابن بنت نبي مستجابة، فصعدوا وصرموا ما كان في النخلة وكفاهم وساروا إلى مكة ودخلوها، وكان معاوية قد أمر على الحاج تلك السنة عمرو بن العاص، فلقي عمرو بن العاص الحسن في الطواف، فقال له عمرو: يا حسن زعمت أن الدين لا يقوم إلا بك وبأبيك، فقد رأيت [ كيف ] أقامه معاوية، فجعله راسيا بعد ميله، وبينا بعد خفائه،

[ 114 ]

أفرضي الله بقتل عثمان، أو من الحق أن تطوف بالبيت كما يطوف الجمل بالطحن، عليك ثياب كغرقى البيض وأبوك قاتل عثمان، والله إنه لالم للشعث وأسهل للوعث أن يوردك معاوية حياض أبيك. فقال الحسن: إن لاهل النار علامات يعرفون بها، المحادة لاولياء الله، والموالاة لاعداء الله، والله إنك لتعلم أن عليا لم يرتاب في الدين، ولا شك في الله طرفة عين قط، وأيم الله لتنتهين يا ابن أم عمرو أو لانفذن في حضينتك بنوافد أشد من القعضبية، فإياك والتهجم علي، فاني لست ممن عرفت بضعيف الغيرة ولا هش المساسة ولا مري المآكلة، وإني من قريش كواسطة القلادة، يعرف حسبي ونسبي، ولا ادعي لغير أبي، وأنت ممن تعلم وتعلم الناس، تحاكمت فيك رجال من قريش، فغلب عليك جزارها ألثما حسبا وأدناها لوما، فإياك عني، فإنك رجس ونحن أهل بيت الطهارة، أذهب الله عنا الرجس وطهرنا تطهيرا، فانصرف عمرو حزينا كئيبا يرعد خوفا، فقال له بعض من كان معه من أصحابه: مالك يا عمرو رعدت وفحمت ؟ فقال له: ذكرت يا ويلكم بكلامه شجاعة أبيه علي بن أبي طالب، فلم أملك على نفسي، فأنشد يقول: [ أما حسن يا ابن الذي كان قلبه * إذا سار سار الموت حيث يسير ] [ وهل يلد الريبال إلا نظيره * وذا حسن شبه له ونظير ] [ ولكنه لو يوزن الحلم والحجى * بأمر لقالوا يذبل وتبير ] ثم أن معاوية لا زال بعد الاستقرار بالامر يتجبر في ملكه ويفتك بشيعة أمير المؤمنين، ثم انه استلحق بزياد، وأشاع بإخوته مراغمة لرسول الله، حيث قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر، ثم توصل إلى حجر بن عدي الزاهد العابد، فقتله رحمة الله عليه مع أصحابه، لانه عرض عليه البراءة من علي بن أبي طالب فأبى فقتله. وروي أن حجرا دخل على علي عند حضور وفاته، فالتفت إليه أمير المؤمنين، فقال له: كيف لي بك يا حجر إذا دعيت إلى سبي والبراءة

[ 115 ]

مني، فقال: لا والله يا أمير المؤمنين، بل اسمح بنفسي دونك، فقال له: وفقت لكل خير يا حجر. وكان الحسن البصري يقول: أربع خصال في معاوية لو لم تكن فيه إلا واحدة لكانت عليه موبقة عظيمة: انتزاؤه على هذه الامة بالسفهاء، حتى ابتزها أمرها من غير مشاورة مشير، ولا طاعة أهل الدين، وفيهم بقايا الصحابة وأهل الدين والرأي، وإعادته زياد وقد قال رسول الله: الولد للفراش وللعاهر الحجر، وتوليته ابنه يزيد رقاب المسلمين وهو سكير خمير، يلبس الحرير، ويلعب بالطنابير، وقتله حجر بن عدي وأصحابه، ثم ولي العراق زياد وسلطه على شيعة علي، فما زال زياد يتتبع شيعة علي قتلا ونهبا وغيلة وحبسا وتمثيلا بهم بأنواع العذاب، ثم نادى منادي زياد بالكوفة: إني ممهلكم ثلاثة أيام، ثم أعرض عليكم البراءة من علي بن أبي طالب، فمن أبى ضربت عنقه وقتلت ذويه وأصحابه وأخذت ماله، فأصبحت الشيعة بالكوفة تضج من الحزن والتجأوا إلى الله تعالى، فابتلى الله زياد بقرحة في حلقه فهلك في اليوم الثاني، وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار. ثم إنه لما تم الامر لمعاوية عشر سنين، عزم أن يجعل ابنه يزيد ولي عهده، فنظر في نفسه فرأى أن أثقل الناس عليه مؤنة الحسن بن علي وسعد بن أبي وقاص الزهري. أما الحسن فلن تعدل الناس عنه إلى يزيد، لانه إبن بنت رسول الله. وأما سعد فإنه من الصحابة أحد الستة أصحاب الشورى، فتوصل إلى هلاكهما بكل وجه حتى يخلو له الامر عن منازع ينازعه في ذلك، فأرسل إلى سعد رجلا فدس إليه سما فمات، ثم عزم على هلاك الحسن بن علي فأرسل إلى الاشعث بن قيس وهو قبل ذلك من حزب علي، فولاه أذر بيجان، فاقتطع من فئ مال المسلمين مالا وهرب به إلى معاوية وبقي عنده، فاستشاره معاوية في هلاك الحسن، فقال له: الرأي عندي أن ترسل إلى ابنتي جعدة فإنها تحت الحسن وتعطيها مالا جزيلا، وتعدها أن تزوجها من ابنك يزيد،

[ 116 ]

وتأمرها أن تسم الحسن. فقال معاوية: نعم الرأي، وليكن أنت الرسول إليها، فقال: لا بل يكون الرسول غيري، لاني إذا سرت إليها يستوحش الحسن من ذلك، فربما فات المراد، فاستدعى معاوية رجلا من بطانته وخاصته، ودفع إليه مائة ألف درهم، وكتب معه كتابا إلى جعدة بنت الاشعث، وأوعدها بالعطاء الجزيل، وأن يزوجها من ابنه يزيد إذا قتلت الحسن. فسار الرجل ونزل في بعض بيوت المدينة، وأرسل إلى جعدة سرا، فأتت إليه، فدفع لها المال والكتاب الذي من عند معاوية، فسرت الملعونة بذلك سرورا عظيما، وكانت على رأي أبيها من بغض علي بن أبي طالب، وعلمت أن أباها هو الذي أشار على معاوية بذلك، فما زالت الملعونة تتربص به الغرة وتنتهز فيه الفرصة والغفلة، حتى كانت ليلة من الليالي قدم إلى منزله، وكان صائما في يوم صائف شديد الحر، فقدمت إليه طعاما فيه لبن ممزوج بعسل قد ألقت فيه سما، فلما شربه أحس بالسم، فالتفت إلى جعدة وقال لها: قتلتني يا عدوة الله قتلك الله، وأيم الله لا تصيبين مني خلفا، ولقد غرك وسخر بك فالله مخزيه ومخزيك. ثم أنه (ع) لزم البيت وألزم نفسه الصبر وسلم لله الامر، فاشتد الامر عليه، فبقي طوال ليلته فأكب عليه ولده عبد الله وقال له: يا أبت هل رأيت شيئا فقد أغممتنا ؟ فقال: يا بني هي والله نفسي التي لم أصب بمثلها، ثم قال: افرشوا لي في صحن الدار واخرجوني لعلي أنظر في ملكوت السماوات، ففرش له في صحن الدار وأخرج فراشه، فدخل عليه أخوه الحسين فرآه متغيرا وجهه مائلا بدنه إلى الخضرة، فقال له الحسين: بأبي أنت وأمي ما بك فقال له: يا أخي صح حديث جدي رسول الله في وفيك، فقال له: ما حدثك به جدك وماذا سمعت منه ؟ فبكى الحسن ومد يده إلى أخيه الحسين واعتنقا طويلا وبكيا بكاء شديدا، ثم قال: أخبرني رسول الله أنه قال: مررت ليلة المعراج على منازل أهل الايمان وبروضات الجنان، فرأيت قصرين عاليين متجاورين

[ 117 ]

على صفة واحدة، لكن أحدهما من الزبرجد الاخضر، والثاني من الياقوت الاحمر، فاستحسنتهما وشاقني حسنهما، فقلت: يا أخي جبرائيل لمن هذان القصران ؟ فقال، أحدهما لولدك الحسن، والآخر لولدك الحسين، فقلت: يا أخي لم لا يكونان على لون واحد ؟ فسكت جبرائيل ولم يرد جوابا، فقلت: لم لا تتكلم ؟ فقال: حياء منك يا محمد، فقلت: بالله عليك إلا ما أخبرتني، فقال: أما خضرة قصر الحسن، فإنه يسم ويخضر لونه عند موته، وأما حمرة قصر الحسين، فإنه يقتل ويذبح ويخضب شيبه من بدنه، فعند ذلك بكيا وضج الناس بالبكاء والنحيب. وحدث عمر بن إسحاق، قال: دخلت أنا ورجل على الحسن نعوده، فقال: يا فلان سلني ؟ فقال: لا والله لا أسألك حتى يعافيك الله ثم نسألك، ثم انه دخل إلى الخلاء، ثم خرج إلينا، فقال: سلني قبل أن لا تسألني، قال: بل يعافيك الله، وأسألك، ثم انه قال: لقد رميت قطعة من كبدي، واني قد سقيت السم مرارا فلم اسق مثل هذه المرة، ثم دخلت عليه من الغد وهو يجود بنفسه والحسين عند رأسه، فقال: يا أخي من تتهم ؟ فقال: وما ذا تريد منه ؟ فقال: لاقتله، فقال: إن يكن، الذي أظنه فالله أشد نقمة منك وأشد تنكيلا، وإن لم يكن فما أحب أن يؤخذ بي برئ، ثم أن الحسين بكى لما رأى من حال أخيه، فقال له الحسن: أتبكى يا أبا عبد الله وأنا الذي يؤتى إلى بالسم فأقضي به، ولكن لا يوم كيومك، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل يدعون أنهم من أمة جدك فيقتلونك، ويقتلون بنيك وذريتك، ويسبون حريمك، ويسيرون برأسك هدية إلى أطراف البلاد، فاصبر يا أبا عبد الله، فأنت شهيد هذه الامة، فعليك بتقوى الله، والصبر والتسليم لامره، والتفويض له، لتنال الاجر الذي وعدنا به، فقال له الحسين (ع) ستجدني إن شاء الله صابرا راضيا مسلما له الامر، وأهون علي ما نزل بي أنه بعين الله، فقال له الحسن: وفقت لكل خير يا أبا عبد الله. ثم أن الحسن (ع) قام في مرضه أربعين يوما، ثم أنه لما تحقق دنو

[ 118 ]

أجله، دعى بالحسين ونصبه علما للناس، ودفع إليه كتب رسول الله (ص) وسلاحه، وكتب أمير المؤمنين (ع) وسلاحه، وأوصاه بجميع ما أوصى به أمير المؤمنين، ثم قال له: يا أخي إني مفارقك ولا حق بربي عزوجل، وقد سقيت السم ورميت بكبدي في الطشت، وإني لعارف بمن سقاني السم ومن أين دهيت، وأنا أخاصمه عند الله، فبحقي عليك لا تهرق في أمري مل ء محجمة دما، فإذا قضيت نحبي، فغمضني، وغسلني، وكفني، واحملني على سريري إلى قبر جدي رسول الله، لاجدد به عهدا وميثاقا، ثم ردني إلى قبر جدتي فاطمة بنت أسد، وادفني هناك، وستعلم يا ابن أمي أن القوم يظنون أنكم تريدون دفني عند جدي، فيجدون في منعك، فبالله أقسم عليك لا تهرق في أمري مل ء محجمة دما. ثم أوصاه بجميع أهله وأولاده، وما كان أوصى به أمير المؤمنين حين استخلفه وأهله، ودل شيعته على إمامته ونصبه لهم علما من بعده، ثم التفت إلى أولاده وإخوته وأمرهم باتباع الحسين، وأن لا يخالفوا له أمرا. ثم أنه لما حضره الموت وكان الحسين (ع) عنده جعل يجود بنفسه، فقال له أخوه الحسين يعزيه: يا أخي ما هذا الجزع ؟ إنك ترد على رسول الله وعلى علي وهما أبواك، وعلى خديجة وفاطمة وهما أماك، وعلى القاسم والطاهر وهما خالاك، وعلى حمزة وجعفر وهما عماك، فقال له الحسن (ع): إني أدخل في أمر لم أدخل في مثله، وأرى خلقا من خلق الله لم أر مثلهم قط. فبكى الحسين. ثم أن الحسن قال أستودعكم الله، والله خليفتي عليكم، ثم أنه غمض عينيه ومد يديه ورجليه، ثم قضى نحبه وهو يحمد الله ويقول: لا إله إلا الله، فضج الناس ضجة عظيمة، وصار كيوم مات رسول الله، وخرج أولاده وإخوته يبكون وينوحون، وأمثل بنو هاشم رجالا ونساء يبكون عليه ويدعون بالويل والثبور وعظائم الامور.

[ 119 ]

ثم أن الحسين قام في جهاز أخيه الحسن، وأمر عبد الله بن العباس وعبد الله بن جعفر أن يناولاه الماء، فغسله، وحنطه، وكفنه، كما أمره، وصلى عليه في جملة أهل بيته وشيعته. ثم إن والي المدينة سعيد بن العاص أتى وصلى على الحسن، وأمر الناس بالصلاة عليه. ثم أنهم حملوه على سريره إلى قبر رسول الله ليجددوا عهدا. ثم أنه أتى مروان بن الحكم وخرج شاكا في سلاحه، ومعه بنو أمية شاكين في السلاح، وهم لا يشكون أنهم يريدون دفن الحسن عند جده رسول الله، فتجمعوا ولبسوا السلاح، فلما توجه الحسين إلى قبر جده أقبلوا في جمعهم، ولحقتهم عائشة على بغل وهي تقول: ما لي ولكم يا بني هاشم، أتريدون أن تدفنوا في بيتي من لا أحب. وجعل مروان بن الحكم يقول: يا رب هيجا هي خير من دعة أيدفن عثمان في أقصى المدينة، ويدفن الحسن عند جده رسول الله ؟ والله لا يكون ذلك أبدا وأنا أحمل السيف، وكادت تقع بينهم فتنة عظيمة بين بني أمية، فبادر ابن عباس إلى مروان بن الحكم وقال له: ارجع من حيث جئت، فإنا لا نريد دفنه عند رسول الله، لكن جئنا لنجدد به عهدا وميثاقا عند جده، ثم نرده إلى قبر جدته فاطمة بنت أسد وندفنه هناك لوصية تقدمت منه، ولو كان أوصى بدفنه عند جده لعلمت أنك أقصر باعا عن ردنا عن ذلك، ولكنه أعلم بالله ورسله وبحرمة قبره أن يطرقه هدم كما طرق ذلك غيره ودخل بيته بغير أذنه. ثم أقبل على عائشة وقال لها: واسوأتاه لك، يوما على جمل ويوما على بغل، تريدين أن تطفئي نور الله وتقاتلين مع أعداء الله، ارجعي فقد كفيتي ما تخافين وبلغتي ما تحبين، والله منتصر لاهل هذا البيت ولو بعد حين.

[ 120 ]

[ ويوم الحسن الهادي على بغلك أسرعت * تجملت تبغلت وان عشت تفيلت ] [ وفي بيت رسول الله بالظلم تحكمت * لك التسع من الثمن وبالكل تصرفت ] وقال: لو لا عهد الحسن إلي بحقن الدماء وأن لا أهرق في أمره مل ء محجمة دما، لعلمتم كيف تأخذ السيوف مأخذها منكم، فلقد نقضتم العهد الذي بيننا وبينكم، وأبطلتم ما اشترطنا عليكم لانفسنا وشيعتنا. ثم أنهم ألقوا السلاح وساروا بالحسن إلى البقيع، فجاء مروان بن الحكم بعد كف الفتنة ودخل تحت سرير الحسن وحمل جنازته، فقال له الحسين (ع): أتحمل اليوم سريره وبالامس كنت تجرعه الغيظ ؟ فقال مروان: كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال. ثم أنهم أوصلوا الحسن (ع) إلى البقيع، ونزل الحسين القبر ومعه عبد الله بن العباس وعبد الله بن جعفر، وألحده الحسين ودفنه وخرج من قبره باكيا حزينا، وهو يقول هذه الابيات: [ يا قبر سيدنا المجن سماحة * صلى عليك الله يا قبر ] [ ما ضر قبر أنت ساكنه * أن لا يحل بربعه القطر ] ورجع الحسين (ع) إلى منزله وجلس في معزى أخيه الحسن (ع)، وأقبل الناس من كل جانب ومكان يعزونه، وبكته نساء أهل بيته ونساء بني هاشم، وخرجت أم كلثوم، وكانت أكبر أخواتها تجر ذيلها متجللة بطرف ردائها، وهي تنشد وتقول: أخي حزني عليك اليوم باق * ويومي في التحس مثل أمسي ] [ أخي والله لا أنساك حتى * أوسد في الثرى وأحل رمسي ] [ عدمت تصبري فذعنت عني * فأصبح ثاكلا عبري وأمسي ] [ يذكرني طلوع الشمس صنوي * وأذكره بكل غروب شمس ]

[ 121 ]

[ ولو لا كثرة الباكين حولي * على إخوانهم لقتلت نفسي ] [ ولا يبكون مثل أخي ولكن * أسلي النفس عنه بالتأسي ] ثم أقبلت زينب بنت علي (ع) وشهقت شهقة كادت روحها أن تخرج منها، وبكت بكاء شديدا حتى غشي عليها، فلما أفاقت من غشوتها بكت وقالت: [ أخي إن كنت قد أبكيت عيني * فقد أضحكتني زمنا طويلا ] [ بكيتك في نساء معولات * وكنت أحق من يبدي العويلا ] [ دفعت بك الخطوب وأنت حي * فمن ذا يدفع الخطب الجليلا ] [ إذا قبح البكاء على قتيل * رأيت بكاءك الحسن الجميلا ] وفي رثاء الحسن يقول سليمان بن قبة وكان محبا له: [ يا كذب الله من نعى حسنا * ليس لتكذيب نعيه ثمن ] [ كنت خليلي وكنت خالصتي * لكل حي من أهله سكن ] [ أجول في الدار لا أراك وفي * الدار أناس جوارهم غبن ] [ أبدلتهم منك ليت أنهم * أضحوا وبيني وبينهم عدن ] ثم أن محمد بن الحنفية كان غائبا يوم وفاة أخيه الحسن (ع) فقدم في اليوم الثالث من وفاته، فسمع بموت أخيه الحسن، فبكى بكاء شديدا، ثم أتى للحسين (ع) وهو في المعزى، فلما رأى الحسين لم يتمالك في البكاء حتى غشى عليه زمنا طويلا، فلما أفاق من غشوته قال: بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله، لئن سررتني بحياتك فقد أحزنتني بفقدك، فنعم الكفن كفنا تضمن جسدك، ونعم القبر قبرا ضم جسمك، وكيف لا تكون كذلك وأنت ابن مأوى التقى، وخامس أهل العبا، ابن خير الاوصياء، وابن سيدة النساء، محلك من الشرف وسطا، وتقدمت فيه فرطا، فلئن كانت نفوسا غير طيبة بفراقك، فإنها

[ 122 ]

غير شاكية في الخير لك، صلوات الله وسلامه عليك يوم تموت ويوم تبعث حيا. ثم بكى بكاء شديدا وأنشأ يقول: [ سأبكيك ما دامت عيوني فإن تفض * فحسبك مني ما تجن الجوانح ] [ لئن حسنت فيك المراثي ووصفها * فقد حسنت من قبل فيك المدائح ] [ كأن لم يمت حي سواك ولم تقم * على أحد إلا عليك النوائح ] [ فما أنا من رزء وإن جل جازع * ولا بسرور بعد موتك فارح ] قال أبو الحسن المدائني: ووصل نعي الحسن من المدينة إلى البصرة في يومين وليلتين، فقال الجارود بن أبي سبرة: [ إذا كان شرا سار يوما وليلة * وإن كان خيرا جرد السير أربعا ] [ إذا ما بريد الشر أقبل نحونا * بإحدى الدواهي الربد سار وأسرعا ] وكان أول من نعى الحسن (ع) بالبصرة عبد الله بن أبي سلمة، نعاه لزياد، فخرج الحكم بن أبي العاص الثقفي فنعاه، فبكى الناس وأبو بكرة يومئذ مريض، فسمع الضجة، فقال: ما هذا ؟ فقالت امرأته منسية بنت سجام الثقفية: مات الحسن والحمد لله الذي أراح الناس منه، فقال لها أبو بكرة: اسكتي ويحك فقد أراحه من شر كثير، وفقد الناس بموته خير كثير. يرحم الله حسنا. وفي بعض الاخبار أن عبد الله بن العباس كان يوم موت الحسن (ع) بدمشق، فلما وصل نعي الحسن إلى دمشق أقبل معاوية إلى ابن عباس، فقال له معاوية: لا يحزنك الله ولا يسؤك، ثم جرى بينه وبينه كلام أغلظ فيه ابن عباس لمعاوية، فقال له: يا معاوية أصبحت سيد قومك، فقال: أما والحسين حي فلا، فكان ابن عباس يقول: إن أول ذل دخل على العرب موت الحسن،

[ 123 ]

ويحق لي أن أتمثل بهذه الابيات [ يا حي قومي فاندبين * بسحرة شجو النوائح ] [ المعولات الخامشات * وجوه حرات صحائح ] [ فكان سيل دموعها * الانضاب تخضب بالذبائح ] [ يبكين سادات أماجد * كأنهم المصابح ] [ شم بطارقة خضار * مة مسامح ] [ المشترون الحمد بالاموال * إن الحمد آنح ] [ والجامزون بلجمهم * أبدا إذا ما صاح صايح ] [ ذكرتني سبط الرسول * وكان مذ رهن المنافح ] [ عنا شديدات الامور * إذا ينوب لهن فادح ] [ يا سبط لا والله لا أنسا * ك ما ضر اللقائح ] [ لمناخ أضياف وأيتام * وأرملة تلامح ] [ ولما ينوب الدهر في * حرب لحرب فهو لافح ] [ إن يجنحن إلى العزا قلب * فقلبي غير جانح ] [ فلابكينك دائما * حتى أوسد في الصفائح ] [ إن البكاء هو الشفا * من الجوى بين الجوانح ] وكانت وفاة الحسن (ع) في شهر صفر لليلتين بقيتا منه، وقيل لليال خلت منه، سنة خمسين من الهجرة. وقال الشهيد رحمه الله في الدروس: قبض الحسن عام الخميس سابع شهر صفر. ومثله قال الكفعمي رحمة الله عليه وهو المشهور في زماننا هذا والمعول عليه. وفي رواية المدائني أنها في شهر ربيع الاول لليال خلت منه.

[ 124 ]

وكان عمره يوم مات سبع وأربعين سنة وأشهر، أقام منها مع جده رسول الله (ص) سبع سنين، أو ثمان سنين من الهجرة، وقام بالامر بعد أبيه علي بن أبي طالب (ع) وله سبع وثلاثون سنة. وأقام في خلافته ستة أشهر وثلاثة أيام، وصالح معاوية بن أبي سفيان إحدى وأربعين، وانما صالحه وهاونه خيفة على نفسه وأهل بيته وشيعته، لان جماعة من رؤساء الصحابة كاتبوا معاوية وضمنوا له تسليم الحسن (ع)، ولم يكن فيهم من يأمن غائلته، إلا فرقة قليلة من أهل بيته وشيعته، لا تقوم بقتال أهل الشام. وبعث إليه معاوية في الصلح وصالحه على شروط كثيرة منها: أن يترك السب عن علي (ع)، وأن يؤمن شيعته ولا يتعرض لاحد، فأجابه معاوية إلى ذلك وكتب كتاب الصلح. ثم خرج الحسن إلى المدينة وأقام بها عشر سنين، حتى دس إليه معاوية سما على يد زوجته جعدة بنت الاشعث، فانتقل إلى رضوان الله تعالى، فوفى معاوية لها بالمال الذي ضمنه لها وهو مائة ألف درهم، وطلبت منه أن يزوجها من يزيد فأبى، وقال: أخاف أن تفعلي بابني كما فعلت بالحسن، فخلف عليها بعد الحسن رجل من آل طلحة فأولدها، وكان إذا وقع بينه وبين بطون قريش كلام عيروه وقالوا له: يا ابن مسمة الازواج، وابتلاها الله بجنون ونقص في عقلها إلى أن ماتت لا رحمها الله.

[ 125 ]

في نسبه ووصفه (ع) وأما ذكر نسبه ووصفه فقد قال محمد بن طلحة الشامي: حصل للحسن والحسين ما لم يحصل لغيرهما، فإنهما سبطا النبي وريحانتاه، وسيدا شباب أهل الجنة، فجدهما النبي، وأبوهما علي، وأمهما الطهر البتول فاطمة بنت الرسول. [ نسب كأن عليه من شمس الضحى نورا * ومن فلق الصباح عمود ] وقال الشيخ علي بن عيسى الاربلي في هذا المقام. إن نسبه هو النسب الذي تضال عنده الانساب، وشرفه الذي سجل بصحته الاثر والكتاب، فهو وأخوه دوحتا النبوة التي طابت فرعا وأصلا، وشعبتا الفتوة التي سمت رفعة ونبلا، وانسانا عيني السيادة والفخار، وسليلي الشرف الذي أظهر الخيلا في مضر ونزار، وقد اكتنفها العز والشرف، ولازمهما السؤدد، فما له عنهما منصرف، وأحاط بهما المجد من طرفيهما، وتصورا من الجلالة فكادت تقطر من عطفيهما، وتكونا من الاريحية فهي تلوح من شمائلهما، وتبدو كما يبدو النهار على مخائلهما، بدءا الامثال والاضراب، فأين الضريب والمماثل، وترفعا في أوج الفتوة عن العديل والمساجل، وفاقا في طيب الاعراق، فطهارة الاخلاق رتبة الاواخر والاوائل، فعلت سماء

[ 126 ]

فضلهما عن اللمس، حتى قيل وأين الثريا من يد المتناول بسبب يتصل من قبل أمهما بمحمد بلا فصل، أبيهما علي يجتمع في عبد المطلب، فاعجب لطيب فرع وزكي أصل. [ أنتم ذووا النسب القصير وطولكم * ناد على الكبراء والاشراف ] [ والخمر إن قيل بنت العنب اكتفت * بأب عن الالقاب والاوصاف ] وأما صفته فانه كان أيضا مشوبا بحمرة، دقيق المشربة، حسن الوجه والمضحك، ربع من الرجال إلى الطول أقرب، كان أشبه برسول الله ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه [ برسول الله ] ما بين الصدر إلى قدمين.

[ 127 ]

في عدد أولاده (ع) وأما عدد أولاده فقد قال كمال الدين المفيد رحمه الله خمسة عشر ذكر وأنثي، زيد بن الحسن وأخته أم الحسن وأم الحسين أمهما أم بشر بنت أبي مسعود بن عقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجية، والحسن بن الحسن أمه خولة بنت منظور الفزارية، وعمرو وأخواه القاسم وعبد الله بن الحسن أمهم أم ولد، وعبد الرحمن بن الحسن أمه أم ولد، والحسين بن الحسن الملقب بالاثرم وأخوه طلحة بن الحسن وأختهما فاطمة بنت الحسن أمهم أم إسحاق بن طلحة بن عبد الله التيمي، وأم عبد الله وفاطمة الصغرى وأم سلمة ورقية بنات الحسن، فهن لامهات شتى. فأما عبد الرحمن، فإنه خرج مع عمه الحسين إلى الحج وتوفي بالابواء وهو محرم، والحسين بن الحسن المعروف بالاثرم كان له فضل وعبادة ولا بقية له، وطلحة بن الحسن كان جوادا كثير العطاء والصدقات، وأما عمرو بن الحسن فكان مع الحسين بكربلاء واستشهد، وعبد الله بن الحسن كان مع عمه الحسين وكان صغيرا لم يراهق ابن إحدى عشر سنة، فلما فني أنصار الحسين (ع) وعزم على لقاء الاعداء بنفسه أتى مودعا لنسائه، فسمع عبد الله، وداع عمه الحسين والوصية به، فلما خرج الحسين من الخيمة لحقه عبد الله فصاح الحسين بالنساء أمسكنه، فخرجن النساء ليردونه، فقال: اتركوني فوالله لا أفارق عمي أو أموت دونه، فانفلت من أيدي النساء ولحق عمه، فرأى

[ 128 ]

عبد الله مرة بن فضيل الازدي وهو هاو إلى الحسين بسيفه، فنادى يا ابن الزانية أتقتل عمي ؟ فالتفت إليه مرة وضربه بسيفه فاتقاها الغلام بيده فأطنها إلى الساعد، فصاح عبد الله: يا عماه أدركني، فحل عليه الحسين كما يحل الصقر على فريسته، فأتاه وقتل مرة، ثم وقف (ع) على الغلام وهو يحفص برجليه، فقال: عزيز على عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا ينفعك، صوت كثر والله واتره وقل ناصره، ولكن هون علي ما نزل بي أنه بعين الله. وأما القاسم بن الحسن، فإنه كان مع عمه الحسين بكربلاء، فلما رأى تفاني أصحاب الحسين وأهل بيته، أتى إلى عمه واستأذنه في البراز، فلم يأذن له، فقال له: يا ابن الاخ أنت العلامة من أخي، وأريد أن تبقى لاتسلى بك، فلم يأذن له في البراز، فجلس حزينا كئيبا من حر قلبه، فذكر أن أباه الحسن قد ربط له عوذة في عضده وقال له: يا ولدي إذا وقع عليك أمر شديد وهم عظيم فعليك بحل العوذة وقراءتها والعمل بما تراه مكتوبا فيها، فقال القاسم لنفسه إني مذ كنت إلى الآن لم يصيبني مثل هذا الهم والغم الذي أنا فيه، فأقبل إلى العوذة وفكها من عضده وقرأها، وإذا فيها: يا ولدي يا قاسم أوصيك إذا رأيت عمك الحسين بكربلاء وقد أحاطت به الاعداء، فلا تبخل عليه بروحك، وكلما نهاك عن البراز عاوده لتحظى بالسعادة الابدية. فلما وقف القاسم على العوذة أتى إلى عمه الحسين وعرض عليه ما فيها، فبكى الحسين بكاء شديدا وتنفس الصعداء وأن كمدا، فقال له: يا ابن الاخ هذه وصية لك من أبيك وعندي وصية أخرى منه لك ولا بد من إنفاذها. فجاء الحسين (ع) وأخذ بيد القاسم وأدخله الخيمة وطلب عونا وعباسا، وقال لام القاسم: أليس للقاسم ثياب جدد ؟ قالت: لا، فقال لاخته زينب:

[ 129 ]

ناوليني الصندوق الفلاني، فأتت به، ففتحه وأخرج منه قباء الحسن وعمامته وألبسهما القاسم ومسك بيد ابنته المسماة للقاسم وعقد له عليها وأفرد له خيمة وخرج عنهما، فعاد القاسم ينظر إلى ابنة عمه ويبكي إلى ان سمع الاعداء ينادون: هل من مبارز ؟ فرمى بيد زوجته وأراد الخروج فجذبت ذيله ومانعته عن الخروج وهي تقول: ما الذي تريده ؟ فقال: أريد ملاقاة الاعداء، فلزمت ذيله، فقال لها: خلي ذيلي فإن عرسنا أخرناه إلى الآخرة، فبكت لذلك بكاء شديدا وانفجع أهل البيت بالبكاء والنحيب، ثم قالت له: يا قاسم أنت تقول عرسنا أخرناه للآخرة وفي الآخرة بأي شئ أعرفك، قال: فمسك القاسم يده وضرب بها على ردنه فقطعها وقال: اعرفيني بهذه الردن المقطوعة، قال: فانفجع أهل البيت بالبكاء والنحيب لفعل القاسم وبكوا ونادوا بالويل والثبور وعظائم الامور. ثم أن القاسم ركب جواده وخرج للبراز، فلما رآه الحسين قال له: يا ولدي أتمشي برجلك إلى الموت ؟ فقال: نعم يا عم وكيف لا أمشي برجلي إلى الموت وأنت بين الاعداء وحيدا فريدا لم تجد محاميا ولا معينا، روحي لروحك الفدا، ونفسي لنفسك الوقا. فعند ذلك برز القاسم إلى الميدان، ولم يزل يجاهد أعداء الله حتى غلب عليه العطش، فرجع إلى عمه الحسين وقال: العطش العطش يا عماه، أدركني بشربة من الماء فصبره الحسين وقال له: ما أسرع ما تلقي جدك رسول الله فيسقيك شربة لا تظمأ بعدها أبدا، ثم أعطاه خاتمه فمصه، فصار له ماء منه، فارتوى وانقلب إلى الميدان، فلم يزل يقاتل وقد جعل همته على صاحب لواء عمر بن سعد، فاحتاطوا به من كل جانب ومكان بالنبل، فضربه شيبة بن سعد الشامي بالرمح في ظهره أخرجه من صدره، فوقع القاسم يخور في دمه ونادى: يا عماه أدركني، فجاء إليه الحسين وقتل قاتله وحمله إلى الخيمة ووضعه فيها، ففتح القاسم عينيه فرأى عمه الحسين قد احتضنه وهو

[ 130 ]

يبكي ويقول: قتل الله قاتلك يا بني وأصلاه نار جهنم، يعز على عمك أن تدعوه وأنت مقتول. ثم أن الحسين (ع) ألقاه على أهل بيته وبكى أهل البيت وابنة عمه تبكي بكاء شديدا. أما الحسن بن الحسن (ع) فإنه كان مع عمه الحسين بكربلاء، فجاهد معه جهاد الاسد الباسل، وبالغ معه على احتمال الخطب النازل، حتى أثخن بالجراح، وبقي ملقى لم يكن به حراك إلى أن قتل عمه الحسين، وأتى أعداء الله للتجهيز على الجرحى، فوجدوا الحسن بن الحسن ملقى بين القتلى وبه نفس، فأرادوا أن يجهزوا عليه، فعرفه أسماء بن خارجة وكان بينه وبينه خولة، فمنعهم عنه، وقال: والله لا أدعكم تجهزون على ابن خولة أبدا. وكانت أم الحسن بن الحسن خولة الفزارية أمها مليكة أخت أسماء بن خارجة، فقال عمر بن سعد: اتركوه لابي حسن ابن أخته، فترك، فأخذه أسماء بن خارجة وحمله إلى منزله، فبقى يعالج جراحاته حتى برئ ورجع إلى المدينة. وكان الحسن بن الحسن جليلا، فاضلا، ورعا، عالما، وكان يلي صدقات رسول الله (ص) بإجازة علي بن الحسين زين العابدين (ع). وله مع الحجاج خبر رواه الزبير بن بكار، قال: وكان الحسن بن الحسن والي على صدقات رسول الله في عصره، فساير الحجاج يوما وكان إذ ذاك أمير المدينة، فقال له الحجاج: ادخل عمربن علي في صدقات رسول الله، فإنه عمك وبقية أهلك، فقال الحسن: لا أفعل ولا غير شرطا علي، ولا أدخل فيه من لا يدخله، فانه جعل الولاية لنسل فاطمة خاصة، فقال الحجاج: إذا أنا أدخله، فقال الحسن بن الحسن، تنكص عنه، فصبر حتى غفل الحجاج عنه

[ 131 ]

ثم خرج من وقته ذلك، وتوجه إلى عبد الملك بن مروان، حتى قدم عليه في الشام، فوقف ببابه يطلب الاذن، فمر به يحيى ابن أم الحكم، فلما رآه يحيى مال إليه وسلم عليه، وسأله عن قدومه، فأخبره وقال: إني سأنفعك عند عبد الملك، فلما دخل على عبد الملك قال له: لقد أسرع إليك الشيب يا أبا محمد، فقال يحيى بن أم الحكم ما يمنعه يا أمير شيبه أماني أهل العراق لقدوم الركب عليه يمنونه الخلافة، فأقبل إليه الحسن بن الحسن وقال له: بئس الرفد رفدك، ليس الامر كما قلت، ولكنا أهل بيت يسرع إلينا الشيب وعبد الملك يسمع، فأقبل إليه عبد الملك وقال: هلم لما جئت له، فأخبره بقول - الحجاج، فقال: ليس ذلك له، أكتب إليه كتابا لا يتجاوزه، فكتب إليه، ووصل الحسن بصلة فأحسن صلته. فلما خرج من عنده لحقه يحيى بن أم الحكم، فعاتبه الحسن بن الحسن (ع) على سوء محضره، فقال له: هذا الذي وعدتني من رفدك ؟ فقال له يحيى: أيها عليك والله لا يزال يهابك، ولولا هيبتك ما قضى لك حاجة، والله ما أراد بذلك رفدك. وروي أن الحسن بن الحسن خطب إلى عمه الحسين إحدي ابنتيه، فقال له الحسين: اختر أيهما شئت، فاستحى الحسن ولم يرد جوابا، فقال له الحسين، يا بني إني اخترت لك ابنتي فاطمة فهي أكثر شبها بأمي فاطمة بنت محمد، فزوجه بها، وقبض الحسن بن الحسن وله خمس وثلاثون سنة، ولما مات رحمه الله ضربت فاطمة بنت الحسين فسطاطا تقرأ عنده القرآن، وكانت تصوم النهار وتقوم الليل، وكانت تشبه الحور العين لجمالها. فلما كان رأس السنة، قالت لمواليها: إذ أظلم الليل قوضوا هذا الفسطاط، فلما أظلم الليل سمعت قائلا يقول: هل وجدوا من فقدوا ؟ فأجابه آخر: بل يئسوا فانقلبوا، فمضى الحسن بن الحسن ولم يدع الامامة، ولا ادعاها له مدع.

[ 132 ]

وأما زيد بن الحسن، فإنه كان مع عمه الحسين بكربلاء، وكان صغيرا لم يراهق ولم يقاتل، وأخذ أسيرا مع الاسارى، وسير به مع علي بن الحسين وباقي الحرم والاطفال إلى الشام، وأدخلوا على يزيد في أسوأ حال ومقام. روي أنه كان ذات يوم جالسا بين يدي يزيد بن معاوية، وكان ولده خالدا جالسا معه، فقال يزيد لزيد بن الحسن (ع) أتصارع ابني خالدا ؟ فقال: لا ولكن اعطه سكينا واعطني سكينا وأقاتله: فقال يزيد بن معاوية: شنشنة أعرفها من أخزم، هل تلد الحية إلا حية ؟ يريد أن يقتل ابني بمحضري. ثم أن زيد رجع إلى المدينة مع علي بن الحسين وحرم الحسين وأقام بها، وكان زيد جليل القدر، كريم الطبع، طلق النفس، كثير البر، وكان يتولى صدقات رسول الله (ص)، ومدحه الشعراء وقصده الناس من الآفاق لطلب فضله، وأسن زيد حتى بلغ تسعين سنة، وذكر أرباب السير أنه لما ولي سليمان بن عبد الملك كتب إلى عامله في المدينة: أما بعد إذا جاءك كتابي فاعزل زيد بن الحسن عن صدقات رسول الله وادفعها إلى فلان رجل من قومه، وأعنه على ما استعانك عليه. فعزله عامل سليمان. فلما تخلف عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله بالمدينة: أما بعد فإن زيد بن الحسن شريف بني هاشم وذو سنهم، فإذا جاءك كتابي هذا فاردده إلى عمله وأعنه على ما استعانك عليه، وفي زيد يقول محمد بن بشر الخزرجي هذه الابيات. [ إذا نزل ابن المصطفى بطن تلعة * نفى جدبها واخضر بالنبت عودها ] [ وزيد ربيع الناس في كل شتوة * إذا اختلفت أبراقها ورعودها ] [ حمولا لاشتات الديات كأنه * سراج الدجى قد قارنته سعودها ]

[ 133 ]

ومات زيد بن الحسن (ع) وله تسعون سنة، ورثاه جملة من الشعراء وذكروا مآثره وفضله، وكان ممن رثاه قدامة بن موسى الجهني حيث يقول: [ فإن يك زيد غالت الارض شخصه * فقد بان معروف هناك وجود ] [ وإن يك أمسى رهن رمس فقد ثوى * به وهو محمود الفعال رشيد ] [ سريع إلى المعتز يعلم أنه * سيطلب بالمعروف ثم يعود ] [ وليس بقوال وقد حط رحله * لملتمس المعروف أين تريد ] [ إذا قصر الوغد الدني بما به * إلى المجد آباء له وجدود ] [ مباذيل للمولى محاشيد للقرى * وفي الروع عند النائبات اسود ] [ إذا انتحل المجد الطريف نما به * له إرث مجد لا يرام تليد ] [ إذا مات منهم سيد قام سيد * كريم يبني مجدهم ويشيد ] ومات زيد بن الحسن ولم يدع الامامة ولا ادعاها له مدع.

[ 135 ]

في ازواجه (ع) واما أزواج الحسن فقد تزوج نساء كثيرة جدا. قال أبو جعفر محمد بن حبيب الكوفي: لقد تزوج الحسن وطلق حتى خفت أن يثب عداوة، وجلس يوما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وقال: أيها الناس إن ابني الحسن مطلاق فلا تزوجوه. فقال بعض: ما يمنعنا من تزويجه وهو ابن رسول الله وابن أمير المؤمنين، والله لو أراد كل يوم منا جارية ما عددنا ذلك إلا شرفا. فممن تزوج أم إسحاق بن طلحة بن عبد الله التميمي، فولدت له الحسن بن الحسن (ع) الملقب بالاثرم، وطلحة وأخته فاطمة، وتزوج أم بشر بن أبي مسعود الانصاري، فولدت له زيد بن الحسن واختيه أم الحسن وأم الحسين. وتزوج أمرأة من كلب، وامرأة من بنات عمرو بن إبراهيم المنقري، وأمرأة من ثقيف، فولدت له عمر، وتزوج امرأة من بني علقمة بن زرارة وتزوج امرأة من شيبان بن الهمام، فقال بعض الناس إنها ترى رأي الخوارج، فقال (ع): أكره أن أضم إلى نحري جمرة من جمر جهنم، وخطب (ع) من رجل ابنته، فقال الرجل: إني مزوجك ابنتي وأعلم انك مطلاق، ولكن أنت

[ 136 ]

خير الناس نسبا وأرفعهم جدا وأبا. وتزوج هند بنت سهيل بن عمر وكانت عند عبد الله بن عامر بن كريز فطلقها، فكتب معاوية إلى أبي هريرة أن يخطبها إلى يزيد ابنه فلقيه الحسن وقال له: ما عندك ؟ فأخبره فقال (ع) له: اذكرني لها، فأتاها أبو هريرة وأخبرها بالخبر، فقالت: إني أختار الحسن بن علي، فتزوجت الحسن، فقدم عبد الله بن عامر زوجها الاول إلى المدينة، فقال للحسن: ان لي عند هند وديعة، فدخل إليها والحسن معه، فخرجت حتى جلست بين يدي عبد الله بن عامر، فرق لها رقة عظيمة، فقال الحسن: الا أنزل لك عنها فأنكما لا تجدا محللا خيرا مني ؟ قال: لا، فقال عبد الله: هاتي وديعتي، فأخرجت له هند سفطين فيهما جواهر، ففتحهما وأخذ من أحدهما قبضة وترك الباقي. وكانت قبل عند عبد الرحمن بن غياث بن أسد، فكانت تقول: سيدهم جميعا الحسن بن علي، وأسخاهم ابن عامر، وأحبهم إلى قلبي عبد الرحمن بن غياث. قال المدائني: وتزوج الحسن بن علي حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وكان المنذر بن الزبير يهواها، فخطبها فلم تقبل، فأبلغ الحسن عنها شيئا فطلقها، وخطبها المنذر فأبت وقالت شهرني، فخطبها عاصم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فتزوجها، فبلغه عنها شيئا فطلقها، وخطبها المنذر بن الزبير فأبت أن تتزوجه، فقيل لها تزوجيه، فقالت: والله لا أفعل شهرني مرتين، والله لا يراني في منزله. وكان الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) إذا عزم على اطلاق امرأة جلس لها وقال لها: يسرك أن أهب لك كذا وكذا ؟ فتقول لا أو نعم، فإذا قام عنها أرسل إليها بالطلاق. وعن ابن غفلة قال: كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن علي، فلما

[ 137 ]

أصيب علي وبويع للحسن بالخلافة، قالت: ليهنك الخلافة، فقال لها: يقتل علي بن طالب وتظهرين الشماتة، اذهبي فأنت طالق ثلاثا، فتلفعت بساحتها وخرجت إلى منزلها، فلما انقضت عدتها بعث إليها بقية صداقها عشرة آلاف درهم، فقالت: متاع قليل من حبيب مفارق، فلما بلغه قولها رق لها وبكى وقال: لولا أني سمعت من جدي رسول الله يقول: أيما رجل طلق امرأة قبل الاقرار وثلاث مبهمة لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وتزوج جعدة بنت الاشعث لعنها الله التي سقته السم. قال المدائني: ولقد أحصيت زوجات الحسن بن علي فكن سبعين غير ما نكح لامهات الاولاد.

[ 139 ]

في صفات الحسن (ع) وأما صفات الحسن في الجود والحلم الراسخ الذي يتعجب له كل موجود فهو بحر الكرم الذي لا يعرف قراره، ونور العلم الذي أضاء مناره، وغرة وجه الحكم الذي لا تدرس آثاره. وقد روي أن فاطمة الزهراء (ع) [ قدمت ] بالحسن والحسين على أبيها رسول الله في مرضه وقالت: يا رسول الله هذان ابناي فورثهما فقال (ص): أما الحسن فله جودي وحلمي، وأما الحسين فله هيبتي وسؤددي. فلعمري لقد ظهرت آثار تلك الوارثة وجرى ماء النبوة في مغرسهما فما أكرم تلك الحراثة، أما هيبة الحسين (ع) وشجاعته فهي التي تذل لها الابطال الشوس. وتقع لها خاضعة متى ذكرت النفوس، فهو سيد أهل المروة والاباء، ولا غرو فجده محمد المصطفى وعلي المرتضى كان له أبا وأما. وأما جود الحسن وعلمه فهما لا ينتهيان إلى حد ولا يحدان برسم ولا حد قد بلغ فيها النهاية وجاوز فيها الغاية، ولقد قاسم ربه ثلاث مرات حتى أنه كان يعطي من ماله نعلا ويمسك نعلا وما استأثر لنفسه دون فقراء المدينة أصلا. وروي أنه سمع رجلا يسأل الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم فانصرف إلى منزله وبعث بها إليه، وأتاه رجل وسأله حاجة فقال له: حق سؤالك يعظم علي

[ 140 ]

ومعرفتي بما يجب لك يكبر لدي، ويدي يعجز عن نيلك بما أنت أهله والكثير في جنب الله قليل، فإن قبلت الميسور ورفعت عنا مؤنة الاحتفال والاهتمام بما أتكلفه من واجبك فعلت ؟ فقال: يا ابن رسول الله أقبل القليل وأشكر العطية وأعذر على المنع، فدعى الحسن بوكيله يحاسبه على نفقاته حتى اسنقصاها فقال (ع) له: هات الفاضل، فأحضر خمسين الف درهم فقال له الحسن بن على: فبما فعلت بالمائة دينار ؟ قال: ها هي عندي فقال: هاتها، فدفع الدارهم والدنانير إلى الرجل وقال: هات من يحمله لك، فأتى الرجل بحمالين فدفع الحسن رداءه لكرا الحمالين فقال له مواليه: والله ما بقي عندنا درهما واحدا فقال (ع): إني أرجو أن يكون لي عند الله الاجر العظيم. وحكايات جوده (ع) تضيق بها الارقام وتكل عن سطرها الاقلام، وأما حلمه فكفاك ما نطقت به ألسن أعدائه المظهرين له الشنآن، والمعلنين له بالبغض والعدوان، فقال مروان بن الحكم لما حمل جنازته قال له الحسين: أتحمل اليوم سريره وبالامس كنت تجرعه الغيظ ؟ فقال مروان بن الحكم: كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال. وروي أنه دخل رجل من أهل الشام المدينة فرأى رجلا راكبا على بغلة حسنة قال: فلم أر أحسن منه وجها، فمال قلبي إليه فسألت عنه فقيل لي هذا الحسن بن علي بن أبي طالب، فامتلا قلبي عليه غيظا وحنقا وبغضا وحسدا على أن يكون لعلي بن أبي طالب ابن مثل هذا الغلام، فقمت إليه وقلت له: أنت ابن علي بن أبي طالب ؟ قال: نعم فقلت: ابن من ومن وجعلت أشتمه وأنال منه ومن أبيه وهو ساكت لم يرد جوابا، فاستحيت منه فلما انقضى كلامي ضحك وقال: أحسبك غريبا شاميا ؟ قلت: نعم قال: هلم معي إلى منزلي إن احتجت إلى منزل أنزلناك أو إلى مال رفدناك أو إلى حاجة عاوناك، فاستحيت منه وعجبت من كرم أخلاقه وانصرف وقد كنت أحبه ما لا أحب أحدا غيره وبالجملة فكرم أخلاقه لطيب أصله وأعراقه، فلعمري فهو ثمرة شجرة النبوة

[ 141 ]

والحائز قصبات السبق بين الامومة والابوة، ولله در الشاعر حيث يقول: [ فما بلغت كف امرء متطاول * بها المجد إلا والذي نلت أطول ] [ ولا خبر المثنون في الحال مدحة * ولا أطنبوا إلا وما فيك أفضل ] فهيهات أن يلحق وصفه سوابق الانكار وأنى يبلغ كنه مجده وقد كلت عن إدراك فضله البصائر والابصار. أما حديث أصله فواصفه كواصف شمس النهار و [ أما ] كرم أخلاقه وفضله فقد بلغت الاشتهار، وأما حلمه فتدل عنه الجبال الرواسي، وأما علمه فترد دونه الابصار وهي خواسي، فأني يبلغ من وصفه الغاية ويطلب من تعداد مناقبه النهاية والاقتصار فيما حصل إن شاء الله كفاية. فصلوات الله عليه وعلى جده وأبيه وأمه وأخيه والائمة المعصومين من ذرية أخيه وصلاة دائمة تدوم بدوام الايام متعاقبة لا تنقضي حتى القيام. وهذا آخر ما انتهى إلينا من كلام المؤلف على التمام والكمال ونستغفر الله المنان عن الزيادة والنقصان والسهو والنسيان إنه غفور منان والحمد لله حمده وصلى الله على من لا نبي بعده محمد وآله الطيبين الطاهرين.

[ 143 ]

في زيارته (ع) السلام عليك يا ابن رسول الله، السلام عليك يا صفي الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا ابن صفي الله، السلام عليكم يا حجج الله، السلام عليك يا نور الله في أرضه وبلاده، السلام عليك يا صراط الله في عباده، السلام عليك أيها الطاهر الزكي، السلام عليك أيها التقي النقي، السلام عليك يا أبا محمد الزكي ورحمة الله وبركاته، أشهد أنك من دعائم الدين وأركان المسلمين ومعقل المؤمنين، وأشهد أنك حجة الله على الخلق أجمعين، لعن الله أمة قتلتك، ولعن الله أمة ظلمتك، ولعن الله أمة دفعتك عن مقامك وأزالتك عن مراتبك التي رتبك الله بها، ولعن الله أمة جحدتك وتركتك واستبدلت الجبت والطاغوت، أللهم العنهم جميعا وعذبهم عذابا أليما وأصلهم نارا وقودها الناس والحجارة، أللهم صل على الحسن والحسين ابني بنت نبيك صلاة زاكية نامية، أللهم صل عليهما وآلهما فهما سبطي رسولك وسليله وحبيبه وريحانتا قلبه وثمرتا فؤاده وإماما أمته وحافظا شريعته وكهفا شيعته ولسانا حجته وهاديا خلقك وناصرا دينك وخازنا وحيك وشريكا كتابك وسيدا شباب أهل الحنة وغصنا شجرة النبوة، أللهم إنهما ولدا في حجر نبيك وحملهما على عاتقه وضمهما كفيه وساءهما موته وقد ناغاهما أمين وحيك وآنسهما وأشبع جوعهما أللهم هما ما تزفرا زفرة إلا توجع لهما نبيك المصطفى وأسرعت لهما سيدة

[ 144 ]

النساء واحتضنهما صدر وصي نبيك ووليك المرتضى وقد ضمهما العبا وطهرهما الدعاء وقد بكت لهما السماء دما، أللهم صل عليهما صلاة شريفة تملا الارض و أقطارها وابلغهما عني تحية وسلاما ومغفرة ورضوانا انك ذو الفضل والمن الجسيم، والسلام عليك يا مولاي وابن مولاي ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم يا أهل التقى، السلام عليكم يا حجج الله على أهل الورى، السلام عليكم أيها القوام في البرية بالقسط، السلام عليكم يا أهل الصفوة، السلام عليكم يا أهل النجوى، أشهد انكم بلغتم ونصحتم وصبرتم في ذات الله وكذبتم وأسئ إليكم فعفوتم، وأشهد أنكم أئمة الهدى الراشدون طاعتكم مفترضة، وأن أقوالكم الصدق وأنكم دعائم الدين وأركان الارض، لم تزالوا بعين الله أنجبكم من أصلاب طاهرة ونقلكم من أرحام المطهرات، لم تدنسكم الجاهلية الجهلاء ولم تشرك فيكم الاهواء، وطبتم وطاب حيكم وميتكم من بكم علينا ديان يوم الدين فجعلكم في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ومن علينا بموالاتكم معترفين تصديقنا إياكم، وهذا مقام من أسرف وأخطأ واستكان واعترف بما جنا ورجا بمقامه الخاص وأن يستنقذه بكم من منقذ الهلكى من الردى، فكونوا إلي شفعاء فقد وفدت إليكم إذا زاغت عنكم أهل الدنيا واتخذوا آيات الله هزوا واستكبروا عنها، يا من هو مذكور لا يسهو، ودائم لا يلهو، ومحيط بكل شئ لك المن علي فيما وفقتني وعرفتني ما ثبتني عليه إذ صد عنه عبادك وجحدوا معرفتهم واستخفوا بحقهم ومالوا إلى سواهم، فكانت المنة لك ومنك علي مع أقوام خصصتهم بما خصصتني به فلك الحمد إذا كنت عنك في مقامي هذا مذكورا مكتوبا، ولا تحرمني ما رجوت، ولا تجبهني فيما دعوت، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأستودعكم الله ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين. ثم تصلي ركعتين وتسبح تسبيح الزهراء ثم تقول السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، السلام عليك يا وارث نوح نبي

[ 145 ]

الله، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله، السلام عليك يا وارث عيسى روح الله، السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله، السلام عليك يا وارث أمير المؤمنين، السلام عليك يا ابن محمد المصطفى، السلام عليك يا ابن علي المرتضى، السلام عليك يا ابن فاطمة الزهراء، السلام عليك يا ابن خديجة الكبرى، السلام عليك يا أخا الحسين الشهيد بطف كربلاء، السلام عليك يا شبر، السلام عليك يا شبير، السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره والوتر الموتور، أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وأطعت الله حتى أتاك اليقين، فلعن الله أمة قتلتك ولعن الله أمة ظلمتك، ولعن الله أمة سمعت بذلك ورضيت به، يا مولاي يا أبا محمد الحسن الزكي أشهد الله وأشهد ملائكته وأنبياءه ورسله، أني بكم مؤمن، وبإيابكم موقن، وبشرائع ديني وخواتيم عملي، صلوات الله عليكم وعلى أرواحكم وعلى أجسادكم وعلى شاهدكم وغائبكم وظاهركم وباطنكم، بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله يا أبا محمد الحسن لقد عظمت رزيتك ومصيبتك علينا وعلى أهل السماوات والارض فلعن الله أمة أسرجت وألجمت وتهيأت لقتالك يا مولاي وقتال أخيك الحسين، ولعن الله جعدة بنت الاشعث ولعن الله الاشعث ولعن الله معاوية وعبيد الله بن زياد ولعن الله من قصدكم بأذيته وبلغ أمنيته فيكم لعنا وبيلا. قصدتكم بقلبي زائرا ووجهت إليكم سلامي ودعائي مذ عجزت عن بلوغ مشاهدكم ولعلمي أنه يبلغكم دعائي وسلامي، فسلامه وأشرف تحياته توصلكم فأسأل الله تعالى بالشأن الذي لكم عنده، وبالمحل الذي لكم عنده أن يجعلني معكم في الدنيا والآخرة. (ثم تقول): أللهم العن معاوية وزياد ويزيد بن معاوية وعبيد الله بن زياد وآل سفيان وآل مروان، (ثم تقول): أللهم العن الاشعث وجعدة بنت الاشعث (مائة مرة)، (ثم تقول): أللهم صل على محمد وآل محمد (مائة مرة)، (ثم تسجد وتقول): أللهم لك الحمد حمد الشاكرين على مصابهم

[ 146 ]

الحمد لله على عظيم رزيتي، أللهم ارزقني شفاعة نبيك وأولاد نبيك يوم الورد المورود، وثبت لي قدم صدق عندهم، صلوات الله عليهم أجمعين: ثم ترفع رأسك وتدعو بما أحببت والحمد لله رب العالمين.

[ 147 ]

وفاة الامام السجاد علي بن الحسين " عليهما السلام " تأليف العلامة الشيخ علي آل الشيخ سليمان البلادي البحراني

[ 149 ]

بسم الله الرحمن الرحيم بعد الحمد لله الذي خص محمدا وآله الكرام صفوته من الانام عليهم أفضل الصلاة وأكمل السلام بالمصائب العظام والرزايا الجسام صلاة وسلاما دائمين إلى يوم القيام. فيقول: فقير ربه الغني السبحاني حسين بن العالم المقدس الشيخ علي آل المبرور الشيخ سليمان البلادي البحراني عفى الله تعالى عنهم وعن أرحامهم والمؤمنين والمؤمنات وحشرهم في زمرة ساداتهم الهداة عليهم أكمل الصلوات: إني عازم بعون الله تعالى على جمع نبذة جليلة في هذه الاوراق القليلة مما يتعلق بالامام الهمام خدين العلل والاسقام وقرين المصائب العظام زين العابدين. وسيد الساجدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) ملا الخافقين، وقد سميت هذا المختصر (مثير الوجد والانين على الامام زين العابدين) فأقول: ومن الله الكريم أستمد التوفيق لبلوغ المأمول هو الامام الزاهد العابد زين المنابر والمساجد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف السادة الاشراف - إلى آخر ذلك النسب الشريف الغني عن التعريف، وأمه شاه زنان بنت يزدجرد، وقيل شهربانو، وقيل شهربانويه بنت كسرى وقيل: اسمها غزالة إلى

[ 150 ]

غير ذلك مما ورد من أسمائها. وكان أمير المؤمنين (ع) ولي حريث بن جابر الحنفي جانبا من المشرق، فبعث إليه ببنتي يزدجرد بن شهريار بن كسرى، فنحل ابنه الحسين شاهزنان منها، فأولدها زين العابدين ونحل الاخرى محمد بن أبي بكر، فولدت له القاسم فهما ابنا خالة. روي عنه (ع) أنه كان يقول أنا ابن الخيرتين يعني جده محمدا (ص) وعليا (ع) وكسرى فهو ابن خيرة العرب والعجم، ولم يقل ذلك للبذخ والفخر ولكن بيانا للواقع وكأنه نظر إلى قول جده رسول الله (ص): إن لله من عباده خيرتين فخيرته من العرب القريش، ومن العجم فارس، ولقد أحسن من قال من أهل الكمال: [ وأن وليدا بين كسرى وهاشم * لاكرم من نيطت عليه التمائم ] وكان مولده (ع) بالمدينة سنة ثمان وثلاثين من الهجرة فبقى مع جده أمير المؤمنين سنتين، ومع عمه الحسن اثنتي عشر سنة، ومع أبيه ثلاثا وعشرين سنة، وبعد أبيه أربعا وثلاثين سنة وقيل أربعين سنة، وفي هذه المدة ما تهنى (ع) بعد قتل أبيه وذريه وما جرى عليه بهنى منام ولا لذيذ شراب وطعام، كان إذا وضع خادمه بين يديه الطعام وقال له: كل سيدي يقول: آكل أم أشرب وقد قتل ابن رسول الله جائعا عطشانا. [ لا يذبح الكبش حتى يرو من ظمأ * ويقتل ابن رسول الله ظمآنا ] حدث مولى له (ع) أنه برز يوما إلى الصحراء قال: فتبعته فوجدته قد سجد على حجارة خشنة، فوقفت وأنا أسمع شهيقه وبكاءه، وأحصيت عليه ألف مرة وهو يقول: لا إله إلا الله حقا حقا، لا إله إلا الله تعبدا ورقا، لا إله إلا الله إيمانا وتصديقا وصدقا، ثم رفع رأسه من سجوده وان وجهه ولحيته قد غمرا بالدموع، فقلت له: يا سيدي ما آن لحزنك أن ينقضي ولبكائك أن

[ 151 ]

يقل ؟ فقال لي: ويحك إن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كان نبيا وابن نبي له إثنا عشر ابنا، فغيب الله واحدا منهم فشاب رأسه من الحزن، واحدودب ظهره من الغم، وذهب بصره من البكاء، وابنه حي في دار الدنيا، وأنا رأيت أبي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين، فكيف ينقضي حزنى ويقل بكائي ؟. [ لقد تحمل من ارزائها محنا * لم يحتملها نبي أو وصي نبي ] وكنيته (ع) أبو محمد، وأبو الحسن، وأبو بكر والاول أشهرها، وألقابه كثيرة منها زين العابدين. كان (ع) ليلة في محرابه قائما يصلي فتمثل له الشيطان في صورة ثعبان ليشغله عن عبادته فلم يلتفت إليه، فجاء إلى ابهام رجله فالتقمها فلم يلتفت إليه، فألمه فلم يقطع صلاته، فلما فرغ منها وقد كشف الله له أنه شيطان فسبه ولطمه وقال: اخسأ يا ملعون، فذهب موليا عنه وقام (ع) إلى تمام ورده فسمع صوتا لا يرى قائله: أنت زين العابدين ثلاثا. وقال ابن عباس: قال رسول الله: إذا كان يوم القيامة ينادي مناد: أين زين العابدين ؟ فكأني أنظر إلى ولدي علي بن الحسين يخطو بين الصفوف، ومنها أنه سيد العابدين. روي أيضا أن إبليس تصور له (ع) وهو قائم يصلي في صورة أفعى له عشرة رؤوس محدد الانياب، طلع عليه من جوف الارض من محل سجوده ثم تطاول في محرابه، فلم يفزعه ذلك ولم يكسر طرفه إليه، فانقض على رؤوس أصابعه يكدمها بأنيابه وينفخ عليه من نار جوفه وهو لا يكسر طرفه إليه ولا يحول قدميه، لم يبرح إبليس حتى انقض عليه شهاب محرق من السماء، فلما أحس به صرخ وقام إلى جانب الامام (ع) في صورته الاولى ثم قال: يا علي أنت سيد العابدين كما سميت وأنا إبليس، والله لقد رأيت عبادة النبيين من عهد أبيك آدم إليك فما رأيت مثلك ولا مثل عبادتك ثم تركه وولى وهو في صلاته لا يشغله كلامه.

[ 152 ]

ومنها السجاد، قال ابنه الباقر (ع): إن أبي علي بن الحسين ما ذكر لله نعمة عليه إلا سجد، ولا دفع الله تعالى عنه سوءا يخشاه أو كيد كائد إلا سجد، ولا فرغ من صلاة مفروضة إلا سجد، ولا وفق لاصلاح بين اثنين إلا سجد، وكان أثر السجود في جميع مواضع سجوده فسمي السجاد لذلك. ومنها ذو الثفنات. قال أيضا ابنه الباقر: كان لابي في موضع سجوده آثار ناتئة، أي مرتفعة، وكان (ع) يقطعها في السنة مرتين في كل مرة خمس ثفنات فسمي ذو الثفنات لذلك، إلى غير ذلك من ألقابه الشريفة، فهو سلام الله عليه كما قال ابنه الباقر (ع) فيه: كان أبي يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وكانت الريح تميله كالسنبلة وقد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد، وقد اصفر لونه من السهر، ورمدت عيناه من البكاء، ودبرت جبهته وانخرم أنفه من السجود، وورمت ساقاه من القيام، وفي هذا ما يدل على أنه (ع) أفضل الانام بعد جده وآبائه صفوة الله السلام عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام. وأما مناقبه المنيفة فهي كثيرة لا قدرة لكاتب ولا لعد حاسب على ذكر بعضها، فلنأتي بنزر قليل منها وأحببت نقل كلام لامام علماء أهل السنة الفحول، محمد بن طلحة الشامي الشافعي قاله في الباب المعقود لذكره (ع) في كتابه مطالب السؤول وهذا لفظه: هذا زين العابدين قدوة الزاهدين وسيد المتقين وإمام المؤمنين، سمته تشهد له أنه من سلالة رسول الله، وسمته تثبت مقام قربه من الله زلفا، وثفناته تسجل بكثرة صلواته وتهجده، وإعراضه عن متاع الدنيا ينطق بزهده فيما درت له أخلاق التقوى فتفوقها وأشرقت له أنوار التأييد فاهتدى بها، وألفته أوراد العبادة فأنس بصحبتها، وحالفته وظائف الطاعة فتحلى بحليتها، طالما اتخذ الليل مطية ركبها لقطع طرق الآخرة وظمأ الهواجر دليلا استرشد في مسافة المسافرة، وله من الخوارق والكرامات ما شوهد بالاعين الباصرة وثبت بالآثار المتواترة وشهد له بأنه من ملوك الآخرة. انتهى كلامه.

[ 153 ]

فمن مناقبه التي لا تعد ومعاجزه التي لاتحد ما روي عن أبي جعفر الباقر (ع) أنه قال: لما قتل الحسين بن علي أرسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين وخلا به ثم قال: يا ابن أخي قد علمت أن رسول الله كان جعل الوصية والامامة من بعده لعلي بن أبي طالب، ثم من بعده إلى الحسن، ثم من بعده إلى الحسين، وقد قتل أبوك صلى الله عليه ولم يوص وأنا عمك وصنو أبيك من في سني وقدمتي أحق بها منك في حداثتك، فلا تنازعني الوصية والامامة ولا تخالفني، فقال له علي بن الحسين: اتق الله ولا تدعي ما ليس لك بحق، إني أعظك أن تكون من الجاهلين، يا عم إن أبي صلوات الله عليه أوصى إلي. قبل أن يتوجه إلى العراق، وعهد إلي في ذلك قبل أن يستشهد بساعة، وهذا سلاح رسول الله (ص) عندي فلا تعرض لها فإني أخاف عليك تنقص العمر وتشتت الحال، وان الله تبارك وتعالى آلى أن لا يجعل الامامة والوصية إلا في عقب الحسين (ع)، فإن أردت أن تعلم ذلك فانطلق بنا إلى الحجر الاسود حتى نتحاكم إليه ونسأله عن ذلك. قال الباقر (ع): وكان الكلام بينهما وهما يومئذ بمكة، فانطلقا حتى أتيا الحجر الاسود فقال علي بن الحسين لمحمد: ابدأ فابتهل إلى الله تعالى وأسأله أن ينطق لك الحجر ثم سله، فابتهل محمد في الدعاء وسأل الله تعالى ثم دعا الحجر فلم يجبه، فقال علي بن الحسين: أما أنك يا عم لو كنت إماما ووصيا لاجابك فقال له محمد (رض): فادع أنت يا ابن أخي، فدعا الله علي بن الحسين بما أراد ثم قال: أسألك بالذي جعل فيك ميثاق الانبياء وميثاق الاوصياء وميثاق الناس أجمعين لما أخبرتنا بلسان عربي مبين من الوصي والامام بعد الحسين بن علي ؟ قال: فتحرك الحجر حتى كاد أن يزول من موضعه، ثم انطقه الله بلسان عربي مبين فقال: أللهم إن الوصية والامامة بعد الحسين بن علي إلى علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليهم أجمعين فانصرف محمد وهو يتولى علي بن الحسين وقيل: ان محمد بن الحنيفة إنما فعل ذلك لازالة الشكوك في ذلك.

[ 154 ]

يقول المؤلف: وهذا هو الحق الصحيح لان محمد هذا رضي الله عنه من أجل العارفين بمراتب الامامة وأنها لغيره لا له، وأقوى شاهد على هذا حب أبيه أمير المؤمنين له وتوصية أخويه الحسنين به، وكذلك أخواه الحسنان (ع)، فلو كان في علمهم المكتوم أنه يكون فيه ميل عن الحق وانحراف لاظهروا ذلك كما فعلوه مع من ظهر منه الخلاف. ومن مناقبه الفاخرة الدالة على أنه من سادات الاوصياء وهم العترة الطاهرة أنوار الولاية وأعلام الهداية الذين من تمسك بهم فاز ونجا، ومن تخلف عنهم غرق وهوى ما روي عن ثابت النباتي قال: كنت حاجا وجماعة من عباد البصرة مثل أيوب السجستاني، وصالح المروي، وعتبة الغلام، وحبيب الفارسي ومالك بن دينار فلما دخلنا مكة رأينا الماء ضيقا وقد اشتد بالناس العطش لقلة الغيث، ففزع إلينا أهل مكة والحجاج يسألونا أن نستسقي لهم، فأتينا الكعبة وطفنا بها ثم سألنا الله تعالى خاضعين متضرعين بها فمنعنا الاجابة، فبينما نحن كذلك إذ نحن بفتى قد أقبل قد أكربته أحزانه وأقلقته أشجانه فطاف بالكعبة أشواطا [ ثم ] أقبل علينا فقال: يا مالك بن دينار ويا ثابت الغباتي ويا أيوب السجستاني ويا صالح المروي ويا عتبة الغلام ويا حبيب الفارسي ويا سعيد ويا عمر ويا صالح الاعمى ويا رابعة ويا سعدانة ويا جعفر بن سليمان، فقلنا: لبيك وسعديك يا فتى، فقال: أما فيكم أحد يجيبه الرحمن ؟ فقلنا يا فتى علينا الدعاء وعليه الاجابة، فقال: ابعدوا عن الكعبة، فلو كان فيكم أحد يجيبه لاجابة، ثم أتى الكعبة فخر ساجدا فسمعته يقول في سجوده: سيدي بحبك لي إلا سقيتهم الغيث، قال: فما استتم كلامه حتى آتاهم الغيث كأفواه القرب، فقلت: يا فتى من أين علمت أنه يحبك قال: لو لم يحبني لم يستزرني فلما استزارني علمت أنه يحبني، فسألته بحبه لي فأجابني ثم تولى عني وأنشأ يقول: [ من عرف الرب فلم تغنه * معرفة الرب فذاك الشقي ]

[ 155 ]

[ ما ضر ذا الطاعة ما ناله * في طاعة الله وما ذا لقي ] [ ما يصنع العبد بغير التقى * العز كل العز للمتقي ] فقلت يا أهل مكة من هذا الفتى ؟ قالوا: هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. ومنها أنه لما حج هشام بن الحكم في حياة أبيه دخل إلى الطواف وجهد أن يستلم الحجر الاسود، فلم يصل إليه لكثرة زحام الناس عليه، فنصب له منبر إلى جانب زمزم في الحطيم، فجلس عليه ينظر إلى الناس وحوله جماعة من أهل الشام، فبينما هم كذلك إذ أقبل علي بن الحسين زين العابدين (ع) يريد الطواف، فلما انتهى إلى الحجر الاسود تنحى عنه الناس حتى أتى الحجر فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي هابه الناس هذه المهابة فتنحوا عنه يمينا وشمالا فقال هشام: لا أعرفه مخافة أن يرغب فيه أهل الشام، وكان الفرزدق حاضرا فقال للشامي: أنا أعرفه فقال: من هو يا أبا فراس ؟ فقال: [ هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم ] [ هذا ابن خير عباد الله كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم ] [ ينمى إلى ذروة العز التي قصرت * عن نيلها عرب الاسلام والعجم ] [ إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم ] [ يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم ] [ يغضي حياء ويغضى من مهابته * ولا يكلم إلا حين يبتسم ] [ في كفه خيزران ريحه عبق * في كف أورع في عرنينه شمم ] [ ينشق نور الهدى من نور غرته * كالشمس ينجاب عن اشراقها الظلم ] [ مشتقة من رسول الله نبعته * طابت عناصره والخيم والشيم ] [ هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله * بجده أنبياء الله قد ختموا ] [ الله شرفه قدرا وعظمه * جرى بذلك له في لوحه القلم ] [ وليس قولك من هذا بضائره * العرب تعرف من أنكرت والعجم ]

[ 156 ]

[ كلتا يديه غياث عم نفعهما * يستو كفان ولا يعدوهما العدم ] [ سهل الخليقة لا تخشى بوادره * يزينه اثنان حسن الخلق والكرم ] [ حمال أثقال أقوام إذا فدحوا * حلو الشمائل يحلو عنده نعم ] [ لا يخلف الوعد ميمون نقيبته * رحب الذراع أريب حين يعتزم ] [ عم البرية بالاحسان وانقشعت * عنه الغباوة والاملاق والعدم ] [ من معشر حبهم دين وبغضهم * كفر وقربهم أمن ومعتصم ] [ إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الارض قيل لهم ] [ لا يستطيع جواد بعد غايتهم * ولا يدانيهم قوم وإن كرموا ] [ هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت * والاسد أسد الشرى والبأس محتدم ] [ لا ينقص السر بسطا من أكفهم * سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا ] [ مقدم بعد ذكر الله ذكرهم * في كل بدء ومختوم به الكلم ] [ أي الخلائق ليست في رقابهم * لاولوية هذا أوله نعم ] [ من يعرف الله يعرف أولوية ذا * فالدين من بيت هذا ناله الامم ] قال: فلما سمع هشام هذه القصيدة غضب ثم أخذ الفرزدق وحبسه ما بين مكة والمدينة، وبلغ علي بن الحسين امتداحه له فبعث إليه بعشرة آلاف درهم فردها وقال: والله ما مدحته إلا لله تعالى لا للعطاء فقال: قد عرف الله لك ذلك، ولكنا أهل بيت إذا وهبنا شيئا لا نستعيده فقبلها منه. ومنها ما روي عن إبراهيم بن أدهم وفتح الموصلي قال كل واحد منهما: كنت أسيح في البادية مع القافلة، فعرضت لي حاجة فتنحيت عن القافلة فإذا أنا بصبي يمشي فقلت: سبحان الله بادية بيداء وصبي يمشي، فدنوت منه وسلمت عليه فرد علي السلام فقلت له: إلى أين ؟ قال: أريد بيت ربي، فقلت: حبيبي إنك صغير السن ليس عليك فرض ولا سنة، فقال: يا شيخ ما رأيت من هو أصغر مني مات فقلت: أين الزاد والراحلة ؟ فقال: نعم الزاد التقوى، زادي تقواي وراحلتي رجلاي وقصدي مولاي، فقلت: ما أرى شيئا

[ 157 ]

من الطعام معك ؟ قال: يا شيخ هل يستحسن أن يدعوك [ انسان ] إلى دعوة فتحمل من بيتك الطعام ؟ قلت: لا قال: الذي دعاني إلى بيته هو الذي يطعمني ويسقيني فقلت: ارفع رجلك حتى تدرك فقال: علي الجهاد وعليه الابلاغ أما سمعت قوله: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وأن الله لمع المحسنين) (1). قال: فبينا نحن كذلك إذ أقبل شاب حسن الوجه عليه ثياب بيض فعانق الصبي وسلم عليه، فأقبلت على الشاب وقلت له: أسألك بالذي أحسن خلقك من هذا الصبي ؟ فقال: أما تعرفه هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فتركت الشاب وأقبلت على الصبي وقلت له: أسألك بحق آبائك من هذا الشاب ؟ فقال: أما تعرفه هذا أخي الخضر (ع) يأتينا كل يوم فيسلم علينا، فقلت له أسألك بحق آبائك لما أخبرتني بما تجوز المفاوز بلا زاد ؟ فقال: بلى أجوز بزاد وزادي فيها أربعة أشياء قلت: وما هي ؟ قال: أرى الدنيا كلها بحذافيرها مملكة الله، وأرى الخلق كلهم عبيد الله وإمائه وعياله، وأرى الارزاق والاسباب بيد الله، وأرى قضاء الله نافذا في كل أمر فقلت: نعم الزاد زادك يا زين العابدين وأنت تجوز بها مفاوز الآخرة فكيف مفاوز الدنيا. ومنها ما روي عن الصادق (ع) أنه قال: التصقت يد رجل وامرأة على الحجر في الطواف، فجهد كل واحد أن ينزع يده فلم يقدرا فقال الناس: اقطعوهما قال فبينما هما كذلك إذ دخل علي بن الحسين فأفرجوا له فلما عرف أمرهما تقدم (ع) ووضع يده عليهما فانحلا. ومنها ما روي عن الباقر (ع) أنه قال: كان عبد الملك بن مروان يطوف بالبيت وعلي بن الحسين يطوف بين يديه ولا يلتفت إليه، ولم يكن عبد الملك يعرفه بوجهه فقال: من هذا الذي يطوف بين أيدينا ولا يلتفت إلينا ؟ فقيل له ؟


(1) سورة العنكبوت، الآية: 69. (*)

[ 158 ]

هذا علي بن الحسين فجلس مكانه فقال: ردوه الي، فردوه فقال: يا علي بن الحسين إني لست قاتل أبيك فما يمنعك من المصير إلينا ؟ فقال: إن قاتل أبي أفسد على نفسه بما فعل دنياه وأفسد عليه أبي آخرته، فإن أحببت أن تكون كهو فكن فقال: كلا ولكن صل إلينا لتنال من دنيانا فجلس زين العابدين (ع) وبسط ردائه وقال: أللهم أره حرمة أوليائك عندك، فإذا ردائه مملوا درا يكاد شعاعها يخطف الابصار فقال لهم: من ستكون هذه حرمته عند ربه كيف يحتاج إلى دنياكم ثم قال: أللهم خذها فما لي فيها حاجة، ومن هذا بعض مقاماته الكريمة ومناقبه الفاخرة المنبئة أنه من ملوك الدنيا وسلاطين الآخرة كيف تغل يداه إلى عنقه، وتوضع جامعة الاسر على صدره، ويطاف به بعماته وأخواته على ظهور الجمال وهن حواسر بعد ذلك العز والجلال. [ تتصفح البلدان صورة سبيها * أشكال بارزة بذل المثل ] [ تسود من ضرب السياط متونها * ووجوهها بلظى الهواجز تصطلي ] فكلما نظر سلام الله عليه إليهن وهن على ذلك الحال في غاية الاسر والاذلال يزداد بكاءه ويعلو شجاه. [ ويصيح واذلاه أين عشيرتي * وسرات قومي أين أهل ودادي ] [ أين الكماة وأين جدي حيدر * مردي القروم وصارع الآساد ] فيا بنفسي كم كابد سلام الله عليه من مصائب عظيمة، وتحمل من رزايا جسيمة تندل لبعضها شامخات الجبال، وتشيب لقليلها رؤوس الاطفال. [ لقد تحمل من أرزائها محنا * لم يحتملها نبي أو وصي نبي ] بعينيه رأى والده الحسين سيد الشهداء وإمام السعداء جثة بلا رأس، منخمد الانفاس، عار على وجه الرمضاء، مقطع الاعضاء ومن حوله أهل بيته الابرار وأصحابه الاخيار.

[ 159 ]

[ صرعى على الترب لا شئ يسترهم * إلا السنابك أو سافي الاعاصير ] [ ومن صنيع المواضي ألبسوا حللا * مثل العقيق على أجساد من نور ] وأعظم المصائب التي قاساها والنوائب التي عاناها هجوم تلك العتاة الانذال عليه وعلى تلك الحرم والاطفال وسط الحجال وكأني به في تلك الحال مغشي عليه لما لقيه من عظائم الاهوال والمرض المبيد والسقم الشديد. قال بعض من شهد تلك الاحوال العضال: رأيت امرأة جليلة واقفة بباب الخيمة والنار تشتعل من جوانبها وهي تارة تنظر يمنة ويسرة، وأخرى تنظر إلى السماء وتصفق بيديها، وتارة تدخل في تلك الخيمة وتخرج فأسرعت إليها وقلت: يا هذه ما وقوفك هاهنا والنار تشتعل من جوانبك، وهذه النسوة قد فررن وتفرقن، ولم لا تلحقي بهن وما شأنك ؟ فبكت وقالت: يا شيخ إن لنا عليلا في الخيمة وهو لا يتمكن من الجلوس والنهوض، فكيف أفارقه وقد أحاطت به النار فأحرقوا الخيم بعد أن نهبوا ما فيها، وسلبوا الفاطميات بحيث لم يبق لهن ما يستترن به. [ إن أنس لا أنسى افتجاع نساه إذ * هجمت خيولهم على الفسطاط ] [ أخرجن منه والهات تشتكي * بعد انتهاك الستر ضرب سياط ] [ ما حال بنت محمد لو شاهدت * بمتونهن علائم الاسواط ] قال الشيخ حسن بن سليمان بن محمد بن الحسن الشويكي في مقتله نقلا من الجزء العاشر من كتاب المنن لعبد الوهاب الشعراني قال: وعبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب قتل مع الحسين في الطف، وابناه سعد وعقيل كانا معه وماتا من شدة العطش ومن الدهشة والذعر بعد شهادة الحسين لما هجم القوم على المخيم للسلب، وأمهما خديجة ابنة علي بن أبي طالب توفيت بالكوفة. وقال أيضا في مقتله: ومن بنات علي رقية الكبرى، وكانت عند مسلم بن عقيل فولدت له عبد الله بن مسلم ومحمد بن مسلم الذين قتلا يوم

[ 160 ]

الطف مع الحسين ومسلم قتل بالكوفة وكان رسوله، وولدت رقية على تكة من مسلم ولها من العمر سبع سنين وهي التي سحقت يوم الطف بعد شهادة الحسين لما هجم القوم على المخيم للسلب. وفي بعض المقاتل أن أحمد بن الحسن المجتبى قتل مع الحسين وله من العمر ستة عشر سنة وله أختان من أمه أم الحسن وأم الحسين سحقتا يوم الطف بعد شهادة الحسين (ع) لما هجم القوم على المخيم لسلب أمهم أم بشر بنت مسعود الانصاري وقيل الخزرجي. [ وثواكل يشجي الغيور حنينها * لو كان ما بين العدات غيور ] [ حرم لاحمد قد هتكن ستورها * فهتكن من حرم الاله ستور ] [ كم حرة لما أحاط بها العدى * هربت تخف العدو وهي وقور ] ثم أمر ابن سعد لعنه الله بأن تحمل النساء على الاقتاب بلا وطأ وحجاب، فقدمت النياق إلى حرم رسول الله (ص) وقد أحاط القوم بهن وقيل لهن: تعالين واركبن فقد أمر ابن سعد بالرحيل، فلما نظرت زينب إلى ذلك نادت وقالت: سود الله وجهك يا ابن سعد في الدنيا والآخرة، تأمر هؤلاء القوم بأن يركبونا ونحن ودائع رسول الله، فقل لهم يتباعدون عنا يركب بعضنا بعضا قال: فتنحوا عنهن فتقدمت زينب ومعها أم كلثوم وجعلت تنادي كل واحدة من النساء باسمها وتركبها على المحمل حتى لم يبق أحد سوى زينب، فنظرت يمينا وشمالا فلم تر أحدا سوى زين العابدين (ع) وهو مريض، فأتت إليه وقالت: قم يا ابن أخي واركب الناقة فقال: يا عمتاه اركبي أنت ودعيني وهؤلاء القوم، فرجعت إلى ناقتها لانها لم تقدر على مخالفة الامام، فالتفتت يمينا وشمالا فلم تر إلا أجسادا على الرمال ورؤوسا على الاسنة بأيدي الرجال، فصرخت وقالت: واغربتاه وا أخاه وا حسيناه وا عباساه وا رجالاه وا ضيعتاه بعدك يا أبا عبد الله، قال الرواي: فلما رأتهم على هذه الحالة ذكرت خروجهم من الحجاز وما كانوا عليه من العزة والرفعة والعظمة والجلالة، فبكيت على حالهم وما جرى عليهم.

[ 161 ]

[ فبنفسي ربائب الخدر أضحت * للعدى مكسبا عقيب حماها ] [ قد أماط العداة عنها رداها * وكستها سياطهم ما كساها ] [ أين عنها حماتها ليروها * باكيات وهل يفيد بكاها ] قال الرواي: فلما نظر زين العابدين (ع) إلى ذلك لم يتمالك على نفسه دون أن قام وهو يرتعش من الضعف، فأخذ عصاة يتوكأ عليها وأتى إلى عمته وثنى ركبته وقال، اركبي فلقد كسرت قلبي وزدت كربي، فأخذ ليركبها فارتعش من الضعف وسقط على الارض، فلما رآه الشمر لعنه الله أتى إليه وبيده سوط فضربه وهو ينادي: وا جداه وا محمداه وا علياه وا حسناه وا حسيناه، فبكت زينب وقالت: ويلك يا شمر رفقا بيتيم النبوة وسليل الرسالة وحليف التقى وتاج الخلافة، فلم تزل تقول كذا حتى نحته عنه قال: وإذا بجارية سوداء مسنة قد أقبلت إلى زينب فأركبتها فسألت عنها فقالوا: هذه فضة جارية فاطمة الزهراء (ع). [ لم أنس زينب بعد الخدر حاسرة * تبدي النياحة ألحانا فألحانا ] [ مسجورة القلب إلا أن دمعها * كالمعصرات تصب الدمع عقيانا ] قال: ثم أركبوا الامام (ع) على بعير أعجف فلم يتمالك الركوب من شدة الضعف، فأخبروا ابن سعد فقال: قيدوا رجليه من تحت بطن الناقة، ففعلوا ذلك وساروا بهم على تلك الحالة ورؤوس الشهداء معليات على أطراف الرماح، وجسومهم عوار على البطاح ومن بين الرؤوس رأس سيد الشهداء وإمام السعداء. [ وشيبته مخضوبة بدمائه * يراوحها غادي النسيم ورائحة ] فعز على محمد سيد المرسلين، وعلى علي أمير المؤمنين، وعلى فاطمة سيدة نساء العالمين، وعلى الحسن الزكي الامين، وعلى الشهيد الغريب الحسين، بل وعلى جميع النبيين والاوصياء المرضيين والملائكة المقربين

[ 162 ]

وجميع المؤمنين، أن ينظروا لتلك الخفرات الهاشميات على تلك الحالات المفضعات. [ حر قلبي لهن إذ صرن أسرى * حاسرات من بعد صون خباها ] [ صاديات غرثى وأعناقها في * السير ملوية لحامي حماها ] [ إن تباكين مالهن رحيم * أو تنادين لا يجاب نداها ] [ والعليل السجاد في الاسر يبرا * لسباها وذلها وعناها ] [ ورؤوس الهدى على السمر لاحت * فاق ضوء البدور لمع سناها ] قال الرواي: ومروا بهن قصدا وعنادا على مصارع الشهداء فألقين بأنفسهن من على ظهور المطا على تلك الجثث المرملة بالدماء، وصاحت العقيلة زينب نادبة جدها محمد المصطفى يا جداه يا رسول الله صلى عليك مليك السماء، هذا حسينك بالعراء مذبوح من القفا مهشم الاعضاء. [ حبيبك يا رسول الله أضحى * تكفنه الشمائل والجنوب ] يالها مصيبة عظيمة وفادحة جسيمة تواقع تلك الحرم والاطفال على تلك الاجساد المرملة بالدماء على حر الرمال، صار لهن من الرنة والبكاء والحزن والشجى ما أجرى الدموع من عيون الاعداء، فبينا هن متكابين على تلك الاجساد الملقاة على الوهاد وإذا بمنادي ذوي الالحاد [ ينادي ] هلمن واركبن على ظهور النياق فليس إلا الفراق وهو يقول: [ ذهب المانعون عنكم فقوموا * واخلعوا العز والبسوا الاذلالا ] فهتفت زينب ببكاء وحنين: أخي حسين عمادي حسين كفيلي حسين. [ أحمي الضائعات بعدك ضعنا * في يد النائبات حسرى بوادي ] [ أو ما تنظر الفواطم بالاسر * وستر الوجوه منها الايادي ] [ ثكلا ما ترى لها من كفيل * حسرا بين عصبة الالحاد ]

[ 163 ]

أخي حسين لو خيرت بين المقام عندك أو الرحيل لاخترت المقام ولو تأكلني سباع البر. [ أحمي الضائعات ضاع فؤادي * بين أمرين رحلتي ونزولي ] [ إن أردنا المقام عاجلنا الاقوام * بالضرب حرصا على التعجيل ] [ أو سروا فالسري يشتت شملي * بين طفل وأيم وثكول ] فلم يمهلوهن بل أركبوهن على تلك الحالة العظيمة، فلما صارت الحوراء زينب على ظهر ذلك البعير ونادى سائق الظعن بالمسير، أشارت لكافلها بدمع غزير وقلب كسير. [ أحجاب صوني في أمان الله * عز علي مسرانا وجسمك مودع ] [ ودعتك الكافي وقد سدت علي * مذاهب الآراء ما بك أصنع ] [ وسروا بها والعين ترعاه وإن * حجبت أقام فؤادها يتطلع ] فلم يزالوا مجدين المسير بهن إلى الكوفة وهن بدموع مذروفة وقلوب ملهوفة إلى أن وصلوا إليها. روي مرسلا عن مسلم الجصاص قال: دعاني ابن زياد (لع) لاصلاح دار الامارة بالكوفة فبينا أنا أجصص الابواب وإذا أنا بالزعقات قد ارتفعت من جنبات الكوفة، فأقبلت على خادم كان يعمل معنا فقلت: مالي أرى الكوفة تعج بأهلها ؟ قال: الساعة أتوا برأس خارجي خرج على يزيد، فقلت: من هذا الخارجي ؟ فقال: الحسين بن علي قال: فتركت الخادم حتى خرج ولطمت على وجهي حتى خشيت على عيني أن تذهبا، وغسلت يدي من الجص وخرجت من ظهر القصر وأتيت إلى الكناس، فبينا أنا واقف والناس يتوقعون وصول السبايا والرؤوس إذ قد أقبلت نحو أربعين بشقة تحمل على أربعين جملا فيها الحرم والاطفال، وإذا بعلي بن الحسين على بعير وطاء وأوداجه

[ 164 ]

تشخب دما وهو مع ذلك يبكي ويقول: [ يا أمة السوء لا سقيا لربكم * يا أمة لم تراعي جدنا فينا ] [ لو أننا ورسول الله يجمعنا * يوم القيامة ما كنتم تقولونا ] [ تسيرونا على الاقتاب عارية * كأننا لم نشيد فيكم دينا ] [ تصفقون علينا كفكم فرحا * وأنتم في فجاج الارض تسبونا ] [ أليس جدي رسول الله ويلكم * أهدى البرية من سبل المضلينا ] قال: وصار أهل الكوفة يناولون الاطفال الذين على المحامل بعض الخبز والاوز والتمر، فصاحت بهم أم كلثوم، يا أهل الكوفة إن الصدقة علينا حرام، وصارت تأخذ ذلك من أيدي الاطفال وأفواههم وترمي به إلى الارض، قال: كل ذلك والناس يبكون على ما أصابهم. [ وأعظم ما يشجي ويودع في الحشا * حرارة وجد دونها لذعة الجمر ] [ تصدق أعداها عليها شماتة * بما نالها بالخبز والجوز والتمر ] ثم أن أم كلثوم أطلعت رأسها من المحمل وقالت: صه يا أهل الكوفة تقتلنا رجالكم وتبكينا نساءكم فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء. فبينا هي تخاطبهن إذا بصيحة قد ارتفعت وإذا هم قد أتوا بالرؤوس يتقدمهم رأس الحسين، وهو رأس أزهري قمري أشبه الخلق برسول الله، ولحيته كسواد السبج قد اتصل بها الخضاب، ووجهه دائرة قمر طالع والريح تلعب بها يمينا وشمالا، فالتفتت زينب فرأت رأس أخيها فنطحت جبينها بمقدم المحمل حتى رأينا الدم يخرج من تحت قناعها، وأومت إليه بحرقة قلب وهي تقول: [ يا هلالا لما استتم كمالا * فاله خسفه فأبدى غروبا ] [ ما توهمت يا شقيق فؤادي * كان هذا مقدرا مكتوبا ] [ يا أخي فاطم الصغيرة كلمها * فقد كاد قلبها أن يذوبا ] [ يا أخي قلبك الشفيق علينا * ما له قد قسى وصار صليبا ] [ يا أخي لو ترى عليا لدى الاسر * مع اليتيم لا يطيق وجوبا ]

[ 165 ]

[ وكلما أوجعوه بالضرب نادا * ك بوجد يفيض دمعا سكوبا ] [ يا أخي ضمه إليك وقربه * وسكن فؤاده المرعوبا ] [ ما أذل اليتيم حين ينادي * بأبيه فلا يراه مجيبا ] ثم بعد أن صار عليهن ما صار من المصائب العظيمة والاهوال التي تندك لبعضها شامخات الجبال، سيما ما وقع عليهن من الاهانة والاذلال في مجلس ذلك الطاغي نسل الارذال، سيرهن ذلك الطاغي اللعين ابن زياد للشام هدية للطاغي يزيد رأس الفجور والفساد، فلم تزل تلك الخفرات الطاهرات وزين العابدين يسري بهن على تلك الحالة الفظيعة من قرية إلى قرية، ومن سوق إلى سوق، ومن لعين إلى لعين. [ سوافر بين الشامتين وجوهها * تستر عن نظارها بالمعاصم ] [ ومن بلدة تسبى إلى شر بلدة * ومن ظالم تهدى إلى شر ظالم ] حتى وصلوا بهن للشام ذات المصائب العظام. قال شيخنا الكفعمي (رض): في أول يوم من صفر أدخل رأس الحسين إلى دمشق الشام، وهو عيد عند بني أمية، وهو يوم تتجدد فيه الاحزان ولله در القائل: [ كانت مآتم بالعراق تعدها * أمية بالشام من أعيادها ] عن كامل البهائي: أوقفوا أهل البيت (ع) على باب الشام ثلاثة أيام حتى يزينوا البلد، فزينوها بكل حلي وزينة ومرآة كانت فيها، فصارت بحيث لم تر عين مثلها، ثم استقبلهم من أهل الشام زهاء خمسمائة ألف من الرجال والنساء مع الدفوف، وخرج أمراء الناس مع الطبول والصنوج والبواقات، وكان فيهم ألوف من الرجال والشبان والنسوان يرقصون ويضربون بالدفوف والصنج والطنبور، وقد تزين جميع أهل الشام بأنواع الثياب والكحل والخضاب، وكان خارج البلد من كثرة الخلائق كعرصة المحشر يموج بعضها في بعض، فلما

[ 166 ]

ارتفع النهار أدخلوا الرؤوس البلد ومن ورائها الحرم والاسارى من أهل البيت. قال سهل بن سعد: رأيت الرؤوس على الرماح يتقدمهم رأس العباس بن علي نظرت إليه كأنه يضحك ورأس الامام (ع) كان وراء الرؤوس أمام المخدرات، وللرأس الشريف مهابة عظيمة ويشرق منه النور بلحية مدورة قد خالطها الشيب وقد خضبت بالوسمة، أدعج العينين، أزج الحاجبين، واضح الجبين، أقنى الانف، متبسما إلى السماء، شاخصا ببصره إلى نحو الافق والريح تلعب بلحيته. قال الراوي: أدخلوا الرؤوس والسبايا من باب جيرون، وكان يزيد لعنه الله في منظرة على جيرون، لما وقع طرفه على الرؤوس والسبايا أنشد: [ لما بدت تلك الرؤوس وأشرقت * تلك الشموس على ربى جيرون ] [ لعب الغراب فقلت صح أولا تصح * فلقد قضيت من النبي ديوني ] قال الباقر (ع): سألت أبي علي بن الحسين (ع) عن كيفية دخولهم على يزيد لعنه الله، فقال: أوقفونا أولا على باب من أبواب القصر ثلاث ساعات في طلب الاذن من يزيد، ثم أدخلوا عليه ونحن مربطون بحبل واحد مثل الاغنام، وكان الحبل في عنقي وعنق عمتي زينب وأم كلثوم وباقي النساء والبنيات وكلما قصرنا عن المشي ضربونا حتى أدخلونا على يزيد لعنه الله. [ فقل لسرايا شيبة الحمد مالكم * قعدتم وقد ساروا بنسوتكم حسرى ] [ وأعظم ما يشجي الغيور دخولها * إلى مجلس ما بارح اللهو والخمرا ] [ أقيمت لديه آه واذلة الهدى * وكل عن النظار تنضم بالاخرى ] ولنعرض عن ذكر بعض ما جرى على آل الرسول وأولاد علي والطهر البتول في ذلك المجلس الخبيث من أولئك الفجرة النغول، إذ المصاب عظيم والرزء جسيم، وبعد أن فعل يزيد (لع) معهن ما فعل دعاهن وخيرهن بين المقام عنده أو الرجوع للمدينة فاختاروا الرجوع لها، وقد كان عليه اللعنة أوعد

[ 167 ]

زين العابدين بقضاء ثلاث حاجات، فلما عزموا على الرجوع قال عليه اللعنة للامام (ع): اذكر حاجاتك الثلاث اللاتي وعدتك بقضائهن فقال (ع): الاولى: أن تريني وجه سيدي ومولاي وأبي الحسين فأتزود منه. والثانية: أن ترد علينا ما أخذ منا. والثالثة: إن كنت عزمت على قتلي أن توجه مع هؤلاء النسوة من يردهن إلى حرم جدهن. فقال عليه اللعنة: أما وجه أبيك فلن تراه أبدا، وأما قتلك فقد عفوت عنك، وأما النساء فلا يردهن إلى المدينة أحد غيرك، وأما ما أخذ منكم فأنا أعوعضكم عنه أضعاف قيمته فقال (ع): أما مالك فلا نريده وهو موفر عليك، وإنما طلبت ما أخذت منا لان فيه مغزل فاطمة (ع) ومقنعتها وقلادتها وقميصها، فأمر برد ذلك فجهزوا وخرجوا من الشام فلما بلغوا العراق قالوا للدليل: مربنا على طريق كربلاء، فلما وصلوا إلى موضع المصرع وجدوا جابر بن عبد الله الانصاري رضي الله عنه مع جماعة من بني هاشم وغيرهم قد وردوا إلى زيارة الحسين (ع) فتلاقوا في وقت واحد وأخذوا بالبكاء والنحيب واللطم، وأقاموا العزاء واجتمع إليهم نساء أهل السواد، فخرجت زينب في الجمع وأهوت إلى جيبها فشقته ونادت بصوت حزين يقرح القلوب: وا أخاه وا حسيناه وا حبيب رسول الله وا ابن مكة ومنى وا ابن فاطمة الزهراء وا ابن علي المرتضى آه آه ثم آه [ يا غريب الديار صبري غريب * وقتيل الاعداء نومي قتيل ] ووقعت مغشيا عليها فاجتمعن النساء إليها ورششن الماء عليها حتى أفاقت كأني بها تنادي بلسان الحال: [ يا نازلين بكربلا هل عندكم * خبر بقتلانا وما أعلامها ] [ ما حال جثة ميت في أرضكم * بقيت ثلاثا لا يزال مقامها ] [ بالله واريتموها في الثرى * وهل استقرت في اللحود رمامها ]

[ 168 ]

فأقاموا هناك ثلاثة أيام ملازمين لاقامة المأتم وإجراء الدموع السواجم، ثم بعد ذلك أمر علي بن الحسين (ع) بشد الرحال فشدوها، فصاحت سكينة بالنساء لتوديع قبر أبيها فدرن حول القبر، فحضنت سكينة قبر أبيها وبكت بكاء شديدا وحنت وأنشأت تقول: [ ألا يا كربلا نودعك جسما * بلا كفن ولا غسل دفينا ] [ ألا يا كربلا نودعك روحا * لاحمد والوصي مع الامينا ] وأنكبت أيضا فاطمة ابنة الحسين على قبر أبيها وبكت بكاء شديدا حتى غشي عليها. [ أحسين بعدكم لا هنا عيش * ولا لذت مشارب ] [ ها نحن بعدك يا غريب * الدار أمسينا غرايب ] [ وعلى الشدائد يا شهيد * الطف شدينا المصايب ] فلما أرادوا الانفصال من كربلاء ذات المصائب والبلا وضع زين العابدين (ع) يده المباركة على ذلك القبر الشريف ففاض منه دم عبيط، فأشار إلى تلك الحرم والاطفال وقال مخاطبا لهن بلسان الحال ودموع عينيه في انهمال: [ خذوا لكم من دم الاحباب تحفتكم * وخاطبوا الجد هذي تحفة السفر ] فأخذن من تلك الدماء الطاهرة وصبغن شعورهن الفاخرة ثم انفصلوا من كربلاء طالبين المدينة بقلوب حزينة ومدامع هتونة. قال بشر بن حذلم: فلما قربنا منها نزل علي بن الحسين (ع) فحط رحله وضرب فسطاطه وأنزل نساءه وقال: يا بشر رحم الله أباك لقد كان شاعرا فهل تقدر على شئ منه ؟ فقلت: بلى يا ابن رسول الله إني لشاعر فقال (ع): أدخل المدينة وانع أبا عبد الله قال بشر: فركبت فرسي وركضت حتى دخلت المدينة، فلما بلغت مسجد النبي (ص) رفعت صوتي بالبكاء فأنشأت أقول:

[ 169 ]

[ يا أهل يثرب لا مقام لكم بها * قتل الحسين فأدمعي مدرار ] [ الجسم منه بكربلاء مضرج * والرأس منه على القناة يدار ] قال: ثم قلت: هذا علي بن الحسين مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه قال: فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا برزن من خدورهن مكشوفة شعورهن، مخمشة وجوههن، ضاربات خدودهن، يدعون بالويل والثبور، فلم أر باكيا أكثر من ذلك اليوم ولا يوما أمر على المسلمين منه. [ الله أكبر مات الدين وانطمست * أعلامه وهوى الايمان والرشد ] [ وقوضت خيم الاطهار من حرم ال‍ * مختار لما هوى من بينها العمد ] قال: وسمعت جارية تنوح على الحسين (ع) وتقول: [ نعى سيدي ناع نعاه فأوجعا * وأمرضني ناع نعاه فأفجعا ] [ أعيني جودا بالدموع واسكبا * وجودا بدم بعد دمعكما معا ] [ على من دهى عرش الجليل فزعزعا * فأصبح هذا الدين والمجد اجدعا ] [ على ابن نبي الله وابن وصيه * وإن كان عنا شاحط الدار أشيعا ] ثم قالت: أيها الناعي جددت حزننا بأبي عبد الله (ع) وخدشت منا قروحا لما تندمل فمن أنت يرحمك الله ؟ فقلت: أنا بشر بن حذلم، وجهني مولاي علي بن الحسين وهو نازل بموضع كذا وكذا مع عيال أبي عبد الله الحسين ونسائه قال: فتركوني وبادروني، فضربت فرسي حتى رجعت إليهم فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع، فنزلت عن فرسي وتخطيت رقاب الناس حتى قربت من الفسطاط، وكان علي بن الحسين داخلا فخرج ومعه منديل يمسح به دموعه وخلفه خادم معه كرسي فوضعه له وجلس عليه وهو لا يتمالك [ نفسه ] من البكاء، وارتفعت أصوات النساء بالبكاء وجئن النساء والجواري والناس يعزونه من كل ناحية، فضجت تلك البقعة ضجة شديدة وصار وكأنه

[ 170 ]

اليوم الذي مات فيه رسول الله (ص). [ ألا لا تزين الدار إلا بأهلها * على الدار من بعد الحسين سلام ] فلم يزل سلام الله عليه مدة بقائه ملازما لبكائه مصاحبا لحزنه وأشجانه، ولم يكف أعداء الله وأعداء رسوله اولئك الطغاة اللئام ما صدر عليه وحل به من الفجائع العظام والرزايا الجسام والعلل والاسقام، بل لا زالوا يرصدونه بالمخاوف ويقصدونه بالمكاره إلى أن آل الامر إلى هشام بن عبد الملك، وقيل الوليد بن عبد الملك عليهم اللعنة، فدس إليه سما في أشياء أعدها له فأكلها سلام الله عليه، فلما سرى السم في بدنه الشريف وتيقن حلول أمر الله تعالى به وانقطاع أجله أقبل على ولده وخليفة الله من بعده أبي جعفر محمد الباقر (ع) وقال: يا بني إن الوقت الذي وعدته قد قرب فأوصيك يا بني في نفسك خيرا، واصبر على الحق وإن كان مرا فإنه لتحدثني نفسي بسرعة الموت لقوله تعالى: (أولم يروا إنا نأتي الارض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب) (1)، يا بني لا تصحبن خمسة ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق أبدا قال أبو جعفر (ع): فقلت: يا أبة جعلت فداك من هؤلاء الخمسة ؟ فقال لي: لا تصحبن فاسقا فإنه يعيبك ويبيعك بأكلة فما فوقها ثم لا ينالها، فقلت له: ومن الثاني ؟ فقال (ع): لا تصحبن البخيل فإنه يقطع بك ماله أحوج ما كنت إليه فقلت له: ومن الثالث ؟ فقال لي: لا تصحبن كذابا فإنه بمنزلة السراب يبعد منك القريب ويقرب منك البعيد، فقلت له: ومن الرابع ؟ فقال لي: لا تصحبن أحمقا فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، فقلت: يا أبة ومن الخامس ؟ فقال لي: لا تصحبن قاطع رحم فإني وجدته ملعونا في كتاب الله تعالى في ثلاثة مواضع، ثم قال (ع): يا بني إذا أنا مت فغسلني فإن الامام لا يغسله إلا إمام مثله، واعلم أن أخاك عبد الله سيدعو الناس إلى نفسه ويدعي الامامة بعدي، فإذا دعاها فامنعه فإن أبى فدعه فإن عمره * (هامش ص 170) (1) سورة الرعد، الآية: 41. *

[ 171 ]

قصير، واعلم يا بني أني مفارقك عن قريب فإن الموت قد قرب وقد بلغ الوليد مني مراده. [ فيا لامام محكم الذكر بعده * تداعت له أركانه والجوانب ] [ ويا لسقيم شفه السقم والبكا * ويا لنحيل انحلته المصائب ] [ ويا لفقيد قد أقامت مأتما * عليه المعالي فهي ثكلى نوادب ] [ فلا عجب بيت النبوة أن دجى * ومن أفقه بد الامامة غارب ] [ وماد قوام للعلى ومقوم * وجب سغام للفخار وغارب ] قال محمد الباقر (ع) فضمني أبي إلى صدره ثم قال: يا بني أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة، وذكر (ع) أن من جملة ما أوصاه به أبوه أن قال: يا بني إياك وظلم من لا يجد عليك ناصرا إلا الله ثم أغمي عليه ثلاثا، ثم فتح عينيه وقرأ (إذا وقعت الواقعة) (1) (وإنا فتحنا لك فتحا مبينا) (2) وقال: الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الارض نتبوء من الجنة حيث نشاء، فنعم أجر العاملين، ثم أشرق من وجهه الشريف نور ساطع يكاد يخطف الابصار، ثم نادى: يا أبا جعفر عجل، ففاضت نفسه الشريفة فلطم الباقر رأسه ورفع صوته بالبكاء وضج أهله وعياله وأهل المدينة ضجة واحدة كادت منها الارض ان تسيخ بأهلها، وقام الصراخ وعلا النحيب من كل جانب ومكان، ومادت السماوات وناحت الملائكة وهتفت الجن بالصراخ، ولم يرفع حجر ولا مدر إلا وجد تحته دم عبيط، وخرجت المخدرات من خدورها ناشرة لشعورها. [ قضى ميتا بالسم روحي فداءه * وأهلي ومالي والبنون له فدا ] [ قضى بنجيع السم من كيد ظالم * تعدى على أهل النبوة والهدى ] [ سأبكيه بالدمع الهتون صبابة * وأهجر لذات الهنا مدة المدى ] [ فيا لك من رزء عظيم وفادح * أهد ذرى العلياء والمجد والندى ] * (هامش ص 171) (1) سورة الواقعة، الآية: 1. (2) سورة الفتح، الآية: 1. *

[ 172 ]

ثم أخذ الباقر (ع) في تغسيله كما أمره وأدرجه في أكفانه ووضعه على سريره، فحمل على الاعناق بالوجد والاحتراق حتى أتي به إلى البقيع الاشرف ودفن هناك في القبة التي فيها العباس بن عبد المطلب والحسن الزكي المنتجب، فيا له من مقام سمى الشهب. [ قضى السجاد مظلوما بسم * فما طيب الكرى لي من مباح ] [ قضى السجاد فالصدقات سرا * تقيم عليه مأدبة النياح ] [ قضى كنز الارامل واليتامى * وبحر الجود جف لدى الاجاح ] [ قضى عين الحياة فأي عين * عقيب العين تبخل بالسفاح ] [ قضى قطب الوجود فكيف تبقى * بنا الافلاك دائمة السباح ] [ بكته الجامدات فلا عجيب * بأن يبكي بألسنة الفصاح ] [ وتبكيه الوقود وما عليها * وقد فقد المرجى من جناح ] [ ويبكيه السماح وغير بدع * إذا يبكي السماح على السماح ] ولقد ورد أنه لما وضعه ابنه الباقر (ع) على المغتسل وجرده من ثيابه، رأى على ظهره أثر فسئل الباقر (ع) عن ذلك فقال: هذا مما كان يحمله على ظهره إلى منازل الفقراء والمساكين. وقيل: قال الباقر (ع): لما سئل عن ذلك وهو يبكي هذا أثر الجامعة التي وضعت على صدره، والغل الذي في يديه، وكانت وفاته (ع) في يوم السبت الثامن عشر من شهر المحرم، وقيل في الثاني والعشرين منه، وقيل: في الخامس والعشرين منه وهو المشهور. وأما السنة فقيل: سنة اثنتين وتسعين، وقيل: أربع وتسعين وقيل: خمس وتسعين، وعمره الشريف سبع وخمسون سنة كأبيه (ع)، وقيل: تسع وخمسون وأربعة أشهر وأيام، وقيل: أربع وخمسون وقيل: ثمان وخسمون وكان في سني إمامته ملك يزيد وملك معاوية بن يزيد وملك مروان وابنه عبد الملك، وتوفي في ملك الوليد بن عبد الملك وقيل: في ملك هشام بن عبد الملك وإنه هو الذي سمه

[ 173 ]

(ألا لعنة الله على الظالمين) (1) (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) (2). وهذا ما رمت ذكره وأحببت نشره والحمد لله رب العالمين ونسأله تعالى المغفرة والرحمة لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات إنه أرحم الراحمين وخير الغافرين، وأنا العبد المسكين الجاني حسين ابن العالم المقدس الشيخ علي آل المرحوم الشيخ سليمان البلادي البحراني ثم القديحي القطيفي وحق أن أقول بما قاله بعض أولي العقول: [ حجر على عيني يمر بها الكرى * من بعد نازلة بعترة أحمد ] [ أقمار تم غالها خسف الردى * واغتالها بصروفه الزمن الردي ] [ شتى مصائبهم فبين مكابد * سما ومنحور وبين مصفد ] ولقد أجاد آخر حيث يقول: عفى الله عن المؤمنين: [ لا أضحك الله سن الدهر إن ضحكت * وآل أحمد مظلومون قد قهروا ] [ مشردون نفوا عن عقر دورهم * كأنهم قد جنوا ما ليس يغتفر ] فإنا لله وإنا إليه راجعون وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون. تمت هذه المختصرة على يد مؤلفها الاحقر باليوم الثامن من شهر عاشوراء سنة 1359 ه‍. * (هامش ص 173) (1) سورة هود، الآية: 18. (2) سورة الشعراء، الآية: 227. *

[ 175 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وصلى الله وسلم على محمد وآله الطاهرين. هذه القصيدة الغراء في رثاء الامام زين العابدين (ع) للفاضل الذكي الشيخ علي ابن المرحوم الحاج حسن الجشي دام تأييده: [ أتجزع من وحشة الاربع * وتبكي على طلل بلقع ] [ وقاسى على جيرة بالحمى * دعاها الحمام فلم ترجع ] [ وقفت بأربعها لا ترى * لسؤلك من أن تسله يعي ] [ فرحت من الوجد مستنطقا * لعجم المنازل والاربع ] [ وما العجم ناطقة أن تسل * فإن شئت تصبر أو فاجزع ] [ ودع عنك عتبا لدهر أسى * فليس عتابك بالمنجع ] [ وهل ذمة فيه ترعى وذا * ذمام بني المصطفى ما رعي ] [ وفوق أسهم بغي رمى * بها أفضل السجد الركع ] [ إذا درع الصبر في كربلا * وقال لام الخطوب اصنعي ] [ فضاق الزمان بما أجلبت * كما ضاق رحب الفضا الاوسع ] [ وكادت من الغيظ تقضي وما * أباحت حمى صبره الامنع ] [ وحق علاك الذي لم يحط * بمعناه خبرا سوى المبدع ] [ فهب أن ما نال منك العدى * وإن عظم الخطب لم تدفع ]

[ 176 ]

[ تضيع تراث بني أحمد * وعزمك أمضى من اللمع ] [ وتغضي فديتك عن عصبة * أبادت سراتك في مصرع ] [ وأنت تراها برمضى الطفوف * ضحايا على الترب لم ترفع ] [ وتتخذ النوح طول الحياة * على فتية في الثرى صرع ] [ يخالط زادك ماء العيون * وتمزج ماءك بالادمع ] [ كستك المصائب ثوب الاسى * وشمل النبوة لم يجمع ] [ وهل كيف تخلع ثوب الاسى * إلى أن قضيت ولم ترفع ] [ وما صد عنك العدى ما أتوا * وبالاسر في الطف لم تقنع ] [ فأشخصت للشام من يثرب * ولكن أبت حكمة المبدع ] [ وقد سهرت في تدابيرها * لازهاق نفسك في المضجع ] [ كأن بقاك فذا عينها * وقبل هلاكك لم تهجع ] [ وقد هجعت عند ما أدركت * مناها بتدبيرها الاشنع ] [ وما خلت تغتال بالسم يا * عليما بسر القضا المودع ] [ وما خلت قلبك قلب الوجود * يقطع من سمها المنقع ] [ فقل للردى من لنا بعده * تركت لذا الباس من مفزع ] [ عذرت إمام الهدى بعده * وسر الحقيقة أن يجزع ] [ غداة رأى عند تغسيله * جروحا من الاسر لم تنزع ] [ كأن القيود وغل اليدين * وجامعة الاسر لم تنزع ] [ وحق الاسى لفقيد بكى * له أسفا كل شئ يعي ] [ فلا عجبا إن بكته النياق * وخنت إلى قبر الارفع ] [ فيا وفد أفدية المكرمات * قنوطا فسعيك لم ينجع ] [ ويا طالبي الرشد بدر الهدى * عراه الافول فلم يطلع ] للخال المقدس الصالح الشيخ محمد صالح قدس سره في تخميس ثلاثة أبيات: [ تكلب بي دهري وصار معاندي * وأخلى ربوعي من طريف وتالد ]

[ 177 ]

[ وفاجعني في كل شهم وماجد * فلست أبالي بعد فقدان والدي ] [ لما بي من فعل الزمان يكون ] [ بقتلك لا كهف إذا الخطب نابني * وبعدك لا أقوى على ما أصابني ] [ ومن يرعني قدما أراه أراعني * أبي قد سطا دهري علي وخانني ] [ وما كان عهدي بالزمان يخون ] [ وددت بأني كنت من قبل مهلكا * ويا ذل حالي أن أراك وقومكا ] [ ضحايا ومن أملكه صار مملكا * أبي كنت قبل اليوم لا أعرف البكا ] [ ولا سمحت لي بالدموع جفون ] لبعضهم (رض) في التخميس: [ أنا ابن ولاة الامر في كل موطن * بنا أسس الايمان والدين قد بني ] [ أبعد استلام الناس كعبة مسكني * أقاد ذليلا في القيود كأنني ] [ من الزنج عبد غاب عنه نصيره ] [ يطوفون بي في فدفد اثر فدفد * رهين قيود دامي العنق واليد ] [ على ناقة عجفاء أهدى لملحد * وجدي رسول الله في كل مشهد ] [ وشيخي أمير المؤمنين وزيره ] للفاضل الذكي الشيخ علي الجشي دام وجوده في رجوع السجاد (ع) من الكوفة لدفن أبيه: [ لم أنس لما عاد من أسر العدى * سرا ليدفن جسم خير قتيل ] [ ورآه مطروحا وقد حفت به * قوم تنحوا خيفة التنكيل ] [ ومذ استبانوا الحزن قالوا إننا * جئنا لندفن سبط خير رسول ] [ لكن لرفع الجسم والتحريك لم * نر كلنا من قدرة وسبيل ] [ فدعا ببارية هناك ولفه * فيها بلا كفن ولا تغسيل ] [ رفع الجنازة والملائك من أسى * أموه بالتكبير والتهليل ]

[ 178 ]

[ ولحمله جاء النبي وحيدر * والمجتبى في عبرة وعويل ] وله عن لسان السجاد (ع) مخاطبا لابيه بعد دفنه: [ يا راحلا ترك الدنيا برحلته * ظلماء كالليل والاخرى اغتدت نورا ] [ فأنت كالشمس أفق فيه قد طلعت * يضئ وما عنه غابت عاد ديجورا ] [ سهدا لم أزل ليلي عليك ولن * أرى من الحزن مهما عشت مسرورا ]

[ 179 ]

وفاة الامام محمد الباقر " عليه السلام " تأليف العلامة الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن الشيخ أحمد بن عصفور الدارزي البحراني

[ 181 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي اختار لاوليائه دار بقائه، وامتحنهم في دار دنياهم ببلائه، وحبب إليهم كمال لقائه، فسكنت أجسادهم في هذه الدار، وعلق أرواحهم بدوح فنائه، فصبروا على مضضها بل أعدوها من عظيم نعمائه، والصلاة والسلام على أول مبتلى في نفسه وعترته وأوليائه محمد وعترته المقابلين لهذه الرزايا بالحمد وكمال ثنائه. وبعد: فيقول أضعف الخلق علما وعملا في آخرته ودنيائه سوى تمسكه بذيل محبته وولائه، الراجي لفيض إحسانه السبحاني حسين بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الدارازي البحراني إني لما رأيت الناس من الشيعة والمؤمنين غير عارفين بوفيات أئمتهم المعصومين (ع) لعدم اشتهارها بين آبائهم المتقدمين مع، ندبهم إلى إقامة العزاء والمراثي مدة الاعمار والسنين، وقد ألفت فيما سبق بعض وفاياتهم على الترتيب الواضح المبين، وأحببت أن أستدرك وفايات الباقين [ منهم ] محمد بن علي باقر علوم الاولين والآخرين فألفت هذا الكتاب الموجز اللطيف وجعلته مشتملا على ثلاثة فصول حاوية للتنصيص عليه من آبائه الطاهرين، وعلى معجزاته الشاهدة بإمامته على اليقين، وعلى ذكر وفاته وما أصيب به من الكفرة الملاعين، فيكون الفصل الاول للاول والثاني للثاني

[ 182 ]

والثالث للثالث وبالله أستعين وسميته بالمصاب الفاقر في وفاة محمد بن علي الباقر.

[ 183 ]

الفصل الاول في التنصيص عليه من النبي (ص) وآبائه الميامين سيما والده علي بن الحسين (ع) وقد ولد يوم الجمعة غرة رجب سنة سبع وخمسين. كما في كتاب مصباح الشيخ (ره) برواية جابر الجعفي، وروي أنه اليوم الثالث من شهر ذي الحجة وعليه الاكثر، واسمه محمد وكنيته أبو جعفر (ع) ولقبه باقر العلم، وأمه أم عبد الله بنت الحسين بن علي (ع) وهو أول علوي تولد من الحسنين (ع)، وقد جاء في حديث اللوح الذي رآه جابر (ره) عند فاطمة الزهراء (ع) المنصوص فيه عليهم وعلى آبائهم وأمهاتهم ومدتهم. وفي المناقب أن الباقر (ع) هاشمي من هاشميين، وعلوي من علويين، [ و ] فاطمي من فاطميين، لانه أول من اجتمعت له ولادة الحسن والحسين (ع)، وكانت أمه أصدق الناس لهجة، وأحسنهم بهجة وأبدلهم مهجة وفي دعوات الراوندي (ره) عن أبي جعفر (ع) قال: كانت أمي قاعدة عند جدار فتصدع الجدار وسمعنا هدة شديدة، فقالت بيدها: لا وحق المصطفى ما أذن الله تعالى لك أن تسقط، فبقي معلقا حتى جازته فتصدق أبي (ع) عنها بمائة دينار. وذكرها الصادق (ع) يوما، فقال: كانت صديقة لم

[ 184 ]

يدرك في آل الحسن (ع) مثلها، وعمره (ع) سبع وخمسون سنة عمر أبيه (ع) وجده (ع)، وأقام مع جده الحسين (ع) ثلاث سنين أو أربع سنين، ومع أبيه علي بن الحسين (ع) أربعا وثلاثين وعشرة أشهر، وبعد أبيه تسعة عشرة سنة. وروي ثمانية عشر سنة وذلك أيام إمامته (ع)، وكان في سنين إمامته الملك للوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز ويزيد ابن عبد الملك وهشام أخيه وإبراهيم بن الوليد، وقبض (ع) في أول ملك إبراهيم، وسيأتي يوم وفاته المختار منها في الفصل الثالث لانه (ع) قتل مسموما، وإنما اختلف في سمه. وروى جابر بن يزيد الجعفي (ره) كما في العلل لما سأله عمر بن شمر لم سمي الباقر باقرا ؟ قال: لانه بقر العلم بقرا، أي شقه شقا وأظهره إظهارا. ولقد حدثني جابر بن عبد الله الانصاري (رض) أنه سمع رسول الله (ص) يقول: يا جابر إنك ستبقى حتى تلقى ولدي محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب (ع) المعروف بالباقر (ع)، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام، فلقيه جابر بن عبد الله الانصاري في بعض سكك المدينة، فقال: يا غلام من أنت ؟ فقال: أنا محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)، فقال له جابر: يا بني أقبل، فأقبل ثم قال له: أدبر، فأدبر، فقال (رض): شمائل رسول الله صلى الله عليه وآله ورب الكعبة، ثم قال: يا بني إن رسول الله (ص) يقرؤك السلام، فقال (ع): على رسول الله (ص) السلام، فقال له جابر: يا باقر يا باقر أنت الباقر، أنت الذي تبقر العلم بقرا. ثم كان يأتي إليه فيجلس بين يديه فيعلمه وربما غلط جابر فيما يحدث به عن رسول الله (ص) فيرد عليه الباقر (ع) ويذكره فيقبل ذلك منه ويرجع إلى قوله، وكان يقول: يا باقر يا باقر أشهد أنك أتيت الحكم صبيا. وفي الاختصاص عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله (ع) قال: إن جابر ابن عبد الله قال: آخر من بقي من أصحاب رسول الله (ص) وكان رجلا منقطعا

[ 185 ]

إلينا أهل البيت (ع)، فكان يقعد في مجلس رسول الله (ص) متعجرا بعمامته وكان يقول: يا باقر يا باقر، وكان أهل المدينة يقولون: جابر هجر، فكان يقول: لا والله ما أهجر ولكني سمعت رسول الله (ص) يقول: إنك ستدرك رجلا مني اسمه اسمي وشمائله شمائلي يبقر العلم بقرا، فذلك الذي دعاني إلى ما أقول. فبينما جابر ذات يوم يتردد في طرق المدينة إذ مر محمد بن علي (ع) فنظر إليه، فقال: يا غلام أقبل، فأقبل ثم قال: أدبر، فأدبر، فقال: شمائل رسول الله (ص)، والذي نفس جابر بيده ما اسمك يا غلام ؟ قال: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)، فقبل رأسه ثم قال: بأبي أنت وأمي إن رسول الله (ص) يقرؤك السلام، فقال (ع): وعلى رسول الله (ص) السلام، فرجع محمد بن علي (ع) إلى أبيه وهو ذعر فأخبره، فقال: يا بني قد فعلها جابر، قال: نعم قال يا بني الزم بيتك، فكان يأتيه طرفي النهار وهو أخر من بقي من أصحاب رسول الله، فلم يلبث أن مضى علي ابن الحسين (ع) فكان محمد بن علي (ع) يأتيه على الكرامة لصحبة رسول الله (ص) قال: فجلس الباقر (ع) يحدثهم عن رسول الله (ص)، فقال أهل المدينة: ما رأينا قط أحدا أكذب من هذا يحدث عن من لم يره، فلما رأى ما يقولون حدثهم عن جابر بل عبد الله فصدقوه وكان والله جابر يأتيه فيتعلم منه. وفي البشارة عن الصادق (ع) عن أبيه (ع) قال: دخلت على جابر بن عبد الله فسلمت عليه فرد علي السلام وقال لي: من أنت ؟ وذلك بعد ما كف بصره فقلت: محمد بن علي الباقر (ع)، فقال (ره) يا بني ادن مني، فدنوت منه فقبل يدي ثم أهوى إلى رجلي فقبلهما فتنحيت عنه، ثم قال: يا بني ادن مني فإن رسول الله (ص) يقرؤك السلام فقلت: وعلى رسول الله (ص) السلام ورحمة الله وبركاته، وكيف ذلك يا جابر ؟ ثم ذكر بقية الحديث الاول وهذا الحديث مخالفا لكثير من الاخبار الشاهدة بشهادة جابر له بقول رسول الله (ص) وبإقرائه السلام وهو مبصر، ولهذا شاهد علاماته وشمائله التي

[ 186 ]

أودعها إياه وهي لا تكون إلا مع الابصار، فلعله قد لقيه مرتين ويشهد لهذا ما في كشف الغمة عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي أنه قال: كنا عند جابر ابن عبد الله فأتاه علي بن الحسين (ع) ومعه ابنه محمد (ع) وهو صبي، فقال علي (ع): قبل رأس عمك فدنا محمد (ع) من جابر فقبل رأسه، فقال جابر: من هذا ؟ وكان قد كف بصره، فقال علي (ع): هذا ابني محمد فضمه جابر إليه، فقال: يا محمد يا محمد إن رسول الله (ص) يقرؤك السلام، فقالوا لجابر: كيف ذلك يا أبا عبد الله ؟ قال: كنت عند رسول الله (ص) والحسين (ع) في حجره يلاعبه، فقال: يا جابر يولد لابني هذا ابن يقال له علي (ع) إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم سيد العابدين فيقوم علي بن الحسين (ع) ويولد لعلي بن الحسين (ع) ابن يقال له محمد، يا جابر إن رأيته فاقرأه مني السلام واعلم أن بقاءك بعد رؤيته يسيرا فلم يعش بعد ذلك جابر إلا يسيرا: [ أبا علما قد ذل للخلق كلهم * على دين من انهي إليه الرسالة ] [ وأبرز حكم الله بعد خفائه * وأوضح برهانا له والدلالة ] [ وبشر أصحاب النبي ببقائه * علوما أجنت لم تحل المقالة ] [ حوى من صفات المصطفى بعد اسمه * شمائله قد أورثته الجلالة ] [ وقد حسدته أمة السوء يا لها * أمية إذ نالت هناك السفالة ] [ فأردوه مسموما على غير جرمة * فآذوا رسول الله أهل الضلالة ] [ برئت إلى الله المهيمن منهم * فقد قابلوا علم النبي بالجهالة ] [ فكيف لنفسي لا تموت صبابة * وقد لقيت آل النبي النكالة ] [ وقتلا بسم مع قيود بسجنها * وهتك احترام اتبعوه نزالة ] وفي التنصص عليه من أبيه (ع) بالامامة حين لقي حمامه فهي كثيرة جدا، فمنها خبر عثمان بن خالد كما في كتاب النصوص والمعجزات قال: مرض علي بن الحسين (ع) مرضه الذي توفي فيه، فجمع أولاده محمد والحسن وعبد الله وعمر وزيدا والحسين وأوصى إلى ابنه محمد (ع) وكناه الباقر وجعل أمرهم

[ 187 ]

إليه، وكان فيما أوعظ أن قال: يا بني إن العقل رائد الروح والعلم رائد العقل والعقل ترجمان العلم، واعلم أن العلم أبقى واللسان أكثر هذرا، واعلم يا بني أن صلاح الدنيا بحذافيرها في كلمتين: اصلاح شأن المعاش مل ء مكيال ثلثاه فطنة وثلثه تغافل لان الانسان لا يتغافل إلا عن شئ عرفه فافطن له، واعلم أن الساعات تذهب عمرك وأنك لا تنال نعمة إلا بفراق أخرى، فإياك والامل الطويل فكم من مؤمل أملا لا يبلغه، وجامع مالا لا يأكله، ومانع ما سوف يتركه ولعله من باطل جمعه أو من حق منعه أصابه حراما وورثه عدوا فاحتمل اصره وباء بوزره وورد على ربه خسرانا، أسفا ذلك هو الخسران المبين. وفيه عن مالك بن أعين الجهني قال: أوصى علي بن الحسين (ع) ابنه محمد بن علي (ع)، فقال: يا بني إني جعلتك خليفتي من بعدي لا يدعي أحد فيما بيني وبينك إلا قلده الله يوم القيامة طوقا من نار، فأحمد الله تعالى على ذلك واشكره، يا بني اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكره فإنها لا تزول نعمة إذا شكرت ولا بقاء لها إذا كفرت، فكل من أنعم الله عليه بنعمة وجب عليه بها الشكر وتلا (لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) (1). وفي خبر عبد الله بن عمر كما في البصائر عن أبي جعفر (ع) قال لما حضرت علي بن الحسين (ع) الوفاة قبل ذلك أخرج الصندوق فحمل بين أربعة، فلما توفي جاء أخوته يدعون في الصندوق قالوا: اعطنا نصيبنا من الصندوق، فقال: والله ما لكم فيه شئ إنما دفعه إلي، وكان في الصندوق سلاح رسول الله (ص) وكتبه. وفي خبر الزهري كما في النصوص والمعجزات قال: دخلت على علي ابن الحسين (ع) في المرض الذي توفي فيه إذ قدم إليه طبق فيه الخبز والهندباء (هامش) * (1) سورة إبراهيم، الآية: 7. *

[ 188 ]

قلت: وما فضل الهندباء ؟ ما من ورقة من الهندباء إلا وعليها قطرة من الجنة فيها شفاء من كل داء، ثم رفع الطعام وأتى بالدهن، فقال: ادهن يا أبا عبد الله قالت: قد أدهنت قال: إنه هو البنفسج، قلت: وما فضل البنفسج على سائر الادهان قال: فضله على سائر الادهان كفضل الاسلام على سائر الاديان، ثم دخل عليه محمدا ابنه فحدثه بالسر فسمعته يقول: عليك بحسن الخلق فقلت: يابن رسول الله (ص) إن كان أمر الله مما لابد منه ووقع في نفسي أنه (ع) قد نعى نفسه فإلى من نختلف بعدك ؟ فقال: يا أبا عبد الله إلى ابني هذا، وأشار إلى ابنه محمد الباقر (ع)، فإنه وصيي ووارثي وعيبة علمي ومعدن الحكم وباقر العلم، ثم قال: (ع): سوف يختلف إليه خلاص شيعتي ويبقر العلم عليهم بقرا قال: ثم أرسل ابنه محمد (ع) في حاجة له إلى السوق فلما جاء قلت: يابن رسول الله هلا أوصيت أكبر أولادك قال: يا أبا عبد الله ليست الامامة بالكبر والصغر هكذا عهد الينا رسول الله (ص) وهكذا وجدناه في اللوح والصحيفة، قلت: يابن رسول الله فكم عهد إليكم نبيكم أن يكون الاوصياء من بعده ؟ قال: ووجدناه في الصحيفة واللوح إثنا عشر أسامي مكتوبة بأسمائهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم، ثم قال: يخرج من صلب ابني محمد (ع) سبعة من الاولياء فيهم المهدي عجل الله فرجه. وكم مثل هذه الاخبار الدالة على النص على إمامته (ع) مما يضيق بها الاملاء، فلله دره من معدن علم وعمل ومحل عصمة من الخطايا والزلل ولهذا فوض الله إليه أحكامه وأوعز إليه حلاله وحرامه، فضاقت نفوس الحاسدين وأرادت إطفاء نوره، فسمت إليه وأهبطت مقامه وقصدت هدم تلك الدعامة للعداوة القديمة وما فيهم من القباحة والدمامة، فكأن رسول الله (ص) ما أولدهم ولم ينص عليهم بالولاية والامامة طلبوا بذلك فبذلوا فيه حطامه وأمكنهم الله من ذلك ليحبوهم الله بالشهادة ودار المقامة، فليت نفسي الفداء لهم قبل أن يلقوا من المنون حمامه.

[ 189 ]

شعر للمؤلف رحمه الله تعالى: [ سأقضي حياتي بالكآبة والشجا * على باقر العلم الذي ليس يوجد ] [ له شبه في العالمين وقد حوى * فنون علوم الله فهو الموحد ] [ فلولاه ما قامت لاحد راية * ولا كان من بعد الوصيين مرشد ] [ فيا قاتل الله الغوي الذي سعى * له بسموم فهو باغ ومخلد ] [ أيقتل نفس المصطفى ووصيه * ونجل حسين وابنه ويشردوا ] [ ذراري للزهراء وتيتيم شيعة * توالوا بهم حتى أبيدوا وبددوا ] [ فذاك كتاب الله يبكي لفقدهم * وهذا رسول الله حزنا يعدد ] [ وتلك محاريب المساجد قد خلت * فلا عابد فيها ولا متهجد ] [ وتلك دروس العلم أمست دوارس * فلا حكم فيها ولا حكم يمهد ]

[ 191 ]

الفصل الثاني في معاجزه التي بهرت العقول، ومكارم أخلاقه التي ورثها من الرسول وعلي فحل الفحول ومن آبائه الكرام حملة علم المعقول والمنقول، وبها أظهرت تلك الاحقاد والذحول للغل الكامن في صدور أولئك النغول، وقد جرت مع خلفاء عصره عجائب لا تدركها العقول لانه (ع) قد بقر علم الرسول (ص) بقرا، فمنها ما وقع له في حياة أبيه (ع) حيث قد شكت الشيعة لابيه (ع) من الظلم والقهر والتشريد والامر المهول على ما رواه في عيون المعجزات مرفوعا إلى جابر قال: أفضيت الخلافة إلى بني أمية فسفكوا في أيامهم الدم الحرام، ولعنوا أمير المؤمنين (ع) على منابرهم ألف شهر، واغتالوا شيعته في البلدان وقتلوهم واستأصلوا شأفتهم، ومالاهم على ذلك علماء السوء رغبة بحطام الدنيا، وصارت محنتهم على الشيعة لعن أمير المؤمنين (ع) فمن لم يلعنه قتلوه، فلما فشا ذلك في الشيعة وكثر وطال واشتكت إلى زين العابدين (ع) وقالوا: يا ابن رسول الله حلؤنا عن البلدان بالقتل الذريع، وقد اعلنوا بلعن أمير المؤمنين (ع) في البلدان وفي مسجد رسول الله (ص) على منبره ولا ينكر عليهم منكر ولا يعيرهم معير فإن أنكر واحد منا لعنوه وقالوا: هذا ترابي، ورفع إلى سلطانهم وكتب إليه أن هذا ترابي أو ذكر أبي تراب (ع) بخير فضرب وحبس وقتل، فلما سمع (ع) ذلك نظر إلى السماء وقال: سبحانك ما أعظم شأنك إنك أمهلت عبادك حتى ظنوا أنك

[ 192 ]

أهملتهم وهذا كله بعينك إذ لا يغلب قضاؤك ولا يرد محتوم أمرك فهو كيف شئت وأنى شئت لما أنت أعلم به منا، ثم دعا بابنه محمد بن علي الباقر (ع)، فقال يا محمد، فقال البيك، فقال (ع): إذا كان غدا فاغد إلى مسجد رسول الله (ص) وحط الخيط الذي نزل به جبرائيل (ع) على رسول الله (ص) وحركه تحريكا لينا ولا تحركه تحريكا شديدا فيهلكوا جميعا. قال: جابر: فبقيت متعجبا من قوله لا أدري ما أقول، فلما كان من الغد جئته وكان قد طال علي ليلي حرصا لانظر ما يكون من أمر الخيط، فبينما أنا في الباب إذ خرج (ع) فسلمت عليه فرد علي السلام وقال لي: ما غدا بك يا جابر عنا ولم تكن تأتنا في هذا الوقت ؟ فقلت لقول الامام (ع) بالامس خذ الخيط الذي أتى به جبرائيل (ع) وسر به إلى مسجد رسول الله (ص) وحركه تحريكا لينا ولا تحركه تحريكا شديدا فيهلك الناس جميعا، فقال الباقر (ع): والله لولا الوقت المعلوم والاجل المحتوم والقدر المقدور لخسفت بهذا الخلق المنكوس في طرفه عين بل في لحظة، ولكنا عباد مكرمون لا نسبقه بالقول ونحن بأمره عاملون. قال جابر: فقلت: يا سيدي ومولاي ولم تفعل هذا بهم ؟ قال: ما حضرت بالامس والشيعة تشكو إلى والدي (ع) ما يلقون من هؤلاء الانذال ؟ فقلت: يا سيدي ومولاي نعم، فقال (ع): إنه (ع) أمرني أن أرعبهم لعلهم ينتهون، وكنت أحب أن تهلك طائفة منهم ليطهر الله البلاد ويريح العباد منهم. قال جابر: فقلت: سيدي كيف ترعبهم وهم أكثر من أن يحصى، فقال الباقر (ع): امض بنا إلى مسجد رسول الله (ص) لاريك قدرة من قدرة الله تعالى التي خصنا الله بها وما من به علينا من دون الناس، فقال جابر: فمضيت معه إلى المسجد فصلى ركعتين ثم وضع خده في التراب وتكلم بكلام ثم رفع رأسه وأخرج من كمه خيطا دقيقا فاحت منه رائحة المسك، فكان في المنظر أدق من سم الخياط ثم قال لي: يا جابر خذ إليك طرف الخيط وامض رويدا،

[ 193 ]

فمضيت، فقال (ع): قف يا جابر، فوقفت ثم حرك الخيط تحريكا خفيفا ما ظننت أنه حركه من لينه ثم قال (ع): ناولني طرف الخيط، فناولته إياه وقلت ما فعلت يا سيدي ؟ فقال (ع) ويحك اخرج وانظر ما حال الناس. قال جابر رضي الله عنه: فخرجت من المسجد فإذا الناس في صيحة واحدة والصيحة من كل جانب، فإذا المدينة قد زلزلت زلزلة شديدة وأخذتهم الرجفة والهدمة، وقد خرجت أكثر دور المدينة وهلك منها خلق كثير تزيد على ألف رجل وامرأة دون الولدان والناس في صياح وعويل وبكاء وهم يقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون، خربت دار فلان وهلك أهلها ورأيت الناس فزعين إلى مسجد رسول الله (ص) وهم يقولون: هذه هدمة عظيمة وبعضهم يقول: قد كانت زلزلة وبعضهم يقول: كيف لا نخسف وقد تركنا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وظهر فينا الفسق والفجور وظلم آل محمد (ص)، والله لينزلن بنا أشد من هذا أو نصلح من أنفسنا ما أفسدنا قال جابر (رض): فبقيت متحيرا أنظر إلى الناس حيارى يبكون، فأبكاني بكاؤهم وهم لا يدرون من أين أتوا، فانصرفت إلى الباقر (ع) وقد حف به الناس في مسجد رسول الله (ص) وهم يقولون: يابن رسول الله ألا ترى إلى ما نزل بنا ؟ فادع الله تعالى لنا، فقال (ع): افزعوا إلى الصلاة والدعاء والصدقة، ثم أخذ بيدي وسار بي (ع)، فقال: ما حال الناس فقلت: لا تسأل يابن رسول الله، خربت الدور والمساكن وهلك الناس، ورأيتهم بحال رحمتهم فيه، فقال (ع) لا رحمهم الله تعالى أما أنه قد بقيت عليك بقية ولولا ذلك لم ترحم أعداءنا وأعداء أوليائنا ثم قال (ع) سحقا سحقا وبعدا بعدا للقوم الظالمين، والله لولا مخالفة والدي (ع) لزدت في التحريك وأهلكتهم عن آخرهم وجعلت أعلاها أسفلها، فكان لا يبقى فيها دار ولا جدار فما أنزلنا وأولياءنا من أعدائنا هذه المنزلة غيرهم، ولكن أمرني مولاي (ع) أن أحركه تحريكا ساكنا ثم صعد (ع) المنارة فزلزلت المدينة زلزلة خفيفة وتهدمت دور، ثم تلا الباقر (ع) (ذلك جزيناهم

[ 194 ]

بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور) (1) وتلا أيضا (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها) (2) (فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون) (3). قال جابر (رض): فخرجت العواتق من خدورهن في الزلزلة الثانية يبكين ويتضرعن مكشفات لا يلتفت إليهن أحد، فلما نظر الباقر (ع) إلى تحير العواتق رق لهن فوضع الخيط بكمه فسكنت الزلزلة، ثم نزل (ع) عن المنارة والناس لا يرونه وأخذ بيدي حتى خرجنا من المسجد فمررنا بحداد اجتمع الناس عند حانوته والحداد يقول: أما سمعتم الهمهمة في الهدم ؟ فقال بعضهم: بل كانت همهمة كثيرة وقال قوم آخرون: والله كلام كثير إلا إنا لم نطلع على الكلام قال جابر (رض): فنظر إلى الباقر (ع) وتبسم وقال: يا جابر هذا لما طغوا وبغوا فقلت: يابن رسول الله ما هذا الخيط الذي فيه العجب، فقال (ع): بقية ما ترك آل موسى وآل عمران تحمله الملائكة ونزل به جبرائيل (ع)، ويحك يا جابر إنا من الله تعالى بمنزلة رفيعة فلولا نحن لم يخلق الله سماء ولا ارضا ولا جنة ولا نارا ولا شمسا ولا قمرا ولا أنسا ولا جنا، ويحك يا جابر لا يقاس بنا أحد يا جابر بنا والله أنقذكم، وبنا والله أنعشكم، وبنا والله هداكم، ونحن والله دللناكم على ربكم فقفوا عند نهينا وأمرنا ولا تردوا علينا ما وردناه عليكم منا، فما فهمتموه فاحمدوا الله عليه، وما جهلتموه فردوه إلينا وقولوا: أئمتنا أعلم بما قالوا. قال جابر (رض): ثم استقبله أمير المدينة القيم بها من بني أمية وقد نكب ونكبت حوله حريمه وهو ينادي معاشر الناس احضروا ابن رسول الله (ص) وتقربوا به إلى الله تعالى وتضرعوا إليه وأظهروا التوبة والانابة لعل الله يصرف


(1) سورة سبأ، الآية: 17. (2) سورة هود، الآية: 82. (3) سورة النمل، الآية: 16. (*)

[ 195 ]

عنكم العذاب، قال جابر (رض): فلما بصر الامير بمحمد الباقر (ع) سارع نحوه وقال: يابن رسول الله أما ترى ما نزل بأمة محمد (ص) وقد هلكوا وفنوا ؟ ثم قال له: أين أبوك حتى نسأله أن يخرج إلى المسجد فنتقرب به إلى الله تعالى فيرجع عن أمة محمد (ص) البلاء ؟ فقال الباقر (ع): يفعل إن شاء الله تعالى، ولكن أصلحوا ما فسد من أنفسكم، وعليكم بالتوبة والتورع عما أنتم عليه فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. قال جابر: فأتينا زين العابدين (ع) بأجمعنا وهو يصلي فانتظرناه حتى انتقل من الصلاة فأقبل علينا ثم قال لابنه سرا: يا محمد كدت تهلك الناس جميعا، قال (ره): فقلت: والله يا سيدي ما شعرت بتحريكه حين حركه، فقال (ع): لو شعرت بتحريكه ما بقي نافخ نار، فما خبر الناس ؟ فأخبرناه، فقال (ع): ذلك مما استحلوا منا محارم الله تعالى وانتهكوا من حرمتنا، فقلت: يابن رسول الله إن سلطانهم بالباب قد سألنا أن نسألك أن تحضر المسجد حتى تحضر الناس إليك فيدعون الله تعالى ويتضرعون إليه ويسألونه الاقالة، فتبسم (ع) ثم قال: (أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) (1) قلت: يا سيدي ومولاي العجب أنهم لا يدرون من أين أتوا، فقال: أجل وتلا (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآيتنا يجحدون) (2) هي والله يا جابر آياتنا، وهذه والله إحداها وهي مما وصف الله تعالى في كتابه (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون) (3). ثم قال (ع): يا جابر ما ظنك بقوم أماتوا سنتنا وضيعوا عهدنا ووالوا


(1) سورة غافر، الآية: 50. (2) سورة الاعراف، الآية: 51. (3) سورة الانبياء، الآية: 18. (*)

[ 196 ]

أعدائنا وانتهكوا حرمتنا وظلموا حقنا وغصبوا إرثنا وأعانوا الظالمين علينا وأحيوا سنتهم وساروا بسيرة الفاسقين الكافرين في فساد الدين وإطفاء نور الحق ؟ قال جابر: فقلت: الحمد لله الذي من علينا بمعرفتكم وعرفني فضلكم وألهمني طاعتكم ووفقني لموالاة أوليائكم ومعاداة أعدائكم، فقال (ع): أتدري ما المعرفة ؟ فاورد عليه الخبر بطوله. ولله در من قال: [ لقد أظهر الله آياتهم * كما أظهر النور من شمسها ] [ وأحيا معالم دين الآله * وشيدها بعدما أسسها ] [ وقوم أعلامهم في الورى * جهارا وقد كان في نكسها ] [ فوالهفتاه لامام مضى * وأبقى مرائر في نفسها ] [ أيقتل خير الورى جهرة * ويصبح ذي الدين في نكسها ] [ أباقر علم النبي الذي * توالى الخلائق من أنسها ] [ ومن جنها في قفار لها * كذاك الملائك في قدسها ] [ فيا دمعتي فاسكتي دمها * ويا فرحتي فاذهبي امسها ] [ وعيد الانام فما مربي * ولا مالت النفس في عرسها ] [ ودمعي مراق ونومي جفا * جفوني ولا ذاق من نعسها ] وفي كتاب دلائل الامامة لمحمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى بإسناده عن الصادق (ع) قال: حج هشام بن عبد الملك سنة من السنين، وكان قد حج في تلك السنة محمد بن علي الباقر وابنه جعفر صلوات الله عليهما، فقال جعفر ابن محمد (ع): الحمد لله الذي بعث محمدا بالحق نبيا وأكرمنا به فنحن صفوة الله تعالى من على خلقه وخيرته من عباده وخلفائه، فالسعيد من اتبعنا والشقي من عادانا وخالفنا قال: فأخبره مسلمة أخوه بما سمع فلم يعرض لنا حتى انصرف إلى دمشق وانصرفنا إلى المدينة، فأنفذ بريدا إلى المدينة لاشخاصي

[ 197 ]

وإشخاص أبي (ع)، فأشخصنا فلما وردنا مدينة دمشق حجبنا ثلاثة أيام ثم أذن لنا في اليوم الرابع، فأدخلنا عليه وإذا هو قد قعد على سرير الملك وجنده وخاصته وقوف على أرجلهم متسلحون وقد نصب الغرض وأشياخ قومه يرمون، فلما دخلنا وأبي (ع) أمامي وأنا خلفه فنادى أبي وقال: ارم مع أشياخ قومك الغرض، فقال له أبي (ع): قد كبرت عن الرمي فهل رأيت أن تعفيني ؟ فقال: وحق من أعزنا بدينه ونبيه محمد (ص) لا أعفيك، ثم أومى إلى شيخ من بني أمية وقال: أعطه قوسك، فتناول أبي (ع) عند ذلك قوس الشيخ ثم تناول منه سهما فوضعه في كبد القوس، ثم انتزع السهم ورمى الغرض فنصبه فيه، ثم رمى الثانية فشق فوافق سهمه إلى نصله، ثم تابع الرمي حتى شق تسعة أسهم بعضا في جوف بعض وهشام يضطرب في مجلسه فلم يتمالك أن قال: أجدت يا أبا جعفر وأنت أرمى العرب والعجم، زعمت أنك كبرت عن الرمي ثم أدركته ندامة على ما قال، وكان هشام لم يكن أجل قبل أبي (ع) ولا بعده في خلافته فهم به وأطرق إلى الارض إطراقه يتروى فيه، وأنا وأبي (ع) واقفان حذاه موجهان نحوه، فلما طال وقوفنا غضب أبي (ع) وهم به وكان أبي (ع) إذا غضب نظر إلى السماء نظر غضبان يرى الناظر الغضب في وجهه. فلما نظر هشام من أبي ذلك قال له: إلي إلي يا محمد فصعد أبي السرير وأنا اتبعه، فلما دنا من هشام قام إليه واعتنقه وأقعده عن يمينه، واعتنقني وأقعدني عن يمين أبي (ع)، ثم أقبل على أبي بوجهه، فقال له: يا محمد لا تزال العرب تسودها قريش ما دام فيها مثلك، فلله درك من علمك هذا الرمي وفي كم تعلمته ؟ فقال أبي: قد علمت أن أهل المدينة يتعاطونه فتعاطيته أيام حداثتي، فلما أراد أمير المؤمنين ذلك مني عدت إليه، فقال: ما رأيت مثل هذا الرمي منذ عقلت، وظننت أن احدا في الارض يرمي هذا الرمي أيرمي ابنك جعفر (ع) مثل هذا الرمي ؟ فقال (ع): نحن نتوارث في تمام الدين كما قال الله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم

[ 198 ]

الاسلام دينا) (1) والارض لا تخلوا ممن يكمل هذه الامور التي يقصر عنها غيرنا. فلما سمع هشام ذلك من أبي (ع) انقلبت عينه اليمنى واحولت واحمر وجهه، وكان ذلك علامة غضبه إذا غضب، ثم أطرق هنية، ثم رفع رأسه، فقال لابي (ع): ألسنا بني عبد مناف نسبنا ونسبكم واحد ؟ فقال أبي: نحن كذلك، ولكن الله جل ثناؤه اختصنا من مكنون سره وخالص علمه بما لا يخص به أحدا غيرنا، فقال: أليس الله جل ثناؤه بعث محمدا (ص) من شجرة عبد مناف إلى الناس كافة أبيضها وأسودها وأحمرها ؟ من أين ورثتم ما ليس لغيركم ورسول الله (ص) مبعوث إلى الناس كافة وذلك قول الله تعالى (ولله ميراث السموات والارض) (2) الآية، فمن أين ورثتم هذا العلم وليس بعد محمد (ص) نبي ولا أنتم أنبياء ؟ فقال (ع): عن قوله تعالى لنبيه: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) (3) لم يحرك به لسانه لغيرنا، أمره الله أن يخصنا به من دون غيرنا، فلذلك كان يناجي أخاه عليا (ع) من دون أصحابه، فأنزل الله تعالى بذلك قرآنا في قوله تعالى (وتعيها اذن واعية) (4)، فقال رسول الله (ص) لعلي (ع) من دون أصحابه: سألت الله عزوجل أن يجعلها أذنك يا علي، فلذلك قال علي (ع) بالكوفة: علمني رسول الله (ص) ألف باب من العلم ففتح لي من كل باب ألف باب خصه رسول الله (ص) من مكنون سره بما لم يخص به أحدا من قومه حتى صار إلينا فورثناه من دون أهلنا. فقال هشام: إن عليا (ع) كان يدعي علم الغيب والله تعالى لم يطلع على


(1) سورة المائدة، الآية: 3. (2) سورة الحديد، الآية: 10. (3) سورة القيامة، الآية: 16. (4) سورة الحاقة، الآية: 12. (*)

[ 199 ]

غيبه أحدا، فكيف ادعى ذلك ؟ فقال أبي (ع): إن الله جل ذكره أنزل على نبيه كتابا بين فيه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) (1) وفي قوله تعالى (ما فرطنا في الكتاب من شئ) (2) وأوحى الله تعالى إلى نبيه (ص) أن لا يبقي في غيبه وعلمه وسره ومكنون علمه شيئا إلا يناجي به عليا (ع)، فأمره أن يؤلف (3) القرآن من بعده ويتولى غسله وتكفينه وتحنيطه من دون قومه وقال لاصحابه: حرام على أصحابي وأهلي أن ينظروا إلى عورتي غير أخي علي (ع) فإنه مني وأنا منه، له ما لي وعليه ما علي، وهو قاضي ديني ومنجز عداتي ووعدي. ثم قال لاصحابه: إن علي بن أبي طالب (ع) يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت أنا على تنزيله، ولم يكن عند احد تأويل القرآن بكماله وتمامه إلا عند علي (ع) ولذلك قال رسول الله: أقضاكم علي (ع) أي هو قاضيكم، وقال عمر: لولا علي (ع) لهلك عمر، يشهد له عمر ويجحد غيره. فأطرق هشام طويلا ثم رفع رأسه فقال: سل حاجتك فقال: خلفت عيالي وأهلي مستوحشين لخروجي، فقال قد آنس الله وحشتهم برجوعك إليهم ولا تقم، سرمن يومك إليهم، فاعتنقه أبي (ع) ودعا له، وفعلت أنا كفعل أبي (ع)، ثم نهض ونهضت معه وخرجنا إلى بابه، وإذا ميدان ببابه وفي آخر الميدان أناس قعود وعدد كثير فقال أبي: من هؤلاء ؟ فقيل: هؤلاء القسيسون والرهبان وهذا عالم لهم يقعد لهم في كل سنة مرة يوما واحدا يستفتونه فيفتيهم، فلف أبي (ع) عند ذلك نفسه بفاضل ردائه ففعلت أنا كفعل أبي، فأقبل نحوه وقعد وقعدت وراءه ورفع الخبر إلى هشام، فأمر بعض غلمانه أن يحضر الموضع فينظر ما يصنع أبي (ع)، فأقبل وأقبل عدد من المسلمين فأحاطوا بنا * (هامش ص 199) (1) سورة النحل، الآية: 89. (2) سورة الانعام، الآية: 38. (3) يؤلف: يجمع. *

[ 200 ]

وأقبل عالم النصارى قد شد حاجبيه بخرقة صفراء حتى توسطنا، فقام إليه جمع من القسيسين والرهبان مسلمين عليه فجاؤوا به إلى صدر المجلس فقعد فيه وأحاط به أصحابه وأبي (ع) و أنا بينهم، فأدار نظره فقال لابي: أمنا أم من هذه الامة المرحومة ؟ فقال (ع): من هذه الامة المرحومة فقال: من اين أنت أمن علمائها أم من جهالها ؟ فقال أبي (ع): لست من جهالها، فاضطرب اضطرابا شديدا فقال لابي: أسألك ؟ فقال أبي: أسأل فقال: من أين ادعيتم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يحدثون ولا يبولون ؟ وما الدليل على ذلك من شاهد لا يجهل ؟ فقال أبي (ع): الجنين في بطن أمه يأكل ولا يحدث. قال: فاضطرب النصراني اضطرابا شديدا، فقال: هلا زعمت أنك لست من علمائها ؟ فقال أبي (ع): ولست من جهالها وأصحاب هشام يسمعون ذلك، فقال لابي: أسألك مسألة أخرى فقال أبي (ع): اسأل فقال لابي: من أين ادعيتم أن فاكهة الجنة غضة طرية موجودة غير معدومة عند أهل الجنة ؟ وما الدليل عليه من شاهد لا يجهل ؟. فقال أبي (ع): دليل ما ندعيه أن السراج أبدا يكون غضا طريا موجودا غير معدوم عند أهل الدنيا لا ينقطع ابدا، فاضطرب اضطرابا شديدا ثم قال، هلا زعمت أنك لست من علمائها ؟ فقال أبي ولست من جهالها. فقال اسألك مسألة فقال: اسأل فقال: أخبرني عن ساعة لا من ساعات الليل ولا من ساعات النهار فقال له أبي (ع): هي الساعة التي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، يهدأ فيها المبتلى ويرقد فيها الساهر ويفيق المغمى عليه، جعلها الله في الدنيا دليلا للراغبين وفي الآخرة دليلا للعالمين، لها دلائل واضحة وحجة بالغة على الجاحدين المتكبرين الناكرين لها، قال: فصاح النصراني صيحة عظيمة ثم قال: بقيت مسألة واحدة والله لاسألنك مسألة لا تهتدي إلى ردها أبدا فقال له:: سل ما شئت، فإنك حانث في يمينك فقال اخبرني عن مولودين ولدا في يوم واحد وماتا في يوم واحد عمر أحدهما خمسين

[ 201 ]

سنة والآخر عمره مائة وخمسين سنة. فقال له أبي (ع): ذلك عزير وعزيرة ولدا في يوم واحد فلما بلغا مبلغ الرجال خمسة وعشرين سنة مر عزير على حماره وهو راكبه على بلد اسمها انطاكية وهي خاوية على عروشها فقال: أني يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام ثم بعثه على حماره بعينه وطعامه وشرابه لم يتغير، وعاد إلى داره وأخوه عزيرة وولده قد شاخوا وعزير شاب في سن خمسة وعشرين سنة، فلم يزل يذكر أخاه وولده وهم يذكرون ما يذكره ويقولون: ما أعلمك بأمر قد مضت عليه السنين والشهور، وعزيرة يقول له وهو شيخ كبير ابن مائة وخمسة وعشرين سنة: ما رأيت شابا أعلم بما كان بيني وبين أخي عزير أيام شبابي منك، فمن أهل السماء أنت أم من أهل الارض ؟ فقال: يا عزيرة أنا عزير أخوك، قد سخط الله علي بقول قلته بعد أن اصطفاني الله وهداني، فأماتني مائة سنة ثم بعثني بعد ذلك لتزدادوا بذلك يقينا أن الله تعالى على كل شئ قدير، وهذا حماري وطعامي وشرابي الذي خرجت به من عندكم أعاده الله تعالى كما كان، فعند ذلك أيقنوا فأعاشه الله بينهم خمسة وعشرين سنة ثم قبضه الله تعالى وأخاه في يوم واحد. فنهض عالم النصارى عند ذلك قائما، وقام النصارى على أرجلهم فقال لهم عالمهم: جئتموني بأعلم مني واقعدتموه معكم حتى هتكني وفضحني وأعلم المسلمين بأنه احاط بعلومنا وأن عنده ما ليس عندنا، والله لا كلمتكم من كلمة واحدة ولا قعدت لكم إن عشت بعد هذه فتفرقوا وأبي (ع) قاعد مكانه وأنا معه، ورفع ذلك إلى هشام فبعث الينا بالجائزة وأمرنا أن ننصرف إلى المدينة من ساعتنا ولا نجلس لان الناس ماجوا وخاضوا فيما دار بين أبي (ع) وعالم النصارى، فركبنا دوابنا منصرفين وقد سبقنا بريد إلى عامل مدينة مدين أن ابني أبي تراب (ع) الساحرين محمد بن علي وجعفر بن محمد (ع) الكذابين بل هو الكذاب، فيما يظهر أن من الاسلام وردا علي فلما صرفتهما إلى المدينة مالا

[ 202 ]

على القسيسين والرهبان من كفار النصارى وتقربا إليهم بالنصرانية، فكرهت أن أنكل بهما لقرابتهما فإذا قرأت كتابي هذا فناد في الناس برئت الذمة ممن يشاريهما أو يبايعهما أو يصافحهما أو يسلم عليهما فإنهما قد ارتدا عن الاسلام، ورأى أمير المؤمنين أن يقتلهما ودوابهما وغلمانهما ومن معهما أشر قتلة فورد البريد إلى مدينة مدين. فلما شارفنا مدين قدم أبي (ع) غلمانه ليرتادوا لنا منزلا ويشتروا لنا ولدوابنا طعاما وعلفا، فلما قرب غلماننا من باب المدينة أغلقوا الباب في وجوههم وشتموهم وذكروا علي بن أبي طالب (ع) ونالوا منه، وقالوا لا نزول لكم عندنا ولا بيع ولا شراء يا كفار يا مشركين يا مرتدين يا كذابين يا أشر الخلق أجمعين. فوقف غلماننا على الباب حتى انتهينا إليهم، فكلمهم أبي (ع) ولين لهم القول وقال لهم، اتقوا الله ولا تغلطوا فلسنا كما بلغكم ولا نحن كما يقولون فاسمعونا، وقال لهم: إن كنا كما قلتم فافتحوا لنا الباب وشارونا وبايعونا كما تشارون وتبايعون اليهود والنصارى فقالوا: إن هؤلاء يؤدون الجزية وانتم ما تؤدون الجزية فقال لهم أبي (ع): افتحوا لنا الباب وانزلونا وخذوا منا الجزية كما تأخذون منهم، فقالوا: لا نفتح لكم الباب ولا كرامة لكم حتى تموتوا على ظهور دوابكم جياعا أو تموت دوابكم تحتكم. فوعظهم أبي فازدادوا عتوا ونفورا فثنى أبي (ع) رجله عن سرجه ثم قال لي: مكانك يا جعفر لا تبرح، ثم صعد (ع) الجبل المطل على مدينة مدين وهم ينظرون إليه ما يصنع، فلما صار في أعلاه استقبل بوجهه المدينة ثم وضع اصبعه في أذنيه ثم نادى بأعلى صوته (وإلى مدين أخاهم شعيبا - إلى قوله - بقية الله خير لكم) (1) فأمر الله ريحا سوداء مظلمة فهبت واحتملت صوت أبي (ع) وطرحته إلى اسماع الرجال * (هامش ص 202) (1) سورة هود، الآيات: 84 - 86. *

[ 203 ]

والنساء والصبيان، فما بقي أحد منهم إلا صعدوا السطوح وأبي (ع): مشرف عليهم. فكان فيمن صعد شيخ من أهل مدين كبير السن، فنظر إلى أبي (ع) على الجبل فنادى بأعلى صوته: اتقوا الله يا أهل مدين، فإنه قد وقف الموقف الذي وقف فيه شعيب (ع) حين دعا على قومه، فإن أنتم لم تفتحوا له الباب ولم تنزلوه جاءكم من الله العذاب وإني أخاف عليكم وقد أعذر من أنذر، ففزعوا وفتحوا الباب وأنزلونا. وكتب بجميع ذلك إلى هشام، فارتحلنا في اليوم الثاني فكتب هشام إلى عامل مدين أن يحتال في سم أبي (ع) في طعام أو شراب فلم يتهيأ من ذلك له شئ: [ بني أمية لا قرت عيونكم * بما جنيتم على أبناء ياسين ] [ جحدتم لحقوق أوجبت لهم * بنص قرآنه في آي تبيين ] [ حسدتموهم على ما خصهم ودعا * إلهم من ولاة الامر والدين ] [ اسقيتموهم سموما بعد مانهلت * في دمهم عنوة بتر الملاعين ] [ أطفيتم لمصابيح الهدى فغدت * دياجي الكفر عمت كل مسكين ] [ يانسل مروان ماذا قد أباح لكم * دم الرسالة يانسل الملاعين ] [ أمليتم الارض من جاري دمائهم * وقد غدوا بين مأسور ومسجون ] [ فما هشامكم قد عف مذ ملكت * يمينه عنهم من بعد تمكين ] [ سعى لقتلهم حتى أبادهم * عن البسيط بتنكيل وتوهين ] [ يا باقر العلم قد جلت رزيتكم * على القلوب فما دمعي بمخزون ] [ وقد تنسى لهاتيك الخطوب وقد * دكت معالم دين الله في حين ] [ الله يجبر كسرا قد أصابكم * بالقائم المرتجى بالنصر والعون ] وفي كتاب كامل الزيارات عن أبي بصير (رض) عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال: بعث هشام إلى أبي فأشخصه إلى الشام فلما دخل عليه قال له: يا أبا جعفر (ع) أنا بعثت إليك لاسألك عن مسألة لم يصلح أن يسألك عنها

[ 204 ]

غيري، ولا ينبغي أن يعرف هذه المسألة إلا رجل واحد فقال أبي (ع): يسألني أمير المؤمنين عما أحب فإن علمت أجبته وإن لم أعلم قلت لا أدري، وكان الصدق أولى بي فقال له هشام: أخبرني عن الليلة التي قتل فيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) بما استدل الغائب عن المصر الذي قتل فيه علي بن أبي طالب (ع) ؟ وما كانت العلامة فيه للناس ؟ وأخبرني هل كانت لغيره في قتله علامة ؟ فقال له أبي (ع): إنه لما كانت الليلة التي قتل فيها علي (ع) لم يرفع فيها حجر عن وجه الارض إلا وجد تحته دم عبيط حتى طلع الفجر، وكذلك كانت الليلة التي قتل فيها يوشع بن نون (ع)، وكذلك الليلة التي رفع فيها عيسى ابن مريم (ع)، وكذلك الليلة التي قتل الحسين بن علي (ع)، فتربد وجه هشام وامتعض لونه وهم أن يبطش بأبي (ع) فقال أبي: الواجب على الناس الطاعة لامامهم والصدق له بالنصيحة، وإن الذي دعاني إلى ما أجبت به أمير المؤمنين فيما سألني عنه معرفتي بما يجب له من الطاعة فليحسن ظن أمير المؤمنين، فقال هشام: أعطني عهد الله وميثاقه أن لا ترفع هذا الحديث ماحييت، فأعطاه أبي من ذلك ما أرضاه فقال هشام: انصرف إلى أهلك إذا شئت فخرج أبي متوجها من الشام إلى الحجاز. فأركب هشام بريدا وكتب معه إلى جميع عماله مابين دمشق إلى يثرب فأمرهم أن لا يأذنوا لابي في شئ من مدائنهم ولا يبايعوه في أسواقهم ولا يأذنوا له في مخالطة أهل الشام حتى ينفذ إلى الحجاز، فلما انتهى إلى مدينة مدين ومعه حشمه وأتاه بعضهم فأخبره أن زادهم قد نفذ وانهم قد منعوا من السوق، وأن باب المدينة أغلق عليهم فقال (ع): فعلوها، آتوني بماء للوضوء، فجئ بماء فتوضأ منه ثم توكأ على غلام له ثم صعد الجبل حتى إذا صار في ثنية الجبل استقبل القبلة فصلى ركعتين ثم قام وأشرف على المدينة ثم نادى بأعلى صوته وقال: (وإلى مدين أخاهم شعيبا - إلى قوله تعالى - بقية الله خير لكم) (1) ثم * (هامش ص 204) (1) سورة هود، الآية: 84 - 86. *

[ 205 ]

وضع يده على صدره ثم نادى بأعلى صوته أنا بقية الله أنا والله بقيته. قال: وكان في أهل مدين شيخ كبير وقد بلغ السن به وأدبته التجارب، وقد قرأ الكتب وعرفه أهل مدين بالصلاح، فلما سمع النداء نادى وقال: اطرحوني، فحمل ووضع في وسط المدينة فاجتمعوا إليه فقال لهم: ماهذا الذي سمعته من فوق الجبل ؟ قالوا: هذا رجل يطلب متاعا فمنعه السلطان من ذلك فحال بينه وبين منافعه، فقال الشيخ: أتطيعوني ؟ فقالوا: نعم فقال: إن قوم صالح إنما ولي عقر الناقة منهم رجل واحد وعذبوا جميعا على الرضى بفعله وهذا رجل قد قام مقام شعيب (ع) ونادى نداء شعيب فارفضوا السلطان وأطيعوني واخرجوا إليه بالسوق واقضوا حاجته وإلا والله لم آمن لكم الهلكة، قال: ففتحوا الباب وأخرجوا السوق إلى ابي (ع) فأخذنا حاجتنا ودخلوا مدينتهم. وكتب عامل هشام إليه بما فعلوه وبخبر الشيخ، فكتب هشام إلى عامله بحمل الشيخ إليه فحمل فمات في الطريق رحمه الله تعالى. [ والله ما عاد أتت بفعالهم * كلا ولا فرعونها وثمود ] [ لم يجرموا مثل اجترام هشامهم * ويزيدهم قد زادوهو جحود ] [ ما جاء في دين الاله فويله * قد هان عنه ما جنى نمرود ] [ يا ويلهم حسدا تمكن فيهم * لريائه ما قدماه حسود ] [ قد أظهروا ساداتنا ما قد رأوا * من منكر وعفت بذاك حدود ] [ موسى الكليم يفر من فرعونها * لبلاد مدين فالتقاه سعود ] [ وهشام باقر علمهم ما لم ينج * من طغيانه وبها عراه صعود ] [ فعليهم وعليه لعن دائم * وعلى يزيد والطغاة يزيد ] وفي كتاب المناقب بإسناده قال: لما أشخص أبي (ع) إلى دمشق سمع الناس يقولون: هذا من أولاد أبي تراب (ع)، فأسند ظهره إلى جدار مستقبلا القبلة ثم حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي (ص) ثم قال اجتنبوا أهل الشقاق وذرية النفاق وحشو النار وحطب جهنم، عن البدر الزاهر والبحر الزاخر

[ 206 ]

والشهاب الثاقب علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (ع)، والصراط المستقيم (من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا) (1) ثم قال بكلامه: أبصنو رسول الله (ص) تستهزؤون ؟ أم بيعسوب الدين تلمزون ؟ وأي سبيل بعده تسلكون وأي حزب تدفعون ؟ هيهات هيهات برز والله بالسبق، وفاز بالخصل، واستولى على الغاية، وأحرز الخطاب فانحسرت عنه الابصار، وخضعت دونه الرقاب، وقرع ذروة العليا، فكذب من رام من نفسه السعي وقد أعياه الطلب، فأنى لهم التناوش من مكان بعيد وقال: أقلوا أقلوا لا ابا لكم من اللومة أو سدوا مكان الذي سدوا، أولئك قوم إن بنوا أحسنوا، وإن عاهدوا وفوا، وإن عقدوا شدوا، فأنى يسد ثلمة أخ رسول الله (ص) إذ شفعوا، وشقيقه إذ نسبوا، ونديده إذ قبلوا، وذي قربى كبيرها إذ فتحوا، ومصلى القبلتين إذ انحرفوا، والمشهود له بالايمان إذ كفروا، والمدعو بمبيد المشركين إذ نكلوا، والخليفة على المهاد ليلة الحصار إذ جزعوا، ومستودع الاسرار ساعة الوداع، إلى آخر كلامه (ع). عن الخليل بن أحمد العروضي قال: حضرت مجلس الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان وقد اسحنفر في سب علي واثغنجر في ثلبه إذ خرج عليه أعرابي على ناقة له وذفراها يسيلان لشدة السير دما، فما رآه الوليد في منظرته قال: إأذنوا لهذا الاعرابي فإني أراه قد قصدنا، فجاء الاعرابي فعقل ناقته بطرف زمامها ثم أذن له فدخل فأورده قصيدة لم يسمع مثلها قط جودة فلما انتهى إلى قوله: [ ولما أن رأيت الدهر آلا * علي ولح في إضعاف حالي ] [ وفدت إليك أبغي حسن عقبى * أعيل بها خصاصات العيال ] [ وقائلة إلى من قد أراه * يؤم ومن يرجى للمعالي ] * (هامش ص 206) (1) سورة النساء، الآية: 74. *

[ 207 ]

[ فقلت إلى الوليد أؤم قصدا * وقاه الله من غير الليالي ] [ هو الليث الهصور شديد باس * هو السيف المجرد للقتال ] [ خليفة ربنا الداعي علينا * وذي المجد التليد أخ الكمال ] قال: فقبل مدحته وأجزل عطيته وقال: اخا العرب قد قبلنا مدحتك وأجزلنا صلتك فاهج لنا أبي تراب (ع)، فوثب الاعرابي يتهافت قطعا ويزأر حنقا ويستمد شفقا وقال: والله إن الذي عنيته بالهجاء هو أحق بالمدح منك وأنت أولى بالهجاء منه، فقال له الجلساء: ترحك الله فقال: علام تترحوني ولا تبشروني فما أبديت سلقا ولا قلت شططا ولا ذهبت غطا، علام إنكم فضلتم عليه من هو أولى بالفضل منه وهو علي بن أبي طالب (ع) الذي تجلبب بالوقار، ونبذ الشنار، وعاف العمار، وقصد الانصاف، وأبدا الاوصاف، وحصن الاطراف، وتألف الاشراف، وزال الشكوك في الله بشرح ما استودعه الرسول (ص) من مكنون العلم الذي شرفه وسلفه في الجاهلية أكرم من سلفه لا تعرف المائدات في الجاهلية إلا عندهم، ولا الفضل إلا فيهم صفة، اصطفاها الله تعالى واختارها فلا يغتر الجاهل بأنه قعد عن الخلافة بمثائرة من ثار عليها وجالد بها السلالة المارقة والاعوان الظالمين، قلتم ذلك كذلك إنما استحقها بالسوء، تالله ألكم حجة في ذلك فهل سبق صاحبكم إلى المواضع الصعبة والمنازل الشعبة والمعارك المرة كما سبق إليها علي (ع) الذي لم يكن بالعقبة ولا الهبعة ولا مضطغنا آل الله ولا منافقا كان يدرأ عن الاسلام كل أصبوحة، ويذب عنه كل أمسية، ويلج بنفسه في الليل الديجور المظلم المحلوك. مرصدا للعدو تارة ومذلا له تارة، ويتضكضك أخرى ويأرب لزبة آتية قيسية وان اور نار قذف نفسه في لهوات وشيحة وعليه وزعقة ابن عمه الفضفاضة، وبيده خطية عليها سنان لهذم فبرز عمرو بن عبد ود القرم الاود والخصم الالد والفارس الاشد على فرس عنجوج كأنه يجر نحره بالخيلوج فضرب بها قوسه وقنع بها نفسه أو نسيتم عمر بن معدي كرب الزبيدي إذ أقبل يجر دلدال درعه مدلا بنفسه قد

[ 208 ]

زحزح الناس عن أماكنهم ونهضهم عن مواضعهم ينادي اين المبارزون يمينا وشمالا فانقض عليه كاسود ونيق وكصيخورة منجنيق فوقصه وقض القطام بحجر الحمام واتى به إلى رسول الله (ص) كالبعير الشارد يقاد كرها وعينيه تدمع وأنفه يرمع وقلبه يجزع وكم له من يوم عصيب برز فيه إلى المشركين بنية صادقة وبرز غيره وقد كشف أميل أجم أعزل. وقال رسول الله (ص): ألا أني أخبركم بخبر علي (ع)، إنه مني بأوباش كالمراطة بين الغموص أو حجابة وفقامة ومقدم ومهدم حملت به شوها شوها أقصى مميلها فاتت به محصنا وكلهم اهون على علي (ع) من سعدانة بغل افبهذا يستحق من سلبه إليه واخذ الخلافة وازالها عن الوارثة وصاحبها ينظر إلى فيئه وكأن الشبا مرعى تلبسه حتى إذا لعب بها فريق بعد فريق وخريق بعد خريق اقتصروا على ضراعة الوهز وكثرة الابز ولو ردوه إلى سمت الطريق والمرت البسيط والتامور العزيز الفوه قائما واضعا الاشياء في مواضعها لكنهم انتهزوا الفرصة واقتحموا الغصة وباؤا بالحسرة قال: فأربد وجه الوليد وغص بريقه وشرق بعبرته كأنما فقئ في عينيه المض الحاذق. فأشار عليه بعض جلسائه بالانصراف وهو يشك أنه مقتول فوجد بعض الاعراب الداخلين فقال له: هل لك أن تأخذ خلعتي الصفراء وآخذ خلعتك السوداء واجعل لك بعض الجائزة ؟ فقبل الرجل، فخرج الاعرابي فاستوى على راحلته وغاص في بيدائه وتوغل في صحرائه واعتقل الرجل الآخر فضربت عنقه، فجئ به إلى الوليد فقال: ما هذا بصاحبنا وانفذ الخيل السراع في طلبه فالحقوه بعد لاي. فلما أحس بهم أدخل يده في كنانته يخرج سهما فسهما يقتل به فارسا فارسا إلى أن قتل أربعين فارسا وانهزم الباقون، فجاؤوا إلى الوليد فأخبروه بذلك فأغمي عليه يوما وليلة، فقالوا: ما تجد ؟ فقال، أجد على قلبي غمة من فوت هذا الاعرابي ولله دره من أعرابي وناهيك به من مادح وممدوح، وقد بلغ

[ 209 ]

الغاية القصوى وتسنم أوج الفصاحة التي تقصر عنها فصاحة المخلوقين، وهي دون فصاحة الخالق في القرآن المبين ولو بلغت شموسها من أفتى ألسنتهم الناطقة وظهرت كواكب بلاغتهم من بروج أفئدتهم الصادقة، ولقد أظهر مسحة من مسحات والده الممدوح جلا بها ظلماته والشبهات من غير أن يحتاج ذلك الكلام من تبيين أو شروح وأبرز نبيل كنانته محجبات شجاعته فما ترى غير مقتول ومطروح: [ ورثوا الشجاعة صاغرا عن كابر * حتى انتهت للسيد الممدوح ] [ وإلى الرسول أجل خلق الله في * علم وآداب وكشف فدوح ] [ حسدتهم الايام حتى أمكنت * منهم طغاة اراذل وجموع ] [ فغدت دماؤهم تسيل بمنصل * قد سله جد لهم بفتوح ] [ يا ويلهم لم يعرفوا لمقامهم * عند الاله أليس بالمشروح ] [ في كتبه التوراة والانجيل * والفرقان قد بانت بآي وضوح ] [ نفسي الفداء لهم وما أحويه من * مال وولد والجدود وروحي ] [ فلاء جعلن الدهر مدة مدتي * حزنا وأجعل مهجتي في روحي ] وحيث أن في معاجزه عجزي عن ذكر ما فيها لقصوري عن تبوئي أدنى مراتبها فلنشرع في الفصل الثالث:

[ 211 ]

الفصل الثالث المتضمن لوفاته (ع) وبيان الوقت الذي سلب فيه كمال حياته وهو الغاية والقصد في تأليف هذا الكتاب والسبب الذي أوجب لاخماد أنفاسه وإلحاده تحت التراب، وأقوى سبب أجج عليه نيران العداوة ذات الالتهاب عداوة ابن عمه زيد بن الحسن ومخاصمته معه في ميراث رسول الله (ص) عند أولئك النصاب، حتى هتك منه الحجاب وصار لقتله أعظم الاسباب. كما رواه أبو بصير (رض) عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال: كان زيد بن الحسن يخاصم أبي (ع) في ميراث رسول الله (ص) ويقول: أنا من ولد الحسن (ع) وأولى بذلك منك لاني من ولد الاكبر فقاسمني ميراث رسول الله (ص) وادفعه إلي، فأبى أبي (ع)، فخاصمه إلى القاضي، وكان زيد يختلف معه إلى القاضي فبينما هم كذلك ذات يوم في خصومتهم إذ قال زيد بن الحسن لزيد بن علي بن الحسين (ع): اسكت يابن السندية فقال زيد بن علي (ع): أف لخصومة تذكر فيها الامهات والله ما كلمتك الفصيح من رأسي أبدا حتى أموت وأنصرف إلى أبي (ع)، وقال أخي: إني حلفت بيمين ثقة وعلمت أنك لا تكرهني ولا تخيبني، حلفت أن لا أكلم زيد بن الحسن ولا أخاصمه، وذكر ما صار بينهما فأعفاه أبي (ع) واغتنمها زيد بن الحسن وقال: يلي خصومتي محمد بن علي (ع) فأعتبه وأوذيه فيعتدي علي فعدا على أبي (ع)

[ 212 ]

فقال: بيني وبينك القاضي، فقال: انطلق بنا. فلما أخرجه قال أبي (ع) لزيد: يا زيد إن معك سكين قد أخفيتها، أرأيتك إن نطقت هذه السكينة التي تسترها مني فشهدت أني أولى بالحق منك فتكف عني ؟ قال: نعم وحلف له بذلك فقال أبي: أيتها السكين انطقي بأذن الله تعالى، فوثبت السكين من يد زيد بن الحسن على الارض فقالت: يا زيد أنت ظالم لمحمد ومحمد أحق بالارث منك وأولى، وإن لم تكف لالين قتلك، فخر زيد مغشيا عليه وأخذ أبي (ع) بيده وأقامه ثم قال: يا زيد إن أنطقت الصخرة التي نحن عليها تقبل ؟ قال: نعم، قال: فارتفعت الصخرة التي قاما عليها على زيد حتى كادت أن تغلق عليه، ولم تزحف مما يلي أبي (ع)، ثم قالت: أنت ظالم لمحمد ومحمد (ع) مظلوم منك وهو أولى بالامر منك فكف عنه وإلا توليت قتلك، فخر زيد مغشيا عليه، فأخذ أبي (ع) بيده وأقامه ثم قال: يا زيد أرايت إن نطقت هذه الشجرة تكف ؟ قال: نعم فدعا أبي (ع) الشجرة فأقبلت تخد الارض خدا حتى أظلتهم ثم قالت: يا زيد أنت ظالم لمحمد ومحمد (ع) أولى بالامر منك، فكف عنه وإلا قتلتك، فخر مغشيا عليه فأخذ أبي (ع) بيده وانصرفت الشجرة إلى مكانها، فحلف زيد أن لا يتعرض لابي (ع) ولا يخاصمه. فانصرف وخرج زيد من يومه إلى عبد الملك بن مروان فدخل عليه وقال، أتيتك من عند ساحر كذاب لا يحل لك تركه، وقص عليه ما رأى، فكتب عبد الملك إلى عامل المدينة أن ابعث إلي محمد بن علي (ع) مقيدا وقال لزيد أرأيتك إن وليتك قتله تقتله ؟ قال: نعم. فلما انتهى الكتاب إلى عامل المدينة أجاب عبد الملك بما هو حاصله: ليس كتابي خلافا لك يا أمير المؤمنين ولا رادا أمرك، ولكن رأيت أن أراجعك في الكتاب نصيحة مني إليك وشفقة عليك، وأن الرجل الذي أردته ليس اليوم على وجه الارض اعف منه، ولا أزهد، ولا أورع منه وإنه في محرابه فتجمع إليه الطير والسباع تعجبا من

[ 213 ]

صوته، وإن قراءته كشبه مزامير داود (ع) وإنه من أعلم الناس وأرقهم وأشدهم اجتهادا وعبادة، وكرهت لامير المؤمنين التعرض له فإن الله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. فلما ورد الكتاب على عبد الملك سر بما انتهى إليه من الوالي وعلم أنه قد نصحه، فدعا يزيد بن الحسن فأقرأه الكتاب فقال: أعطاه وارضاه فقال عبد الملك: فهل تعرف أمرا غير هذا ؟ قال: نعم عنده سلاح رسول الله (ص) وسيفه ودرعه وخاتمه وعصاه، وتركته، فاكتب إليه فيه فإن هو لم يبعث به وجدت إلى قتله سبيلا، فكتب عبد الملك إلى عامل المدينة أن أحمل إلى أبي جعفر (ع) ألف ألف درهم وليعطك ما عنده من ميراث رسول الله (ص). فأتى العامل منزل أبي جعفر (ع) فأقرأه الكتاب فقال: أجلني أياما قال: نعم فهيأ أبي متاعا ثم حمله ودفعه إلى العامل، فبعث به إلى عبد الملك فسر سرورا عظيما، وأرسل إلى زيد بن الحسن فعرض عليه ذلك فقال: والله ما بعث إليك من متاع رسول الله (ص) قليلا ولا كثيرا فكتب عبد الملك إلى أبي (ع) إنك أخذت مالنا ولم ترسل إلينا بما طلبنا، فبعث أبي (ع) إليه: إني قد بعثت إليك بما قد رأيت فإن شئت كان ما طلبت وإن شئت لم يكن، فصدقه عبد الملك وجميع أهل الشام وقال: هذا متاع رسول الله (ص) قد أتيت به ثم أخذ زيدا وقيده وبعث به وقال له: لولا أني أريد أن لا أبتلى بدم أحد منكم لقتلتك، وكتب إلى أبي (ع): بعثت إليك بابن عمك فأحسن أدبه، واوصلك سرج هدية مني إليك، فلما أتي به قال أبي (ع): ويحك يا زيد ما أعظم ما تأتي وما يجري على يديك، والله اني لاعرف الشجرة التي نحت منها ولكن هذا قدر، فويل لمن أجرى الله على يديه الشر. فأسرج له فركب أبي (ع) السرج فنزل أبي متورما وامر بأكفان له وكان فيه ثوب أحرم فيه وقال اجعلوه في أكفاني وعاش (ع) ثلاثا ثم مضى لسبيله، وذلك السرج عند آل محمد (ص) معلق ثم أن زيد بن الحسن بقي بعد ذلك أياما.

[ 214 ]

فعرض له داء فما زال يتخبطه ويهذي ويترك الصلاة حتى مات. فهذه الرواية تدل على أن القاتل له عبد الملك بن مروان أنه سمه في السرج الذي بعث به إليه معه فاظهره (ع) علمه بذلك حيث قال: إني أعرف الشجرة التي منها السرج فكيف يخفى علي ما جعل فيه من السم ولكن قد تحتم القدر بشهادتي على هذا، ولهذا قال (ع): السرج معلق عندهم لئلا يقربه أحد وليكن حاضرا يوم ينتقم من الكافر عند الرجعة على يد قائمنا عجل الله فرجه وسهل مخرجه، ومع ذلك فهو لا ينطبق على باقي الاخبار لتأخر وفاته عن عبد الملك بكثير فلعل الحديث كان في لفظه هشام بن عبد الملك بأنه ممن بالغ في قتله فلم يمكنه ذلك. فيا قاتل الله من سعى هذا المسعى وكان من العلويين فما أجرأهم على ارتكاب ما قصر عنه طغاة الامويين من هذا الداء الدفين، أيقتل باقر علوم الاولين والآخرين في العلن على يد مثل زيد بن الحسن ويهتك به حجاب الله والسنن وتنهتك به حرمة الله إلى آخر الزمن فإنا لله وإنا إليه راجعون فعلى الدار السلام. [ دار خلت من آل بيت محمد * سحقا لها سحقا لها من دار ] [ أغرى الزمان بني عمومتهم وقد * زادوا على الفجار والكفار ] [ قد أمكنوا منهم طغاة أمية * وتائج العباس في الادوار ] [ ما مات منهم سيد حتفا به * إلا بسم أو حداد شفار ] [ حسدوهم حسدا يزيد على الاذى * أبداه إبليس الرجيم الناري ] [ يا عين سحي للدموع عليهم * سحا وصبي الدم بالتزفار ] [ فلقد قضى قطب الشريعة من له * فصل الخطاب ومعدن الاسرار ] [ الباقر العلم الرفيع وكاشف * الاستار عن دين النبي المختار ] [ السيد السند الامام الفاضل * الليث الهمام نتيجة الكرار ] [ بالسم كف من اللئام عداوة * فأبكوه بالدمع الغزير الجاري ] [ فعليه صلى الله ماسح الحيا * أو حن قمري على الاشجار ]

[ 215 ]

وفي رواية عنهم (ع): أن الباقر (ع) دخل على بعض بني أمية فأراد قتله حيث أمر بذلك من طاغية زمانه، فقال له (ع): يا عبد الله لا تقتلني فأكون مع الله عليك، يريد بذلك أنه ممن يشفع له عند الله تعالى فيشفعه فلم يقبل ذلك منه، فقال له الاموي: لست افعل هناك فسقاه سما فقتله. وفي رواية أخرى أن هشام بن عبد الملك ما زال يكاتب ابي جعفر (ع) محمد الباقر (ع) ويحتال في قتله إلى أن سقاه السم. وفي رواية ابن أبي يعفور قال: سمعت أبي عبد الله (ع) يقول إن أبي (ع) قال ذات يوم: ما بقي من أجلي إلا خمس سنين، فحسبت فما زاد ولا نقص. ولله در بعض القائلين في رثاه: [ هلم بنا نبكي على باقر العلم * سليل النبي المصطفى الصادق الامي ] [ على لذة العيش العفا بعد ما قضى * شهيدا بلا ذنب أتاه ولا جرم ] [ له طول حزني ما حييت وحرقتي * ونوحي ولو أن البكا قد برى عظمي ] [ إماما قضى ظلما غريبا مبعدا * عن الاهل والاوطان والولد بالسم ] [ لئن هجرت عيني له لذة الكرى * فلا عجبا مني ولو همت في همي ] [ سقاه على رغم الوفى السم خفية * هشام ردي الاب والجد والام ] [ عليه من الرحمن لعن مؤبد * بما سر من بغي وما سن من ظلم ] وفي الروايات المشهورة بين علمائنا أن الذي سمه إبراهيم بن يزيد وهي في رواية ابنه (ع): أنه لما حان حينه، وتيقن وفاته، وعزم إلى أن يصير إلى روح الله وريحانه، ويعرج إلى معارج فوزه وجنانه، واشتاق إلى اللقاء في دار البقاء وعزم على مفارقة دار الفناء والشقاء، ودعاه داعي الحق من الابوة والاجداد إلى ما هو خير وأبقى، وأوصى إلى ابنه أبي عبد الله جعفر الصادق (ع) بجميع ما يحتاج إليه الناس، وسلم إليه ما كان عنده من مواريث الانبياء وسلاح رسول الله (ص) قال الصادق (ع): كنت عند أبي (ع)

[ 216 ]

في اليوم الذي قبض فيه، فأوصاني بأشياء في غسله وكفنه وفي إدخاله قبره، قلت جعلت فداك والله يا أبتاه ما رأيتك منذ اشتكيت أحسن هيئة من اليوم، وما رأيت عليك من أثر الموت شيئا فقال (ع): يا بني أما سمعت أبي علي بن الحسين (ع) ينادي من وراء الجدار يا محمد تعال عجل. وفي رواية الحلي كما في الكافي عن أبي عبد الله (ع) قال، كتب أبي (ع) في وصيته أن أكفنه في ثلاثة أثواب أحداها حبرة كان يصلي فيها يوم الجمعة وثوب آخر وقميص، فقلت: يا أبي لم تكتب هذا في وصيتك ؟ فقال: أخاف أن يغلبك الناس فإن قالوا كفنه في أربعة أو خمسة فلا تفعل، وعممني بعمامة وليس تعد من الكفن إنما بعد ما يلف من الجسد. وفي رواية أخرى عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (ع) قال: إن أبي (ع) قال لي ذات يوم في مرضه: يا بني ادخل أناسا من قريش من أهل المدينة حتى أشهدهم، قال: فأدخلت عليه أناسا منهم فقال: إذا أنا مت فغسلني وكفني وارفع قبري أربع أصابع ورشه بماء، فلما خرجوا قلت: يا أبتاه لو أمرتني بهذا صنعته من غير أن أدخل عليك قوما تشهدهم فقال: يا بني أردت أن لا تنازع في الامامة، بمعنى لا تختلف فيك الشيعة ولا تنازع لان من أوصي إليه السابق في أموره الظاهرة فهو خليفته في الامامة، ثم قضى نحبه ولقي ربه وكانت وفاته يوم الاثنين فقامت الواعية في داره، وعلا البكاء والنحيب من بيوت الهاشميين ومن الهاشميات والعلويين والعلويات وهن مشققات الجيوب ناشرات الشعور خامشات الوجوه، وماجت الدنيا بأهلها وصار كاليوم الذي مات فيه رسول الله (ص)، وأقبل أبو عبد الله الصادق (ع) وخرج لابسا ثياب الحداد شاقا جيبه مقدما ومؤخرا، وعلى مثله تشق الجيوب وتقطع القلوب، ثم قام (ع) في تهيئته فغسله كما أمره وحنطه بحنوطه. وأدرجه في أكفانه وصلى عليه مع شيعته بعد أن صلى عليه الله تعالى ورسوله وأمير المؤمنين (ع) في أوصيائه واوصياء الانبياء، وكان يوما هائلا على آل الرسول لانطماس المعقول

[ 217 ]

والمنقول. فما أحراه بإنشاده بما قاله القائم في المقيد (ره) حيث وجد على قبره مكتوبا وإن كان مقامه أجل من ذلك مما يناسب هذه المسالك: [ لا صوت الناعي بفقدك إنه * يوم على آل النبي مشوم ] [ إن كنت قد غيبت في جدث الثرى * فالعدل والتوحيد فيك مقيم ] وقد أحببت أن أزيد عليه فقلت: [ إن كان قد واراك ترب بسيطها * فمقامك العالي هناك عظيم ] [ قد كنت مدفونا بعالم قدسها * لكنما أمر القضا محتوم ] [ ليثقل الارض البسيط بمضجع * قد صرت فيه ومثل ذي معلوم ] لولا ضرائحكم لشاخت أرضنا وتزلزلت آصالها وتخوم وفي كتاب الكافي عن أبي بصير (رض) قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إن رجلا كان على ميل من المدينة فرأى في منامه قائلا يقول له: انطلق فصل على أبي جعفر (ع) فقد توفي. وفي رواية عن زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: رأيت كأني على رأس جبل والناس يصعدون إلي من كل جانب حتى إذا كثروا علي تطاولت بهم إلى السماء، وجعل الناس يتساقطون عني من كل جانب حتى لم يبق منهم أحد إلا عصابة يسيرة، ففعلت ذلك خمس مرات في كل مرة تتساقط عني الناس من كل جانب ومكان وتبقى تلك العصابة، فما مكث بعد ذلك إلا خمس ليال حتى مضى (ع) إلى رضوان الله تعالى. واختلف الاخبار في يوم وفاته (ع) وكذلك المؤرخون فالمشهور بين علمائنا أنه في السابع من ذي الحجة سنة ستة عشر ومائة من الهجرة، وفي رواية أنها في سابع ربيع الاول. وفي رواية أنها في سابع ربيع الثاني. ففي البصائر والخرائج والجرائح عن أبي عقبة عن جده عن هشام بن

[ 218 ]

سالم عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: أتيت أبي (ع) في الليلة التي قبض فيها وهو يناجي ربه، فأومى إلي بيده أن تأخر حتى فرغ من المناجاة ثم أتيته فقال، يا بني إن هذه الليلة التي وعدت أن أقبض فيها، فمات فيها صلوات الله عليه. وفي رواية هشام بن سالم قال: لما كانت الليلة التي قبض فيها أبو جعفر (ع) قال: يا بني هذه الليلة التي وعدتها وقد كان وضوءه (ع) قريبا، فقال: أريقوه، فظننا أنه يقول ذلك من الحمى فأرقناه، فإذا فيه فأرة ميتة وقال (ع) لابنه (ع) كما جاء عن الرضا (ع): إذا أنا مت فاحفروا لي وشقوا إلي شقا، فإن قيل لكم إن رسول الله (ص) لحد له فقد صدقوا فإنما فعل ذلك لانه كان بادنا. وهذا آخر ما وجدناه مسطورا من وفاة سيدنا وإمامنا العلم الزاهر والبحر الزاخر محمد بن علي الباقر عليه وعلى آبائه الاطهار صلوات الله وسلامه عليهم مدة الدهور والاعصار على التمام والكمال، ونستغفر الله العظيم المنان عن الزيادة والنقصان والسهو والغلط والنسيان إنه غفور منان والحمد لله حق حمده آمين. [ وما من كاتب إلا سيلقى * غداة الحشر ما كتبت يداه ] [ فلا تكتب بكفك غير شئ * يسرك في القيامة أن تراه ] [ الخط يبقى ويبقى الحبر والقلم * وكاتب الخط تحت الترب منعدم ]

[ 219 ]

وفاة الامام جعفر الصادق " عليه السلام " تأليف العلامة الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن الشيخ أحمد بن عصفور الدارزي البحراني

[ 221 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي ابتلى الصادق من أوليائه حيث أمر بالكون معهم إذ هم خيرة أصفيائه فكرههم دار الغرور وحببهم دار لقائه فاشتاقوا إلى لقائه وقرعوا أبواب رجائه وكرعوا مرارة أعدائه والصلاة والسلام على أفضل رسله وأنبيائه المبتلى في نفسه. وبعد: فيقول أفقر خلق الله الراجي لطف ربه المجازي حسين بن محمد ابن أحمد بن إبراهيم البحراني الدارزي (ره): إني لما رأيت تقاعد الناس عن إقامة أعمدة التعزية ونشر مصائب الآل، وما أصيبوا به من خلفاء بني أمية وبني العباس لعدم تأليف وفياتهم في هذه الاعصار، وعدم معلومية تلك الاوقات لخفائها وبعدها عن الاشتهار، وأحببت أن أؤلف لكل إمام وفاة على حسبما أتي في الاخبار، وقد ألفنا بحمد الله بعضا منها في سالف الاعصار، وكان مما هو خفي منها وفاة الامام بحر الحقائق ولسان الله الناطق في الخلائق جعفر بن محمد الصادق (ع) لنحظى بجزيل الثواب من الملك الخالق، ونتوصل بها إلى مجاورتهم في تلك القصور والحدائق وسميته (مفيض الدمع الرافق في وفاة جعفر بن محمد الصادق (ع)) لنحظى بجزيل العطاء من المطعم الرازق، وبه أستعين إنه خير موفق ومعين ولنشرع في المقصود الاول وبيان نسبه الشريف فنقول:

[ 222 ]

أما نسبه أبا وأما: فإن أباه محمد الباقر (ع)، وأمه فروة بنت القاسم (ع) ابن محمد بن أبي بكر (رض)، وكان مولده بالمدينة سنة ثلاث وثمانين، وقد نص عليه من أبيه كما جاء في الاخبار على فنون شتى. فروى أبو خالد أنه قال: قلت لعلي بن الحسين (ع): من الامام بعدك ؟ قال محمد: ابني يبقر العلم بقرا ومن بعده ابنه جعفر واسمه عند أهل السماء الصادق (ع)، قلت: وكيف صار اسمه ا لصادق وكلكم صادقون ؟ فقال: حدثني أبي عن أبيه عن رسول الله (ص) قال: إذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين (ع) فسموه الصادق، فإن الخامس الذي من ولده اسمه جعفر يدعي الامامة اجتراء على الله وكذبا عليه، فهو عند الله جعفر الكذاب المفتري على الله، ثم بكى علي بن الحسين (ع) وقال: كأني بجعفر الكذاب وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي الله والمغيب في حفظ الله فكان كما ذكره (ع) وما أحراه بما قال الحميري رحمه الله تعالى: [ يا حجة الله الجليل * وعينه وزعيم آله ] [ وابن الوصي المجتبى * وشبيه أحمد في كماله ] [ أنت بن بنت محمد * حذوا خلقت على مثاله ] [ فضياء نورك نوره * وظلال روحك في ظلاله ] [ فيك الخلاص من الردى * وبك الهداية من ظلاله ] [ أثني ولست ببالغ * عشر الفريدة من خصاله ] [ تبا لقوم عاندوا * وصلوا بنار من وباله ] [ ويحا لهم ما عظموك * وأنت مدحك في مقاله ] [ سحقا لآل أمية * وسقوا حميما من نكاله ] [ ولآل عباس الاولى * سفكوا دم الهادي وآله ] [ صلى الآله عليك ما * بزغت شموس من جلاله ] وفي الاكمال عن حيان السراج قال: قال السيد اسماعيل بن محمد

[ 223 ]

الحميري (ره): كنت أقول بالغلو وأعتقد غيبة محمد بن الحنفية رضي الله عنه، وقد ضللت في ذلك زمانا، فمن الله علي بالصادق (ع) جعفر بن محمد (ع) وأنقذني به من النار، وهداني يه إلى سواء الصراط، فسألت بعدما صح عندي بالدلائل التي شاهدتها منه أنه حجة الله على خلقه وجميع أهل زمانه، وأنه الامام الذي فرض الله طاعته وأوجب الاقتداء به، فقلت له: يابن رسول الله قد روي لنا أخبار عن آبائك في الغيبة وصحة كونها، فأخبرني بمن تقع ؟ قال (ع): ستقع بالسادس من ولدي وهو الثاني عشر من الائمة الهداة بعد رسول الله (ص)، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وآخرهم محمد بن الحسن المهدي القائم عجل الله فرجه بالحق، وهو بقية الله في أرضه وصاحب الزمان، والله ليبقى غيبته ما بقي نوح (ع) في قومه، ولم يخرج من الدينا حتى يظهر فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا قال السيد: فلما سمعت ذلك من مولاي الصادق (ع) ثبت إلى الله تعالى على يده: [ فلما رأيت الناس في الدين قد غووا * تجعفرت باسم الله والله اكبر ] [ تجعفرت باسم الله والله اكبر * وأيقنت أن الله يعفو ويغفر ] [ ودنت بدين غير ماكنت دينا * به ونهاني سيد الناس جعفر ] [ فقلت فهبني قد تهودت برهة * وإلا فديني دين من يتنصر ] [ وإني إلى الرحمن من ذاك تائب * وإني قد أسلمت والله أكبر ] [ فلست بغال ما حييت وراجع * إلى ما عليه كنت أخفي وأظهر ] [ ولا قائل حي برضوى محمد * وإن عاب جهال مقامي فأكثروا ] وساق أبياتا كثيرة إلى أن قال: [ أيا راكبا نحو المدينة حسرة * عذافرة يطوي بها كل سبسب ] [ إذا ماهداك الله شاهدت جعفرا * فقل لولي الله وابن المهذب ] [ ألا يا أمين الله وابن أمينة * أتوب إلى الرحمن ثم تأوبي ] [ إليك من الذنب الذي كنت مبطنا * معاندة مني لنسل المطيب ]

[ 224 ]

[ ولكن روينا عن وصي محمد * ولم يك فيما قاله بالمكذب ] [ بأن ولي الله يفقد لا يرى * سنينا كفعل الخائف المترقب ] [ له غيبة لابد أن سيغيبها * فصلى عليه الله من متغيب ] [ فيمكث حينا ثم يظهر أمره * فيملا عدلا كل شرق ومغرب ] [ بذاك أدين الله سرا وجهرة * ولست وإن عوتبت فيه بمعتب ] وفي الخرائج أن الباقر (ع) دعا الكميت (رض) لما أراد أعداء الله أخذه وهلاكه، وكان الكميت متواريا فخرج في ظلمة الليل هاربا وقد قعد له على كل طريق جماعة ليأخذوه إذا ما خرج خفية، فلما خرج الكميت إلى الفضاء وأراد أن يسلك طريقا جاء له أسد فمنعه أن يسلك منها فسلك جانبا آخر فمنعه منه أيضا وكان أشار إلى الكميت أن يسلك خلفه ومضى الاسد في جانب الكميت إلى أن آمن وتخلص من الاعداء، وكذلك كان حال السيد إسماعيل الحميري (ره) دعا له الصادق (ع) لما هرب من أبويه وقد حرشا السلطان عليه لنصبهما فدله سبع على طريق فنجا منهما. وفي المناقب عن داوود الرقي قال: لما بلغ السيد إسماعيل الحميري أنه ذكر عند الصادق (ع) فقال الصادق (ع) إنه كافر فأتاه السيد اسماعيل فقال: يا سيدي أنا كافر مع شدة حبي لكم ومعاداتي الناس فيكم ؟ قال: وما ينفعك ذلك وأنت كافر بحجة الدهر والزمان، ثم أخذ بيده وادخله بيتا فإذا في البيت قبر، فصلى ركعتين وضرب بيده القبر فصار القبر قطعا فخرج شخص من القبر ينفض التراب عن رأسه ولحيته، فقال له الصادق (ع): من أنت ؟ فقال أنا محمد بن علي المسمى بابن الحنفية فقال له: ومن أنا ؟ فقال: أنت جعفر بن محمد حجة الدهر والزمان فخرج السيد يقول: تجعفرت باسم الله فيمن تجعفروا وروي عن معتب مولى للصادق (ع) كما في المناقب قال: كنت عند

[ 225 ]

مولاي أبي عبد الله (ع) إذ قرع الباب رجل، فإذا هو زيد بن علي (ع) بن الحسين (ع) فقال الصادق (ع) لجلسائه: ادخلوا هذا الرجل وردوا الباب، ولا تكلم أحد فلما دخل قام إليه (ع) واعتنقه طويلا يتساران ثم علا الكلام بينهما، فقال زيد (رض): دع عنك هذا يا جعفر، فوالله لئن لم تمد يدك أبايعك هذه يدي لتبايعني لاتعبنك أو لاكلفنك ما لا تطيق، فقد تركت الجهاد وأخلدت إلى الخفض، وأرخيت الستر واحتويت على مال المشرق والمغرب، فقال الصادق: يرحمك الله يا عم ويغفر الله لك يا عم، وزيد يسمعه وهو يقول: إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب، ومضى وتكلم الناس في ذلك فقال الصادق (ع): لا تقولوا في عمي زيد إلا خيرا، رحم الله عمي زيدا فوالله لو ظفر لعفا ووفا. قال: فلما كان السحر قرع زيد الباب ففتح له الباب فدخل رضي الله عنه يشهق ويبكي ويقول: إرحمني يا جعفر يرحمك الله، وارض عني يا جعفر يرضى الله عنك، اغفر لي يا جعفر الله يغفر لك فقال الصادق (ع): غفر الله لك ورحمك ورضي عنك، فما الخبر يا عم ؟ فقال: إني لما نمت رأيت رسول الله (ص) قد دخل علي وعن يمينه الحسن (ع)، وعن شماله الحسين (ع)، وفاطمة (ع) خلفه، وعلي (ع) امامه، وبيده حربة تلتهب كأنها نار مضرمة، وهو يقول: يا زيد آذيت رسول الله في جعفر والله لئن لم يترحم ويستغفر الله لك ويرضى عنك لارمينك بهذه الحربة ولاضعنها بين كتفيك ثم لاخرجنها من صدرك، فانتبهت فزعا مرعوبا فصرت إليك فارحمني يرحمك الله، فقال: رضي الله عنك وغفر لك، أوصيني فإنك مقتول مصلوب محرق بالنار، فوصى زيد بعياله وأولاده وقضاء الدين عنه. وفي الكافي عن جابر عن الباقر (ع) قال: سئل عن القائم بالامر بعده فضرب بيده على أبي عبد الله (ع) فقال: هذا والله قائم آل محمد (ص) بعدي قال عنبسة فلما قبض أبو جعفر (ع) دخلت على أبي عبد الله (ع) فأخبرته بذلك

[ 226 ]

فقال صدق جابر ثم قال: لعلكم ترون أن ليس كل إمام هو القائم بعد الامام الذي كان من قبله. وفي خبر عبد الاعلى عن أبي عبد الله (ع) قال: إن أبي استودعني ما هناك فلما حضرته الوفاة قال: ادع لي شهودا فدعوت له أربعة من قريش فيهم نافع مولى عبد الله بن عمر، فقال: أكتب هذا ما أوصى به يعقوب بنيه: يا بني (إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (1) وأوصى محمد ابن علي (ع) إلى جعفر بن محمد (ع) وأمره أن يكفنه في بردته التي كان يصلي فيها الجمعة، وأن يعممه بعمامة، وأن يربع قبره ويرفعه أربع أصابع، وأن يحل عنه أطماره عند دفنه ثم قال للشهود: انصرفوا يرحمكم الله، فقلت له: يا أبتاه ما كان في هذا بأن تشهد عليه فقال: يا بني كرهت أن تغلب وأن يقال أنه لم يوص إليه فأردت أن تكون لك الحجة. وفي رواية الكافي قال: نظر أبو جعفر إلى أبي عبد الله (ع) يمشي فقال: ترى هذا من الذين قال الله فيهم (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) (2): [ يا صادق الوعد الذي * صدق الآله بما قضا ] [ فلك المقام العافي * السر المقدر والقضا ] [ قابلت مقدور الآله * على المضاضة والقضا ] [ مما دهتك به أمية * والعبابسة القضا ] [ بل أنت باب للعلوم * وسيف ربي المنتضا ] [ وحجة الباري ومع‍ * تكف التصبر والرضا ] [ ليت النفوس فدتك من * سوء المكاره إذ قضا ] * (هامش ص 226) (1) سورة البقرة، الآية: 132. (2) سورة القصص، الآية: 5. *

[ 227 ]

[ وعليك صلى خالقي * ما لاح نجم أو اضا ] ولما قبض الله أباه إلى روح الجنان، وظهر وصيه بين الخاص والعام وبين الانس والجان، أظهرت عداوته بنو أمية والعدوان، وقابلوه بالتكذيب وضيقوا عليه الواسع الرحيب حيث كانت إمامته (ع) أربع وثلاثين سنة، وكان في أيام إمامته بقية خلافة هشام وملك الوليد ويزيد بن الوليد بن عبد الملك الملقب بالناقص، وملك ابراهيم بن الوليد، وملك مروان بن محمد الحمار ثم صارت المسودة من أهل خراسان مع أبي مسلم سنة اثنين وثلاثين ومات فملك أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي عبد الله بن العباس الملقب بالسفاح أربع سنين وثمانية أشهر، ثم ملك أخوه عدو الله أبو جعفر المنصور إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهرا، وتوفي الصادق (ع) بعد عشر سنين من ملكه وهو ابن خمسة وسبعين سنة، فلا زالت هذه الامور من الامراء من بني العمومة والاخوة ممن نازع أباه أمره حتى أنه لما احتضر أبو جعفر الباقر (ع) عند الوفاة دعا ابنه الصادق (ع) ليعهد إليه عهدا فقال أخوه زيد بن علي: لو أمتثلت في بمثالة الحسن والحسين (ع) لرجوت أن لا تكون أتيت منكرا فقال: يا أبا الحسن إن الآيات ليست بالمثال ولا العهود بالرسوم، وإنما هي أمور سابقة من حجة الله عزوجل. وفي كتاب النصوص عن محمد بن مسلم قال: كنت عند أبي جعفر (ع) محمد بن علي الباقر (ع) إذ دخل ابنه جعفر وعلى رأسه ذؤابة وفي يده عصا يلعب بها، فأخذه الباقر (ع) وضمه إليه ضما شديدا ثم قال: بأبي وأمي لا تلهو ولا تلعب، ثم قال لي: يا محمد هذا إمامك بعدي فاقتد به واقتبس من علمه، والله إنه لهو الصادق الذي وصفه لنا رسول الله (ص)، وإن شيعته منصورون في الدنيا والآخرة، وأعداءه ملعونون على لسان كل نبي، فضحك واحمر وجهه والتفت إلي وقال: سله، قلت: يابن رسول الله من أين الضحك ؟ فقال: يا أبا محمد العقل من القلب، والحزن من الكبد، والنفس

[ 228 ]

من الرية، والضحك من الطحال، فقمت وقبلت رأسه. وفي كتاب النصوص والمعجزات عن داوود بن كثير الرقي رضي الله عنه قال: كنا في منزل أبي عبد الله الصادق (ع) ونحن نتذاكر فضائل الانبياء (ع)، فقال مجيبا لنا: والله ما خلق الله نبيا إلا وعلي (ع) أفضل منه، ثم خلع خاتمه ووضعه في الارض وتكلم بشئ فانصدعت الارض وانفرجت بقدرة الله تعالى، فإذا نحن ببحر عجاج في وسط سفينة خضراء من زبرجدة خضراء مكتوب عليها لا إله إلا الله محمدا رسول الله عليا أمير المؤمنين (ع) ولي الله عليه سلام الله، بشر القائم فإنه القاتل لاعداء الله، يغيث المؤمنين وينصره الله عزوجل بالملائكة في عدد نجوم السماء، ثم تكلم بكلام فصار ماء البحر وارتفع من السفينة فقال (ع) ادخلوها، فدخلونا القبة التي في السفينة فإذا فيها أربعة كراسي من الجواهر، فجلس (ع) على واحد، وأجلسني على واحد، وأجلس ابنيه موسى (ع) وإسماعيل (رض) كل واحد منهما على كرسي، ثم قال للسفينة: سيري بقدرة الله تعالى، فسارت في بحر عجاج بين جبل الدر واليواقيت ثم ادخل يده في البحر وأخرج درا وياقوتا وقال: يا داوود إن كنت تريد الدنيا فخذ حاجتك فقلت: يا مولاي لا حاجة لي في الدنيا، فرمى به في البحر، وأخرج (ع) مسكا وعنبرا فشمه وأشمني وأشم موسى (ع) واسماعيل (رض)، ثم رمى به في البحر، وسارت السفينة حتى انتهينا إلى جزيرة عظيمة فيما بين ذلك البحر فإذا فيها قباب من الدر الابيض مفروشة بالسندس والاستبرق عليها ستور الارجوان محفوفة بالملائكة، فلما نظر إلينا مذعنين له بالطاعة مقرين له بالولاية فقلت: يا مولاي لمن هذه القباب ؟ فقال (ع): للائمة من ذرية محمد (ص)، كلما قبض، إمام صار إلى هذا الموضع إلى الوقت المعلوم الذي ذكره الله تعالى. ثم قال (ع): قوموا بنا نسلم على أمير المؤمنين (ع)، فقام وقمنا، فوقفنا بباب إحدى القباب المزينة وهي أجلها وأعظمها وسلمنا على أمير

[ 229 ]

المؤمنين (ع) وهو قاعد فيها، ثم عدل إلى قبة أخرى وعدلنا معه فسلم وسلمنا على الحسن بن علي (ع)، وعدلنا إلى قبة أخرى بأزائها فسلمنا على الحسين ابن علي (ع)، ثم على علي بن الحسين (ع)، ثم على محمد بن علي (ع)، وكل واحد في قبة مزينة مرفرفة، ثم عدل بنا إلى بيت في الجزيرة وعدلنا معه، وإذا فيه قبة عظيمة من درة بيضاء مزينة بفنون الفرش والستور، وإذا فيها سرير من ذهب مرصع بأنواع الجواهر فقلت: يا مولاي لمن هذه القبة ؟ فقال: للقائم منا أهل البيت (ع) صاحب الزمان، ثم أومى بيده وتكلم بشئ وإذا نحن فوق الارض بالمدينة في منزل الصادق (ع)، وأخرج خاتمه وختم الارض بيده فلم أرى فيها صدعا ولا فرجة، وحيث جرت على يده هذه العجائب، وأناخت دون بابه الركائب، وسدد إليه أبو جعفر المنصور سهام بلائه وبالغ في قتله وإخماد نور علائه ورصد إليه المراصد والعيون من أعدائه وأوليائه. فمنها ما روي في العيون عن الرضا (ع) عن أبيه قال أرسل الدوانيقي إلى جعفر الصادق (ع) فلما دخل جعفر بن محمد (ع) ونظر إليه من بعيد تحرك أبو جعفر من فراشه وقال: مرحبا بك يا أبا عبد الله ما أرسلنا إليك إلا رجاء أن نقضي دينك وننفي ذمامك، ثم سأله مسألة لطيفة عن بيته وقال: قد قضى الله حاجتك ودينك وأجزل لك عطيتك يا ربيع لا تمضين ثلاثة حتى يرجع جعفر إلى أهله، فلما خرج (ع) قال له الربيع: يا أبا عبد الله أرأيت السيف والنطع، إنما وضع ذلك إليك، فأي شئ رأيتك تحرك به شفتيك قال جعفر بن محمد (ع): نعم يا ربيع لما رأيت الشر في وجهه قرأت حسبي الله الرب من المربوبين، حسبي الخالق من المخلوقين، حسبي الرازق من المرزوقين، حسبي الله رب العالمين، حسبي من هو حسبي، حسبي من لم يزل حسبي، حسبي الله الذي لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم. وفي رواية الامالي قام أبو جعفر المنصور إلى أبي عبد الله (ع) وأمر بفرش، فطرحت له إلى جانبه فأجلسه عليها ثم قال: علي بمحمد، علي

[ 230 ]

بالمهدي، يقول ذلك مرارا قيل له: الساعة الساعة يأتي يا أمير المؤمنين ما يجسه إلا أنه يتبخر، فما لبث أن وافاه وقد سبقت رائحته فاقبل المنصور على جعفر (ع) وقال يا أبا عبد الله (ع) حديث حدثنيه في صلة الرحم اذكره لنا حتى يسمعه المهدي قال: نعم، حدثني أبي (ع) عن أبيه (ع) عن جده (ع) عن علي (ع) قال: قال رسول الله (ص) إن الرجل ليصل رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين فيصيرها الله ثلاثين سنة، وأن الرجل ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاثين سنة فيصيرها الله ثلاث سنين ثم تلا قوله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) (1) فقال: هذا حسن يا أبا عبد الله وليس أياه أردت. قال أبو عبد الله: نعم حدثني أبي عن أبيه (ع) عن جده عن علي (ع) قال: قال رسول الله (ص): صلة الرحم تعمر الديار وتزيد في الاعمار وإن كان أهلها كفار غير أخيار قال: هذا حسن يا أبا عبد الله ولست إياه أردت. قال أبو عبد الله (ع): نعم حدثني أبي عن أبيه عن جده عن علي (ع) قال: قال رسول الله (ص): صلة الرحم تهون الحساب وتنفي ميتة السوء، قال المنصور: نعم هذا أردت. وفي رواية أخرى في الامالي عن الحسن بن المفضل بن الربيع صاحب المنصور قال: لقيته بمكة قال: حدثني أبي عن جدي الربيع قال: دعاني المنصور يوما فقال: يا ربيع أحضر جعفر بن محمد (ع) والله لاقتلنه، فوجهت إليه (ع)، فلما وافى قلت له: يابن رسول الله إن كان لك وصية أو عهد تعهده فافعل، فقال: استأذن لي عليه، فدخلت إلى المنصور فاعلمته موضعه فقال: أدخله فلما وقعت عين جعفر (ع) على المنصور رأيته يحرك شفتيه بشئ لم أفهمه، ومضى فلما سلم على المنصور نهض إليه فاعتنقه وأجلسه إلى جانبه وقال له: ارفع حوائجك إلى نفسك، فأخرج له جعفر (ع) رقاعا لاقوام وسأله * (هامش ص 230) (1) سورة الرعد، الآية: 39. *

[ 231 ]

في آخرين فقضيت حوائجه، فقال المنصور: ارفع حوائجك لنفسك خاصة فقال له جعفر (ع): أن لا تدعني حتى أجيئك فقال المنصور: مالي إلى ذلك من سبيل وأنت تزعم للناس أنك تعلم الغيب فقال جعفر (ع): من أنبأك بهذا ؟ فأومى المنصور إلى شيخ جالس بين يديه فقال جعفر (ع) للشيخ أنت سمعتني أقول هذا، قال: نعم فقال جعفر (ع) للمنصور: أيحلف هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال المنصور: احلف فلما بدأ الشيخ يحلف في اليمين قال جعفر (ع) للمنصور: حدثني أبي (ع) عن أبيه (ع) عن جده عن علي بن أبي طالب (ع): أن العبد إذا حلف باليمين التي ينزه الله تعالى فيها وهو كاذب امتنع الله من عقوبته عليها في عاجلته لما نزه الله عزوجل، ولكني أنا أستحلفه فقال المنصور: ذلك لك فقال جعفر (ع) للشيخ: قل أبرأ إلى الله من حوله وقوته، وألجأ إلى حولي وقوتي إن لم يكن سمعتك تقول هذا فتلكأ الشيخ، فرفع المنصور عمودا في يده وقال: والله لئن لم تحلف لاعلونك بهذا العمود فحلف الشيخ فما أتم اليمين حتى دلع لسانه كما يدلع الكلب لسانه ومات لوقته لا رحمه الله، ونهض جعفر (ع) قال الربيع فقال لي المنصور: ويلك أكتمه عن الناس لا يفتنون به قال الربيع فأتيت جعفر (ع) فقلت له: يابن رسول الله إن المنصور كان هم بك بأمر عظيم، فلما وقعت عينك عليه زال ذلك عنه. قال (ع): يا ربيع إني رأيت البارحة رسول الله (ص) في المنام فقال لي: يا جعفر خفته ؟ قلت: نعم يا رسول الله، فقال لي: إذا وقعت عينك عليه فقل: بسم الله أستفتح، وبسم الله أستنجح وبمحمد (ص) أتوجه، اللهم ذلل لي صعوبته، وافلل لي عزمه، وسهل لي حزونته، واكفني كل خزي، واكفني أمره بلا حول ولا قوة إلا بك إنك على كل شئ قدير. وفي الامالي أيضا عن عبد الله بن سليمان التميمي قال: لما قتل محمد وإبراهيم إبنا عبد الله بن الحسن (ع) سار إلى المدينة رجل يقال له شيبة بن

[ 232 ]

غفال وقد ولاه المنصور على أهلها، فلما قدمها وحضرت الجمعة صار إلى مسجد رسول الله (ص) فرقى المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فإن علي بن أبي طالب (ع) شق عصا المسلمين وحارب المؤمنين وأراد الامر لنفسه ومنعه من أهله، فحرمه الله عليه وأماته بغصته، وهؤلاء ولده يتبعون أثره في الفساد وطلب الامر من غير استحقاق منهم له، فهم في نواحي الارض مقتولون وبالدماء مضرجون، قال: فعظم هذا الكلام على الناس ولم يجسر منهم أحد أن ينطق بحرف، فقام إليه رجل عليه ازار قومسي ثخين، فقال: ونحن نحمد الله ونصلي على محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين وعلى رسل الله وأنبيائه أجمعين، أما ما قلت من خير فنحن أهله، وما قلت من سوء فأنت وصاحبك أولى به، فاخسأ يابن من ركب غير راحلته وأكل غير زاده فارجع مأزورا مذموما مدحورا. ثم أنه (ع) أقبل على الناس وقال: ألا أنبئكم بأخف الناس يوم القيامة ميزانا وأبينهم خسرانا: هو من باع آخرته بدنيا غيره وهو هذا الفاسق، فأسكت الناس وخرج الوالي من المسجد لم ينطق بحرف كأنما ألقم حجرا، فسألت عن الرجل المتكلم فقيل لي: هذا جعفر بن محمد الصادق (ع). وفي الخرائج عن الرضا (ع) قال: جاء رجل إلى جعفر بن محمد (ع): فقال انج بنفسك فهذا فلان بن فلان قد وشا عليك عند المنصور وذكر أنك تأخذ البيعة لنفسك على الناس لتخرج عليه، فتبسم (ع) وقال: يا عبد الله لا ترع فإن الله تعالى إذا أراد إظهار فضيلة كتمت أو حجة جحدت أثار عليها حاسدا باغيا حتى تشاهد فيحركها حتى يبينها، اقعد معي حتى يأتيني الطلب فتمضي معي إلى هناك تشاهد ما يمضي من قدرة الله تعالى التي لا معزل عنها لمؤمن، فجاؤوا وقالوا: أجب أمير المؤمنين، فخرج الصادق ودخل على المنصور وقد امتلا المنصور عليه غيظا وحنقا، فقال له: أنت الذي تأخذ البيعة لنفسك على المسلمين تريد أن تفرق بين جماعتهم وتسعى في هلاكهم وتفسد

[ 233 ]

ذات بينهم ؟ فقال الصادق (ع): ما فعلت شيئا من هذا فقال المنصور: فهذا فلان يزعم أنك فعلت فقال (ع): إنه كاذب قال المنصور: إني أحلفه فإن حلف كفيت بنفسي مؤنتك فقال الصادق (ع): إنه إذا حلف كاذبا باء بإثمي وإثمه، فقال المنصور: حلف هذا الرجل على ما حكاه فقال الحاجب للرجل: قل والله الذي لا إله إلا هو وجعل يغلظ عليه اليمين. فقال الصادق (ع): لا تحلفه هكذا فإني سمعت أبي (ع) يذكر عن آبائه (ع) عن جدي رسول الله (ص) أنه قال: إن من الناس من يحلف كاذبا فيعظم الله تعالى في يمينه ويصفه بصفاته الحسنى فيأتي تعظيمه لله تعالى على إثم كذبه ويمينه فيتأخر عنه البلاء، ولكن دعني أحلفه باليمين الذي حدثني أبي (ع) عن آبائي (ع) عن رسول الله (ص): أنه لا يحلف بها حالف إلا باء بإثمه في ساعته فقال المنصور: حلفه يا أبا عبد الله فقال الصادق للرجل: قل إن كنت كاذبا عليك فقد برئت من حول الله وقوته ولجأت إلى حولي وقوتي فقالها الرجل فقال الصادق (ع): أللهم إن كان كاذبا فأمته الساعة، فما استتم كلامه حتى سقط الرجل ميتا واحتمل ومضى إلى النار، وأقبل المنصور على الصادق وسأله عن حوائجه فقال (ع): ما لي إلا حاجة وهي أن أسرع إلى أهلي فإن قلوبهم متعلقة بي فقال: ذلك إليك فافعل ما بدا لك، فخرج من عنده مكرما قد تحير منه المنصور. فقال بعض منهم: هذا رجل فاجأه الموت وجعل الناس يخوضون أمر ذلك الميت وينظرون إليه، وإذا هو قد استوى جالسا على السرير والناس يخوضون في أمره فمن ذام له وحامد إذ قعد على سريره وكشف الغطاء عن وجهه وقال: أيها الناس إني لقيت ربي فتلقاني بالسخط واللعنة وأشد غضب زبانيته علي على الذي كان مني إلى جعفر بن محمد الصادق (ع)، فاتقوا الله ولا تهلكوا فيه كما هلكت أنا، ثم أعاد كفنه على وجهه وعاد في موته فرأوه لا حراك به وهو ميت فدفنوه.

[ 234 ]

[ فيا لك يا منصور لا فزت بالولا * لجعفر قد آبت عليك الفوادح ] [ تسربلت سربالا من النار ضافيا * فويلك قد طاحت عليك الطوائح ] [ وعما قليل تلق ما أنت قادم * عليه وقد قامت عليك النوائح ] [ أتقتل من قد عظم الله قدره * وجلله إذ يممته المدائح ] [ من النص والقرآن نصا منزلا * من الله هاد للبرايا وواضح ] [ فوالهف نفسي إذ تغيب شخصه * وقد مات مسموما فدته الجوانح ] وفي كتاب طب الائمة عن الرضا (ع) عن موسى بن جعفر (ع) قال: لما طلب أبو الدوانيق أبي عبد الله (ع) وهم بقتله فأخذه صاحب المدينة ووجه به إليه، وكان أبو الدوانيق استعجله واستبطأ قدومه حرصا منه على قتله، فلما مثل بين يديه ضحك في وجهه ثم رحب به وأجلسه عنده، وقال: يابن رسول الله والله قد وجهت إليك وأنا عازم على قتلك، ولقد نظرت إليك فالقي إلي محبة عليك، فوالله ما أجد أحدا من أهل بيتي أعز منك ولا آثر عندي، ولكن يا أبا عبد الله كلام بلغنا تهجنا فيه وتذكرنا بسوء فقال: يا أمير المؤمنين ما ذكرتك بسوء قط، فتبسم أيضا فقال: والله أنت عندي أصدق من جميع من سعى بك إلي، وهذا مجلسي بين يديك وخاتمي فانبسط ولا تخشني في جليل أمرك وصغيره فلست أردك عن شئ، ثم أمره بالانصراف وحباه وأعطاه، فأبى أن يقبل شيئا وقال: يا أمير المؤمنين أنا في عناية وخير وغناء كثير، فإذا هممت ببري فعليك بالمتخلفين من أهل بيتي فارفع عنهم القتل قال: قبلت يا أبا عبد الله فقد أمرت لهم بمائة ألف درهم تفرقها بينهم فقال: وصلت الرحم يا أمير المؤمنين. فلما خرج من عنده مشى بين يديه مشائخ من قريش وشبابهم من كل قبيلة وهو يمشي بينهم كسريان القمر ليلة تمامه وكماله، فقال عين أبو الدوانيق: يابن رسول الله لقد نظرت نظرا شافيا حين دخلت على أمير المؤمنين فما أنكرت منك شيئا غير أني نظرتك وقد حركت شفتيك بشئ فما كان ذلك ؟ قال: إني

[ 235 ]

لما نظرت إليه قلت: يا من لا يضام ولا يرام وبه تواصل الارحام صل على محمد وآله واكفني أمره بحولك وقوتك، والله ما زدت على ما سمعت مني قال: فرجع ذلك اللعين إلى أبي الدوانيق فأخبره بقوله فقال: والله ما استتم ما قاله حتى ذهب ما بصدري. وفي كتاب المهج عن علي بن يقطين عن محمد بن الربيع الحاجب قال: قعد المنصور يوما في قصره في القبة الخضراء وكانت قبل قتل محمد وإبراهيم تسمى الحمراء، وكان له يوما يقعد فيه ويسمى ذلك اليوم يوم الذبح، وكان قد أشخص جعفر (ع) بن محمد من المدينة، فلم يزل في الحمراء نهاره كله حتى جاء الليل ومضى أكثره قال: ثم دعا أبي، فقال: يا ربيع أنت تعرف موضعك مني وإني يكون لي الخبر ولا تظهر عليه أمهات الاولاد وتكون أنت المعالج له، فقال: قلت: يا أمير المؤمنين ذلك من فضل الله علي وفضل أمير المؤمنين وما فوقي في النصح غاية، قال: كذلك أنت سر الساعة إلى جعفر بن محمد الصادق (ع) وائتني به على الحالة التي تجده عليها لا يغير شيئا منها، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، إن هذا والله هو العطب إن أتيت به على ما أراد من غضبه قتله وذهبت مني الآخرة، وإن لم آت به وداهنت في قتله قتلني وقتل نسلي وأخذ أموالي، فأنا أخير نفسي بين الدنيا والآخرة فمالت نفسي إلى الدنيا. قال محمد بن الربيع: فدعاني أبي وكنت أفظ ولده وأغلظهم قلبا فقال لي: امض إلى جعفر بن محمد الصادق بن علي (ع)، فتسلل عليه حائطه ولا تفتح له بابا فيغير ما هو عليه، ولكن انزل عليه نزولا وائت به على الحال التي هو فيها فأتيته وقد ذهب الليل إلا أقله، فأمرت بنصب السلاليم وتسللت عليه الحائط فنزلت عليه في داره فوجدته قائما يصلي وعليه قميص ومنديل قد اتزر به، فلما سلم من الصلاة قلت له: أجب الامير فقال: دعني أدعو وألبس ثيابي قلت: ما لي إلى ذلك من سبيل قال: دعني أدخل المغتسل فأتطهر قلت:

[ 236 ]

وليس إلى ذلك من سبيل فلا تشغل نفسك، فإني لا أدعك تغير شيئا فأخرجته حافيا في قميص ومنديل وكان قد تجاوز الستين. فلما مضى بعض الطريق ضعف عن المشي فرحمته فقلت له: اركب فركب (ع) بغلا شاكريا كان معنا ثم سرنا إلى الربيع فسمعته وهو يقول: ويلك يا ربيع قد ابطأ الرجل، وجعل يحثه استحثاثا شديدا، فلما وقعت عين الربيع على جعفر (ع) وهو على تلك الحالة بكى وكان الربيع يتشيع فقال له جعفر بن محمد (ع): يا ربيع أنا أعلم بميلك إلينا فدعني أصلي ركعتين وأدعو قال: شأنك وما تريد، فصلي ركعتين خففهما ثم دعا بدعاء لم أفهمه لانه دعاء طويل والمنصور في ذلك كله يستحث الربيع. فلما فرغ من دعائه بطوله أخذ الربيع بذراعيه فأدخله على المنصور، فلما سار في صحن الايوان وقف ثم حرك شفتيه بشئ لم أدر ما هو، ثم أدخلته بين يديه فلما نظر إليه قال: وأنت يا جعفر ما تدع حسدك وبغيك وإفسادك على أهل هذا البيت من بني العباس وما يزيدك الله تعالى بذلك إلا شدة حسد ونكد ما تبلغ ما تقدره فقال له والله يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئا من هذا، ولقد كنت في ولاية بني أمية وأنت تعلم أنهم أعداؤنا وأعدى الخلق علينا وعليكم، وأنهم لا حق لهم في هذا الامر فوالله ما بغيت عليهم ولا بلغهم عني سوء مع جفائهم الذي كان بي، وكيف يا أمير المؤمنين أصنع الآن هذا وأنت ابن عمي وأمس الخلق رحما بي وأكثرهم عطاء وبرا فكيف أفعل هذا ؟ فأطرق المنصور رأسه ساعة وكان على يساره رقعة جرمقانية، وتحت لبدته سيف ذو فقار، وكان لا يفارقه إذا قعد في القبة قال أبطلت واثمت، ثم رفع الوسادة فأخرج صرة كتب فرمى بها إليه وقال: هذه كتبك إلى أهل خراسان تدعوهم إلى نقض بيعتي وأن يبايعوك دوني فقال (ع): يا أمير المؤمنين ما فعلت ولا استحل ذلك ولا هو من مذهبي، وإني لمن يعتقد طاعتك على كل حال، وقد بلغت من السن ما قد أضعفني عن ذلك، ولو أردته فصيرني في بعض

[ 237 ]

سجونك حتى تأتيني منيتي وهي مني قريب. فقال: لا ولا كرامة، ثم أطرق وضرب يده على السيف، فسل منه مقدار شبر وأخذ بمقبضه فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب والله الرجل ثم رد السيف ثم قال: يا جعفر أما تستحي مع هذه الشيبة ومع هذا النسب أن تنطق بالباطل، وتشق عصى المسلمين، وتريد أن تريق الدماء، وتطرح الفتنة بين الامة والاولياء. فقال: لا والله يا أمير المؤمنين ما فعلت ولا هذه كتبي ولا خطي ولا خاتمي فانتضى من السيف ذراعا، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون مضى الرجل، وقلت في نفسي: إن أمرني فيه بأمر لاعصينه وما ظننت أنه يأمرني أن آخذ السيف فأضرب به جعفرا فقلت: إن أمرني ضربت عنق المنصور وإن أتى ذلك علي وعلى ولدي وتبت إلى الله عزوجل مما كنت نويت أولا، فأقبل يعاتبه وهو يعتذر ثم انتضى السيف وأطرق ساعة، ثم رفع رأسه وقال: أظنك صادقا يا ربيع هات العيبة من موضع كذا، فأتيته بها فقال: ادخل يدك فيها وأخرجها مملوءة غالية ووضعها في لحيته، ففعلت ذلك وكانت لحيته (ع) بيضاء فاسودت، وقال لي: أركبه دابتي التي كنت أركبها، وأعطه عشرة آلاف درهم وشيعه إلى منزله مكرما، وخيره إذا أتيت به المنزل بين المقام عندنا فنكرمه أو الانصراف إلى مدينة جده رسول الله (ص). فخرجنا من عنده وأنا مسرور فرح بسلامة جعفر (ع) وهو معتجب مما أراد المنصور وما صار إليه من أمره، فلما صرنا في الصحن قلت له: يا بن رسول الله إني لاعجب مما عهد إلي هذا اللعين من شأنك وما جعلك الله إليه من كفايته ودفاعه، ولا عجب من أمر الله عز وجل وقد سمعتك تدعو عقيب الركعتين بدعاء لم أدر ما هو، فقال لي: أما الاول فدعاء الكرب والشدائد، لم أدع به على أحد قبل، يومئذ جعلته عوضا عن دعاء كثير أدعو به إذا قضيت صلاتي، وهذه الليلة لم أترك أن أدعو بما كنت أدعو به، وأما الذي حركت به شفتاي هو دعاء رسول الله (ص) يوم الاحزاب ثم ذكر الدعاء ثم قال: ولو لا

[ 238 ]

الخوف من أمير المؤمنين لدفعت هذا المال، ولكنك طلبت مني أرضا بالمدينة وأعطيتني بها عشرة آلاف درهم أو دينار فلم أبعك إياها وقد وهبتها لك. قلت: يا بن رسول الله إنما رغبتي في الدعاء الاول والثاني فإذا فعلت هذا فهو البر، ولا حاجة الآن في الارض فقال (ع): إنا أهل البيت لا نرجع في معروفنا، نحن ننسخك الدعاء ونسلم إليك الارض فقال: سرمعي إلى المنزل، فسرت معه، وكتب لي بعهدة الارض وأملى علي دعاء رسول الله (ص) والدعاء الذي هو بعد الركعتين، فقلت: يابن رسول الله لقد أكثر المنصور استحثاته واستعجاله إياي، وأنت تدعو بهذا الدعاء الطويل متمهلا كأن لم تخشه قال: فقال لي: نعم، قد كنت أدعو به بعد الفجر ولا بد منه، وأما الركعتان فهما صلاة الغداة خففتهما ودعوت بذلك الدعاء بعدهما، فقلت له: أما خفت المنصور وقد أعد لك ما أعد ؟ قال: خيفة الله أعظم من خيفته، وكان الله في صدري أعظم. قال الربيع: كان فيما قد رأيت من المنصور ومن غضبه وحنقه على جعفر (ع) ومن الجلالة له في ساعة ما لم أظنه يكون في بشر، فلما وجدت منه خلوة وطابت نفسه قلت: يا أمير المؤمنين رأيت منك عجبا قال: ما هو ؟ قلت: يا أمير المؤمنين رأيت غضبك على جعفر (ع) غضبا شديدا لم أرك غضبته على أحد قط، ولا على عبد الله بن الحسن (رض) ولا غيره من كل الناس، حتى بلغ منك الامر أن تقتله بالسيف وحتى أنك أخرجت من سيفك شبرا ثم أغمدته ثم عاتبته، ثم أخرجت منه ذراع ثم أغمدته ثم عاتبته، ثم أخرجته كله إلا شيئا يسيرا فلم أشك في قتلك إياه، ثم انجلى ذلك كله حتى أمرتني فسودت لحيته بالغالية التي لا يتغلف منها إلا أولا يتغلف منها ولدك المهدي، ولا من وليته عهدك ولا عمومتك، وأجزته وحملته وأمرتني بتشييعه مكرما. فقال: ويحك يا ربيع ليس هو مما ينبغي أن تحدث به وستره أولى، ولا

[ 239 ]

أحب أن يبلغ أولاد فاطمة فيفتخرون ويتباهون بذلك علينا، لكن لا أكتمك شيئا انظر من في الدار فأخرجهم قال: فنحيت كل من في الدار، ثم قال لي: ارجع ولا تبق أحدا ثم قال: ليس إلا أنت وأنا، والله لئن سمعت ما ألقيته عليك من أحد لاقتلنك وولدك وأهلهم أجمعين ولاخذن مالك قال: قلت: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله. قال: يا ربيع قد كنت مصرا على قتل جعفر (ع) ولا اسمع له قولا ولا أقبل له عذرا، وكان أمره ممن لا يخرج علي بسيف أغلظ عندي وأهم علي من أمر عبد الله بن الحسن (رض)، وقد كنت أعلم هذا منه ومن أبائه (ع) على عهد بني أمية، فلما هممت به في المرة الاولى تمثل لي رسول الله (ص) حائل بيني وبينه باسط، كفيه حاسر عن ذراعيه، قد عبس وقطب في وجهي فأمسكت، ثم هممت به في المرة الثانية وانتضيت من السيف أكثر من المرة الاولى وإذا برسول الله (ص) قد قرب مني ودنا دنوا شديدا وهم لي أن فعلت لفعل (ص) فأمسكت، ثم تجاسرت وقلت هذا بعض أفعال الرؤيا ثم انتضيت السيف ثالثة فمثل لي رسول الله (ص) باسط ذراعيه مشمر عنهما واحمر وجهه وعبس وقطب حتى كاد أن يضع يده علي، فخفت والله لو فعلت (ص)، وكان من أمري ما رأيت وهؤلاء من بني فاطمة (ع) لا يجهل حقهم إلا جاهل لا حظ له في الشريعة فإياك أن يسمع منك أحد. قال محمد بن الربيع فما حدثني به أبي حتى مات المنصور، وما حدثت به أنا حتى مات المهدي وموسى وهارون. ولله در الشاعر حيث يقول: [ فلله خطب قبل وقع حلوله * بكته السماء دما وغار به البحر ] [ وزلزلت الارض حزنا وأعولت * ملائكة التسبيح وامتنع القطر ] [ وكيف لا تبكي العيون لوقعه * وقد هدم الدين الحنيفي والامر ] [ وعطلت الاحكام بعد عميدها * ولم يك للاسلام من بعده نصر ]

[ 240 ]

[ ألا لعن الله الرجيم ومن سعى * لمنصور عباس ومن دأبه الغدر ] [ فنفسي تفديه وأهلي وجيرتي * وما أستطيع الآن والمال والذخر ] [ رزيته أحيت رزية كربلا * وقد شابه اليوم المشوم له العشر ] [ ألا لعن الله المهيمن عصبة * لقد جن في أرواحها الغدر والكفر ] وفي كتاب الدلائل للحميري (ره) عن زرارة بن مسلم (ره) مولى خالد بن عبد الله القسري، قال: إن المنصور قال لحاجبه: إذا دخل علي جعفر بن محمد (ع) فاقتله قبل أن يصل إلي، فدخل أبو عبد الله (ع) وجلس، فأرسل إلى الحاجب فنظر إليه فوجده قاعدا. قال: ثم قال: عد مكانك. قال: فأقبل يضرب يدا على يد فلما قام أبو عبد الله (ع) وخرج دعا حاجبه وقال: بأي شئ أمرتك ؟ فقال: والله ما رأيته حين دخل ولا حين خرج إلا عندك وهو قاعد. وعن عبد الله بن أبي ليلى قال: كنت بالربذة مع المنصور وقد كان وجه إلى أبي عبد الله (ع) فأتي به وبعث إلي المنصور فدعاني، فلما انتهيت إلى الباب قال: عجلوا به إلي قتلني الله إن لم أقتله، سقا الله الارض من دمي إن لم أسق الارض من دمه، فسألت الحاجب من يعني قال: يعني جعفر بن محمد الصادق (ع)، فإذا قد أتي به ومعه عدة جلاوزة، فلما انتهى إلى الباب قبل أن يرفع الستر رأيته (ع) قد حرك شفتيه عند رفع الستر، فلما بصربه المنصور قال: مرحبا يابن رسول الله، مرحبا بك يا بن العم، فما زال يرفعه حتى أجلسه على وسادته ودعا بالطعام فرفعت رأسي وأقبلت أنظر إليه فقال: يا داوود اقض حوائجه وأمره بالانصراف، فلما خرج قال: قد عرفت موالاتي لك وما قد بليت به في دخولي عليهم، وسمعت كلام الرجل وما كان يقول، فلما صرت إلى الباب رأيتك قد تململت شفتاك وما أشك إلا أنه شئ قلته فعلمنيه أقوله إذا أنا دخلت عليه قال: نعم قال: ما شاء الله لا يأتي الخير إلا من عند الله، ما شاء الله لا يصرف السوء إلا هو، ما شاء الله كل نعمة من الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله.

[ 241 ]

وفي كتاب مشارق الانوار روي أن المنصور لما أراد قتل الصادق (ع) دعا قوما من الاعاجم لا يعرفون الاسلام ولا يفهمون ولا يعقلون، فخلع عليهم الديباج والوشى وحمل إليهم الاموال ثم استدعاهم وكانوا مائة رجل، فقال للترجمان: قل لهم: إن للملك عدوا يدخل عليه الليلة فاقتلوه إذا دخل عليه، قال: فأخذوا أسلحتهم ممتثلين لامره فاستدعى جعفرا (ع) وأمره أن يدخل عليه وحده، ثم قال للترجمان: قل لهم هذا عدوي فقطعوه، فلما دخل (ع) ونظروا إليه تعاووا كعوي الكلاب ورموا أسلحتهم وكتفوا أيديهم إلى ظهورهم وخروا له سجدا ومرغوا وجوههم على التراب، فلما رأى المنصور ذلك خاف على نفسه وقال: ما جاء بك ؟ قال (ع) أرسلت إلي فأجبتك وما جئتك إلا مغتسلا متحنطا فقال المنصور: معاذ الله أن يكون ما تزعم ارجع راشدا، فرجع جعفر (ع) والقوم على وجوههم سجدا فقال المنصور للترجمان: قل لهم لم لا قتلتم عدو الملك فقالوا: نقتل ولينا والذي يلقانا كل يوم ويدبر أمورنا كما يدبر الرجل ولده ولا نعرف لنا وليا سواه، فخاف المنصور من قولهم وسرحهم تحت الليل ثم قتله بعد ذلك بالسم. وفي رواية عن عبد الله بن الفضل بن الربيع عن أبيه قال، حج المنصور سنة سبع وأربعين ومائة فقدم المدينة وقال للربيع: ابعث إلي جعفر بن محمد (ع) واتنا به متعبا قتلني الله إن لم أقتله، فتغافل الربيع عنه لينساه فأعاد ذكره الربيع وقال: ابعث من يأتيني به قتلني الله إن لم أقتله، فتغافل الربيع عنه فأرسل إلى الربيع رسالة قبيحة أغلظ فيها عليه بما لا دافع له إلا الله تعالى من القتل، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله ثم أن الربيع أحضر جعفرا (ع) فلما دخل جعفر (ع) أوعده وتهدده بالقتل وقال: أي عدو الله اتخذك أهل العراق إماما يبعثون إليك زكاة أموالهم وتلحد في سلطاني وتبتغي لي الغوائل، فوالله لاقتلنك ولا مانع لي من ذلك، فقال (ع): يا أمير المؤمنين إن سليمان (ع) أعطي فشكر، وإن أيوب (ع) ابتلي فصبر، وإن يوسف (ع) ظلم فغفر، وأنت من

[ 242 ]

ذلك السنخ، فلما سمع المنصور ذلك قال: وأنت يا أبا عبد الله عندي أبر للسماحة وأسلم للنجاحة القابل للغاية، جزاك الله من ذي رحم أفضل ما جزى ذوي الارحام عن أرحامهم، ثم تناوله بيده فأجلسه على فراشه ثم أمر بطيب فطيب به لحية جعفر (ع) وقال له: قم في حفظ الله تعالى وكفايته، فخرج (ع) فقال المنصور للربيع: الحق جعفر (ع) بالكسوة والجائزة، فلحقه بهما وقال له: يا جعفر ما قلت حين دخلت وما قلت حين خرجت. قال (ع) قلت: أللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يرام، ففعل الله تعالى بي ما رأيت وهكذا دأبه صلوات الله عليه مع المنصور في جميع الاوقات والشهور لا زال يغتنم فيه الفرص ويوقعه في المحذور والغصص، وقد طلبه مرارا وعزم على قتله سرا وجهارا، وحيث لم يحتم المقدور صرف الله تعالى عنه ذلك البلاء والشرور فلما أحب الله تعالى شهادته وحضر وقته وأحب لقائه أغار عليه المنصور، فدس إليه سما نقيعا في عنب ورمان فأكله سلام الله عليه فجعل يجود بنفسه وقد اخضر لونه وصار يتقيأ كبده قطعا قطعا حتى قضى نحبه ولقي ربه شهيدا مظلوما، فلما مات (ع) تزعزعت المدينة بسكانها، وخرجت المخدرات من خدورها وأوطانها ناشرات للشعور هاتكات للستور شاقات للجيوب خامشات للوجوه لاطمات للخدود خادشات للنواصي والعيون، كل تنادي: وا إماماه، وا جعفراه، وا سيداه، وخرج المساكين والايتام ينادون: وا ضيعتاه وا محنتاه وا قلة ناصراه. وبكاه ابنه موسى الكاظم (ع) قائلا يا أبتاه من [ لنا ] بعدك وا طول حزناه وا حسرتاه من بعدك يا أبتاه وا انقطاع ظهراه، وقد نص على ابنه موسى بن جعفر وأسر إليه تلك الوصاية وأظهرها وأشهد عليها جملة من الاوصياء والاعداء، وقد مر ذكرها سابقا فقام موسى (ع) في جهاز أبيه (ع) فغسله وحنطه كما أمره وكفنه وعيناه تهملان دموعا وحمل جنازته (ع) إلى البقيع ودفنه جوار أبيه وعمه (ع).

[ 243 ]

وقد روي أنه لما حملت جنازته ورفع سريره رثاه ابن هريرة الشاعر في تلك الحال فانشأ يقول: [ أقول وقد راحوا به يحملونه * على كاهل من حامليه وعاتق ] [ أتدرون من ذاتحملون على الثرى * ثبير ثوى من رأس علياء شاهق ] [ غداة حثا الحاثون فوق ظريحه * ترابا وأولى كان فوق المرافق ] [ فيا صادق بن الصادقين ألية * بآبائك الاطهار حلفة صادق ] [ فحق بكم ذوالعرش أقسم في الورى * فقال تعالى الله رب المشارق ] [ نجوم هي اثنا عشر قد كن سبقا * إلى الناس في علم من الناس سابق ] [ ولا عجبا لو أنزلوك إلى الثرى * فلولاك فيها لم تكن في الحقائق ] [ وساخت بأهليها ولم تك ساعة * بسالمة من حل تلك البوائق ] [ سأبكيك مادامت عيوني في الثرى * إلى يوم حشري عند ربي وخالقي ] [ ألا لعن الله الذين تبوأوا * مقاما منكم لا سيما ابن الدوانق ] [ أتقتل ياشر البرية جعفرا * ومن قال فيه خالقي خير صادق ] [ وتترك هذا الدين من غير واليا * وصامته أضحى به غير ناطق ] [ سألبس أثواب الضنا مدة البقا * وأهجر صفو العيش غير مرافق ] [ وكيف تلذ العين غمضا وقد جرى * على خير خلق الله شمس المشارق ] [ فيا نكبة ما مثلها قط نكبة * لقد عطلت تلك السما بعد طارق ] [ صلاة إله العرش مثل سلامه * وتسليمه ماذر نور المشارق ] وهذا آخر ما أردنا رسمه من الاخبار في وفاته، وإلا فما ورد فيه من المعاجز والفضائل والبراهين والدلائل ما لا يأتي عليها أقلام الانام، ولو كانت الانام كلها كتابا والبحار مدادا والاشجار كلها أقلاما وساعدتها العوالم إسعادا لما بلغوا مقدار قطرة من تلك السجال، ونسأل الله المتعال أن يجعله في محل القبول فندرك به المقصود والمأمول والمجاورة معهم في تلك المحال والشرب من كأس أميرهم في وقت ذلك الزلزال، وصلى الله على محمد وآله خير نبي وأكرم آل وسلم تسليما كثيرا مباركا.

[ 245 ]

وفاة الامام موسى الكاظم " عليه السلام " تأليف العلامة الشيخ حسين بن الشيخ أحمد بن عصفور الدارزي البحراني

[ 247 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي ابتلى أوليائه بأرجاس الناس من حيث أذهب عنهم الرجس وطهرهم من إلباس فحسدوهم على مراتبهم التي رتبهم الله فيها حتى أخمدوا منهم تلك الانفاس، والصلاة والسلام من الله ومن ملائكته المطهرين وأنبيائه المرسلين إلى يوم حشر الناس من الارماس وبعد: فيقول فقير الله الكريم المجازي حسين بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الدرازي (ره) إني لما رأيت إعراض الناس عن إقامة المآتم والمراثي على من سوى الحسين (ع) من الائمة، مع مشاركتهم له في المصائب الجمة ونيل مراتب الشهادة والانتقال إلى منازل [ الآخرة ]، سيما مولانا مجمع المكارم وحجة العالم على جميع المعالم موسى بن جعفر الكاظم (ع)، فإنه ممن ابتلي بأهل زمانه وقد أوقدوا نار الحروب وأداروا رحى المصائب والكروب على أهل البيت (ع)، فدارت عليه أقداح سمومها وألجموه في سجون همومها وغمومها، حيث قد ابتلي بطواغيت بني العباس فصادفت أيامه من ملوكهم أربعة قد أذهبوا بدين الله وجعلوا أعلامه في غاية الانتكاس، فلا زال مسجونا كأثقال الاغلال وقابلوه بالتكذيب ونسبوه إلى الكفر والضلال فاشتدت البلية وتراكمت سحب الثقة فانتزعت الارواح وأثخنوهم بالقتل والجراح، فأحببت أن اؤلف كتابا صغيرا اجمع فيه ما وصل إلي من أخباره المتضمنة ما جرى عليه من أعدائه الطغاة من الولادة إلى حين الوفاة، وأقدم في ذلك بعض أحواله والنص عليه من آبائه (ع) وبعض من

[ 248 ]

فضائله الدالة على كرمه وإجلاله فاصلا لبعض الروايات ببعض المراثي من الابيات، راجيا من الله الاستعانة على هذه الخدمة مدة الحياة لينفعني الله بذلك يوم الجزاء بعد الممات وسميته: لهيب الاحزان الضارم في وفاة موسى بن جعفر الكاظم، وهذا أوان الشروع في المقصود ونسأل الكريم أن ينفعنا به إنه أهل الكرم والجود. روي في العيون بإسناده عن زيد بن سليط الزيدي قال: لقينا أبا عبد الله جعفر الصادق (ع) في الطريق قاصدا إلى مكة ونحن جماعة، فقلت له: بأبي أنت وأمي أنتم الائمة المطهرون والموت لا يتعرى منه أحد فأحدث إلي شيئا ألقيه إلى ما يخلفني فقال لي: نعم هؤلاء ولدي وهذا سيدهم - وأشار إلى ابنه موسى الكاظم - ففيه العلم والحكمة والفهم والسخاء والمعرفة فيما يحتاج إليه الناس فيما اختلفوا فيه من أمر دينهم، وفيه حسن الخلق وحسن الجوار وهو باب من أبواب الله عزوجل، وفيه أخرى وهي خير من هذا كله فقلت له: ما هي بأبي أنت وأمي ؟ فقال: يخرج الله تعالى منه غوث هذه الامة وغياثها وعلمها ونورها وفهمها وحكمها وخير مولود وخير ناشئ، يحقن الله تعالى به الدماء، ويصلح به ذات البين، ويلم به الشعث، ويشعب به الصدع، ويكسو به العاري، ويشبع به الجائع، ويؤمن به الخائف، وينزل به القطر، ويأتم به العباد، خير كهل وخير ناشئ، يبشر به عشيرته قبل أوان حلمه، قوله حكم وصمته علم يبين للناس ما يختلفون فيه، قال: فقال: بأبي أنت أيكون له ولد بعده ؟ قال: نعم ثم قطع الكلام. قال زيد: ثم لقيت أبا الحسن موسى بن جعفر (ع) بعد فقلت له: بأبي أنت وأمي إني أريد أن تخبرني بمثلما أخبرني به أبوك قال، فقال: كان أبي في زمان ليس هذا مثله، قال زيد: فقلت: من لا يرضى منك بهذا فعليه لعنة الله فضحك (ع) ثم قال: يا أبا عمارة إني خرجت من منزلي إلى أولادي، ثم أشركتهم مع علي الرضا ابني وأفردته بوصيتي في الباطن، ولقد رأيت رسول الله

[ 249 ]

في المنام وأمير المؤمنين (ع) ومعه خاتم وسيف وعصا وكتاب وعمامة فقلت له: ما هذا ؟ فقال: أما العمامة فسلطان الله، وأما السيف فعزة الله تعالى، وأما الكتاب فنور الله عزوجل، وأما العصا فقوة الله عزوجل، وأما الخاتم فجامع هذه الامور. ثم قال رسول الله (ص): والامر يخرج إلى علي (ع) قال: ثم قال: يا زيد إنها وديعة الله عندك، فلا تخبر بها إلا عاقلا أو عبدا امتحن الله قلبه للايمان، أو صادقا فلا تكفر نعم الله تعالى، وإن سئلت عن الشهادة فأدها، فإن الله تعالى يقول: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) (1) وقال عزوجل (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله) (2) فقلت: والله لا أفعل هذا أبدا، قال، ثم قال (ع): ثم وضعه لي رسول الله (ص) فقال: علي ابنك الذي ينظر بنور الله ويسمع ويفهم وينطق بحكمته ويصيب فلا يخطئ ويعلم ولا يجهل ملئ حكما وعلما، وما أقل مقامك معه إنما هو شئ كان ولم تكن، فإذا رجعت من سفرك فاصلح أمرك وأفرغ مما أردت فإنك منتقل عنه ومجاور غيره، فاجمع ولدك وأشهد الله عليهم جميعا وكفى بالله شهيدا، ثم قال يا زيد: إني أوخذ في هذه السنة، وعلي ابني سمي علي بن أبي طالب (ع)، وسمي علي بن الحسين (ع)، أعطي فهم الاول وعلمه ونصره وورده، وليس له أن يتكلم إلا بعد هارون بأربع سنين، فإذا مضت أربع سنين فاسأله عما شئت يجبك إن شاء الله. وروي الصدوق (ره) في الاكمال بإسناده إلى إبراهيم الكرخي قال: دخلت على أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع) وجلست عنده إذ دخل أبو الحسن موسى بن جعفر الكاظم (ع) وهو غلام، فقمت إليه فقبلته وجلست فقال لي أبو عبد الله: يا إبراهيم أما أنه صاحبك من بعدي، أما ليهلكن فيه قوم ويسعد آخرون، فلعن الله قاتله وضاعف اللعن على روحه والعذاب، أما * (هامش)) (1) سورة النساء، الآية: 58. (2) سورة البقرة، الآية: 140. (*)

[ 250 ]

ليخرجن من صلبه خير أهل الارض في زمانه، سمي جده ووارث علمه وأحكامه وفضائله، معدن الامامة ورأس الحكمة، يقتله جبار بني العباس بعده بعد عجائب طريفة حسدا له، ولكن الله بالغ أمره ولو كره المشركون، يخرج الله تعالى من صلبه تمام اثني عشر مهديا اختصهم الله تعالى بكراماته وأحلهم دار قدسه، المقر بالثاني عشر منهم كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله يذب عنه، فدخل رجل من موالي بني أمية فانقطع الكلام فعدت إلى أبي عبد الله (ع) أحد عشر مرة أريد أن يستتم الكلام فلم أقدر على ذلك فلما كان قابل السنة الثانية دخلت عليه وهو جالس فقال: يا إبراهيم المفرج للكرب عن شيعته بعد ضنك شديد وبلاء طويل وجزع وخوف فطوبى لمن أدرك ذلك الزمان حسبك يا إبراهيم فما رجعت بشئ أسر من هذا لقلبي ولا أقر لعيني. وفي رواية زرارة بن أعين قال: دخلت على أبي عبد الله (ع) وقدامه مرقد مغطى فقال لي: يا زرارة آتني بداود الرقي وحمران وأبي بصير، ودخل عليه المفضل بن عمر فخرجت فأحضرت ما أمرني بإحضاره، ولم يزل الناس يدخلون واحدا أثر واحد حتى حضرنا في البيت ثلاثون نفرا فلما حشد المجلس قال: يا داود اكشف لي عن وجه إسماعيل (رض) فكشف عن وجهه فقال أبو عبد الله (ع): حي هو أم ميت ؟ فقال: يا مولاي هو ميت، فجعل يعرض ذلك على رجل رجل حتى أتى على آخر من بالمجلس وكل يقول: هو ميت يا مولاي فقال (ع): اللهم اشهد، ثم أمر (ع) بغسله وحنوطه وأدرجه في أثوابه فلما فرغ قال للمفضل: احسر عن وجهه فحسر عن وجهه وقال للجماعة أحي هو أم ميت ؟ فقالوا له: ميت فقال: اللهم اشهد فإنه سيرتاب المبطلون يريدون اطفاء نور الله بأفواههم، ثم أومي لى موسى (ع) والله متم نوره ولو كره المشركون ثم حثوا عليه التراب، ثم أعاد علينا القول وقال: الميت المكفن المحنط المدفون في هذا اللحد من هو ؟ فقلنا: ابنك اسماعيل فقال (ع): اللهم اشهد، ثم أخذ بيد موسى (ع) وقال: هذا هو الحق والحق معه ومنه إلى أن يرث الله الارض ومن عليها الحديث

[ 251 ]

ولله در من قال: [ فلله خطب هائل ما أجله * على الدين من بعد النبي محمد ] [ مصاب دهى الاسلام إذا وقع البلا * بموسى حليف المجد خير موسد ] [ لقد هدموا دين الآله بما جرى * عليه فيا لله من شر معتدي ] [ لقد غاب عن ذا الخلق أشم غيبة * عقيب أبيه الصادق المتهجد ] [ وظل الهدى والرشد في الخلق منكرا * وأصبح دين الله في بطن ملحد ] [ فيا قاتل الله الرشيد ومن مضى * إلى جعفر المنصور أخبث ملحد ] [ لقد أزهقوا روح النبي وعطلوا * لقلب علي مع بتولة أحمد ] [ يؤمهم لعن من الله دائم * وأوقعهم في حر نار موقد ] ولما استتم النص عليه من أبيه (ع) وأكده غاية التأكيد سعت به الوشاة إلى ذلك الرجيم العنيد أبي جعفر المنصور، وأضمر له العداوة والشرور، وبالغ في إطفاء ذلك النور، ثم من بعده ولده المهدي إلى أن مضت عشر سنين وعشرة أشهر وأيام، ثم من بعده ولده الهادي سنة وخمسة عشر يوما، ثم هارون الرشيد ثلاثا وعشرين سنة وشهرين وسبعة عشر يوما، لكنه (ع) لم يكن في أيام خلافة الرشيد إلا خمسة عشر سنة، ولقد حبسه الرشيد مرارا وأغرى بقتله سرا وجهارا، فلم يزل يلقيه في سجونه مرة بعد أخرى ويغري به من لا دين له لقتله سرا. وفي كتاب الاختصاص مسندا إلى محمد بن الزبرقان الدامغاني قال أبو الحسن موسى بن جعفر (ع): لما أمر هارون الرشيد بحملي، دخلت فسلمت عليه فلم يرد علي السلام، فرأيته مغضبا فرمى إلي بطومار وقال لي: اقرأه فإذا فيه كلام قد علم الله عزوجل براءتي منه، وفيه أن موسى بن جعفر (ع) يجئ إليه الخراج من الآفاق من غلاة الشيعة ممن يقول بإمامته يدينون الله تعالى بذلك، ويزعمون أنه فرض عليهم أن يرث الله الارض ومن عليها، ويزعمون أنه من لم يذهب إليه بالعشر، ولم يصل بإمامتهم ويحج بإذنهم ويجاهد بأمرهم

[ 252 ]

ويحمل الغنيمة إليهم ويفضلهم على جميع الخلق ويفرض طاعتهم مثل طاعة الله تعالى ورسوله (ص) فهو كافر، حلل الله ماله ودمه وفيه كلام شناعة مثل استحلال الفروج بأمره (ع) ولو بدرهم، والبراءة من السلف ويلعنونهم في صلاتهم ويزعمون أنه من لم يتبرأ منهم فقد بانت منه امرأته، ومن أخر الوقت للوقت فلا صلاة له لقول الله عزوجل فقد (أضاعوا الصلاة) (1) الآية، ويزعمون أن غيا واد في جهنم والكتاب طويل وأنا قائم بين يديه اقرأه وهو ساكت فرفع رأسه وقال: إنك اكتفيت بما قرأت فتكلم بحجتك فقلت: يا أمير المؤمنين والذي بعث محمدا (ص) بالنبوة ما حمل إلي أحد درهما ولا دينارا من طريق الخراج، لكنا معاشر آل أبي طالب نقبل الهدية التي أحلها الله تعالى لنبيه (ص) لقوله: لو أهدي إلى كراع لقبلت، ولو دعيت على ذراع لاجبت، وقد علم أمير المؤمنين ضيق ما نحن فيه وكثرة عدونا وما منعنا السلف من الخمس الذي نطق لنا به الكتاب فضاق بنا الامر، وقد حرمت علينا الصدقة وعوضنا الله تعالى عنها الخمس، فاضطررنا إلى قبول الهدية وكل ذلك مما علمته يا أمير، فلما تم كلامي سكت ثم قلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لابن عمه في حديث عن آبائه (ع) عن رسول الله (ص) فكأنه اغتنمها فقال: مأذون لك هاته فقلت: حدثني أبي (ع) عن آبائي (ع) يرفعونه إلى رسول الله أن يد الرحيم إذا مست رحما تحركت واضطربت، فإن تناولني يدك فأشار بيده إلي ثم قال، ادن مني، فدنوت منه فصافحني وجذبني إلى نفسه مليا ثم فارقني، فدمعت عيناه وقال: اجلس يا موسى فليس عليك بأس، صدقت وصدق آبائك وصدق جدك النبي (ص)، لقد تحرك دمي واضطربت عروقي واعلم أنك لحمي ودمي، وأن الذي حدثتني به صحيح، وإني أريد أن أن أسألك عن مسألة فإن أجبتني علمت


(1) سورة مريم، الآية: 59. (*)

[ 253 ]

أنك صدقتني وخليت عنك ووصلتك ولم أصدق ما قيل فيك ؟ فقلت: ما كان علمه عندي أجبتك فيه، فقال: لم لا تنهون شيعتكم عن قولهم لكم: يا ابن رسول الله وأنتم ولد علي وفاطمة إنما هي وعاء والولد ينسب إلى الاب لا إلى الام ؟ فقلت: إن رأي أمير المؤمنين أن يعفيني من هذه المسألة، فقال: لست أفعل أو تجيب فقلت: أنا في أمانك أن لا يصيبني من آفة السلطان شئ فقال: لك الامان فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: (ووهبنا له اسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى) (1) (ع) فمن أبو عيسى ؟ فقال: ليس له أب، إنما خلق من كلام الله وروح القدس، فقلت: إنما ألحق عيسى بذراري الانبياء بمريم (ع)، ونحن ألحقنا بذراري الانبياء بفاطمة (ع) لا من قبل علي (ع) فقال: أحسنت يا موسى زدني من مثله فقلت: اجتمعت الامة برها وفاجرها أن حديث النجراني حين دعاه النبي للمباهلة لم يكن في الكساء إلا هو وعلي وفاطمة والحسن والحسين (ع)، فقال الله تبارك وتعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل) (2) فكان تأويل ابنائنا الحسن والحسين ونسائنا فاطمة، وأنفسنا علي بن أبي طالب، ثم قال: أحسنت ثم قال: أخبرني عن قولك ليس لابن العم مع ولد الصلب ميراث، فقلت: اسألك بحق الله وحق رسوله يا أمير المؤمنين أن تعفيني من هذه المسألة وكشفها وهي عند العلماء مستورة، فقال: إنك ضمنت لي أن تجيب فيما اسألك ولست أعفيك فقلت له: جدد لي الامان ثانية، فقال: قد آمنتك.


(1) سورة الانعام، الآيتين: 84، 85. (2) سورة آل عمران، الآية: 61. (*)

[ 254 ]

فقلت: ان النبي (ص) لم يورث من قدر على الهجرة ولم يهاجر، وأن عمي العباس قد قدر على الهجرة ولم يهاجر، وإنما كان في الاسارى مع النبي (ص) وجحد أن يكون له الفداء فأنزل الله على النبي (ص) يخبره بدفين له من ذهب، فبعث عليا (ع) فأخرجه من عند أم الفضل وأخبر العباس بما أخبر به جبرائيل عن الله تعالى، فأذن لعلي فأعطاه علامة الذي دفن فيه، فقال العباس عند ذلك: يا ابن أخي ما فاتني منك أكثر فأشهد أنك رسول الله رب العالمين، فلما أحضر علي الذهب، قال العباس: أفقرتني يا ابن اخي، فأنزل الله تعالى: (إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم) (1)، وقوله تعالى (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا) (2) ثم قال تعالى: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) (3)، فرأيته قد اغتم. ثم قال: أخبرني من أين قلتم أن الانسان يدخله الفساد من قبل الاماء حال الخمس الذي لا يدفع إلى أهله، فقلت: أخبرك يا أمير المؤمنين بشرط أن لا تكشف هذا الباب لاحد مادمت حيا، وعن قريب يفرق الله بيننا وبين من ظلمنا وهذه مسألة لم يسأل بها أحد من السلاطين غير أمير المؤمنين، قال: ولا تيم ولا عدي ولا احد من بني أمية ولا أحد من آبائنا ؟ قلت: ما سئلت ولا سئل جدي أبو جعفر (ع) عنها قال، فإن بلغني منك أو من أحد أهل بيتك كشف ما أخبرتني به رجعت عما آمنتك منه، فقلت: لك علي ذلك، فقال: أحببت أن تكتب لي كلاما موجزا له أصول وفروع يفهم تفسيره، ويكون عن سماعك من أبي عبد الله (ع)، فقلت: نعم وعلى عيني يا أمير المؤمنين قال: فإذا فرغت فأرفع حوائجك، فقام ووكل بي من يحفظني وبعث إلي في كل يوم بمائدة فكتبت:


(1) سورة الانفال، الآية: 70. (2، 3) سورة الانفال، الآية: 72. (*)

[ 255 ]

بسم الله الرحمن الرحيم: أمور الدنيا أمران أمر لا اختلاف فيه وهو إجماع الامة على الضرورة التي يضطرون إليها والاخبار المجتمع عليها المعروض عليها كل شبهة والمستنبط منها كل حاجة وحادثة، وأمر يحمل الشك فيه والانكار وسبيل استيضاح أهل الحجة عليه، فما ثبت لمنتحليه من كتاب مجمع على تأويله أو سنة عن النبي (ص) لا اختلاف فيها أو قياس تعرف العقول عدله ضاق على من استوضح تلك الحجة ردها ووجب عليه قبولها والاقرار والديانة بها، وما لم يثبت لمنتحليه به حجة من كتاب مجمع على تأويله وسنة عن النبي لا اختلاف فيها أو قياس تعرف العقول عدله وسع الامة خاصها وعامها الشك فيه والانكار له في ذلك فهذان الامران من أمر التوحيد فما دونه إلى ارش الخدش فما دونه، فهذا الذي يعرض عليه أمر الدين فما ثبت لك برهانه اصطفيته وما غمض عنك ضوؤه نفيته، ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل. وأخبرت الموكل بي أني قد فرغت من حاجته، فأخبره فخرج وعرضت عليه الكتاب، فقال: أحسنت يا موسى هو كلام جامع موجز، فارفع حوائجك يا موسى فقلت: يا أمير المؤمنين أول حاجتي أن تأذن لي بالانصراف إلى أهلي فإني تركتهم باكين آيسين مني ومن أن يروني ابدا فقال: مأذون لك اردد، فقلت: علي عيال كثيرة وأعيننا بعد الله ممدودة إلى فضل أمير المؤمنين ودعائه، فأمر لي بمائة ألف درهم وكسوة وحملني وردني إلى أهلي مكرما. ولله در من قال: [ تبا لدنيا غدرت ساداتها * ورمتهم لبلائها وشتاتها ] [ ووفت لابناء اللئام بما رأوا * من حادثات بلائها بهداتها ] [ حجبوا جهارا عن تراثهم وقد * نالوا العناء بها وخلف عداتها ] [ صبرا على مضض الزمان وما بدا * من جوره إذ حل في ساحاتها ] [ أيقاد موسى خاضعا متذللا * لرشيدها ويكف عن نحلاتها ]

[ 256 ]

[ ويرى بأنواع القيود مكبلا * ولا يحتظي بصلاتها وصلاتها ] [ فكأنه من كابل أهدى إلى * شر الطغاة وشر نسل بغاتها ] [ ويصد عن حكم الاله ولم يكن * من ناصر يحميه بين عداتها ] [ والهف نفسي والتلهف لم يزد * نفسي شفاء غليلها وهنائها ] [ فلا ألبسن عليهم ثوب الضنا * ولاخلعن لباس طيب حياتها ] وفي العيون بإسناده إلى موسى بن جعفر (ع) قال: لما دخلت على الرشيد سلمت عليه فرد علي السلام ثم قال: يا موسى بن جعفر خليفتين يجبى إليهما الخراج، فقلت: يا أمير المؤمنين، أعيذك بالله أن تبوأ بأثمي واثمك وتقبل الباطل من أعدائنا. فقد علمت أنه كذب علينا منذ قبض رسول الله (ص)، وإني أسألك بقرابتك من رسول الله (ص) أن تأذن إلي أحدثك بحديث أخبرني به عن آبائه (ع) عن جدي رسول الله (ص). قال: هات فقلت: إن رسول الله قال: إن يد الرحيم إذا مست رحما تحرك دمه واضطربت عروقه، فناولني يدك فقال: ادن مني فدنوت منه فأخذ بيدي ثم جذبني إلى نفسه وعانقني طويلا ثم تركني وقال: اجلس فليس عليك بأس، فنظرت إليه وإذا هو قد دمعت عيناه فرجعت إلى نفسي فقال: صدقت يا موسى وصدق جدك رسول الله (ص) لقد تحرك دمي واضطربت عروقي حتى غلبت علي الرقة وفاضت عيناي، وأنا أسألك عن مسألة تختلج في صدري منذ حين لم أسأل عنها أحدا، فإن أنت أجبتني عنها خليت عنك، ثم ذكر مثل الحديث السابق مع اختلاف يسير. وفي العيون أيضا بإسناده عن سفيان بن بزال قال: كنت يوما على رأس المأمون فقال: أتدرون من علمني التشيع ؟ فقال القوم جميعا: لا والله ما نعلم، فقال: علمني الرشيد، فقيل له: وكيف ذلك وان الرشيد كان يقتل أهل هذا البيت (ع) ؟ فقال: كان يقتلهم على الملك لان الملك عقيم، ولقد حججت معه سنة فلما صار إلى المدينة تقدم إلى حجابه وقال: لا يدخل علي

[ 257 ]

أحد من أهل المدينة ومكة وسائر المهاجرين والانصار وبني هاشم وسائر بطون قريش إلا نسب نفسه، فكان الرجل إذا دخل عليه قال: أنا فلان ابن فلان حتى ينتهي إلى جده من هاشم قريش أو مهاجري أو أنصاري، فيصله من المال بخمسة آلاف درهم وما فوقها وما دونها إلى ما فوق مقامه على قدر شرفه وهجرة آبائه فبينما أنا ذات يوم واقف إذ دخل الفضل بن الربيع فقال: يا أمير المؤمنين إن بالباب رجل يزعم أنه موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب، فأقبل علينا ونحن قيام على رأسه والامين والمؤتمن، وسائر القواد فقال: احفظوا على أنفسكم ثم قال لصاحب الاذن ائذن له ولا ينزل إلا على بساطي، فبينما أنا كذلك إذ دخل علينا شيخ قد أنهكته العبادة كأنه شن بال وقد أكل السجود وجهه وأنفه، فلما رأى الرشيد رمى بنفسه عن حمار كان راكبه فصاح الرشيد: لا تنزل إلا على بساطي، فمنعه الحجاب عن الترجل فنظرنا إليه بأجمعنا بالاجلال والاعظام فما زال يسير على حماره حتى صار على البساط والحجاب محدقون به، فلما نزل قام الرشيد فاستقبله إلى آخر البساط فقبل وجهه وعينيه وأخذ بيده وصيره إلى صدر المجلس وجلس معه وجعل يقبل بوجهه عليه ويسأله عن أحواله، ثم قال: يا أبا الحسن كم عليك من العيال ؟ قال (ع): يزيدون على الخمسمائة قال: أولاد كلهم ؟ فقال: لا أكثرهم موالي وحشم، وأما الولد فلي نيف وثلاثون الذكران كذا والنسوان كذا، قال: فلم لا تزوج النسوان من بني عمومتهم وأكفائهم ؟ فقال اليد تقصر عن ذلك قال: فما حال الضيعة ؟ قال: تعطي في وقت وتمنع في آخر، قال: فهل عليك دين ؟ قال: نعم قال: نحوكم ؟ قال (ع): نحو من عشرة آلاف دينار فقال الرشيد: يا ابن العم أنا أعطيك من المال ما تزوج به الذكران والاناث وتقضي الدين وتعمر الضياع، فقال (ع): وصلت يا ابن العم وشكر الله لك هذه النية الجميلة والرحم ماسة والقرابة راسخة والنسب واحد، والعباس عم النبي وصنو أبيه وعم علي بن أبي طالب وصنو أبيه، وما أبعدك الله من أن تفعل ذلك وقد بسط يدك وأكرم عنصرك وأعلا مجدك، فقال: أفعل ذلك إن شاء الله تعالى يا أبا الحسن

[ 258 ]

كرامة لك فقال: يا أمير المؤمنين إن الله عزوجل قد فرض على ولاة أمره أن يفتشوا عن فقراء الامة، فيقضون عن الغارمين، ويؤدون عن المعيل، ويكسون العاري ويحسنون إلى العاني، وأنت أولى من يفعل ذلك قال: أفعل يا أبا الحسن، ثم قام فقام الرشيد لقيامه وقبل عينيه ووجهه ثم أقبل علي وعلى الامين فقال: يا عبد الله ويا محمد ويا إبراهيم امشوا بين يدي ابن عمكم موسى وسيدكم خذوا بركابه وسووا عليه ثيابه وشيعوه إلى منزله. فأقبل علي أبو الحسن (ع) سرا بيني وبينه وبشرني بالخلافة فقال لي: إذا ملكت فأحسن إلي في ابني، ثم انصرف وكنت أجرأ ولد أبي عليه فلما خلا المجلس قلت: يا أمير المؤمنين من هذا الرجل الذي عظمته وأكرمته وأجللته وجلست دونه ثم أمرتنا بأخذ الركاب له ؟ فقال هذا إمام الناس وحجة الله على جميع خلقه وخليفته في عباده، فقلت: يا أمير المؤمنين أو ليست هذه الصفات لك وفيك كلها ؟ فقال: أنا إمام الجماعة في الظاهر وفي الغلبة والقهر، وموسى بن جعفر إمام حق، والله إنه لاحق بمقام رسول الله (ص) مني ومن جميع الخلق، والله لو نازعتني أنت في هذا الامر لاخذت الذي فيه عيناك فإن الملك عقيم. فلما أراد الرحيل من المدينة أمر بصرة فيها مائتا دينار ثم أقبل على الفضل ابن الربيع وقال له: إذهب بهذه الصرة إلى موسى بن جعفر وقل له: يقول لك أمير المؤمنين: نحن في ضيقة وسيأتيك الغنى بعد هذا الوقت، فقمت في صدره وقلت: يا أمير المؤمنين تعطي أبناء المهاجرين والانصار وسائر قريش وبني هاشم ومن لا يعرف حسبه ونسبه خمسة آلاف دينار وما دونها، وتعطي موسى بن جعفر وقد عظمته وجللته مائتي دينار أخس عطية أعطيتها أحدا من الناس ؟ فقال لي: اسكت لا أم لك، فإني لو أعطيته الذي ظمنه له ما كنت آمنه أن يضرب وجهي غدا بمائة ألف سيف من شيعته ومواليه، الفقر لهذا ولاهل بيته أحسن لي ولكم من أبسط أيديهم وأعينهم لنا، فلما نظر ذلك مخارق المغني دخله من ذلك غيظ فقال للرشيد: يا أمير المؤمنين قد دخلت المدينة وأكثر أهلها يطلبون مني وإن خرجت ولم أقسم فيهم شيئا لم يتبين لهم فضل

[ 259 ]

أمير المؤمنين علي ومنزلتي عنده فأمر له بعشرة آلاف دينار فقال: يا أمير المؤمنين إن لاهل المدينة علي دين وأحتاج أن أقضيه، فأمر له بعشرة آلاف دينار أخرى فقال: يا أمير المؤمنين بناتي أريد أن أزوجهم وأنا محتاج لزواجهم، فأمر له بعشرة آلاف دينار أخرى فقال: لا بد من غلة تعطينها ترد علي وعلى عيالي وأزواجهم، فأمر له بأقطاع ما تبلغ غلته في السنة عشرة آلاف دينار وأن يعجل له ذلك كله، ثم قام مخارق من فوره وقصد موسى بن جعفر (ع) وقال له: إني وقفت على ما عاملك به هذا الملعون وما أمر لك به فاحتلت عليه وأخذت منه صلة ثلاثون ألف دينار واقطاع وهبها إلي، وما أخذتها إلا لك وأشهد لك بهذه الاقطاع وقد حملت المال إليك يا سيدي. فقال (ع): بارك الله لك في مالك وأحسن جزاك، وما كنت لآخذ منها درهما واحدا ولا من هذه الاقطاع وقد قبلت صلتك، فانصرف راشدا ولا تراجعني في ذلك فقبل يده وانصرف. ولله در من قال: [ فيا عجبا من دهر سوء أباد من * له الامر في العليا فأخمد نارها ] [ وطالت بها أعناق كل مرنم * وشب عليهم نارها وشنارها ] [ وأبعد عن مالهم وتراثهم * ومكن منها بعد ذاك شرارها ] [ فوالهف نفسي مثل موسى يقوده * دعي بغي قد تسنم عارها ] [ فيا قاتل الله الرشيد ونسله * وأسكنه في ذي الجحيم قرارها ] وفي العيون عن إبراهيم بن هاشم قال: سمعت رجلا من أصحابنا يقول: لما حبس الرشيد موسى بن جعفر (ع) أجن عليه الليل فخاف ناحية هارون أن يقتله فجدد موسى (ع) ظهوره واستقبل القبلة وصلى لله عزوجل أربع ركعات، ثم دعا بهذه الدعوات قائلا: يا سيدي نجني من حبس هارون وخلصني من يده يا مخلص الشجر من بين رمل وطين وماء، ومخلص اللبن من بين فرث ودم، ويا مخلص الولد من بين مشيمة ورحم، ويا مخلص النار من

[ 260 ]

بين الحديد والحجر، ويا مخلص الروح من بين الاحشاء والامعاء خلصني من هذا الرجل. قال: فلما دعا موسى بهذا الدعاء أتى هارون رجل أسود وبيده سيف مسلول وهو نائم فوقف عليه وهو يقول: يا عدو الله أطلق موسى بن جعفر (ع) من الحبس والحديد وإلا ضربت عاليك بهذا السيف، فخاف هارون من هيبته ثم دعا الحاجب وقال له: إذهب إلى السجن واطلق موسى، فخرج الحاجب وطرق باب دار السجان فأجابه السجان وقال: من ؟ فقال: رسول الخليفة يقول لك اطلق موسى بن جعفر (ع)، فصاح السجان: يا موسى إن الخليفة يدعوك، فقام موسى فزعا وهو يقول: ما يدعوني في هذا الليل إلا لشر في نفسه، فقام حزينا مغموما آيسا من الحياة فجاء إلى هارون وهو (ع) ترتعد فرائصه، فسلم على هارون فرد عليه السلام ثم قال له هارون: يا موسى هل دعوت الله تعالى في هذه الليلة ؟ فقال: نعم قال: وما هو ؟ فقال (ع): جددت طهوري وصليت لله أربع ركعات ورفعت طرفي إلى السماء وقلت: يا سيدي خلصني من يد هارون وشره، وذكر له ما كان من دعائه، فقال هارون: قد استجاب الله تعالى دعاءك، يا حاجب اطلق عنه، ثم دعا بخلعة وخلع عليه ثيابا وحمله على فرس وأكرمه وصيره نديما لنفسه، ثم قال هارون: هات الكلمات فعلمه وأطلق عنه وسلمه إلى الحاجب ليسلمه (ع) ويكون معه إلى الدار، وصار موسى بن جعفر كريما شريفا عند هارون الرشيد وكان يدخل عليه في كل خميس إلى أن حبسه الثالثة فلم يطلقه حتى سلمه إلى السندي لعنه الله فقتله بالسم. ولله در الشاعر حيث يقول: [ لحى الله هارون الرشيد وزاده * نكالا وأصلاه شواظ جهنم ] [ يرى المعجزات الواضحات فلم * يدع مكائده يوما لموسى المعظم ] [ وما زال يسقيه مرارة كيده * إلى أن سقاه كأس سم بمطعم ] [ فراح إلى دار الجنان منعما * فوالهف نفسي للامام المكرم ] [ أمن بعد موسى يستلذ ذووا الحجا * ويلهو بطيب العيش من كل منعم ]

[ 261 ]

وفي العيون عن ابن عياش قال: حدثنا الثوباني قال: كانت لابي الحسن موسى بن جعفر (ع) بضع عشر سنة في كل يوم منها سجدة بعد بياض الشمس إلى وقت الزوال، وكان هارون يصعد سطحا يشرف منه على الحبس الذي فيه موسى بن جعفر، وكان يرى موسى بن جعفر ساجدا فقال للربيع: مالك يا ربيع أما ترى الثوب الذي أراه في ذلك الموضع ؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما هو ثوب بل هو موسى بن جعفر له كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال، فقال هارون: هذا من رهبان بني هاشم فقلت: فما لك ضيقت عليه في الحبس فقال: هيهات لا بد من ذلك. وفي الكتاب المذكور أيضا عن عبد الله القزويني قال: دخلت على الفضل بن الربيع وهو جالس على السطح، فقال لي: ادن مني فدنوت منه حتى حاذيته فقال لي: أشرف إلى البيت في الدار فأشرفت من على السطح فقال لي: ما ترى في البيت ؟ فقلت: أرى ثوبا مطروحا فقال لي: انظر حسنا فتأملت فقلت رجلا ساجدا فقال لي: تعرفه ؟ قلت: لا فقال لي: هذا مولاك فقلت: ومن هو مولاي ؟ فقال: تتجهل علي ؟ فقلت: لا اتجهل عليك، ولكن لا اعرف لي مولى إلا أبا الحسن موسى بن جعفر واني افتقدته الليل والنهار فلم أجده في وقت من الاوقات، فقال: هاهو في الحبس عندي ولا أراه إلا على الحال الذي تراه فيه يصلي الفجر فيعقب ساعة في دبر صلاته إلى أن تطلع الشمس، ثم يسجد سجدة فلم يزل ساجدا حتى تزول الشمس، وقد جعل من يترصد له الزوال فلا يدري متى يقول له الغلام قد زالت الشمس فيبتدئ في الصلاة من قبل أن يحدث، فاعلم أنه لم ينم في سجوده فلم يزل ساجدا إلى أن تغيب الشمس، فإذا غابت الشمس صلى المغرب من غير أن يحدث حدثا فلم يزل في صلاته وتعقيبه إلى أن يصلي العتمة، فيفطر على شوي يؤتى به إليه ثم يجدد الوضوء ويقوم فلم يزل يصلي في جوف الليل إلى أن يطلع الفجر، فلست أدري متى يقول الغلام أن الفجر قد طلع إذ وثب (ع)

[ 262 ]

لصلاة الفجر فهذا دأبه مذ حول إلي، فقلت: اتق الله لا تحدث في أمره حديثا يكون فيه زوال النعم وقد تعلم أنه لم يفعل أحد بهم سوءا إلا تكون نعمته زائلة، فقال: قد أرسلوا إلى غير مرة يأمروني بقتله فلم أجبهم إلى ما سألوني. فلما كان بعد ذلك حول إلى الفضل بن يحيى البرمكي فحبس عنده أياما، فكان الفضل بن الربيع يبعث إليه في كل يوم مائدة حتى مضى ثلاثة أيام بلياليها، فلما كانت الليلة الرابعة قدمت إليه مائدة الفضل بن يحيى فرفع يده إلى السماء وقال: يا رب إنك تعلم لو أكلت قبل هذا اليوم كنت قد أعنت على نفسي، فأكل فمرض (ع)، فلما كان من الغد جاءه الطبيب فعرض عليه فرأى خضرة في بطنه وفي راحتيه، كان السم الذي سم به قد اجتمع في ذلك الموضع فانصرف الطبيب إليهم وقال: والله هو أعلم بما فعلتم به، فلما كان بعد يوم قبض (ع). هكذا جاء في هذه الرواية والمشهور أنه قد سم في حبس السندي بن شاهك، وأن هارون الرشيد قد عرض قبل ذلك قتله على جميع أرباب دولته وسعى به إلى من جاحد للصانع فلم يتمكن من ذلك، فاغتم لذلك غما شديدا إلى أن دنا منه أجله وانقضت أيامه وأحكم الرشيد تدبيره وحيله وقد بلغ به العناد إلى أن يخجله في المجلس كما روي عن علي بن يقطين (رض) قال: إن الرشيد استدعى رجلا ليبطل به ما أمر ابي الحسن موسى بن جعفر، فلما حضرت المائدة وجعلوا يأكلون تناول موسى (ع) رغيفا من الخبز فطيره ذلك اللعاب من بين يديه واستفز هارون الفرح والضحك لذلك، فغضب أبو الحسن موسى ورفع رأسه إلى صورة أسد موضوعة على بعض الستور فقال: يا أسد الله كل عدو الله قال: فوثبت تلك الصورة كأعظم ما يكون من السباع فافترست ذلك المغرم اللعاب، فخر هارون مع ندمائه على وجوههم مغشيا عليهم وطارت عقولهم خوفا من هول ما رأوا، فلما أفاقوا من غشوتهم قال هارون لابي الحسن (ع): سألتك بحقي عليك إلا ما سألت الصورة أن ترد الرجل فقال (ع): إن كانت عصا موسى ردت ما ابتلعت من حبال القوم وعصيهم فإن

[ 263 ]

هذه الصورة ترد ما ابتلعته من هذا الرجل، فكانت ذلك أعمل الاشياء في إفادته نفسه (ع). وفي خبر عن عمر بن واقد، قال: إن هارون لما ضاق صدره مما كان يظهر له من فضل موسى بن جعفر (ع)، وما كان يبلغه من قول الشيعة بإمامته واختلافهم بالليل والنهار خشية منه على نفسه وملكه، ففكر في نفسه أن يقتله بالسم، ثم دعا برطب فأكل منه ثم أحضر صينية فوضع فيها عشرين رطبة وأخذ سلكا ففركه بالسم وأدخله في سم الخياط وأخذ رطبة من ذلك الرطب وأقبل يردد ذلك السم فيها واستكثر منه ثم ردها في ذلك الرطب، وقال للخادم: احمل هذه الصينية إلى موسى بن جعفر وقل له إن أمير المؤمنين قد أكل من هذا الرطب وتنغص لك وهو يقسم عليك إلا ما أكلتها عن آخرها لاني اخترتها بيدي، فلا تتركه يبقي منه شيئا ولا تطعم منه أحدا، فأتاه به الخادم وأبلغه الرسالة وقال: آتني بخلال: فناوله خلالا وقام بازائه وهو يأكل (ع) من ذلك الرطب وكان للرشيد كلبة تعز عليه فجذبت نفسها وخرجت وكان فيها سلاسل من ذهب وجوهر، فجاءت عند موسى بن جعفر (ع) فبادر بالخلال إلى الرطبة المسمومة فرمى بها إلى الكلبة فأكلتها فلم تلبث أن ضربت برجلها الارض وتقطعت قطعة قطعة، واستوفى (ع) باقي الرطب وحمل الغلام الصينية وأتى بها الرشيد فقال الرشيد: قد أكل الرطب عن آخره ؟ قال: نعم فقال: كيف رأيته حين أكله ؟ قال: ما أنكرت منه شيئا يا أمير المؤمنين، ثم أورد عليه خبر الكلبة وأنها قد تهرأت وماتت، فقلق الرشيد قلقا شديدا ثم وقف على الكلبة فوجدها متهرتة بالسم، فأحضر الخادم ودعا له بسيف ونطع وقال له تصدقني عن خبر الرطب والكلبة وإلا قتلتك فقال: يا أمير المؤمنين إني حملت الرطب إليه وبلغته رسالتك وقمت بازائه فطلب مني خلالا فدفعته إليه فأقبل يغرز رطبة بعد رطبة ويأكلها حتى جاءت الكلبة فغرز الخلال في رطبة من ذلك الرطب ورمى بها للكلبة فأكلتها فما لبثت أن تهرأت وأكل هو باقي الرطب فكان الامر كما كان، فما ترى يا أمير المؤمنين ؟ فقال: ما ربحنا من موسى إلا أنه أطعمناه جيد

[ 264 ]

الرطب وضيعنا سمنا وقتلنا كلبتنا فما في موسى حيلة. قال: ثم ان سيدنا موسى بن جعفر (ع) دعا بالمسيب وذلك قبل وفاته بثلاثة أيام وكان موكلا به فقال: يا مسيب فقال: لبيك يا سيدي، قال: إني ظاعن في هذه الليلة إلى المدينة مدينة جدي رسول الله لاعهد إلى ابني علي بن موسى الرضا بما عهد إلي أبي جعفر واجعله وصيي وخليفتي وأمره بأمري، فقال المسيب: كيف تأمرني يا مولاي أن افتح لك الابواب وأقفالها مغلقة والحرس على الابواب ؟ فقال (ع): يا مسيب أضعف يقينك في الله تعالى وفينا ؟ قلت: لا يا سيدي قال: قم، قلت يا سيدي ادع الله أن يثبتني فقال (ع): اللهم ثبته، ثم قال: أعوذ بالله عزوجل وباسمه العظيم الاعظم الذي دعا به آصف بن برخيا (ع) حتى جاء بسرير بلقيس فوضعه بين يدي سليمان قبل ارتداد طرفه إليه اجمع بيني وبين ابني في المدينة. قال المسيب (ره) سمعته يدعو ففقدته من مصلاه فلم أزل قائما على قدمي حتى رأيته قد عاد إلى مكانه وأعاد الحديد إلى رجله فخررت ساجدا لله وشكرا على ما أنعم الله به علي من معرفته، فقال لي: ارفع رأسك يا مسيب واعلم أني راحل إلى الله تعالى في ثالث هذا اليوم قال: فبكيت فقال (ع) تبكي فإن عليا ابني إمامك من بعدي فاستمسك بولايته فإنك لن تضل ما لزمته فقلت: الحمد لله. ثم ان سيدي دعاني ليلة اليوم الثالث فقال لي: إني على ما عرفتك من الرحيل إلى الله تعالى فإذا دعوت بشربة من الماء، فشربتها ورأيتني قد انتفخت وارتفع بطني واخضر لوني واحمر وتلون ألوانا فخبر الطاغية بوفاتي، وإذا رأيت هذا الحدث فإياك أن تظهر عليه أحدا إلا بعد وفاتي، قال المسيب بن زهير: فلم أزل أرقب وعده (ع) حتى دعا بالشربة فشربها ثم دعاني فقال: يا مسيب إن هذا الرجل اللعين السندي بن شاهك لعنه الله سيزعم أنه تولى غسلي ودفني، هيهات هيهات لا يكون ذلك أبدا، فإذا حملت إلى المقبرة المعروفة بمقابر قريش فألحدني فيها ولا ترفعوا قبري فوق أربع أصابع مفرجات، ولا تأخذوا من

[ 265 ]

تربتي شيئا فتتبركوا به، فإن كل تربة لنا محرمة إلا تربة جدي الحسين (ع) فإن الله عزوجل جعلها شفاء لشيعتنا وأوليائنا، ثم رأيت شخصا أشبه الخلق به جالسا إلى جانبه وكان عهدي بسيدي الرضا (ع) وهو قائم، فأردت سؤاله فصاح بي سيدي موسى (ع)، أليس نهيتك يا مسيب ؟ فلم أزل صابرا حتى مضى وغابت الشمس ثم إني أتيت بالخبر إلى الرشيد فوافاني السندي بن شاهك، فوالله لقد رأيتهم وهم يظنون بأنهم يغسلونه ولا تصل أيديهم إليه ويظنون أنهم يحنطونه ويكفنونه وأراهم لا يصنعون به شيئا، ورأيت ذلك الشخص يتولى غسله وتحنيطه وتكفينه وهو يظهر المعاونة لهم وهم لا يعرفونه، فلما فرغ من تجهيزه قال ذلك الشخص: يا مسيب مهما شككت فيه فلا تشك في فإني إمامك ومولاك وحجة الله تعالى عليك بعد أبي، يا مسيب مثلي مثل يوسف الصديق (ع)، ومثلهم مثل اخوته حين دخلوا فعرفهم وهم له منكرون، ثم حمل حتى دفن في مقابر قريش وأمر برفع قبره أكثر مما أمر به (ع) ثم رفعوا بعد ذلك قبره وبنوا عليه. ولله در من قال: [ فيا ضيعة الاسلام بعد وليه * وقيم دين الله موسى بن جعفر ] [ أيقتل مسموما بحبس بن شاهك * ويرمى به سجن رجس ومفتري ] [ ويحجب عن تنفيذ أحكام جده * ويعزل عن أعلى مكان ومنبر ] [ فيا قلب ذب وجدا لعظم مصابه * وطلق لذيذ النوم يا طرف محجري ] [ فما رزؤه إلا كرزء ابن فاطم * حسين سليل المرتضى الطر حيدر ] [ فمن لعلوم الله من بعد فقده * يثبت بها في العالمين بمصدر ] [ ومن للدعا والورد في سحرالدجا * ومن لمحاريب الصلاة بمحضر ] [ ومن لكتاب الله تال وموضح * لتفسيره آه له من مفسر ] [ علوج بني العباس إن قر طرفكم * بدنياكم من أن تقر بمحشر ] [ عمدتم إلى بدر لكم متألق * فأطفيتموه ويلكم شر معشر ]

[ 266 ]

[ ستجزون في يوم الجزاء جهنما * تذيب الحشا منكم غداة التسعر ] وفي رواية كما في العيون عمن يقبل قوله من الثقاة قال: قال لي رأيت بعض من يقرون بفضل موسى بن جعفر (ع) من أهل هذا البيت: فما رأيت مثله قط في نسكه وفضله قال: قلت: ومن هو وكيف رأيته ؟ قال: تجمعنا أيام السندي بن شاهك ونحن ثمانون رجلا فأدخلنا على موسى بن جعفر (ع) فقال لنا السندي: يا هؤلاء انظروا إلى هذا الرجل هل حدث به حدث ؟ فإن الناس يزعمون أن فعل به مكروه ويكثرون في ذلك وهذا منزله وفراشه موسع عليه غير مضيق، ولم يرد به أمير المؤمنين سوءا وإنما ينتظره فيناظره وها هو ذا صحيح فاسألوه ؟ فسألناه فقال (ع): أما ما ذكر من التوسعة فهو على ما ذكر، غير أني اخبركم أيها النفر أني سممت في تسع تمرات وألقيت دما من كبدي، واني أخضر غدا وبعد غد أموت، فنظرنا فإذا السندي ترتعد فرائصه ويضطرب مثل السعفة. وفي خبر عمر بن واقد قال: أرسل إلي السندي بن شاهك بعض الليالي وأنا في بغداد ليستحضرني، فحشيت أن يكون ذلك لشر يريده فأوصيت عيالي بما احتجت إليه وقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، فلما ركبت إليه ورآني مقبلا قال: يا أبا جعفر لعلنا أزعجناك وأفزعناك ؟ قلت: نعم، فقال: ما هنا إلا خيرا، قلت: ابعث رسولا إلى أهلي ليخبرهم بخبري فقال: نعم ثم قال: يا أبا جعفر أتدري لم أرسلت إليك ؟ فقال: لا أدري قال: أتعرف موسى بن جعفر ؟ فقلت: أعرفه وبيني وبينه صداقة منذ كان ببغداد ويعرفه من يقبل قوله، ثم سميت له أقواما ووقع بقلبي أنه قد مات (ع)، فبعث إليهم فجاء بهم كما جاء بي وقال: هل تعرفون قوما يعرفون موسى بن جعفر ؟ فسموا له أقواما فجاء بهم، فأصبحنا ونحن في الدار نيفا وخمسون رجلا ممن يعرف موسى بن جعفر (ع) وقد صاحبه قال ثم قال: ودخل وصلينا وخرج كاتبه بطومار فكتب أسماءنا ومنازلنا وأعمالنا وخلانا ثم دخل إلى السندي وخرج السندي فضرب

[ 267 ]

بيده إلي وقال لي: قم يا أبا جعفر اكشف الثوب عن موسى بن جعفر، فكشفت عنه فرأيته ميتا فبكيت واسترجعت ثم قال للقوم: انظروا إليه فدنوا واحدا بعد واحد فنظروا إليه ثم قال: تشهدون كلكم أن هذا موسى بن جعفر ؟ قالوا: نعم فقال: يا غلام اطرح على عورته منديلا واكشف عن جسده قال: ففعل فقال: أترون به أثرا تنكرونه ؟ فقلنا: ما نرى به شيئا وما نراه إلا هو ميتا فقال: لا تبرحوا حتى تغسلوه وتكفنوه قالوا: فلم نبرح حتى غسل وكفن (ع) وحمل إلى المصلى فصلى عليه السندي بن شاهك ثم دفناه ورجعنا. ولله در الشاعر حيث يقول: [ فوالهف نفسي والتلهف لا يجدي * على من مضى بالسم من كافر وغد ] [ سقاه سموم الموت من بعد حبسه * سنينا بلا جرم فروحي له تفدي ] [ فواطول حزني بعده وصبابتي * فلا مدمعي يرقى وقلبي في وقد ] [ وكيف الكرى يأوي جفوني وإنني * حرمت له طيب المضاجع والسهد ] [ سأبكي عليه ما بقيت تأسفا * وأندبه حتى أوسد في لحد ] [ مضى فمضى الاسلام والدين والتقى * وعطل أحكام المكارم والمجد ] [ فيا قاتل الله الرشيد وما جنى * وأبعده الله المهيمن من سندي ] [ عجبت لافلاك السماوات لم تخر * وللنيرات الشهب لم تمس في الوهد ] [ ألا لعن الله المهيمن كل من * تعاضد في إطفاء نور سما الرشد ] [ وصلى إله العرش ما هبت الصبا * على روحه ذاك المخلد في الخلد ] وفي العيون: بإسناده عن عتاب بن أمثل عن جماعة من مشايخ أهل الكوفة قالوا: توفي موسى بن جعفر (ع) على يد السندي بن شاهك لعنه الله، فحمله على نعش ونادى عليه هذا إمام (الرافضة) فاعرفوه، فلما أوتي به إلى مجلس الشط قام أربعة نفر ونادوا: ألا من أراد أن ينظر إلى الخبيث بن الخبيث موسى بن جعفر فليخرج، فخرج المنافقين من كل جانب ومكان، وصارت الضوضاء عليه وهو ملقى على جسر بغداد في وسط الطريق والداخل والخارج

[ 268 ]

يرفسه برجله، فخرج سليمان بن جعفر الجعفري من قصره إلى الشط فسمع الصياح والضوضاء فقال لولده وغلمانه: ما هذا ؟ فقالوا: إن السندي بن شاهك أمر أن ينادي على موسى (ع) بهذا النداء وهو على نعشه، فقال لولده وغلمانه: يوشك أن يفعل هذا به من الجانب الغربي، فإذا عبروا به فانزلوا مع غلمانكم وخذوه من أيديهم، فإن مانعوكم فاضربوهم وخرقوا ما عليهم من السواد، فلما عبروا به نزلوا إليهم وأخذوه من أيديهم وخرقوا سوادهم فوضعوه في مفرق طرق وقام المنادي ينادي: ألا من أراد أن ينظر إلى الطيب ابن الطيب موسى بن جعفر فليخرج، فحضر الخلق فغسل وكفن في حبرة له استعملت بألفي دينار قد كتب القرآن كله عليها، واحتفى سليمان ومشى وراء جنازته مشقوق الجيب متسلبا حتى انتهوا به إلى مقابر قريش فدفنه هناك، وكتب بأمره إلى الرشيد فكتب إليه الرشيد: وصلت رحمك يا عم فأحسن الله لك الجزاء والله ما فعل السندي هذا عن أمرنا. وفي خبر رواه في العيون عن محمد بن سليمان النوفلي قال: سمعت أبي يقول: لما قبض الرشيد على موسى بن جعفر (ع) قبض عليه وهو عند رأس رسول الله (ص) قائما يصلي فقطع عليه صلاته، وحمل (ع) وهو يبكي ويقول: إليك أشكو يا رسول الله ما ألقى، وأقبل الناس من كل جانب وهم يبكون ويضجون، فلما أوتي به الرشيد شتمه وجفاه، فلما جن عليه الليل أمر بقبتين فهيئتا له فحمل موسى بن جعفر (ع) في إحداهما في خفاء ودفعه إلى حسان السروري وأمره أن يسير به في قبة إلى البصرة فيسلمه إلى عيسى بن جعفر بن أبي جعفر وهو أميرها، ووجه قبة أخرى إلى الكوفة علانية ومعها جماعة ليعمي على الناس أمر موسى بن جعفر (ع)، فقدم حسان البصرة قبل التروية بيوم واحد ودفعه إلى عيسى بن جعفر نهارا علانية حتى عرف ذلك وشاع خبره، فحبسه عيسى في بيت من بيوت المجلس الذي كان يجلس فيه وأقفل عليه وشغله العيد عنه، فكان لا يفتح عنه الباب إلا في حالتين حالة يخرج فيها للطهور وحالة يدخل فيها إليه بالطعام، قال أبي: فقلت للفيض بن صالح وكان

[ 269 ]

نصرانيا فأظهر الاسلام، وكان زنديقا وكان يكتب لعيسى بن جعفر وكان لي خاصا فقال: يا أبا عبد الله لقد سمعت هذا الرجل الصالح في أيامه هذه في هذه الدار التي هو فيها من ضروب الفواحش والمناكر ما أعلم ولا أشك أنه يخطر بباله، قال أبي: وسعى بي في تلك الايام إلى عيسى بن جعفر بن علي ابن يعقوب بن عون بن العباس من مشائخ بني هاشم وكان أكبرهم سنا، وكان مع سنه يشرب الشراب ويدعو أحمد بن أسيد إلى منزله فيحتفل معه، ويأتي بالمغنين والمغنيات يطمع أن يذكره لعيسى وكان في رقعته التي دفعها إليه تقدم علينا سليمان ابنك في إكرامك وتخصه بالمسك وفينا من هو أسن منه وهو يدين بطاعة موسى بن جعفر المحبوس عندك، قال أبي: واني لقائل في يوم قيظ إذ حركت حلقة الباب علي فقلت: ما هذا ؟ فقال لي الغلام: قعنب بن يحيى يقول: يريد لقاءك الساعة، فقلت، ما جاء إلا لامر ائذنوا له، فدخل وأخبرني عن الفيض بن أبي صالح بهذه القصة والرقعة. قال وقد كان قال لي الفيض بعد ما أخبرني لا تخبر أبا عبد الله فيحزنه فإن الرافع عند الامير لم يجد فيه مساغا، وقد قلت للامير: في نفسي من هذا شئ حتى أخبر أبا عبد الله فيأتيك فيحلف على الكذب فقال: لا تخبره فتغمه، فإن ابن عمه إنما حمله على هذا الحسد له فقلت له: أيها الامير أنت أعلم أنك لا تخلو بأحد كخلوتك به، فهل تحمل على احد ؟ فقال: معاذ الله فلو كان له مذهب يخالف فيه الناس لاحب أن يحملك عليه، قال: أجل ومعرفتي له أكثر قال أبي: فدعوت بدابتي فركبت إلى الفيض من ساعتي فصرت إليه ومعي قعنب، فأرسل إلي جعلت فداك إنك جلست مجلسا أرفع قدرك فإذا هو جالس على شراب فأرسلت إليه لا بد من لقائك فخرج إلي في قميص رقيق وأزار مورد فأخبرته بما يغلني فقال: لا جزيت خيرا لم أتقدم إليك أن لا تخبر أبا عبد الله فتغمه، ثم قال: لا بأس فليس في قلب الامير من ذلك شئ قال: فما مضت بعد ذلك إلا أياما يسيرة حتى حمل موسى بن جعفر (ع) إلى بغداد سرا وحبس ثم أطلق ثم حبس ثم سلم إلى السندي بن شاهك فضيق عليه، ثم بعث إليه الرشيد بسم في

[ 270 ]

رطب، وأمره أن يقدمه إليه ويحتم عليه في تناوله منه ففعل فمات وقد أحضر جماعة وأشهدهم على وصيته كما رواه الصدوق (ره) في العيون وهذه صورتها: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الموت حق والبعث بعد الموت حق، وأن الحساب والقصاص حق، وأن الوقوف بين يدي الله عزوجل حق، وكل ما جاء به محمد بن عبد الله فهو حق، وأن الذي نزل به الروح الامين حق على ذلك أحيا وعليه أموت وعليه أبعث إن شاء الله تعالى، أشهدهم أن هذه وصيتي بخطي وقد نسخت وصية جدي رسول الله، وأمير المؤمنين، ووصية الحسن والحسين عليهما السلام، ووصية علي بن الحسين، ومحمد بن علي وجعفر بن محمد (ع) قبل ذلك حرفا بحرف، ووصيت بها إلى علي ابني وبني بعده فإن شاء وآنس منهم رشدا وأحب إقرارهم فذلك له، وإن كرههم وأحب أن يخرجهم، فذلك له ولا أمر لهم معه، ووصيت له بصدقاتي وأموالي وعيالي الذين خلفت وولدي وإلى ابراهيم والعباس، وإسماعيل وأحمد، وإلى علي (ع) أمر نسائي دونهم وثلث صدقة أبي وأهل بيتي يضعه حيث يرى ويجعل منه ما يجعل ذو المال في ماله، إن احب أن يجيز ما ذكرت في عيالي فذلك له وإن كره فذلك له، وإن احب أن يبيع أو يوهب أو ينحل أو يتصدق على غير ما وصيته فذاك إليه وهو انا في وصيتي في مالي وفي أهلي وولدي، وإن أقر إخوته الذين سميتهم في صدر كتابي هذا أقرهم وإن كره فله أن يخرجهم غير مردود عليه، وإن اراد رجلا منهم أن يزوج أخته فليس له أن يزوجها إلا باذنه وأمره وسلطانه فمن رده من شئ أو حال بينه وبين شئ فيما ذكرت من كتابي فقد برئ من الله ومن رسوله والله ورسوله بريئان منه وعليه لعنة الله ولعنة اللاعنين والملائكة المقربين والانبياء والمرسلين أجمعين وجماعة المؤمنين، وليس لاحد من السلاطين أن يكشفه عن شئ لي عنده من بضاعة ولا لاحد من ولدي ولي عنده مال وهو مصدق فيما ذكر من مبلغه إن أقل أو أكثر فهو صادق، وإنما أردت بادخال الذين أدخلت معه من ولدي

[ 271 ]

التنويه بأسمائهم وأولادهم أولادي الصغار وأمهات أولادي، ومن أقام منهن في منزلي أو في حجابها فلها ما كان يجري عليها في حياتي إن أراد ذلك ومن خرج منهن إلى زوج، فليس لها أن ترجع إلى حزانتي إلا أن يرى علي ذلك وبناتي مثل ذلك، ولا يزوج بناتي أحد من إخوانهن ولا من أمهاتهن ولا من سلطان ولا عمل لهن إلا برأيه ومشورته، فإن فعلوا ذلك فقد خالفوا الله تعالى ورسوله وحاربوه في ملكه وهو عارف بمناكح قومه إن أراد أن يزوج زوج وإن أراد أن يترك ترك، وقد أوصيتهن بمثلها ذكرت في كتابي وأشهدت الله عليهن وليس لاحد أن يكشف وصيتي ولا ينشرها وهي على ما ذكرت وسميت، فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد، وليس لاحد من سلطان ولا غيره أن يفض كتابي الذي ختمت عليه في أسفله فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله وغضبه والملائكة بعد ذلك وجماعة المسلمين والمؤمنين). وفي العيون عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن صالح بن عطية قال: كان السبب في رفع موسى بن جعفر (ع) إلى بغداد أن هارون الرشيد أراد أن يعقد الامر لابنه محمد بن زبيدة، وكان له من البنين أربعة عشر ابنا، فاختار منهم ثلاثة محمد بن زبيدة وجعله ولي عهده، وعبد الله فجعل له الامر بعد محمد بن زبيدة، والقاسم المؤتمن وجعل له الامر من بعد المؤمون، فأراد أن يحكم الامر في ذلك ويشهر شهرة يقف عليها الخاص والعام، فحج في سنة تسع وسبعين ومائة وكتب إلى جميع الآفاق يأمر الفقهاء والعلماء والقراء والامراء أن يحضروا مكة يوم الموسم وأخذ هو طريق المدينة. قال علي بن محمد النوفلي: حدثني أبي أنه كان سبب سعاية يحيى بن خالد أن الرشيد وضع ابنه ابن زبيدة في حجر جعفر بن محمد بن الاشعث فساء ذلك يحيى وقال: إذا مات الرشيد وكان الامر لمحمد انقضت دولتي ودولة ولدي وتحول الامر إلى جعفر وولده، وكان عرف مذهب جعفر في التشيع فأظهر له أنه على مذهبه فسر به جعفر وأفضى إليه جميع أموره، وذكر له ما هو عليه في

[ 272 ]

موسى بن جعفر (ع)، فلما وقف على مذهبه سعى به إلى الرشيد وكان الرشيد يرعى له موضعه وموضع أبيه من نصرة الخلافة، وكان يقدم ويؤخر وكان يحيى لا يألوا أن يخطب عليه إلى أن دخل يوما إلى الرشيد فأظهر له إكراما وجرى بينهما كلام مت به جعفر بحرمته وحرمة أبيه، فأمر له الرشيد في ذلك اليوم بعشرين ألف دينار فأمسك يحيى أن يقول فيه شيئا حتى أمسى، ثم قال للرشيد: يا أمير المؤمنين قد كنت أخبرتك عن جعفر وعن مذهبه فتكذب عنه وهاهنا أمر فيه الفيصل قال: وما هو ؟ قال: إنه لا يصل إليه مال من جهة من الجهات إلا أخرجه خمسه فوجه به إلى موسى بن جعفر، ولست أشك إلا أنه قد فعل ذلك بالعشرين ألف دينار التي أمرت بها له فقال هارون: إن في هذا لفيصلا، فأرسل إلى جعفر ليلا وكان قد عرف سعاية يحيى به فتباينا وأظهر كل واحد لصاحبه العداوة، فلما طرق رسول الرشيد على جعفر بالليل خشي أن يكون قد سمع فيه قول يحيى وانه إنما دعاه ليقتله، فأفاض عليه ماء ودعا بمسك وكافور فتحنط بهما ولبس بردة فوق ثيابه فأقبل إلى الرشيد، فلما وقعت عينه عليه وشم رائحة الكافور ورأى البردة قال: يا جعفر ما هذا ؟ فقال: يا أمير علمت أنه قد سعي به عندك، فلما جاءني رسولك في هذه الساعة لم آمن أن يكون قد قدح في قلبك ما يقال علي، فأرسلت إلي لتقتلني، فقال: كلا ولكن قد خبرت أنك تبعث إلى موسى بن جعفر في كل ما يصير إليه بخمسة وأنك قد فعلت ذلك في العشرين ألف دينار فأحببت أن أعلم ذلك فقال جعفر: الله اكبر يا أمير المؤمنين تأمر بعض خدمك يذهب ليأتيك بها بخواتمها فقال الرشيد لخادمه: خذ خاتم جعفر وانطلق به إلى منزله حتى تأتيني بالمال، وسمى له جعفر الجارية التي عندها المال فأقبل الخادم للجارية فدفعت إليه البدرة بخواتمها، فأتى بها الرشيد فقال جعفر: هذا أول ما تعرف كيد من سعى بي إليك فقال: صدقت يا جعفر انصرف آمنا فإني لا أقبل فيك قول أحد قال: وجعل يحيى يحتال في اسقاط جعفر. قال النوفلي: حدثني علي بن الحسين بن علي بن عمر بن علي عن

[ 273 ]

بعض مشائخه وذلك في حجة الرشيد قبل هذه الحجة قال: لقيني علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمد فقال لي: مالك حملت نفسك ولم تدبر أمر الوزير ؟ وقد أرسل إلي فعادلته وطلبت الحوائج منه وكان سبب ذلك ان يحيى ابن خالد قال ليحيى بن ابي مريم ألا تدلني على رجل من آل أبي طالب له رغبة في الدنيا فأوسع عليه فيها ؟ فقال: بلى أدلك على رجل بهذه الصفة وهو علي ابن اسماعيل بن جعفر، فأرسل إليه يحيى فقال: أخبرني عن عمك موسى وشيعته وعن المال الذي يحمل إليه قال له: عندي الخبر وسعى بعمه (ع)، وكان من سعايته أن قال: من كثرة المال الذي عنده أنه اشترى ضيعة تسمى البشرية بثلاثين ألف دينار فلما أحضر المال قال البائع: لا أريد هذا النقد أريد نقدا كذا وكذا، فأمر (ع) بها فقبضت من بيت ماله وأخرج منه ثلاثين ألف دينار غير ذلك النقد فوزنه في ثمن الضيعة، قال: وكان موسى بن جعفر (ع) يأمر لعلي بن إسماعيل بالمال ويثق به حتى ربما يخرج الكتاب منه إلى بعض شيعته بخط علي بن اسماعيل ثم استوحش منه، فلما أراد الرشيد الرحلة إلى العراق بلغ موسى أن ابن أخيه علي بن إسماعيل يريد الخروج إلى السلطان للعراق فأرسل إليه مالك والسلطان للخروج معه، فقال: إن علي دينا فقال (ع): دينك علي، قال: فتدبر عيالي ؟ قال: أنا أكفيهم، فأبى الخروج فأرسل إليه مع أخيه محمد بن اسماعيل بن جعفر (ع) ثلاثمائة دينار وأربعة آلاف درهم، فقال: اجعل هذا في جهادك ولا تيتم ولدي. وفي رواية إبراهيم بن البلادي قال: كان يعقوب بن داوود يخبرني أنه كان قال بالامامة فدخلت عليه بالمدينة في الليلة التي أخذ فيها موسى بن جعفر (ع) في صبيحتها فقال لي: كنت عند الوزير الساعة يعني يحيى بن خالد فحدثني أنه سمع الرشيد يقول عند قبر رسول الله كالمخاطب له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إني أعتذر إليك من أمر قد عزمت عليه، فإني أريد أن آخذ موسى ابن جعفر (ع) فأحبسه لاني خشيت أن يلقي بين أمتك حربا يسفك فيه دمائها، وإني أحببت أن آخذه غدا. فلما كان غدا أرسل إليه الفضل بن الربيع وكان

[ 274 ]

يصلي في مقام رسول الله (ص)، فأمر بالقبض عليه فحبسه، والاخبار الواردة فيما جرى عليه قبل الوفاة من هذا الرشيد العنيد من الحبس والوعد والوعيد والجفاء والتهديد ما تضيق به الكتب والاقلام، فلنقتصر على ما أوردناه حذرا من الاطالة والاكثار. وكان مولده (ع) بالابواء موضع بين مكة والمدينة يوم الاحد لسبع من شهر صفر سنة ثمان وعشرين ومائة، وكانت سنين إمامته (ع) بقية ملك المنصور عشر سنين ثم ملك المهدي خمسة عشر سنة، واستشهد مسموما بحبس الرشيد على يد السندي بن شاهك يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رجب، وأمه حميدة المصفاة وكانت مدة إمامته (ع) خمسة وثلاثون سنة، وكان يكنى أبا إبراهيم وأبا الحسن وأبا علي، ويعرف بالعبد الصالح والعالم وبالكاظم والنفس الزكية وزين المجتهدين والوفي والصابر والزاهد والممتلي والمبتلي وما أحسن ما قال المصنف رحمه الله حيث يقول: [ جلت مصيبة أحمد في آله * فرمتهم الاعدا بسهم نكال ] [ تبا لها من أمة قد جردت * سيف البغات بهم وقوس نبال ] [ كم جرعتهم من قداح سمومها * حتى غدوا صرعى بكل مجال ] [ ما مات منهم سيد بفراشه * بل مات مقتولا بشر قتال ] [ أما بسيف أو بسهم ناقع * والهفتاه لهم وعظم وبال ] [ لا زال من بعد النبي عدوهم * يسعى لهم بالقهر والاذلال ] [ فلقد أصيبوا من بني العباس ما * زادوا على سفهاء كل ضلال ] [ سفها أمية سيما ما قد جرى * بالطهر موسى مجمع الافضال ] [ من عجلها ذاك العنيد رشيدها * قد زاد فعل يزيدها بفعال ] [ خرت لمصدرها سماوات العلا * والارض في رجف وفي زلزال ] [ والعرش منحرف كذا كرسيها * والعالم العلوي في أغوال ] [ لا غرو إن كسفت له الشمس الضحى * والنجم خر وكل ما هو عالي ]

[ 275 ]

[ فلالبس عليه ثوب كآبة * ما دمت حيا لا نقضى الآجال ] [ لهفي لدين محمد من بعده * أضحى ولا حام إليه ووالي ] [ لعنت بنو العباس أشأم لعنة * من ربها وغدت بشر وبال ] [ وغدت صلاة الله مع تسليمه * تهدى لاحمد دائما والآل ] وهذا آخر ما وجدناه من الاخبار في ذكر وفاته وسببها وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

[ 277 ]

وفاة الامام علي الرضا " عليه السلام " تأليف العلامة الشيخ أحمد بن الشيخ صالح بن طمعان القديحي القطيفي

[ 279 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي اختص محمدا (صلى الله عليه وآله) في القدم، وهدم بوجودهم سور العدم، وفضلهم على جميع الامم، وكل مرسل ونبي وخصهم بعد أن جعلهم أولياء النعم، بالابتلاء تقدم بفضائع المصاب وفجائع الازم، التي لم يصبر عليها من لدن آدم، والصلاة والسلام عليهم ما أضاء النهار وما الليل ادلهم. أما بعد: فيقول المفتقر لعفو ربه المنان، أحمد بن صالح بن طعان، لما جرت عادة أهل الايمان، بإظهار شعائر الاحزان، في أيام وفاة الائمة والاعيان، واتفق وقت وفاة الامام الهمام، والاسد الضرغام، المظلوم المسموم، الحاوي لجميع العلوم، علي بن موسى الرضا (ع) غريب خراسان في مكان كنت غريبا فيه عن الاوطان، بعد انقضاء حج الاسلام، وزيارة جده (ص) سيد ولد عدنان، وكنت صفر الكف من الكتب المؤلفة في هذا العنوان، انتهزت فرصة من الزمان، واختلست برهة قليلة من أوقات الدهر الخوان المعاند لاهل الايمان، جمعت فيها ما يتعلق بنبذ من فضائله، ومناقبه، ورزاياه ومصائبه، وسميتها (قبسة العجلان، في وفاة غريب خراسان). فأقول وبالله المستعان، وعليه التكلان، قد دل صحيح البرهان، وصريح السنة والقرآن، على أن محمد وآله الاعيان، علة الامكان والاكوان،

[ 280 ]

وأنهم أول بارز من حمى خزانة الرحمن، وأن الوجود بهم فتح بابه، وبهم يختم كتابه، فكانوا صلوات الله عليهم في هذه الدار الفانية في علو الشان، بعد بروزهم من عالم الغيب إلى عالم العيان، نجوما زاهرة، وأنوار ظاهرة، كلما خفي نجم بدا نجم، وكلما انطمس علم بدا علم، وأعدائهم الذين هم قائمون على سوق الجد والاجتهاد في إطفاء تلك الاشعة الظاهرة كالنار على العلم (يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) (1) فكم كابدت تلك الفرقة المحمدية، والسلالة العلوية، والسترة الفاطمية، من أجلاف التيمية والعدوية وأسلاف الاموية الغوية، والعجب كل العجب مما ارتكبته فيهم العباسية الغبيبة، حيث لم يألوا فيهم آلا ولا ذمة ولا قرابة نسبية، ولا حمية إسلامية ولا جاهلية، ولم يكفهم غصبهم حق الامامة التي هي الرئاسة الكلية، بل تركوهم في هذه الدنيا الدنية، بين مسموم ومذبوح ومفقود بين البرية ومسجون ومطرود في البرية، حتى انتهت النوبة إلى الامام الثامن، الذي هو لمن زاره على بعد مداه بالجنان ضامن، فإنه لما قام بأعباء الخلافة الحقية، وعمر أقطار الارض بولايته العدلية، وسيرته المعصومية، وشريعته المحمدية، وشجاعته العلوية، وسخاوته الحسنية، وصلابته الحسينية، وعبادته السجادية، وعلومه الباقرية، وسياسته الصادقية، وحلومه الكاظمية، وأخلاقه الرضوية، هم به طاغية زمانه الهموم وعزم على تقطيع كبده الشريفة بذعاف السموم، حتى قضى بالسم نحبه ولقي بالكرب ربه الحي القيوم. شعر للمؤلف رحمه الله تعالى: [ يا حبذا عترة بدأ الوجود بهم * وهكذا بهم ينها ويختتم ] [ من مثلهم ورسول الله فاتحهم * وسبطه العقد والمهدي ختمهم ] [ فمن تولى سواهم إنهم ندموا * إذ في الممات على ما قدموا قدموا ] * (هامش ص 280) (1) سورة التوبة، الآية: 32. *

[ 281 ]

[ فما لتيمهم تمت شقاوتها * أهل لها قدم في المجد أو قدموا ] [ وهل عدي عدتها كل منجية * تعد من خلفاء الله ويحكم ] [ أمسقط البضعة الزهرا وغاصبها * يدعى خليف أبيها بئسما حكموا ] [ وهل أمية لا امت بمغفرة * ولا نحت سوحها من رحمة ديم ] [ تنوش هذب ذيول للهدى سدلت * من الاله لها الاملاك تحترم ] [ فيا لها إمرة رام الطغاة بها * ما ليس تبلغها حقا سهامهم ] [ حتى امتطا واسع الاعفاج كاهلها * فأصبح الحق فيهم وهو مهتضم ] [ وسن سب إمام الحق معتديا * وشب حربا له شابت به اللمم ] [ ونصها وهو لص في يزيد فلم * يزد بها منه غير النقص بل عدم ] [ فجلل الكون من قتل الحسين بما * لم يقض من حقه ذي العالم الجمم ] [ فكم بطيبة فض المحصنات وكم * أريق للمصطفى في كربلاء دم ] [ وكم قصيرة خدر للرسول غدت * قصيرة الحزن لم تقصر لها نهم ] [ أزفها ترقب الانضاء خدمتها * والشمس لا خدم عنها ولا خيم ] [ وألبس السيد السجاد ثوب أسى * تبلى الجبال ولا تبلى له لحم ] [ إلى أن اغتصبت بالسم مهجته * من الوليد عليه اللعن يرتكم ] [ وباقر العلم من سم ابنه كسفت * ذكي بكاه الذي تحيا به الامم ] [ وهكذا لم تزل آل النبي لهم * أغراض جور بها أعراضهم هدموا ] [ كم أوحشوا مسجدا منهم وكم أنست * بهم سجون بها الاسلام ينرغم ] [ ولا كمثل بني العباس لا رقبوا * إلا ولا ذمة بل رحمهم جذموا ] [ ولا حمية إسلام ولا عرب * رعوا ولا من رسول الله قربهم ] [ لم يكفهم غصبهم حقا به شهدت * به ثقات لهم عن جورهم كرموا ] [ جنوا بمثل الذي تجني أمية بل * على طنابيرهم زادت لهم نغم ] [ سم الرشيد لموسى في السجون كما * سم الرضا غيلة مأمونه الاثم ] قال: لما انتقل الامام موسى بن جعفر الكاظم (ع) إلى دار السلام،

[ 282 ]

وجوار الملك العلام، بعد أن قاسى مرارات السموم مرة بعد مرة، وتجرع كاسات الهموم مرة بعد مرة، ومض حرارات السجون كرة بعد كرة، جاءت إليه حبابة الوالبية (رض) تطلب منه دلالة الامامة، كما طلبت من آبائه أهل العصمة عليهم السلام والكرامة، فأشار إليها بأن تأتيه بتلك الحصاة التي طبع فيها أمير المؤمنين (ع)، وأمرها بأن تأتي بها أولاده المعصومين لتميز لها الفرق ممن يدعي الامامة بين المحقين والمبطلين، فطبع لها فيها بخاتمه الشريف حيث كانت تحت يده كالعجين، وعاشت بعد ذلك تسعة أشهر ثم انتقلت إلى رحمة رب العالمين. وفي خبر آخر: أنها لما صارت إلى الرضا (ع) ورأت شخصه الكريم ضحكت فقالوا: قد خرفت يا حبابة ونقص عقلك، فقال (ع): ما خرفت حبابة ولا نقص عقلها، ولكن جدي أمير المؤمنين (ع) أخبرها بأنها عند لقائي تكون منيتها وأنها تكون من المكرورات مع المهدي (ع) عجل الله فرجه من ولدي، فضحكت شوقا لذلك وسرورا به وفرحا بقربها منه، فقالوا: نستغفر الله يا سيدنا ما علمنا هذا فقال: يا حبابة ما قال لك جدي أمير المؤمنين (ع) إنك ترين ؟ قالت: قال لي إنك ترين برهانا عظيما فقال لها: يا حبابة أما ترين بياض شعرك ؟ قالت: بلى يا مولاي قال: فتحبين أن تريه أسودا حالكا في عنفوان شبابك ؟ قالت نعم، قال (ع) يجزيك ذلك أو أزيدك ؟ قالت: زدني من فضل الله عليك قال: أفتحبين أن تكوني مع سواد الشعر شابة ؟ قالت: نعم، فدعا بدعوات خفية حرك بها شفتيه فعادت شابة غضة سوداء الشعر، ثم قامت فتشت نفسها فرأتها بكرا ثم قالت: النقلة إلى الله تعالى فلا حاجة لي في الدنيا، فقال (ع): ادخلي إلى امهات الاولاد فجهازك هناك مفرد، فلم تلبث إلا مقدار ما عاينت جهازها حتى تشهدت وتوفيت رحمها الله تعالى. فقال (ع) رحمك الله يا حبابة، ثم أمر (ع) بتجهيزها فجهزت وصلى عليها مع شيعته وحملت إلى حفرتها وأمر (ع) بزيارتها وتلاوة القرآن والتبرك بالدعاء عندها.

[ 283 ]

وفي غيبة الشيخ الطوسي: والتصريح بأن الرضا (ع) كفنها في قميصه والترجيح لما دل على بقاءها بعد ذلك تسعة أشهر لقوته بالاشتهار في المعتمد عليه من كتب الاخبار، هذا ولم يزل الرشيد أيام حياته يتربص به الدوائر العظام ويقصده بالسجن ويجرعه الآلام حتى ألقاه في بركة السباع كما فعل بأبيه الكاظم (ع) إلا أن الرضا لعلمه بأن الذي يجسر بإهلاكه إنما هو المأمون بما يكيده به هارون. وفي مهج الدعوات: قال الفضل بن الربيع اصطبح الرشيد يوما ثم استدعى حاجبه فقال له: امض إلى علي بن موسى العلوي وأخرجه من الحبس والقه في بركة السباع، قال الربيع: فما زلت ألطف به وأرفق وهو لا يزداد إلا غضبا وقال: والله لئن لم تلقه إلى السباع لالقينك عوضه، قال: فمضيت إلى علي بن موسى الرضا فدخلت عليه وقلت: إن أمير المؤمنين أمرني بكذا وكذا فقال (ع): إفعل ما أمرت به فإني مستعين بالله عليه، وهو يمشي معي إلى أن انتهيت إلى البركة، ففتحت أبوابها وأدخلته فيها وفيها أربعون سبعا، وعندي من الغم والقلق أن يكون قتل مثله على يدي ثم عدت إلى موضعي، فلما انتصف الليل أتاني خادمه وقال: إن أمير المؤمنين يدعوك فصرت إليه فقال: لعلي أخطأت البارحة بخطيئة وأتيت منكرا، فإني رأيت البارحة مناما هالني، وذلك أني رأيت جماعة من الرجال دخلوا علي وبأيديهم سائر السلاح وفي وسطهم رجل كأنه القمر فدخل إلى قلبي منه هيبة فقال لي منهم قائل: هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) فتقدمت إليه لاقبل يديه فصرفني عنه وقال: (أفهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم) (1) ثم حول وجهه عني ودخل بابا، فانتبهت فزعا مذعورا لذلك. فقلت: يا أمير المؤمنين أمرتني أن ألقي علي بن موسى الرضا للسباع فقال لي: يا ويلك ألقيته ؟ فقلت:


(1) سورة محمد، الآية: 22. (*)

[ 284 ]

إي والله فقال: امض وانظر ما حاله، فأخذت الشمع بين يدي وطالعته فإذا هو قائم يصلي والسباع حوله، فعدت إليه فأخبرته فلم يصدقني، فنهض واطلع عليه فشاهده في تلك الحال فقال: السلام عليك يابن عم، فلم يجبه حتى فرغ ثم قال وعليك السلام يابن عم قد كنت أرجو أن لا تسلم علي في مثل هذا الموضع فقال: أقلني فإني معتذر إليك فقال له: قد نجانا الله تعالى بلطفه فله الحمد، ثم أمر بإخراجه فأخرج فلا والله ما تبعه سبع أبدا فلما حضر بين يدي الرشيد عانقه ثم حمله إلى مجلسه ورفعه إلى سريره فقال يابن عم إن أردت المقام عندنا ففي الرحب والسعة وقد أمرنا لك ولاهلك بمال وثياب فقال له: لا حاجة لي من المال ولا في الثياب، ولكن في قريش نفر يفرق ذلك عليهم، وذكر له قوما فأمر له بصلة وكسوة ثم أمره أن يركب على بغال البريد إلى الموضع الذي يحب، فأجابه إلى ذلك، وقال لي شيعه، فشيعته إلى بعض الطريق. وهكذا كان حاله (ع) في ولاية الرشيد المهيمن حتى تولى بعده ابنه محمد الامين فأخرج الرضا وأنعم عليه، قيل إنه قال بإمامته وأمر باتباعه أهل مملكته فقتله أخوه المأمون واستقل بالامارة، وانقادت له أهل الاشارة، فعامل الامام الرضا (ع) بخشوع الملاق وخضوع النفاق حتى أنه أظهر التشيع وأفشى بين حاشيته وجنده علامات حبه ووده، وأبطن ضغائن حقده حتى أنه أظهر التشيع وأكثر لما جرى على أهل البيت (ع) التوجع والتفجع، وأفشى ذلك بين جميع جنده وأمر الناس باتباعه في حله وعقده بعد مراسلات كثيرة ومعاهدات ومعاقدات شهيرة أعرضنا عن ذكرها وطويناها على غيرها حتى أنه زوجه بأم حبيب وهي ابنته - وقيل أخته رغبة في محبة له وطمعا في إذاعة فضله، إلا أن ذلك لم يكن عن إيمان حقيقي ولا إذعان تحقيقي واقرار تصديقي، بل عن نفاق كامن في الفؤاد وناشئ من احتشاء أسلاف الاسلاف الاجلاف أولي العناد، وليظهر للناس أنه غير زاهد في الدنيا وإنما هو عاجز عن طلب العلياء كما اعترف به غير مقام عند أوليائه الطغام.

[ 285 ]

فإنه لما أراد أن يجعله ولي عهده قال له الرضا (ع): والله لقد حدثني أبي عن آبائه (ع) عن أمير المؤمنين (ع) عن رسول الله (ص) قال: إني أخرج من الدنيا مقتولا بالسم مظلوما تبكي علي ملائكة السماء وملائكة الارض، وأدفن في أرض غربة إلى جنب هارون الرشيد، فبكى المأمون وقال: من ذا الذي يقتلك أو يقدر على الاساءة إليك وأنا حي ؟ فقال الرضا (ع): أما أني لو أشاء أقول لقلت من ذا الذي يقتلني، فقال المأمون: يابن رسول الله (ص) إنما تريد لهذا التخفيف عن نفسك ورفع هذا الامر عنك ليقول الناس أنك زاهد في الدنيا فقال الرضا (ع): والله ما كذبت منذ خلقني ربي عزوجل وما زهدت في الدنيا للدنيا وإني لاعلم ما تريد، فقال المأمون: وما أريد ؟ فقال عليه السلام: أعطني الامان على الصدق فقال: لك الامان قال: تريد بذلك أن يقول الناس إن علي بن موسى لم يزهد في الدنيا بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعا في الخلافة ؟ فغضب المأمون وقال له: إنك تلقاني أبدا بما أكرهه وقد آمنت سطوتي، فبالله اقسم لئن قبلت ولاية العهد وإلا أجبرتك على ذلك فإن فعلت وإلا ضربت عنقك، فقال الرضا (ع): قد نهاني الله أن ألقي بنفسي إلى التهلكة فإن كان الامر على هذا فافعل ما بدا لك. وفي خبر السحائب: أنه إنما جعله ولي عهده ليكون دعاءه إليه وليعترف بالملك والخلافة له وانه ليس له فيه قليل ولا كثير (ولا ينبئك مثل خبير) (1) فلم يزل الرضا (ع) يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر ولا يؤمر وفي كل يوم يظهر له من المعاجز والكرامات ما لا يحصى ولا يحصر فمنها: أن المأمون لما جعله ولي عهده وخليفته من بعده، كان من حاشية المأمون أناس كرهوا خروج الخلافة من بني العباس وخافوا عودها إلى بني فاطمة (ع) المعصومين، فنفروا من الرضا نفورا وكرهوه بغيا منهم، فقد جاؤوا ظلما وزورا، لقد استكبروا في


(1) سورة فاطر، الآية: 14. (*)

[ 286 ]

أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا، وكانت عادة الرضا إذا أراد الدخول على المأمون [ أن ] يبادر من بالدهليز من الحاشية والحجاب بالسلام عليه ورفع الستر بين يديه، فلما نفروا منه تواصوا بينهم وقالوا: إذا جاء الرضا ليدخل على الخليفة أعرضوا عنه ولا ترفعوا الستر له، فلما جاء الرضا على عادته لم يملكوا أنفسهم إلا أن سلموا عليه ورفعوا له الستر على عادتهم، فلما دخل (ع) أقبل بعضهم على بعض يتلاومون وقالوا: النوبة الآتية إذا جاء لا نرفع له الستر، فلما جاء في ذلك اليوم قاموا وسلموا عليه ووقفوا ولم يبتدروا إلى رفع الستر، فأرسل الله ريحا شديدا ودخلت في الستر فرفعته أكثر مما كانوا يرفعونه فدخل، فسكنت الريح فعاد [ الستر ] إلى ما كان عليه، فلما خرج (ع) عادت الريح ودخلت في الستر فرفعته حتى خرج (ع) ثم سكنت فعاد الستر، فلما ذهب (ع) أقبل بعضهم على بعض وقالوا: هل رأيتم ؟ قالوا: نعم فقالوا: يا قوم هذا رجل له عند الله منزلة عظيمة ولله به عناية، ألم تروا أنكم لما لم ترفعوا الستر أرسل الله له الريح وسخرها له كما سخرها لسليمان بن داوود (ع) فارجعوا إلى خدمته فهو خير لكم. فعادوا على ما كانوا عليه وزادت عقيدتهم فيه. شعر للمؤلف رحمه الله تعالى: [ للامام (الرضا) مناقب شتى * قد روتها الاصحاب والاعداء ] [ يعجز الحاسبون عن نشر بعض * ومحال لكلها الاحصاء ] [ كم أتاح العدى له مهلكات * فيجئ الرضا منها الرخاء ] [ سل بها بركة السباع ففيها * معجز للولي فيه الشفاء ] [ رام منها الرشيد فيها افتراسا * للرضا روحنا إليه الفداء ] [ فأتته لعزه خاضعات * إذ بدا من بهائه الكبرياء ] [ وانثنى الرجس خائبا ذاك فضل * الله يؤتيه من عباده من يشاء ] [ وبطبع الحصاة أجلى دليل * إنه للهدى إمام سواء ] [ مظهر إنه خليفة من في * كفه سبح الآله الحصاء ]

[ 287 ]

[ وبرفع الستور رفع ستور * عن مزايا لهن منه اعتناء ] [ كشفت أن في ابن داوود سر * منه إذ سخرت إليه الرخاء ] [ فعليه السلام باق متى ما * أضحك الارض من سماء بكاء ] فما عذر الفئة العباسية عند رب البرية، إذ لم يعتبروا بالعنايات الالهية، ولم يرعوا الرحم النسبية، ولا الحمية الجاهلية ولا الغيرة الاسلامية. وعن الامام العسكري (ع): أن المأمون لما جعل الرضا ولي عهده احتبس المطر، فجعل بعض حاشية المأمون والمبغضون للرضا (ع) يقولون: انظروا لما جاء علي بن موسى الرضا وصار ولي عهدنا احتبس المطر عنا، واتصل ذلك بالمأمون فاشتد عليه فقال المأمون للرضا: قد احتبس المطر فلو دعوت الله أن ينزل المطر على الناس فقال الرضا (ع): نعم، قال: فمتى تفعل ذلك ؟ قال يوم الاثنين، وكان ذلك اليوم يوم الجمعة، فلما كان يوم الاثنين خرج إلى الصحراء وخرج الناس ينظرون، فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: اللهم يا رب قد عظمت حقنا أهل البيت، فتوسلوا بنا كما أمرت، وأملوا فضلك ورحمتك، وتوقعوا إحسانك ونعمتك، فاسقهم سقيا نافعا غير رائث ولا ضائر، وليكن ابتداء مطرهم بعد انصرافهم من مشهدهم هذا إلى منازلهم، فوالله الذي بعث محمدا بالحق نبيا لقد نسجت الرياح في الهواء الغيوم وأرعدت وأبرقت، وتحرك الناس كأنهم يريدون التنحي عن المطر فقال الرضا (ع): على رسلكم أيها الناس إنما هي لاهل بلد كذاوكذا، ثم جاءت سحابة أخرى فتحركوا فقال (ع): على رسلكم إنما هي لاهل بلد كذاوكذا حتى جاءت عشر سحائب وعبرت وهو يقول: إنما هي لاهل بلد كذاوكذا، فأقبلت سحابة حادية عشر فقال (ع): أيها الناس هذه بعثها الله لكم فاشكروه على ما تفضل به عليكم وقوموا إلى منازلكم ومقاركم، ثم يأتيكم من الخير ما يليق بكرم الله تعالى.

[ 288 ]

ونزل عن المنبر وخرج الناس فما زالت السحابة ممسكة إلى أن قربوا من منازلهم ثم جاءت بوابل المطر فملات الاودية والحياض والغدران والفلوات فجعل الناس يقولون: هنيئا لابن رسول الله (ص) بكرامات الله تعالى فقال بعض الحساد ارضاء للمأمون: يا أمير المؤمنين أعيذك أن يكون تاريخ الخلفاء في إخراجك هذا الشرف العميم والفضل العظيم من ولد العباس إلى بيت ولد علي (ع)، ولقد أعنت على نفسك جئت بهذا الساحر ولد السحرة وقد كان خاملا فأظهرته، ومستخفيا فأظهرته ورفعته، ومنسيا فذكرت به، ومخفيا فنوهت به بل ما أخوفني إلى أن يتوصل بسحره إلى إزالة نعمتك والتوثب على مملكتك، هل جنى أحد على نفسه وملكه مثل جنايتك أنت ؟ فقال المأمون: وقد كان هذا الرجل مستترا عنا يدعو إلى نفسه، فأردنا إن نجعله ولي عهدنا ليكون دعاؤه لنا وليعترف بالملكة والخلافة لنا، وليعتقد فيه المفتونون به أنه ليس مما ادعى في قليل ولا كثير وأن هذا الامر لنا من دونه وقد خشينا أن تركناه على تلك الحال أن يفتق علينا ما لا نسده ويأتي علينا منه مالا نطيقه، والآن إذ قد فعلنا به ما فعلنا وأخطأنا في أمره ما أخطأنا وأشرفنا على الهلاك منه ما أشرفنا فليس يجوز التهاون في أمره، ولكن نحتاج إلى أن نضع منه قليلا قليلا حتى نصيره عند الرعية بصورة من لا يستحق هذا الامر ثم ندبر فيه ما يحسم عنا مواد بلائه، فقال الرجل: ولني مجادلته فإني أفحمه وأصحابه وأضع من قدره، ولولا هيبتك في صدري لاريتك قصوره وأنزلته منزلته، فقال المأمون: لك ذلك. ثم أمر المأمون باجتماع الناس فاجتمعوا فقال ذلك الحاسد للامام (ع): إن الناس قد أكثروا عنك الحكايات لدعوتك في المطر المعتاد، لقد عدوت طورك وتجاوزت محلك أن بعث الله تعالى بمطر مقدر لوقته يتقدم ولا يتأخر فجعلته آية تستطيل بها وصولة تصول بها كأنك جئت بآية الخليل إبراهيم (ع) لما أخذ برؤوس الطيور ودعا بأعضائها التي فرقها على رؤوس الجبال فأتينه سعيا وركبن على الرؤوس، وكلمته بأذن الله تعالى، فإن كنت صادقا فاحيي هاتين الصورتين اللتين على مسند المأمون وسلطهما علي فإن ذلك يكون لك آية

[ 289 ]

ومعجزة فغضب عليه (ع) وصاح بالصورتين: دونكما الفاجر الكافر فافترساه ولا تبقيا له عينا ولا أثرا، فوثبت الصورتان وقد صارتا أسدين فتناولا الحاجب ورضضاه وهشماه وأكلا لحمه ولحسا دمه والقوم ينظرون متحيرين، فلما فرغا منه أقبلا على الرضا (ع) وقالا: يا ولي الله مرنا نفعل بالمأمون كما فعلنا بهذا الفاجر فقال (ع): عودا إلى مقركما كما كنتما فإن لله تعالى فيه تدبير، فلما سمع المأمون ذلك وقع مغشيا عليه فقال الرضا (ع): صبوا عليه ماء الورد وطيبوه، ففعلوا فأفاق من غشوته وعاد الاسدان إلى مكانهما فقال المأمون: الحمد لله الذي كفانا شر حميد بن مهران ثم قال للرضا: يابن رسول الله (ص) هذا الامر لجدكم رسول الله ثم لكم. ولم يزل المأمون ضئيلا إلى أن قضى في علي بن موسى الرضا ما قضى فيا ويل أولئك الارجاس من بني العباس كيف حملهم حب الدنيا الدنية على قطع رحمهم مع اعترافهم بأنهم سادات الناس وكيف لا يستخفون من الله ويستخفون من الناس. شعر للمؤلف رحمه الله: [ أولى فأولى لهم ما ذنب حيدرة * فيهم ليغشاه في أولاده الالم ] [ أليس لم يأل في العباس جدهم * جدا ايجلب الذي فيه له الغم ] [ فدونكم سبة شنت اغارتهم * افعالكم إنها أفعالكم تصم ] وعن سليمان الجعفري قال: كنت مع الرضا في حائط له وأنا أحدثه إذ جاء عصفور فوقع بين يديه وهو يكثر الصياح ويضطرب، فقال (ع): أتدري ما يقول ؟ فقلت: الله ورسوله وابن رسوله أعلم فقال (ع): يقول لي: إن حية تريد أن تأكل أفراخي في البيت فقم وخذ تلك النسعة واقتلها، قال: فأخذت النسعة ودخلت البيت وإذا أنا بحية تجول في البيت فقتلتها. وعن عمار بن زيد قال: خرجت مع سيدي علي بن موسى الرضا (ع) إلى

[ 290 ]

بيت الله الحرام، وكان معي مولى لي فاعتل بعلة في الطريق واشتهى عنبا فقلت له: ويحك ليس في هذا المكان عنب، فبينما أنا معه في الكلام وكنت بعيدا من الامام إذ جاءني خادمه وقال لي: يقول لك سيدي علي بن موسى الرضا ان مولاك اشتهى عنبا فانظر قدامك ترى العجب العجاب، قال: فنظرت فإذا أنا بحديقة عظيمة وفيها عنب ورمان فدخلت وأخذت من ذلك العنب والرمان وأتيت به إلى غلامي وأكلنا معه، فلما رجعنا إلى بغداد دخلت على الليث بن سعيد وإبراهيم بن سعيد الجوهري، وقصصت عليهما القصة فتعجبا من ذلك وقاما ودخلا على علي بن موسى الرضا وأخبراه بما أخبرهما به عمار بن زيد عنه فقال (ع): وليس ذلك عليكما ببعيد انظرا هاهنا، فنظرا وإذا بحديقة فيها من الفواكه ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين فسرا بذلك سرورا عظيما وقالا: نشهد أنك ابن رسول الله (ص) ووصيه حقا وحجة في أرضه وسمائه، وأنت باب الدين وعماده، وحجة الله على عباده بعد آبائك الطاهرين. وعن علي بن محمد القاشاني قال: أخبرني بعض أصحابنا أنه قال حملت إلى علي بن موسى الرضا (ع) مالا خطيرا فلم أره سر به فاغتممت لذلك وقلت في نفسي: قد حملت هذا المال وما سر به فقال: يا غلام علي بالطشت والماء، ثم قعد (ع) على كرسي وقال للغلام: صب علي الماء، فصبه فجعل يسيل من بين أصابعه في الطشت ذهبا أحمرا ثم التفت إلى وقال: من كان يفعل هكذا لا يبالي بما حمل إليه فهذا قليل من كثير ونقطة من غدير. فبالله عليكم يا أولي الالباب الصافية والافكار الصاحية أمن العدل والانصاف أن يستحق هذا الامام الذي هو من سادات الاشراف وأهل الاعراف أن تقطع أمعائه بالسموم القاتلة ويقصد بالهموم الهائلة والغموم الغائلة، ويجرع بالآلام الشديدة والمضار المبيدة بعد ظهور فضائله الساطعة وأنوار مناقبه اللامعة ؟ وهل يجوز أن يسم في الرمان والعنب من كان يظهرهما ويطعمهما الناس في غير أوانهما المرتقب ؟ فلما تمت للامام (ع) ولاية العهد التي كانت

[ 291 ]

له أهلا ومحلا إذ كانت الامامة له حقا وأصلا قد ارتضع أخلاقها طفلا وتربية وناشئا وكهلا، فقصدته الشعراء وأذعنت لطاعته القواد والحجاب والامراء والعلماء والوزراء، وكانت الشعراء تقصد المأمون أيضا وتصوب رأيه في جعله الامام الرضا للشيعة آية ورواية إلا أبو نؤاس فإنه لم يفعل كما فعل غيره من الناس فقال له المأمون: قد علمت مكان علي بن موسى مني وما أكرمته به فلماذا ادخرت مدحه ورأيتك شاعر زمانك وقريع دهرك ؟ فأنشد يقول: [ قيل لي أنت أعرف الناس طرا * بالمعاني وبالكلام البديه ] [ لك من جوهر الكلام بديع * يثمر الدر في يدي مجتنيه ] [ فلماذا تركت مدح ابن موسى * والخصال التي تجمعن فيه ] [ قلت لا استطيع مدح إمام * كان جبريل خادما لابيه ] ولعمري لقد أصاب وأجاد بإقراره بالعجز عن الجري في شأوى هذا الجواد، فإن شأن هذا الامام وآبائه الكرام لا يعرفه إلا الملك العلام فقصارى البلغاء الاقرار بالقصور عن الخوض في لج ذلك البحر الطمطام، وغاية الشجعان الاحترام لحرم ذلك الاسد الضرغام. وفي العيون وغيره أنه لما كان في مرو دخل عليه دعبل الخزاعي رحمه الله تعالى وأنشد هذه القصيدة: [ مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصات ] [ لآل رسول الله بالخيف من منى * وبالركن والتعريف والجمرات ] [ ديار علي والحسين وجعفر * وحمزة والسجاد ذي الثفنات ] [ منازل وحي الله ينزل بينها * على أحمد المذكور في السورات ] [ منارل قوم يهتدى بهداهم * فتؤمن منهم زلة العثرات ] [ منازل كانت للصلاة وللتقى * وللصوم والتطهير والحسنات ] [ ديار عفاها جور كل معاند * ولم تعف بالايام والسنوات ] [ قفا نسأل الدار التي خف أهلها * متى عهدها بالصوم والصلوات ]

[ 292 ]

[ وأين الاولى شطت بهم غربة النوى * أفانين في الاطراف مفترقات ] [ أفاطم لو خلت الحسين مجدلا * وقد مات عطشانا بشط فرات ] [ إذا للطمت الخد فاطم عنده * وأجريت دمع العين على الوجنات ] [ أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي * نجوم سماوات بأرض فلاة ] [ قبور بكوفان وأخرى بطيبة * وأخرى بفخ نالها صلوات ] [ وقبر بأرض الجوزجان محلها * وقبر بباخمرا لدى الغربات ] [ وقبر ببغداد لنفس زكية * تضمنها الرحمن في الغرفات ] وفي بعض تأليفات أصحابنا قال دعبل (ره): فعلت زفرات الرضا (ع) وتأججت حسراته وتحدرت، وقال: وا قتيلاه وا غريباه وا حسيناه وا عظم مصيبتاه، ليت الموت أعدمني الحياة بنفسي أفدي جدي أسير الكربات وساكب العبرات وقتيل الطغاة، يا لها من مصيبة ما أعظمها ورزية ما أكبرها، يا دعبل هيجت علي أحزانا ساكنة وقد كانت في فؤادي كامنة لقد حل بهم الرزء العظيم والخطب الجسيم والمصيبة العظمى التي تزلزلت لها الجبال الرواسي وبكت لها السماء دما. أقول إن أرض (الجوز جان) في خراسان والمقتول فيها يحيى بن زيد بن علي بن الحسين (ع) قتل في أيام الوليد بن عبد الملك، قتله عامله سالم بن أحور المازني (لع) واحتز رأسه وأنفذه إلى الوليد وصلب جسده ومثل به، وقيل: إنهم لما كتبوا إلى الوليد بخبره كتب إليهم: أحرقوا عجل العراق وانسفوه في اليم نسفا، فأنزلوا جسده (ع) وأحرقوه ثم ذروه في الريح والهواء، و (باخمرا) موضع على ستة عشر فرسخ من الكوفة والمقتول فيها إبراهيم بن عبد الله بن الحسن (ع) في أيام الدوانيقي وما يوجد في النسخ المتداولة في هذه الازمان من تبديلها ب‍ (سامراء) فهو غلط واضح وخلط فاضح، وأما (فخ) فهو بئر على فرسخ من مكة المقتول فيها أبو عبد الله الحسين بن علي بن الحسن ابن عم الكاظم (ع)، وإنما خرجنا عن نمط هذا العنوان للاشتباه في (باخمر) أو أرض

[ 293 ]

(الجوزجان) فمست الحاجة للبيان. وفي رواية الصدوق (ره) أنه لما وصل دعبل الخزاعي (ره) إلى قوله (وقبر ببغداد لنفس زكية) قال له الرضا (ع): أفلا ألحق لك ببيتين يكون بهما تمام قصيدتك ؟ فقال: بلى يا ابن رسول الله فقال (ع): [ وقبر بطوس يا لها من مصيبة * ألحت على الاحشاء بالحرقات ] [ إلى الحشر حتى يبعث الله قائما * يفرج عنا الغم والكربات ] فقال دعبل: يابن رسول الله هذا القبر الذي تذكره بطوس قبر من ؟ فقال الرضا: هو قبري ولا تنقضي الايام والليالي حتى تصير طوس مختلف شيعتي وزواري، ألا فمن زارني في غربتي بطوس كان معي في درجتي يوم القيامة مغفورا ذنبه ثم أنشأ دعبل: [ فأما الممضات التي لست بالغا * مبالغها مني بكنه صفات ] [ نفوس لدى النهرين من أرض كربلا * معرسهم فيها بشط فرات ] [ توفوا عطاشا بالفرات فليتني * توفيت فيهم قبل حين وفاتي ] [ إلى الله اشكو لوعة عند ذكرهم * سقتني بكأس الثكل والفظعات ] [ لهم كل حين نومة بمضاجع * ثوت في نواحي الارض مختلفات ] [ بنفسي أنتم من كهول وفتية * لفك عناء أو لحمل ديات ] [ ألم تر إني مذ ثلاثين حجة * أروح وأغدو دائم الحسرات ] [ أرى فيئهم في غيرهم متقسما * وأيديهم من فيئهم صفرات ] [ وكيف أداوى من جوى لي والجوى * أمية أهل الفسق والتبعات ] [ وبنات زياد في القصور مصونة * وآل رسول الله في الفلوات ] [ ديار رسول الله أصبحن بلقعا * وآل زياد تسكن الحجرات ] [ وآل رسول الله تدمى نحورهم * وآل زياد آمنوا السربات ] [ وآل رسول الله تسبى حريمهم * وآل زياد ربة الحجلات ] [ وآل رسول الله نحف جسومهم * وآل زياد غلظوا القصرات ]

[ 294 ]

[ رزايا أرتنا خضرة الافق حمرة * وردت أجاجا طعم كل فرات [ سأبكيهم ما ذر في الارض شارق * ونادى منادي الخير للصلوات ] [ وما طلعت شمس وحان غروبها * وبالليل أبكيهم وبالغدوات (1) ] وفي رواية الصدوق (ره) أنه لما وصل دعبل (رض) إلى قوله: [ خروج إمام لا محالة خارج * يقوم على اسم الله والبركات ] [ يميز فينا كل حق وباطل * ويجزى على النعماء والنقمات ] بكى الرضا بكاء شديدا ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الامام ومتى يقوم ؟ فقال: لا يا مولاي إلا أني سمعت بخروج إمام منكم يطهر الارض من الفساد ويملاها قسطا وعدلا كما ملئت من قبل مخرجه ظلما وجورا، فقال (ع): يا دعبل الامام بعدي ابني محمد (ع)، وبعد محمد ابنه علي (ع)، وبعد علي ابنه الحسن (ع)، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله تعالى ذلك اليوم حتى يخرج فيملاها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، وأما متى فاخبار عن الوقت ولقد حدثني أبي (ع) عن آبائه (ع) عن علي (ع) عن النبي (ص) قيل له: يا رسول الله متى يخرج القائم من ذريتك ؟ فقال (ص): مثله مثل الساعة لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والارض لا تأتيكم إلا بغتة. فلما فرغ دعبل من إنشاد القصيدة أنفذ إليه الرضا (ع) بمائة دينار رضوية وقال اجعلها في نفقتك فقال دعبل (رض): والله ما لهذا جئت ولا قلت هذه القصيدة طمعا في شئ، فرد الصرة وسأله ثوبا من ثيابه ليتبرك به فأنفذ إليه جبة خز مع الصرة وقال للخادم: قل له خذ هذه الصرة فإنك ستحتاج إليها ولا


(1) القصيدة مؤلفة من 115 بيت موجودة في ديوان دعبل بن علي الخزاعي ص 124. (*)

[ 295 ]

تراجعني فيها، فحصل له ببركة هذه الدنانير والجبة السنية كرامات كثيرة ومنافع غير يسيرة ترد عنها عيون الاعداء وهي حسيرة. ولما جاء يوم العيد بعد قبول الامام ولاية العهد بالعيد الاكيد بعث المأمون للرضا يسأله أن يركب ويحضر العيد ويخطب فقال (ع): قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخولي في هذا الامر فقال المأمون: إنما أريد بهذا الامر أن يرسخ في قلوب العامة، فلما ألح عليه قال: إن اعفيتني من ذلك فهو أحب إلي وإن لم تعفني خرجت كما يخرج رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) فقال: اخرج كما تحب، وأمر المأمون القواد أن يبكروا إلى باب أبي الحسن (ع) فقعد الناس في السطوح والطرقات من الرجال والنساء والصبيان، واجتمع القواد على باب الرضا (ع) فلما طلعت الشمس اغتسل وتعمم بعمامة بيضاء من قطن وألقى طرفا منها على صدره وطرفا بين كتفيه ثم قال لجميع مواليه: افعلوا مثلما فعلت ثم أخذ بيده عكازا وخرج وهو حاف قد شمر سراويله إلى نصف الساق وعليه ثياب مشمرة، ثم رفع رأسه إلى السماء وكبر أربع تكبيرات فخيل للناس أن الهواء والحيطان تجاوبه، ثم وقف على الباب وقفة وقال: الله أكبر الله أكبر الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام والحمد لله على ما بلانا ورفع بذلك صوته وكذا أصحابه فتزعزعت مرو من البكاء والصياح فقالها ثلاث مرات فتساقط القواد ورموا بخفافهم، فلما نظروه بكوا وصارت مرو في ضجة واحدة ولم يتمالك الناس من البكاء والصيحة وكان (ع) يمشي ويقف في كل عشر خطوات وقفة ويكبر الله تعالى أربع تكبيرات، فتخيل للناس أن السماء والارض والحيطان تجاوبه فبلغ المأمون ذلك فقال للفضل بن سهل: إن بلغ الرضا المصلى وهو على هذا السبيل افتتن به الناس، فالرأي أن تسأله يرجع فبعث المأمون إليه يسأله الرجوع فدعا أبو الحسن (ع) بخفه فلبسه ورجع فلم ينتظم أمر الناس فويل للمأمون الحسود، في اليوم الموعود، من مخالفة العهود، وما ارتكبه من إمام زمانه المفضال، ومن نصب حبائل الاغتيال، وجد الحد في الاحتيال في خفض شأنه العال

[ 296 ]

ولم يرقب وصية الرسول في الآل التي لا يزال يظهرها بين الناس ويحوطها بالجدال فيا لله من تلك الافعال، التي تنهد منها الجبال، فتبت يداه كما تبت يدا أبي لهب، ما أغنى عنه ماله وما كسب، سيصلى نارا ذات لهب، إذ ارتكب من إمامه ما ارتكب. شعر للمؤلف (ره): [ لله ما ناله المختار من كرب * عظيمة لم تنل في جملة الحقب ] [ وصية زيد عن حق وبضعته * من بعد غضب قضت بالضغط والنصب ] [ وسبطه حسن قد سم في لبن * ولم ينل في بيان الحق من أرب ] [ أما الحسين فقد قاسى بمقتله * ما لم ينله نبي أو وصي نبي ] [ فسم سجادهم والحبر باقرهم * والبحر صادقهم مع كاظم الكرب ] [ ولم تزل آله رهن النوائب في * سم وسجن وفي صلب ومغترب ] [ وإن نسيت فللا أنس الرضا فلقد * قاسى من الحزن ما يقضي إلى العطب ] [ حتى تقيا بسم ناقع كبدا * عزت على المصطفى مع آله النجب ] [ فلا استلذوا برمان ولا عنب * لانه سم في الرمان والعنب ] [ فيا بني المجد جودوا بالبكاء على * سما ابن موسى بدمع يخجل السحب ] [ ولا تهنوا بعيد إذا به خرجت * نفس الرضا من أذى المؤمون ذي الكذب ] [ يصده عن صلاته العيد فيه على * ما سنه الله بعد الحث والطلب ] [ لكي يخجله بين الانام ويأبى الله * إلا ما ارتقاه عالي الرتب ] وكلما شاعت فضائل الامام (ع) وذاعت فضائله بين الانام حسده المأمون الخؤون، وأضمر له الحقد والضغون حتى ضاق صدره بما لا تحمله البطون إلى أن بلغ به الحال إلى طرد الناس عن مجلسه والاستخفاف بشأنه العال، فلما صدر ذلك الاستخفاف في مجلسه من ذلك المنافق الجاف بالامام (ع) قدوة الاشراف خرج أبو الحسن (ع) من مجلسه مغضبا وهو يدمدم ويحرك شفتيه ويقول: بحق المصطفى وعلي المرتضى وسيدة النساء (ع) لاستنزلن من حول

[ 297 ]

الله تعالى وقوته بدعائي عليه ما يكون سببا لطرد كلاب هذه الكورة إياه واستخفافهم به وبخاصته وعامته. ثم انه (ع) انصرف إلى مركزه واستحضر الميضأة وصلى ركعتين ودعا في قنوته الثانية بدعاء طويل قال في آخره: ياقوي يا منيع يا علي يا رفيع صل على من شرفت الصلاة بالصلاة عليه، وانتقم لي ممن ظلمني واستخف بي وطرد الشيعة عن بابي، وأذقه مرارة الذل والهوان كما أذاقنيها واجعله طريد الارجاس وشريد الانجاس. فما استتم دعاءه حتى وقعت الرجفة في البلدة وارتفعت الزعقة والصيحة والضجة وثارت الغبرة فقال (ع): يا أبا الصلت اصعد السطح فإنك سترى امرأة غيبة رثة الاطمار مهيجة الاشرار ويسميها أهل هذه الكورة سمانة لعبادتها وتنسكها، وفي نسخة لغباوتها وتهتكها قد شدت مكان الرمح إلى نحرها قصبا، وقد شدت لها وقاية حمراء إلى طرفه مكان اللوى وهي تقود الجيش وتسوق عساكر الطغام إلى قصر المأمون ومنازل القواد، قال أبو الصلت: فلم أر إلا رؤوسا تقرع بالعصا وهامات ترضخ بالاحجار، ولقد رأيت المأمون متدرعا قد برز من قصر شاهجان متوجها للهرب، فما شعرت إلا بشاجره الحجام قد رمى من أعالي السطوح لبنة ثقيلة فضرب بها رأس المأمون فأسقطت بيضته بعد أن شقت جلدة هامته، فقال بعضهم: ويلك هذا أمير المؤمنين فقالت سمانة: لا أم لك أسكت فليس هذا يوم التمييز والمحاباة، ولا يوم إنزال الناس على طبقاتهم، فلو كان هذا أمير المؤمنين لما سلط ذكور الفجار على فروج الابكار، وطرد المأمون وجنوده أسوأ طرد وإذلال واستخفاف شديد ولم يرجع إلى مكة واستقراره إلا بعد محنة شديدة وتعب وتنكيد: ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله وخاب كل جبار عنيد. ومن مكره السيئ الذي أحاط به ثم تمزق غيظا بسببه حيث لم يتمكن من الفتك به ما رواه صبيح الديلمي قال: إن المأمون دعاني أنا وثلاثين غلاما من ثقاته على سره وعلانيته في الثلث الاول من الليل، فدخلت عليه وقد صار ليله

[ 298 ]

نهارا من كثرة الشموع، وبين يديه سيوف مسلولة مشحوذة مسمومة فدعا بنا غلاما غلاما وأخذ علينا العهد والميثاق بلسانه وليس بحضرتنا أحد من خلق الله غيرنا فقال: هذا العهد لازم لكم إنكم تفعلون ما آمركم به ولا تخالفوا منه شيئا، قال: فحلفنا له كلنا فقال: ليأخذ كل واحد منكم سيفا بيده وامضوا حتى تدخلوا على علي بن موسى الرضا في حجرته، فإن وجدتموه قائما أو قاعدا أو نائما فلا تكلموه وضعوا أسيافكم عليه وأخلطوا لحمه ودمه وشعره وعظمه ومخه، ثم اقلبوا عليه بساطه وامسحوا أسيافكم به وصيروا إلي، وقد جعلت لكل واحد منكم على هذا الفعل وكتمانه عشر بدر دراهم وعشر ضياع منتخبة والحظوظ عندي ما حييت وبقيت قال: فأخذنا الاسياف بأيدينا ودخلنا عليه في حجرته فوجدناه مضطجعا يقلب طرفه ويديه ويتكلم بكلام لا نعرفه، فبادر إليه الغلمان بالسيوف ووضعت سيفي وأنا قائم أنظر إليه فليس على بدنه ما لا تعمل فيه السيوف فطووا بساطه وخرجوا حتى دخلوا على المأمون فقال: ما صنعتم ؟ قالوا فعلنا ما أمرتنا به فقال: لا تبدو منه شيئا مما كان. فلما تبلج الفجر خرج المأمون فجلس في مجلسه مكشوف الرأس محلل الازرار، وأظهر وفاته وقعد للتعزية، ثم قام حاسرا حافيا فمشى لينظر إليه وأنا بين يديه، فلما دخل حجرته سمع همهمة فارتعد ثم قال: من عنده ؟ قلت: لا علم لنا. فقال: أسرعوا وانظروا قال صبيح: فأسرعنا إلى البيت فإذا بسيدي (ع) جالس في محرابه يصلي ويسبح، فانتفض المأمون وارتعد ثم قال: غررتموني لعنكم الله، ثم التفت إلي من بين الجماعة فقال: يا صبيح أنت تعرفه فانظر من بالمصلى عنده قال: فدخلت عليه وتولى المأمون راجعا وصرت عند عتبته فقال لي: يا صبيح قلت لبيك يا مولاي وقد سقطت لوجهي فقال لي: قم يرحمك الله (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) (1) قال: فرجعت إلى المأمون فوجدت وجهه كقطع الليل


(1) سورة التوبة، الآية: 32. (*)

[ 299 ]

المظلم فقال: يا صبيح ما وراءك ؟ قلت له: هو والله جالس في حجرته وقد ناداني وقال لي كيت وكيت، قال: فشد أزاره وأمر برد أثوابه وقال: قولوا انه كان قد غشي عليه وأنه قد أفاق. فياويل المأمون الخؤون الملعون الغدور من العقاب الوبيل الجزيل يوم النشور، حيث لم تعمل بما لم يعلم من فضائل إمامه (ع) النبيل الجليل التي هي كالشمس في الظهور، ولكنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. شعر للمؤلف (ره): [ قل في ابن موسى الرضا ما شئت من مدح * فمنتهى المدح في علياه تقصره ] [ فكلما ستر الاعدا مناقبه * فاجاهم من نكال الله تخسير ] [ كم حاول الغادر المأمون غائلة * فآب وهو قريح القلب مثبور ] [ قد ذاد شيعته عنه وأحصره * بمجلس هو مشهود ومشهور ] [ فجد في زبره ثم استخف به * فقام وهو سخين الدمع مقهور ] [ يدعو الاله بأسماء معظمة * وصوته فيه للجلمود تفجير ] [ ففاجأته من الله العقوبة إذ * دعا عليه الرضا والحق منصور ] [ فنال ما نال من ذل ومسخرة * وما نعاه من الجبار تحذير ] [ فدس قوما له في الليل يقدمهم * صبيح الديلمي والكل مأمور ] [ أن قطعوه ولا تبقوا له رمقا * واطووا البساط به والامر مستور ] [ فقطعوه ولفوا بالبساط كما * شاء اللعين فأخطته المقادير ] [ يريد إطفاء نور الله جل ويأبى * الله أن يتوارى ذلك النور ] [ فجرحي يا دما اعضا الجلال فذي * أعضا الرضا جرحتهن المباتير ] قال: وكان المأمون الخؤون الملعون يتقرب للامام الرضا (ع) الامين بجميع المخالفين ومجادلتهم في إثبات إمامة أمير المؤمنين علي (ع) وتفضيله على الصحابة أجمعين، وكان الامام الرضا (ع) يقول لاصحابه: لا تغتروا منه

[ 300 ]

بهذا الكلام فما يقتلني والله غيره من الانام، ولكن لا بد لي من الصبر حتى يبلغ الكتاب أجله وأصل إلى دار السلام. وقال للحسن بن الجهم: يابن الجهم لا يغرنك ما لقيته من إكرامي والاستماع مني، فإنه سيقتلني بالسم وهو ظالم لي إني أعرف ذلك بعهد معهود من آبائي (ع) عن رسول الله (ص). قال: والله ما منا إلا مقتول شهيد، فقيل: ومن يقتلك يابن رسول الله ؟ فقال (ع): أشر خلق الله في زماني يقتلني بالسم ثم يدفنني في دار مضيعة وبلاد غربة، ولما لم يتم للمأمون ذي الاشر والبطر، ما تخيله ودبر، من انتقاص الامام الاطهر، بولاية العهد التي جعلها سلما لارتقاء هذا الكيد بل لم يظهر منه في ذلك للناس إلا ما لم يزدد به فضلا عندهم ومحلا في نفوسهم لما رأوه عليه من الانغماس في بحار العبادة والانزواء في زوايا الزهادة، ولم تغره زخارف مطمورة الرياسة الدنيوية عن عمارة الدار الاخروية، جلب عليه المتكلمين من البلدان طمعا في أن يقطعه أحد منهم فيسقط محله عند الفقهاء وأهل الاديان، ويشتهر نقصه في كل مقام فكان (ع) لا يكلمه خصم من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والدهرية والبراهمة والملحدين ولا خصم من فرق المسلمين المخالفين إلا قطع حجته وأبطل كلمته وألزمه بواضح البيان والبراهين، وكان الناس كلهم يقولون: والله إنه أولى الناس بالخلافة من المأمون، وكانت أصحاب الاخبار يرفعون ذلك إليه فيغتاظ من ذلك ويشتد حسده وحقده عليه، وكان الرضا (ع) لا يحابي المأمون بل يقتفي أثر جده النبي (ص) المفضال، في كل وقت وحال، وكان يجيبه في أكثر الاحوال، بما يكره فيغيظه ذلك ويحقد عليه ولا يظهره لديه في المقال، ولم يزل المأمون مستصحبا لهذا الحال ناسجا على هذا المنوال، حتى دنى الاجل المحتوم، فاظهر له ذلك الغل المكتوم، واجتهد في إزهاق روحه الشريفة وتبضيع كبده المنيفة بذعاف السموم. شعر نصفه الاخير للمؤلف (ره):

[ 301 ]

[ ستعلم في الحساب إذا التقينا * غدا عند الاله من الظلوم ] [ إلى ديان يوم الدين تمضي * وعند الله تجتمع الخصوم ] [ فويل الغادر المأمون مما * جناه على الرضا ويل عظيم ] [ أيقطع كبد مولاه بسم * سرت منه على الدين السموم ] قال هرثمة: لما مضى من الليل نصفه قرع الباب علي قارع فأجابه بعض غلماني فقال له: قل لهرثمة أجب سيدك، قال: فقمت مسرعا وأخذت علي أثوابي وأسرعت إلى سيدي الرضا (ع)، فدخل الغلام بين يدي ودخلت وراءه فإذا أنا بسيدي جالس في صحن داره، فقال لي: يا هرثمة فقلت: لبيك يا سيدي ومولاي فقال لي: اجلس، فجلست فقال لي: اسمع وعي يا هرثمة، هذا أوان أجلي ولحوقي بجدي (ص) وآبائي (ع)، وقد بلغ الكتاب أجله وقد عزم هذا الطاغي على سمي في عنب ورمان مفروك، فأما العنب فإنه يغمس السلك في السم ويجذبه بالخيط في العنب، وأما الرمان فإنه يطرح السم في كف بعض غلمانه ويفرك الرمان بيده ليلطخ حبه بذلك السم، وإنه سيدعوني اليوم المقبل ويقرب إلي الرمان والعنب ويسألني أكله فآكله ثم ينفذ الحكم ويحضر القضاء، فإذا أنا مت فسيقول: أنا أغسله بيدي فإذا قال ذلك فقل له عني بينك وبينه أنه قال لي: لا تعرض لغسلي ولا لكفني ولا لدفني، فإنك إن فعلت ذلك عاجلك من العذاب ما أخر عنك وحل بك اليوم ما تحذر فإنه سينتهي، قال: فقلت: نعم يا سيدي قال (ع): فإذا خلا بينك وبين غسلي فيجلس في علو من أبنيته مشرفا على موضع غسلي لينظر، فلا تعرض يا هرثمة لشئ من غسلي حتى ترى فسطاطا أبيض قد ضرب في جانب الدار، فإذا رأيت ذلك فاحملني في أثوابي التي أنا فيها فضعني من وراء الفسطاط وقف من ورائه ويكون من معك دونك، ولا تكشف عن الفسطاط لئلا تراني فتهلك فإنه سيشرف عليك ويقول لك: يا هرثمة أليس زعمتم أن الامام لا يغسله إلا إمام مثله فمن يغسل أبا الحسن وابنه محمد بالمدينة من بلاد الحجاز ونحن بطوس ؟ فإذا قال ذلك فأجبه وقل له: إنا نقول أن الامام لا يغسله إلا إمام فإن تعدى متعد

[ 302 ]

فغسل الامام لم تبطل إمامة الامام لتعدي الغاسل، ولا بطلت إمامة الامام الذي بعده بأن غلب على غسل أبيه، ولو ترك أبو الحسن علي بن موسى (ع) لغسله ابنه ظاهرا مكشوفا ولا يغسله الآن أيضا إلا هو من حيث يخفي، فإذا ارتفع الفسطاط فسوف تراني مدرجا في أكفاني فضعني على نعشي واحملني، فإذا أراد أن يحفر قبري فإنه سيجعل قبر أبيه هارون قبلة قبري ولن يكن ذلك فإذا ضربت المعاول تثبت عن الارض ولم ينحفر لهم ولا مثل قلامة ظفر، فإذا اجتهدوا في ذلك صعب عليهم فقل لهم عني: إني أمرتك أن تضرب معولا واحدا في قبلة قبر أبيه هارون فإذا ضربت به في الارض فينفذ إلى قبر محفور وضريح قائم، فإذا انفرج القبر فلا تنزل إليه حتى يفور من الضريح ماء أبيض فيملا القبر حتى يصير ذلك الماء مع وجه الارض ثم يضطرب فيه حوت بطوله، فإذا اضطرب فلا تنزل حتى إذا غاب الحوت وغار الماء فأنزلني في ذلك القبر وألحدني في ذلك الضريح ولا تتركهم يأتون بتراب يلقونه علي فإن القبر ينطبق من نفسه ويمتلي، قال: فقلت: نعم يا سيدي ثم قال لي: احفظ ما عهدت إليك واعمل به ولا تخالف قلت: أعوذ بالله أن أخالف لك أمرا يا سيدي ثم خرجت باكيا حزينا فلم أزل كالحبة على المقلاة لا يعلم ما في نفسي إلا الله تعالى. أقول وحق لهرثمة وجميع من سواه ممن يتوالى الامام (ع) ويهواه أن تسيل بالدموع عيناه، وأن تتقطع بجراحات الحزن أمعاه، وتحرق بنيران الوجد أحشاه، تأسيا بإمامه (ع) ومولاه، فإن من شروط الموالاة المواساة وفقنا الله لما يحبه ويرضاه. فلما كان ذلك اليوم المشؤوم على الاسلام، والوقت الذي شب في قلوب المؤمنين الضرم، استدعى المأمون عليه وعلى آبائه وأبنائه أفضل الصلاة والسلام كما هي العادة بينه وبين ذلك الامام في أكثر الايام. وفي خبر أبي الصلت الهروي استدعاه فقال (ع): إني ماض إلى هذا

[ 303 ]

الفاجر فإن خرجت وأنا مكشوف الرأس فكلمني، وإن خرجت وأنا مغطى الرأس فلا تكلمني، فلما دخل على المأمون عانقه وحياه بخشوع النفاق وخضوع الملاق تلقاه، وفي مجلسه المختص به قربه وأدناه، فلما قضى من محادثة المطلب واستكمل من الكلام معه المأرب قدم إليه ما سمه فيه من ذلك الرمان والعنب وأمره بالاكل بالحتم الموجب. وفي خبر هرثمة لما سمعت الامر بالعنب والرمان لم أستطع الصبر، ورأيت النفضة قد عرضت في بدني فكرهت أن يتبين ذلك في وجهي فتراجعت القهقرى حتى خرجت فرميت نفسي في موضع من الدار، فلما قرب زوال الشمس أحسست بسيدي (ع) قد خرج من عنده ورجع إلى داره، ثم رأيت الامر قد خرج من عنده المأمون فأمر بإحضار الاطباء فقلت: ما هذا ؟ فقيل لي: علة عرضت لابي الحسن علي بن موسى، وكان الناس في شك وكنت على يقين. وفي خبر أبي الصلت أنه استعفاه فقال (لع): لا بد من ذلك وما يمنعك أو لعلك تتهمنا بشئ فتناول العنقود فأكل منه ثلاث حبات ورمى به، فقام (ع) فقال المأمون: إلي أين يا أبا الحسن ؟ فقال: إلى حيث وجهتني، فقام وخرج (ع) وهو مغطى الرأس، فياليتني كنت الفداء له من جميع الناس مما يكابده من ذلك الباس والسم الذي أخمد منه الانفاس، وأوجب لقضايا الشريعة المحمدية الانتكاس، ولاعلام الهداية الانطماس وللدروس العلية الاندراس فلما وصل إلى منزله ألقى بنفسه على فراش السقام ولم يزل يكابد مضاضة الآلام والشدائد العظام حتى تقيأ كبده الشريفة قطعة بعد قطعة، وألقى بمهجته اللطيفة بضعة بعد بضعة، فيا لها من مصيبة أرغمت معاطس أهل الايمان ورزية أذكت ضرام الاحزان في قلوب السادات من مضر وعدنان، وأصحبت لها رؤوس أهل الحق خاضعة إلى الاذقان، وأبكت الانبياء والمرسلين والشهداء والصالحين بالدمع الهتان.

[ 304 ]

وقال: ثم أن الامام (ع) جعلني الله وقاه من الآلام لما تحقق من وقت أجله، وانقطع من الحياة سبب أمله، أشار إلى خليفته الامام الجواد (ع) المنصوص عليه من رب العباد الذي لم يقض لعمره الشريف بالامتداد أن يأتي إليه من المدينة لانه لا يلي أمر المعصوم إلا مثله، ولا يجهز الامام إلا شكله، وقد كان (ع) عند خروجه من المدينة بإشخاص المأمون إياه دفع إليه كتبه وسلاحه ومواريث الانبياء وآثار الاوصياء ووصيته (ع) ووصية آبائه الطاهرين (ع)، ودل على إمامته. وشيعته الميامين لعلمه (ع) أنه لا يرجع لجوار جده الامين (ص): فلما قضى معه مأربه واستوفى من وصاياه مطلبه توجه إلى مولاه بعد أن أطبق فاه، وغمض عينيه ومد يديه، فلما خرجت نفسه الشريفة تلقتها الحور والولدان، وزخرفت الجنان، وفتحت أبواب السماء، وأعلنت هي ومن فيها بفنون البكاء، وارتجت أرجاء الارض وضاقت رحبا بأهلها في الطول والعرض، وفشت فيها الظلمة ولا غرو فقد طفئ عنها سراج الامة وسدت عنها بفقده أبواب الرحمة، فلم ير في ذلك اليوم إلا باك وباكية وناع وناعية ونائح ونائحة وصارخ وصارخة، وصار على المؤمنين كاليوم الذي مات فيه رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع)، فسرت قلوب الحاسدين وأرغمت أنوف الموحدين، واشتد الكرب بالكروبيين وعلا الصراخ من الفقراء والارامل والمساكين، فواضيعة الايمان والمؤمنين والاسلام والمسلمين، ولقد أصبح كتاب الله بفقده مهجورا ورسول الله (ص) فيه موتورا. ولله درمن قال: [ الله أكبر ما أدهاك قارعة * أضحى لها معطس الاسلام مرغوما ] [ أعالم أي دهيا معظل طرقت * فعاد منها ثبير المجد مهدوما ] [ وأصبحت زاخرات العلم ناضبة * وآب آمل سقياهن محروما ] [ والحق أصبح مدكوس اللوى وغدا * كف المكارم المعروف مجذوما ] [ قضى الرضا وبرغم الدين يوم قضى * كما أراد الغوك والكفر مسموما ] [ ثوى الثرى يشتكي كبدا مضرمة * وضامرا بحسام الوجد محسوما ]

[ 305 ]

[ يعزز على عين خير الرسل تلحظه * وقد قضى بنقيع السم مكظوما ] [ وليت مولى الورى موسى تلاحظه * حلف البلايا بعيد الدار مهضوما ] [ فأين عيناه ترنوه غداة قضا * مجرعا لذعاف السم مظلوما ] [ بعدا وسحقا لقلب لا يروح له * ويغتدي أبد الايام مغموما ] [ فهاك يا عين سحي ما حييت دما * لما أصاب الرضا كالغيث مسجوما ] [ وكيف لم يألف الشجو المتبر من * غدا بحب الرضا في الناس موسوما ] [ لاجعلن البكاء والنوح ما طرفت * عيني لما نال مولى الخلق محتوما ] [ أمهجة المصطفى تمسي مضرمة * وضامري لا يراه الله مضروما ] [ وطرف فاطمة الزهراء يكلمه ال‍ * بكاء وطرفي لا ألفاه مكلوما ] فيا لها قارعة نازلة، ورزية هائلة، تركت مدارس علوم الدين عاطلة، ومجالس عز الموحدين خاملة، فخددوا خدودكم بأخاديد الدموع الهاطلة، وفجروا من عيونكم عيون العبرات الهاملة، وأسيلوا في أودية ابدانكم شؤون الاشجان السائلة، وشاركوا الامام الجواد في تجرعه كؤوس هذه المعضلة القاتلة، وشمروا عن ساعد الجد والاجتهاد في مساعدة النبي والائمة الامجاد لتعرجوا في معارج السعادة الكاملة. وفي خبر ياسر الخادم قال: فلما كان في آخر يوم الذي قبض فيه كان ضعيفا في ذلك اليوم، فقال لي بعد ما صلى الظهر: يا ياسر (أكل الناس) فقلت يا سيدي ومن يأكل هاهنا مع ما أنت فيه ؟ فانتصب (ع) ثم قال: هاتوا المائدة فلم يدع من حشمه أحدا إلا أقعده معه على المائدة يتفقدهم واحدا بعد واحد، فلما أكلوا قال: ابعثوا إلى النساء بالطعام فحمل الطعام إلى النساء فلما فرغوا من الاكل أغمي عليه وضعف، فوقعت الصيحة فجاءت جواري المأمون ونساءه حافيات حاسرات فوقعت الوجبة بطوس، فجاء المأمون حافيا يضرب على رأسه ويقبض على لحيته ويتأسف ويبكي وتسيل الدموع على خديه، فوقف على الرضا وقد أفاق فقال: يا سيدي والله ما أدري أي المصيبتين علي

[ 306 ]

أعظم فقدي لك أو فراقي إياك أو تهمة الناس لي أني اغتلتك وقتلتك، قال: فرفع (ع) طرفه ثم قال: أحسن معاشرة أبي جعفر فإن عمرك وعمره هكذا وجمع بين سبابتيه. قال: فلما كان في تلك الليلة قضى نحبه (ع) بعدما قضى من الليل بعضه، فلما أصبح الصباح اجتمع الخلق وقالوا: هذا قتله واغتاله - يعني المأمون - وقالوا: قتل ابن رسول الله (ص) فأكثروا القول والتهمة. وفي أعلام الورى: أنه لما توفي الرضا (ع) أنفذ المأمون إلى محمد بن جعفر الصادق (ع) وجماعة آل أبي طالب الذين كانوا عنده، فلما حضروه نعاه إليهم وأظهر حزنا شديدا وتوجعا، وأراهم إياه صحيح الجسد وقال: يعز علي أن أراك بهذا الحال وقد كنت آمل أن أقدم قبلك ولكن أبى الله إلاا ما أراد. فيا له من مريد مرد على النفاق من تجرع الغسلين والغساق إذ زاد بقتل إمامه على جميع الفساق، وعلى فرق الكفار فاق فأي حجة يحتج بها عند مولاه ويخشى الناس والله أحق أن يخشاه. وفي خبر هرثمة قال: فلما كان الثلث الثاني من الليل علا الصياح وسمعت الوجبة من الدار، فأسرعت فيمن أسرع فإذا بالمأمون مكشوف الرأس محلل الازرار قائما على قدميه ينتحب ويبكي قال: فوقفت فيمن وقف وأنا أتنفس الصعداء، ثم أصبحنا وجلس المأمون للتعزية ثم قام فمشى إلى الموضع الذي فيه سيدنا فقال: اصلحوا لنا موضعا فانا نريد أن نغسله، فدنوت منه وقلت له ما قاله سيدي في سبب الغسل والتكفين والدفن، فقال لي: لست أعرض لذلك ثم قال: شأنك يا هرثمة، قال: فلم أزل قائما حتى رأيت الفسطاط قد ضربت، فوقفت من ظاهره وكل من في الدار دوني وأنا أسمع التكبير والتهليل والتسبيح وتردد الاواني وصب الماء وتضوع الطيب الذي لم أشم أطيب منه، فإذا أنا بالمأمون قد أشرف علي من بعض علالي داره فصاح بي: يا هرثمة أليس زعمت أن الامام لا يغسله إلا إمام مثله فأين محمد ابنه وهو

[ 307 ]

بمدينة الرسول وهذا بطوس بأرض خراسان ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إنا نقول إن الامام لا يجب أن يغسله إلا إمام مثله فإن تعدى متعد فغسل الامام لم تبطل إمامة الامام لتعدي غاسله، ولا بطلت إمامة الامام الذي بعده بأن غلب على غسل أبيه، ولو ترك أبو الحسن (ع) علي بن موسى لغسله ابنه محمد ظاهرا مكشوفا ولا يغسله الآن أيضا إلا هو من حيث يخفي، فسكت عني. ثم ارتفع الفسطاط فإذا أنا بسيدي مدرجا بأكفانه، فوضعته على نعشه ثم حملناه فصلى عليه المأمون وجميع من حضر، ثم جئنا إلى موضع القبر فوجدتهم يضربون بالمعاول دون قبر هارون الرشيد ليجعلوه قبلة لقبره (ع)، والمعاول تنبو عنه حتى ما تحفر ذرة من تراب الارض ولا مثل قلامة ظفر، فقال لي: ويحك يا هرثمة أما ترى الارض كيف تمتنع من حفر قبر له، فقلت له: إنه قد أمرني أن أضرب معولا واحدا في قبلة قبر أبيك لا أضرب غيره قال فإذا ضربت يا هرثمة ماذا يكون ؟ قلت: إنه (ع) أخبرني أنه لا يجوز أن يكون قبر أبيك قبلة لقبره (ع) فإن أنا ضربت هذا المعول الواحد نفذ إلى قبر محفور من غير يد تحفره وبان ضريح في وسطه، قال المأمون: سبحان الله ما أعجب هذا الكلام ولا عجب من أمر أبي الحسن (ع) فاضرب يا هرثمة حتى نرى، قال: فأخذت المعول بيدي فضربت به في قبلة هارون قال: فنفذ المعول إلى قبر محفور وبان في وسطه ضريح مشقوق والناس ينظرون إليه فقال: انزل إليه يا هرثمة فقلت: إن سيدي أمرني أن لا انزل إليه حتى ينفجر من أرض هذا القبر ماء أبيض فيمتلي منه القبر حتى يكون الماء على وجه الارض، ثم يضطرب فيه حوت بطول القبر فإذا غاب الحوت وغار الماء أنزلني فظهر الماء والحوت يضطرب فيه والناس ينظرون إليه، ثم جعلت النعش إلى جانب قبره وغطي قبره بثوب أبيض لم أبسطه أنا ولا غيري، ثم انزل (ع) إلى قبره بغير يدي ولا يد أحد ممن حضر، فأشار المأمون إلى الناس أن أهيلوا التراب بأيديكم فاطرحوه فيه، فقلت: لا تفعل يا أمير المؤمنين فقال لي: ويحك فمن يملاه فقلت: إنه قد أمرني أن لا أطرح عليه التراب، وأخبرني أن قبره يمتلئ من ذات نفسه ثم

[ 308 ]

ينطبق ويتربع على وجه الارض، فأشار المأمون إلى الناس أن كفوا قال: فرموا ما في أيديهم من التراب ثم امتلا القبر وانطبق وتربع على وجه الارض، فانصرف المأمون وانصرفنا. وفي خبر أبي الصلت الهروي: فلما رأى ما ظهر من النداوة والحيتان وغير ذلك قال المأمون: لم يزل الرضا (ع) يرينا عجائبه في حياته حتى أراناه بعد وفاته أيضا، فقال له وزير كان معه: أتدري بما أراك إياه الرضا (ع) ؟ قال: لا قال: إنه أخبرك أن ملككم يا بني العباس مع كثرتكم وطول مدتكم مثل هذه الحيتان حتى إذا فنيت آجالكم وانقطعت آثاركم وذهبت دولتكم سلط الله تبارك وتعالى عليكم رجلا منا فأفناكم عن آخركم، قال: صدقت ثم قال: يا أبا الصلت علمني الكلام الذي تكلمت به، فقلت: والله لقد نسيت الكلام من ساعتي، وقد كنت صدقت فحبست سنة كاملة، فضاق علي الحبس فسهرت ليلة ودعوت الله تعالى بدعاء ذكرت فيه محمدا وآل محمد (ص)، وسألت الله عزوجل بحقهم أن يفرج عني، فما استتم الدعاء حتى دخل علي محمد بن علي (ع) فقال لي: يا أبا الصلت ضاق صدرك فقلت: أي والله قال: قم فاخرج، ثم ضرب بيده إلى القيود التي كانت علي ففكها وأخذ بيدي وأخرجني من الدار والحرسة والغلمة يروني فلم يستطيعوا أن يكلموني، فخرجت من باب الدار ثم قال: امض في ودائع الله تعالى فإنك لن تصل إليه ولن يصل إليك أبدا فما التقيت بالمأمون. وفي خبر هرثمة: بعد الانصراف من دفن الامام (ع) قال: فدعاني المأمون وخلاني ثم قال: أسألك بالله يا هرثمة لما صدقتني عن أبي الحسن (ع) بما سمعته منه، قال: فقلت: قد أخبرت أمير المؤمنين بما قال لي فقال: بالله إلا ما صدقتني عما أخبرك به غير الذي قلت لي قال: نعم تسألني فقال لي: يا هرثمة هل أسر إليك شئ غير هذا ؟ قلت: نعم قال: ما هو ؟ قلت: خبر الرمان والعنب فأقبل المأمون يتلون ألوانا يصفر مرة ويحمر أخرى ويسود

[ 309 ]

أخرى، ثم تمدد مغشى عليه فسمعته في غشوته يهجر ويقول: ويل للمأمون من رسول الله (ص)، ويل للمأمون من علي (ع)، ويل للمأمون من فاطمة (ع)، ويل للمأمون من الحسن (ع) والحسين (ع)، ويل للمأمون من علي بن الحسين (ع)، ويل للمأمون من محمد بن علي (ع)، ويل للمأمون من جعفر بن محمد (ع)، ويل للمأمون من موسى بن جعفر (ع)، ويل للمأمون من علي بن موسى الرضا هذا والله هو الخسران المبين، يقول هذا القول ويكرره فلما رأيته قد أطال ذلك وليت عنه وجلست في بعض نواحي الدار فجلس ودعاني فدخلت إليه وهو جالس كالسكران، وقال: والله ما أنت أعز علي منه ولا جميع من في الارض والسماء، وقال والله لئن بلغني أنك أعدت مما سمعت مني ورأيت شيئا ليكونن فيه هلاكك، فقلت: إن ظهرت على شئ من ذلك مني فأنت في حل من دمي قال: لا والله أو تعطيني عهدا وميثاقا على كتمان هذا الامر وترك إعادته، فأخذ علي العهد والميثاق وأكده علي فلما وليت عنه صفق بيده وقال: (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا) (1)، فأحيطوا رحمكم الله أيها المؤمنون الاعاظم بأطراف المنائح والمغانم بإدامة أعمال المنائح وإقامة أعلام المآتم، واطفئوا نيران المآتم بتفجير أنهار الدموع السواجم، واشحذوا عزار العزائم بجواهر الاخبار المضامنة على ذلك بالثواب الدائم، وتقربوا لله تعالى باللعن لهذا الظالم ومن أسس قبله أساس المظالم، لاهل البيت (ع) سراج العوالم وما حل بهم بعد جدهم من الخطب المتفاقم، والرزء المتعاظم الذي أبكى كل مؤمن من حادث وقادم، خصوصا ما جرى على غريب كربلا من الكرب والبلاء والمصائب والخطوب الصيالم، وسحاب الرزايا المتراكم، الذي ينسى ما جرى على غريب خراسان وغيره من الارزاء العظائم، وفقني الله وإياكم لارتقاء سلم هذه المكارم، ثم أقيمت على الامام


(1) سورة النساء، الآية: 108. (*)

[ 310 ]

الرضا (ع) المنائح والمنادب العالية، ورثته الشعراء من كل جانب وناحية. فلما وصل نعيه إلى قم رثاه دعبل الخزاعي (ره) بقصيدته الرائية التي منها هذه الابيات العلية يقول: [ لولا تشاغل عيني بالاولى سلفوا * من أهل بيت رسول الله لم أقر ] [ كم أذرع لهم بالطف بائنة * وعارض بصعيد الترب منعفر ] [ أنسى الحسين ومسراهم لمقتله * وهم يقولون هذا سيد البشر ] [ يا أمة السوء ما جازيت أحمد عن * حسن البلاء عن التنزيل والسور ] [ خلفتموه عن الابناء حين مضى * خلافة الذئب في أبقار ذي بقر ] [ لم يبق حي من الاحياء نعلمه * من ذي يمان ولا بكر ولا مضر ] [ إلا وهم شركاء في دمائهم * كما تشارك ايسار على جزر ] [ قتلا وأسرا وتحريقا ومنهبة * فعل الغزاة بأهل الروم والخزر ] [ أرى أمية معذورين إن قتلوا * ولا أرى لبني العباس من عذر ] [ قوم قتلتم على الاسلام أولهم * حتى إذا استمكنوا جاؤوا على الاثر ] [ أبناء حرب ومروان وأسرتهم * بني معيط ولاة الحقد والوغر ] [ أربع بطوس على قبر الوصي بها * إن كنت تربع من دين على قطر ] [ قبران في طوس خير الخلق كلهم * وقبر شرهم هذا من العبر ] [ ما ينفع الرجس من قرب الزكي ولا * على الزكي بقرب الرجس من ضرر ] [ هيهات كل امرء رهن بما كسبت * له يداه فخذ ما شئت أو فذر ] قال: فسمع المأمون بذلك فأرسل إليه فأتاه وآمنه على نفسه، فلما مثل بين يدي المأمون قال له: أنشدني قصيدتك فجحدها وأنكر معرفتها، فقال له: لك الامان عليها كما آمنتك على نفسك، فأنشده إياها فلما وصل إلى قوله (هيهات كل امرء رهن بما كسبت له يداه) البيت، ضرب المأمون بعمامته إلى الارض وقال: صدقت والله يا دعبل، ثم بكى ولم يزل ينوح حتى غشي عليه، وصار الناس في اضطراب عظيم وهو يقول: صدقت والله يا دعبل (كل امرء

[ 311 ]

بما كسب رهين) (1) هذا قول الله تعالى في كتابه المبين ثم أجاز دعبل (ره) وصرفه فاصرفوا يا اخواني عنان جواد البال، نحو ميدان الاقبال، وأعمال عوامل الافكار أحسن الاعمال، فيما اجترى به أولئك الانذال، على أولئك الائمة الابدال، وشيعتهم التابعين لهم في الاقوال والافعال من تجريع غصص النكال، وحبسهم في طوامير الوبال والاستيصال بالسموم وضروب الاغتيال، مع علمهم بما خصهم به ذو الجلال، والنبي المفضال، من الفضائل الظاهرة لهم بالعشي والآصال، وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال. * (هامش ص 311) (1) سورة الطور، الآية: 21. *

[ 313 ]

ولادته (ع) وكان مولده (ع) يوم الخميس حادي عشر ذي القعدة الحرام سنة (148) ثمان وأربعين بعد المائة من الهجرة النبوية على مهاجرها وآله أفضل الصلاة والسلام، وقبض (ع) من دار البوار إلى دار القرار والدوام وهو ابن تسع وأربعين سنة وأشهر كما في الكافي لثقة الاسلام وهو الذي عليه عمل الشيعة الابرار في شهر صفر سنة ثلاثة ومائتين في اليوم السابع عشر كما اعتمده ثقة الاسلام، وهو الذي تعمل به الشيعة الاخيار في هذه الاعصار في يوم الاثنين وقيل يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان من تلك السنة، وقيل يوم السابع والعشرين من شهر صفر والله العالم بالصواب، فينبغي لاهل الايمان المواظبين على الطاعات لبس شعائر الاحزان في هذه الاوقات وعلى هذا يكون مدة إقامته (ع) مع أبيه تسع وعشرين سنة وشهرين، والعقب من بعده في ولده الامام محمد الجواد (ع) وقيل لم يخلف سواه من الاولاد وأمه أم ولد وكنيتها أم البنين واسمها تكتم كما اعتمده الصدوق (ره) في عيون الاخبار، وقيل سكن، وقيل أروى وقيل نجمة وعليه يدل غير واحد من الآثار وهو وأخوه القاسم (ع) وأخته فاطمة المعصومة في قم من أم واحدة وألقابه: الرضا، والصادق والضامن، والصابر، والفاضل، وقرة أعين المؤمنين، وغيظ الملحدين، وأشهرها: الضامن والرضا وإنما لقب به لانه كان رضا الله في سمائه ورضا الرسول في أرضه ورضا الائمة

[ 314 ]

من بعده ورضي به المخالفون من أعدائه وضده، كما رضي به الموافقون من أوليائه وجنده ولم يكن ذلك لاحد من آبائه (ع) بالنسبة إلى غير أوليائه لانه (ع) رضيه المأمون لولاية عهده.

[ 315 ]

زهده (ع) ومن زهده (ع) أن جلوسه في الصيف على حصير، وفي الشتاء على مسح ولبسه الغليظ من الثياب، فإذا برز للناس تزين لهم بأزين اللباس وكان كل كلامه (ع) وجوابه وتمثاله انتزاعات من القرآن واقتباس من آياته، وكان (ع) يختمه في كل ثلاثة أيام مرة ويقول: لو أردت أن أختمه في أقل من ثلاثة أيام لختمته لكنني ما مررت بآية قط إلا فكرت فيها وفي أي شئ أنزلت وفي أي وقت، فلذلك صرت أختمه في كل ثلاثة أيام مرة. عبادته (ع) ومن عبادته (ع) ما رواه عبد السلام بن صالح الهروي قال: جئت إلى باب الدار التي حبس فيها أبو الحسن الرضا (ع) بسرخس فاستأذنت عليه السجان فقال: لا سبيل لك عليه فقلت: ولم ؟ فقال: لانه ربما صلى يومه وليلته ألف ركعة وإنما ينفتل من صلاته ساعة في صدر النهار وقبل الزوال وعند اصفرار الشمس، فهو في هذه الاوقات يناجي ربه.

[ 317 ]

كرم اخلاقه (ع) ومن كرم أخلاقه (ع) ما حكاه عمه إبراهيم بن العباس قال: ما رأيت أبا الحسن الرضا (ع) جفا أحدا بكلامه قط، ولا رأيته قطع على أحد كلامه قط حتى يفرغ منه، ولا رد أحدا عن حاجة قط، ولا مد رجليه بين يدي جليس له قط، ولا رأيته يشتم أحدا من مواليه ومماليكه قط، ولا رأيته يقهقه في ضحكه قط بل كان ضحكه (ع) التبسم، وكان إذا نصب مائدته أجلس معه عليها مماليكه ومواليه حتى البواب والسايس، وكان قليل النوم بالليل كثير السهر يحيي لياليه بالعبادة من أولها إلى الصبح، وكان (ع) كثير الصيام ولا يفوته صيام ثلاثة في الشهر، ويقول (ع): ذلك صوم الدهر، وكان (ع) كثير المعروف والصدقة في السر وأكثر ذلك في الليالي المظلمة فمن رأى مثله فلا تصدقوه وناهيك بها من خصال شريفة، وخلال طريفة، وصفات منيفة، فيه (ع) وآباؤه الكرام عليهم أفضل الصلاة والسلام لابد أن يكونوا أحسن الناس خلقا وخلقا، وأظهرهم فرعا وعرقا. ولا ينافيه ما ورد فيه (ع) أنه أسمر اللون مع أن الاسمر هو الذي بياضه مشوب بالحمرة فيسمى عند العرب أسمر، وأن الامام (ع) لا يظهر للناس من كل شئ إلا ما تحتمله عقولهم ولا تنحسر عنه أبصارهم ولا تنفر منه بصائرهم، فلهذا قالت أم الفضل ابنة المأمون زوجة ابنه محمد الجواد (ع) لامها حين دخل (ع) عليها فغشي عليها إن هذا الرجل يريني

[ 318 ]

كل يوم صورة من جماله أتحير عند رؤيتها، والآن لما دخل رأيت في وجهه نورا أخذ بمجامع قلبي وبصري. وروي أيضا: أن النبي (ص) كان يسمع أصحابه من صوته في قراءته القرآن ما تحتمله عقولهم ولو أسمعهم صوته لماتوا عند سماعه. ولا شك أن نورهم واحد وطينتهم واحدة من ذلك النور العظيم، (ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) (1)، ولهذا كان الائمة عليهم الصلاة والسلام يظهرون لخواص شيعتهم الكرام على حسب الحالات التي تحتملها عقولهم في كل مقام، فهم مظاهر الحقيقة الاحدية والحجة على جميع البرية، فلابد من ظهورهم لكل واحد بما يناسب القابلية، وليس هذا بغريب ولا منهم بعجيب.


(1) سورة آل عمران، الآية: 34. (*)

[ 319 ]

في فضل زيارته (ع) وأما فضل زيارته (ع) فمن زاره عارفا بحقه غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجب له على الله الجنة وكان كمن زار الله في عرشه وزار رسول الله (ص)، وبني له منبرا حذاء منبر رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) حتى يفرغ الخلائق من الحساب، وأعطاه الله أجر من أنفق قبل الفتح وقاتل، ويخلصه الرضا (ع) من أهوال ثلاثة: إذا تطايرت الكتب يمينا وشمالا وعند الصراط وعند الحساب ويشفع فيه يوم القيامة، وزيارته (ع) تبلغ عند الله ألف حجة. وكان (ع) يقول: إني سأقتل بالسم مظلوما وأقبر إلى جنب هارون وجعل الله عزوجل تربتي مختلف شيعتي، فمن زارني في غربتي وجبت له زيارتي يوم القيامة، والذي أكرم محمدا (ص) بالنبوة واصطفاه بالرسالة على جميع الخليقة لا يصلي أحد منكم عند قبري ركعتين إلا استحق المغفرة من الله تعالى يوم يلقاه، والذي أكرمنا بعد محمد (ص) بالامامة وخصنا بالوصية أن زوار قبري لاكرم الوفود على الله تعالى يوم القيامة، وما من مؤمن يزورني إلا حرم الله تعالى جسده على النار، فقال رجل من خراسان: يابن رسول الله رأيت رسول الله (ص) في المنام وهو يقول كيف أنتم إذا دفن في أرضكم بضعتي واستحفظتم وديعتي وغيب في ثراكم نجمي ؟ فقال له الرضا (ع): أنا المدفون في أرضكم وأنا البضعة من نبيكم (ص) وأنا الوديعة والنجم، فمن زارني وهو يعرف ما أوجب الله تبارك وتعالى من حقي وطاعتي فأنا وآبائي شفعاؤه يوم

[ 320 ]

القيامة، ومن كنا شفعاؤه نجا ولو كان عليه مثل وزر الثقلين الجن والانس. وقال أبوه الكاظم (ع) إذا كان يوم القيامة كان على يمين عرش الرحمن أربعة من الاولين وأربعة من الآخرين، فأما الاربعة الذين هم من الاولين فهم نوح وإبراهيم (ع) وموسى (ع) وعيسى (ع)، وأما الاربعة الذين هم من الآخرين فمحمد (ص) وعلي والحسن والحسين (ع)، ثم يمد الطعام فيقعد منا زوار قبر ولدي علي (ع). وسئل ابنه الجواد (ع): زيارة أبيك أفضل أم زيارة جدك أبي عبد الله الحسين (ع) ؟ فقال (ع) زيارة أبي أفضل وذلك لان أبا عبد الله (ع) يزوره كل الناس وأبي لا يزوره إلا الخواص من الشيعة. ولا إشكال في هذه الرواية من حيث أنه قد يزوره عوام الشيعة ويحرم منها خواص العلماء، لان المراد بخصوص الشيعة من اعتقد إمامة الاثني عشر، فمن أقر بإمامته (ع) أقر بإمامة غيره من الائمة (ع) دون سائر فرق الشيعة كالواقفية والزيدية والفحطية والناووسية وغيرهم من الفرق المتسميين بالشيعة المخالفين للامامية، فهؤلاء كلهم يزورون الحسين (ع) ولا يزورون الرضا (ع)، ويحمل ذلك على حال الابتداء وحال الخطاب والله العالم بالصواب. والاخبار في زيارته (ع) بالغة حد الاشتهار اقتصرنا منها على هذا المقدار وناهيك بهذا العنوان اشتهاره بضامن الجنان، واختلاف الاخبار في الثواب محمول على اختلاف الزائرين في المعرفة ومراتب الايمان، جعلني الله وإياكم من العارفين بحقه على التحقيق، والسالكين إلى الايمان والتصديق، ولنختم هذه النبذة القليلة بزيارة له (ع) جليلة منقولة من الاخبار المؤلفة المشتملة على ما في زيارته من الفضيلة يحسن زيارته بها بعد الفراغ من قراءتها تفألا بأن الله لا يختم كتاب الاجل إلا بختام بلوغ الامل من التشرف بزيارته (ع) التي هي من خير العمل.

[ 321 ]

زيارته (ع) وهذه الزيارة الشريفة: السلام عليك يا ولي الله. السلام عليك يا حجة الله السلام عليك يا وارث الانبياء والمرسلين. السلام عليك يا وارث الائمة المعصومين ورحمة الله وبركاته السلام عليك يا مولاي: يا أبا الحسن الرضا والامام المرتضى والحسام المنتضى ورحمة الله وبركاته. السلام عليك أيها الامام الغصيب. والبعيد القريب. والمسموم الغريب ورحمة الله وبركاته. السلام عليك أيها الحامل لكتاب الله والعامل بما فيه. السلام عليك أيها النازح عن تربة جده وأبيه ورحمة الله وبركاته. السلام عليك يا غوث اللهفان وغريب الاوطان وضامن الجنان من شرفت به أرض خراسان ورحمة الله وبركاته. السلام عليك يا قليل الزائرين وقرة أعين الائمة المعصومين وفاطمة سيدة نساء العالمين ورحمة الله وبركاته. السلام عليك يا من كسر قلوب شيعته بغربته إلى يوم الدين ورحمة الله وبركاته، السلام عليك أيها الامام الرؤوف الرحيم الذي هيج أحزان يوم الطفوف ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا غرة إقبال الدنيا وسعودها ومن سئل عن كلمة التوحيد فقال: وأنا من شرطها ومقصودها ورحمة الله وبركاته. السلام عليك يا من قال في حقه رسول الله سيد الاكوان وسند الاعيان: سيدفن بضعة مني بأرض خراسان ما زاره مكروب إلا ونفس الله كربه، ولا مذنب إلا وغفر الله ذنبه، ولا يزوره مؤمن إلا أوجب الله له الجنة يا من قال في

[ 322 ]

زيارته باقر علوم الاولين والآخرين: يخرج رجل من ولدي يقتل بالسم اسمه اسم أبيه أمير المؤمنين فيدفن بأرض خراسان، من زاره عارفا بحقه أعطاه الله أجر من أنفق من قبل الفتح وقاتل ورحمة الله وبركاته. السلام عليك يا من قال فيه جده البحر الدافق جعفر بن محمد الصادق: يقتل ولدي بأرض خراسان في مدينة يقال لها (طوس) من زاره عارفا بحقه أخذته بيدي وأدخلته الجنة وإن كان من أهل الكبائر، قيل له وما عرفان حقه، قال: يعلم بأنه مفترض الطاعة غريب شهيد من زاره عارفا بحقه أعطاه الله أجر سبعين شهيد ممن استشهد مع رسول الله (ص)، وقال فيه أيضا: يقتل لهذا ولدي وأشار بيده إلى ابنه موسى ولد بطوس لا يزوره إلا الاندر فالاندر ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا من قال فيه أمير المؤمنين وسيد الوصيين: سيقتل رجل من ولدي بأرض خراسان بالسم اسمه إسمي وإسم أبيه اسم موسى بن عمران، ألا فمن زاره غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ولو كانت مثل عدد النجوم وقطر الامطار وورق الاشجار ورحمة الله وبركاته. السلام عليك يا من في حقه قال أبوه العالم موسى بن جعفر الكاظم: من زار قبر ولدي كان له عند الله سبعون حجة مبرورة، قيل له: سبعون حجة مبرورة ؟ فقال: نعم وسبعون ألف حجة، ومن زاره أو بات عنده ليلة كان كمن زار الله في عرشه، وقال أيضا فيه: إن ابني عليا مقتول بالسم ومدفون إلى جنب هارون الرشيد بطوس من زاره كان كمن زار رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا من قال: إن لكل منا عهدا في عنق أوليائه وشيعته وإن من تمام الوفاء بالعهد زيارة قبورهم فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقا بما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاؤه يوم القيامة ورحمة الله وبركاته. السلام عليك يا من قال: إني مقتول ومسموم ومدفون بأرض غربة أعلم ذلك بعهد عهده إلي أبي عن آبائه (ع) ألا فمن زارني في غربتي كنت أنا وآبائه شفعاؤه يوم القيامة، ومن كنا شفعاؤه نجا ولو كان عليه مثل وزر الثقلين ورحمة

[ 323 ]

الله وبركاته السلام عليك يامن قال: إني مقتول بالسم مظلوما فمن زارني عارفا بحقي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا من قال: إني مقتول بالسم ومدفون بأرض غربة فمن شد رحله إلى زيارتي استجيب دعاؤه وغفر ذنبه ومن زارني على بعد داري أتيته يوم القيامة في ثلاثة مواضع حتى أخلصه من أهوالها، إذا تطايرت الكتب يمينا وشمالا، وعند الصراط، وعند الميزان ورحمة الله وبركاته السلام عليك يا من قال: ما منا إلا مقتول شهيد فقيل له: يابن رسول الله ومن يقتلكم ؟ فقال: شر خلق الله في زماني يقتلني بالسم ثم يدفنني في دار مضيعة وبلاد غربة ألا فمن زارني في غربتي كتب الله له أجر مائة ألف شهيد، ومائة ألف صديق، ومائة ألف حاج ومعتمر، ومائة ألف مجاهد وحشر في زمرتنا وجعل في الدرجات العلا وفي الجنة رفيقا ورحمة الله وبركاته. السلام عليك يا من قال: من زارني وهو على غسل خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ورحمة الله وبركاته. السلام عليك يا من قال في زيارته ابنه الجواد: ضمنت لمن زار أبي في طوس عارفا بحقه بالجنة على الله وإنها تعدل عند الله ألف ألف حجة لمن زاره عارفا بحقه، ومن زار أبي بطوس غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فإذا كان يوم القيامة نصب له منبر حذاء منبر رسول الله حتى يفرغ الله عزوجل من حساب عباده، وإن بين جبلي طوس قبضة من الجنة من دخلها كان آمنا يوم القيامة من النار وما زار أبي أحد فأصابه أذى من مطر أو برد إلا حرم الله جسده على النار ورحمة الله وبركاته. السلام عليك يامن قال فيه ابنه علي بن محمد الهادي: من زاره فأصابه في طريقه قطرة من السماء إلا حرم الله جسده على النار، ومن كانت له إلى الله حاجة فليزر قبر جدي الرضا بطوس وهو مغتسل وليصلي عنده الركعتين وليسأل الله حاجته في قنوته، وإن موضع قبره لبقعة من بقاع الجنة لا يزورها مؤمن إلا أعتق الله رقبته من النار وأحله دار القرار ورحمة الله وبركاته.

[ 324 ]

يا مولاي يا أبا الحسن الرضا: قصدتك بقلبي زائرا إذا عجزت عن حضور مشهدك والمشاهدة لقبتك، ووجهت إليك سلامي لعلمي أنه يبلغك فأسأل الله بشفاعتك المقبولة ودرجتك الرفيعة أن ينفس بك كربي، ويغفر بك ذنبي، ويسمعك كلامي، ويبلغك سلامي، وأن يوفقني لزيارتك في البقعة التي قلت فيها: هي والله روضة من رياض الجنة، من زارني في تلك البقعة كان كمن زار رسول الله، وكتب له ثواب ألف حجة مبرورة وألف عمرة مقبولة، وكنت أنا وآبائي عليهم السلام شفعاؤه يوم القيامة، فكن شفيعي بآبائك الطاهرين وأولادك المنتجبين فبالله أقسم وبآبائك الاطهار وأبنائك الابرار لولا بعد الشقة حيث شطت بكم الدار لقضيت بعض واجبكم بتكرار المرار، فياليتني كنت من الطائفين بحضرتك مستبشرا ببهجة مؤانستك، يا مولاي يابن رسول الله زرتك طالبا بزيارتك من الله تعالى غفران الذنوب وكشف الكروب وستر العيوب والامان الذي وعدت به في المواطن الثلاثة: عند تطاير الكتب وعند الصراط وعند الميزان، صلى الله على روحك الطيبة وجسدك الطاهر وبدنك الزكي، صبرت واحتسبت وعبدت الله مخلصا حتى أتاك اليقين ورحمة الله وبركاته، السلام عليك وعلى آبائك الطاهرين وابنائك المعصومين سادات المتقين وكبراء الصديقين وأعلام المهتدين وأنوار العارفين والصابرين الممتحنين ورحمة الله وبركاته. وليكن هذا آخر ما نمليه في هذا المقام، سائلين منه سبحانه وتعالى حسن الختام، وبلوغ المرام، من زيارته (ع) وزيارة آبائه الكرام، التي هي الذخيرة يوم القيام، والمأمول من الحاضرين أن لا ينسوا مؤلفها ووالديه في جميع الاوقات، من صالح الدعوات، بأن يجعلها في صحيفة الحسنات، وأن يتفضل عليه بمحو السيئات، وأن يعامله بعفوه العميم. وكان الفراغ من تسويد جلها بقلم مؤلفها في بندر الحرمين جدة سنة 1031 هجرية على مهاجرها وآله آلاف الصلاة والسلام.

[ 325 ]

وفاة الامام محمد الجواد " عليه السلام " تأليف العلامة الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن الشيح أحمد بن عصفور الدارزي البحراني

[ 327 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي كره هذه الدار لاجواد عباده وجعلهم فيها ممتحنين، وأخرجهم منها على الشهادة بسيوفها القاطعة من أهل فساده، فصبروا على مكارهها وما قد فيها من بلائه ونكاده، والصلاة والسلام على محمد المبتلى في نفسه وأطائب أولاده. وبعد فيقول فقير الله الكريم الراجي لعفو ربه وإنقاذه من ذنوبه وعظائم إجرامه، الجاني حسين بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن عصفور الدرازي البحراني رحمه الله تعالى قد عزمت على تأليف كتاب مختصر في وفاة جواد الاجواد، ومحل الرشاد ومفتاح السداد، باب المراد الامام الهمام محمد بن علي الجواد، لتجتمع عليه الشيعة الامجاد، ونقوم بالعزاء ونشر أخبار مصائبهم وما جرى عليهم من أهل الالحاد فقد لقوا شدائدا تندك لها الجبال الاطواد، وتنفطر لها السبع الشداد، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا لذلك لنسلم به من أهوال يوم التناد، ونصل به إلى جوارهم في مستقر رحمته التي وسعت العباد، وسميته بضرام الحزن الوقاد وفي وفاة سيدنا ومولانا محمد بن علي الجواد ولنذكر أمام المقصود بعض ما وقع له من المعاجز في حال الميلاد إلى يوم وفاته (ع) وانتقاله إلى جوار الآباء والاجداد، وكان مولده (ع) في شهر رمضان سنة خمس وتسعون ومائة من الهجرة، وأمه أم ولد وربما يقال لها سبيكة النوبية، والاصح أن اسمها

[ 328 ]

خيزران، وروي أنها كانت من أهل بيت مارية أم إبراهيم ابن رسول الله (ص)، وقد نص عليه أبوه بالامامة (ع) وله من العمر ثلاث سنين، ولقد وقعت عليه الشيعة في أمر عظيم عند وفاة والده لان أباه كان بخراسان وهو طفل صغير في المدينة المنورة على مشرفها السلام. وفي خبر أبي يحيى الصنعاني كما في الكافي قال: كنت عند أبي الحسن الرضا (ع)، فجئ بابنه أبي جعفر (ع) وهو صغير، فقال: هذا هو المولود الذي لم يولد مثله، ولا أعظم بركة على شيعتنا منه. وفي رواية الحسن بن الجهم قال: كنت عند أبي الحسن الرضا (ع) وهو جالس، فدعا بابنه وهو صغير فأقعده في حجره وقال لي: جرده وانزع قميصه، فنزعته، وقال لي: أنظر بين كتفيه، قال: فنظرت فإذا في إحدى كتفيه شبه الخاتم داخل في اللحم. وفي رواية صفوان بن يحيى قال: قلت للرضا (ع): قد كنا نريد أن نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر، فكنت تقول: يهب الله لي غلاما وقد وهبه الله لك، فأقر الله عيوننا، فلا أرانا الله عزوجل يومك فإن كان كون فإلى من ؟ فأشار بيده إلى أبي جعفر (ع) وهو قائم بين يديه، فقلت: جعلت فداك هذا ابن ثلاث سنين، فقال (ع): ما يضره من ذلك وقد قام عيسى ابن مريم (ع) بالحجة وهو ابن ثلاث سنين. وفي رواية زكريا بن يحيى الصيرفي قال: سمعت علي بن جعفر يحدث الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين، فقال في حديثه لقد نصر الله أبا الحسن الرضا (ع) لما بغى إليه إخوته وعمومته فقال له الحسن: أي والله جعلت فداك لقد بغى عليه اخوته، فقال علي بن جعفر: اي والله ونحن بغينا عليه، فقال له الحسن (رض): كيف صنعتم فإني لم أحضركم قال: فقال له إخوته: ونحن أيضا ما كان فينا إماما حائل اللون، فقال لهم الرضا (ع): هو ابني، قالوا فإن قد قضى بالقافة فبيننا وبينك القافة، قال: ابعثوا إليهم أنتم وأما أنا فلا

[ 329 ]

ولا تعلموهم لما دعوتموهم وليكونوا في بيوتكم، فلما جاؤوا اقعدونا في البستان، واصطفت عمومته وإخوته، وأخذوا الرضا (ع) وألبسوه جبة صوف وقلنسوة منها ووضعوا على كتفه مسحات، وقالوا: ادخل البستان كأنك تعمل فيه، ثم جاؤوا بأبي جعفر (ع) وقالوا لهم: ألحقوا لنا هذا بأبيه، فقالوا: ليس هاهنا أب له ولكن هذا عم أبيه، وهذا عمه، وهذه عمته، وإن كان له أب هاهنا فهو صاحب البستان فإن قدميه واحدة، فلما رجع أبو الحسن (ع) قالوا: هذا أبوه. قال علي بن جعفر: فمصصت ريق أبي جعفر (ع) ثم قلت: أشهد أنك إمامي عند الله عزوجل، فبكى الرضا (ع) ثم قال: يا عم ألم تسمع أبي (ع) وهو يقول: قال رسول الله (ص): يأتي ابن خيرة الاماء ابن النوبية الطاهرة الطيبة الفم المنتجبة الرحم، ويلهم لعن الله الاعبس وذريته صاحب الفتنة يقتلهم سنينا وشهورا وأياما، يسومهم خسفا ويسقيهم كأسا مصبرة، وهو الطريد الشريد الموتور بأبيه وجده صاحب الغيبة، فيقال: مات أو هلك أو أي واد سلك أيكون هذا يا عم إلا مني قال صدقت جعلت فداك. وروى الحسن بن عمارة قال: كنت عند علي بن الامام جعفر (ع) بالمدينة، وكنت أقمت عنده سنين أكتم عنده ما أسمع من أخيه أبي الحسن (ع) إذا دخل عليه أبو جعفر محمد بن علي الرضا (ع) مسجد رسول الله (ص) فوثب علي (ع) بلا حذاء ولا رداء فقبل يديه وعظمه فقال له أبو جعفر (ع) اجلس يا عم رحمك الله فقال يا سيدي كيف أجلس أنا وأنت قائم، فلما رجع علي بن جعفر إلى مجلسه جعل أصحابه يوبخونه ويقولون له: أنت عم أبيه وأنت تفعل به هذا الفعل، فقال: لسكتوا إذا كان الله عزوجل وقبض على لحيته لم يؤهل هذه الشيبة وأهل هذا الفتى ووضعه، أأنكر فضله ؟ نعوذ بالله مما تقولون، بل أنا له عبد، وناهيك بها من نصوص قد أسفرت عن إمامته (ع) وهو مولود وجواد الاجواد، جعله الله لبحار علمه مداد، وأتاه الله الحكمة وفصل

[ 330 ]

الخطاب وهو صبي في المهاد، الله أعلم حيث يجعل رسالته على رؤوس الاشهاد، ولقد تطاولت عليهم أهل الزيغ والعناد وحملهم عليهم الغل والحسد الكامن في الفؤاد، فأنكروا مأمنهم ولم يقروا بإمامة الجواد وأقروا بإمامة الرضا (ع)، ووقفوا عليه وكذا على أبيه (ع) من قبله، وولغوا في دمائهم وقيدوهم بالقيود والاصفاد ولله در من قال حيث أجاد: [ لله درك من جواد فاق من * قد حل مرتبه المسهي والفرقد ] [ نجل الرضا من عنده فصل القضا * باب الرضا كهف الحجا والسؤدد ] [ حسدوه إذ ولاه مولاه الذي * قد ناله عيسى زمان المولد ] [ في المهد ينطق من سعادة جده * أثر النجابة فيه خير مسدد ] [ جبريل يخدمه جهارا في الورى * وله الملائك والملا طوع اليد ] [ يا ويلهم كيف الجحود لشأنه * والنص فيه قائم في المشهد ] [ مهلا بني العباس قبح فعلكم * لبني الرسالة معتد من معتد ] [ قطعتم أرحامكم ونصرتم * أعدائكم من كل رجس أوغد ] [ فعليكم لعن المهيمن دائما * لا ينقضي أبدا ليوم الموعد ] وفي عيون المعجزات لعلم الهدى قال: لما قبض الرضا (ع) كان سن أبي جعفر (ع) سبع سنين، فاختلف الناس ببغداد وفي الامصار واجتمع الريان بن الصلت، وصفوان بن يحيى، ومحمد بن حكيم، وعبد الرحمن بن الحجاج، ويونس بن عبد الرحمن، وجماعة من وجوه الشيعة وثقاتهم في دار عبد الرحمن بن الحجاج في بركة زلول يبكون ويتوجعون من هذه المصيبة، فقال لهم يونس بن عبد الرحمن: دعوا البكاء: من لهذا الامر وإلى من نقصد بالمسائل إلى أن يكبر هذا يعني أبا جعفر (ع)، فقام إليه الريان بن الصلت ووضع يده في حلقه ولم يزل يلطمه ويقول: أنت تظهر الايمان لنا وتبطن الشك الشرك، إن كان أمره من الله ومن رسوله (ص) فلو أنه كان ابن يوم واحد لكان

[ 331 ]

بمنزلة الشيخ العالم وفوقه وإن لم يكن من عند الله فلو عمر ألف سنة فهو واحد من الناس هذا مما لا ينبغي أن يفكر فيه، فأقبلت العصابة عليه تعذله وتوبخه، وكان وقت الموسم فاجتمع من فقهاء بغداد والامصار وعلمائهم ثمانون رجلا فخرجوا إلى الحج وقصدوا المدينة، ليشاهدوا أبا جعفر (ع) فلما وافوه أتوا دار جعفر الصادق (ع) لانها كانت فارغة ودخلوها وجلسوا على بساط كبير، وخرج إليهم عبد الله بن موسى (ع) فجلس في صدر المجلس، وقام مناد وقال: هذا ابن رسول الله (ص) فمن أراد السؤال فليسأل، فسئل عن أشياء أجاب فيها بغير الجواب، فرد على الشيعة ما أحزنهم وغمهم واضطربت الفقهاء فقاموا وهموا بالانصراف وقالوا في أنفسهم: لو كان أبو جعفر (ع) يكمل لجواب المسائل لما كان عند عبد الله ما كان ومن الجواب بغير الواجب، ففتح عليهم باب من صدر المجلس ودخل موفق وقال: هذا أبو جعفر (ع) فقاموا إليه واستقبلوه وسلموا عليه فرد عليهم السلام فدخل (ع) وعليه قمصان وعمامة بذؤابتين، وفي رجليه نعلان، وجلس وأمسك الناس كلهم فقام صاحب المسألة فسأله عن مسألة أجاب عنها بالحق، ففرحوا ودعوا له وأثنوا عليه وقالوا له: إن عمك عبد الله أفتى بكيت وكيت، فقال (ع): لا إله إلا الله يا عم إنه عظيم عند الله أن تقف بين يديه فيقول لك لم تفتي عبادي بما لا تعلم وفي الامة من هو أعلم منك، ولم يزل صلوات الله عليه في كل يوم تظهر له (ع) معاجز وبراهين لا تحصى، وكرامات لا تستقصى حتى تحدث الناس بفضله في جميع الامصار، واعتقدوا فضله على من سواه الاجتماع. فمن معجزاته (ع) البارعة ما وقع له عند وفاة أبيه (ع) وقد ذكرناها مفصلة هناك، وما رواه محمد بن ميمون قال: كنت مع الرضا (ع) بمكة قبل خروجه إلى خراسان فقلت له: إني أريد أن أتقدم إلى المدينة، فاكتب معي كتابا إلى أبي جعفر (ع)، فتبسم وكتب كتابا وسرت إلى المدينة وكان قد ذهب بصري، فأخرج الخادم أبا جعفر يحمله من المهد فناولته الكتاب فقال موفق: فضه

[ 332 ]

وانشره بين يديه ففضضته ونشرته بن يديه فنظر فيه ثم قال لي: يا محمد ما حال بصرك ؟ فقلت: يا ابن رسول الله اعتليت فذهب بصري كما ترى، فمد يده ومسح على عيني فعاد إلى بصري كأصح مما كان، ثم قبلت يديه ورجليه وانصرفت من عنده وأنا بصيرا. وروي عن حكيمة بنت الرضا (ع) قالت: لما توفي أخي الجواد (ع) صرت يوما إلى امرأته أم الفضل بسبب احتجت إليها فيه، قالت: فبينما نحن نتذاكر فضائل الجواد وكرمه وما أعطاه الله تعالى إذ قالت امرأته أم الفضل: ألا اخبرك عن أبي جعفر بعجيبة لم يسمع بمثلها قط ؟ قلت: فما ذلك ؟ فقالت: انه أغارني مرة بجارية ومرة بتزويج، فكنت أشكوه إلى المأمون فيقول لي: يا بنية احتمليه فإنه ابن رسول الله (ص)، فبينما أنا ذات ليلة جالسة إذ أتت إلي امرأة كأنها غصن بان أو قضيب خيزران فقلت لها: من أنت ؟ فقالت: أنا زوجة أبي جعفر، وأنا امرأة من ولد عمار بن ياسر (رض) قالت: فدخل علي من الغيرة مالا أملك على نفسي، فنهضت من وقتي وساعتي إلى المأمون وكان ثملا من الشراب وقد مضى من الليل أربع ساعات، فأخبرته بحالي فقلت: إنه يشتمني ويشتم العباس وولده، وقلت فيه ما لم يكن أبدا فغاظه ذلك وأخذ سيفه وتبعته ومعه خيزران الخادم، فجاء إلى أبي جعفر (ع) وهو نائم فضربه بالسيف حتى قطعه إربا إربا وعاد، فلما أصبح عرفنا ما كان منه فأنفذ الخادم فوجد أبا جعفر (ع) قائما يصلي، فرجع له وأخبره أنه سالم، ففرح وأعطى الخادم ألف دينار وحمل إلى محمد الجواد (ع) عشرة آلاف دينار، واجتمع معه واعتذر إليه بالسكر، فأشار بترك الشراب فقبل منه الحديث. ولله درمن قال: [ فوا لهفتي لا بن الرضا وما جرى * عليه من المأمون شر جزاء ] [ لقد أضمر الغل الكمين بقلبه * ولم يكفه ما قد جرى باباء ] [ أيسعى إلى قتل الجواد ولم يكن * له نحوه ذحل وشر قضاء ]

[ 333 ]

[ لقد سم مولانا الرضا بعد ما جرى * له بين خلق الله عهد ولاء ] [ وثني بمولانا الجواد وقد غدى * يهد به ركن الهدى وعلاء ] [ فيهلك من قام الوجود بجوده * ويخمد دين الله بعد سناء ] [ فمهلا بني العباس إن إمامكم * لمن يأخذ الثارات من خلفاء ] [ تجرت على ظلم النبي محمد * وعاثت فسادا مع عنى وشقاء ] [ فلا زال لعن الله يهمي عليهم * دواما ليوم الحشر يوم جزاء ] ومعاجزه التي تبهر العقول ما ثبت في المنقول عن مؤدب كان لابي جعفر (ع) قال: إنه كان يوما يقرأ في اللوح كما جرت به العادة مع الصبيان إذ رمى اللوح من يده وقام فزعا مرعوبا وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون مضى والله أبي (ع)، فقلت: من أين علمت هذا ؟ فقال: دخلني من جلال الله وعظمته شئ لم أعهده وقد مضى، فقلت دع عنك هذا، فقال: ائذن لي أن أدخل البيت وأخرج إليك، واستعرضني القرآن أفسره لك لتحفظه عني، فقام (ع) ودخل البيت، فقمت ودخلت البيت في طلبه اشفاقا عليه فسألت عنه فقيل لي: دخل هذا البيت ورد الباب دونه وقال: لا تأذنوا لاحد حتى أخرج إليكم، فخرج (ع) مغبر اللون وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون قضى والله أبي فقلت: جعلت فداك قد مضى (ع) فقال: نعم، وقد وليت غسله وتكفينه فما كان يلي ذلك منه غيري، ثم قال لي: دع عنك هذا واستعرضني القرآن فأفسره لك وتحفظه، فقلت: لا أعرف فقال (ع): أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا انه واقع بهم) (1) فقلت: المص فقال (ع) هذا أم أول السورة، وهذا ناسخ وهذا منسوخ، وهذا محكم وهذا متشابه، وهذا خاص وهذا عام، وهذا ما شبه على الناس.


(1) سورة الاعراف، الآية: 171. (*)

[ 334 ]

ثم انه (ع) قام بما تحتاج إليه النا س بعد أبيه (ع) لانه الحجة ولا يحجزه عن ذلك صغر سنه لانه (ع) مستكمل الشرائط، وهم أنوار الله في عالم المكنون والملكوت وإنما هم صموت ما داموا لم يؤذن لهم، ثم انه (ع) تقصدته الظلمة والحسدة فأشخص من المدينة إلى بغداد في زمن المعتصم مرارا. ونقل عن إسماعيل بن مهران قال: لما خرج أبو جعفر (ع) من المدينة إلى بغداد في المرة الاولى جئته فقلت له: جعلت فداك إني أخاف عليك من هذا الوجه، فإلى من الامر بعدك ؟ فكر بوجهه إلي ضاحكا وقال: ليس الغيبة كما ظننت في هذه السنة، فلما وصل بغداد أقام هناك ورجع، ولما أخرج (ع) في الثانية إلى المعتصم صرت إليه فقلت: جعلت فداك أنت خارج فإلى من الامر من بعدك ؟ فبكى (ع) حتى اخضلت لحيته بالدموع، ثم اشار إلي فقال: في مثل هذه السنة يخاف علي فالامر من بعدي إلى ابني علي (ع). وفي رواية علي بن خالد كما رواه محمد بن الحسان قال: كان علي بن خالد زيديا فحكى إلي قال: كنت في العسكر فبلغني أن هناك رجلا محبوسا أتي به من ناحية الشام مكبولا، وقالوا: إنه تنبأ، فقال علي بن خالد: فأتيت وداريت البوابين والحجبة حتى وصلت إليه، فإذا هو رجل ذو عقل وفهم، فقلت له: يا هذا ما قصتك وما أمرك ؟ فقال: إني رجل كنت في الشام أعبد الله تعالى في الموضع الذي فيه رأس الحسين (ع)، فبينما أنا في عبادتي إذ أتاني شخص وقال لي: قم بنا، فقمت معه إذ أتى بي مسجد الكوفة، فقال لي: تعرف هذا المسجد ؟ فقلت: نعم هذا مسجد الكوفة، قال: فصلى وصليت معه، فبينما أنا معه وإذا نحن بمكة فلم أزل معه حتى قضى مناسكه وقضيت مناسكي معه، فينما أنا معه وإذا أنا في الموضع الذي أ عبد الله فيه بالشام ومضى الرجل، فلما كان العام القابل أتاني وفعل بي مثل ما فعل في المرة الاولى، فلما فرغنا من مناسكنا وردنا الشام وهم بمفارقتي، قلت له: سألتك بالذي قدرك على هذا الذي رأيت إلا ما أخبرتني من أنت. قال: أنا محمد بن

[ 335 ]

علي بن موسى بن جعفر (ع). فترقى الخبر إلى محمد بن عبد الملك فبعث إلي وأخذني وكبلني في الحديد وحملني إلى العراق فقلت له: ارفع قصتك إلى محمد بن عبد الملك ففعل وذكر ما كان وقع في قصته، فقال له: قل للذي أخرجك من الشام في ليلة إلى الكوفة، ومن الكوفة إلى المدينة، ومن المدينة إلى مكة وردك من مكة إلى الشام أن يخرجك من حبسك هذا، قال علي بن خالد: فغمني ذلك من أمره ورققت له، وأمرته بالقرار والصبر، قال: ثم بكرت عليه من الغد، فإذا الجند وصاحب الحرس وصاحب السجن وخلق الله خلقا وهم في كلام، فقلت ماذا ؟ فقالوا إن المحمول فقد الذي تنبأ البارجة فما ندري أخسفت به الارض أم اختطفته الطير، فيا لها من مناقب لا يجحدها إلا من أعمى الله بصره وبصيرته، وحملته العداوة وقبح سريرته، فما أعماهم عن الحق المبين وما أشد نفاقهم في إطفاء نور الله الظاهر المستبين، وكم له من معاجز أوجب له هذا الداء الدفين، فواضيعة الاسلام والمؤمنين فقد أصبح كتاب الله مهجورا، ورسول الله محروبا وموتورا فلعنة الله على القوم الظالمين. ولله در من قال: [ سأنعي التقي والجود إذ فقدا بما * جرى من ولاة الجور في خيرة الرضا ] [ على الدار من بعد الجواد عفاتها * فواضيعة الاسلام من بعد ما قضى ] [ محمد جواد الاولياء ومن له * فضائل لا تحصى يضيق بها الفضا ] [ ستبكيه عين المجد والشرف الذي * تساوى وعين العلم والحق والرضا ] [ فواعجبا للخلق بعد افتقاده * يقربهم وجه الثرى بعد ما مضى ] [ سأبكيه ما دامت حياتي وبعدما * أكون رميما لست عن ذاك معرضا ] حكى عن شيخ من أصحابنا عن محمد بن الرضا قال: احتال المأمون على أبي جعفر (ع) بكل حيلة فلم يمكنه فيه شئ، فلما اعتل وأراد أن يبني عليه أبنية دفع مائتي وصيفة من أجمل ما يكون، وأعطى كل واحدة جاما فيه

[ 336 ]

جوهرة يستقبلن أبا جعفر (ع) إذا قعد في موضع الاجناد ففعلن، فلم يلتفت (ع) إليهن، وكان هناك رجل يقال له مخارق صاحب صوت وعود وطرب، طويل اللحية، فدعاه المأمون فقال: يا أمير المؤمنين إن كان فيه شئ من أمر الدنيا فأنا أكفيك أمره، فقعد بين يدي أبي جعفر (ع) فشهق مخارق شهقة أجمع عليه أهل الدار، وجعل يضرب بعوده ويغني فلما فعل ساعة وإذا أبو جعفر (ع) لا يلتفت إليه يمينا ولا شمالا، ثم رفع (ع) رأسه وقال اتق الله يا ذي العتنون، فسقط المضراب من يده والعود، فلم ينتفع بيده إلى أن مات، قال فسأله المأمون عن حاله قال: لما صاح بي أبو جعفر فزعت فزعة لا أفيق منها أبدا. وروى محمد بن علي الهاشمي قال: دخلت على أبي جعفر صبيحة عرسه بحبيبة بنت المأمون، وكنت تناولت من الليل دواء، فأول من دخل عليه في صبيحته أنا وقد أصابني العطش، فكرهت أن أدعو بالماء، فنظر أبو جعفر (ع) في وجهي وقال: أظنك عطشانا ؟ فقلت: أجل فقال: يا غلام اسقنا ماء، فقلت: الساعة يأتونه بماء يسمونه فيه فاغتممت لذلك، فأقبل الغلام ومعه الماء فتبسم في وجهي ثم قال: ناولني الماء فناوله الماء فشرب ثم ناولني فشربت، ثم عطشت أيضا ففعل مثلما فعل في الاول، فلما جاء الغلام ومعه القدح قلت في نفسي مثلما قلت في الاول، فتناول القدح (ع) فشرب فناولني فشربت. قال محمد بن حمزة: فقال لي هذا الهاشمي أظنه كما تقولون فكم له مثل هذه المناقب التي تملا الكتب والطوامير، وتزعزع في قلوب أعدائه ثاقبات السعير حتى جردوا لهم سهام العداوة ولم يدعو لهم قليل ولا كثير، فما منهم إلا مسجون مظلوم وذبيح مسموم سيما من الرجيم المأمون الملعون، بعد ما فعل بأبيه من القتل وسقي السموم فحسده بعد أن بوأه مقامات الغدر ليسقيه المنون، وأبى الله أن يكون ذلك على يديه فحال بينه وبين مراده لان الاقدار قد أجرت قتله (ع) على يد غيره من الفجار.

[ 337 ]

وقد روي أنه بعدما تزوج بأم الفضل في بغداد أقام وقتا، ثم أنه صلوات الله عليه عزم على الرجوع إلى المدينة، فلما توجه (ع) من بغداد منصرفا من عند المأمون ومعه أم الفضل قاصدا إلى المدينة، صار إلى شارع باب الكوفة ومعه الناس يشيعونه، فانتهى إلى دار المسيب عند مغيب الشمس، فنزل ودخل المسجد وكان في صحن المسجد نبقة صغيرة لم تحمل قبل، فدعا بكوز فيه ماء فتوضأ في أصل النبقة وقام (ع) بالناس صلاة المغرب، فقرأ في الاولى الفاتحة وإذا جاء نصر الله والفتح، وقرأ في الثانية الحمد وقل هو الله أحد، وقنت قبل ركوعه منها وتشهد، وقام للثالثة وتشهد وسلم، ثم جلس هنيئة وذكر الله عز وجل وقام من غير تعقيب، وصلى النوافل أربع ركعات وعقب بعدها وسجد سجدتي الشكر ثم خرج (ع)، فلما وصل النبقة هزها فرآها الناس قد حملت حملا حسنا فتعجبوا من ذلك فأكلوا فوجدوه نبقا حلوا لا عجم له وودعوه ومضى (ع) من ساعته إلى المدينة، فلم يزل بها حتى أشخصه المعتصم في سنة خمسة وعشرين ومائتين إلى بغداد، وهي المرة الثانية لانه خرج قبلها وقد ذكرناها في المقدمة برواية إسماعيل بن مهران وهي التي بكى له عند خروجه وسؤاله عنها من الذي يلي الامور بعده، فهناك ودعه ورفاقه وسار الامام (ع) إلى أن وصل إلى بغداد ومعه أم الفضل، فأقام هناك والمعتصم يبتغي له الغوائل وينصب له الحبائل، وهو (ع) عالم يؤول الامر إليه وما يجري من سمه وشهادته على يديه، ولله دره من شهيد قد شهد الله له بالمرتبة العليا، حيث تبوأ مقام آبائه (ع)، وقدم على ما قدموا عليه ولم يتولد له من الذكور سوى أبي الحسن علي الهادي (ع). وكان السبب في شهادته (ع) ما روي عن ابن أرومة قال: إن المعتصم جمع جماعة من خواصه ووزرائه فقال: اشهدوا على محمد الجواد شهادة واكتبوا كتابا أنه يريد أن يخرج علي، ففعلوا ذلك ثم دعاه فقال له: إنك أردت أن تخرج علي فقال (ع): والله ما فعلت شيئا من ذلك، فقال: إن فلانا وفلانا

[ 338 ]

يشهدون بذلك عليك ثم أحضرهم فقالوا: هذه الكتب أخذناها من يد بعض غلمانك، قال: وكان في بهو، فرفع أبو جعفر (ع) يده وقال: أللهم إن كانوا كذبوا علي فخذهم قال: فنظرنا إلى ذلك البهو كيف يرجف وكيف يذهب وكيف يجيئ وكلما قام واحد وقع لوجهه، فقال المعتصم: يابن رسول الله أنا تائب مما قلت فادع ربك أن يسكنه فقال (ع) أللهم سكنه فإنك تعلم أنهم أعداؤك وأعدائي، فسكن البهو من وقته. ولله در من قال: [ أمعتصم لا زلت مثوى عذابه * أتعمد في قتل الوصي جوادها ] [ عمدت إلى ركن الهداية والندى * وباب علوم الله أصل رشادها ] [ فأي ذحول أورثت لكم على * بني عمكم ركن العلا وعمادها ] [ لقد زدتم في الجور آل يزيدها * وجاوزتم في الظلم آل زيادها ] [ فما ظلم فرعون لموسى وآله * يزيد على ظلم لكم بل وعادها ] وفي تفسير العياشي بإسناده عن زرقان صاحب ابن أبي داوود قال: رجع ابن أبي داوود يوما من عند المعتصم وهو مغتم فقلت له في ذلك فقال: وددت أني اليوم فقدت منذ عشرين سنة فقلت له: ولم ذلك ؟ قال: لما كان من هذا الاسود - يعني محمد بن علي الجواد (ع) - بين يدي أمير المؤمنين، فقلت له: كيف كان ذلك ؟ فقال: إن سارقا أقر على نفسه بالسرقة وسأل الخليفة أن يطهره بإقامة الحد عليه، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه وقد حضر محمد بن علي الجواد (ع) وسأله عن القطع من أي موضع يجب أن يقطع فقال (ع) من أصول الاصابع فقلت أنا من الكرسوع لان اليد هي الكف إلى الكرسوع لقوله تعالى في التيمم (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) (1) واتفق على ذلك قوم وقال آخرون: بل يجب القطع من المرفق، وسار الحديث والقصة إلى أن قال: فاستصوب رأيه المعتصم وأمر بقطع يد السارق من أصول الاصابع دون الكف.


(1) سورة النساء الآية: 43، وسورة المائدة، الآية: 6. (*)

[ 339 ]

قال ابن أبي داوود: قامت قيامتي وتمنيت أن لم أكن شيئا مذكورا: قال زرقان: فصرت إلى المعتصم بعد ثلاثة أيام فقلت له: إن نصيحة الامير علي واجبة، وأنا اكلمه مما أعلم أني أدخل به النار فقال، وما هو ؟ فقلت: إذا جمع لامير المؤمنين في مجلسه فقهاء رعيته وأخبروه بما عندهم من الحكم في ذلك، وقد حضر مجلسه نوابه وقواده ووزراؤه وكتابه، وقد استمع الناس بذلك من أربابه ثم يترك أقاويلهم كلهم إلى رجل يقول: شطر هذه الامة بإمامته ويزعمون أنهم مقتدون به وبأمته ثم يحكم بحكم دون حكم الفقهاء، قال: فتغير لونه وانتبه لما نبهته وقال: جزاك الله بنصيحتك خيرا، قال: فأمر في اليوم الرابع الامراء من كتابه ووزرائه أن يدعوهم إلى منزله، فدعاه معهم فأبى (ع) عليه وقال: إني لا أحضر مجالسكم فقال المعتصم: إنما أدعوك إلى الطعام وأحب أن تطل ببابي وتدخل منزلي فأتبرك بذلك، قال: فصار (ع) إليه فلما طعم منها أحس بالسم فدعى بدابته (ع)، فسأله أرباب المنزل أن يقيم فقال (ع): خروجي من دارك خير لك، فلم يزل (ع) يومه ذلك يتلوى حتى قبض صلوات الله عليه. وفي رواية عن الرضا (ع) أنه قال يقتل ابني محمد (ع) غصبا، فتبكي عليه أهل السماء والارض، ويغضب الله عزوجل على عدوه وظالميه، ولم يلبث إلا سنة حتى يحل الله به عذابه الاليم وعقابه الشديد الجسيم. وروى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ره) قال: كان سبب وفاته (ع) أن زوجته أم الفضل بنت المأمون لما رزق الله محمد الجواد ابنه علي الهادي (ع) من غيرها انحسرت عنه وسمته في تسعة عشر حبة عنب، وكان (ع) يحب العنب فلما أكلها بكت فقال لها: مم بكاؤك، والله لا ليضربنك الله بفقر لا ينجبر وبلاء لا يستقر، فبليت بعده بعلة في أغمض المواضع من بدنها وأنفقت عليها ملكها حتى احتاجت إلى رفد الناس، وروي أنها سمته في قرص فلما أحس بذلك قال لها: بلاك الله ببلاء لا دواء له، فوقعت أكلة في فرجها

[ 340 ]

فكانت تنكشف إلى الطبيب ينظر إليها ويستردن عليها بالداوء فلم ينفعها شئ حتى ماتت من علتها. [ يا قاتل الله من أحيت بفعلتها * شعار من قد سمت أفضل الرسل ] [ بشراك فيما فعلت بالجواد لظلى * أبكيت فاطمة والمصطفى وعلي ] [ والهفتاه لمسموم بسمته * تهدم الدين والكرسي في ميل ] [ وأصبح الجود ملحود بحفرته * حيث الجواد قضا بالحادث الجلل ] [ فلا الوجود وجود بعده أبدا * فعلة الكون أضحت ثم في عطل ] [ ولا السرور سرور بعده ولقد * جفت بحار علوم الله في كمل ] [ وددت أن جميع الخلق قد فقدت * فدا له من صروف الدهر والنكل ] [ صلى عليه إله العرش ما طلعت * شمس النهار على الآكام والطلل ] وفي عيون المعجزات لعلم الهدى قال: روي أن المعتصم جعل يعمل الحيل في قتل أبي جعفر (ع)، فأشار على ابنه المأمون زوجته بأن تسمه لانها منحرفة، فاطلع على انحرافها عن أبي جعفر (ع) وشدة غيرتها عليه لتفضيله أم أبي الحسن الهادي (ع) ولانه لم يرزق منها بولد، فأجابته إلى ذلك وتعمدت عليه وجعلت له سما في عنب ووضعته بين يديه (ع)، فلما أكل ندمت وجعلت تبكي فقال لها: مما بكائك ؟ فدعا عليها بما تقدم ذكره. قال الراوي فلما سقته السم بأمر المعتصم اللعين خافت على نفسها، فدخلت في قصر المعتصم مع حرمه وأقامت معهن لما صدر منها، فضاعف الله عذابها وشدد عليها عقابها، ثم أن الامام بقي والسم يجري في مفاصله وكان العام الذي أشخص (ع) فيه أبو جعفر محمد بن علي الجواد (ع) من المدينة المنورة إلى بغداد لليلتين بقيتا من المحرم سنة عشرين ومائتين، وكان ذلك بعد المأمون بثلاثين شهرا. قال الراوي على ما في الكتاب: فلما حان حينه وقرب وقته، وعلم

[ 341 ]

أنه (ع) سائر إلى روح الله ورضوانه، دعا بابنه أبي الحسن علي الهادي (ع) ونص عليه بمحضر جماعة من خواص شيعته ومواليه وثقاته، وسلم إليه ما كان عنده من مواريث الانبياء ثم قال: إن الامام بعدي علي (ع)، أمره أمري وقوله قولي وطاعته طاعتي وطاعة الله، ثم سكت. فقلت يابن رسول الله فمن الامام بعده ؟ قال: الحسن ابنه قلت: فمن الامام بعد الحسن (ع) ؟ فبكى (ع) بكاء شديدا ثم قال: بعد الحسن ابنه المهدي (ع) القائم بالحق المنتظر، فقلت له: يابن رسول الله ولم سمي القائم ؟ فقال: ألا إنه يقوم بالامر بعد فوت ذكره وارتداد أكثر القائلين بإمامته، قلت: ولم سمي المنتظر ؟ فقال: (ع) لانه (ع) له غيبة تكثر أيامها وتطول مدتها، وينتظر خروجه المخلصون وينكره المرتابون، ويستهزئ بذكره الجاحدون، ويكذب به المنافقون، ويهلك المستعجلون وتهلك فيه المسلمون. وروى الخيزراني عن أبيه أنه كان يلزم باب أبي جعفر للخدمة التي كان وكل بها، وكان أحمد بن محمد بن عيسى يحيى في سحر كل ليلة ليعرف خبر علة أبي جعفر (ع)، وكان الرسول الذي يختلف بين أبي جعفر (ع) وبين أبيه (ع) إذا حضر قام أحمد وخلا به، فخرجت ذات ليلة وقام أحمد عن المجلس وخلا أبي بالرسول، واستدار أحمد فوقف يسمع الكلام، فقال الرسول لابي: إن مولاك يقرؤك السلام ويقول لك: إني ماض والامر سائر إلى ابني علي (ع)، وله عليكم ما كان لي عليكم بعد أبي، ثم مضى الرسول ورجع أحمد إلى موضعه وقال لابي: ما الذي قال لك ؟ قال: خيرا قد سمعت ما قال فلا تكتمه، وأعاد ما سمع فقال له أبي: قد حرم الله عليك ما فعلت لان الله تبارك وتعالى يقول (ولا تجسسوا) (1) فاحفظ الشهادة لعلنا نحتاج إليها يوما وإياك أن تظهرها إلى وقتها، فلما أصبح أبي كتب نسخة الشهادة والرسالة في


(1) سورة الحجرات، الآية: 12. (*)

[ 342 ]

عشر رقاع وختمها ودفعها إلى عشرة من وجوه الصحابة وقال: إن حدث بي حدث الموت قبل أن أطالبكم بها فاقتحوها واعملوا بما فيها، فلما مضى أبو جعفر (ع) ذكر أبي أنه لم يخرج من منزله حتى قطع على يده نحو من أربعمائة إنسان، واجتمع رؤساء الصحابة عند محمد بن الفرج يتفاوضون في هذا الامر، فكتب محمد بن الفرج إلى أبي يعلمه باجتماعهم عنده وأنه لولا مخافة الشهرة لصار معهم إليه ويساعدهم عليه، فركب أبي وصار إليه فوجد القوم مجتمعين عنده فقالوا لابي: ما تقول في هذا الامر ؟ فقال أبي لمن عنده الرقع: احضروا الرقع، فحضورها، قال بعضهم: قد كنا نحب أن يكون معك في هذا الامر شاهدا آخر فقال لهم: قد أتيكم به، هذا أبو جعفر الاشتري يشهد بسماع هذه الرسالة، وسأله أن يشهد بما عنده، فنكر أحمد أن يكون سمع من هذا شئ، فدعاه أبي إلى المباهلة فقال لما حقق عليه قد سمعت ذلك وهذه مكرمة أحب أن تكون لرجل من العرب لا لرجل من العجم فلم يبرح القوم حتى قالوا بالحق جميعا. قال الرواي لي في قضية وفاته (ع): وكان السم يجري في بدنه فلم تطل لذلك مدة له حتى قضى به شهيدا وعرج به إلى ساحة الرضوان، وصار إلى عالم البقاء وجوار آبائه (ع) في رياض الجنان، وقامت الواعية في داره (ع) وعلا الضجيج والبكاء والعويل من الهاشميين والعلويين من آل عدنان، فهم بين نادب ونادبة وباك وباكية بأصوات عالية ونوح وعويل، وصارت الشيعة في حزن شديد وهم مبيد، وكل منهم ينادي وا إماماه وا سيداه وا محمداه وا كفيل اليتامى والمساكين وثمال المنقطعين ومأوى الضائعات والضائعين، ثم أن ابنه أبو الحسن علي الهادي (ع) قام في جهازه وغسله وتحنيطه وتكفينه كما أمره وأوصاه، فغسله وحنطه وأدرجه في أكفانه وصلى عليه في جماعة من شيعته ومواليه، وكان هارون بن اسحاق حاضرا هناك فلما علم بالحال ركب ومضى إليه وصلى عليه عند منزله في رحبة سوار بن ميمون من ناحية قنطاره البردان، فلما فرغوا من الصلاة عليه حملوه على سريره وساروا به وهم يبكون ويلطمون

[ 343 ]

عليه الخدود ويندبونه في حزن وطيش إلى مقابر قريش متنغصا عليهم النعيم والعيش، ثم أنهم وضعوه وألحدوه في مقابر قريش بجنب جده موسى بن جعفر (ع) الكاظم، فوقف ابنه علي الهادي (ع) على قبره قائلا: وا أبتاه وا محمداه آه وا وحدتاه وا قلة ناصراه وا نقطاع ظهراه، ليتني كنت لك الفدا يا أبتاه من بعدك وا وحشتاه فراقك قد أعمى عيني وهيج حزني وقطع نياط قلبي، يا أبتاه اقرأ آباءك عني السلام وأخبرهم بما نحن فيه من الهوان، يا أبتاه مضيت عنا ولم يطل لك العمر وتبلغ الكهولة في الحياة يا أبتاه، ثم انكفأ عنه سخين العين باكي الناظر، وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إنا لله وإنا إليه راجعون. وكان عمر محمد الجواد (ع) حينئذ على ما جاءت به الروايات خمسة وعشرين سنة وثلاثة أشهر واثني عشر يوما أقام منها مع أبيه الرضا خسمة سنين وشهرا، وأقام بعده عشرين سنة وشهرين وقيل عشرين سنة إلا شهرا، وكانت إمامته (ع) في بقية أيام المأمون ثم هلك المأمون، وكان أيام المعتصم أخ المأمون ثمان سنين وشهرا وقد استشهد مولانا الامام محمد الجواد في أيامه بسم له في أشهر الروايات. وإنما اختلفت الروايات في يوم وفاته ففي خبر محمد بن سنان قال: قبض محمد بن علي الجواد (ع) في يوم الثلاثاء لست خلون من ذي الحجة سنة عشرين ومائتين وهو ابن خمس وعشرين سنة وثلاثة اشهر واثني عشر يوما وبه أخذ. وفي رواية المفيد كما في مسار الشيعة أنه توفي يوم الثلاثاء وهو يوم الحادي عشر من ذي القعدة وينبغي لبس شعائر الاحزان في هذه الايام كلها، وفي كل آن ليحصل الجزاء من الرب المنيل: [ مضى الجواد فوا لهفي على الدين * خذوا حدادكم يا آل ياسين ] [ فإن مولى الورى قد قام نادبه * يقول من ليتيم أو لمسكين ] [ فضجت الرسل والاملاك تندبه * وجررت لمم التقوى على الطين ]

[ 344 ]

[ والجود أصبح منبوذا بحفرته * والشرع أصبح فيه فاقد العين ] [ يا عين سحي عليه أدمعا ودما * بكل لؤلؤ أمسى فيك مكنون ] [ قومي على جدث قد حل فيه تقى * واهرقي كل دمع فيك مخزون ] [ وكيف يبخل من جلت مصيبته * لديه بالدمع أو يهني بتزيين ] [ أحيت مصيبته في الناس كلهم * مصيبة الطف في ابن الميامين ] [ أبكت عيون رسول الله من تليت * عليه من عالم الايجاد والكون ] قال الراوي كما في عيون المعجزات: أنه لما قبض أبو جعفر دخلت حكيمة بنت الحسن الورشي وكانت من النساء الصالحات على امرأته أم الفضل قالت: لما دخلت عليه عزيتها فرأيتها شديدة الحزن والجزع والبكاء والحنين، حتى كادت أن تقتل نفسها بالبكاء والعويل، فخفت عليها أن تنصدع مرارتها فجريت معها في الحديث في كرمه وفضله وما أعطاه الله عزوجل من الفضل، فأخبرتني عنه بشئ لا يلبسه الله إلا من تردا برداء العصمة وأنزله المقام الكريم وجعل له الشأن العظيم (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) (1). للمؤلف: [ لله درك من ضريح قد حوى * جسد النبي من السلام سلام ] [ قبر سنا أنواره تجلو العمى * وقبر به دفعت به الاسقام ] [ قبر تمثل للعيون محمد * ووصيه والمؤمنون قيام ] [ قبر إذا حل الوجود بربعه * رحلوا وحطت منهم الآثام ] [ وتزودوا أمن العقاب وآمنوا * من أن يحل عليهم الاعدام ] [ الله عن ذنب لهم متصفحا * وبذاك عنهم جفت الاقلام ] [ أن يغن عن سقي الغمام فإنه * لولاه ما يسقى البلاد غمام


(1) سورة المائدة، الآية: 54. (*)

[ 345 ]

[ قبر به نجل الرضا وبه الرضا * ثملا ويزهو الحل والاحرام ] [ فرضوا إليه السعي كالبيت الذي * من دونه حقا له الاعظام ] [ من زاره في الله عارف حقه * فالمس منه على الجحيم حرام ] [ ومقامه لاشك يحمد في غد * وله بجنات الخلود مقام ] [ وله بذاك الله أوفى ضامن * قسما إليه تنتهي الاقسام ] [ صلى الاله على النبي محمد * وعلى علي رحمة وسلام ] [ وكذا على الزهراء صلى سرمدا * رب بواجب حقها علام ] [ وعلى ابنها الحسن الزكي ونجلها * السبط الشهيد ومن له الاكرام ] [ وعلى علي ذو التقى ومحمد * وعلي والحسن الزكي سلام ] [ وعلى خليفته الذي لكم به * ثم النظام فكان فيه ختام ] [ فهو المؤمل أن يعود به الهدى * وعلى يديه تعذب الاصنام ] [ لولاكم ما قام دين محمد * بين الانام ولا علا الاسلام ] [ أنتم إلى الله الوسيلة والاولى * علما الهدى فهم له أعلام ] [ أنتم ولاة الدين والدنيا ومن * لله فيهم حرمة وذمام ] [ ما الناس إلا من أقر بفضلكم * والجاحدون بفضلكم أنعام ] [ اني لارثيكم وأبكي رزؤكم * مادامت الاوقات والاعوام ] [ وأعده ذخرا وحصنا في غد * كيما يكون لنا بكم اعظام ] [ ولقد برئت من الذين تبرؤا * منكم وزلت منهم الاقدام ] [ وهم عدي وحبتر شر الورى * وإمامهم تيم كذاك دلام ] [ ومن العبابسة الذين تمردوا * بغيا وتاهوا في الضلال وهاموا ]

[ 347 ]

وفاة الامام علي الهادي " عليه السلام " تأليف العلامة الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن الشيخ أحمد بن عصفور الدارزي البحراني

[ 349 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الهادي عباده إلى ولاية أهل البيت (ع)، المحبب لهم القيام بوظائف الولاية التي بها كمال العناية والاعتصام النادب لهم الاشتمال بتلك الخصال، التي توجب لهم الفرح لفرحهم، والجزع لجزعهم، في كل حالة ومقام، والصلاة والسلام على محمد وآله الذين ابتلاهم بالمصائب العظام، وامتحنهم بفظائع أوجبت لهم القتل والاسر وعدم الاحترام، صلاة دائمة بدوام الليالي والايام. وبعد فيقول المذنب المنغمس في بحار الذنوب كالآثام حسين بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني: إن هذه نبذة جمعت فيها ما وصل إليه نظري من أخبارهم الواردة في وفاة الامام علي الهادي (ع)، ذي المكارم والايادي، وما جرى له في عمره الشريف من المصائب من الاوغاد والاعادي، مضيفا لها طرفا من المعجزات الشاهدة لفضائله وكراماته بين الخاص والعام، والحاضر والبادي، لتجتمع أخبار الشيعة في تلك المجالس والنوادي، فيثابون على ذلك الاجتماع ونشر تلك الفضائل والمراثي، كما هي السيرة الجارية في الاواخر والمبادي، وأذكر خلاف تلك الاخبار ما يناسبها من الاشعار كما هي طريق السيرة المتقدمة في مواليدهم ومراثيهم، وأجعل ذلك كمال زادي، وذخيرة ليوم معادي، وسميتها: (ضياء النادي ورواء الصادي،

[ 350 ]

في وفاة علي بن محمد النقي الهادي)، جعلته مشتملا على مجالس ثلاثة: المجلس الاول: منها في النص عليه من آبائه الطاهرين، مع ذكر نسبه الشريف أما وأبا، وتاريخ ولادته (ع) وبروزه من أولئك النجباء، وما خصه الله تعالى به اسما وكنية ولقبا. المجلس الثاني: في معاجزه التي طبقت الآفاق شرقا وغربا. المجلس الثالث: فيما وقع عليه من خلفاء زمانه الذين اجترؤا عليه وسقوه كاسات المنون قلاء ونصبا، وبالله أستعين إنه خير موفق ومعين.

[ 351 ]

المجلس الاول في النص عليه من آبائه روى في المناقب أن اسمه الشريف الذي سماه الله به كما في حديث اللوح المنزل بأسمائهم وألقابهم وآبائهم وأمهاتهم فهو علي بن محمد التقي، العالم، الفقيه، الامين، المؤتمن، الطيب، المتوكل ونسبه (العسكري) نسبة إلى المحل الذي سكنه بسر من رأى حتى قبضه الله إليه وكذلك ابنه (ع)، وكان أطيب الناس بهجة، وأصدقهم لهجة، وأمنحهم من قريب، وأكملهم من بعيد، إذا صمت كان له هيبة الوقار، وإذا تكلم بزغ منه سيماء البهاء والفخار، وأمه يقال لها سمانة والمربية. وكان مولده الشريف يوم الجمعة ثاني رجب الاصب أو خامسه أو منتصف شهر ذي الحجة الحرام. وروى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري بإسناده عن محمد بن الفرج بن عبد الله قال: دعاني أبو جعفر محمد بن علي الجواد وأعلمني أن قافلة قدمت وفيها نخاس معهم جوار، ودفع لي سبعين دينارا وأمرني بابتياع جارية وصفها لي، فمضيت فعملت بما أمرني وكانت الجارية أم أبي الحسن الهادي. وفي رواية أخرى عن محمد بن الفرج وعلي بن مهزيار عن السيد أنه قال: أمة عارفة بحقي، لا يقربها شيطان مارد، ولا ينالها كيد جبار عنيد، وهي

[ 352 ]

كانت بعين الله تعالى التي لا تنام، ولا تخلف عن أمهات الصديقين والصالحين ؟ وأما النص عليه من أبيه فقد بلغت أخباره التواتر، وعن إسماعيل بن مهزيار أنه قال: لما خرج أبو جعفر (ع) من المدينة إلى بغداد في الدفعة الاولى من خروجه، قلت له: جعلت فداك إني خائف عليك من هذا الوجه فإلى من الامر من بعدك ؟ فكر بوجهه (ع) إلي ضاحكا وقال: ليس الامر حيث ظننت في هذه السنة فلما استدعى به المعتصم صرت إليه فقلت له: جعلت فداك ها أنت خارج فإلى من الامر من بعدك، فبكى (ع) حتى اخضلت لحيته بالدموع، ثم التفت إلي فقال: عند هذه يخاف علي، فالامر من بعدي إلى ابني علي، فإن أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي، والامامة بعده في ابنه الحسن. وفي الكافي عن أحمد بن أبي خالد مولى أبي محمد بن علي بن موسى بن جعفر أشهده أنه أوصى إلى ابنه علي لنفسه وإخوانه، وجعل أمر موسى إذا بلغ إليه، وجعل عبد الله بن المساور قائما على تركته من الضياع والاموال والنفقات والدقيق وغير ذلك، إلى أن يبلغ علي بن محمد صير عبد الله بن المساور ذلك اليوم إليه يقوم بأمر نفسه وإخوانه، ويصير أمر موسى إليه يقوم به على شرط أبيهما في صدقاته التي تصدق بها، وذلك يوم الاحد لثلاث خلون من ذي الحجة سنة عشرين ومائتين، وكتب أحمد بن أبي خالد شهادته بخطه، وشهد الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين (ع) وهو الجواني على مثل شهادة أحمد بن أبي خالد في صدر هذا الكتاب، وكتب شهادته بيده وشهد نصر الخادم وكتب شهادته بيده. وفي كتاب العيون للسيد المرتضى عن محمد بن عيسى الاشعري أن أبا جعفر لما أراد الخروج من المدينة إلى العراق ومعاودتها، أجلس أبا الحسن في حجره بعد النص عليه، وقال له: ما الذي تحب أن أهدي إليك من طرائف فقال (ع): سيفا كأنه شعلة نار، ثم التفت إلى موسى ابنه وقال له: ما الذي

[ 353 ]

تحب أنت ؟ فقال: فرسا، فقال (ع): أشبهني أبو الحسن وأشبه هذا أمه. ولله در من قال: [ فلله مولود علا في سمائه * فأظهر سيما السن من صغر السن ] [ ولا غرو منه فهو نور مؤلق * من العالم العلوي أولاه ذو المن ] [ وصيره في عالم القدس حجة * لاملاكه مع عالم الانس والجن ] [ لقد حسدته ولد أعمامه الاولى * أبادوهم بالقتل والاسر والسجن ] [ وقد اقفرت تلك الربوع عقيبهم * من العلم والمعروف والجود والمن ] [ ومن عجب كيف الورى يحسدونهم * وهم حجج الباري على الحر والقن ] وروى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ره) عن هارون ابن الفضل، عن رجل كان رضيع أبي جعفر الثاني (ع) قال: بينما أبو الحسن (ع) مع مؤدبه إذ بكى بكاء شديدا، فقال له المؤدب: مما بكاؤك ؟ فلم يجبه، ثم قال له: إئذن لي بالدخول في هذه الدار فأذن له، فارتفع الصياح من داره بالبكاء فخرج (ع) إلينا فسألناه عن السبب في بكائه فقال (ع): إن أبا جعفر توفي الساعة، فقلت له: من أعلمك ؟ فقال (ع): دخلني من جلال الله شئ لم أكن أعرفه فعلمت أن أبي قد مضى، قال: فكتبنا ذلك اليوم والشهر إلى أن ورد خبره فإذا هو في ذلك الوقت بعينه قال: وكان سيدنا أبو الحسن (ع) يومئذ ابن ثمان سنين. وفي رواية اخرى عن هارون بن الفضل قال: رأيت أبا الحسن - يعني صاحب العسكر - في اليوم الذي توفي فيه أبوه يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون مضى أبو جعفر، فقلت له: كيف تعلم وهو ببغداد وأنت بالمدينة فقال (ع): لانه لحقني من ذلك ذلة واستكانة لله عزوجل ولم أكن أعرفها، فعلمت أنه مضى، وليس ذلك ببعيد منهم فإنهم مفطرون على العلم بالمغيبات الذي لا يدركها سائر النبيين والمرسلين، ولذا تحمل الخلافة وهو ابن ثمان سنين كما تحملها عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا، وكانت لوالده يوم مات جده،

[ 354 ]

وكانت مدة إمامة الهادي (ع) بعد أبيه (ع) ثلاثة وثلاثون سنة، وكانت إمامته في بقية ملك المعتصم، وملك الواثق خمس سنين وتسعة أشهر ثم هلك، وملك المتوكل أربعة عشر سنة، ثم بقي (ع) بقية تلك المدة في خلافة المنتصر والمستعين والمعتز، وفي ملك المعتمد استشهد (ع) كما سيجئ، وكان المتوكل أشدهم عداوة إليه فلا زال يضمر له الغوائل، وينصب لبغضه الحبائل، وكان دار ملكه لعنه الله سر من رأى، ومولانا الهادي (ع) مقيم بها بعد إشخاصه من المدينة بأمر المتوكل، وإنما فعل ذلك به ليصرف وجه الناس عنه لما رأى من زهده (ع) ومجده وفضله، وما أعطاه الله من المهابة والجلالة والكرامة والنبالة والاحاطة بجميع احكام الدين، وبما في الكتاب المستبين المكنون وما كان وما يكون، فخرج هذا الامر عنه إلى بني العباس. وروي عن يحيى بن زكريا كما في كشف الغمة وغيره قال: دعاني المتوكل وقال: اختار ثلاثمائة رجل ممن تريد واخرجوا إلى الكوفة وخلفوا أثقالكم فيها، واخرجوا على طريق البادية إلى المدينة واحضروا علي بن محمد الهادي إلى عندي مكرما معظما. قال الراوي: وسبب ذلك الاشخاص من المدينة إلى سر من رأى ما روي في كتاب (الفصول المهمة) أن عبد الله بن محمد كان مستنيب الخليفة المتوكل عليه لعائن الله في الحرب والصلاة بالمدينة المنورة على مشرفها وآله الصلاة والسلام، فسعى ذلك النائب في أبي الحسن (ع) إلى المتوكل بغضا وحسدا، وكان يقصده بالاذى غيظا وكمدا، فبلغ أبا الحسن (ع) سعايته به فكتب إلى المتوكل بتحامل عبد الله بن محمد عليه، وقصده الاذى منه له، فتقدم المتوكل بالكتاب إليه على جهل من القول والفعل، وكانت صورة الكتاب الذي كتبه له (ع):

[ 355 ]

بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد فإن أمير المؤمنين عارف لقدرك، مراع لقرابتك موجب لحقك، مؤثر من الامر فيك وفي أهل بيتك، لما فيه صلاح حالك وحالهم، وتثبيت عزك وعزهم، وإدخال الامر عليك وعليهم، يبتغي بذلك رضاء الله وأداء ما افترضه فيك وفيهم، وقد رأى أمير المؤمنين صرف عبد الله بن محمد عما كان يتولاه بمدينة الرسول من الحرب والصلاة إذا كان الامر على ما ذكرته لي من جهالته بحقك، واستخفافه بأمرك وما رماك به وأغراك إليه من الامر الذي قد علم أمير المؤمنين براءتك منه، ولما تبين له من صدق نيتك، وحسن طويتك وسلامة صدرك، وأنك لم تؤهل نفسك لشئ مما ذكر عنك، وقد ولى أمير المؤمنين ما كان يليه عبد الله بن محمد من الحرب والصلاة بمدينة الرسول لمحمد بن الفضل، وأمر بإكرامك وخدمتك وتوقيرك وتبجيلك والانتهاء إلى أمرك ورأيك وعدم مخالفتك، والتقرب إلى الله تعالى ورسوله وأمير المؤمنين بذلك، وأمير المؤمنين مشتاق إليك، يحب احداثك العهد بقربك، والتميز بالنظر إلى ميمون طلعتك المباركة، فإن نشطت لزيارته والمقام قبله وأحببت ذلك حضرت أنت ومن اخترته من أهل بيتك ومواليك وحشمك وخدمك على مهل وطمأنينة، ترحل وتنزل إذا شئت وتسير كيف شئت، وإن احببت أن يكون يحيى بن هرثمة بن أعين مولى أمير المؤمنين في خدمتك هو ومن معه من الجند، يرحلون برحيلك، وينزلون بنزولك، والامر إليك في ذلك، وقد كتبت إليه في طاعتك بجميع ما تحب، فاستخر الله تعالى فما عند أمير المؤمنين من أهل بيته وولده وخاصته ألطف منزلة، ولا أثر ولا انظر إليهم وأبر بهم وأشفق عليهم وأسكن إليهم منك إليه، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وكتب إبراهيم بن العباس في سنة ثلاث وأربعين ومائتين من الهجرة، فلما وصل الكتاب إلى أبي الحسن (ع) تجهز للرحيل، وأزمع على الانتقال

[ 356 ]

والتحويل، وخرج معه يحيى بن هرثمة مولى المتوكل ومن معه من الجند حافين به. [ لقد خذعوه بالمكاتيب إذ رأوا * مناقبه تستوجب الشرف العالي ] [ وليس ببدع منهم لو تبوأوا * مقامات نصب من عدولهم قالي ] [ يودون أن يفنوهم عن جديدها * وقد بذلوا فيه خزائن أموال ] [ فقبحا لهم، ما جنى سيد الورى * بآل بني العباس من سوء أفعال ] [ أتسجن أبناء الكرام عداوة * وتشهر هاتيك النساء فوق اجمال ] [ كأن لم يكونوا للنبي قرابة * ولم يعرفوا بين الخلائق بالآل ] [ فيا ضيعة الاسلام من بعد فقدهم * ويا ذلة الايمان إذ فقد الوالي ] [ فيا عبرتي صبي ويا فرحتي اذهبي * ويا قلب فالبث في عناء وأهوال ] قال الراوي: وكان أبو العباس في الوفد الذين أرسلهم المتوكل في إشخاص أبي الحسن (ع)، وكان يعيب على من يقول بإمامة الهادي (ع) قبل ذلك، ولم يكن في شئ من أمره (ع) وصار معه وقت خروجه من المدينة رادا من ولايته وما زال عنه الشك وأقر بإمامته ودان بطاعته وزادت عقيدته. وقد روي عن أبي البصري عن ابن العباس قال: كنا قد تذاكرنا أبا الحسن فقال: يا أبا محمد اني كنت ليس في شئ من هذا الامر، وكنت أعيب على أخي وعلى أهل هذا القول عيبا شديدا بالذم والشتم، إلى أن كنت في الوفد الذين بعثهم المتوكل إلى المدينة في إحضار أبي الحسن (ع)، فخرجنا من المدينة وصرنا في بعض الطريق فطوينا المنزل وكان يوما صائفا شديد الحر، فسألناه أن ينزل بنا فقال: لا، فحرجنا ولم نطعم شيئا ولم نشرب، فلما اشتد الحر والجوع والعطش بنا ونحن في تلك الحال في أرض ملساء لا نرى فيها شيئا من الظل والماء، فجعلنا نشخص إليه بأبصارنا فقال (ع): ما لكم أظنكم جياعا وقد عطشتم ؟ قلنا له: أي والله يا سيدنا قد جعنا وعطشنا، فقال (ع): عرسوا، فابتدرت إلى الفضاء لانيخ ناقتي، ثم التفت وإذا أنا

[ 357 ]

بشجرتين يستظل تحتهما عالم كثير من الناس، وكنت أعرف موضعهما وهي أرض قراح قفراء، وإذا أنا بعين تسيح على وجه الارض أعذب ماء وأبرد ذوق، فنزلنا وأكلنا وشربنا واسترحنا، وإن فينا من سلك تلك الطريق مرارا فما رأى فيه شيئا فوقع في قلبي ذلك الوقت أعاجيب وجعلت أحد النظر فيه وأتأمله (ع) فتبسم وطوى وجهه عني فقلت في نفسي والله لاعرفن هذا كيف هو ؟ فأتيت من وراء شجرة ودفنت سيفي وجعلت عليه حجرين وتغوطت عليها في ذلك الموضع وتهيأت للصلاة، فقال أبو الحسن (ع): استرحتم ؟ قلنا: نعم، قال: فارتحلوا على اسم الله تعالى، فارتحلنا فلما سرنا ساعة رجعت على الاثر، فأتيت الموضع ووجدت الاثر والسيف كما وضعته والعلامة وكأن الله لم يخلق هناك شجرة ولا ماء ولا ظلا، فتعجبت ورفعت يدي إلى السماء، وسألت الله تعالى الثبات على المحبة والايمان، وأخذت الاثر فلحقت القوم فالتفت إلي أبو الحسن (ع) وقال: يا أبا العباس فعلتها ؟ قلت: نعم يا سيدي لقد كنت شاكا فأصبحت وأنا عند نفسي من أغنى الناس بك في الدنيا والآخرة، فقال (ع): هو ذلك أنتم معدودون معلومون لا يزيد رجل ولا ينقص رجل. قال الراوي: فلما وصل (ع) سر من رأى، أنفذ المتوكل أن يحجب عنه، فعزلوه بخان يعرف بخان الصعاليك، فأقام فيه يوما فلما نزل فيه دخل عليه صالح بن سعيد كما في الكافي والبصائر، فقال له: جعلت فداك في كل الامور، أرادوا إطفاء نورك والنقص بك حتى أنزلوك في هذا الخان الاشنع خان الصعاليك، فقال (ع) أهاهنا أنت يابن سعيد ثم أومى (ع) بيده وقال: أنظر، فنظرت فإذا أنا بروضات أنيقات وروضات باسقات فيهن حوريات خيرات عطرات وولدان كأنهم اللؤلؤ المكنون، وأطيار وظباء وأنهار تفور وتموج، فحار بصري وحسرت عيني فقال (ع) حيث كنا فهذا لنا يابن سعيد، لسنا في خان الصعاليك. ولله در من قال من الرجال:

[ 358 ]

[ فيا لك نور قد تبلج بالعلا * وأبهر خلق الله طهرا وأظهرا ] [ فضائل لا تحصى وإن قام عدها * من العالم العلوي فيا لك مفخرا ] [ لحا الله أقواما غدوا في عقائد * بها أظلمت كل المدائن والقرى ] [ فشنوا لغارات على آل أحمد * وكم قتلوا منهم إماما غضنفرا ] [ ولا سيما تلك الطغاة التي عدوا * لعمهم العباس نسلا بلا مترا ] [ لقد بالغوا في أن يبيدوهم على * أتم بلاء قاصم منهم العرى ] [ فمن بين مقتول بسم وبين من * أبادوه مدفونا ومن بين مؤسرا ] [ ومن بين مذبوح بسيف من القفا * أقام ثلاثا في التراب معفرا ]

[ 359 ]

المجلس الثاني فيما خصه الله به من المعجزات الروحانية والجسمانية، وما آثره الله به من مكارم الاخلاق الربانية، وهي التي أوجبت المحاولة لاطفاء نوره (ع)، وإخماد أثر حياته، وكشف بدوره والاشخاص في منازله ودوره، وما لقي بها من مصائب لا تحصى ونوائب لا تستقصى. ففي الخرائج والجرائح عن يحيى بن هرثمة قال: دعاني المتوكل وقال لي: اختر ثلاثمائة رجل ممن تريد واخرجوا إلى الكوفة، ثم ذكر مثلما تقدم إلى أن قال: فاحضروا علي بن محمد الهادي (ع) إلى عندي مكرما مبجلا ففعلت وخرجنا، وكان في أصحابي قائد من الشراة، وكان لي كاتب يتشيع وانا على مذهب الحشوية، وكان ذلك الشاري يناظر ذلك الكاتب وكنت أستريح إلى مناظرتهما لقطع الطريق، فلما وصلنا إلى وسط الطريق قال الشاري للكاتب: أليس من قول صاحبك علي بن أبي طالب (ع) أنه ما في الارض بقعة إلا وهي قبرا وستكون قبرا فانظر إلى هذه البرية أين من يموت فيها حتى يملاها قبورا كما تزعمون ؟ قال: فقلت للكتاب هذا من قولكم ؟ قال: نعم، قال قلت: أين من يموت في هذه البرية العظيمة حتى تملا قبورا ؟ وتضاحكنا عليه ساعة حتى انخذل الكاتب في أيدينا. قال: فسرنا حتى دخلنا المدينة، فقصدت باب الهادي (ع) فدخلت عليه، فقرأ كتاب المتوكل فقال: انزلوا وليس في وجهتي خلاف، قال: فلما

[ 360 ]

سرت إليه من غد وكنا في تموز أشد ما يكون من الحر، فإذا بين يديه خياط وهو يقطع ثيابا غلاظا خفاتين له ولغلمانه، ثم قال للخياط: إجمع عليها جماعة من الخياطين واسرع من فراغها يومك، وبكر بها إلي في هذا الوقت ثم نظر إلي وقال يا يحيى إقضوا وطركم من المدينة في هذا اليوم، واعمدوا إلى الرحيل غدا في هذا الوقت، فخرجت من عنده وأنا متعجب من الخفاتين وأقول في نفسي: نحن في تموز وحر الحجاز وإنما بيننا وبين العراق عشرة أيام، فما يصنع بهذه الثياب ؟ والعجب من الرافضة حيث يقولون بإمامته مع فهمه هذا، فعدت إليه في الغد في ذلك الوقت فإذا الثياب قد أحضرت، فقال لغلمانه: ادخلوا السوق وخذوا لنا معكم لبابيد وبرانس، فقلت في نفسي: هذا أعجب من الاول أن يلحقنا الشتاء في الطريق حتى يأخذ معه اللبابيد والبرانس، فخرجت معه وأنا أستضعف فهمه فسافرنا حتى وصلنا ذلك الموضع الذي وقعت فيه المناظرة في القبور، فارتفعت سحابة سوداء واسودت وأرعدت وأبرقت حتى إذا صارت على رؤوسنا أرسلت علينا بردا مثل الصخور، وقد شد (ع) على نفسه وغلمانه الخفاتين ولبسوا اللبابيد والبرانس وقال لغلمانه: ادفعوا إلى يحيى لبادة وإلى الكاتب لبادة وبرنسا، وتجمعنا والبرد يأخذنا حتى قتل من أصحابي ثمانون رجلا، وزالت ورجع الحر كما كان، فقال لي: يا يحيى أنزل من بقي من أصحابك ليدفنوا من مات منهم، ثم قال (ع): هكذا يملي الله البرية قبورا، قال: فرميت نفسي من على دابتي وعدوت إليه، فقبلت ركابه ورجليه وقلت: أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأنكم خلفاء الله في أرضه، وقد كنت كافرا، والآن قد أسلمت على يديك يا مولاي، قال يحيى: فلزمت خدمته حتى مضى صلوات الله عليه. وفيه عن زرافة صاحب المتوكل أنه قال: وقع مشعبث ناحية الهند إلى المتوكل يلعب بالحق ولم ير مثله، وكان المتوكل لعابا فأراد أن يخجل علي بن محمد (ع) فقال لذلك الرجل إن أنت اخجلته أعطيتك ألف دينار زاكية، قال:

[ 361 ]

تقدم وائت لنا بخبز رقاق خفاف واجعلها على المائدة وأقعدني إلى جانبه، ففعل وحضر علي بن محمد (ع) وكان له مسورة عن يساره وكان عليها صورتا أسد وجلس اللاعب إلى جنب المسورة، فمد علي بن محمد (ع) يده إلى قرص فطيره ذلك المشعبث في الهواء، فمد يده إلى آخر فطيره وتضاحك الجميع، فضرب علي بن محمد (ع) على تلك الصورة التي في المسورة وقال: خذي عدوالله، فوثبت تلك الصورة فابتلعت الرجل اللعاب وعادت إلى مكانها كما كانت، فتحير الجميع ونهض علي بن محمد (ع) ليمضي، فقال له المتوكل: سألتك بالله إلا جلست ورددته فقال: والله لا ترى بعدها، أتسلط أعداء الله على أولياء الله ؟ وخرج من عنده. فلما غلب الشيطان تلك القلوب ولم يراقبوا علام الغيوب حملهم ذلك الغل الكامن في الفؤاد، وأوجب لهم الجحود والالحاد، ولم يبالوا بإظهار هذه المعاجز التي طبقت الآفاق والسبع الشداد، فما ازدادوا إلا عداوة وانكارا وقسوة وأحقادا، فما أحراه بهذا الانشاد حيث يقول: - [ حسدوهم مع علمهم أنهم * خير البرايا سيدا ومسود ] [ لم يراعوا قرب النبي فزادوا * في شقاهم على فعال ثمود ] [ كلما أظهروا لما قد تعلوا * من مقام تعنتوا بالجحود ] [ ويلك من قرابة حسدتهم * ورمتهم بالحرب كالمطرود ] [ بلغت فيهم بقتل وأسر * وعناء فيا لها من حسود ] [ قطعت رحمها وولت عداها * فلها الويل قائد ومقود ] [ فمصابي لما أصيبوا عظيم * وفؤادي قد صار حر وقيود ] [ كيف أنساهم وما قد أصيبوا * من رزايا مفطرات الكبود ] [ قد حرمت الهنا ما دمت حيا * ولبست الضنا زمان وجودي ] [ ويك يا عين اسكبي الدمع حزنا * ويك لا تبخلي عليهم وجودي ] ومن المعاجز الخارقة للعادة المنسوبة إليه ما روي في الجرائح

[ 362 ]

والمناقب، عن علي بن مهزيار قال: ظهرت امرأة في زمان المتوكل تدعي أنها زينب بنت علي وبنت فاطمة بنت رسول الله (ص)، فقال لها المتوكل أنت امرأة شابة وقد مضى من وقت رسول الله (ص) ما مضى من السنين، فقالت إن رسول الله مسح على رأسي وسأل الله عزوجل أن يرد علي شبابي في كل أربعين سنة مرة، ولم أظهر إلى الناس لهذه الغاية فلحقتني الحاجة فصرت إليكم. فدعا المتوكل المشائخ آل أبي طالب (ع) وولد العباس فعرفهم حالها فروى منهم جماعة وفاة زينب (ع) بنت فاطمة (ع) في سنة كذا، فقال لها: ما تقولين في هذه الرواية ؟ فقالت هي كذب وزور، فإن أمري مستور عن الناس فلا لي موت ولا حياة، فقال لهم المتوكل: هل عندكم حجة على هذه المرأة غير هذه الرواية ؟ فقالوا: لا فقال: هو برئ من العباس إن تركها عما ادعت إلا بحجة، فقالوا احضر علي بن محمد الهادي (ع) فلعل عنده شئ من الحجة غير ما عندنا، فبعث إليه فحضر (ع) فأخبره بخبر المرأة فقال (ع): كذبت فإن زينب (ع): توفيت في سنة كذا في شهر كذا في يوم كذا، فقال المتوكل: فإن هؤلاء قد رووا مثل ذلك، وقد حلفت أن لا أتركها عما ادعت إلا بحجة تلزمها، فقال (ع): هاهنا حجة تلزمها وتلزم غيرها، قال: وماهي ؟ قال: (ع) إن لحوم بني فاطمة (ع) محرمة على السباع، فأنزلها إلى السباع فإن كانت من ولد فاطمة فلا تضرها فقال لها: ما تقولين ؟ قالت: إنما يريد هذا قتلي، فقال (ع): هاهنا جماعة من ولد الحسن (ع) والحسين (ع)، فأنزل من شئت منهم قال: فوالله لقد تغيرت وجوه الجميع، فقال بعض المبغضين له: هو يحيل على غيره فلم لا يكون هو ؟ فمال المتوكل إلى ذلك، ورجا أن يذهب من غير أن يكون له في أمره صنع فقال: يا أبا الحسن لم لا تكون أنت ؟ فقال (ع): ذلك إليك، فقال له: إفعل، فقال (ع): أفعل إن شاء الله تعالى. فأوتي بسلم وفتح عن باب السباع وكانت ستة من الاسود، فنزل الامام (ع) إليها، فلما وصل (ع) وجلس صارت إليه ورمت بنفسها بين يديه،

[ 363 ]

فجعل يمسح بيده على كل واحد منهم ثم يشير له بالاعتزال فيعتزل ناحية حتى اعتزلت كلها ووقفت بأزائه فقال له الوزير ما هذا صوابا، فبادر بإخراجه من هناك قبل أن ينتشر خبره فقال له يا أبا الحسن ما أردنا بك سوءا، وإنما أردنا أن نكون على يقين مما قلت، فأحب أن تصعد فقام (ع) وصار إلى السلم وهم حوله يتمسحون بثيابه، فلما وضع رجله على أول مرقاة انتقل إليها بوجهه وأشار لها بيده أن ترجع فرجعت، وصعد (ع) ثم قال كل من يزعم أنه من ولد فاطمة (ع) فليجلس في ذلك المجلس فقال المتوكل للمرأة: انزلي فقالت الله الله في، فقد ادعيت الباطل، وأنا بنت فلان حملني الضر على ما قلت فقال المتوكل: القوها إلى السباع فاستوهبتها منه أمه. وزاد في كتاب المناقب فيها قال علي بن الجهم: لو جربت قوله على نفسه يا أمير المؤمنين فصرفت حقيقة قوله، فقال: افعل فتقدم إلى قوام السباع فأمرهم أن يجوعوهم ثلاثة أيام ويحضروهم القصر، فترسل في صحنه، وقعد في المنظر وأغلق أبواب الدرجة، وبعث إلى أبي الحسن (ع) وأمره أن يدخل من باب القصر، فدخل (ع) فلما صار في الصحن أمر أن يغلق الباب، وخلا بينه وبين السباع في الصحن. قال علي بن يحيى: وأنا كنت في الجماعة وابن حمدون، فلما مشى في الصحن يريد الدرجة مشت إليه السباع، وقد سكنت من زئيرها ولم يسمع لها حس، حتى تمسحت به ودارت حوله، وهو (ع) يمسح رؤوسها بكمه ثم ضربت بصدرها الارض فما مشت ولا دارت حتى صعد الدرجة، وقام المتوكل ودخل فارتفع أبو الحسن (ع) وقعد طويلا، ثم قام (ع) فانحدر ففعلت السباع كفعلها به الاول، وفعل (ع) بها كفعله الاول فلم تزل رابضة حتى خرج من الباب الذي دخل منه، وركب فانصرف واتبعه المتوكل بمال جزيل وصله به. قال إبرهيم بن الجهم فقلت يا أمير المؤمنين: أنت إمام فافعل كما فعل ابن عمك، فقال والله لئن بلغني عنك احد من الناس بذلك لاضربن عنقك

[ 364 ]

وعنق هذه العصابة كلهم، فوالله ما تحدثنا بذلك حتى مات لا رحمه الله تعالى وبلغ إلى ما يستحق من العذاب، فانظروا إلى هذا البغض الكامن في الجوانح والافئدة، وإلى هذه المكيدة حيث أطلعوهم على ما خصهم به الملك الديان من الانعام العديدة، فسعوا في إطفاء نورهم ونائرتهم القديمة والجديدة، وقد يأبى أن يطفئ تلك الانوار، وأن يطمس تلك الآثار الشديدة ولله در من قال: [ سعوا ويلهم جهرا لاطفاء نورهم * وكيف ينال العبد إطفاء نوره ] [ تعالى قديما أن ينالوا مرادهم * من الحجة القصوى ومن هدهم سور ] [ فإنهم نور الاله الذي بدا * من العلم العلوي حال ظهوره ] [ فما زادهم تلك العداوة مطلبا * وما بلغوا إلا ضلالة زوره ] [ وكيف ينالوا ما أهموا به وما * عليه انطووا من سره وستوره ] [ ألا لعن الله العبابسة التي * بغت وطغت في غيها في نشوره ] [ ستصلى جحيما لا يزال مخلدا * عليهم وما زالوا إذا في شروره ] [ لقد هدموا بيت الرسالة عنوة * وهدوا من الاطواد رافع طهوره ] [ فلا غرو ان ناحت عليهم محاجري * وفارق قلبي مستقر سروره ] [ وأصبح أمواه البسيطة ناضبا * عليهم وحل الخف وسط بدوره ] ثم لم يزل المتوكل يضمر في نفسه الشر والعداوة لما في قلبه من الجفوة والقسوة، فروي أنه اتفق له مرض من جراح خرج له في جسده وطال به واهتم من أجله، فما زال يصف حاله للاطباء وعلموا أنه ليس له علاج إلا بالنار، فلم يجسر أحد أن يمسه بالنار خوفا من بأسه وفرقا من سطوته إذا أحس بحرارة النار فيعاقب من أشار عليه بالعلاج بها، وكانت أمه في وجل وخوف عليه من ذلك، حتى أنها لما آيست من برئه ورأت ما نزل به من تلك الجراح لم تجد شيئا ترجوا به معافاته مما نزل به، إلا أنها نذرت لابي الحسن علي الهادي (ع) بمال إن عوفي من مرضه على ما رواه الكليني عن إبراهيم الظاهري قال: مرض المتوكل من جراح وأشرف منه على الهلاك، ولم يجسر أحد أن يمسه بحديدة، فنذرت

[ 365 ]

أمه إن عوفي أن تحمل إلى أبي الحسن (ع) مالا جزيلا من مالها، فقال له الفتح بن خاقان، لو بعثت إلى هذا الرجل فإنه لا يخلوا أن يكون عنده صفة يفرج بها عنك، فبعث إليه ووصف إليه علته. فرد إليه الرسول بأن يؤخذ له كسب الشاة فيداف بماء ورد فيوضع عليه، فلما رجع الرسول وأخبرهم أقبلوا إليه يهرعون فقال له الفتح بن خاقان: هو والله أعلم بما كان قال: فأحضروا الكسب وعمل كما قال (ع) ووضع على علته يوما فسكن وخرج منه ما كان فيه، وبشرت أمه بعافيته فحملت إليه عشرة آلاف درهم أو دينار تحت خاتمها، ثم برئ من علته فسعى عليه البطحاوي العلوي أن أموالا تحمل إليه وسلاحا فقال لسعيد الحاجب سرا واهجم عليه بالليل وخذ ما تجده عنده من الاموال والسلاح واحمله إلي. قال إبراهيم بن محمد: قال لي سعيد الحاجب: فصرت إليه بالليل ومعي سلم، فصعدت السطح، فلما نزلت على بعض الدرج في الظلمة لم أدر كيف أصنع في الدار، فناداني: يا سعيد مكانك حتى يأتوك بشمعة، فلم ألبث أن أتوني بشمعة، فنزلت فوجدته وعليه جبة صوف وقلنسوة منها وسجادة على حصير بين يديه، فلم أشك أنه يصلي (ع)، فقال لي: دونك البيوت فادخلها، فدخلتها وفتشتها فلم أجد فيها شيئا، ووجدت بدرة في بيته مختومة بخاتم أم المتوكل وكيسا مختوما، فقال (ع) لي: دونك المصلى فرفعته فوجدت تحته سيفا في جفن غير ملبس، فأخذت ذلك كله وصرت إلى المتوكل، فلما نظر إلى خاتم أمه على البدرة، بعث إليها فخرجت إليه قال: فأخبرني بعض الخدم الخاصة أنها قالت له: إني قد نذرت في علتك لما آيست منك إن عوفيت حملت إليه من مالي عشرة آلاف دينار، فعوفيت وحملتها إليه، وهذا خاتمي على الكيس، وفتح الكيس الآخر فإذا فيه أربعمائة دينار فضمه إلى البدرة وبدرة أخرى من عنده وأمرني بحمل ذلك له، فحملته إليه ورددت البدرتين والكيس وقلت له: سيدي عز ذلك علي فقال لي: (سيعلم الذين

[ 366 ]

ظلموا أي منقلب ينقلبون) (1) وفي ذلك قال بعض الشعراء هذه الابيات: [ صالت أمية في السادات من مضر * وساعدتها بنو العباس في الاثر ] [ لكنهم فعلوا أضعاف ما فعلت * أمية فأبادوا صفوة البشر ] [ جاروا وما عدلوا واستأصلوا حسدا * آل النبي جزاهم في لظى سقر ] [ سقوهم السم سرا في شرابهم * وأوردوهم حياض الموت في الضرر ] [ فكم بنوا فوقهم عالي البناء وكم * قد وسدوهم وهم أحياء في الحفر ] [ نفسي الفداء لهم في كل فادحة * وقل ذي بدلا في وقع ذي الضرر ] [ كأنهم لم يكونوا نسل فاطمة * ولم يجئ مدحهم في محكم السور ] [ والله لا نسيت نفسي مصابهم * وكيف أنسى وهم لي علة القدر ] [ لولاهم لم يكن خلق ولا بشر * ولا نعيم ولا كون إلى الزمر ] [ لكنهم ندموا إن لم يكن لهم * في قتل سبط رسول الله من أثر ] [ فيا فؤادي لا تنسى لمصرعهم * ويا عيوني صبي صب منهمر ] [ فليس حظك من بعد المصاب بهم * إلا دموعا غزارا ولظى السهر ] ومن كراماته (ع) ما في كتاب الخرائج: أن أبا هاشم الجعفري كان منقطعا إلى أبي الحسن الهادي (ع) بعد أبيه محمد الجواد (ع) وبعد جده الرضا (ع)، فشكى إلى أبي الحسن (ع) ما يلقاه من السوق إليه إذا انحدر من عنده إلى بغداد، ثم قال: يا سيدي ادع الله تعالى فربما لا أستطيع ركوب الماء فأسير إليك في الفلا ومالي مركوب سوى برذوني على ضعفه، فاسأل الله تعالى أن يقويني على زيارتك، فقال (ع): قواك الله يا أبا هاشم وقوى الله برذونك، فكان أبو هاشم (رض) يصلي الفجر ببغداد، ويسير على البرذون فيدرك الزوال من يومه ذلك بعسكر من سر من رأى، ويعود من يومه إلى بغداد إذا شاء على ذلك البرذون.


(1) سورة الشعراء، الآية: 227. (*)

[ 367 ]

وعن أبي هاشم أيضا قال: خرجت مع أبي الحسن (ع) إلى ظاهر سرمن رأى لنلتقي بعض القادمين، فابطؤا فطرح لابي الحسن (ع) غابة السرج فجلس عليها، فنزلت عن دابتي وجلست بين يديه وهو (ع) يحدثني، فشكوت إليه قصر يدي وضيق حالي، فأهوى بيده إلى رمل كان جالسا عليه فناولني منه كفا وقال: اتسع بهذا يا أبا هاشم واكتم ما رأيت، فخبئته عندي ورجعنا، فأبصرته فإذا هو يتقد كالنيران ذهبا أحمر، فدعوت صائغا إلى منزلي وقلت لي: اسبك لي هذه السبيكة فسبكها وقال لي: ما رأيت ذهبا أجود من هذا، وهو كهيئة الرمل من أين لك هذا فما رأيت أعجب منه ؟ قلت: كان عندي قديما. وعن محمد بن الفرج أنه قال: إن أبا الحسن (ع) كتب إلي: اجمع أمرك وخذ حذرك، فإني في جمع أمري ولست أدري ما الذي أراد (ع) فيما كتبه إلي وحتى ورد علي رسول حملني من مصر مقيدا مصفدا بالحديد وضرب على كل ما أملك فمكثت في السجن ثمان سنين ثم ورد علي كتاب من أبي الحسن (ع): لا تنزل في ناحية الجانب الغربي من السجن، فقرأت الكتاب فقلت في نفسي: يكتب إلي أبو الحسن (ع) بهذا وأنا في الحبس إن هذا لعجيب، فما مكثت إلا أياما يسيرة حتى فرج الله عني وحلت قيودي وخلي سبيلي، ولما رجع إلى العراق لم يقف ببغداد لما أمره أبو الحسن (ع) وخرج إلى سرمن رأى، قال فكتبت إليه بعد خروجي أن يسأل الله تعالى أن يرد علي ضياعي فكتب إلي: سوف ترد عليك وما يضرك أن لا يرد عليك. قال محمد بن علي النوفلي: شخص محمد بن الفرج إلى العسكر وكتب إليه برد ضياعه، فلم يصل الكتاب حتى مات. ولله در من قال: [ هم الغوث إن لمت ملمات دهرنا * وقد علموا حقا بما كان في الغيب ] [ وذلك من علم آلاله مفوض * عليهم بلا شك لدي ولا ريب ] [ وذلك برهان من الله ثابت * إمامتهم في مبتدا السن والشيب ]

[ 368 ]

[ فهم عصم قد أثبتت عصمة لهم * مسددة قد طهرتهم من الغيب ] [ فوا عجبا كيف استطالت عليهم * طغاة بني حرب بقتل وتسليب ] [ وقد أركبوا تلك الفواطم جهرة * بسبيهم ظهر العجاف من النيب ] [ فقلبي لهم لا يألف البشر والهنا * ودمع عيوني مستديم بتصويب ] [ فعيشي من بعد المصاب منغص * علي ولو وليت ملك مآريب ] [ ولم يألف القلب المعذب بعدهم * سرورا وقد أمسوا بكرب وتعذيب ] [ فذلك داء لا يزال مخلد * بجسمي ولم يجدي لذلك تطبيبي ] ومن المعجزات الخارقة ما رواه علي بن محمد النوفلي قال: كتب علي بن الخصيب إلى محمد بن الفرج بالخروج إلى العسكر، فكتب إلى أبي الحسن (ع) يشاوره، فكتب إليه أبو الحسن (ع): أخرج فإن فيه فرج، فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات. وروي في كتاب المعتمد عن علي بن مهزيار قال: وردت العسكر وأنا شاك في الامامة، فرأيت السلطان قد خرج إلى الصعيد في يوم من الربيع إلا أنه يوم صائف والناس عليهم ثياب الصيف، وعلى أبي الحسن (ع) لباد وعلى فرسه تجفاف لبود وقد عقد ذنب الفرسة والناس يتعجبون ويقولون: ألا ترون أبا الحسن (ع) وما فعل بنفسه ؟ فقلت في نفسي: لو كان هذا إماما ما فعل هذا، فلما خرج الناس إلى الصحراء لم يلبثوا أن ارتفعت سحابة عظيمة وهطلت، فلم يبق أحد إلا غرق وابتل بالمطر، وعاد (ع) وهو سالم من جميعه، فقلت في نفسي: يوشك أن يكون هذا إماما ثم قلت: أريد أن أسأله عن الجنب إذا عرق في الثوب وقلت في نفسي: إن كسف وجهه فهو الامام فلما قرب مني كسف (ع) وجهه وقال: إن كان عرق الجنب في الثوب وجنابته من حرام فلا تجوز الصلاة فيه، وإن كانت جنابته من حلال فلا بأس، فلم يبق في نفسي بعد ذلك شبهة. وكم له من معجزات تبهر العقول قد بلغت حد التواتر واستقر عليها

[ 369 ]

المنقول والمنقول، فمن هنا حسدتهم أهل البغي والذحول ولم ترع فيهم حرمة الرسول (ص)، وعلى علي فحل الفحول، ولابنته فاطمة البتول. وفي كتاب الدلائل قال: قال الفتح بن يزيد الجرجاني قال: ضمني أنا وأبا الحسن الطريق عند منصرفي من مكة إلى خراسان وهو صائر إلى العراق، فسمعته (ع) وهو يقول: من اتقى الله يتقى من أطاع الله يطاع، قال: فتلطفت في الوصول إليه وسلمت عليه، فرد علي السلام وأمرني بالجلوس، فأول ما ابتدأني به أن قال: يا فتح من أطاع الخالق لم يبال بسخط المخلوق، ومن أسخط الخالق فأيقن أن يحل به الخالق سخط المخلوق، وان الخالق لا يوصف إلا ما وصف به نفسه، وأنى يوصف الخالق الذي تعجز الحواس أن تدركه، والاوهام أن تناله، والخطرات أن تحده، والابصار عن الاحاطة به جل عما يصفه به الواصفون، وتعالى عما ينعته به الناعتون علوا كبيرا، تأنى في قربه وقرب في نأيه فهو في نأيه قريب وفي قربه بعيد، كيف الكيف فلا يقال فيه كيف، وأين الاين فلا يقال فيه أين، إذ هو منقطع الكيفية والاينية، هو الواحد الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فجل جلاله بلا كيف يوصف بكنهه، ورسوله محمد (ص) وقد قرنه الجليل باسمه، وشركه في إعطائه، وأوجب لمن أطاعه جزاء طاعته، إذ يقول تعالى: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله) (1) وقال تعالى يحكي عمن ترك طاعته وهو يعذبه بين أطباق نيرانها وسرابيل قطرانها يا ليتنا أطعنا الرسول، أم كيف يوصف بكنهه من قرن الجليل طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله (ص) حيث قال تعالى: (وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) (2) وقال تعالى: (ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات إلى أهلها) (3) وقال تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا * (هامش) (1) سورة التوبة، الآية: 74. (2) سورة النساء، الآية: 59. (3) سورة النساء، الآية: 58. (*)

[ 370 ]

تعلمون) (2) يا فتح كما لا يوصف الجليل جل جلاله، والرسول (ص)، والخليل (ع) يعني علي (ع)، وولد البتول، فكذلك لا يوصف المؤمن المسلم لامرنا، فنبينا أفضل الانبياء، وخليلنا أفضل الاخلاء، وأكرم الاوصياء، وأسمهما أفضل الاسماء، وكنيتهما أفضل الكنى، لو لم يجالسنا إلا كفو لم يجالسنا أحد، ولو لم يزوجنا الا كفو أحد، أشد الناس تواضعا أعظمهم حلما وأنداهم كفا وأمنعهم كنفا، ورث عنهما أوصيائهما علمهما فاردد إليهما الامر وسلم إليهم، أماتك الله مماتهم وأحياك حياتهم إذا شئت رحمك الله. قال الفتح: فخرجت فلما كان من الغد تلطفت في الوصول إليه وسلمت عليه السلام فقلت: يا بن رسول الله أتأذن لي في مسألة اختلجت في صدري ليلتي هذه ؟ قال: اسأل وإن شرحتها فلي، وإن أمسكتها فلي فصحح نظرك، واثبت في مسألتك، واصغ في جوابها سمعك، ولا تسأل مسألة تعنت واعتن بما تعتني به، فإن العالم والمتعلم شريكان في الرشد مأموران بالنصيحة منهيان عن الغش، فالذي اختلج في صدرك إن شاء العالم أنبأك به، إن الله لم يظهر على غيبة أحدا إلا من ارتضى من رسول، فكل ما كان عند الرسول كان عند العالم، وكل ما اطلع عليه الرسول أطلع عليه العالم، كي لا تخلو أرضه من حجة يكون له علم على صدق مقالته وجواز عدالته، يا فتح عسى الشيطان أراد اللبس عليك فأوهمك في بعض ما أودعتك، وشككت في بعض ما أنبأتك حتى أراد إزالتك عن طريق الله الذي فرضه الله والصراط المستقيم، فقلت: متى أيقنت أنهم كذا فهم أرباب، معاذ الله فهم مخلوقون مربوبون مطيعون لله داخرون راغبون، فإذا جاءك الشيطان من قبل ما جاءك، فاقمعه بما أنبأتك به، فقلت له: جعلت فداك فرجت عني وكشفت ما لبس الملعون علي بشرحك، فقد كان أوقع في خلدي أنكم أرباب، قال: فسجد أبو الحسن (ع) وهو يقول


(2) سورة النحل، الآية: 43 وسورة الانبياء، الآية: 7. (*)

[ 371 ]

في سجوده: راغما لك يا خلقي داخرا خاضعا، قال: فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل. ثم قال: يا فتح كدت أن تهلك وتهلك وما ضر عيسى ابن مريم (ع) إذ هلك من هلك، انصرف إذا شئت يرحمك الله تعالى قال: فخرجت وأنا فرح بما كشف الله عني من التلبس بأنهم هم، وحمدت الله على ما قدرت عليه، فلما كان في المنزل الآخر دخلت عليه وهو متكئ وبين يديه حنطة مقلية وهو يبعث بها، وقد كان أوقع الشيطان في خلدي أنه لا ينبغي أن يأكلون ويشربون إذا كان ذا آفة والامام غير ذي آفة، فقال: اجلس يا فتح فإن لنا بالرسل أسوة، يأكلون ويشربون ويمشون في الاسواق وكل جسم مغذو بهذا إلا الخالق الرزاق تعالى لانه جسم الاجسام ولم يجسم ولم يتزايد ولم يتناقص، الواحد الاحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، منشئ الاشياء مجسم الاجسام، وهو السميع، العليم، اللطيف، الخبير، الرؤوف، الرحيم، تبارك وتعالى عما يصفه الظالمون علوا كبيرا، لو كان كما يوصف لم يعرف الرب من المربوب، ولا الخالق من المخلوق، ولا المنشئ من المنشأ، ولكنه فرق بينه وبين من جسمه وشاء الاشياء إذا كان لا يشبه شئ ولا يشبه شيئا، وفي هذا المعنى قيل: [ علي هو الهادي إلى منهج الهدى * فاكرم به هاد كما قاله الله ] [ به طلعت شمس الرشاد ولم يكن * له شبه في خلقه يوم صفاه ] [ فويل لمن عاداه بغيا وقد عتى * عتوا عظيما في جهنم مثواه ] [ لقد هدموا الاسلام إذ قتلوه * ولم يرقبوا فيه هنالك مولاه ] [ أيقتل مسموما ولم يك جرمه * إليه سوى أن المهيمن زكاه ] [ وأودعه تلك المعاجز في الورى * وأعطاه أعلى المكرمات وولاه ] [ فيا معشر الارجاس أنتم قرابة * إليه ولا ترعوا هنالك تقواه ]

[ 373 ]

في رثائه (ع) قال بعضهم: [ يا راكب الشدنية الوجناء * عرج على قبر بسامراء ] [ قبر تضمن بضعة من أحمد * وحشاشة للبضعة الزهراء ] [ قبر تضمن من سلالة حيدر * بدرا يشق حنادس الظلماء ] [ قبر سما شرفا على هام السها * وعلا بساكنه على الجوزاء ] [ يا ابن النبي المصطفى ووصيه * وابن الهداة السادة الامناء ] [ اناؤك بغيا عن مرابع طيبة * وقلوبهم ملاى من الشحناء ] [ كم معجز لك قد رواه ولم يكن * يخفى على الابصار نور ذكاء ] [ إن يجحدوه فطالما شمس الضحى * حفيت على ذي مقلة عمياء ] [ برا وتعظيما أروك وفي الخفا * يسعون في التحقير والايذاء ] [ كم حاولوا انقاص قدرك فاعتلى * رغما لاعلى قنة العلياء ] [ فقضيت بينهم غريبا نائيا * بأبي فديتك من غريب نائي ] [ قاسيت ما قاسيت فيهم صابرا * لعظيم داهية وطول بلاء ] [ فلابكينك ما تطاول بي المدى * ولامزجن مدامعي بدمائي ] وقال السيد صالح النجفي المعروف بالقزويني من قصيدة: [ لقد مني الهادي على ظلم جعفر * بمعتمد في ظلمه والجرائم ]

[ 374 ]

[ أتاحت له غدرا يدا متوكل * ومعتمد في الجور غاش وغاشم ] [ وأشخص رغما عن مدينة جده * إلى الرجس أشخاص المعادي المخاصم ] [ ولاقى كما لاقى من القوم أهله * جفاء وغدرا وانتهاك محارم ] [ وعاش بسامراء عشرين حجة * يجرع من أعداء سم الاراقم ] [ بنفسي مسجونا غريبا مشاهدا * ضريحا له شقته أيدي الغواشم ] [ بنفسي موتورا عن الوتر مغضيا * يسالم أعداء له لم تسالم ] [ بنفسي مسموما قضى وهو نازح * عن الاهل والاوطان جم المهاضم ] [ بنفسي من تخفى على القرب والنوى * مواليه من ذكر اسمه في المواسم ] [ فهل علم الهادي إلى الدين والهدى * بما لقي الهادي ابنه من مظالم ] [ وهل علم المولى علي قضى ابنه * علي بسم بعد هتك المحارم ] [ وهل علمت بنت النبي محمد * رمتها الاعادي في ابنها بالقواصم ] [ سقى أرض سامراء منهمر الحيا * وحيا مغانيها هبوب النسائم ] [ معالم قد ضمن أعلام حكمة * بنور هداها يهتدي كل عالم ] [ لئن أظلمت حزنا لكم فلقر بما * تضئ هنا منكم بأكرم تائم ] [ ومنتدب لله لم يثنه الردى * وفي الله لم تأخذه لومة لائم ] [ ويملا رحب الارض بالعدل بعدما * قد امتلات أقطارها بالمظالم ] [ إمام هدى تجلو كواكب عدله * من الجور داجي غيه المتراكم ] [ به تدرك الاوتار من كل واتر * وينصف المظلوم من كل ظالم ] وقال علي بن عيسى الاربلي في مدح الامام علي الهادي (ع): [ يا أيها الرائح الغادي * عرج على سيدنا الهادي ] [ واخلع إذا شارفت ذاك الثرى * فعل كليم الله في الوادي ] [ وقبل الارض وسف تربة * فيها العلي والشرف العادي ] [ وقل سلام الله وقف على * مستخرج من طلب أجواد ] [ مؤيد الافعال ذو نائل * في المحل يروي غلة الصادي ]

[ 375 ]

[ يعفو عن الجاني ويعطى المنى * في حالتي وعد وايعاد ] [ مبارك الطلعة ميمونها * وماجد من نسل أمجاد ] [ ولاهم من خير ما نلته * وخير ما قدمت من زاد ] وقال أبو الغوث المنجي أسلم بن مهوز شاعر آل محمد، وكان معاصرا للبحتري فالبحتري يمدح الملوك، وهو يمدح آل محمد (ص) وكان البحتري ينشد هذه القصيدة لابي الغوث: [ ولهف إلى رؤياكم وله الصادي * يذاد عن الورد الروى بذواد ] [ محلي عن الورد اللذيذ مساغه * إذا طاف وراد به بعد وراد ] [ فأعليت فيكم كل هو جاء جسرة * ذمول السرى تقتاد في كل مقتاد ] [ أجوب بها بيد الفلا وتجوب * إليك ومالي غير ذكرك من زاد ] [ فلما تراءت من رأى تجشمت * إليك تعوم الماء في مفعم الوادي ] [ إذا ما بلغت الصادقين بني الرضا * فحبسك من هاد يشير إلى هادي ] [ مقاويل إن قالوا بها ليل إن دعوا * وفاة بميعاد كفناة لمرتاد ] [ إذا أو عدوا أعفوا وإن وعدوا وفوا * فهم أهل فضل عند وعد وإيعاد ] [ كرام إذا ما أنفقوا المال أنفدوا * وليس لعلم أنفقوه من إنفاد ] [ ينابيع علم الله أطواد دينه * فهل من نفاد إن علمت لاطواد ] [ نجوم متى نجم خبا مثله بدا * فصلي على الخابي المهيمن والبادي ] [ عباد لمولاهم موالي عباده * شهود عليهم يوم حشر واشهاد ] [ هم حجج الله اثنتا عشرة متى * عدد فثاني عشرهم خلف الهادي ] [ بميلاده الانباء جاءت شهيرة * فأعظم بمولود وأكرم بميلاد ] قال شاعر آل البيت المقبول الشيخ علي البازي: [ إن جئت سامرا فحي الوادي * بعد التحية للامام الهادي ] [ اخلع نعالك قبل لثم ترابه * عند الدخول لمرقد الامجاد ] [ وقل السلام على الرسول وآله * فخر الورى من حاضر أو باد ]

[ 376 ]

[ من أوجب الله العظيم ولائهم * مذ خصهم بشفاعة الميعاد ] [ وحباهمم من فضله بفضائل * جلت عن التصوير والتعداد ] [ الواهبين لدى الجهاد جهودهم * لله في التبليغ والارشاد ] [ والباذلين حياتهم لحياة من * ضلوا ليقفوا علة الايجاد ] [ والمؤثرين على النفوس فقيرهم * ويتيمهم وأسيرهم بالزاد ] [ آل العبا في عب ء أوزار الملا * قاموا وزاحوا غيهب الالحاد ] [ ورثوا الشجاعة والندى عن تالد * قرم وأفصح ناطق بالضاد ] [ بدعائهم للعالمين تطوعوا * بعد الرسول بحكمة وسداد ] [ فرقانه السامي ونص حديثه * عنهم أخذناه بلا إجحاد ] [ ما قادمتهم في الانام عصابة * إلا وكان مآلها لبداد ] [ هذي مآثرهم وتلك قبورهم * وعلومهم تتلى على الاعواد ] [ حكموا بحكم الله بين عباده * فهم الائمة زينة العباد ] [ كم حملوا العدوان من أعدائه * وتجرعوا غصصا من الاوغاد ] [ فتفرقوا شيعا وجل ديارهم * أودى بها صرف الزمان العادي ] [ وتتبعت آثارهم خصماؤهم * في كل حي آهل وبلاد ] [ فكأنما المختار قد أوصاهم * أن لا يشيدوا للهدى بعماد ] [ قطعوا الصلات لرحمهم مذ قطعوا * أرحامهم لا وفقوا لرشاد ] [ ما واصلوا بسوى القطيعة والاذى * والظلم والتنكيل والاجهاد ] [ لم يصفحوا عنهم كصفح محمد * عن جدهم في بدر كالمعتاد ] [ قتلا وصلبا قد أبادوا جمعهم * طمعا بأخذ الثار بالاحقاد ] [ ملاوا السجون بهم بدون جناية * والسم بعد السجن والابعاد ] [ كابن الجواد علي الهادي قضى * بالسم إذ لما يجد من فاد ] [ غدروا به يا لهف نفسي غيلة * واحر قلبي للسيد الهادي ] [ قد شيعوه وخلفه أيتامه * تدعوه ياري الفؤاد الصادي ] [ من للعلوم وللعبادة والتقى * والجود والارشاد والوفاد ]

[ 377 ]

[ من مبلغ عني النبي وحيدرا * والطهر فاطم كعبة المرتاد ] [ أن الامام سليلها هادي الورى * عصفت به للنائبات عوادي ] [ واسأل بيوم الطف عن سبط الهدى * ورجاله الاعلام والاسياد ] [ منعوهم ماء الفرات ببغيهم * وعداوة الآباء والاجداد ] [ جزروا الرجال على ظما ورضيعهم * جزر الاضاحي يا اهيل ودادي ] [ ونساؤهم سقيت على عجف المطى * أسرى لشر مذمم بفساد ] [ أخذوا البقية منهم لطليقهم * مضنى يعاني الغل بالاصفاد ] [ وعلى الرماح رؤوسهم قد أهديت * للشام والاعداء بالمرصاد ] [ أبدى الشماتة والجفا وقد اشتفى * فيهم يزيد كما اشتفى ابن زياد ] [ هذي المصائب لا مصائب مثلها * توهي القوى وتفت بالاعضاد ] [ ما ذنب أبناء النبي وآله * تجزى جزاء المجرم المتمادي ] قال محمد بن إسماعيل بن صالح الضميري رحمه الله: [ الارض خوفا زلزلت زلزالها * وأخرجت من جزع أثقالها ] إلى أن قال: [ عشر نجوم أفلت في فلكها * ويطلع الله لنا أمثالها ] [ بالحسن الهادي أبي محمد * تدرك أشياع الهدى إمامها ] [ وبعده من يرتجي طلوعه * يظل جواب الفلا جزالها ] [ ذو الغيبتين طول الحق * التي لا يقبل الله من استطالها ] [ يا حجج الرحمان إحدى عشرة * آلت بثاني عشرها مآلها ] وقال أيضا عند مرض الامام (ع): [ مادت الارض بي وآذت * وفؤادي واعترتني موارد العرواء ] [ حين قيل الامام نضو عليل * قلت نفسي فدته كل الفداء ]

[ 378 ]

[ مرض الدين لاعتلالك * واعتل وغارت له نجوم السماء ] [ عجبا إن منيت بالداء والسقم * وأنت الامام حسم الداء ] [ وأنت أسى الادواء في الدين * والدنيا ومحي الاموات والاحياء ]

[ 379 ]

المجلس الثالث فيما جرى عليه من أهل زمانه إلى أن نقله الله إلى بحبوحات جنانه وتردأ برداء رضوانه وتاريخ وفاته (ع) وما لقي من هوانه. روي في الخرائج عن ابن أرومة قال: خرجت أيام المتوكل إلى سر من رأى، فدخلت على سعيد الحاجب وقد دفع المتوكل إليه علي الهادي (ع) ليقتله، فلما دخلت عليه قال: أتحب أن تنظر إلى إلآهك ؟ فقلت: سبحان الله (لا تدركه الابصار) (1) قال: هذا الذي تزعمون أنه إمامكم قلت: ما أكره ذلك، قال: إني أمرت بقتله وأنا فاعل ذلك غدا، وعنده صاحب البريد فإذا خرج فادخل إليه، فلم ألبث أن خرج، فقال لي: أدخل فدخلت الدار التي هو فيها محبوسا فإذا بحياله قبر قد حفر، فدخلت وسلمت عليه وبكيت بكاء شديدا فقال لي (غ): ما يبكيك ؟ فقلت: لما أرى فقال: لا تبك فلا يتم لهم ذلك، فسكن ما كان بي فقال (ع): إنه لا يلبث أكثر من يومين حتى يسفك الله دمه ودم صاحبه الذي رأيته، قال: فوالله ما مضى غير يومين حتى قتلا. فقلت لابي الحسن (ع): أخبرني عن حديث رسول الله (ص) لا تعادوا الايام فتعاديكم ؟ فقال (ع): نعم إنه لحديث رسول الله (ص) تأويله: فأما


(1) سورة الانعام، الآية: 103. (*)

[ 380 ]

السبت فرسول الله (ص)، وأما الاحد فأمير المؤمنين (ع) وفاطمة، والاثنين الحسن والحسين (ع)، والثلاثاء علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد (ع)، والاربعاء موسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وأنا علي بن محمد (ع)، والخميس ابني الحسن (ع)، والجمعة القائم عجل الله فرجه منا أهل البيت (ع). وفيه أيضا عن أبي العباس بن محمد بن أسرائيل الكاتب أنه جرى ذكر أبي الحسن (ع) فقال: يا أبا سعيد إني أحدثك بشئ حدثني به أبي قال: كنا مع المعتز وكان أبي كاتبا له فدخلنا الدار وإذا المتوكل على سريره قاعدا، فسلم المعتز عليه ووقفت خلفه، وكان عهدي به إذا دخل رحب به وأمره بالقعود، فأطال القيام وجعل يرفع رجلا ويضع أخرى وهو لا يأذن له بالجلوس، ونظرت إلى وجهه يتغير ساعة بعد ساعة ويقبل على الفتح بن خاقان هذا الذي تقول فيه ما تقول ويردد القول، والفتح مقبل عليه يسكنه ويقول مكذوب عليه يا أمير المؤمنين، وهو يقول: والله لاقتلن هذا المرائي الزنديق وهو يدعي الكذب ويطعن في دولتي، ثم قال: جئني بأربعة من الخزرج فجئ بهم ودفع إليهم أربعة أسياف، وأمرهم أن يرطنوا بألسنتهم إذا دخل أبو الحسن (ع)، ويقبلوا عليه بأسيافهم ويخبطوه وهو يقول: والله لاحرقنه بعد القتل، وأنا منتصب قائم خلف المعتز وراء الستر، فما شعرت إلا أبي الحسن (ع) قد دخل، فبادر الناس قدامه وقالوا: قد جئ به، فالتفت له (ع) وإذا أنا به وشفتاه يتحركان وهو غير مكروب ولا جازع، فلما بصر به المتوكل رمى بنفسه عن السرير إليه وهو سبقه وانكب عليه وقبل ما بين عينيه ويديه وسيفه بيده، وهو يقول: يا سيدي يا ابن رسول الله يا خير خلق الله يا ابن عمي يا مولاي يا أبا الحسن، وأبو الحسن (ع) يقول: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من هذا، فقال: ما جاء بك يا سيدي في هذا الوقت ؟ قال: جائني رسولك فقال المتوكل: قد كذب ابن الفاعلة، ارجع يا سيدي من حيث جئت، يا فتح، يا عبد الله، يا معتز

[ 381 ]

شيعوا سيدكم وسيدي، فلما بصر به الخزرج خروا سجدا، فلما خرج (ع) دعاهم المتوكل ثم أمر الترجمان أن يخبره بما يقولون، فقال لهم: لم لا فعلتم وما أمرتكم به فقالوا: هيبة منه وقد رأينا حوله أكثر من مائة ألف سيف لم نقدر أن نتأملها فمنعنا ذلك عما أمرتنا، وامتلئت قلوبنا رعبا من ذلك، فقال المتوكل: يا فتح هذا صاحبك وضحك في وجه الفتح وضحك الفتح في وجهه، وقال: الحمد لله الذي بيض وجهه وأنا حجته، فيالله من هذه النفوس الملعونة التي قدمت على مخالفة ربها ولم تبالي بمقارفة ذنبها، فسحقا لها وتبا فلقد باءت بالخسران وأطاعت الشيطان وقطعت الارحام، ونصرت العدوان. ولله در من قال: [ ثلت عروشك يا بني العباس * مذ صرت أعداء لخير الناس ] [ عمدت يداك لهدم كل مشيد * في الدين قد زادت على الارجاس ] [ من آل سفيان وآل أمية * أهل الشقاق نتيجة الخناس ] [ وهم وإن قتلوا الحسين عداوة * لكنهم عفوا عن الارماس ] [ صيرتم حفرا لهم ومبانيا * سكنوا بها فالحزن أصبح راسي ] [ فلانثرن مدامعي بمجامعي * وأدير كأس الحزن في جلاسي ] [ تالله لا أنسى الحزين مصابه * فلحزنكم والله لست بناسي ] [ هيهات أسلوا حزنكم ومصابكم * فمصابكم أدهى لطود رواسي ] وفي مهج الدعوات بإسناده عن زرافة صاحب المتوكل وكان شيعيا أنه قال: كان المتوكل يحضر الفتح بن خاقان عنده ويقربه منه دون ولده وأهله، فأراد أن يبين فضله وموضعه عنده، فأمر جميع مملكته من الاشراف ومن سائر الجند وغيرهم والوزراء والامراء والقواد وسائر العسكر ووجوه الناس أن يزينوا بأحسن زينة، ويظهروا في أفخر عددهم وذخائرهم، ويخرجوا مشاة بين يديه، وأن لا يركب أحد إلا هو والفتح بن خاقان خاصة بسر من رأى. ومشى الناس بين أيديهما على مراتبهم رجالة، وكان يوما قائضا شديد الحر، فأخرجوا

[ 382 ]

في جملة الاشراف أبا الحسن (ع)، فشق عليه ما لقيه من الحر قال زرافة: فأقبلت إليه وقلت: يا سيدي يعز علي ما تلقى من هذه الطغاة، وما قد تكلفته من المشقة، فقال (ع): يا زرافة، ما ناقة صالح عند الله بأكرم مني ولم أزل أسائله وأستفيد منه وأحادثه إلى أن نزل المتوكل من الركوب وأمر الناس بالانصراف، فقدمت إليهم دوابهم فركبوا إلى منازلهم وقدمت بغلة له (ع) فركبها وركبت معه إلى داره (ع)، فنزل فودعته وانصرفت إلى داري. وكان لولدي مؤدب يتشيع من أهل العلم والفضل، وكانت لي عادة بإحضاره عند الطعام، فحضر ذلك اليوم وتجاريت معه الحديث وما جرى من ركوب المتوكل والفتح ومشي الاشراف وذوي الاقدار بين أيديهما، وذكرت له ما شاهدته من أبي الحسن الهادي (ع) وما سمعته من قوله (ع): ما ناقة صالح بأعظم عند الله قدرا مني، وكان المؤدب يأكل معي فرفع يده وقال: بالله إنك سمعته يقول بهذا اللفظ ؟ فقلت له: والله إني سمعته يقول ذلك، فقال: اعلم أن المتوكل لا يبقى في مملكته أكثر من ثلاثة أيام ويهلك، فانظر في أمرك واحرز ما تريد احرازه، وتأهب كيلا يفجأكم أمره ثم جعل يجري في كلامه، فقلت له: من أين لك هذا العلم ؟ فقال: أما قرأت القرآن في قصة الناقة في قوله تعالى: (فتمتعوا في داركم ثلاثة أيام) (1) الآية ؟ ولا يجوز أن يبطل قول الامام (ع)، قال زرافة: فما جاء اليوم الثالث حتى جاء المنتصر ومعه بغايا ووصيف والاتراك على المتوكل، فقتلوه هو والفتح بن خاقان وقطعوهم قطعا قطعا حتى لا يعرف أحدهما من الآخر، وأزال الله نعمته ومملكته، فلقيت الامام أبا الحسن (ع) وعرفته ما جرى من المؤدب وما قاله فقال صدق إنه لما بلغ بي الجهد من المسير رجعت إلى كنوز عندنا كنا نتوارثها من آبائنا، وهي أعز من الحصون وأمنع من السلاح والجنن، وهو دعاء المظلوم على الظالم فقلت: يا سيدي تعلمنيه فعلمنيه:


(1) سورة هود، الآية: 65. (*)

[ 383 ]

[ أيا متوكل الارجاس فابشر * بخزي في الحياة وفي القيامة ] [ أتهدم من رسول الله صرحا * علا في المكرمات وفي الدعامة ] [ عمدت إلى الذي ساد البرايا * ومن جمع الشجاعة والحزامة ] [ زعمت بأن تبيد الدين جورا * فأولاك الخسارة والندامة ] [ أتعلو فوق من خضعت إليه * ملائك قدسها وأولو الكرامة ] [ كأنك قد عمدت لخير نور * لتطفيه فيا لك من ذمامة ] [ فكيف تظن أنك بالغ ما * أردت له وتظفر بالسلامة ] [ وكان إمامنا الهادي علي * دعا الباري فبلغه مرامه ] [ عليه الله صلى ما تغنت * بأعلى الدوح من طرب حمامة ] وروى المسعودي في مروج الذهب أنه سعي إلى المتوكل بعلي بن محمد الهادى أن في منزله كتبا وسلاحا من شيعته من أهل قم، وكان عازم على الوثوب بالدولة عليه، فبعث إليه جماعة من الاتراك فهجموا عليه في داره ليلا فلم يجدوا فيها شيئا، ووجدوه في بيت مغلوق عليه وعليه مدرعة من صوف وهو جالس على الرمل والحصى وهو متوجه إلى الله تعالى يتلو آيات الله من القرآن، فحمل على حالته تلك إلى المتوكل وقالوا له: لم نجد في بيته شيئا، ووجدناه يقرأ القرآن مستقبل القبلة، وكان المتوكل جالسا في مجلس الشراب فدخل عليه والكأس في يد المتوكل، فلما رآه هابه وعظمه وأجلسه إلى جانبه، وناوله الكأس التي كانت في يده (ع) عليه بترك، فقال: والله لا يخامر لحمي ودمي قط فاعفني فأعفاه، فقال له: أنشدني شعرا فقال (ع): إني قليل الرواية في الشعر فقال له: لا بد من ذلك فأنشده هذه الابيات لامير المؤمنين (ع): [ باتوا على قلل الاجبال تحرسهم * غلب الرجال فلم تنفعهم القلل ] [ وأنزلوا بعد عز عن معاقلهم * وأسكنوا حفرا يا بئس ما فعلوا ] [ ناداهم صارخ من بعدما دفنوا * أين الاسرة والتيجان والحلل ] [ أين الوجوه التي كانت منعمة * من دونها تضرب الاستار والكلل ]

[ 384 ]

[ فافصح القبر عنهم حين سائلهم * تلك الوجوه عليها الدود يقتتل ] [ من بعد ما أكلوا دهرا وما شربوا * فأصبحوا بعد طيب الاكل قد أكلوا ] قال: فبكى المتوكل حتى بلت دموعه لحيته وبكى الحاضرون ثم دفع إلى علي (ع) أربعة آلاف دينار ورده إلى منزله مكرما، فيا قاتله الله من ملعون قد تولد من سفاح، فلم يزل ذلك اللعين يظهر الداء الدفين ليقتل ذلك السيد الامين والله غالب على أمره فقطع الله منه الوتين. وقد روي في كتاب كشف الغمة أن المتوكل كان ديدنه ودأبه يحرص على مجالسة علي الهادي (ع)، ويعرض عليه أمورا يريد أن يسقط بها وقاره ومحله من القلوب، فإذا لم يجبه إلى ما يريد يعظم ذلك عليه، حتى أنه وجه إلى أخيه موسى وأحضره لعله أن يرى فيه ما يسقط منه محله فيكون له في ذلك الكلام ليحتج به على الهادي (ع) حتى أعيته الحيلة فيه. قال الراوي: وكان يعقوب بن ياسر يقول: إن المتوكل كان يقول قد أعياني أمر ابن الرضا (ع)، وإني أريد أن يشرب معي أو يناد مني لاجل أن نجد فيه فرصة في هلاكه، فقيل له: إن لم تجد فيه ذلك فهذا أخوه موسى قصاف عراف يأكل ويشرب ويتعشق، فقال: جيئوني به حتى نموه به على الناس ونقول له يا بن الرضا فكتب إليه وأشخصه مكرما، فتلقاه جميع بني هاشم والقواد والناس حتى أنه إذا وافى أقطعه له قطيعة وبنى له فيها دارا، وحول الخمارين والقينات إليه وفضله ودبره وجعل له منزلا سريا حتى يزوره هو فيه، فلما وافى موسى تلقاه علي الهادي (ع) في قنطرة وصيف وهو موضع يتلقى فيه القادمين، فسلم عليه ووفاه حقه، ثم قال له: إن الرجل قد بعث إليك ليهتك عرضك ودينك ويضع من قدرك، فلا تقر له أنك شربت نبيذا قط، فقال له: إذا دعاني إليه فما حيلتي ؟ قال: لا تضع من قدرك ولا تفعل فانما أراد بهذا هتكك فأبى عليه فكرر عليه القول، فلما رأى أنه لا يجيب قال له: ان هذا مجلس لا تجتمع أنت وهو فيه أبدا قال: فأقام فيه ثلاث سنين يتردد عليه كل

[ 385 ]

يوم فيقال له: قد تشاغل فيخرج ثم يرجع في الثاني فيقال له: قد سكر فبكر غدا فيبكر فيقال له: قد شرب دواء، فما زال على هذا ثلاث سنين حتى قتل المتوكل ولم يجتمع معه أبدا. وروي أن المتوكل وقيل الواثق أمر العسكر في تسعين ألف فارس من الاتراك الساكنين بسر من رأى أن يملا كل واحد منهم مخلاة فرسه من الطين الاحمر، ويجعلون بعضه على بعض في وسط برية واسعة هناك، فلما فعلوا ذلك صار كالجبل العظيم فصعد فوقه واستدعى علي الهادي (ع) وقال له: ما استحضرتك إلا لترى نضارة خيولي وعسكري، وقد أمرهم أن يلبسوا التخافيف ويكملوا الاسلحة ويعرضوا عليه بأتم عدة وأعظم هيبة، وكان غرضه كسر قلب كل من يخرج عليه من أهل البيت (ع) وغيرهم، فقال له علي الهادي: أتريد أن أعرض عليك عسكري كما عرضت علي عسكرك ؟ قال: نعم، فدعا الله تعالى فإذا من السماء إلى الارض ما بين المشرق والمغرب ملائكة على نجب من الجنة، بأيديهم الحراب تلتهب فغشي على المتوكل فقال له الهادي لما أفاق: نحن لا ننافسكم على هذه الدنيا ونحن مشغولون عنكم بأمور الآخرة، فلا يدخلك مني مما تظن بأس. وروي عن أحمد بن داوود بن محمد بن عبد الله الطلحي قال: حملنا مالا من خمس ونذر من عين وورق ودنانير وحلي وجواهر وثياب من قم وما يليها فخرجنا نريد أبا الحسن (ع)، فلما صرنا إلى دسكرة الملك تلقانا رجل راكب على جمل ونحن في قافلة عظيمة فقصدنا ونحن سائرون في جملة الناس وهو يعارضنا بحمله، فقال: يا أحمد بن داوود ومحمد بن إسحاق معي رسالة إليكما فقلنا: ممن ؟ فقال: من سيدكما أبي الحسن الهادي (ع) يقول لكما: إني راحل إلى الله تعالى في هذه الليلة فأقيما مكانكما حتى يأتيكما أمر من أبي محمد الحسن (ع)، فخضشعت قلوبنا وبكت عيوننا وأخفينا ذلك ولم نظهره، ونزلنا دسكرة الملك واستأجرنا منزلا وأحرزنا ما كان معنا فيه، وأصبحنا والخبر

[ 386 ]

شائع في الدسكرة بوفاة إمامنا (ع) لا إله إلا الله أترى أن الرسول الذي جاء برسالته أشاع الخبر في الناس ؟ فلما تعالى النهار رأينا قوما من شيعة علي أشد قلقا مما نحن فيه، وأخفينا أمر الرسالة ولم نظهره، فلما جن الليل جلسنا بلا ضوء ولا سراج حزنا على الهادي (ع) نبكي ونشكو إلى الله تعالى فقده، وإذا نحن بيد داخلة علينا من الباب فأضاءت بنا كما يضئ المصباح وقائلا يقول: يا أحمد يا محمد هذا التوقيع، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من الحسن المستكين لرب العالمين إلى شيعته المساكين أما بعد، فالحمد لله على ما نزل بنا منه ونشكره إليكم على جميل الصبر إليه، وهو حسبنا في أنفسنا وفيكم ونعم الوكيل. قال الراوي ولما انتقل الامام علي الهادي (ع) إلى روح الله ورضوانه وقد سمه المعتمد في رمان وقيل في ماء، فلما فاضت روحه المقدسة علا الصياح في داره، وقامت الواعية في الهاشميين والعلويين والطالبيين يلطمون الخدود ويخدشون الوجوه، وينادون واضيعتاه، واوحدتاه، من لليتامى والمساكين، ومن للفقراء والمنقطعين، ثم غسله ابنه الحسن العسكري (ع) وحنطه وأدرجه في أكفانه وصلى عليه، وخرج في جنازته حافي الاقدام، وقد شق قميصه حزنا على مصاب أبيه، فكتب إليه الابرش في ذلك وأعاب عليه في شقه قميصه فقال (ع): يا أحمق ما أنت وذاك وقد شق موسى (ع) قميصه على أخيه هارون (ع). وكانت وفاته على ما رواه إبراهيم بن هاشم القمي قال: توفي أبو الحسن (ع) يوم الاثنين لثلاث خلون من رجب سنة 254 أربع وخمسين ومائتين، وتوفي (ع) وله يومئذ إحدى وأربعين سنة ومثله ما رواه ابن عياش، وكانت مدة إقامته بسر من رأى ودفن في داره بها في آخر ملك المعتمد، وقد استشهد (ع) على يده مسموما. وفي رواية ابن بابويه في أدعية شهر رمضان أنه سمه المعتمد، وفي بعضها أنه المتوكل، وكانت مدة إمامته (ع) بقية ملك المعتصم ثم ملك

[ 387 ]

الواثق، ثم ملك المتوكل، ثم ملك المنتصر، ثم ملك المستعين، ثم ملك المعتز، ثم ملك المعتمد أخ المتوكل ثمان سنين وستة أشهر، وفي آخر ملكه استشهد ولي الله الهادي (ع)، وهكذا في رواية المناقب ودفن في داره بسر من رأى وكان مقامه (ع) بها إلى أن توفي عشرين سنة، وأشهر الاخبار بيوم وفاته (ع) مختلفة جدا وما ذكرناه أشهرها رواية، فيالله لهدم مباني هذا الدين، ويا ضيعة الفقراء والمساكين، فيجب على النفوس أن تموت أسفا إلى يوم الدين وأن تنثر درر المدامع في الخدود، وتدير كاسات الاحزان على الحاضرين من المؤمنين، كيف لا وهم ركن الحق المبين والقطب الذي دارت عليه رحاء الاسلام بحسن الادارة والتمكين. شعر للمؤلف رحمه الله تعالى: [ فيا قلبي المضنا أدم في صبابة * إلى أن تقوم الناس في الحشر والنشر ] [ فإن عليا خير من وطأ الثرى * وصي رسول الله في العلم والسر ] [ قضى وهو مسموما فوالهفتي له * ويا طول حزني ما بقيت من الدهر ] [ لقد أصبح الدين الحنيفي ثاويا * على الارض ملحودا وقد ضم في القبر ] [ على الدار من بعد الوصي عليها * سلام مدى الايام في منتهى العمر ] [ أيقتل مسموما على غير جرمة * وتهتك أستار الشرائع والامر ] وهذا آخر ما انتهى إلينا من وفاة سيدنا ومولانا علي بن محمد الهادي (ع) على التمام والكمال، ونستغفر الله العظيم المنان عن الزيادة والنقصان والسهو والغلط والنسيان إنه غفور منان، وصلى الله على محمد وآله سادات الزمان والحمد لله رب العالمين.

[ 389 ]

وفاة الامام الحسن العسكري " عليه السلام " تأليف العلامة الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن الشيخ أحمد بن عصفور الدارزي البحراني

[ 391 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي اختار لاوليائه الشهادة، وبوأهم بها الحسنى وزيادة، والصلاة والسلام على محمد وآله أرباب الخير والسعادة الممتحنين في أنفسهم وأولادهم وأموالهم، حسب مقتضى الحكمة والارادة، الصابرين في السراء والضراء، والشاكرين في الشدة والرخاء، والمتبوئين منزل السعادة. وبعد: فيقول الراجي لعفو ربه العميم حسين بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الدرازي: أنه قد التمس مني من لم يسعني ترك إجابته في أن أؤلف كتابا وجيزا على حسب الاطلاع والاحادة، مشتملا على وفاة إمامنا ومولانا وسيدنا أبي محمد الحسن بن علي العسكري (ع)، لتجتمع على استماعه أهل الايمان والولاية للائمة القادة، ليربحوا في متاجرتهم كمال الارباح والافادة، فإن ذلك من أعظم الفوائد المستفادة، وليكن لي ذخرا يوم المعاد ومنفعة وزيادة، وقد رتبته على ثلاثة فصول وقد سميته (الشجون الوقادة في وفاة إمامنا العسكري من أئمتنا السادة) وبالله أستعين إنه خير موفق ومعين لكل طلب وإرادة.

[ 393 ]

الفصل الاول كان مولده في غرة شهر رمضان، أو في غرة شهر ربيع الآخر، سنة إثنين وثلاثين ومائتين بسر من رأى، وأمه أم ولد. ويقال لها حديث، وقد جرت له في ولادته آيات ومعجزات، وكان غير مترقب الولادة إخفاء لامره بين الخاصة والعامة، حتى أنه لم يوص إليه والده (ع) قبل مضيه إلا بأربعة أشهر، وأشهد على ذلك خواص شيعته، وكان المترقب للامام في تلك الاعصار أخاه محمد كما صرحت به الاخبار. ففي خبر النوفلي كما في الكافي قال: كنت مع أبي الحسن (ع) في صحن داره، إذ مر بنا محمد ابنه فقلت له: جعلت فداك هذا صاحبنا بعدك ؟ فقال: لا صاحبكم بعدي الذي يصلي علي. قال الراوي عبد الله بن محمد الاصبهاني: ولم فعرف أبا محمد (ع) قبل ذلك، قال: فخرج أبو محمد فصلى عليه، وفي رواية جماعة من الثقات والخواص له (ع) منهم الحسن بن الحسن الافطس أنهم حضروا يوم توفي (ع) محمد بن علي بن محمد دار أبي الحسن، وقد بسط له في صحن داره والناس جلوس حوله، فقالوا: حتى قدرنا ان نكون حوله من آل أبي طالب وبني العباس وقريش مائة وخمسين رجلا سوى مواليه وسائر الناس، إذ نظر إلى الحسن بن علي (ع) قد جاء مشقوق الجيب حتى قام عن يمينه ونحن لا نعرفه،

[ 394 ]

فنظر إليه أبو الحسن بعد ساعة فقال: يا بني أحدث لله شكرا فقد أحدث فيك أمرا، فبكى الفتى وحمد الله تعالى واسترجع وقال: يا أباه أسأل الله تمام النعمة علينا، وإنا لله وإنا إليه راجعون، فسألنا عنه فقالوا: هذا ابنه وقدرنا له في ذلك الوقت عشرين سنة أو أرجح، فيومئذ عرفناه وعلمنا أنه أشار إليه بالامامة وأقامه مقامه. كما في حديث آخر عن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي الحسن (ع) بعد ما مضى ابنه أبو جعفر (رض) وإني لافكر في نفسي، وأقول هذه قصة أبي إبراهيم وقصة إسماعيل فأقبل علي أبو الحسن (ع) قبل أن أنطق، فقال: نعم يا أبا هاشم بدا لله أبي جعفر فصير مكانه أبا محمد (ع) كما بدا له في إسماعيل، بعد ما دل عليه أبو عبد الله (ع) ونصبه، وهو كما حدثتك نفسك وان كره المبطلون. أبو محمد ابني الخلف من بعدي، عنده ما تحتاجون إليه ومعه آلة الامامة والحمد لله. وليس البلد المذكور في هذا الخبر ونحوه على جهة الحقيقة، لان الامامة منصوص عليها من الله ورسوله (ص) أزلا وأبدا، فالمراد بها ظهور الشئ على ما هو عليه في نفس الامامة بعد أن يكون الظاهر عكسه، وكيف وقد قال الله تعالى: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) (1) وقال تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) (2) ولقد كان أبو محمد أكبر من جعفر الكذاب. ولله درمن قال: [ هو الشمس نورا لا خفاء بها * إذا فكيف ونور الله فيها مخلد ] [ ولكنما جار العدو عليهم * وقد قصدوهم بالبلا وتمردوا ] [ وقد شتتوا في كل شرق ومغرب * وفي كل قفر من فنا الارض مشهد ] [ أبادوهم قتلا وسما ومثلة * فيا لك خطب في الورى ليس يوجد ] * (هامش ص 394) (1) سورة التوبة، الآية: 115. (2) سورة البقرة، الآية: 106. *

[ 395 ]

[ فيا عين سحي دمع غربك أحمرا * فما طاب من بعد الاطايب مرقد ] وفي كتاب الكافي عن جماعة من الثقات ومشايخه، قالوا: كان أحمد بن خاقان على الضياع والخراج بقم، فجرى بمجلسه يوما ذكر العلوية. ومذاهبهم، وكان شديد النصب والعداوة، فقال: ما رأيت ولا عرفت رجلا بسر من رأى من العلويين مثل الحسن بن علي بن محمد بن الرضا (ع) في هديه وسكونه وعفافه ونبالته وكرمه عند أهل بيته وبني هاشم، وتقديمهم إياه على ذوي السن منهم والخطر، وكذلك القواد والوزراء وعامة الناس، فإني كنت يوما واقفا على رأس أبي وهو يوم مجلسه للناس، إذ دخل عليه حاجبه فقال: إن أبا محمد بن الرضا (ع) بالباب، فقال بصوت عال: ائذنوا له، فتعجبت مما سمعت منهم أنهم جسروا يكنون رجلا على أبي بحضرته، ولم يكن عنده إلا خليفته أو ولي عهد أو من أمر السلطان أن يكنى، فدخل رجل أسمر، حسن القامة، جميل الوجه، جيد البدن، حدث السن، له جلال وهيبة، فلما نظر إليه أبي قام يمشي إليه يتخطى مطأطأ، ولا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم والقواد، فلما دنا منه عانقه وقبل وجهه وصدره، وأخذ بيده وأجلسه على مصلاه الذي كان عليه، وجعل يكلمه ويفديه بنفسه، وأنا متعجب مما أرى منه إذ دخل الحاجب فقال: الموفق قد جاء، وكان الموفق إذا دخل على أبي يقدم حجابه وخاصته وقواده: ثم قاموا بين مجلس أبي وبين الدار وبسطوا سماطين إلى أن يدخل ويخرج، ولم يزل أبي مقبلا على أبي محمد (ع) يحدثه حتى نظر إلى غلمان الخاصة فقال حينئذ: إذا شئت جعلني الله فداك، ثم قال لحجابه: خذوا به خلف السماطين حتى لا يراه هذا - يعني الموفق - فقام وقام أبي وعانقه ومضى. فقلت لحجاب أبي وغلمانه: من هذا الذي كنيتموه على أبي، وفعل أبي معه هذا الفعل ؟ فقالوا: هذا علوي يقال له الحسن بن علي بن محمد (ع) يعرف بابن الرضا (ع)، فازددت تعجبا ولم أزل يومي ذلك كله قلقا مفكرا في

[ 396 ]

أمره (ع) وأمر أبي، وما رأيت منه، حتى كان الليل وكانت عادة أبي يصلي العتمة ثم يجلس فينظر ما يحتاج إليه من المؤامرات وما يرفعه إلى السلطان، فلما صلى وجلس جئت وجلست بين يديه وليس معنا أحد، فقال لي: يا أحمد ألك حاجة ؟ قلت: نعم يا أبت، فإن أذنت لي سألتك عنها فقال لي: مأذون لك يا بني فقلت: يا أبت من الرجل الذي رأيتك الغداة فعلت به ما فعلت من الاجلال والكرامة والتبجيل وفديته بنفسك وأبويك ؟ فقال: يا بني ذاك إمام الرافضة، ذاك الحسن بن علي (ع) المسمى بابن الرضا (ع) فسكت ساعة ثم قال: يا بني لو زالت الامامة من خلفاء بني العباس ما استحقها أحد من بني هاشم غير هذا، وإن هذا يستخلفها في فضله وعفافه وزهده (ع) وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه، ولو رأيت أباه رأيت رجلا جزيلا نبيا فاضلا، فازددت قلقا وتفكرا وغيظا على أبي وما سمعت منه واستزهدته في فعله وقوله فيه بما قال، ولم يكن لي همة بعد ذلك إلا السؤال عن خبره والبحث عن أمره، فما سألت أحدا من بني هاشم، والقواد، والكتاب، والقضاة، والفقهاء، وسائر الناس، إلا وجدته عنده في غابة الاجلال والاعظام، والمحل الرفيع، والقول الجميل، والتقدم على جميع أهل بيته ومشايخه، فعظم قدره عندي إذ لم أر له وليا ولا عدوا إلا يحسن القول والثناء عليه، فقال له بعض من حضر مجلسه من الاشعريين يا أبا بكر فما خبر أخيه جعفر ؟ فقال: ومن جعفر ؟ حتى يسأل عنه أو يقرن جعفر بالحسن (ع) وجعفر معلن بالفسق، فاسق، فاجر، شريب للخمور، أقل من رأيته من الرجال وأهتكهم لنفسه، خفيف، قليل في نفسه، الحديث. وستأتي بقية فضائله في الحديث عن وفاته (ع). [ فيالك شخصا قد أقر بفضله * جميع الورى من شامت وحسود ] [ وكيف يغطى نور شمس ضياؤها * يعم جهات الست بعد خمود ] [ وذلك فضل الله يؤتيه من يشا * على رغم أنف للبغي وحسود ]

[ 397 ]

[ وهذا الذي أبدا لهم من حقودهم * فبعدا لهم من ظالم وحقود ] [ أيقتل من هذا صفات كماله * بسم زنيم مبعد وكبود ] [ فوالهف نفسي بعد إخماد نورهم * وطول عنائي لا نعمت بعيدي ] ومن معجزاته الخارقة للعادة، ما رواه الكليني رحمه الله أيضا عن جماعة من أصحابنا، عن بعض فصادي العسكر من النصارى: أن أبا محمد (ع) بعث إليه يوما في وقت صلاة الظهر، فقال: أفصد هذا العرق قال: فناولني عرقا لم أفهمه من العروق التي تفصد، فقلت في نفسي ما رأيت أمرا أعجب من هذا، يأمرني أن أفصده في وقت الظهر وليس بوقت الفصد، والثانية عرق لا أفهمه. قال: ثم قال انظر وكن بالدار، فلما أمسى دعاني وقال لي: سرح الدم فسرحته، ثم قال لي: إمسك فأمسكت، ثم قال لي: كن في الدار، فلما كان نصف الليل أرسل إلي فقال لي: سرح الدم، فتعجبت أكثر من عجبي الاول، فكرهت أن أسأله، قال: فسرحت الدم فخرج دم أبيض كأنه الملح، قال: ثم قال لي اجلس، فجلست وقال لي: كن في الدار. فلما أصبحت أمر قهرمانه أن يعطيني ثلاثة دنانير فأخذتها. فخرجت حتى أتيت إلى بختيشوع النصراني فقصصت عليه القصة، قال: فقال لي: ما أفهم ما تقول، ولا أعرفه في شئ من الطب، ولا قرأته في كتاب، ولا أعلم في دهرنا أعلم بكتب النصرانية من فلان الفارسي فأخرج إليه قال: فاكتريت زورقا إلى البصرة وأتيت الاهواز، ثم صرت إلى فارس إلى صاحبي فأخبرته الخبر، قال: فقال لي: أنظرني أياما، فأنظرته ثم أتيت متقايضا، قال: فقال لي: إن هذا الذي تحكيه من أمر هذا الرجل فعله عيسى ابن مريم (ع) في دهره مرة واحدة، ولقد حسده الناس على هذا الفضل الباذخ والمقام الشامخ، ولقد أنجز ذلك إلى أخيه جعفر الكذاب لمقابلة لجعفر الصادق (ع). وقد أفصح عن ذلك خبر الكابلي عن علي بن الحسين (ع) على ما في

[ 398 ]

كتاب الاكمال قال: دخلت عليه فقلت له: يابن رسول الله أخبرني عن اللذين فرض الله تعالى طاعتهم ومودتهم. وأوجب على عباده الاقتداء بهم بعد رسول الله (ص)، فقال: بلى يا كابلي إن أولي الامر الذين جعلهم الله أئمة الناس وأوجب عليهم طاعتهم أولهم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين (ع) حتى انتهى الامر إلينا، فسكت (ع)، فقلت: يا سيدي روي لنا عن أمير المؤمنين (ع) انه قال: إن الله عزوجل لا يخلي الارض من حجة له على عباده فمن الحجة والامام بعدك ؟ فقال: ابني محمد واسمه في التوراة باقر يبقر العلم بقرا، وهو الحجة والامام بعدي، ومن بعد محمد ابنه جعفر واسمه عند أهل السماء الصادق، فقلت: يا سيدي كيف اسمه الصادق وكلكم صادقون ؟ قال: حدثني أبي عن أبيه عن رسول الله (ص) قال: إذا ولد ابني جعفر بن علي بن الحسين فسموه الصادق، فإن الخامس من ولده اسمه جعفر الكذاب المفتري على الله عزوجل المدعي بما ليس له بأهل، المخالف على أبيه والحاسد لاخيه، ذلك الذي يروم كشف ستر الله عند غيبة ولي الله. ثم بكى علي بن الحسين (ع) بكاء شديدا، ثم قال: كأني بجعفر الكذاب وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي الله والتوكيل بحرم أبيه جهلا منه بولادته، وحرصا منه على قتله، إن ظفر به طمعا في ميراث أخيه حتى يأخذه بغير حقه. قال أبو خالد: فقلت له: يا بن رسول الله إن ذلك لكائن ؟ قال: هو مكتوب عندنا في الصحيفة التي فيها المحن التي تجري علينا بعد رسول الله (ص)، قال أبو خالد: فقلت: يا بن رسول الله ثم يكون ماذا ؟ قال: تمد الغيبة بولي الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله (ص) والائمة بعده، يا أبا خالد إن أهل زمان غيبته (ع) القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل من أهل كل زمان، لان الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول ما صارت

[ 399 ]

الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله (ص) بالسيف، أولئك هم المخلصون حقا حقا، وشيعتنا صدقا، والدعاة إلى دين الله سرا وجهرا، ثم قال علي بن الحسين (ع) انتظار الفرج أفضل من العمل. وفي رواية، عن فاطمة بنت محمد بن الهيثم المعروف بابن النسابة قال: كنت في دار أبي محمد الحسن بن علي العسكري (ع) في الوقت الذي ولد فيه جعفر فرأيت أهل الدار في سرور به، فسرت إلى أبي الحسن (ع) فلم أره مسرور بذلك فقلت له: يا سيدي مالي أراك غير مسرور بهذا المولود ؟ قال: يهون عليك أمره فإنه سيضل خلقا كثيرا. ولله درمن قال: [ قل للذي يرضى مقالة جعفر * ما أنت إلا هوج مرتاب ] [ شتان بين الجعفرين فصادق * يهدي الانام وآخر كذاب ] [ فتعم ذاك من الاله صلاته * وتعم هذا نقمة وعذاب ] [ لا يدخلن الريب قلبك في الذي * ولد الكذاب وإنه لصواب ] [ إذ نوح أولد ابنه كنعان في * الذكر الحكيم وطابت الانساب ]

[ 401 ]

الفصل الثاني وتلك شاهدة على أنه السري ابن السري، فلا تشك في إمامته ولا تمتري، واعلم أنه إذا بيعت مكرمة فسواه بائعها، وهو المشتري، الفائق نوره على زحل والمشتري، سيد أهل عصره وإمام أهل دهره، فالسعيد من وقف عند نهيه وأمره، ذو العلا الذي فاز وعلا على النجوم الزواهر، والمحتدي الذي فزعت إليه العظماء عند الفادح والتفاخر، والمنصب الذي ظهرت في عقوده أسنى فرائد وجواهر: [ شرف تقادم كابرا عن كابر * كالرمح أنبوبا على أنبوب ] [ لكنما هذا الزمان بريبه * أضحى يعاندهم بكل كروب ] [ أضحت به أهل الفضائل والعلا * في محنة شعوا ونيل شحوب ] [ ما بين مقتول بسيف عداته * أو بين مسموم لذي المشروب ] [ أو بين مأسور بثقل قيوده * أو بين مشجون بها متعوب ] وروى أبو هاشم الجعفري (رض) قال: كنت عند الحسن (ع) فاستؤذن لرجل من أهل اليمن، فدخل رجل جسيم طويل جميل، فسلم عليه بالولاية، فرد عليه بالقبول، وأمره بالجلوس، فجلس إلى جنبي فقلت في نفسي: ليت شعري من هذا ؟ فقال (ع): هذا ولد الاعرابية صاحبة الحصاة التي طبع فيها آبائي (ع) ثم قال: هاتها، فأخرج حصاة وناوله إياه فأخرج (ع) خاتمه

[ 402 ]

وطبعها، وكأني أقرأ الخاتم الساعة الحسن بن علي (ع) فقلت لليماني: أرأيته قبل هذه الساعة ؟ قال: لا والله وإني منذ دهري حريص على رؤيته حتى أذن لي في الدخول، ثم نهض وهو يقول: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ذرية بعضها من بعض، أشهد أن حقك واجب كوجوب حق رسول الله (ص) وحق أمير المؤمنين (ع) والائمة من بعده (ع) وإليك انتهت الحكمة والامامة، وإنك والله الامام ولا عذر لاحد في الجهل بك، فسألت عن اسمه فقيل لي: مهجع بن الصلت بن عقبة بن سمعان بن غانم بن أم غانم الاعرابية صاحبة الحصاة التي طبع فيها أمير المؤمنين (ع)، وفي ذلك يقول أبو هاشم الجعفري (رض): [ له الله صفا بالدليل فاخلصا * بدرب الحصا مولى لنا يختم الحصا ] [ وأعطاه آيات الامامة كلها * كموسى وفلق البحر واليد والعصا ] [ فما قمص الله النبيين حجة * ومعجزة إلا الوصيين قمصا ] [ فمن كان مرتابا بذاك فقصره * من الامر ما يتلوا الدليل ويفحصا ] ومن معجزاته (ع) ما رواه الجعفري (رض) قال: كنت في الحبس المعروف بحبس حسيس في الجوشق الاحمر، أنا ومحمد بن الحسن العصفي، ومحمد بن إبراهيم العامري وفلان وفلان، إذ دخل علينا الحسن العسكري وأخوه جعفر، فحففنا به وكان المتولي بحبسه صالح بن وصيف، وكان معنا في الحبس رجل جمحي يقول إنه علوي، فقال العسكري: لولا أن فيكم من ليس منكم لاعلمتكم متى يفرج عنكم، وأومى بيده إلى الجمحي أن يخرج، فخرج، فقال (ع) هذا رجل ليس منكم فاحذروه، فإن في ثيابه رقعة قد كتبها إلى السلطان يخبره بما تقولون فيه، فقام بعضهم وفتش ثيابه فوجد الرقعة، يذكرنا فيها بكل عظيمة. وروي عن الجعفري (رض) قال: كان الحسن العسكري (ع) يصوم في الحبس، فإذا أفطر أكلنا معه من طعام كان يحمله إليه غلامه في جوزة

[ 403 ]

مختومة، وكنت أصوم معه، فلما كان ذات يوم أكلت كعكة كبيرة، ولم يشعر بي أحد، ثم جئت فجلست معه فقال لغلامه: أطعم أبا هاشم فإنه مفطر، فتبسمت فقال: ما يضحكك يا أبا هاشم ؟ إذا أردت القوة فكل اللحم فإن الكعك لا قوة فيه، صدق الله ورسوله (ص) وأنتم أهل بيت رسوله (ص) ثم قال لي: افطر ثلاثا فإن الصحة لا ترجع إذا نهكها الصوم في أقل من ثلاث، فلما كان في اليوم الذي أراد الله تعالى أن يفرج عنه فيه، جاءه الغلام فقال: يا سيدي أحمل فطورك إليك ؟ قال: احمله وما أحسبنا نأكله، فحمل الغلام الطعام عند الظهر وأطلق العصر وهو صائم، فقال (ع): كلوا هناكم الله تعالى. فيا لها من مناقب كشفت عن تلك الانوار المضيئة، وأبرزت محجبات أبكار الاسرار من الافكار، فلا غرو حسدوهم الليل والنهار، وارتكب ما ارتكب في شأنهم الحسدة الاشرار، فحرصوا أن يفنوهم من جديد الارض، ويضيقوا عليهم في الطول والعرض، فسجنوهم في السجون والقيود، ودفنوهم أحياء في الاخدود. وعن أبي القاسم كاتب راشد في كشف الغمة، قال: خرج رجل من العلويين بسر من رأى في أيام الحسن (ع) إلى الجبل يطلب الفضل، فلقيه رجل بهلول فقال له: من أين أتيت ؟ فقال: من سر من رأى، فقال له: تعرف درب كذا ودرب كذا ؟ فقال: نعم فقال: هل عندك من أخبار الحسن بن علي (ع) ؟ فقال: لا قال: فما أقدمك الجبل ؟ قال: أطلب الفضل قال: لك عندي خمسون دينارا فاقبضها وانصرف معي إلى سر من رأى حتى توصلني إلى الحسن بن علي (ع)، واستأذنا على الحسن بن علي (ع) فأذن لهما فدخلا، والحسن (ع) قاعد في صحن الدار، فلما نظر الحسن (ع) إلى الجبلي قال له: أنت فلان بن فلان ؟ قال: نعم قال: أوصى إليك أبوك وأوصى إلينا بوصية جئت لتؤديها وهي معك، أربعة آلاف دينار هاتها فقال الرجل: نعم،

[ 404 ]

فدفع إليه المال، ثم نظر إلى العلوي فقال: خرجت إلى الجبل تطلب الفضل فأعطاك هذا الرجل خمسين دينارا، فخرجت معه ونحن نعطيك خمسين دينارا فأعطاه. وروى جعفر بن شريف الجرجاني قال: حججت سنة فدخلت على الحسن بن علي (ع) بسر من رأى، وقد كان أصحابنا حملوا معي شيئا من المال، فأردت أن أسأله إلى من أدفعه فقال لي قبل أن أسأله: ادفع ما معك إلى مبارك خادمي، ففعلت، فقلت: شيعتك بجرجان يقرؤنك السلام، فقال (ع): أو لست منصرفا بعد فراغك من الحج ؟ قلت: بلى قال: إنك تصير إلى جرجان من يومك هذا إلى مئة وتسعين يوما، وتدخلها يوم الجمعة لثلاث مضين من شهر ربيع الآخر في أول النهار، فأعلمهم اني أوفيهم في ذلك اليوم آخر النهار فامض راشدا، فإن الله تعالى سيسلمك ويسلم من معك، فتقدم على أهلك وولدك، ويولد لك ولد شريف، فسمه الصلت، وسيبلغ وسيكون من أوليائنا، فقلت: يا بن رسول الله إن إبراهيم بن إسماعيل الحلختي من شيعتك وهو كثير المعروف إلى أوليائك، يخرج إليك في السنة من ماله أكثر من مئة درهم، وهو أحد المبتلين في نعم الله تعالى بجرجان، فقال (ع): شكرا لله لابي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل صنيعه إلى شيعتنا، وغفر الله ذنوبه ورزقه ذكرا سويا قائما بالحق، فقل له: يقول لك الحسن بن علي: سم ابنك أحمد. فانصرفت من عنده وحججت، فسلمني الله تعالى حتى وافيت جرجان يوم الجمعة أول النهار لثلاث مضين من شهر ربيع الآخر على ما ذكره (ع) فجاء أصحابي يهنوني، فأعلمتهم أن الامام الحسن العسكري (ع) وعدني أنه يوافيكم في هذا اليوم، فتأهبوا إلى ما تحتاجون إليه، وأعدوا مسائلكم وحوائجكم كلها، فلما صلوا الظهر والعصر واجتمعوا في داري فوالله ما شعرنا إلا وقد وافانا الامام (ع)، فدخل ونحن مجتمعون فسلم علينا فاستقبلناه وقبلنا

[ 405 ]

يديه ورجليه، ثم قال (ع) اني وعدت جعفر الشريف (رض) أن أوافيكم هذا اليوم، فصليت الظهر والعصر بسر من رأى وصرت إليكم وها أنا قد جئتكم الآن، فاجمعوا مسائلكم وحوائجكم كلها، فأول من ابتدر بالمسألة النصر بن جابر فقال: يابن رسول الله (ص) إن ابني جابرا بلي في بصره فادع الله تعالى أن يرد عينيه، فقال (ع): هاته، فجاء به فمسح بيده على عينيه فعاد بصره، ثم تقدم رجل فرجل يسألونه حوائجهم فأجابهم ودعا لهم بالخير، ثم انصرف (ع) من يومه ذلك إلى سر من رأى. وعن علي بن شابور قال: قحط الناس بسر من رأى في زمن الحسن بن علي العسكري (ع) فأمر المتوكل بالاستسقاء، فخرجوا ثلاثة أيام يستسقون ويدعون فما سقوا، وخرج الجاثليق في اليوم الرابع مع النصارى والرهبان، وكان فيهم راهب فلما مد يده هطلت السماء بالمطر، وخرجوا في اليوم الثاني فمطرت السماء، فشك أكثر الناس وتعجبوا وصبوا إلى دين النصرانية، فأنفذ المتوكل إلى الحسن العسكري (ع) وكان محبوسا فأخرجه من الحبس، وقال: إلحق أمة جدك (ص) فقد هلكت فقال (ع): إني خارج ومزيل الشك إن شاء الله تعالى، قال: فخرج الجاثليق في اليوم الثالث والرهبان معه، وخرج الحسن (ع) في نفر من أصحابه، فلما بصر بالراهب قد مد يده أمر بعض مماليكه أن يقبض على يده اليمنى ويأخذ ما بين أصبعه ففعل، وأخذ منه عظما أسودا، فأخذه الحسن (ع) وقال له استسق الآن فاستسقى، وكان في السماء غيما فتقشع الغيم وطلعت الشمس بيضاء، فقال المتوكل: ما هذا العظم يا أبا محمد ؟ فقال (ع): إن هذا الرجل مر بقبر من قبور الانبياء فوقع في يده هذا العظم، وما كشف عن عظم نبي إلا هطلت السماء بالمطر: [ لحا الله قوما وازنوك بمن عتى * على الله عدوانا فهدم دينه ] [ يظنون أن القطر ينزل سرعة * إذا مد من غطى العقول يمينه ] [ ولم يعلموا عظم النبي بكفه * ومن أين هذا السر يستخرجونه ]

[ 406 ]

[ فلولاك ردت للتنصر أمة * لجدك قدما دينه يرتضونه ] [ أيا شر خلق الله كيف عمدتم * إلى نور خلاق الورى تطفئونه ] [ صلاة إلهي لا تزال تحفه * متى البان أهفى الريح منه غصونه ] وكم له (ع) من معاجز لا تأتي عليها الاقلام وكتاب الارقام، وهي التي حسدوهم عليها الطغاة الظلام، سيما الارجاس من بني العباس، فقد تقصدوهم في كل محنة ومقام، فسقوهم كؤوس الحمام بكل لدن وحسام، على أنهم لا يشاركونهم فيما بأيديهم من الحلال والحرام. ومنها ما كتبه الحسن بن طريف يسأله ما معنى قول النبي (ص) لعلي (ع): من كنت مولاه فعلي مولاه ؟ قال (ع): أراد بذلك أن يجعله علما يعرف به حزب الله عند الفرقة، قال: وكتبت إليه أسأله وقد تركت التمتع ثلاثين سنة وقد نشأت لذلك، وكان في الحي امرأة وصفت لي بالجمال، فمال قلبي إليها، وكانت لا تمنع يد لامس فكرهتها ثم قلت: قد قال رسول الله (ص) تمتع بالفاجرة فكأنها تخرجها من حرام إلى حلال، فكتب إلي: إنما تحيي سنة وتميت بدعة، فلا بأس، وإياك وجارتك المعروفة بالعهر، فإن حدثتك نفسك أن آبائي (ع) قالوا: تمتع بالفاجرة فإنك تخرجها من حرام إلى حلال، فهذه امرأة معروفة بالهتك وهي جارة، وأخاف عليك استفاضة الخبر فيها، فتركتها ولم أتمتع بها وتمتع بها شاذان بن مسعود رجل من إخواننا، فاشتهر بها حتى انتهى أمره إلى السلطان، وغرم بسببها مالا جزيلا، وأعاذني الله تعالى من ذلك كله ببركة سيدي. وروي أنه كان عند المستعين بغل لم ير مثله حسنا وكبرا، وكان يمنع ظهره اللجام، وكان قد جمع عليه الرواض فلم يكن لهم حيلة في ركوبه. فقال لهم بعض ندمائه: يا أمير المؤمنين ألا تبعث إلى الحسن العسكري (ع) ابن الرضا حتى يجئ، فاما أن يركبه واما أن يقتله، فبعث إلى

[ 407 ]

الحسن العسكري (ع)، فلما دخل الدار نظره واقفا في صحن الدار، فوضع يده على كفله، قال: فنظر إلى البغل وقد عرق حتى سال العرق منه. ثم صار (ع) إلى المستعين فسلم عليه ورحب به وقربه وقال: يا أبا محمد ألجم هذا البغل، فقال (ع) لغلامه وكان اسمه أبي إلجمه يا غلام فقال المستعين: وأسرجه، فأسرجه (ع)، فقال المستعين: أرى أن تركبه فركبه من غير أن يمتنع عليه، ثم أركضه في الدار ثم حمله إلى الهملجة، فمشى أحسن مشي، ثم رجع فنزل (ع) فقال له المستعين: كيف رأيته ؟ فقال (ع): ما رأيت مثله حسنا ورفاهة، فقال له المستعين: فإن أمير المؤمنين قد حملك عليه فقال (ع) لغلامه: خذه يا أبي فأخذه أبي فقاده. وعن أبي هاشم قال: شكوت إلى أبي محمد (ع) ضيق الحبس وضيق القيود، فكتب إلى أن تصلي اليوم الظهر في منزلك فكان كما قال (ع)، وكنت مضيقا فأردت أن أطلب منه معونة في الكتاب الذي كتبته فاستحيت، فلما صرت إلى منزلي وجه إلي بمائة دينار وكتب لي: إذا كانت لك حاجة فلا تستحي ولا تحتشم، واطلبها تأتك على ما تحب إن شاء الله تعالى. وعن محمد بن علي بن إبراهيم بن جعفر، قال: ضاق بنا الامر فقال أبي: امض بنا حتى نصير إلى هذا الرجل يعني أبا محمد (ع) فقد وصف عنه سماحة، فقلت: أتعرفه ؟ قال: والله ولا رأيته قط، ثم قصدناه فقال أبي ونحن في الطريق: ليته يأمر لي بخمسمائة درهم مائتي درهم للكسوة، ومائتي درهم للدقيق ومائة درهم للنفقة، وقلت أنا في نفسي: ليته يأمر لي بثلائمائة درهم مائة أشتري بها حمارا، ومائة للنفقة، ومائة للكسوة، وأخرج إلى الجبل، فلما وافينا الباب خرج علينا غلامه فقال: يدخل علي بن إبراهيم وابنه، فلما دخلنا وسلمنا قال لابي: يا علي ما خلفك عنا إلى هذا الوقت ؟ فقلت يا سيدي استحييت أن ألقاك على هذه الحال، فلما خرجنا من عنده جاءنا غلامه فناول أبي صرة فيها دراهم فقال: هذه خمسمائة درهم مائتان للكسوة

[ 408 ]

ومائتان للدقيق ومائة للنفقة، وأعطاني صرة وقال: هذه ثلاثمائة درهم اجعلها مائة في ثمن حمارك، ومائة للكسوة، ومائة للنفقة، ولا تخرج للجبل، وصر إلى سورا قال: فصار إلى سورا وتزوج امرأة منها، فدخله اليوم أربعة آلاف دينار ومع هذا يقول بالوقف. قال محمد بن إبراهيم الكردي: أتريد أمرا أبين من هذا. قال: صدقت ولكنا على أمر جرينا عليه قلت: هذا هو التقليد الذي ذمه الله تعالى في كتابه فقال حكاية عن الكفار: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون) (1). ولله در من قال: [ هم النور نور الله جل جلاله * يجلي بهم تلك الحنادس والظلم ] [ زها نورهم في الافق في الصبح والمسا * ولم يك نورهم في الليل يبدو على علم ] [ فوا عجبا من أمة شهدت لهم * مناقب لا يأتي على عدها قلم ] [ وقد جحدوهم بعد ما شاع فضلهم * وقد فضلوا في الخلق من أزل القدم ] [ ولم يكفهم هذا وقد عمدوا لهم * بسيف رسم حيث واروهم الرجم ] [ ولا مثل أبناء العمومة ويلهم * فلا راقبوا فيهم عهودا ولا ذمم ] [ أيقتل مثل العسكري الذي به * وجود الورى بعد التخلد في العدم ] [ عليه سلام الله ما ذر لعنة * على مستعين بالتوكل معتصم ] وري أنه لما مات أبوه علي بن محمد الهادي (ع)، خرج إلى جنازة أبيه (ع) مشقوق الجيب، فكتب إليه ابن عوف وقرابة بن نجاح بن سلمة: أرأيت أو بلغت أن أحدا من الائمة (ع) شق ثوبه مثل هذا ؟ فكتب إليه: يا أحمق ما يدريك ما هذا قد شق موسى (ع) على هارون (ع). * (هامش ص 408) (1) سورة الزخرف، الآية: 22. *

[ 409 ]

وكتب إليه داود بن هاشم الجعفري يسأله عن قول الله عزوجل: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله) (1) فقال: كلهم من آل محمد (ص) الظالم لنفسه منا الذي لا يعرف حق الامام، والمقتصد منا العارف بحق الامام، والسابق بالخيرات هو الامام (ع) قال: فدمعت عيني وجعلت أفكر في نفسي في عظم ما أعطى الله آل محمد (ص) فنظر إلي وقال: الامر أعظم بما حدثتك به نفسك من عظم شأن آل محمد (ص) فاحمد الله ان جعلك متمسكا بحبلهم تدعى يوم القيامة بهم إذا دعي كل أناس بإمامهم، إنك على خير. وقعد إليه إسماعيل بن محمد بن علي بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن العباس قال: فلما مر بي شكوت إليه الحاجة وحلفت له ليس عندي درهم واحد فما فوقه، ولا غذاء ولا عشاء. قال: فقال (ع): أتحلف بالله كاذبا وقد دفنت مائتي دينار، وليس قولي هذا دفعا لك عن العطية، أعطه يا غلام ما معك فأعطاني مائة دينار، ثم قال لي: إنك تحرم الدنانير التي دفنتها، وإنك أحوج ما يكون إليها، وصدق (ع) فيما قال، وذلك أني أنفقت ما وصلني واضطررت اضطرارا شديدا إلى شئ أنفقه، فأتيت إلى الدنانير التي دفنتها فلم أجدها، فإذا ابن لي قد عرف موضعها فأخذها وهرب، فما قدرت منها على شئ. وقال علي بن زيد بن علي بن الحسين (ع): كان لي فرس وكنت به متعجبا أكثر من ذكره في المجالس، فدخلت يوما على الحسن العسكري (ع) فقال: ما فعل فرسك ؟ فقلت: ها هو عند بابك الآن قد نزلت عن ظهره، فقال (ع): استبدل به قبل المساء إن قدرت على مشتر له لا تؤخر ذلك، ودخل داخل فانقطع الكلام، فقمت مفكرا وقلت: ما معنى ذلك، وسرت إلى منزلي فأخبرت أخي فقال: ما أدري ما أقول في هذا، وشححت به، وأمسينا فلما * (هامش ص 409) (1) سورة فاطر، الآية: 32. *

[ 410 ]

صلينا العتمة جاءني السائس فقال: نفق فرسك الساعة، فاغتممت وعلمت أنه عنى هذا بذلك القول، ثم دخلت على أبي الحسن (ع) بعد أيام وأنا أقول في نفسي ليته يخلف علي دابة، فلما جلست قال: قبل أن أحدثه بشئ: نعم يخلف الله عليك، يا غلام أعطه برذوني الكميت. ثم قال: هذا خير من فرسك وأوطأ وأطول عمرا. وقال أحمد بن محمد: كنت كتبت إلى أبي محمد الحسن (ع) حين أخذ المهدي في قتل الموالي يا سيدي الحمد لله الذي شغله عنا، فقد بلغني أنه يتهددك ويقول: والله لاخلينهم عن جدد الارض، فوقع بخطه ذلك أقصر لعمره، فعد من يومك هذا إلى خمسة أيام، فيقتل يمر به في اليوم السادس بعد هوان واستخفاف بموته. فكان كما قال (ع). ودخل العباسيون على صالح بن وصيف عندما حبس (ع) عنده وقالوا له: ضيق عليه ولا توسع فقال صالح: ما أفعل به فقد وكلت به رجلين من أشر ما قدرت عليه، وقد صار إلى العبادة والصلاة والصيام إلى أمر عظيم، ثم أمر بإحضار الموكلين فقال لهما: ويحكما وما شأنكما في أمر هذا الرجل ؟ فقالا له: ما تقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كله، لا يتكلم ولا يتشاغل بغير العبادة، فإذا نظر نظر إلينا ارتعدت فرائصنا، ودخلنا مما لا نملكه على أنفسنا، فلما سمع العباسيون انقلبوا. وذكر جماعة من أصحابنا قالوا: سلم الحسن (ع) إلى حباس يقال له نحير ويقال نحرير فكان يضيق عليه ويؤذيه، فقالت له امرأته: اتق الله فإنك لا تدري من في منزلك، وذكرت له صلاحه وعبادته، وقالت: إني أخاف عليك منه فقال: والله لارمينه إلى السباع، ثم استأذن الخليفة في ذلك فأذن له، فرمى به إليها ولم يشكوا في هلاكه، فنظروا إلى الموضع ليعرفوا الحال فوجدوه قائما يصلي والسباع حوله، فأمر بإخراجه إلى داره.

[ 411 ]

ولله در من قال: [ لحى الله هذا الخارجي بما جنا * على من له أمر الخلافة والامر ] [ أيرمي بهذا النور بغيا ببركة * السباع ولم ينهيه ردع ولا زجر ] [ فنفسي فداء الذي جار دهره * عليه فأرداه الخداعة والعذر ] [ فاني عليه بعد ذلك في عني * ونيران أحزاني يزيد لها سعر ] [ وكيف وقد مضت مصيبة التي * تكور منها الشمس والنجم والبدر ] [ وخرت له السبع الطباق وزلزلت * لها طبقات الارض بل نضب البحر ] [ فيا مدعي حب الامام فنح له * بشجو عظيم في الزمان له نشر ] [ وشق له جيب التصبر والعزا * ومت أسفا حيا وإن ضمك القبر ] والروايات في مناقبه (ع) كثيرة، أجل من أن تستقصى، وكيف تأتي أقلامي وجنود كلامي على من مدحه الله وأثني في الكتاب، وجعله قدوة لعباده الانجاب، وقص مصيبته في ملائكته وأنبيائه إلى يوم الحساب، وفيما ذكرناه كفاية لثبوت إمامته (ع) التي أوجبها الخالق كلها وفتح بها تلك الابواب.

[ 413 ]

الفصل الثالث وقد سقي ذلك السم في أول شهر ربيع الاول سنة ستين ومائتين، ومات في يوم الجمعة لثمان مضين منه من ذلك العام، وله يوم وفاته (ع) ثمانية وعشرون سنة، وكان أعظم سبب في هلاكه ما وشا به أخوه جعفر الكذاب حيث قد نازع الامامة كما أخبره النبي (ص) الاواب. وقد تقدم في خبر الكابلي الذي رواه عن مشائخه الثقاه المنبئ عن قصته مع عبد الله بن خاقان وزيره وولي الضياع والخراج، أن ابن الرضا (ع) قد اعتل فركب من ساعته، فبادر إلى دار الخلافة ثم رجع مستعجلا ومعه من خدم أمير المؤمنين، كلهم من ثقاته وخواصه فيهم نحرير، فأمرهم بلزوم دار الحسين (ع) وتعرف خيره وحاله، وبعث إلى نفر من المطببين فأمرهم بالاختلاف إليه وتعاهده صباحا ومساء، فلما كان بعد ذلك بيومين أو ثلاثة أخبر أنه قد ضعف، فأمر المطببين بلزوم داره، وبعث إلى قاضي القضاة فأحضره مجلسه وأمره أن يختار من أصحابه عشرة ممن يثق بهم في دينه وأمانته وورعه، فأحضرهم فبعث بهم إلى دار الحسن (ع) وأمرهم بلزومه ليلا ونهارا، فلم يزالوا هناك حتى توفي صلوات الله عليه، فصارت سر من رأى في صيحة واحدة وبعث السلطان إلى داره ففتشها وفتش حجرها وختم على جميع ما فيها، وطلبوا أثر ولده، وجاؤوا بنساء يعرفن الحمل فدخلن جواريه ينظر إليهن، فذكر

[ 414 ]

بعضهن أن جارية هناك بها حمل، فجعلت في حجرة ووكل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم، ثم أخذوا بعد ذلك في تهيئة وعطلت الاسواق، وركب بنو هاشم والقواد وعبد الله بن خاقان الوزير الاعظم وسار الناس إلى جنازته (ع)، وكانت سر من رأى شبيهة بالقيامة، فلما فرغوا من تهيئته (ع) بعث السلطان إلى أبي عيسى بن المتوكل فأمره بالصلاة عليه، فلما وضعت الجنازة للصلاة دنا أبو عيسى منه، فكشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم، والعبابسة، والقواد، والكتاب، والقضاة، والمعدلين، وقال: هذا الحسن بن علي بن محمد بن الرضا (ع)، مات حتف أنفه على فراشه حضره من حضره من خدم أمير المؤمنين وثقافة فلان وفلان، ومن المطببين فلان وفلان، ثم غطى وجهه وأمر بحمله من وسط داره (ع)، ودفن في البيت الذي دفن فيه أبوه (ع). فلما دفن أخذ السلطان في طلب ولده، وأكثر التفتيش في المنازل والدور وتوقفوا عن قسمة ميراثه (ع)، ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهموا عليها بالحمل ملازمين لها حتى تبين بطلان الحمل عندهم، فقسموا ميراثه بين أمه وأخيه جعفر الكذاب، وادعت أمه وصيته، وثبت ذلك عند القاضي والسلطان وبطل أثر ولده، فجاء بعد ذلك جعفر الكذاب إلى عبد الله بن خاقان فقال: اجعل لي مرتبة أخي (ع) وأوصل لك في كل سنة عشرين ألف دينار فزبره، وقال: يا أحمق إن السلطان قد جرد سيفه في الذين زعموا أن أباك وأخاك أئمة، ليردهم عن ذلك، فلم يتهيأ له ذلك، فإن كنت عند شيعة أبيك وأخيك إماما فلا حاجة لك بالسلطان ولا غير السلطان في ترتيبك مراتبهم، وإن لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنلها بنا، فاستقله عبيد الله بن خاقان عند ذلك واستضعفه، وأمر أن يحجب عنه فلم يؤذن له بالدخول حتى مات، وخرج وهو على تلك الحال يطلب أثر ولده الحسن بن علي (ع). وفي كتاب الاكمال عن محمد بن الحسن بن عباد قال: مات أبو

[ 415 ]

محمد (ع) يوم الجمعة مع صلاة الغداة، وكان في تلك الليلة قد كتب كتبا كثيرة إلى المدينة، وذلك في شهر ربيع الاول لثمان خلون منه سنة ستين ومائتين من الهجرة، ولم يحضره إلا صقيل الجارية وعقيد الخادم ومن علم الله غيرهما - وهو القائم عجل الله فرجه - فدعا بماء قد غلى بالمصطكي، فجئنا به إليه، فقال: ابدؤوا بالصلاة فوضئوني، فجئنا بالمنديل فبسطناه في حجره وأخذ ابنه الماء من صقيل فغسل به وجهه وذراعيه مرة مرة، ومسح على مقدمة رأسه وظاهر قدميه مسحا وصلى صلاة الصبح على فراشه، وأخذ القدح ليشرب وجعل القدح يضطرب ويضرب ثناياه ويده ترتعش، فأخذت القدح من يده ومضى (ع) من ساعته ودفن في داره بسر من رأى إلى جانب أبيه (ع)، وصار إلى كرامة الله تعالى وقد كمل عمره تسع وعشرون سنة. قال وقال لي ابن عباد في هذا الحديث، قدمت أم أبي محمد من المدينة واسمها حديث حين اتصل بها الخبر إلى سر من رأى، فكانت لها أقاصيص يطول شرحها مع جعفر في مطالبته إياها بميراثه وسعايته بها إلى السلطان، وكشف ما أمر الله تعالى بستره، وادعت عند ذلك صقيل أنها حامل فحملت إلى دار المعتمد، فجعلن نساء المعتمد وخدمه ونساء القاضي ابن أبي الشوارب يتعاهدن أمرها في كل يوم ووقت، إلى أن دهمهم أمر الصفار وموت عبد الله بن يحيى بن خاقان بغتة، وخروجهم من سر من رأى وأمر صاحب الزنج بالبصرة وغير ذلك وفي هذا قيل: [ مضى خير خلق الله بعد محمد * وآبائه تلك الكرام الاماجد ] [ قضى وهو مسموم فوا لهفي لهم * فيا لك من نور إلهي خامد ] [ فلا وفق الله الموفق إذ أتى * بخطب شنيع يا له من منابد ] [ أدك رواسي الكائنات بأصلها * وطبق أرباب النهي والفوائد ] [ وأخمد نور الله بعد سنائه * وعطل أركان الهدى في الهوامد ] [ فيا قلبي المضنى أدم في صبابة * ويا دمع عيني سل دما غير نافد ]

[ 416 ]

[ فقد مات سلطان الورى وابن خيرة * الانام وكهف للملا في الشدائد ] [ فكيف ألذ العيش أو أعرف الكرى * وأنت رهين في الثرى والجلامد ] [ ستبكيك أعواد المنابر والدعا * وتبكيك أنواع الثنا والمحامد ] [ ويبكيك دين الله لما تعطلت * مداركه من ثابتات الاساند ] [ فيا خير من قد ضمه باطن الحشا * ويا خير من قد حط بطن الملاحد ] [ عليك سلام الله ما ذر شارق * وقام أذان الذكر من كل عابد ] وفي كتاب الاكمال عن أبي الاديان قال: كنت أخدم الحسن بن علي العسكري (ع)، وأحمل كتبه إلى الامصار، فدخلت عليه في علته التي توفي فيها (ع)، فكتب معي كتبا وقال: امض إلى المدائن والامصار فإنك مستغيب خمسة عشر يوما وتسمع الواعية في داري وتجدني على المغتسل، وتدخل إلى سر من رأى يوم الخامس عشر فترى ما أخبرتك به. قال أبو الأديان: فقلت: يا سيدي إذا كان ذلك كذلك فمن آتيه ؟ قال: من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم قلت: زدني، قال: من أخبر بما في الهميان فهو القائم بعدي، ثم منعتني هيبته أن أسأله عما في الهميان، فخرجت بالكتب إلى المدائن وأخذت جواباتها، ودخلت سر من رأى يوم الخامس عشر كما قال لي (ع) وإذا الواعية في داره وإذا هو على المغتسل، وإذا بجعفر أخيه بباب الدار والشيعة من حوله يعزونه ويهنونه، فقلت في نفسي: إن يكن هذا الامام فقد بطلت الامامة لاني كنت أعرفه يشرب الخمر ويقامر في الجوسق ويلعب بالطنبور، فتقدمت إليه فهنيته وعزيته فلم يسألني عن شئ. ثم خرج عقيد الخادم فقال: يا سيدي قد كفن أخوك فقم للصلاة عليه، فدخل جعفر والشيعة من حوله يقدمهم السمان والحسن بن علي قتيل المعتصم المعروف بسلمة، فتقدم جعفر ليصلي على أخيه فلما هم بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة بشعره قطط بأسنانه فلج فجذب رداء جعفر بن علي وقال: تأخر

[ 417 ]

فأنا أحق بالصلاة على أبي (ع)، فتأخر جعفر وقد اربد واصفر وجهه، فتقدم وصلى عليه ودفن إلى جانب قبر أبيه (ع). فقال لي: يا بصري هات جوابات الكتب التي معك، فدفعتها إليه وقلت في نفسي هذه إثنتان، بقي الهميان ثم خرجت إلى جعفر الكذاب وهو يزفر وقال له حاجز الوشاء: يا سيدي من الصبي لنقيم الحجة عليه ؟ فقال: والله ما رأيته قط ولا أعرفه فبينما نحن جلوس إذ قدم نفر من قم فسألوا عن الحسن بن علي (ع) فعرفوا بموته، فقالوا: فمن نعزي، فأشار الناس إلى جعفر بن علي فسلموا عليه وعزوه وهنوه، فقالوا: معنا كتب ومال، فأخبرنا ممن الكتب وكم المال، فقام وهو ينفض أثوابه وقال: تريدون منا علم الغيب قال: فخرج الخادم فقال: معكم كتب من فلان وفلان، وهميان فيه ألف دينار وعشرة دنانير منها مطلية، فدفعوا الكتب والمال وقالوا: الذي وجه بك لاجل ذلك فهو الامام، فدخل جعفر بن علي على الموفق وكشف ذلك له، فوجه الموفق خدمه فضيقوا على صقيل الجارية وطلبوها بالصبي فأنكرت وادعت حملا بها لتغطي خبر الصبي، فسلمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي فبلغهم موت عبيد الله بن يحيى بن خاقان وخروج صاحب الزنج بالبصرة، فتشغلوا بذلك عن الجارية، فخرجت من أيديهم والحمد لله رب العالمين. ولله در من قال: [ نفسي الفداء لسيد قدحت به * تلك القوادح من بني العباس ] [ طمست به أعلام دين محمد * من بعد عدل صرن في انكاس ] [ وعلا به طود الضلالة والعمى * وغدت شموس الحق في اطماس ] [ وبه تغيب نور أحمد والذي * يجلو ظلام الحق والوسواس ] [ وبقى الانام بحيرة لا ترتجى * كشفا لها مذ غاب في الارماس ] [ يا قلبي الولهان مت أسفا له * وتصدعي يا زفرة الانفاس ] [ إن الخليفة من له حكم الورى * حكمت عليه طوائف الارجاس ]

[ 418 ]

[ فنفته من عقر الديار ببغيها * حتى تغيب خفيفة الارجاس ] [ فإلهي عجل للانام ظهور من * يحي الورى عن وصمة الخناس ] [ صلى الاله عليه ما هبت صبا * وهنا ففاح أريج طيب الآسي ] وفي الاكمال عن سيار الموصلي قال: لما قبض سيدنا أبو محمد الحسن العسكري (ع)، قدم قوم من قم ومعهم الجمال وفود بالمال التي كانت على الرسم، ولم يكن عندهم خبر وفاته، فقيل لهم إنه (ع) قد فقد فقالوا: فمن وارثه ؟ قالوا: أخوه جعفر الكذاب بن علي الهادي، فسألوا عنه قيل لهم: إنه قد خرج متنزها وركب زورقا ولحقه بالدجلة يشرب الخمر ومعه المغنين قال: فتشاور القوم وقالوا: ليس هذه صفة الامام فقال بعضهم لبعض: امضوا بنا حتى نرد هذه الاموال إلى أهلها، فقال أبو العباس جعفر بن محمد الحميري: قفوا بنا حتى يرجع هذا الرجل ونختبر أمره على الصحة. قال: فلما انصرف دخلوا عليه فسلموا عليه وقالوا: يا سيدنا نحن قوم من قم ومعنا جماعة من الشيعة وغيرها، وكنا نحمل إلى سيدنا الحسن بن علي (ع) الاموال فقال: وأين هي ؟ فقالوا: معنا فقال: احملوها إلي فقالوا: إن لهذه الاموال خبرا طريفا قال: فما هو ؟ فقالوا: إن هذه الاموال تجمع ويكون فيها من عامة الشيعة الدينار والديناران ثم يجعلونها في كيس ويجتمعون عليه، وكنا إذا أوردنا المال إلى سيدنا أبي محمد (ع) يقول: جملة المال كذا وكذا دينار من عند فلان كذاوكذا، ومن عند فلان كذاوكذا، حتى يأتي على أسماء أصحابه كلها ويقول بما على الخواتيم من النقش فقال جعفر: كذبتم تقولون على أخي بما لا يفعل، هذا علم الغيب. فلما سمع القوم كلامه جعل ينظر بعضهم إلى بعض فقال: ألا تحملون هذا المال إلي ؟ فقالوا: إنا قوم مستأجرون وكلاء لارباب المال، ولا نسلم المال إلا بالعلامات التي كنا نعرفها من سيدنا الحسن بن علي (ع)، فإن كنت الامام فبرهن لنا وإلا رددنا المال إلى أصحابه يرون فيه رأيهم.

[ 419 ]

قال: فدخل جعفر على الخليفة وكان بسر من رأى، فاستدعى عليهم، فلما حضروا قال الخليفة: احملوا هذا المال إلى جعفر فقالوا: أصلح الله أمير المؤمنين، إنا قوم مستأجرون ووكلاء لارباب هذه الاموال، وهي وديعة لجماعة عندنا وأمرونا ألا نسلمها إلا بعلامة ودلالة، وقد جرت هذه العادة مع أبي محمد (ع) فقال الخليفة: ما الدلالة لابي محمد (ع) ؟ قال القوم كان يصف لنا الدنانير وأصحابها والاموال وكم هي، فإذا فعل ذلك سلمنا إليه المال، وقد وفدنا عليه مرارا فكانت هذه علامتنا معه (ع) ودلالتنا، وقد مات فإن يكن هذا الرجل صاحب هذا الامر، فليقم لنا ما كان يقيم لنا أخوه وإلا رددناها على أصحابها. فقال جعفر: يا أمير إن هؤلاء القوم يكذبون على أخي، وهذا علم الغيب. فقال الخليفة: القوم رسل وما على الرسول إلا البلاغ المبين، قال: فبهت جعفر ولم يحر جوابا فقال القوم: يقول أمير المؤمنين بإخراج أمره إلى من يدبرنا حتى نخرج من هذه البلدة، قال: فأمر لهم بنقيب فأخرجهم منها. فلما أن خرجوا من البلد خرج لهم غلام أحسن الناس وجها كأنه خادم، فنادى يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان أجيبوا داعي الله أجيبوا مولاكم، فقالوا: أنت مولانا ؟ فقال: معاذ الله، أنا عبد مولاكم فسيروا إليه قالوا: فسرنا معه حتى دخلنا دار مولانا الحسن بن علي (ع) وإذا ولده القائم (ع) سيدنا قاعد على سرير كأنه فلقة قمر عليه ثياب خضر، فسلمنا عليه فرد علينا السلام فقال: جملة المال كذاوكذا دينارا، حمل فلان كذا، ولم يزل يصف حتى وصف الجميع، ثم وصف ثيابنا ورحالنا وما كان معنا من الدواب، فخررنا سجدا لله عز وجل شكرا، وقبلنا الارض بين يديه، ثم سألنا عما أردنا فأجابنا، وحملنا إليه الاموال وأمرنا القائم (ع) أن لا نحمل إلى سر من رأى بعد هذا شيئا من المال، وانه ينصب إلينا في بغداد رجلا نحمل إليه الاموال، ويخرج من عنده التوقيعات، قال: فانصرفنا من عنده، ودفع إلى أبي العباس جعفر بن محمد الحميري شيئا من الحنوط والكفن، وقال: عظم الله أجرك في نفسك.

[ 420 ]

قال: فما بلغ أبو العباس عقبة همدان حتى توفي رحمه الله، وكان بعد ذلك تحمل الاموال إلى بغداد إلى النواب المنصوبين وتخرج منهم التوقيعات. ولما قدم الحسن (ع) على ربه، واستتر عن أهله وأصحابه، ووقعت الغيبة الصغرى، ولم يعلم به ولا يدري من نصب لقبض الاموال والاخماس وإزالة الوسواس الخناس من الناس وكشف الشكوك والاقياس، فذهبت الخواص من شيعته إلى الاطلاع على أمره واستجلاء ديجور ليل استتار نور بدره، وكان ممن طلب إبراهيم بن مهزيار وهو من الثقاة الاخيار قال: قدمت المدينة مدينة الرسول (ص) فبحثت عن أخبار آل أبي محمد الحسن بن علي (ع) الاخير، فلم أقع على شئ منها، فرحلت إلى مكة مستبحثا عن ذلك، فبينما أنا في الطواف الاخير إذ تراءى لي فتى أسمر اللون، ربع، حسن الوجه، جميل المخيلة، يطيل التوسم إلي، فعدلت إليه مؤملا منه عرفان الوجه لما قصدت إليه، فلما قربت منه سلمت عليه فأحسن الرد والاجابة، ثم قال: من أي البلاد أنت ؟ قلت: أنا رجل من العراق، قال: من أي العراق أنت ؟ فقلت: من الاهواز، قال: مرحبا بلقائك، هل تعرف بها جعفر بن محمد الحضيني ؟ قلت: دعي فأجاب قال: رحمة الله عليه ما كان أطول ليله وأجزل نيله، فهل تعرف إبراهيم بن مهزيار ؟ فقلت، أنا إبراهيم بن مهزيار، فعانقني مليا ثم قال: مرحبا بك يا أبا إسحاق ما فعلت العامة التي وشجت بينك وبين أبي محمد، قلت: لعلك تريد الخاتم الذي آثرني الله به من طيب أبي محمد بن علي (ع) ؟ فقال: ما أردت سواه، فأخرجته إليه، فلما نظر إليه استعبر وقبله، ثم قرأ كتابته وكانت: يا الله يا محمد يا علي ثم قال: يا أبا إسحاق أخبرني من عظيم ما توخيت به بعد الحجج قلت: وأبيك ما توخيت إلا ما سأستعلمك مكنونه قال: سل عما تريد فإني شارح لك إن شاء الله تعالى، قلت: هل تعرف من آل أبي محمد الحسن بن علي (ع) شيئا ؟ قال: وأيم الله إني لاعرف الضوء من جبين محمد (ع) وموسى أبناء الحسن بن علي (ع)، ثم

[ 421 ]

إني لرسولهما إليك قاصدا لانبئك أمرهما، فإذا أحببت لقاءهما والاكتحال بالتبرك بهما فارتحل معي إلى الطائف، وليكن ذلك في خفية واكتتام. قال إبراهيم: فشخصت معه إلى الطائف نتخلل رملة رملة حتى أخذ في بعض مخارج الفلوات، فبدت لنا خيمة شعر قد أشرفت على أكمة رمل تتلألأ تلك البقاع منها تلالا، فبدرني إلى الاذن ودخل مسلما عليهما وأعلمهما بمكاني فخرج علي أحدهما وهو الاكبر سنا، المهدي بن الحسن (ع) وإذا هو غلام أمرد، ناصع اللون، واضح الجبين، أزج الحاجبين، مسنون الخد، أقنى الانف، أشم أروع، كأنه غصن بان، صفحة غرته كوكب دري بخده الايمن خال كأنه قناة مسك على بياض الفضة، له سمة ما رأت العيون أقصد منه ولا أعرف حسنا وسكينة وحياء. فلما مثل لي أسرعت إلى تلقيه، فأكببت عليه ألثم كل جارحة منه، فقال: مرحبا بك يا أيا إسحاق، لقد كنت اليوم تعدني وشك لقائك، والمقالب بيني وبينك على تشاحط وخيال المشاهدة، وأنا أحمد الله ربي على ما قيض من التلاقي ورفه من كربة التنائي والاستشراف، ثم سألني عن أحوالي متقدمها ومتأخرها فقلت: بأبي وأمي ما زلت [ أسأله ] عن أمرك بلدا بلدا منذ استأثر الله سيدي أبا محمد فاستغلق ذلك علي، حتى من الله علي بمن أرشدني إليك ودلني عليك، والشكر لله على ما أوزعني فيك من كريم اليد والطول، ثم نسب نفسه (ع) وأخاه موسى واعتزل بي ناحية، ثم قال لي: إن أبي صلوات الله عليه عهد لي أن لا أوطن من أرض الله إلا أخفاها وأقصاها إسرارا لامري، وتحصينا لمحلي ومن كيد أهل الضلال والمردة من احداث الامم الضؤال، فأنبذني إلى عثيالة التلال والرمال وجنبني صرائم الارض، ينتظر لي الغاية التي عندها يحل الامر وينجلي الهلع، وكان بسط لي من خزائن الحكم وكوامن العلم ما ان نعشت إليك منه جزءا أغناك عن الجملة. اعلم يا أبا إسحاق أنه قال صلوات الله عليه: يا بني إن الله جل ثناؤه لم

[ 422 ]

يكن يخلي أطباق أرضه وأهل الجد في طاعته وعبادته بلا حجة يستعمل بها، وإماما يؤتم به ويقتدى بسبيل سنته ومنهاج قصده، وأرجو يا بني أن تكون أحد من عده الله تعالى لنشر الحق وطي الباطل وإعلاء الدين واطفاء الضلال، فعليك يا بني بلزوم خوافي الارض واتبع قواصيها، فإن لكل ولي من أولياء الله عدوا مقارعا وضدا منازعا افتراضا لثواب مجاهدة أهل نفاقه وخلافه أولي الالحاد والعناد فلا يوحشنك ذلك واعلم أن قلوب أهل الطاعة والاخلاص تفزع إليك كالاطيار إلى أوكارها، وهم معشر يطلعون بمخايل الذلة والاستكانة وهم عند الله بررة يبتزون بأنفس مختلفة محتاجة، وهم أهل القناعة والاعتصام استبطوا الدين فوازروه على مجاهدة الاضداد، وخصهم الله باحتمال الضيم في الدنيا ليشملهم اتساع العز في دار القرار، وجبلهم على خلائق الصبر على موارد أمورك تفز بدرك الصنيع في مصادرها، واستشعر العز في ما ينويك تحض بما عليه إن شاء الله تعالى، وكأنك بتأييد نصر الله وقد آن، وبتيسير الفرج وعلو الكعب وقد حان، وكأنك بالرايات الصفر والاعلام البيض تخفق على أثناء أعطافك ما بين الحطيم وزمزم، وكأنك بترادف البيعة وتصادف الولي يتناظم عليك الدار في مثاني العقود وتصافق الاكف جنات الحجر الاسود تلوذ بفنائك من ملا برأهم الله في طهارة الولادة ونفاسة التربة، مقدسة قلوبهم من دنس النفاق مهذبة أفئدتهم من رجس الشقاق لينة عرائكهم للدين، خصبة ضرائبهم على المعتدين، واضحة بالقبول وجوههم نضرة بالفضل عيدانهم، يدينون بدين الحق وأهله، فإذا اشتدت أركانهم وتقومت أعمدتهم قدمت بمكاففتهم طبقات الامم إلى بيعتك في ظلال دوحة بسقت أفنان غصونها على حافات بحيرة الطبرية، فعندما يتلالا صبح الحق وينجلي ظلام الباطل ويقصم الله بك الطغيان ويعيد معالم الايمان فيطهر بك أقسام الآفاق ويظهر بك السلام الرقاق، يود الطفل في المهد لو استطاع إليك نهوضا لنهض ونواشط الوحش لو وجد نحوك مجازا تهتز بك أطراف الدنيا بهجة وتهتز بك أعطاف العز نظرة وتستقر بواقي الحق في قرارها وتثوب شوارد الدين إلى أوكارها تتهاطل عليك سحائب

[ 423 ]

الظفر ويخنق كل عدو وينصر كل ولي، فلا يبقى على وجه الارض جبار قاصد ولا جاحد فاجر غادر غامض ولا شأن مبغض ولا معاند كاشح (ومن يتوكل على الله فهو حسبه ان الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدرا) (1). ثم قال (ع): يا أبا إسحاق ليكن مجلسي هذا عندك مكتوما إلا عن أهل التصديق والاخوة الصادقة في الدين، وإذا بدت لك تلك الامارات والتمكن فلا تبطئ بإخوانك عنا، وبأهل المنازعة إلى منار اليقين وضياء مصابيح الدين. قال إبراهيم بن مهزيار (رض): فمكثت عنده حينا أقتبس ما يروي من موضحات الاعلام ونيرات الاحكام، وأروي نبات الصدور من نضارة ما ذخره الله في طبعائه من لطائف الحكمة وطرائف فواضل القسمة، حتى خفت إضاعة مخلفي بالاهواز لتراخي اللقاء عنهم، فاستأذنته في القفول وأعلمته عظيم ما أصدر به عنه من التوحش لفرقته والتجرع للظعن عن مجالسته، فأذن لي، وأردفني بصالح دعائه ما يكون عند الله ذخرا لي ولعقبي ولقرابتي ان شاء الله تعالى. فلما أزف ارتحالي وتهيأ اعتزام سفري، غدوت عليه مودعا مجددا للعهد، وعرضت عليه مالا كان معي يزيد على خمسين ألف درهم، وسألته أن يتفضل بقبوله مني، فتبسم (ع) وقال: يا أبا إسحاق استعن بها على مصرفك فإن الشيعة مدنفة وفلوات الارض أمامك جمة، ولا تحزن لاعراضنا عنه فإنا قد أحدثنا لك شكره ونشره وربطناه عندنا بالتذكرة وقبول المنة، وبارك الله لك فيما حولك وأدام لك ما هو لك وكتب لك ثواب المحسنين وأكرم آثار الطائعين، فإن الفضل له ومنه، واسأل الله تعالى لاصحابك بأوفر الحظ وسلامة الاربة وأكناف الغبطة بلين المنصرف، ولا أوعث الله لك سبيلا ولا حير لك دليلا، واستودعه نفسك وديعة لا تضيع ولا تزول بمنه ولطفه ان شاء الله تعالى، يا أبا إسحاق


(1) سورة الطلاق، الآية: 3. (*)

[ 424 ]

متعنا الله بفوائد إحسانه وفوائد امتنانه، وصان أنفسنا في معاونة الاوصياء لنا على الاخلاص في النية وامحاظ النصيحة ومحافظة على ما هو أبقى وأرفع ذكرا. قال: فقمت من عنده وأقفلت حامدا لله عزوجل ما هداني وأرشدني، عالما بأن الله لم يكن ليعطل أرضه ولا ليخليها من حجة واضحة وإمام قائم، وألقيت هذا الخبر المأثور والنسب المشهور توخيا للزيادة في سائر أهل اليقين، وتعريفا لهم بما من الله عزوجل به من إنشاء الذروة الطيبة والتربة الزكية، وقصدت أداء الامانة، والتسليم لما استبان ليضاعف الله تعالى للملة الهادية والطريق المرضية قوة عزم وتأييد نية وشدة واعتقاد عصمة (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) (1). وهذا الحديث قد جلا عن الصدور وعرى الشكوك والريبة، ويكشف أستار الغيبة عن أسرار الرجوع والاوبة، ويمكن في قلوب المؤمنين أعمدة الثبات على الايمان والتصديق والبعد عن الزلة والحوبة، ولقد أمرضت مصيبة فقد والده (ع) قلوب أوليائه المؤمنين، وطبقتها غيوم عموم الغيبة عن الاعين لاختلال الدين، وتسليط الفاسقين والمضلين على أرباب الحق واليقين ولو لا ما ندبنا إليه من التأسي بهم والصبر على مضاضة هذه اللواذع الصادرة في هذه الايام، لبكينا بدل الدموع دما، وجعلنا العمر كله مأتما، فأي مصيبة أعظم من هذه المصيبة، وأي نائبة أعظم من هذه النائبة المنيبة، فلقد أحدثت فينا فتنا ليس منتهى لحدها وبلايا لا يأتي الحساب على عدها، ونسأل الله سبحانه الثبات على الايمان بأربابها، والكون في خدمة ناصريها وأصحابها، وأن يدير تلك الافلاك من سماوات العدل بإيثار نوائبها ولنختم هذا الكتاب ببعض الابيات التي حملنا الحزن والتأوه عليها والشرب من أوصابها ونعزي بها صاحب العزاء


(1) سورة البقرة، الآية: 213. (*)

[ 425 ]

وآله الطاهرين، ابتغاء لثوابها ورجاء لنيل الدخول في جناته وفتح أبوابها وهذه الابيات هي: [ جل المصاب بسيد السادات * نجل الائمة أفضل القادات ] [ أعني نتيجة من علا فوق السهى * وانحط عنه عاليات سمات ] [ ختم الامام بابنه حقا كما * ختم النبوة جده بثبات ] [ بئس الزمان فقد أراهم جوره * ورماهم بسهامه وشتات ] [ فسقى النبي كؤوس سم ناقع * وأعل فاطم بعد ضغط جنات ] [ وغدا الوصي بسيف ابن قذارها * لرضا قطام مجدلا بصلاة ] [ وسقت جعيدة للزكي سمومها * في نسك صوم يا لها نكبات ] [ والفرقد الثاني مضى في كربلا * بسيوف أشقاها وشر عداة ] [ من بعدما خدعت له في كتبها * فأتى لها بالاهل خير حماة ] [ منعوه شرب الماء حتى إن قضا * مقطوع رأس شيل فوق قناة ] [ ونساؤه أسرت وقد شهدت له * فوق الرغام مرضض الجنبات ] [ وعليله زين العابدين مقيدا * لا راحم منهم له بجهات ] [ كم نال من بعد التعزز ذلة * فقضا بسم ناقع وترات ] [ والباقر المولى كذلك ابنه * قتلتهما أشرارها لهنات ] [ والكاظم المسموم من أردى الورى * من بعد تعنيف وذل حياة ] [ ولذي الرضا جارت عليه ببغيها * ابنا العمومة أقذر القذرات ] [ وعدت على المولى الجواد وقوضت * تلك القباب فيا لها نكبات ] [ والسيد الهادي لقد أردته في * عجل وشر عصابة وبغاة ] [ والعسكري أبو الامام ببغيها * جلبت لهه من سمها الكاسات ] [ وتقصدت ابن الخليفة سيدي * بشرورها فغدا بدار شتات ] [ أغبر آفاق البلاد وكورت * شمس العلوم وعطل الآيات ] [ والدرس مندرس وباب الشرع في * غلق ورايات الهدى نكسات ] [ ومنابر الوعاظ لا وعظ بها * ومحارب أمست بغير صلاة ]

[ 426 ]

[ والمحكمات البينات تعطلت * لا قيم فيها بغير حماة ] [ يا صاحب العصر الذي فرض له * أخذ الدخول من العدا وبغاة ] [ عجل وجرد سيف جدك أحمد * واغمده في أعناق شر عداة ] [ لا سيما تيم لها وعديها * وبنو أمية والعمومة عات ] [ فلقد أبادوا نسلكم وتمردوا * وسبوا حريمك يا بن حمات ] [ حملوا لرأس حسين فوق سنانهم * من بعد ذبح مفضع وشتات ] [ قم فانشرا لنا علوم محمد * في العالمين وبين الآيات ] [ فالرأس شاب من البلايا والعنا * والعين من دم لها عبرات ] [ أهديتكم قدري وما قد قلته * فيكم أقل قليل في المدحات ] [ منعوا علينا بالقبول وكفروا * عنا الذنوب ومعظم السيئات ] [ صلى إله الخلق خير صلاته * رغدت تأمكم مدى الساعات ] [ فاللعن في أعدائكم متواتر * ما قام داعي الله للصلوات ] وهذا آخر ما أوردناه في وفاة إمامنا وابن إمامنا الحسن العسكري، عليه وعلى آبائه وابنه السلام على التمام والكمال، ونستغفر الله العظيم عن السهو، والغلط، والعمد، والنسيان، إنه غفور منان، والحمد لله حق حمده، وصلى الله على من لا نبي بعده محمد وآله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا مباركا آمين. وقد وقع الفراغ من تسويد هذه النسخة المباركة ظهر يوم السادس من شهر ربيع الاول سنة 1364 الرابعة والستين وثلاثمائة والالف هجرية على مهاجرها وآله أفضل الصلاة والسلام والتحية.

[ 427 ]

وفاة السيدة زينب الكبرى " عليها السلام " تأليف العلامة الجليل الشيخ فرج آل عمران القطيفي

[ 429 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الميامين، ولعنة الله على أعدائهم الظالمين. وبعد: فيقول الراجي لعفو ربه المنان، فرج بن حسن بن أحمد العمران، هذه وفاة الصديقة الصغرى قد اقتطفتها من كتاب (زينب الكبرى) تأليف العلامة الجليل الشيخ جعفر بن محمد النقدي، المتوفى في اليوم التاسع من شهر محرم الحرام من السنة التاسعة والستين والثلاثمائة والالف من الهجرة النبوية، إجابة لالتماس بعض المؤمنين راجيا من الله سبحانه أن ينفعني بها وإياهم (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) (1) وقد رتبتها على أربعة فصول:


(1) سورة الشعراء، الآية: 88 - 89. (*)

[ 431 ]

الفصل الاول في ميلادها وكناها وألقابها ونشأتها وتزويجها كانت ولادة الميمونة الطاهرة، والدرة الفاخرة، في اليوم الخامس من شهر جمادى الاولى، في السنة الخامسة - أو السادسة للهجرة - على ما حققه بعض الافاضل. وقيل في غرة شعبان في السنة السادسة. وعن الحافظ جلال الدين السيوطي في رسالته الزينبية: ولدت في حياة جدها رسول الله (ص) وكانت لبيبة جزلة عاقلة لها قوة جنان، فإن الحسن (ع) ولد قبل وفاة جده بثمان سنين، والحسين (ع) بسبع سنين وزينب الكبرى بخمس سنين انتهى كلامه. ولما ولدت (ع): جاءت بها أمها الزهراء إلى أبيها أمير المؤمنين (ع) وقالت له: سم هذه المولودة ؟ فقال (ع) ما كنت لاسبق رسول الله (ص) وكان في سفر له، ولما جاء النبي (ص) وسأله عن اسمها فقال: ما كنت لاسبق ربي تعالى، فهبط جبرائيل يقرأ على النبي (ص) السلام من الله الجليل وقال له: سم هذه المولودة (زينب) فقد اختار الله لها هذا الاسم، ثم أخبره بما يجري عليها من المصائب، فبكى النبي (ص) وقال: من بكى على مصاب هذه البنت كان كمن بكى على أخويها الحسن والحسين (ع) وتكنى بأم كلثوم، وأم الحسن، وتلقب: بالصديقة الصغرى، والعقيلة، وعقيلة بني هاشم، وعقيلة

[ 432 ]

الطالبيين، والموثقة، والعارفة، والعالمة غير المعلمة، والكاملة، وعابدة آل علي، وغير ذلك من الصفات الحميدة والنعوت الحسنة، وهي أول بنت ولدت لفاطمة صلوات الله عليها. ولقد كانت نشأة هذه الطاهرة الكريمة وتربية تلك الدرة اليتيمة في حضن النبوة، ودرجت في بيت الرسالة، رضعت لبان الوحي من ثدي الزهراء البتول، وغذيت بغداء الكرامة من كف ابن عم الرسول (ص) فنشأت نشأة قدسية وربيت تربية روحانية متجلببة جلابيب الجلال والعظمة، متردية رداء العفاف والحشمة، فالخمسة أصحاب العباء (ع) هم الذين قاموا بتربيتها وتثقيفها وتهذيبها، وكفى بهم مؤدبين ومعلمين. ولما غربت شمس الرسالة، وغابت الانوار الفاطمية، وتزوج أمير المؤمنين (ع) بإمامة بنت أبي العاص وأمها زينب بنت رسول الله (ص) بوصية من الزهراء (ع) إذ قالت: وأوصيك أن تتزوج بأمامة بنت أختي زينب، تكون لولدي مثلي فقامت أمامة بشؤون زينب خير قيام كما كانت تقوم بشؤون بقية ولد فاطمة (ع)، وكانت أمامة هذه من النساء الصالحات القانتات العابدات، وكانت زينب (ع) تأخذ التربية الصالحة والتأديب القويم من والدها الكرار وأخويها الكريمين الحسن والحسين (ع) إلى أن بلغت من العلم والفضل والكمال مبلغا عظيما. ولما بلغت صلوات الله عليها مبلغ النساء، ودخلت من دور الطفولة إلى دور الشباب، خطبها الاشراف من العرب ورؤساء القبائل، فكان أمير المؤمنين (ع) يردهم ولم يجب أحدا منهم في أمر زواجها، وممن خطبها الاشعث بن قيس وكان من ملوك كندة على ما في الاصابة، فزبره أمير المؤمنين (ع) وقال: يا ابن الحائك أغرك ابن قحافة زوجك أخته - والحائك هنا المحتال والكذاب - وكان أبو بكر زوج أخته أم فروة بنت أبي قحافة من الاشعث، وذلك أن الاشعث ارتد فيمن ارتد من الكنديين وأسر، فأحضر

[ 433 ]

إلى أبي بكر فأسلم وأطلقه وزوجه أخته المذكورة، فأولدها محمد بن الاشعث وهو أحد قتلة الحسين (ع)، ثم أن الذي كان يدور في خلد أمير المؤمنين (ع) أن يزوج بناته من أبناء إخوته ليس إلا امتثالا لقول النبي (ص) حين نظر إلى أولاد علي (ع) وجعفر وقال: بناتنا لبنينا وبنونا لبناتنا، ولذلك دعا بابن أخيه عبد الله بن جعفر وشرفه بتزويج تلك الحوراء الانسية إياه على صداق أمها فاطمة أربعمائة وثمانين درهما، ووهبها إياه من خالص ماله (ع). وذكر بعض حملة الآثار أن أمير المؤمنين (ع) لما زوج ابنته من ابن أخيه عبد الله بن جعفر اشترط عليه في ضمن العقد أن لا يمنعها متى أرادت السفر مع أخيها الحسين، وكان عبد الله بن جعفر أول مولود في الاسلام بأرض الحبشة، وكان ممن صحب رسول الله (ص) وحفظ حديثه ثم لازم أمير المؤمنين (ع) والحسين (ع) وأخذ منهم العلم الكثير. قال في الاستيعاب: وكان كريما، جوادا، ظريفا، خليقا، عفيفا، سخيا، وأخبار عبد الله بن جعفر في الكرم كثيرة، وكان يدعوه النبي (ص) من أيسر بني هاشم وأغناهم، وله في المدينة وغيرها قرى وضياع ومتاجرة عدا ما كانت تصله من الخلفاء من الاموال، وكان بيته محط آمال المحتاجين، وكان لا يرد سائلا قصده، وكان يبدأ الفقير بالعطاء قبل أن يسأله فسئل عن ذلك فقال: لا أحب أن يريق ماء وجهه بالسؤال، حتى قال فقراء المدينة بعد موته: ما كنا نعرف السؤال حتى مات عبد الله بن جعفر، فيحق له أن يتمثل بقول الشاعر: [ نحن أناس نوالهم خضل * يرتع فيه الرجاء والامل ] [ تجود قبل السؤال أنفسنا * خوفا على ماء وجه من يسل ] ولا زالت الصديقة زينب الكبرى سلام الله عليها في بيت زوجها عبد الله بن جعفر الجواد، وهو من علمت ثروته، ويساره، وكثرة أمواله،

[ 434 ]

وخدمه، وحشمه يوم ذاك كانت تخدمها العبيد والاماء والاحرار، ويطوف حول بيتها الهلاك من ذوي الحوائج وطالبي الاستجداء، وكان بيتها الرفيع وحرمها المنيع لا يضاهيه في العز والشرف وبعد الصيت إلا بيوت الخلفاء والملوك. وقد ولدت لعبدالله بن جعفر كما في الجزء الثاني من تاريخ الخميس عليا وعونا الاكبر وعباسا وأم كلثوم، وذكر النوري في تهذيب الاسماء واللغات جعفرا الاكبر، وذكر السبط بن الجوزي في تذكرة الخواص محمدا، فأما العباس وجعفر ومحمد فلم نقف لهم على أثر ولا ذكرهم النسابة من المعقبين، وأما علي وهو المعروف بالزينبي ففيه الكثرة والعدد، وفي ذريته الذيل الطويل والسلالة الباقية. وأما عون الاكبر فهو من شهداء الطف، قتل في جملة آل أبي طالب، وهو مدفون مع آل أبي طالب في الحفيرة مما يلي رجلي الحسين (ع)، وتوفي عبد الله بن جعفر رضي الله عنه في المدينة المنورة سنة ثمانين من الهجرة النبوية عام الحجاف - وهو سيل كان ببطن مكة حجف بالناس فذهب بالحاج والجمال بأحمالها وذلك في خلافة عبد الله بن عبد الملك بن مروان - وصلى عليه السجاد أو الباقر (ع) كان أمير المدينة يومئذ أبان بن عثمان، وخرجت الولائد خلف سريره قد شققن الجيوب والناس يزدحمون على سريره، وممن حمل السرير أبان بن عثمان وما فارقه حتى وضعه بالبقيع ودموعه تسيل وهو يقول: كنت والله شريفا واصلا برا، قال هشام المخزومي: أجمع أهل الحجاز وأهل البصرة وأهل الكوفة على أنهم لم يسمعوا ببيتين أحسن من بيتين رأوهما على قبر عبد الله بن جعفر وهما: [ مقيم إلى أن يبعث الله خلقه * لقاؤك لا يرجى وأنت قريب ] [ تزيد بلى في كل يوم وليلة * وتنسى كما تبلى وأنت حبيب ]

[ 435 ]

الفصل الثاني في شرفها، وعلمها، وعبادتها، وزهدها أما شرفها (ع): فهو الشرف الباذخ الذي لا يفوقه شرف، فإنها من ذرية سيد الكائنات وأشرف المخلوقات محمد بن عبد الله (ص)، قال رسول الله (ص): كل بني أم ينتمون إلى عصبتهم إلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم، وعنه (ص): أن الله عزوجل جعل ذرية كل نبي في صلبه، وأن الله تعالى جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب (ع). فهذا الشرف الحاصل لزينب (ع) شرف لا مزيد عليه، فإذا ضممنا إلى ذلك أن أباها علي المرتضى وأمها فاطمة الزهراء، وجدتها خديجة الكبرى، وعمها جعفر الطيار في الجنة وعمتها أم هانئ بنت أبي طالب، وأخواها سيدا شباب أهل الجنة، وأخوالها وخالاتها أبناء رسول الله (ص) وبناته، فماذا يكون هذا الشرف وإلى أين ينتهي شأوه ويبلغ مداه، وإذا ضممنا إلى ذلك أيضا علمها وفضلها وتقواها وكمالها وزهدها وورعها وكثرة عبادتها ومعرفتها بالله تعالى، كان شرفها شرفا خاصا بها وبأمثالها من أهل بيتها ومما زاد في شرفها ومجدها أن الخمسة الاطهار أهل العباء (ع) كانوا يحبونها حبا شديدا. وحدث يحيى المازني قال: كنت في جوار أمير المؤمنين في المدينة مدة مديدة، وبالقرب من البيت الذي تسكنه زينب ابنته، فلا والله ما رأيت لها

[ 436 ]

شخصا ولا سمعت لها صوتا، وكانت إذا أرادت الخروج لزيارة جدها رسول الله تخرج ليلا والحسن عن يمينها والحسين عن شمالها وأمير المؤمنين (ع) أمامها، فإذا قربت من القبر الشريف سبقها أمير المؤمنين (ع) فأخمد ضوء القناديل، فسأله الحسن (ع) مرة عن ذلك فقال (ع): أخشى أن ينظر أحد إلى شخص أختك زينب. وورد عن بعض المطلعين أن الحسن (ع) لما وضع الطشت بين يديه وصار يقذف كبده وسمع بأن أخته زينب تريد الدخول عليه أمر وهو في تلك الحال برفع الطشت إشفاقا عليها، وجاء في بعض الاخبار أن الحسين (ع) كان إذا زارته زينب يقوم إجلالا لها وكان يجلسها في مكانه، ولعمري إن هذه منزلة عظيمة لزينب (ع) وأخيها الحسين (ع). كما أنها كانت أمينة أبيها على الهدايا الالهية. ففي حديث مقتل أمير المؤمنين (ع) الذي نقله المجلسي في تاسع البحار نادى الحسن (ع) أخته زينب أم كلثوم: هلمي بحنوط جدي رسول الله (ص) فبادرت زينب مسرعة حتى أتت به، فلما فتحته فاحت الدار وجميع الكوفة وشوارعها لشدة رائحة ذلك الطيب، وقال الفاضل الاديب حسن قاسم في كتابه (السيدة زينب السيدة الماهرة الزكية)، زينب بنت الامام علي بن أبي طالب (ع) ابن عم الرسول (ص) وشقيقة ريحانتيه لها أشرف نسب وأجل حسب وأكمل نفس وأطهر قلب، فكأنها صيغت في قالب ضمخ بعطر الفضائل، فالمستجلي آثارها يتمثل أمام عينيه رمز الحق رمز الفضيلة رمز الشجاعة رمز المروءة، فصاحة اللسان قوة الجنان مثال الزهد والورع، مثال العفاف والشهامة ان في ذلك لعبرة. وقال أيضا فإن عد في النساء الشهيرات فالسيدة أولاهن وإذا عدت الفضائل فضيلة فضيلة من وفاء وسخاء وصدق وصفاء وشجاعة وإباء وعلم وعبادة وعفة وزهادة فزينب أقوى مثال للفضيلة بكل مظاهرها. وقال العلامة السيد جعفر آل بحر العلوم الطباطبائي في كتابه (تحفة

[ 437 ]

العالم) المطبوع بالنجف زينب الكبرى زوجة عبد الله بن جعفر تكنى أم الحسن، ويكفي في جلالة قدرها ونبالة شأنها ما ورد في بعض الاخبار من أنها دخلت على الحسين (ع) وكان يقرأ القرآن، فوضع القرآن على الارض وقام إجلالا لها. وقال محمد علي المصري في رسالته التي طبعها بمصر السيدة زينب رضي الله عنها: هي بنت سيدي الامام علي كرم الله وجهه، وبنت السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله (ص)، وهي من أجل أهل البيت حسبا وأعلاهم نسبا، خيرة السيدات الطاهرات، ومن فضيلات النساء وجليلات العقائل التي فاقت الفوارس في الشجاعة، واتخذت طول حياتها تقوى الله بضاعة، وكان لسانها الرطب بذكر الله على الظالمين غصبا ولاهل الحق عينا معينا، كريمة الدارين وشقيقة الحسنين، بنت البتول الزهراء التي فضلها الله على النساء، وجعلها عند أهل العزم أم العزائم وعند أهل الجود والكرم أم هاشم، إلى أن قال ولدت رضي الله عنها سنة خمس من الهجرة النبوية قبل وفاة جدها (ص) بخمس سنين فسر بمولدها أهل بيت النبوة أجمعون، ونشأت نشأة حسنة كاملة فاضلة عالمة، من شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وكانت على جانب عظيم من الحلم والعلم ومكارم الاخلاق، ذات فصاحة وبلاغة تفيض من يدها عيون الجود والكرم. وقد جمعت بين جمال الطلعة وجمال الطوية حتى أنها اشتهرت في بيت النبوة ولقبت بصاحبة الشورى، وكفاها فخرا أنها فرع من شجرة أهل بيت النبوة الذين مدحهم الله تعالى في كتابه العزيز. وأما علمها (ع)، فهو البحر لا ينزف فإنها سلام الله عليها هي المترباة في مدينة العلم النبوي، المعتكفة بعده ببابها العلوي، المتغداة بلبانه من أمها الصديقة الطاهرة سلام الله عليها، وقد طوت عمرا من الدهر مع الامامين السبطين يزقانها العلم زقا فهي [ اغترفت ] من عباب علم

[ 438 ]

آل محمد (ع) وعباب فضائلهم الذي اعترف [ به ] عدوهم الالد يزيد الطاغية بقوله في الامام السجاد (ع): أنه من أهل بيت زقوا العلم زقا، وقد نص لها بهذه الكلمة ابن أخيها علي بن الحسين (ع): أنت بحمد الله عالمة غير معلمة وفهمة غير مفهمة، يريد (ع) أن مادة علمها من سنخ ما منح به رجالات بيتها الرفيع أفيض عليها إلهاما لا يتخرج على أستاذ أو أخذ عن مشيخة، وإن كان الحصول على تلك القوة الربانية بسبب تهذيبات جدها وأبيها وأمها وأخويها أو لمحض انتمائها (ع) إليهم واتحادها معهم في الطينة المكهربين لذاتها القدسية، فازيحت عنها بذلك الموانع المادية وبقي مقتضى اللطف الفياض وحده وإذ كان لا يتطرقه البخل بتمام معانيه عادت العلة لافاضة العلم كله عليها بقدر استعدادها تامة فافيض عليها بأجمعه إلا ما اختص به ائمة الدين (ع) من العلم المخصوص بمقامهم الاسمى، على أن هناك مرتبة سامية لا ينالها إلا ذو حظ عظيم وهي الرتبة الحاصلة من الرياضات الشرعية والعبادات الجامعة لشرائط الحقيقة لا محض الظاهر الموفي لمقام الصحة والاجزاء، فإن لها من الآثار الكشفية ما لا نهاية لامدها، وفي الحديث: من أخلص لله تعالى أربعين صباحا انفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، ولا شك أن زينب الطاهرة قد أخلصت لله كل عمرها فماذا تحسب أن يكون المنفجر من قلبها على لسانها من ينابيع الحكمة. ويظهر من الفاضل الدربندي وغيره أنها (ع) كانت تعلم علم المنايا والبلايا، كجملة من أصحاب أمير المؤمنين (ع)، منهم ميثم التمار ورشيد الهجري وغيرهما، بل جزم في أسراره أنها صلوات الله عليها أفضل من مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وغيرهما من فضليات النساء، وذكر (قدس سره) عند كلام السجاد (ع) لها: يا عمة أنت بحمد الله عالمة غير معلمة، وفهمة غير مفهمة. إن هذا الكلام حجة على أن زينب بنت أمير المؤمنين (ع) كانت محدثة أي ملهمة، وأن علمها كان من العلوم اللدنية والآثار الباطنية.

[ 439 ]

ومن نظر في كتاب أسرار الشهادة رأى فيه من الادلة والتحقيقات في حق زينب (صلوات الله عليها) ما هو أكثر مما ذكرناه. وفي (الطراز المذهب) أن شؤنات زينب الباطنية ومقاماتها المعنوية كما قيل فيها أن فضائلها وفواضلها، وخصالها، وجلالها، وعلمها، وعملها، وعصمتها، وعفتها، ونورها، وضياءها، وشرفها، وبهاءها، تالية أمها وثانيتها، وقال ابن عنبة في (أنساب الطالبين) زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين (ع) كنيتها أم الحسن، تروي عن أمها فاطمة الزهراء بنت رسول الله (ص) وقد أمتازت بمحاسنها الكثيرة وأوصافها الجليلة وخصالها الحميدة وشيمها السعيدة ومفاخرها البارزة وفضائلها الطاهرة. وقال العلامة الفاضل السيد نور الدين الجزائري في كتابه الفارسي المسمى ب‍ (الخصائص الزينبية) ما ترجمته عن بعض الكتب: أن زينب كان لها مجلس في بيتها أيام إقامة أبيها (ع) في الكوفة، وكانت تفسر القرآن للنساء، ففي بعض الايام كانت تفسر (كهيعص) للنساء إذ دخل أمير المؤمنين (ع)، فقال لها: يا نور عيني سمعتك تفسيرين (كهيعص) للنساء، فقالت: نعم فقال (ع): هذا رمز لمصيبة تصيبكم عترة رسول الله (ص) ثم شرح لها المصائب فبكت بكاء عاليا صلوات الله عليها. وفي كتاب (بلاغات النساء) لابي الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور قال: حدثني أحمد بن جعفر سليمان الهاشمي، قال: كانت زينب بنت علي (ع) تقول: من أراد أن لا يكون الخلق شفعاؤه إلى الله فليحمده، ألم تسمع إلى قولهم سمع الله لمن حمده فخف الله لقدرته عليك واستح منه لقربه منك. وقال الطبرسي أن زينب روت أخبارا كثيرة عن أمها الزهراء (ع). وعن عماد المحدثين أن زينب الكبرى كانت تروي عن أمها وأبيها

[ 440 ]

وأخويها وعن أم مسلمة وأم هانئ وغيرهما من النساء، وممن روى عنها ابن عباس وعلي بن الحسين (ع) وعبد الله بن جعفر وفاطمة بنت الحسين (ع) الصغرى وغيرهم. وفي (مقاتل الطالبيين) لابي الفرج الاصبهاني: زينب العقيلة بنت علي بن أبي طالب (ع) وأمها فاطمة بنت رسول الله (ص)، والعقيلة هي التي روى ابن عباس عنها كلام فاطمة (ع) في فدك فقال: حدثتني عقيلتنا زينب بنت علي (ع). وقال الفاضل العلامة الاجل المولى محمد حسن القزويني في كتابه المسمى ب‍ (رياض الاحزان وحدائق الاشجان): يستفاد من آثار أهل البيت جلالة شأن زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين (ع) ووقارها وقرارها بما لا مزيد عليه، حتى أوصى إليها أخوها ما أوصى قبل شهادته، وأنها من كمال معرفتها ووفور علمها وحسن أعراقها وطيب أخلاقها كانت تشبه أمها سيدة النساء فاطمة الزهراء في جميع ذلك والخفارة والحياء، وأباها (ع) في قوة القلب في الشدة والثبات عند النائبات والصبر على الملمات والشجاعة الموروثة من صفاتها والمهابة المأثورة من سماتها، وقد يستند في جميع ما ذكرناه إلى ما رواه في (كامل الزيارات) من موعظتها لابن أخيها الامام السجاد زين العابدين (ع) حين المرور بمصارع الشهداء، ثم ساق حديث أم أيمن الآتي ذكره، وعن الصدوق محمد بن بابويه طاب ثراه: كانت زينب (ع) لها نيابة خاصة عن الحسين (ع) وكان الناس يرجعون إليها في الحلال والحرام حتى برئ زين العابدين (ع) من مرضه. وأما عبادتها: فهي تالية أمها الزهراء (ع) وكانت تقضي عامة لياليها بالتهجد وتلاوة القرآن، ففي (مثير الاحزان) للعلامة الشيخ شريف الجواهري (قدس سره): قالت فاطمة بنت الحسين (ع) وأما عمتي زينب فإنها لم تزل قائمة في تلك الليلة أي العاشرة من المحرم في محرابها، تستغيث إلى ربها،

[ 441 ]

فما هدأت لنا عين ولا سكنت لنا رنة. وعن الفاضل النائيني البرجردي: أن الحسين لما ودع أخته زينب وداعه الاخير قال لها: يا أختاه لا تنسيني في نافلة الليل، وهذا الخبر رواه هذا الفاضل عن بعض المقاتل المعتبرة. وقال بعض ذوي الفضل: أنها (صلوات الله عليها) ما تركت تهجدها لله تعالى طول دهرها حتى ليلة الحادي عشر من المحرم. وروي عن زين العابدين (ع) أنه قال: رأيتها تلك الليلة تصلي من جلوس، وروى بعض المتبقين عن الامام زين العابدين (ع) أنه قال: إن عمتي زينب كانت تؤدي صلواتها من الفرائض والنوافل عند سير القوم بنا من الكوفة إلى الشام من قيام، وفي بعض المنازل كانت تصلي من جلوس فسألتها عن سبب ذلك فقالت: أصلي من جلوس لشدة الجوع والضعف منذ ثلاث ليال، لانها كانت تقسم ما يصيبها من الطعام على الاطفال لان القوم كانوا يدفعون لكل واحد منا رغيفا واحدا من الخبز في اليوم والليلة. وعن الفاضل النائيني البرجردي المتقدم ذكره عن بعض المقاتل المعتبرة عن مولانا السجاد (ع) أنه قال: إن عمتي زينب مع تلك المصائب والمحن النازلة بها في طريقنا إلى الشام ما تركت [ تهجدها ] لليلة انتهى كلامه. فإذا تأمل المتأمل إلى ما كانت عليه هذه الطاهرة من العبادة لله تعالى والانقطاع إليه، يكاد يتيقن بعصمتها (صلوات الله عليها) وأنها كانت من القانتات اللواتي وقفن حركاتهن وسكناتهن وأنفاسهن للباري تعالى، وبذلك حصلن على المنازل الرفيعة والدرجات العالية التي حكت رفعتها منازل المرسلين ودرجات الاوصياء (عليهم الصلاة والسلام). وأما زهدها (ع): فيكفي في إثباته ما روي عن الامام السجاد من أنها (ع) ما أدخرت شيئا من يومها لغدها أبدا.

[ 442 ]

وفي كتاب (جنات الخلود) ما معناه: وكانت زينب الكبرى في البلاغة، والزهد، والتدبير، والشجاعة، قرينة أبيها وأمها، فإن انتظام أمور أهل البيت بل الهاشميين بعد شهادة الحسين (ع) كان برأيها وتدبيرها. وعن النيسابوري في رسالته العلوية: كانت زينب بنت علي في فصاحتها وبلاغتها وزهدها وعبادتها كأبيها المرتضى (ع)، وأمها الزهراء (ع). ولله درالمؤلف النقدي حيث يقول: [ عقيلة أهل بيت الوحي بنت * الوصي المرتضى مولى الموالي ] [ شقيقة سبطي المختار من قد * سمت شرفا على هام الهلال ] [ حكت خير الانام علا وفخرا * وحيدر في الفصيح من المقال ] [ وفاطم عفة وتقى ومجدا * وأخلاقا وفي كرم الخلال ] [ ربيبة عصمة طهرت وطابت * وفاقت في الصفات وفي الفعال ] [ فكانت كالائمة في هداها * وإنقاذ الانام من الضلال ] [ وكان جهادها بالليل أمضى * من البيض الصوارم والنصال ] [ وكانت في المصلى إذ تناجي * وتدعو الله بالدمع المذال ] [ ملائكة السماء على دعاها * تؤمن في خضوع وابتهال ] [ روت عن أمها الزهراء علوما * بها وصلت إلى حد الكمال ] [ مقاما لم يكن تحتاج فيه * إلى تعليم علم أو سؤال ] [ ونالت رتبة في الفخر عنها * تأخرت الاواخر والاوالي ] [ فلولا أمها الزهراء سادت * نساء العالمين بلا جدال ]

[ 443 ]

الفصل الثالث في أسفارها وهي ستة أسفار السفر الاول (من المدينة إلى الكوفة مع أبيها أمير المؤمنين (ع)) لما هاجر إليها سافرت (ع) هذا السفر وهي في غاية العز ونهاية الجلالة والاحتشام، يسير بها موكب فخم رهيب من مواكب المعالي والمجد، ومحفوف بأبهة الخلافة، محاط بهيبة النبوة، مشتمل على السكينة والوقار، فيه أبوها الكرار أمير المؤمنين (ع) وإخوتها الحسنان سيدا شباب أهل الجنة، وحامل الراية العظمى محمد بن الحنفية، وقمر بني هاشم العباس بن علي (ع)، وزوجها الجواد عبد الله بن جعفر، وأبناء عمومتها عبد الله بن عباس وعبيد الله واخوتهما وبقية أبناء جعفر الطيار وعقيل بن أبي طالب وغيرهم من فتيان بني هاشم، وأتباعهم من رؤساء القبائل وسادات العرب مدججين بالسلاح غاصين في الحديد، والرايات ترفرف على رؤوسهم وتخفق على هاماتهم وهي في غبطة وفرح وسرور.

[ 444 ]

السفر الثاني (من الكوفة إلى المدينة مع أخيها الحسن (ع) بعد صلحه مع معاوية) سافرت (ع) هذا السفر وهي أيضا في موكب فخم في غاية العز والدلال والعظمة والاجلال، تحوطها الابطال من إخوتها وبني هاشم الكرام، حتى وصلت إلى حرم جدها الرسول الاكرم (ص)، ومسقط رأسها المدينة المنورة محترمة موقرة. السفر الثالث (من المدينة إلى كربلاء مع أخيها الحسين ويشتمل هذا السفر على نبذة من مصائبها وصبرها وإخلاصها وثابتها) لما عزم الحسين (ع) على السفر من الحجاز إلى العراق، استأذنت زينب زوجها عبد الله بن جعفر أن تصاحب أخاها الحسين (ع)، مضافا إلى ما عرفت سابقا من اشتراط أمير المؤمنين (ع) عليه في ضمن عقد النكاح أن لا يمنعها متى أرادت السفر مع أخيها الحسين (ع)، فأذن لها وأمر ابنيه عونا ومحمدا بالمسير مع الحسين (ع)، والملازمة في خدمته والجهاد دونه، فسافرت (ع) في ذلك الموكب الحسيني المهيب، في عز وجلال وحشمة ووقار، تحملها المحامل المزركشة المزينة بالحرير والديباج، قد فرشت بالفرش الممهدة ووسدت بالوسائد المنضدة، تحت رعاية أخيها الحسين (ع)، تحف بها الابطال من عشيرتها وتكتنفها الاسود الضارية من إخوتها وأبناء إخوتها وعمومتها كأبي الفضل العباس، وعلي الاكبر، والقاسم بن الحسن، وأبناء جعفر وعقيل، وغيرهم من الهاشميين والعبيد والاماء طوع أمرها ورهن إشارتها، ولكنها (ع) سافرت هذه السفرة منقطعة من علائق الدنيا بأسرها في سبيل الله، قد أعرضت عن زهرة الحياة من المال والبيت والزوج والولد والخدم والحشم، وصحبت أخاها الحسين (ع) ناصرة لدين الله وباذلة النفس والنفيس

[ 445 ]

لامامها ابن بنت رسول الله مع علمها بجميع ما يجري عليها من المصائب والنوائب والمحن، كما يدل عليه الحديث المروي في كتاب (كامل الزيارات) للشيخ الفقيه أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه طاب ثراه، قال: حدثني أبو عيسى عبيد الله بن الفضل بن محمد بن هلال الطائي البصري قال: حدثني أبو عثمان سعيد بن محمد قال: حدثنا محمد بن سلام بن يسار الكوفي قال: حدثني نوح بن دراج قال: حدثني قدامة بن زائدة عن أبيه قال: قال علي بن الحسين بلغني يا زائدة أنك تزور قبر أبي عبد الله الحسين (ع) أحيانا، فقلت: إن ذلك لكما بلغك فقال لي: ولماذا تفعل ذلك ولك مكان عند سلطانك الذي لا يحتمل أحدا على محبتنا وتفضيلنا وذكر فضائلنا والواجب على هذه الامة من حقنا ؟ فقلت: والله ما أريد بذلك إلا الله ورسوله، ولا أحفل بسخط من سخط ولا يكبر في صدري مكروه ينالني بسببه، فقال: والله إن ذلك لكذلك، فقلت: والله إن ذلك لكذلك يقولها ثلاثا وأقولها ثلاثا. فقال: أبشر ثم أبشر ثم أبشر، فلاخبرنك بخبر كان عندي في النخب المخزون، فإنه لما أصابنا في الطف ما أصابنا وقتل أبي وقتل من كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله وحملت حرمه ونساؤه على الاقتاب يراد بنا الكوفة، فجعلت أنظر إليهم صرعى ولم يواروا فعظم ذلك في صدري، واشتد لما أرى منهم قلقي، فكادت نفسي تخرج، وتبينت ذلك مني عمتي زينب الكبرى بنت علي (ع) فقالت: ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي ؟ فقلت: وكيف لا أجزع وأهلع وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي مضرجين بدمائهم مرملين بالعراء مسلبين، لا يكفنون ولا يوارون ولا يعرج عليهم أحد ولا يقربهم بشر كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر، فقالت: لا يجزعنك ما ترى فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله (ص) إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الامة لا تعرفهم فراعنة هذه الامة وهم معروفون من أهل السماوات، أنهم يجمعون هذه الاعضاء المتفرقة فيوارونها وهذه الجسوم المضرجة، وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد

[ 446 ]

الشهداء لا يدرس أثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والايام، وليجهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهورا وأمره إلا علوا. فقلت: وما هذا العهد وما هذا الخبر ؟ فقالت: نعم حدثتني أم أيمن أن رسول الله (ص) زار منزل فاطمة (ع) في يوم من الايام، فعملت له حريرة وأتاه علي بطبق فيه تمر، ثم قالت أم أيمن: فأتيتهم بعس فيه لبن وزبد فأكل رسول الله (ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين من تلك الحريرة، وشرب رسول الله (ص) وشربوا من ذلك اللبن، ثم أكلوا وأكل من ذلك التمر والزبد، ثم غسل رسول الله (ص) يده وعلي (ع) يصب عليه الماء، فلما فرغ من غسل يده مسح وجهه ثم نظر إلى علي (ع) وفاطمة والحسن والحسين نظرا عرفنا به السرور في وجهه، وتوجه نحو القبلة وبسط يديه ودعا ثم خر ساجدا وهو ينشج وجرت دموعه، ثم رفع رأسه وأطرق إلى الارض ودموعه تقطر كأنها صوب المطر، فحزنت فاطمة (ع) وعلي والحسن والحسين (ع) وحزنت معهم لما رأينا رسول الله (ص)، وهبنا أن نسأله حتى إذا طال ذلك قال له علي (ع) وقالت له فاطمة (ع): ما يبكيك يا رسول الله ؟ لا أبكى الله عينيك، فقد أقرح قلوبنا ما نرى من حالك. فقال (ص): يا أخي سررت بكم. وقال مزاحم بن عبد الوارث في حديثه هنا فقال: يا حبيبي سررت بكم سرورا ما سررت مثله قط، وإني لانظر إليكم وأحمد الله على نعمته علي فيكم، إذ هبط علي جبرائيل فقال: يا محمد إن الله تبارك وتعالى أطلع على ما في نفسك وعرف سرورك بأخيك وابنتك وسبطيك فأكمل لك النعمة وهناك العطية بأن جعلهم وذرياتهم ومحبيهم وشيعتهم معك في الجنة لا يفرق بينك وبينهم، يحبون كما تحب ويعطون كما تعطي حتى ترضى وفوق الرضا على بلوى كثيرة تنالهم في الدنيا ومكاره تصيبهم بأيدي أناس ينتحلون ملتك، ويزعمون أنهم من أمتك براء من الله ومنك خبطا خبطا وقتلا قتلا شتى مصارعهم نائية. قبورهم خيرة من الله لهم ولك فيهم، فاحمد الله عز وجل على خيرته وارض بقضائه، فحمدت الله

[ 447 ]

ورضيت بقضائه بما اختاره لكم. ثم قال لي جبرائيل: يا محمد إن أخاك مضطهد بعدك مغلوب على أمتك معتوب من أعدائك ثم مقتول بعدك، يقتله أشر الخليقة وأشقى البرية، يكون نظير عاقر الناقة ببلد تكون إليه هجرته وهو معرس شيعته وشيعة ولده وفيه على كل حال يكثر بلواهم ويعظم مصابهم، وإن سبطك هذا وأومى بيده إلى الحسين (ع) مقتول في عصابة من ذريتك وأهل بيتك وأخيار من أمتك بضفة الفرات بأرض يقال لها كربلاء، من أجلها يكثر الكرب والبلا على أعدائك وأعداء ذريتك في اليوم الذي لا ينقضي كربه ولا تفنى حسرته، وهي أطيب بقاع الارض وأعظمها حرمة يقتل فيها سبطك وأهله وإنها من بطحاء الجنة، فإذا كان اليوم الذي يقتل فيه سبطك وأهله، وأحاطت به كتائب أهل الكفر واللعنة، تزعزعت الارض من أقطارها، ومادت الجبال وكثر اضطرابها، واصطفقت البحار بأمواجها، وماجت السماوات بأهلها غضبا لك يا محمد ولذريتك، واستهضاما لما ينتهك من حرمتك ولشر ما تكافى به في ذريتك وعترتك، ولا يبقى شئ من ذلك إلا استأذن الله عزوجل في نصرة أهلك المستضعفين المظلومين الذين هم حجة الله على خلقه بعدك، فيوحي الله إلى السماوات والارض والجبال والبحار ومن فيهن: إني أنا الله الملك القادر الذي لا يفوته هارب، ولا يعجزه ممتنع، وأنا أقدر فيه على الانتصار والانتقام، وعزتي وجلالي لاعذبن من وتر رسولي وصفيي وانتهك حرمته وقتل عترته ونبذ عهده وظلم أهل بيته عذابا لا أعذب به أحدا من العالمين، فعند ذلك يضج كل شئ في السماوات والارضين بلعن من ظلم عترتك واستحل حرمتك، فإذا برزت تلك العصابة إلى مضاجعها تولى الله عزوجل قبض أرواحها بيده، وهبط إلى الارض ملائكة من السماء السابعة معهم آنية من الياقوت والزمرد مملوءة من ماء الحياة وحلل من حلل الجنة وطيب من طيب الجنة، فغسلوا جثثهم بذلك الماء وألبسوها الحلل وحنطوها بذلك الطيب، وصلت الملائكة صفا صفا عليهم،

[ 448 ]

ثم يبعث الله قوما من أمتك لا يعرفهم الكفار لم يشركوا في تلك الدماء بقول ولا فعل ولا نية، فيوارون أجسادهم ويقيمون رسما لقبر سيد الشهداء بتلك البطحاء يكون علما لاهل الحق وسببا للمؤمنين إلى الفوز، وتحفه ملائكة من كل سماء مائة ألف ملك في كل يوم وليلة، ويصلون عليه، ويطوفون حوله، ويسبحون عنده، ويستغفرون الله لمن زاره، ويكتبون أسماء زائرية من أمتك متقربين إلى الله تعالى وإليك بذلك وأسماء آبائهم وعشائرهم وبلدانهم، ويوسمون في وجوههم بميسم نور عرش الله هذا زائر قبر خير الشهداء وابن خير الانبياء، فإذا كان يوم القيامة سطع في وجوههم من أثر ذلك الميسم نور تغشى منه الابصار يدل عليهم فيعرفونهم، وكأني بك يا محمد بيني وبين ميكائيل وعلي أمامنا، ومعنا من ملائكة الله ما لا يحصى عددهم ونحن نلتقط ذلك الموسوم في وجهه من بين الخلائق حتى ينجيهم الله من هول ذلك اليوم وشدائده، وذلك حكم الله وعطاؤه لمن زار قبرك يا محمد أو قبر أخيك أو قبر سبطيك لا يريد به غير الله عز وجل، ويجتهد أناس ممن حقت عليهم اللعنة من الله والسخط أن يعفو رسم ذلك القبر ويمحوا أثره فلا يجعل الله تبارك وتعالى لهم إلى ذلك سبيلا. ثم قال رسول الله (ص): فهذا أبكاني وأحزنني. قالت زينب (ع) فلما ضرب ابن ملجم لعنه الله أبي (ع) ورأيت عليه أثر الموت، دنوت منه وقلت له: يا أبت حدثتني أم أيمن بكذا وكذا وقد أحببت أن أسمعه منك، فقال: يا بنية الحديث كما حدثتك أم أيمن وكأني بك وبنساء أهلك سبايا بهذا البلد أذلاء خاشعين، تخافون أن يتخطفكم الناس، فصبرا صبرا فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما لله على ظهر الارض يومئذ ولي غير محبيكم وشيعتكم، ولقد قال لنا رسول الله (ص) حين أخبرنا بهذا الخبر: إن إبليس لعنه الله في ذلك اليوم يطير فرحا، فيجول الارض كلها بشياطينه وعفاريته، فيقول: يا معاشر الشياطين قد أدركنا من ذرية آدم الطلبة، وبلغنا في هلاكهم الغاية، وأورثناهم النار إلا من اعتصم بهذه العصابة، فاجعلوا شغلكم بتشكيك الناس فيهم

[ 449 ]

وحملهم على عداوتهم واغرائهم وأوليائهم، حتى تستحكموا ضلالة الخلق وكفرهم، ولا ينجوا منهم ناج، ولقد صدق عليهم إبليس ظنه وهو كذوب انه لا ينفع مع عداوتكم عمل صالح، ولا يضر مع محبتكم وموالاتكم ذنبا غير الكبائر. قال زائدة: ثم قال علي بن الحسين بعد أن حدثني بهذا الحديث: خذه إليك ما لو ضربت في طلبه آباط الابل حولا لكان قليلا ولكون زينب (ع) عالمة بجميع ما يجري عليها من المصائب والنوائب والمحن وأنها على بصيرة من أمرها قابلت تلك الرزايا والفوادح بجميل الصبر وعظيم الاتزان وقوة الايمان وكامل الاخلاص. وإليك نبذة يسيرة من مصائبها العظيمة وفوادحها الكبرى، فإنها (ع) رأت من المصائب والنوائب ما لو نزلت على الجبال الراسيات لا نفسحت واندكت جوانبها، لكنها في ذلك تصبر الصبر الجميل كما هو معلوم لكل من درس حياتها، وأول مصيبة دهمتها هو فقدها جدها النبي (ص) وما لاقى أهلها بعده من المكاره، ثم فقدها أمها الكريمة بنت رسول الله بعد مرض شديد وكدر من العيش والاعتكاف في بيت الاحزان، ثم فقدها أباها عليا وهو مضرج بدمه من سيف ابن ملجم المرادي (لع)، ثم فقدها أخاها المجتبى المسموم تنظر إليه وهو يتقيأ كبده في الطشت قطعة قطعة، وبعد موته (ع) ترشق جنازته بالسهام، ثم رؤيتها أخاها الحسين (ع) تتقاذف به البلاد حتى نزل كربلاء وهناك دهمتها الكوارث العظام من قتله (ع) وقتل بقية إخوتها وأولادهم وأولاد عمومتها وخواص الامة من شيعة أبيها (ع) عطاشى، ثم المحن التي لاقتها من هجوم أعداء الله على رحلها، وما فعلوه من سلب وسبي ونهب وإهانة وضرب لكرائم النبوة وودائع الرسالة، وتكفلها حال النساء والاطفال في ذلة الاسر، ثم سيرها معهم من بلد إلى بلد ومن منزل إلى منزل ومن مجلس إلى مجلس، وغير ذلك من الرزايا التي يعجز عنها البيان ويكل اللسان، وهي مع ذلك كله صابرة

[ 450 ]

محتسبة ومفوضة أمرها إلى الله، قائمة بوظائف شاقة من مداراة العيال ومراقبة الصغار واليتامى من أولاد إخوتها وأهل بيتها، رابطة الجأش بإيمانها الثابت وعقيدتها الراسخة، حتى أنها كانت تسلي إمام زمانها زين العابدين (ع)، وأما ما كان يظهر منها بعض الاحيان من البكاء وغيره فذلك أيضا كان لطلب الثواب أو للرحمة التي أودعها الله عزوجل في المؤمنين، أما طلب الثواب فلعلمها بما أعده الله عزوجل للبكائين على الحسين. قال الصادق (ع) من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح البعوضة، غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر. وأما الرحمة التي أودعها الله في المؤمنين فمثل ما كان من النبي (ص) على ما رواه البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك عند ما دخل رسول الله (ص) وولده إبراهيم يجود بنفسه قال: فجعلت عينا رسول الله (ص) تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله، فقال: يا ابن عوف إنها رحمة. ثم اتبعها بأخرى فقال رسول الله (ص): إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون، وبالجملة فزينب (ع) صبرت صبر الكرام على تلك المصائب العظام والنوائب الجسام. فمن عجيب صبرها وإخلاصها وثباتها ما نقله في الطراز المذهب أنها سلام الله عليها وعلى أبيها وأمها وأخويها لما وقفت على جسد أخيها الحسين (ع) قالت: أللهم تقبل منا هذا القليل من القربان قال: فقارنت أمها في الكرامات والصبر في النوائب بحيث حرقت العادات ولحقت بالمعجزات. قال المؤلف النقدي أعلا الله مقامه: فهذه الكلمات من هذه الحرة الطاهرة، في تلك الوقفة التي رأت بها أخاها العزيز بتلك الحالة المفجعة، التي كانت فيها تكشف لنا قوة إيمانها ورسوخ عقيدتها وفنائها في جنب الله تعالى، وغير ذلك مما لا يخفى على المتأمل. وقال عمر أبو النصر اللبناني في كتابه الحسين بن علي المطبوع حديثا

[ 451 ]

ومما يجب أن يصار إلى ذكره في هذا الباب ما ظهر من زينب بنت فاطمة وأخت الحسين (ع) من جرأة وثبات جأش في موقفها هذا يوم المعركة وعند ابن زياد وفي قصر يزيد إلى آخر ما قال. ولله در الشاعر الخطيب السيد حسن بن السيد عباس البغدادي حيث يقول: [ يا قلب زينب ما لاقيت من محن * فيك الرزايا وكل الصبر قد جمعا ] [ فلو كان ما فيك من صبر ومن محن * في قلب أقوى جبال الارض لا نصدعا ] [ يكفيك صبرا قلوب الناس كلهم * تفطرت للذي لاقيته جزعا ] السفر الرابع (من كربلاء إلى الكوفة ومن الكوفة إلى الشام بعد قتل أخيها الحسين (ع) وأصحابه الابرار تحت رعاية الظالمين ويشتمل هذا السفر على خطبتيها البلغتين في الكوفة وفي مجلس يزيد في الشام) الاشارة إلى بلاغتها وشجاعتها: لما عزم ابن سعد على الرحيل من كربلاء، أمر بحمل النساء والاطفال على أقتاب الجمال، ومروا بهن على مصارع الشهداء فلما نظرن النسوة إلى القتلى صحن وضربن وجوههن وفيهن زينب بنت علي (ع) تنادي بصوت حزين وقلب كئيب: يا محمداه صلى عليك مليك السماء، هذا حسين مرمل بالدماء، مقطع الاعضاء، وبناتك سبايا، إلى الله المشتكى، وإلى محمد المصطفى، وإلى علي المرتضى وإلى فاطمة الزهراء وإلى حمزة سيد الشهداء، يا محمداه هذا حسين بالعراء، قتيل أولاد البغايا، واحزناه واكرباه عليك يا أبا عبد الله، اليوم مات جدي رسول الله يا أصحاب محمداه، هؤلاء ذرية المصطفى يساقون سوق السبايا، وهذا حسين محزوز الرأس من القفا

[ 452 ]

مسلوب العمامة والرداء، بأبي من أضحى معسكره يوم الاثنين نهبا، بأبي من فسطاطه مقطع العرى، بأبي من لا غائب فيرجى ولا جريح فيداوى، بأبي من نفسي له الفداء، بأبي المهموم حتى قضى، بأبي العطشان حتى مضى، بأبي من شيبه يقطر بالدماء، بأبي من جده محمد المصطفى، بأبي من جده رسول إله السماء، بأبي من هو سبط نبي الهدى، بأبي محمد المصطفى، بأبي خديجة الكبرى، بأبي علي المرتضى، بأبي فاطمة الزهراء (ع)، بأبي من ردت له الشمس حتى صلى، فأبكت والله كل عدو وصديق. ولله در الشاعر حيث يقول: [ والطهر زينب تستغيث بندبها * غرقت بفيض دموعها وجناتها ] [ رقت لعظم مصابها أعداؤها * ومن الرزية أن ترق عداتها ] ثم أنها (ع) سافرت هذا السفر المحزن وهي حزينة القلب كسيرة الخاطر باكية العين ناحلة الجسم مرتعدة الاعضاء، قد فارقت أعز الناس عليها وأحبهم إليها، تحف بها النساء الارامل والايامى الثواكل، وأطفال يستغيثون من الجوع والعطش، ويحيط بها القوم اللئام من قتلة أهل بيتها وظالمي أهلها وناهبي رحلها، كشمر بن ذي الجوشن وزجر بن قيس وسنان بن أنس وخولي بن زيد الاصبحي وحرملة بن كاهل وحجار بن أبي أبحر وأمثالهم لعنهم الله، ممن لم يخلق الله في قلوبهم الرحمة إذا دمعت عيناها أهوت عليها السياط، وإن بكت أخاها لطمتها الايدي القاسية، وهكذا كان سفرها هذا. ولقد تواترت الروايات عن العلماء وأرباب الحديث بأسانيدهم عن حذلم ابن كثير قال: قدمت الكوفة في المحرم سنة إحدى وستين عند منصرف علي بن الحسين (ع) [ ومعه النساء والاطفال ] من كربلاء ومعهم الاجناد يحيطون بهم، وقد خرج الناس للنظر إليهم، فلما أقبلوا بهم على الجمال بغير وطاء وجعلن نساء الكوفة يبكين وينشدن، فسمعت علي بن الحسين (ع) يقول بصوت ضئيل وقد نهكته العلة وفي عنقه الجامعة ويده مغلولة إلى عنقه: إن

[ 453 ]

هؤلاء النسوة يبكين فمن قتلنا، قال: ورأيت زينب بنت علي (ع) ولم أر خفرة أنطق منها كأنها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين (ع) قال: وقد أومت إلى الناس أن اسكتوا فقالت (ع): الحمد لله والصلاة على محمد وآله الطيبين الاخيار، أما بعد يا أهل الكوفة يا أهل الختل والغدر، أتبكون فلا رقأت الدمعة ولا هدأت الرنة، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون ايمانكم دخلا بينكم، ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف، والصدر الشنف، وملق الاماء، وغمز الاعداء، أو كمرعى على دمنة أو كفضة على ملحودة، ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، أتبكون وتنتحبون ؟ أي والله فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا، وأني ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة وسيد شباب أهل الجنة وملاذ حيرتكم ومفزع نازلتكم ومنار حجتكم ومدره سنتكم ألا ساء ما تزرون، وبعدا لكم وسحقا، فلقد خاب السعي، وتبت الايدي، وخسرت الصفقة، وبئتم بغضب من الله وضربت عليكم الذلة والمسكنة، ويلكم يا أهل الكوفة: أتدرون أي كبد لرسول الله (ص) فريتم، أي دم له سفتكم، وأي حرمة له انتهكتم، ولقد جئتم بها صلعاء عنقاء، سوداء، فقماء، خرقاء، شوهاء، كطلاع الارض، أو ملئ السماء، أفعجبتم أن مطرت السماء دما، ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تنصرون، فلا يستخفنكم المهل، فإنه لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثار، وإن ربكم لبالمرصاد. قال الراوي: فوالله لقد رأيت الناس يومئذ حيارى يبكون، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم، ورأيت شيخا واقفا إلى جنبي يبكي حتى اخضلت لحيته بالدموع، وهو يقول: بأبي أنتم وأمي: كهولكم خير الكهول، وشبابكم خير الشباب، ونساؤكم خير النساء، ونسلكم خير نسل، لا يخزى ولا يبزى. قال المؤلف النقدي أعلا الله مقامه، أقول: وهذا حذلم بن كثير من فصحاء العرب أخذه العجب من فصاحة زينب وبلاغتها، وأخذته الدهشة من

[ 454 ]

براعتها وشجاعتها الادبية، حتى أنه لم يتمكن أن يشبهها إلا بأبيها سيد البلغاء، فقال: كأنها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين (ع)، وهذه الخطبة رواها كل من كتب في وقعة الطف، أوفي أحوال الحسين (ع)، ورواها الجاحظ في كتابه (البيان والتبيين) عن خزيمة الاسدي قال: ورأيت نساء الكوفة يومئذ قياما يندبن مهتكات الجيوب، ورواها أيضا أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر بن طيفور في (بلاغات النساء) وأبو المؤيد الموفق بن أحمد الخوارزمي في الجزء الثاني من كتابه (مقتل الحسين) وشيخ الطائفة في أماليه وغيرهم من أكابر العلماء، ومن بلاغتها وشجاعتها الادبية ما ظهر منها (ع) في مجلس ابن زياد. قال السيد ابن طاوس وغيرهم وممن كتب في مقتل الحسين (ع) أن ابن زياد (لع) جلس في القصر وأذن للناس إذنا عاما، وجئ برأس الحسين (ع) فوضع بين يديه، وأدخلت عليه نساء الحسين (ع) وصبيانه، وجاءت زينب بنت علي (ع) وجلست متنكرة، فسأل ابن زياد (لع): من هذه المتنكرة فقيل له هذه زينب ابنة علي (ع) فأقبل عليها فقال: الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم، فقالت (ع): إنما يفتضح الفاجر ويكذب الفاسق وهو غيرنا، فقال: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيته ؟ فقالت: ما رأيت إلا خيرا، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج ونخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ، ثكلتك أمك يا ابن مرجانة، فغضب اللعين وهم أن يضربها فقال له عمرو بن حريث: إنها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشئ من منطقها، فقال لها ابن زياد (لع): لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك، فقالت: لعمري لقد قتلت كهلي وقطعت فرعي واجتثثت أصلي، فإن كان هذا شفاؤك فلقد اشتفيت، فقال (لع): هذه سجاعة ولعمري لقد كان أبوها سجاعا شاعرا، فقالت: يا ابن زياد ما للمرأة والسجاعة وإن لي عن السجاعة لشغلا. وفي (لواعج الاشجان) للسيد محسن الامين (أعلا الله مقامه): وكتب

[ 455 ]

ابن زياد إلى يزيد يخبره بقتل الحسين (ع) وخبر أهل بيته، وساق الحديث إلى أن قال: وأما يزيد فإنه لما وصله كتاب ابن زياد أجابه عليه يأمره بحمل رأس الحسين (ع) ورؤوس من قتل معه، وحمل أثقاله ونسائه وعياله، فأرسل ابن زياد الرؤوس مع زجر بن قيس، وأنفد معه أبا بردة بن عوف الازدي وطارق بن أبي ظبيان في جماعة من أهل الكوفة إلى يزيد، ثم أمر ابن زياد بنساء الحسن (ع) وصبيانه فجهزوا، وأمر بعلي بن الحسين فغل بغل إلى عنقه، وفي رواية في يديه ورقبته، ثم سرح بهم في أثر الرؤوس مع محفر بن ثعلبة العائدي وشمر بن ذي الجوشن، وحملوهم على الاقتاب وساروا بهم كما يسار بسبايا الكفار، فانطلقوا بهم حتى لحقوا بالقوم الذين معهم الرؤوس، فلم يكلم علي بن الحسن (ع) أحدا منهم في الطريق بكلمة حتى بلغوا الشام، فلما انتهوا إلى باب يزيد رفع محفر بن ثعلبة صوته فقال: هذا محفر بن ثعلبة أتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة، فأجابه علي بن الحسين (ع) ما ولدت أم محفر أشر وألام، وعن الزهري أنه لما جاءت الرؤوس كان يزيد (لع) على منظرة جيرون فأنشد لنفسه: [ لما بدت تلك الحمول وأشرقت * تلك الشموس على ربى جيرون ] [ نعب الغراب فقلت صح أو لا تصح * فلقد قضيت من النبي ديوني ] قال السيد ابن طاوس، قال الراوي: ثم أدخل ثقل الحسين (ع) ونساؤه ومن تخلف من أهل بيته على يزيد بن معاوية وهم مقرنون في الحبال، فلما وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال قال له علي بن الحسين: أناشدك الله يا يزيد ما ظنك برسول الله (ص) لو رآنا على هذه الصفة ؟ فأمر يزيد بالحبال فقطعت ثم وضع رأس الحسين (ع) بين يديه. وأجلس النساء خلفه لئلا ينظرن إليه، فرآه علي بن الحسين (ع) فلم يأكل بعد ذلك أبدا، واما زينب فإنها لما رأته أهوت إلى جيبها فشقته ثم نادت بصوت حزين يقرح القلوب: يا حسيناه يا

[ 456 ]

حبيب رسول الله يابن مكة ومنى، يابن فاطمة الزهراء سيدة النساء، يا بن بنت المصطفى. قال الراوي: فأبكت والله كل من كان في المجلس ويزيد ساكت، قال السيد ابن طاوس: ثم دعا يزيد بقضيب خيزران فجعل ينكت به ثنايا الحسين (ع)، فأقبل عليه أبوبرزة الاسلمي وقال: ويحك يا يزيد أتنكث بقضيبك ثغر الحسين (ع) ابن فاطمة (ع)، أشهد لقد رأيت النبي (ص) يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن (ع) ويقول: أنتما سيدا شباب أهل الجنة فقتل الله قاتلكما ولعنه وأعد له جهنم وساءت مصيرا. قال الراوي: فغضب يزيد وأمر بإخراجه فأخرج سحبا، قال: وجعل يزيد يتمثل بأبيات ابن الزبعرى: [ ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل ] [ لاهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل ] [ قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلناه ببدر فاعتدل ] [ لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل ] [ لست من خندف إن لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل ] خطبة زينب (ع) في مجلس يزيد في الشام: قال الراوي: فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب (ع) فقالت: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله سبحانه كذلك يقول: (ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون) (1) أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الارض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الاسراء أن بنا هوانا على الله، وبك عليه


(1) سورة الروم، الآية: 10. (*)

[ 457 ]

كرامة، وأن ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، جذلان مسرورا حيث رأيت الدنيا لك مستوسقة. والامور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلا مهلا، أنسيت قول الله تعالى: (ولا يحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خير لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين) (1) أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإمائك، وسوقك بنات رسول الله (ص) سبايا قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدو بهن الاعداء من بلد إلى بلد ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد والدني والشريف، ليس معهن من رجالهن ولي ولا من حماتهن حمى ؟ وكيف ترتجي مراقبة من لفظ فوه أكباد الازكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء ؟ وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن، والاحن والاضغان ؟ ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم: [ لاهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل ] منحنيا على ثنايا أبي عبد الله (ع) سيد شباب أهل الجنة تنكثها بمخصرتك، وكيف لا تقول ذلك ! وقد نكأت القرحة واستأصلت الشأفة بإراقتك دماء ذرية محمد (ص)، ونجوم الارض من آل عبد المطلب، وتهتف بإشياخك زعمت أنك تناديهم فلتردن وشيكا موردهم، ولتودن انك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت، أللهم خذ بحقنا وانتقم من ظالمنا، واحلل غضبك ممن سفك دماءنا وقتل حماتنا، فوالله ما فريت إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك، ولتردن على رسول الله (ص) مما تحملت من سفك دماء ذريته، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم ويأخذ بحقهم، (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) (2) وحسبك الله حاكما وبمحمد (ص)


(1) سورة آل عمران، الآية: 178. (2) سورة آل عمران، الآية: 169. (*)

[ 458 ]

خصيما وبجبرائيل ظهيرا، وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين، وبئس للظالمين بدلا، وأيكم شر مكانا وأضعف جندا، ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك، إني لاستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى والصدور حرى، ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الايدي تنطف من دمائنا، والافواه تتجلب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل وتعفرها أمهات الفراعل، ولئن اتخذتنا مغنما لتسدنا وشيكا مغرما، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك (وما ربك بظلام للعبيد) (1) فإلى الله المشتكى وعليه المعول، فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا تدرك أمدنا ولا تدحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي: ألا لعنة الله على الظالمين، فالحمد لله رب العالمين الذي ختم لاولنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة إنه رحيم ودود وحسبنا الله ونعم الوكيل. فقال يزيد: [ يا صيحة تحمد من صوائح * ما أهون الموت على النوائح ] قال المؤلف النقدي (أعلا الله مقامه): إن بلاغة زينب وشجاعتها الادبية ليست من الامور الخفية، وقد اعترف بها كل من كتب في وقعة كربلاء، ونوه بجلالتها أكثر أرباب التاريخ، ولعمري إن من كان أبوها علي بن أبي طالب (ع) الذي ملات خطبه العالم وتصدى لجمعها وتدوينها أكابر العلماء، وأمها فاطمة الزهراء صاحبة خطبة (فدك الكبرى) وصاحبة (الخطبة الصغرى) التي ألقتها على مسامع نساء قريش، ونقلتها النساء لرجالهن، نعم إن من كانت كذلك


(1) سورة فصلت، الآية: 46. (*)

[ 459 ]

فحرية بأن تكون بهذه الفصاحة والبلاغة، وأن تكون لها هذه الشجاعة الادبية والجسارة العلوية، ويزيد الطاغية يوم ذاك هو السلطان الاعظم والخليفة الظاهري على عامة بلاد الاسلام تؤدى له الجزية الامم المختلفة والامم المتبانية في مجلسه، الذي أظهر فيه أبهة الملك وملاه بهيبة السلطان، وقد جردت على رأسه السيوف، واصطفت حوله الجلاوزة، وهو وأتباعه على كراسي الذهب والفضة وتحت أرجلهم الفرش من الديباج والحرير، وهي صلوات الله عليها في ذلة الاسر، دامية القلب باكية الطرف، حرى الفؤاد من تلك الذكريات المؤلمة والكوارث القاتلة، قد أحاط بها أعداؤها من كل جهة، ودار عليها حسادها من كل صوب، ومع ذلك كله ترمز للحق بالحق، وللفضيلة بالفضيلة، فتقول ليزيد غير مكترثة بهيبة ملكه ولا معتنية بأبهة سلطانه: أمن العدل يا ابن الطلقاء، وتقول له أيضا: ولئن جرت على الدواهي مخاطبتك إني لاستصغر قدرك وأستعظم تقريعك واستكثر توبيخك، فهذا الموقف الرهيب الذي وقفت به هذه السيدة الطاهرة مثل الحق تمثيلا، وأضاء إلى الحقيقة لطلابها سبيلا، أفحمت يزيد ومن حواه مجلسه المشؤوم بذلك الاسلوب العالي من البلاغة، وأبهتت العارفين منهم بما أخذت به مجامع قلوبهم من الفصاحة، فخرست الالسن وكمت الافواه وصمت الآذان، وكهربت تلك النفس النورانية تلك النفوس الخبيثة الرذيلة من يزيد وأتباعه بكهرباء الحق والفضيلة، حتى بلغ به الحال أنه صبر على تكفيره وتكفير أتباعه، ولم يتمكن من أن ينبس ببنت شفة ليقطع كلامها أو يمنعها من الاستمرار في خطابتها، وهذا هو التصرف الذي يتصرف به أرباب الولاية متى شاؤوا وأرادوا بمعونة الباري تعالى لهم، وإعطائهم القدرة على ذلك. وما أبدع ما قاله الشاعر الجليل السيد مهدي بن السيد داود الحلي عم الشاعر الشهير السيد حيدر رحمهما الله في وصف فصاحتها وبلاغتها من قصيدة:

[ 460 ]

[ قد أسروا من خصها بآية * التطهير رب العرش في كتابه ] [ إن ألبست في الاسر ثوب ذلة * تجملت للعز في أثوابه ] [ ما خطبت إلا رأوا لسانها * أمضى من الصمصام في خطابه ] [ وجلببت في أسرها آسرها * عارا رأى الصغار في جلبابه ] [ والفصحاء شاهدوا كلامها * مقال خير الرسل في صوابه ] ومن شجاعتها الادبية في مجلس يزيد ما نقله أرباب المقاتل وغيرهم من رواة الاخبار: أن يزيد دعا بنساء أهل البيت والصبيان فأجلسوا بين يديه في مجلسه المشؤوم، فنظر شامي إلى فاطمة بنت الحسين (ع) فقام إلى يزيد وقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية تكون خادمة عندي ؟ قالت فاطمة بنت الحسين (ع): فارتعدت فرائصي، وظننت أن ذلك جائز لهم، فأخذت بثياب عمتي زينب فقلت: عمتاه أو تمت واستخدم ؟ فقالت عمتي للشامي: كذبت والله ولؤمت، ما جعل الله ذلك لك ولا لاميرك. فغضب يزيد وقال: كذبت والله إن ذلك لي ولو شئت لفعلت قالت: كلا والله ما جعل ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا، فاستطار يزيد غضبا وقال: إياي تستقبلين بهذا الكلام إنما خرج من الدين أبوك وأخوك فقالت زينب: بدين أبي وأخي اهتديت أنت وأبوك إن كنت مسلما قال: كذبت يا عدوة الله قالت: يا يزيد أنت أمير تشتم ظالما وتقهر بسلطانك، فكأنه استحى وسكت فأعاد الشامي كلامه هب لي هذه الجارية فقال له يزيد: أسكت وهب الله لك حتفا قاضيا. وروى السيد ابن طاوس في اللهوف هذه الرواية كما يأتي: قال نظر رجل من أهل الشام إلى فاطمة بنت الحسين (ع) فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية، فقالت فاطمة لعمتها زينب (ع): أو تمت واستخدم ؟ فقالت زينب (ع): لا ولا كرامة لهذا الفاسق فقال الشامي: من هذه الجارية ؟ فقال يزيد: هذه فاطمة بنت الحسين، وتلك زينب بنت علي بن أبي طالب، فقال الشامي: الحسين بن فاطمة وعلي بن أبي طالب ؟ قال نعم، فقال الشامي:

[ 461 ]

لعنك الله يا يزيد، أتقتل عترة نبيك وتسبي ذريته والله ما توهمت إلا أنهم سبي الروم، فقال يزيد: لالحقنك بهم، ثم أمر به فضربت عنقه، والذي يظهر ان هاتين القضيتين كلتيهما وقعتا في ذلك المجلس المشؤوم. قال السيد محسن الامين في لواعجه: ثم دخلت نساء الحسين (ع) وبناته على يزيد فقمن إليهن وصحن وبكين وأقمن المأتم على الحسين (ع)، ثم أمر لهم يزيد بدار تتصل بداره، وقيل أمر بهم إلى منزل لا يكنهم من حر ولا برد، فأقاموا فيه حتى تقشرت وجوههم، وكانوا مدة مقامهم في الشام ينوحون على الحسين (ع). السفر الخامس (من الشام إلى كربلاء ومن كربلاء إلى المدينة في رعاية النعمان بن بشير وأصحابه، وقد أمرهم يزيد بالرفق بنساء الحسين (ع)) قال المفيد في (الارشاد): ندب يزيد النعمان بن بشير وقال له: تجهز لتخرج بهؤلاء النسوة إلى المدينة، وأنقذ معهم في جملة النعمان بن بشير رسولا تقدم إليه أن يسير بهم في الليل، ويكونوا أمامه حيث لا يفوتون طرفه، فإذا نزلوا انتحى عنهم وتفرق هو وأصحابه حولهم كهيئة الحرس لهم، وينزل منهم بحيث ان أراد إنسان من جماعتهم وضوءا أو قضاء حاجة لم يحتشم، فسار معهم في حملة النعمان ولم يزل ينازلهم في الطريق ويرفق بهم كما وصاه يزيد حتى دخلوا المدينة. وقال السيد ابن طاوس لما بلغوا العراق قالوا للدليل: مر بنا على طريق كربلاء، فوصلوا إلى موضع المصرع، فوجدوا جابر بن عبد الله الانصاري (رحمه الله) وجماعة من بني هاشم ورجالا من آل الرسول (ص) قد وردوا لزيارة قبر الحسين (ع) فتوافوا في وقت واحد، وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم، وأقاموا المآتم المقرحة للاكباد، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد فأقاموا على

[ 462 ]

ذلك أياما، قال: ثم انفصلوا من كربلاء طالبين المدينة، قال بشر بن حذلم: فلما قربنا منها نزل علي بن الحسين (ع) فحط رحله وضرب فسطاطه وأنزل نساءه وقال: يابشر رحم الله أباك لقد كان شاعرا، فهل تقدر على شئ منه ؟ فقلت بلى يا ابن رسول الله إني لشاعر فقال (ع): ادخل المدينة وانع أبا عبد الله (ع) قال بشر: فركبت فرسي وركضت حتى دخلت المدينة، فلما بلغت مسجد النبي (ص) رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول: [ يا أهل يثرب لا مقام لكم بها * قتل الحسين فادمعي مدرار ] [ الجسم منه بكربلاء مضرج * والرأس منه على القناة يدار ] قال: ثم قلت هذا علي بن الحسين (ع) مع عماته وإخواته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه، قال: فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا برزن من خدورهن مكشوفة شعورهن، مخمشة وجوههن، مضروبة خدودهن، يدعون بالويل والثبور، فلم أر باكيا وباكية أكثر من ذلك اليوم ولا يوما مر على المسلمين مثله، وقال أبو مخنف في مقتله نظير ما نقله السيد ابن طاوس ثم قام السجاد (ع) يمشي إلى أن دخل المدينة، فلما دخلها زار جده رسول الله (ص) ثم دخل منزله، وفي (المنتخب): وأمام أم كلثوم فحين توجهت إلى المدينة جعلت تبكي وتقول: [ مدينة جدنا لا تقبلينا * فبالحسرات والاحزان جينا ] [ خرجنا منك بالاهلين جمعا * رجعنا لا رجال ولا بنينا ] [ وكنا في الخروج بجمع شمل * رجعنا حاسرين مسلبينا ] [ وكنا في أمان الله جهرا * رجعنا بالقطيعة خائفينا ] [ ومولانا الحسين لنا أنيس * رجعنا والحسين به رهينا ] [ فنحن الضائعات بلا كفيل * ونحن النائحات على أخينا ] [ ونحن السائرات على المطايا * نشال على جمال المبغضينا ]

[ 463 ]

[ ونحن بنات يس وطه * ونحن الباكيات على أبينا ] [ ونحن الطاهرات بلا خفاء * ونحن المصطفون المخلصونا ] [ ونحن الصابرات على البلايا * ونحن الصادقون الناصحونا ] [ ألا يا جدنا قتلوا حسينا * ولم يرعوا جناب الله فينا ] [ ألا يا جدنا بلغت عدانا * مناها واشتفى الاعداء فينا ] [ لقد هتكوا النساء وحملوها * على الاقتاب قهرا أجمعينا ] [ وزينب أخرجوها من خباها * وفاطم واله تبدي الانينا ] [ سكينة تشتكي من حر وجد * تنادي الغوث رب العالمينا ] والقصيدة تركناها خوف الاطالة. قال الراوي: وأما زينب (ع) فأخذت بعضادتي باب المسجد ونادت: يا جداه إني ناعية إليك أخي الحسين (ع)، وهي مع ذلك لا تجف لها عبرة ولا تفتر من البكاء والنحيب، وكلما نظرت إلى علي بن الحسين (ع) تجدد حزنها وزاد وجدها، أقول: وكأني بها (ع) بعد أخيها الحسين (ع) لا زالت باكية العين حزينة القلب منهدة الركن من المصيبة وكأني بلسان حالها يقول: - [ يا غائبا عن أهله أتعود أم * تبقى إلى يوم المعاد مغيبا ] [ يا ليت غائبنا يعود لاهله * فنقول أهلا بالحبيب ومرحبا ] [ لو كان مجروحا لعولج جرحه * كيف العلاج ونور بهجته خبا ] السفر السادس (من المدينة إلى الشام تحت رعاية زوجها عبد الله بن جعفر) أو إلى مصر، مع بعض النساء من بني هاشم على اختلاف الروايات، وسيأتي تفصيل ذلك في الفصل الآتي إن شاء الله

[ 465 ]

الفصل الرابع في وفاتها ومدفنها ورثائها وكراماتها وزيارتها ومدفنها فنقول: إن من المأسوف عليه أن حملة التاريخ على توسعهم في سرد القصص والاحوال في أشياء كثيرة بما يكون القارئ في غنى عنها، أهملوا حقائق من التأريخ تمس إليها حاجة المقب ويشاق إليها طلبة الباحث، ولسنا الآن في صدد الاسباب الباعثة على ذلك، ولعلها لا تخفى على الناقد غير أن المهم في هذا الكتاب هي ناحية واحدة أصبحت من مواضيعه، وهو البحث عن وفاة عقيلة بني هاشم زينب الكبرى، وتحري الوقوف على مدفنها، وإن كانت المصادر التي نستمد منها لا تخلو جملة منها من تشويش واضطراب، وعلى العلات فنحن نقدم إلى القارئ الكريم ما قيل في ذلك ونحيل الحكم إليه، فقيل أنها توفيت في المدينة المنورة، وكان ذلك بعد رجوعهم من الشام، ذكره صاحب (الطراز) عن (بحر المصائب)، ولو صح هذا لبقي لعظيمة بيت الوحي أثر خالد ومشهد يزار كما بقي لمن دونها في المرتبة من بني هاشم بل لمن يمت إليهم بالولاء من رجالات الامة، وقيل أنها توفيت حوالي الشام، نقله صاحب (الطراز) أيضا عن (أنوار الشهادة) و (بحر المصائب) في تفصيل لا مقيل له من ظل الحقيقة، وهو بالروايات الخرافية أشبه فالاعراض عنه أجدر،

[ 466 ]

وقيل أنها توفيت في الشام نقله في (الطراز) أيضا عن (كنز الانساب) لكن قائله تفرد برواية قصة في ذلك لم تتأكد، وقيل أنها توفيت في إحدى قرى الشام نسبه في (الطراز) أيضا إلى بعض المتأخرين، وتلهج الالسن في سبب ذلك بحديث المجاعة التي أصابت أهل المدينة المنورة، فهاجرت مع زوجها عبد الله إلى الشام وتوفيت هنالك، وهو حديث لا أثر له في كتب التاريخ والسير والانساب والتراجم، ولم يذكره المنقبون في الآثار ممن في كتب أهل البيت، كالكليني، والصدوق، والشيخ المفيد، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، وابن شهر أشوب والطبرسي، وابن الفتال، والعلامة الحلي، وابن طاوس والوزير الاربلي، والمجلسي الذي جمع فأوعى وقد احتوت مكتبته على ما لا يوجد في غيرها من آلاف الكتب، وتبرز هو في الاحاطة بالسير والآثار وأخبار أهل البيت (ع)، إلى غيرهم كسبط ابن الجوزي، وابن الصباغ المالكي، وابن طلحة الشافعي، والحافظ الكنجي، وابن الصبان، والشبلنجي، والمحب الطبري، والبدخشي، والسيد علي الهمداني، إلى نظرائهم، وما أدري ولا المنجم يدري من أين جاء القائل بحديث المجاعة، وقد خلت عند زبر الاولين الذين هم اقرب عهد بأمثال هذه الوقائع من هذا القائل وذويه، وأغرب من يدعي وصلا بليل عزاه إلى كتاب لم نجده فيه بعد الفحص والتتبع. أما هذا القبر الذي هو في الشام فقد ذكر جماعة من المؤلفين أنه للسيدة أم كلثوم بنت أمير المؤمنين، والمشهور أن أسمها زينب أيضا، ويفرق بينها وبين اختها زينب الكبرى بالوسطى، ولعل الاصح وأن اسمها رقية للحديث المروي في (ينابيع المودة)، وبه قال جماعة من أهل العلم منهم صاحب كتاب (ذخائر العقبى) قال في ضمن كلامه: وولدت فاطمة (ع) حسنا وحسينا (ع) وزينب ورقية وأم كلثوم، وولدت هذه السيدة بعد أختها زينب الكبرى وكانت من أجل النساء فضلا وزهدا وتقوى وعبادة وشرفا وعفة إلى غير

[ 467 ]

ذلك من الصفات الكريمة والاخلاق الفاضلة، أخذت العلم عن أبيها وأخويها وأختها ونشأت نشأتها المباركة في البيت العلوي الطاهر، ومحل قبرها الشريف بقرية راوية من غوطة دمشق المعروفة بقرية الست. وقيل أن زينب الكبرى توفيت بمصر ولعل الاصح كما نص عليه العبيدلي كما سيأتي، ونقل الموافقة له ناشر كتاب (الزينبيات) عن ابن عساكر الدمشقي في تاريخه الكبير، والمؤرخ ابن طولون الدمشقي في (الرسالة الزينبية)، ووجدنا الموافقة له أيضا في كتاب (لواقح الانوار) للشعراني، وفي كتاب (إسعاف الراغبين) للشيخ محمد صبان بهامش (نور الابصار) وفي كتاب (نور الابصار) للشبلنجي، وفي (الاتحاف) للشبراوي، وفي (مشارق الانوار) لحسن العدوي نقلا عن الشعراني في (الانوار القدسية) و (المنن)، وعن العلامة المناوي في طبقاته، وعن جلال الدين السيوطي في رسالته الزينبية، وعن العلامة الاجهوري في رسالته على مسائل عاشوراء، وقال البحاثة فريد وجدي على ما نقله عنه بعض الاجلاء السيدة زينب بنت علي كانت من فاضلات النساء وشريفات العقائل، ذات تقى وطهر وعبادة، هاجرت إلى مصر وتوفيت بها، وقال العلامة المحقق المطلع الشيخ محمد علي الاردوبادي في قصيدة قالها في رثاء الصديقة زينب وهي طويلة: [ قد عاد مصر للحفيظة مغربا * فسنا ذكاها واضح لن يغربا ] [ بمليكة حسبا زكت فيه ولم * يعقد عليه غير صنويها الحبا ] [ ومن النبوة في أسرة وجهها * بلج كمثل الشمس يجلو الغيهبا ] [ وتضوع منها للخلافة عبقة * تطوى بنفحتها الصحاصح والربى ] [ بجلال أحمد في مهابة حيدر * قد أنجبت أم الائمة زينبا ] [ فيجمع الشرفين بضعة فاطم * حصلت على أكرومة عظمت نبا ] فأشار في البيت الاول وهو مطلع القصيدة إلى محل قبرها الشريف في مصر، وإليك ما ذكره النسابة شيخ الشرف ابن الحسن يحيى بن الحسن

[ 468 ]

العقيقي العبيدلي في (أخبار الزينبيات) على ما حكاه عنه مؤلف كتاب (السيدة زينب)، ذكر أن زينب الكبرى بعد رجوعها من أسر بني أمية إلى المدينة، أخذت تؤلب الناس على يزيد بن معاوية، فخاف عمرو بن سعيد الاشدق انتقاض الامر، فكتب إلى يزيد بالحال فأتاه كتاب يزيد يأمره بأن يفرق بينها وبين الناس، فأمر الوالي بإخراجها من المدينة إلى حيث شاءت، فأبت الخروج من المدينة وقالت: قد علم الله ما صار إلينا قتل خيرنا وسقنا كما تساق الانعام، وحملنا على الاقتاب، فوالله لا أخرج وإن أهرقت دماؤنا. فقالت لها زينب بنت عقيل: يا ابنة عماه قد صدقنا الله وعده وأورثنا الارض نتبوء منها ما نشاء فطيبي نفسا وقري عينا وسيجزي الله الظالمين، أتريدين بعد هذا هوانا، إرحلي إلى بلد آمن، ثم اجتمعت عليها نساء بني هاشم وتلطفن معها في الكلام، فاختارت مصر وخرج معها من نساء بني هاشم فاطمة بن الحسين (ع) وسكينة، فدخلت مصر لايام بقيت من ذي الحجة، فاستقبلها الوالي مسلمة بن مخلد الانصاري في جماعة معه، فأنزلها داره بالحمراء فأقامت بها أحد عشر شهرا وخمسة عشر يوما، وتوفيت عشية الاحد لخمسة عشر يوما مضت من رجب سنة اثنتين وستين هجرية، ودفنت بمخدعها في دار مسلمة المستجدة بالحمراء القصوى، حيث بساتين عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، انتهى نص العبيدلي. يقول مؤلف هذه الوفاة وجامع هذه المقتطفات: لا يخفى على الناقد البصير. أن حديث العبيدلي المذكور، الذي استدل به المؤلف النقدي (أعلا الله مقامه) على مهاجرة زينب الكبرى إلى مصر لا يخلو من الملاحظات والانتقادات والاشياء التي لعلها لا تتناسب مع مقام الصديقة الصغرى (سلام الله عليها)، مثل أنها كانت تؤلب الناس على يزيد، ومثل أنها حلفت أن لا تخرج من المدينة ثم خرجت، ومثل أنها خرجت مع النساء ولم يتعرض لذكر أحد من رجالها كزوجها عبد الله بن جعفر أو أحد بني هاشم، ولم يتعرض إلى

[ 469 ]

أنها استأذنت من زوجها أو من حجة الله الامام زين العابدين (ع)، غير ذلك مضافا إلى ما في الخبر من التهافت والتدافع، مثل أنها دخلت مصر لايام بقيت من ذي الحجة وأقامت بها أحد عشر شهرا وخمسة عشر يوما، وتوفيت لخمسة عشر يوما مضت من رجب، وإن كان الصحيح أن دخولها مصر على تقدير صحة الخبر في غرة شعبان كما في كتاب (بطلة كربلاء) لبنت الشاطئ كما لا يخفى وكيف كان فالارجح عندي أنها (ع) توفيت في الشام في النصف من شهر رجب من العام الخامس والستين من الهجرة وهو عام المجاعة، وذلك بمحضر زوجها الجواد عبد الله بن جعفر، ودفنت في إحدى قراه المعروفة برواية من غوطة دمشق المشتهرة الآن بقرية الست، والدليل على ما اخترناه ثلاثة أمور: الامر الاول ما ذكره الفاضل الشيخ محمد مهدي المازندراني في الجزء الثاني من كتابه (معالي السبطين)، والفاضل الخطيب السيد جاسم السيد حسن شبر في كتابه (البلاغة العلوية) نقلا عن البحاثة المحقق آية الله السيد حسن صدر الدين (طاب ثراه)، قال في كتابه (نزهة أهل الحرمين): زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين (ع) وكنيتها أم كلثوم قبرها في قرب زوجها عبد الله بن جعفر الطيار خارج دمشق الشام معروف، جاءت مع زوجها عبد الله بن جعفر أيام عبد الملك بن مروان إلى الشام سنة المجاعة ليقوم عبد الله بن جعفر في مكان له من القرى والمزارع خارج الشام حتى تنقضي المجاعة، فماتت زينب (ع) هناك ودفنت في بعض تلك القرى، هذا هو التحقيق في وجه دفنها هناك، وغيره غلط لا أصل له، فاغتنم فقد وهم في ذلك جماعة فخبطوا خبط العشواء انتهى كلام السيد الصدر (أعلى الله مقامه)، وقوله: قبرها في قرب زوجها تصحيف وغلط مطبعي، والصحيح قبرها في قرى زوجها كما تدل عليه العبارة الآتية وهي قوله: ودفنت في بعض تلك القرى، فتنبه.

[ 470 ]

الامر الثاني ما نقله المازندراني في الجزء الثاني من (المعالي) عن العلامة الجليل ثقة الاسلام السيد هبة الدين الشهرستاني أنه قال: لامير المؤمنين (ع) بنتان بهذا الاسم الصغرى تلقب أم كلثوم والكبرى هي سيدة الطف، وكان ابن عباس ينوه عنها بعقيلة بني هاشم ولدتها الزهراء (ع) بعد شقيقها الحسين بسنتين، وتزوجها عبد الله ابن عمها جعفر الطيار، وكانت قطب دائرة العيال في المخيم الحسيني وقد أفرغ لسان الملك ترجمتها في مجلد خاص من موسوعة (ناسخ التواريخ)، وجاء في (الخيرات الحسان) وغيره: أن مجاعة أصابت المدينة فرحل عنها بأهله عبد الله بن جعفر إلى الشام في ضيعة له هناك، وقد حمت زوجته زينب (ع) من وعثاء السفر أو ذكريات أحزان وأشجان من عهد سبي يزيد لآل الرسول (ص)، ثم توفيت على أثرها في نصف رجب سنة خمس وستين من الهجرة ودفنت هناك حيث المزار المشهور. الامر الثالث قول الذاكر الخطيب الشيخ حسن بن الشيخ كاظم سبتي في أواخر قصيدته التي قالها في شرح أحوال الصديقة الصغرى قال تحت عنوان سبب وفاتها: - [ وزوجها ابن عمها الطيار عبد * الله بارى في السخاء السحبا ] [ لما أصابت يثربا مجاعة * وشدة وعامهم قد قطبا ] [ فسار عبد الله ينحو الشام في * عياله يحملهم وزينبا ] [ لكن وعثاء الطريق أثرت * بها فكابدت عناء نصبا ] [ فعندما تذكرت دخولها * للشام حسرى وهي في أسر السبا ] [ حمت وما زالت تعاني سقما * وسقمها في جسمها قد نشبا ] [ وعام خمسة وستين قضت * صابرة بالصبر حازت رتبا ]

[ 471 ]

[ وقد مضت عنا بنصف رجب * يا ليت انا لم نشاهد رجبا ] فكأني بها (صلوات الله عليها) لما قرب منها الموت وحانت منها المنية، اضطجعت على فراشها واستقبلت القبلة، وقالت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن جدي محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأن أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأخوي الحسن والحسين وعلي بن الحسين وبقية الائمة الطاهرين (ع) أئمتي وأوليائي وإن جميع ما جاء به جدي رسول الله (ص) حق ومن عند الحق، وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وكأني بها سلام الله عليها عند احتضار الموت قد غمضت عينيها ومدت يديها ورجليها وقرأت سورة يس والصافات، وفاضت نفسها الطيبة وفارقت روحها الدنيا، وكأني بمن حضر هذه الكارثة العظمى والفادحة الكبرى من نساء ورجال قد علا منهم الصياح، وارتفع النياح، وكثر منهم الضجيج والعجيج، ولطموا الخدود، وشققوا الجيوب، ونادوا بالويل والثبور وعظائم الامور، فلم ير في ذلك اليوم إلا باك وباكية وناع وناعية، ونائح ونائحة، وصارخ وصارخة، ينادون وازينباه، واسيدتاه، واغريبتاه، وامصيبتاه، وافجعتاه، واوحشتاه، واطول حزناه، واثكلاه، وكأني بزوجها الحزين مع من حضر من الجمع قد قاموا في جهازها، فغسلوها وكفنوها، وصلوا عليها، ودفنوها في قبرها، وأهالوا عليها التراب فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولله در الفاضل الخطيب الميرزا محمد الخليل النجفي حيث يقول في قصيدة له في رثائها عليها السلام: - [ إذا نابك الدهر لا تعجب * فليس على الدهر من متعب ] [ ولا تغترر بابتساماته * فبالناب يغدر والمخلب ] [ وكن جلدا عند دهم الخطوب * فمن يرتدي الصبر لم يغلب ] [ وإن دهمتك صروف الزمان * تذكر عقيلة آل النبي ]

[ 472 ]

[ تذكر مصائبها سلوة * وحمر الدموع عليها اسكب ] [ فكل النوائب تسلى لدى * نوائب خير النسا زينب ] [ وناهيك أرزاؤها في الطفوف * فمهما تحدثت لم تكذب ] [ رزايا يحار لديها الصبور * احتمالا ومنها يشيب الصبي ] [ وقد قابلتها بكظم الوصي * وصبر البتول وحلم الوصي ] [ إلى أن قضت وهي حلف الاسى * بصبر لدى الدهر لم ينضب ] [ فيا قلب ذب بعدها حسرة * ويا عين فيضي لها واسكبي ]

[ 473 ]

أما رثاؤها (ع) فهو كثير لا يحصى نظما ونثرا، ولكن لا يسقط الميسور بالمعسور، فنقول من جليله الحقائق أن نظم القريظ في أي أحد فيه إشادة بذكره، وإقامة لامره، فإن المأثرة مهما عظمت فقد تنسى ويخمل ذكرها بمرور الحقب والاعوام، لكن الشعر الخالد الذي تسير به الركبان يؤيد ذلك الفضل البائد، ويلفت الانظار إلى جهته، وبما أن ذكرى أهل بيت العصمة (صلوات الله عليهم) هي أساس الدين وجذم الاصلاح لما يتبعها من اعتناق تعاليمهم واقتفاء آثارهم، تواتر الحث على سرد الشعر فيهم مدحا ورثاء ورتبت عليه المثوبات العظيمة في أحاديث أئمة الهدى (ع) وعد ذلك أفضل الطاعات. ففي (عيون الاخبار) لشيخنا الصدوق رحمه الله بالاسناد عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: قال أبو عبد الله الصادق (ع) من قال فينا بيت شعر بنى الله له بيتا في الجنة، وفيه عن علي بن سالم عن أبيه عن الصادق (ع) أنه قال ما قال فينا قائل بيت شعر حتى يؤيد بروح القدس، إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة. وبما أن زينب العقيلة (سلام الله عليها) من أولئك الافراد الذين هم عمد الدين وأعضاد الشريعة وقد شاركت الحسين (ع) في نهضته المقدسة والذب عن

[ 474 ]

شريعة جدها الرسول، تبادر أفذاذ ممن يمتهم الولاء إلى تحري ذلك الاجر الجزيل بنظم مدائحها ومراثيها. فمن أولئك الافذاذ حجة الاسلام آية الله المغفور له الشيخ محمد حسين الاصفهاني المتوفي 5 - 12 عام 1361 ه‍. قال أعلى الله مقامه: - [ وليت وجهي شطر قبلة الورى * ومن بها تشرفت أم القرى ] [ قطب محيط عالم الوجود * في قوسي النزول والصعود ] [ ففي النزول كعبة الرزايا * وفي الصعود قبلة البرايا ] [ بل هي باب حطة الخطايا * وموئل الهبات والعطايا ] [ ام الكتاب في جوامع العلا * أم المصاب في مجامع البلا ] [ رضيعة الوحي شقيقة الهدى * ربيبة الفضل خليفة الندى ] [ ربة خدر القدس والطهارة * في الصون والعفاف والخفارة ] [ فإنها تمثل الكنز الخفي * بالسر والحياء والتعفف ] [ تمثل الغيب المصون ذاتها * تعرب عن صفاته صفاتها ] [ مليكة الدنيا عقيلة النسا * عديلة الخامس من أهل الكسا ] [ شريكة الشهيد في مصائبه * كفيلة السجاد في نوائبه ] [ بل هي ناموس رواق العظمة * سيدة العقائل المعظمة ] [ ما ورثته من الرحمة * جوامع العلم أصول الحكمة ] [ سرابها في علو الهمة * والصبر في الشدائد الملمة ] [ ثباتها ينبئ عن ثباته * كان فيها كل مكرماته ] [ لها من الصبر على المصائب * ما جل أن يعد في العجائب ] [ بل كاد أن يلحق بالمعاجز * لانه حرفة كل عاجز ] [ فإنها سلالة الولاية * ولاية ليس لها نهاية ] [ بيانها يفصح عن بيانه * كأنها تفرغ عن لسانه ]

[ 475 ]

[ ناهيك فيه الخطب المأثورة * فإنها كالدرر المنثورة ] [ بل هي لولا الحط من مقامها * كاللؤلؤ المنضود في نظامها ] [ فإنها وليدة الفصاحة * والدها فارس تلك الساحة ] [ وما أصاب أمها من البلا * فهو تراثها بطف كربلا ] [ لكنها عظيمة بلواها * من الحرب شاهدت دهاها ] [ رأت هجوم الخيل بالنار على * خبائها أو محور السبع العلى ] [ وأسلبوا يا ويلهم قرارها * مذ سلبوا إزارها خمارها ] [ وسبيهم ودائع المختار * عار على الاسلام أي عار ] [ يكاد أن يذهب بالعقول * سبي بنات الوحي والتنزيل ] [ وما رأت بالطف من أهوالها * جل عن الوصف بيان حالها ] [ ومن يطيق وصف سوء حالها * مذ رأت السبط على رمالها ] [ معفر الخد مضرجا بدم * لهفي على جمال سلطان القدم ] [ وحولها فتيانه على الثرى * كالشهب الزهر تحف القمرا ] [ واها على كواكب السعود * عقد نظام الغيب والشهود ] [ كيف هوت وانتثرت أشلاؤها * بأي ذنب سفكت دماؤها ] [ وشاهدت ريحانة الرسول * تدوسها حوافر الخيول ] [ فأصبحت خزانة اللاهوت * حلبة خيل الجبت والطاغوت ] [ صدر تربى فوق صدر المصطفى * ترضه الخيل على الدنيا العفا ] [ ترى العوالي مركز المعالي * مدرجة لذروة الكمال ] [ وهي عرش وعليه التاج * أو أنها البراق والمعراج ] [ نال من العروج ما تمنى * كقاب قوسين دنا أو أدنى ] [ حتى تجلى قائلا إني أنا * من شجر القناة في طور القنا ] [ لسان حاله لسلطان القدم * سعيا على الرأس إليك لا القدم ] [ وسوقها إلى يزيد الطاغية * أشجى فجيعة وأدهى داهية ] [ وما رأته في دمشق الشام * يذهب بالعقول والاحلام ]

[ 476 ]

[ أمامها رأس الامام الزاكي * وخلفها النوائح البواكي ] [ أو الكتاب الناطق المبين * حف به الحنين والانين ] [ وأفظع الكل دخول الطاهرة * حاسرة على ابن هند العاهرة ] [ وما لها ومجلس الشراب * وهي ابنة السنة والكتاب ] [ أتوقف الحرة من آل العبا * بين يدي طليقها واعجبا ] [ يشتمها طاغية الالحاد * وهي سلالة النبي الهادي ] [ بل سمعت من ذلك اللعين * سب أبيها وهو أصل الدين ] [ أتنسب الطاهرة الصديقة * للكذب وهي أصدق الخليقة ] [ واحر قلباه لقلب الحرة * فما رأته لا أطيق ذكره ] [ شلت يد مدت بقرع العود * إلى ثنايا العدل والتوحيد ] [ تلك الثنايا مرشف الرسول * وملثم الطاهرة البتول ] [ وما حناه باللسان أعظم * وكفره المكنون منه يعلم ] [ وقد أبانت كفر ذاك الطاغي * بأحسن البيان والبلاغ ] [ حنت بقلب موجع محترق * على أخيها فأجابها الشقي ] [ يا صيحة تحمد من صوائح * ما أهون النوح على النوائح ] ومن أولئك الافذاذ الخطيب الشيخ حسن بن الشيخ كاظم سبتي، وإليك ما قاله شارحا أحوال الصديقة (ع) وفضلها: [ سل زينبا عما عليهم جرى * عما عليهم جرى سل زينبا ] [ هي العقيلة التي عنها روى * الحبر ابن عباس وعنها كتبا ] [ عامين من بعد شقيقها الحسين * ولدت أهلا بها ومرحبا ] [ أول شعبان أتى ميلادها * أضاء نورها فأخفى الكوكبا ] [ وبشر النبي لما ولدت * وهو على المنبر يلقي الخطبا ] [ بشره سلمان فيها بعد ما * وافاه جبريل بذاك مطنبا ]

[ 477 ]

[ وقال سماها الاله في السما * بزينب لما تقاسي نوبا ] [ فأم دار ابنته فاطمة * مهنيا لها بها مرحبا ] جلالة قدرها [ إن قصدت تزور قبر جدها * شوقا إليه إذ هم بيثربا ] [ اخرجها ليلا أمير المومنين * والحسين والزكي المجتبى ] [ يسبقهم أبوهم فيطفئ * الضوء الذي في القبر قد ترتبا ] [ قيل له لم ذا فقال إنني * أخشى بأن تنظر عين زينبا ] مكارم أخلاقها [ روحي لها الفداء من مصونة * زكية كريمة ذات إبا ] [ ذات عفاف ووقار وحجى * من شرفت أما وجدا وأبا ] [ أحمد جدي وعلي والدي * وفاطم أم فأكرم نسبا ] [ تكفلت أثقل ما في الدار * بعد أمها من أيام الصبا ] [ وجرعت ما جرعته أمها * من الاذى ما منه تنسف الربى ] علمها [ عيبة علم غير أن علمها * غريزة ولم يكن مكتسبا ] [ عالمة عاملة لربها * طول المدى سوى التقى لن تصبحا ] [ تقية من أهل بيت عصمة * شقيقة السبط الحسين المجتبى ] [ صديقة كبرى لجم علمها * طاشت بها الالباب والفكر كبا ] [ فيا لها داعية إلى الهدى * في حل كل مشكل قد صعبا ] [ ذات فصاحة إذا ما نطقت * حينا تخال المرتضى قد خطبا ] [ سل مجلس الشام وما حل به * مذ خطبت ماج بهم واضطربا ]

[ 478 ]

صبرها [ لله من صابرة على الاذى * تجرعت مع الحسين الكربا ] [ ألفته فردا أو عداه أقبلت * وخيلهم ملؤ الفيافي والربى ] [ واحتوشته بالرماح فارتوت * من دمه سمر الرماح والضبا ] [ وأبصرته مذ هوى إلى الثرى * مصافحا ذاك المحيا التربا ] [ رأته في مصرعه مخذم * الجسم لقى معفرا قد سلبا ] [ ملقى على وجه الصعيد عاريا * والشمر فوق صدره قد ركبا ] [ وخيلهم تعدو على جثمان من * نشا على صدر النبي قربا ] [ ورأسه شيل على مثقف * مرتفع أمامها قد نصبا ] [ مرتلا آيات أهل الكهف * لكن بالدماء شيبه قد خضبا ] [ وشاهدت ما في الحما مقسما * إلى العدى مغتنما حتى الخبا ] [ فكابدت بالطف ما لو بعضه * صبت على الهضاب هد الهضبا ] في أنها كانت سلوة وعزاء للسجاد طيلة مرضه [ ومذ عرا زين العباد السقم * بالطف لما عانى بلاء مكربا ] [ كان له بها السلو والعزا * بعد أبيه دون كل الاقربا ] [ فلم تزل تنبى بما يزيده * الله بأحسن الحديث والنبا ] [ ما دام زين العابدين مجهدا * يشكو السقام والعنا والوصبا ] سبب وفاتها [ وزوجها ابن عمها الطيار عبد * الله بارى في السخاء السحبا ] [ لما أصابت يثربا مجاعة * وشدة وعامهم قد قطبا ] [ فسار عبد الله بنحو الشام في * عياله يحملهم وزينبا ] [ لكن وعثاء الطريق أثرت * بها فكابدت عناء نصبا ]

[ 479 ]

[ فعندما تذكرت دخولها * للشام حسرى وهي في أسر السبا ] [ حمت وما زالت تعاني سقما * وسقمها في جسمها قد نشبا ] [ وعام خمسة وستين قضت * صابرة بالصبر حازت رتبا ] [ وقد مضت عنا بنصف رجب * يا ليت أنا لم نشاهد رجبا ] للعالم الفاضل شاعر أهل البيت (ع) الشيخ محمد نصار: [ هاج وجدي لزينب إذ عراها * فادح في الطفوف هد قواها ] [ يوم أضحت رجالها غرضا للنبل * والسمر فيه هاج وغاها ] [ ونعت بين نسوة ثاكلات * تصدع الهضب في حنين بكاها ] [ آه وا لهفتاه ما ذا تقاسي * من خطوب تربو على ما سواها ] [ ولمن تسكب المدامع من عين * جفا جفنها لذيذ كراها ] [ النهب الخيام أم لعليل * ناحل الجسم أم على قتلاها ] [ أم لاجسامهم على كثب الغبر * أم مخضوبة بفيض دماها ] [ أم لرفع الرؤوس فوق عوالي السمر * أم رض صدر حامي حماها ] [ أم لاطفالها تقاسي سياق الموت * أم عظم سيرها وسراها ] [ أم لسير النساء بين الاعادي * ثاكلات يندبن يا آل طاها ] [ وهي ما بينهن تندب من قد * ندبته الاملاك فوق سماها ] وأما الكرامات المروية عن زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين (ع) والمنقولة في الكتب العربية والفارسية كثيرة، ولا بأس بذكر واحدة من تلك الكرامات تيمنا وتبركا فنقول: من كراماتها الباهرة ما نقله العلامة النوري في كتابه (دار السلام) قال: حدثني السيد السند، والحبر المعتمد، العالم العامل، وقدوة أرباب الفضائل، والبحر الزاخر، عمدة العلماء الراسخين السيد محمد باقر السلطان آبادي نفع الله به الحاضر والبادي قال: عرض لي في أيام اشتغالي ببروجرد

[ 480 ]

مرض شديد، فرجعت من بروجرد إلى سلطان آباد، فاشتد بي المرض بسبب هذه الحركة، وانصبت المواد في عيني اليسرى فرمدت رمدا شديدا، واعتراها بياض وكان الوجع يمنعني من النوم، فأحضر والدي أطباء البلد للعلاج، ولما رأوا حالتي قال أحدهم: يلزم أن يشرب الدواء مدة ستة أشهر، وقال الآخر: مدة أربعين يوما، فضاق صدري وكثر همي من سماع كلماتهم لكثرة ما كنت شربت من الدواء في تلك المدة وكان لي أخ صالح تقي أراد السفر إلى المشاهد العظيمة وزيارة سادات البرية، فقلت له: أنا أيضا أصاحبك للتشرف بتلك الاعتاب الطاهرة، لعلي أمسح عيني بترابها الذي هو دواء لكل داء، ويأتيني ببركاتها الشفاء فقال لي: كيف تطيق الحركة مع هذا المرض العضال وهذا الوجع القتال ؟ ولما بلغ الاطباء عزمي على السفر قالوا بلسان واحد: إن بصره يذهب في اول منزل أو ثاني منزل، فتحرك أخي وأنا جئت إلى بيته بعنوان مشايعته في الظاهر، وكان هناك رجل من الاخيار سمع قصتي فحرضني على الزيارة وقال لي: لا يوجد لك شفاء إلا لدى خلفاء الله وحججه، فإني كنت مبتلى بوجع في القلب مدة تسع سنين وكلت الاطباء عن تداويه، فزرت أبا عبد الله الحسين (ع) فشفاني بحمد الله من غير تعب ومشقة، فلا تلتفت إلى خرافات الاطباء، وامض إلى الزيارة متوكلا على الله تعالى، فعزمت من وقتي على السفر، فلما كنا في المنزل الثاني من سفرنا اشتد بي المرض ليلا. ولم استقر من وجع العين، فأخذ من كان يمنعني من السفر يلومني، واتفق أصحابي كلهم على أن أعود إلى بلدي الذي جئت منه، فلما كان وقت السحر وسكن الوجع قليلا رقدت فرأيت الصديقة الصغرى زينب بنت إمام الاتقياء عليه آلاف التحية والثناء، فدخلت علي وأخذت بطرف مقنعة كانت في رأسها وأدخلته في عيني ومسحت عيني به، فانتبهت من منامي وأنا لم أجد للوجع أثرا في عيني، فلما أصبح الصباح قلت لاصحابي لم أجد اليوم ألما في عيني فلا تمنعوني من السفر، فما تيقنوا مني فحلفت لهم وسرنا، فلما أخذنا في السير رفعت المنديل الذي كان على عيني المريضة ونظرت إلى البيداء وإلى الجبال

[ 481 ]

فلم أر فرقا بين عيني اليمنى الصحيحة واليسرى المريضة، فناديت الرفقاء وقلت لهم: تقربوا مني وانظروا في عيني، فنظروا وقالوا: سبحان الله لا نرى في عينك رمدا ولا بياضا ولا أثرا من المرض، ولا لفرق بين عينك اليمنى واليسرى، فوقفت وناديت الزائرين جميعا وقصصت لهم رؤياي وكرامة الصديقة الصغرى زينب (سلام الله عليها)، ففرح الجميع وأرسلت البشائر إلى والدي فاطمأن خاطره بذلك. قال العلامة النوري: وحدثني بتلك الكرامة شيخنا الجليل النبيل والعالم الذي عدم له النظير والبديل المولى فتح علي السلطان، آبادي قال: إنه شاهد هذه الحكاية بنفسه. يقول مؤلف هذه الوفاة وجامع هذه المقتطفات: وجدت في كتاب (السيدة زينب) تأليف الشيخ أحمد فهمي زيارة الصديقة زينب (ع) قال: وقد ذكر في كتاب ذخيرة العباد في زيارة قبر السيدة زينب بنت علي (ع) قف عند قبرها وقل:

[ 483 ]

زيارة زينب (ع) بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليك يا بنت سلطان الانبياء، السلام عليك يا بنت صاحب الحوض واللواء، السلام عليك يا بنت فاطمة الزهراء، السلام عليك يا بنت خديجة الكبرى، السلام عليك يا بنت سيد الاوصياء وركن الاولياء أمير المؤمنين، السلام عليك يا بنت ولي الله، السلام عليك يا ام المصائب يا زينب بنت علي ورحمة الله وبركاته، السلام عليك أيتها الفاضلة الرشيدة، السلام عليك أيتها العاملة الكاملة، السلام عليك أيتها الجليلة الجميلة، السلام عليك أيتها التقية النقية، السلام عليك أيتها المظلومة المقهورة، السلام عليك أيتها الرضية المرضية، السلام عليك يا تالية المعصوم، السلام عليك يا ممتحنة في تحمل المصائب بالحسين المظلوم، السلام عليك أيتها البعيدة عن الآفاق، السلام عليك أيتها الاسيرة في البلدان، السلام على من شهد بفضلها الثقلان، السلام عليك أيتها المتحيرة في وقوفك في القتلى وناديت جدك رسول الله (ص) بهذا النداء: صلى عليك مليك السماء هذا حسين بالعراء مسلوب العمامة والرداء مقطع الاعضاء وبناتك سبايا، السلام على روحك الطيبة وجسدك الطاهر، السلام عليك يا مولاتي وابنة مولاي وسيدتي وابنة سيدتي ورحمة الله وبركاته، أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت

[ 484 ]

الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وأطعت الله ورسوله وصبرت على الاذي في جنب الله حتى أتاك اليقين، فلعن الله من جحدك ولعن الله من ظلمك ولعن الله من لم يعرف حقك ولعن الله أعداء آل محمد من الجن والانس من الاولين والآخرين وضاعف عليهم العذاب الاليم. أتيتك يا مولاتي وابنة مولاي قاصدا وافدا عارفا بحقك فكوني شفيعا إلى الله في غفران ذنوبي، وقضاء حوائجي، واعطاء سؤلي وكشف ضري، وأن لك ولابيك وأجدادك الطاهرين جاها عظيما وشفاعة مقبولة، السلام عليك وعلى آبائك الطاهرين المطهرين وعلى الملائكة المقيمين في هذا الحرم الشريف المبارك ورحمة الله وبركاته. ثم صل ركعتين لله تعالى قاصدا إهداء ثوابهما إليها، ثم ادع الله عزوجل بما أحببت فإن قبرها أحد الاماكن المجاب فيها الدعاء. وقبل انصرافك اتجه إلى قبرها وودعه بهذا: السلام عليك يا سلالة سيد المرسلين، السلام عليك يا بنت أمير المؤمنين، السلام عليك يا بنت فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، أستودعك الله واسترعيك وأقرأ عليك السلام، أللهم لا تجعله آخر العهد مني لزيارة أم المصائب زينب بنت علي، فإني أسألك العود ثم العود أبدا ما أبقيتني وإذا توفيتني فاحشرني في زمرتها وادخلني في شفاعتها وشفاعة جدها وأبيها وأمها وأخيها برحمتك يا أرحم الراحمين. أللهم بحقها عندك ومنزلتها لديك اغفر لي ولوالدي ولجميع المؤمنين والمؤمنات وسيدتي وابنة سيدتي ورحمة الله وبركاته، أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت

[ 484 ]

الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وأطعت الله ورسوله وصبرت على الاذي في جنب الله حتى أتاك اليقين، فلعن الله من جحدك ولعن الله من ظلمك ولعن الله من لم يعرف حقك ولعن الله أعداء آل محمد من الجن والانس من الاولين والآخرين وضاعف عليهم العذاب الاليم. أتيتك يا مولاتي وابنة مولاي قاصدا وافدا عارفا بحقك فكوني شفيعا إلى الله في غفران ذنوبي، وقضاء حوائجي، واعطاء سؤلي وكشف ضري، وأن لك ولابيك وأجدادك الطاهرين جاها عظيما وشفاعة مقبولة، السلام عليك وعلى آبائك الطاهرين المطهرين وعلى الملائكة المقيمين في هذا الحرم الشريف المبارك ورحمة الله وبركاته. ثم صل ركعتين لله تعالى قاصدا إهداء ثوابهما إليها، ثم ادع الله عزوجل بما أحببت فإن قبرها أحد الاماكن المجاب فيها الدعاء. وقبل انصرافك اتجه إلى قبرها وودعه بهذا: السلام عليك يا سلالة سيد المرسلين، السلام عليك يا بنت أمير المؤمنين، السلام عليك يا بنت فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، أستودعك الله واسترعيك وأقرأ عليك السلام، أللهم لا تجعله آخر العهد مني لزيارة أم المصائب زينب بنت علي، فإني أسألك العود ثم العود أبدا ما أبقيتني وإذا توفيتني فاحشرني في زمرتها وادخلني في شفاعتها وشفاعة جدها وأبيها وأمها وأخيها برحمتك يا أرحم الراحمين. أللهم بحقها عندك ومنزلتها لديك اغفر لي ولوالدي ولجميع المؤمنين والمؤمنات وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا برحمتك عذاب النار وصلى الله على سيدنا محمدا وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية